Jun 2, 2010

تاريخ الفيلم | حال السينما الأميركية اليوم | كوينتين تارانتينو وفيلم جديد قديم | "في دم بارد" لرتشارد بروكس - مهنّد الجندي | بن كينغسلي يتحدّث لمحمد رُضا

Year 3 | Issue 516


مفكرتي العزيزة  | محمد رُضا

البحر وفلسطين | احتلال فلسطين قبل أكثر من ستين سنة تمّ عن طريق البحر. هجرة الفلسطينيين الذين هربوا من القمع والوحشية الصهيونية كانت عن طريق البحر. تغيير الواقع على الأرض الذي تطوّر مطلع هذا الأسبوع عبر السفن المدنية التي حاولت الوصول الى غزة لفك حصارها، يتم عن طريق البحر. ربما البحر هي النقطة الأضعف في الكيان الغاصب. ربما قدرياً هو البداية والنهاية. بالتأكيد لعب البحر هذه الأدوار والا لما كانت هناك ذات المشكلة٠
أسترجع والإسرائيليين يجنون ثمن حماقتهم المتزامنة من حين احتلالهم فلسطين (والا لعملوا على خلق الدولتين على الأقل) ذلك المشهد الرائع للمخرج جان- لوك غودار  في فيلمه الآسر "موسيقانا" (2004)  الذي يشرح فيه لطلابه تاريخ القضية الفلسطينية بصورتين يراهما المخرج تناقضاً يوجز الكثير من الشرح والمعرفة
يسحب صورة لقارب يصل الى الشواطيء الفلسطينية وعليه مهاجرين يهود . هذا فعل٠
يسحب صورة أخرى لقارب يغادر الشواطيء الفلسطينية وعليه مهجّرين فلسطينيين: هذا رد فعل على الفعل الأول٠
في فيلمه الجديد "اشتراكية فيلم" يمر على الموضوع الفلسطيني بطريقته الخاصّة. لا يوثّق ولا يروي بل يعكس رأياً مفاده تأييد حق مر عليه أكثر من ستين سنة وهو مداس بأقدام البرابرة الجدد. العالم حاول طوال تلك الفترة أن ينظر الى بحر آخر. لكن البحر الفلسطيني شدّهم إليه من جديد٠
ولا أريد أن أقول أكثر من ذلك٠

مبروك يا عمر |  وصلتني الرسالة التالية من الصديق عمر منجونة، أحد المواظبين منذ البداية على هذا الموقع قراءة وكتابة وفيها ما يفرح حقّاً 
يقول بعد التحية أنه انشغل في الفترة الماضية بشيئين إثنين: الأول هو، والكلام له الآن، "اكتشاف ذلك الباقي من رائحة تاركوفسكى (بيلا تار) الذي سمعت عنه للمرة الأولي حينما قرأت نقد حضرتك لفيلم (رجل من لندن) وكان اكتشافا مثمرا بالفعل, رأيت "ألحان
وركمايستر" (الصورة

(Werckmeister Harmonies - Damnation)
بالاضافة الى رجل من لندن بالطبع. أتمنى أن تتقوم بالكتابة عنه مستقبلا فهو يبدو لي مهدور الحق تماما بالنسبة لقراء العربية"٠
وهو فعلاً كذلك يا عمر. الأمر الثاني أكثر مدعاة للسرور. لقد قرر عمر الإمساك بالكاميرا (لأول مرّة) لكي يسجل بها شيئاً: " قد لا يكون كبير القيمة - لكنه يمثل تجربه مفيدة للغاية. ما يمكن أن أسميه (فيلمي القصير الأول) ان جاز التعبير, اشتركت فى تحقيقه مع صديقة لي كانت تجرب أيضا وتدعى (منة الوكيل)٠
اعذرني أستاذ محمد على الاطالة لكني سعيد باخبارك لأنك كنت أول من شجعني على المضي قدما منذ راسلتك أول مرة (سائلا عن المخرج ودورا أحيانا , مرورا بشكوى من أوضاع ثقافية واجتماعية, أو فقط معلقا خفيفا) والأن بعد أن حققت هذا الفيلم (اسمح لي أن أسميه هكذا) أشعر أن لدي طموحا بلا حدود, وأن قدرى قد حتم علي الدخول في هذا العالم. (لأكون زميلا لبيرجمان وتاركوفسكى ومحمد خان... في يوم من الأيام).. ربما يغلب طابع الحماس الشديد على كلامي لكنه بالتأكيد أفضل من القبوع فى بهو اليأس"٠
لا أدري ما الذي أستطيع أن أقوله سوى مبروك ومبروك كثيراً. دوري لا يُذكر مقابل الخطوة التي قمت بها. كل ما هو مطلوب الآن يا صديقي هو أن تستمر. الحماس ضروري وفي ساعات الريب قارن بين: أنا أفعل- أنا لا أفعل وستجد أنك ستختار الحل الأول٠
تحياتي الصادقة٠
بالمناسبة هذا هو  رابط فيلم بيلا تار. شاهدوه لأني سأعود الى الحديث عن بيلا تار قريباً٠
http://www.youtube.com/watch?v=aAD1Nqpv3ig

Roundhay Garden Scene (1880) 
تاريخ السينما | دخلت نقاشاً فضّلت أن لا أستمر به مع صديق عزيز. كنت أقول أن تاريخ السينما بدأ قبل مئة وعشرين سنة وذكرت التاريخ: 1888 فقال: تقصد 1895 على يدي لوميير
أنا: لا قبل لوميير أخرج لويس أوغوستين لو برينس فيلمين سنة 1888 هما أول فيلمين على شريط سينمائي في العالم٠
هو: لا. لوميير أوّل من أخرج الأفلام. ربما من تذكر لم ينجز أفلاماً بل محاولات
أنا: لا. أنجز فيلمين وتستطيع أن تشاهد أحدهما بالبحث عنه في غوغل
هو: بداية السينما من بداية أول عرض٠
أنا: حتى هذا هو خطأ منتشر. هناك أخوين ألمانيين قاما بعرض أفلامهما للجمهور قبل الأخوين لوميير ببضعة أشهر. يا صديقي هذا ليس رأياً نتناقش فيه. هذه حقائق. لم أصنعها او استخرجها من جيبي. بل باتت منتشرة منذ نحو عشرين سنة
 Trafalgar Squire (1890) 
 
 ثم توقّفت. شيء أن تتحدّث في رأي وتحاول ضحده وكلّنا والحمد لله مليئين بالآراء، وشيء آخر أن تستند الى وقائع وحقائق ثابتة فيعاملها الآخر كما لو أنه رأي جاء به المتحدّث٠
من السيد غوغل المعلومات التالية واخترتها من هناك حتى لا أتدخّل في السياق بنفسي لأن هناك مراجع أخرى أمضيت فيها وقتاً طويلاً أبحث وأقلّب لأحد تاريخ مولدي ووجدتني أكتفي بالعام 1888 علما بأن هذا التاريخ هو تاريخ الفيلم وليس تاريخ السينما. تاريخ السينما قد يمتد إذا شئت للقرن العاشر حينما وضع الحسن بن الحسن بن الهيثم (من مواليد البصرة سنة 965 ميلادية) أسس ومباديء التصوير الفوتوغرافي (هذا أيضاً ليس رأياً- هذا غوغل ومراجعه)٠
إذاً ها هو ملخص تاريخ الفيلم
1888
Roundhay Garden Scene   لويس لو برينس يخرج
Leeds Bridge    لويس لو برينس يخرج
1890
ووردسوورث دونيستروب و و.س. كروفتس يصوّران فيلماً في لندن حول ميدان ترافلغر سكوار الشهير٠
1895
في شهر نوفمبر قام إميل وماكس سكادانوفسكي بعرض  فيلم صوّراه في برلين (لا إسم لذلك الفيلم)٠
في شهر ديسمبر قام الأخوين الفرنسيين لوميير بعرض مجموعة أفلامهما في باريس٠
 بالنتيجة، وكما يمكن ملاحظة الجدول التالي، هناك عدّة أفلام تم تحقيقها قبل  أفلام لوميير سنة 1895
وحتى نهاية العقد الأخير من القرن التاسع عشر وهذه القائمة ليست كاملة بكل تأكيد

▪ ٍRoundhay Garden Scene (Louis Le Prince 1888)
▪ Leeds Bridge (Louis Le Prince, 1888).
    ▪     London's Trafalgar Square (Wordsworth Donisthorpe and W. C. Crofts 1890)
    ▪     Monkeyshines (William Dickson and William Heise 1890)
    ▪     Dickson Greeting (William Dickson 1891)
    ▪     Blacksmith Scene (William Dickson 1893)
    ▪     Fred Ott's Sneeze (William Dickson 1894)
    ▪     Fred Ott Holding a Bird (William Dickson 1894)
    ▪     Buffalo Dance (William Dickson 1894)
    ▪     Dickson Experimental Sound Film (William Dickson 1895)
    ▪     L'Arrivée d'un train en gare de La Ciotat (Auguste and Louis Lumière 1895)
    ▪     Workers Leaving the Lumière Factory (Louis Lumière 1895)
    ▪     L'Arroseur Arrosé (Louis Lumière 1895)
    ▪     Baignade en mer (Georges Méliès 1896)
    ▪     The Kiss (William Heise 1896)
    ▪     La Fée aux Choux (Alice Guy Blaché 1896)
    ▪     Rip van Winkle (William Dickson 1896)
    ▪     Admiral Cigarette (William Heise 1897)
    ▪     The Milker's Mishap (director unknown 1897)
    ▪     New Pillow Fight (director unknown 1897)
    ▪     The Nearsighted School Teacher (director unknown 1898)
    ▪     Jeanne d'Arc (1899 film) (Georges Méliès 1899)


تقارير

نجاح كبير للسينما الأميركية يخفي إخفاقاً أكبر
 أعلنت مؤسسة "موشن بيكتشرز أسوشياشن أوف أميركا" عن أن الإيرادات المسجّلة في السوق الأميركية خلال العام 2009  بلغت عشرة بلايين و600 مليون دولار وهو أعلى رقم بلغته مبيعات التذاكر في ذلك السوق في التاريخ٠
الى ذلك، سجّلت الأفلام الأميركية ارتفاعاً آخر في الأسواق غير الأميركية بلغ 29 بليون (مليار) و900  مليون دولار وذلك بإرتفاع قدره 7.6 في المئة عن إيرادات العام الأسبق 2008

Avatar
على نطاق اسطوانات الأفلام ارتفعت مبيعات نظام "بلو راي"  فبلغت 74 بالمئة عما كانت عليه في العام الأسبق في حين سجل البيع عن طريق الإنترنت ارتفاعاً قدره 27 مليون دولار وبلغت حصيلة هذه المبيعات التي تتطلب "إنزالاً"  قانونياً 617 مليون دولار٠

هذه الأرقام تضع المسألة في جوهر النزاع حول مستقبل السينما ذاتها. ففي حين أن معظم هذه النجاحات الكاسح سببه العدد الكبير من الأفلام الترفيهية بالبعدين او بالأبعاد الثلاثة. ويشكل فيلم "أڤاتار" جزءاً كبيراً من هذا النجاح إذ سجل وحده داخل الولايات المتحدة 748 مليون دولار بينما أنجز حول العالم ما مجموعه بليونان و728 مليون دولار٠
 لكن الأرقام السابقة تشي بأن مجموع الأفلام التي اخترقت سقف الثلاث مئة مليون دولار ارتفعت لتشكل نسبة عليا من الإيرادات بغيرها. وبالعودة الى السؤال المطروح هنا فإن معنى ذلك أن هوليوود سوف تستمر في توفير الأفلام الكبيرة إنتاجاً من الخيال العلمي الى المغامرات التاريخية مروراً بأفلام الكوميكس وأي نوع آخر يتطلّب العمل المكثّف بالدجيتال والكومبيوتر غرافيكس وآخر متطلّبات الإبهار البصري٠
وما يعنيه ذلك أن حصّة الأفلام ذات القيمة الدرامية او الإنسانية ستواصل احتلال المركز الثاني مع فاصل كبير بينها وبين تلك الكامنة في المركز الأول٠
أسعار التذاكر
إذ يتبدّى هذا واضحاً مع توقّعات أن يحظى العام الحالي بإيرادات أكبر مع نهاية هذا العام، فإن المرء يلاحظ أن ستديوهات هوليوود تتصرّف، رغم ذلك، كما لو أن الربح هو خسارة، او كما لو كانت هذه النجاحات  قليلة. فهي قلّصت مما تصرفه من إعلانات، وتقشّفت في الصرف على الحفلات التي كانت تستخدمها لترويج أعمالها بين الإعلاميين (مؤخراً كان حفل إحدى هذه الشركات في "كان" عبارة عن بضعة صحون لعدد لا يتجاوز العشرة أشخاص) وقامت بتسريح العديد من العاملين والتوقّف عن التعامل مع نجوم السينما على أساس أنهم كلفة  باهظة. وفي هذه الأخيرة لاحظت أن الأفلام الناجحة جدّاً كـ "أڤاتار" نفسه ومثل "فوق" الكرتوني ومثل "صدام العمالقة" التاريخي لا يتطلّب نجوماً من وزن توم كروز او جوليا روبرتس او حتى بروس ويليس، بل يمكن إنجازه عبر الشخصيات الكرتونية نفسها او عبر ممثلين غير معروفين أحياناً فلماذا تتكلّف على الإستعانة بطاقم كبير من الممثلين المكلفين؟
رغم ذلك فإن الصورة معقّدة الى درجة كبيرة. من ناحية، نعم هناك تلك الإيرادات الضخمة، لكن من ناحية أخرى هناك حقائق لا تدعوها الى الثقة كثيراً بهذا الوضع. من أهم هذه الحقائق أن ارتفاع الإيرادات ليس له علاقة وطيدة بارتفاع عدد مشتري التذاكر بل بالإرتفاع المتوالي لأسعار تلك التذاكر. مؤخراً  علت الدهشة هذا الناقد حين اضطر لدفع  15 جنيه استرليني (أي ما يوازي 25 دولار ) ثمناً لتذكرة دخول فيلم "آيرون مان 2" في لندن. بينما بلغت في الولايات المتحدة 14 مليون دولار في بعض الصالات و20 دولار في صالات منتخبة٠
من ناحية أخرى فإن شراء اسطوانات الأفلام العادية انخفض  11 بالمئة عما كان عليه في العام 2008. وفي الوقت نفسه، تعرّضت شركات تأجير وبيع هذه الأفلام الى خسارة أكبر عندما انتشرت في الولايات المتحدة مؤسسات على الإنترنت تستطيع بمبلغ ضئيل الإشتراك بها شهرياً فتبعث إليك بكل ما تريده مشاهدته من أفلام. وإذا كان ذلك لا يكفي، هناك صناديق اوتوماتيكية موزّعة كصناديق الصحيف تستأجر منها الأفلام مباشرة. كل فيلم لقاء دولار واحد او دولارين في بعض الأحيان  يغنيك عن التوجّه الى محلات الفيديو والأسطوانات٠
الى ذلك كلّه  فإن تكلفة صنع الأفلام لا تزال ترتفع ما يجعل الاستديوهات أكثر دقّة في اختيار أعمالها مما كانت عليه سابقاً. بالنتيجة فإن كل هذا لا يعني سوى المزيد من غياب أعمال من صنف "العرّاب" واستمرار صنع أفلام مثل "ايرون مان"٠



    كوينتِن تارانتينو يعود الى جاكي براون
محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
المرّة الوحيدة التي أقدم فيها المخرج المعروف كوِنتِن تارانتينو على تحقيق فيلم مقتبس عن رواية كانت تلك المرّة التي أعجب فيها بقصّة وضعها الكاتب البوليسي إلمور ليونارد  تحت عنوان"روم بَنش" فقام تارانتينو بنقلها الى الشاشة تحت عنوان جديد هو "جاكي براون" سنة 1997

كونتين تارانتينو والممثلة بام غرير خلال تصوير
Jackie Brown

الفيلم كان من بين أفضل أعماله، ومن أقلّها تناولاً من قِبل النقد العربي حيث أن أحداً لم يحتف بها كاحتفائه، سلباً او إيجاباً، بفيلميه السابقين "كلاب المخزن" (1992)  و- على الأخص- " بالب فيكشن"(1994)  السبب قد يكون عائداً الى أن هذين الفيلمين تم عرضهما في مهرجان "كان"  حيث فاز الثاني بالسعفة الذهبية في  سنة إنتاجه، بينما اشترك "جاكي براون" في مسابقة مهرجان برلين الأقل حظوة على الصعيد الإعلامي. او ربما الى حقيقة أن تارانتينو لم يكن بعد ذلك الإسم الذي يتبعه عن كثب المعنيين بالكتابة السينمائية كما هي الحال الآن  بعد أن استمر في إنجاز أفلام تحمل بريقاً فنيّاً ونجاحاً جماهيرياً خاطفاً كما الحال مع "أقتل بِل"  (بجزأيه) وأخيره "أولاد زنى مغمورون"٠
الآن، يعود فيلم "جاكي براون" الى الواجهة بعدما قرر الكاتب إلمور ليونارد تسويق رواية أخرى  بطلتها جاكي براون، كان قد نشرها تحت عنوان "التبديل" قبل روايته "روم بَنش" المذكورة. ومع أن تارانتينو لن يقف وراء الكاميرا لتحقيق الفيلم الجديد، الا أن حقيقة أنه ساهم في نقل شخصية جاكي براون، كما قامت بتأديتها الممثلة بام غرير، دفع الكاتب لإطلاعه على ما سيقوم به من باب التقدير على الأقل٠ 
المؤلف إلمور لينارد 
 هذا ما يعني أن المشروع في قيد البحث عن مخرج آخر الا إذا ما غيّر تارانتينو رأيه وفضّل أن يخرج القصّة بنفسه٠
استرعت رواية ليونارد "روم بَنش" انتباه تارانتينو منذ أن بدأ يقرأ لذلك الروائي حين كان لا يزال في الخامسة عشر من عمره كما قال ذات مرّة. وهو تذكّر الرواية حين كان يبحث عن مشروع  جديد يختلف قليلاً عن فيلميه السابقين. بالنسبة إليه كانت الرواية، التي أصبحت فيما بعد تُعرف بـ "جاكي براون" جاهزة لتنتمي الى عالمه: هناك بطولة نسائية (والمرأة القوية حاضرة في معظم أفلام المخرج)  وأدوار يمكن إسنادها لممثلين مرموقين، كما حبكة بوليسية مشدودة بالإضافة الى أن إسم إلمور ليونارد من الشهرة بحيث يمكن اعتماده سنَداً تجارياً مهمّاً. فقبل "جاكي براون" مباشرة نقلت هوليوود الى الشاشة "أقبض على شورتي" بنجاح كبير، وبعده عادت إليه وأنجزت من تأليفه بضعة أعمال أخرى بدأت بـ "غياب" او
الذي أخرجه ستيفن سودربيرغ من بطولة جورج كلوني  Out of Sight
في ذلك الحين، كان تارانتينو مهتمّاً بإيجاد قصّة يسند بطولتها الى الممثلة الأفرو- أميركية بام غرير، وذلك كونها كانت نجمة  العديد من أفلام "السينما السوداء" التي سادت السبعينات. تلك الأفلام البوليسية  التجارية المسمّاة بـ "بلاك إكسبلويتاشن"  قام بمعظم أدوارها ممثلون  سود ودارت حول كافة أشكال الصراع بين الخير والشر ممثّلين بأبطال سود، ثم بخليط من السود والبيض في الأدوار الشريرة. بام غرير كانت بطلة بعض تلك الأفلام. وُلدت سينمائياً في سنة 1970 بفيلم "ماوراء وادي الدمى"  وترعرعت سريعاً كأحد أبرز النجمات الأفرو- أميركيات في أفلام مثل "نسمة باردة" و"امرأة سوداء، إمرأة بيضاء" و"أصرخ يا بلاكولا"٠
 بام غرير كوّنت لنفسها إسماً منفصلاً ومشهوداً في هذه النوعية من الأفلام حين مثلت "كوفي" و"فوكسي براون" وكلاهما في منتصف السبعينات. تارانتينو، المعني جدّاً بتلك الأفلام الشعبية اختار عنوان "جاكي براون" تيمّناً بفيلم بام غرير "فوكسي براون"٠
 لكن قصّة إلمور ليونارد هي أنضج من كل تلك الأفلام التي لعبت غرير بطولتها. في تلك الأفلام كانت  أشبه ببروس لي على إمرأة مع لذّة في الإقتناص من الأشرار من دون أن تدّعي العفّة. في "جاكي براون" لعبت شخصية مضيفة طيران تجد نفسها مضطرّة لتهريب مخدّرات عبر حقيبتها والا كشف البعض عن تاريخها الذي تحاول أن تنساه. بذلك تصبح واقعة بين البوليس والأشرار٠
العمل مع بام غرير كان رغبة تارانتينو منذ البداية وازدادت الرغبة إلحاحاً حين التقى بها ذات مرّة بعدما أعرب عن رغبته في العمل معاً،  فقالت له: "متى تعتقد أنك ستحقق هذه الرغبة؟ عندما أشيخ وأصبح مترهّلة؟". بعد أقل من سنة أصبح "جاكي براون" مشروعاً واقعاً مع لفيف من الممثلين الجيدين  مثل سامويل ل. جاكسون (الذي مثّل  مع تارانتينو أكثر من مرّة) وروبرت دي نيرو ومايكل كيتون وروبرت فوستر وبردجت فوندا٠

فيلم | مهنّد الجندي

 In Cold Blood  في دم بارد
جريمة من دون دافع حقيقي تكشف لجانب المظلم والمشرق لأي إنسان

أرحب هنا بقلم نقدي جديد أسمه مهنّد  الجندي
الذي خصّ "ظلال وأشباح" بقراءة لفيلم رتشارد
In Cold Blood  بروكس الخاص
أسلوب الكاتب الهاديء وتطرّقه الى الموضوع من دون
سفسطة وصحّة المعلومة ومرجعية الرأي تدفعني
كلها للترحيب بالزميل الجديد آملاً له كل نجاح٠
شكراً لك يا أخ مهنّد٠



سكوت ويلسون وروبرت بلايك في 
In Cold Blood

كلُ ثانيةٍ من الدقائق الثلاثين التي تمهد لوقوع تلك الجريمة البشعة في فيلم (بدمٍ بارد) للمخرج ريتشارد بروكس كانت قد خُصصت لشرح الاختلاف الجوهري بين دِك وشريكه بيري، والمفارقات الاجتماعية التي تفصل بينهما، وكذلك لعرض خصال العائلة الأمريكية التقليدية وهما يقطعان صوبها أميالاً من أجل سرقة خَزنة مصنوعة من السراب الصلب. إنها الواقعة التي أسفرت عن مذبحة راح ضحيتها أربعة أشخاص، وجعلت الروائي ترومان كابوتي يمضي سنواتٍ في البحث عن الدافع الحقيقي وراء فعلتهما هذه، وليطرح هذا السؤال المحير: "كيف يمكن لرجلٍ على أتم سلامته العقلية... أن يرتكب فعلةً مجنونةً كلياً؟" فنسمع إجابات هذا الفيلم حول ذلك الرجل وتلك الفعلة، ونسمح لها أن تتسلل في آذاننا كترنيمة لا تُنسى ولا تنضب بشقائها وواقعيتها، لدرجة أن المشاهد يكاد يستشعر يد ترومان كابوتي وهي تكتب دماء هذه الرواية سطراً تلو سطر صفحةً بعد صفحة، بدمٍ باردٍ أيضاً٠

نعلم في النصف الساعة الأولى القليل من التفاصيل السريعة الصغيرة التي تفصل بين شخصيتي دِك وبيري، فدِك يظهر لنا كالعقل المدبر و"المفكر"، محتال ماهر ومتهكم بابتسامته وخفة حركته، ناقم بفقره على الأغنياء والحياة المرفهة التي يعيشوها : "ثمة نوعان من القانون يا عزيزي، واحد للأثرياء وآخر للفقراء." وهدفه من هذه السرقة الجديدة أن يُحسن من وضع والده الاجتماعي الصحي. إنه رجل لا تؤرقه أحداث ماضية لتفسر شخصيته التي بات عليها مجرماً على هذا النحو، ولا يؤمن بالمسؤوليات فتخلى عن زوجته وأطفاله، ولا بالأحلام كي يذهب للبحث عن كنز في المكسيك، ولا يمتلك أي طموح فعلي لحياته سوى الحصول على المال٠

بيري هو الوجه الآخر للعملة، بشخصيته "الحالمة" الحازمة والمتضاربة، ونفوره من الراهبات والدين على إثر نشأته في الميتم بعيداً عن والديه فما من عائلة تنتظره ليُعيلها، إنما يكن تقديراً خاصاً لبعض رجال الدين وحسب، ويحمل معه ذكريات عالقة من طفولته، وسر إصابته في قدمه لا يزال يطارد حاضره إلى يومه هذا. قد يبدو من ملامحه أنه ليس إلا "قاتل بالفطرة" كما يصفه بيري وكسبب لاختياره شريكاً له في هذه العملية، لكنه أيضاً يحلم بالغناء وعزف الغيتار ويحمل معه كتبه وأحلامه على كتفيه، ولا يكبح جماح مخيلته في التنقيب عن الذهب كما حاول بوغارت في فيلم (كنز سييرا مادري). يلاحظ بيري هذه الفوارق وهو على أعتاب تنفيذ المهمة، فلا نفاجئ من تردده بالقول: "دعنا نرحل من هنا، الآن... قبل فوات الأوان."٠

هذه الاختلافات كانت بمثابة الحطب الذي ألهب وزاد اهتمام ترومان كابوتي بموضوع يسمى "جرائم دون دافع" وهو ما أثاره إلى حد أنه أمضى أكثر من خمس سنوات وهو يبحث في التضاريس المُشكلة لنوعية هذه الجريمة الغامضة المحزنة. تأثر كابوتي بوقائع تلك الجريمة لم   يتوقف عند انتهاء القضية وإصدار الحكم، فمن شاهد فيلم "كابوتي" [بانِت ميلر- 2005]  يعلم طبيعة شخصيته والانعكاسات السلبية التي خلفتها طريقته المهووسة وأحيانا الملتوية في تتبع مسرح هذه الجريمة ومرتكبيها، ودراسته لحياة دِك وبيري وسماعه الحكاية منهما شخصياً وهما في السجن ينتظران حبل المشنقة. وعلى الرغم أن الكتاب عرف نجاحاً نقدياً وجماهيرياً مدوياً غير مسبوق في فئةا لراويات التي تستند على وقائع حقيقية، إلا أنه لم يتمكن من كتابة أي رواية أخرى
لا بل أنه توفي، بعد صدور "بدمٍ بارد" عام 1966 بل أنه توفي بعد 18  سنة من صدور الراوية دون عمل واحد مهم آخر سواء كقصة قصيرة أو مسرحية. لقد أودت هذه الرواية بحياة ترومان كابوتي الأدبية بعد  إلى التهلكة لا محالة، كما فعلت تلك الجريمة بدِك وبيري٠

يصل بيري سميث (روبيرت بليك) إلى مدينة كانساس تاركاً عمله ومخالفاً لبنود إطلاق سراحه المشروط، يجتمع برفيقه دِك هيكوك (سكوت ولسون)  في محطة الحافلات   ليُطلعه على معلومات الخزنة التي سيسرقان محتواها البالغ عشرة آلاف دولار. الخزنة موجودة  في منزل عائلة كلاتر، وهي أسرة تبدو منسجمة ومرتاحة مادياً مؤلفة من أربعة أفراد، وتسكن في منزل كبير مكون من عدة طوابق وتزينه من الخارج حديقة جميلة. تنص خطة دِك على سرقة المال ومن ثم التخلص من جميع أفراد هذه العائلة كي لا يتركوا أي شهود ورائهم، بيد أن الرياح تمشي بما لا تشتهي السفن، فلم يجدا أثر لتلك الخزنة المزعومة، وخرجا من المنزل كقاتلين دون أي تعويض أو مكافأة مرضية  سوى جهاز راديو و 43  دولار٠

نتفهم ذلك بعد اكتشاف الجثث داخل المنزل، وخبر وتفاصيل هذه الجريمة المريبة صار يعم الإذاعة على مسمع كل من دِك وبيري. حينها يوكل ألفين دووي (جون فورسايث) للتحقيق في القضية، والبحث عن الدافع وراءها بقوله: "إنها خرافة كانساس القديمة، أي مزارع لديه عزبة مثمرة يجب أن يمتلك صندوق أسود مليء بالمال في مكان ما. إنما هيرب كان يدفع ثمن كل شيء بالشيكات، حتى حلاقة شعر بدولارين." يستمر سير التحقيق في أغلب الأحيان تحت أنظار وتحليل الكاتب جينسن (ريتشارد ستيورات) الذي ربما قد وجد دافعاً نفسياً دفيناً لهذه الجريمة (شخصية يستخدمها كابوتي للتعبير عن نفسه)٠

الفكرة التي يقوم عليها السيناريو الذي اقتبسه ريتشارد بروكس، والرواية بطبيعة الحال، هي عرض طباع هذين المجرمين كبطلين لقصتهما الحقيقة خلال رحلتهما على الطريق وفي غرفة أحد الفنادق ومن ثم انتظارهما للحظة الموت، لنُقلب نحن المشاهدين حياتهما التائهة والعنيفة والدنيئة في جلسةٍ واحدة. إنها دراسة شخصية عن قرب حول الجريمة وجذورها، استوحيت من فم مرتكبيها كوسيلة للخلاص، والتنقيب عن الدافع غير المرئي لعين القانون المجردة وذلك الجرح العتيق الذي يضخ دم العنف في عروق صاحبيها. وهذا العامل يتضح أكثر بخيار بروكس الصائب بالالتزام مع رواية كابوتي التي لم تعرض تفاصيل الجريمة منذ البداية، نعرف أن القاتلين هما دِك وبيري، ونعلم الهدف المادي الذي دفعهما لمباغتة العائلة والمكان، لكننا ننتظر تفسير معالم مسرح الجريمة وما حدث في ذلك المنزل بالتحديد، وهل كانت جريمةً بدمٍ بارد بحق. الأمر الذي يزيد من تشويق الفيلم بالرغم من معرفتنا لكافة المعطيات الأساسية٠

الموضوع الصريح الذي يصرخ بذاته من الفيلم هو "حكم الإعدام" بغض النظر عن المذنب والذنب المرتكب هنا، إضافةً للطرق التي استخدمت في التحقيق مع دِك وبيري دون حضور أي محام للدفاع عنهما، والحيثيات التي سمعتها لجنة المحلفين لإصدار الحكم. لكن التعليق الذي يهمس به الفيلم يصبو لإعادة تعريف معاني "السعادة الأمريكية التقليدية" وهشاشة العظام الحاملة لمبادئها، ولذلك فإن مقتل عائلة كلاتر المثالية في المراحل الأولى للفيلم يعكس التشاؤم حيال سهولة انتهاء مثل هذه الحياة في أي لحظة، وزرع مشاعر كالريبة والشك والاشتباه بين هذه الأحياء المنمقة، خاصة عندما يدخل حياتهم أشخص على شاكلة دِك وبيري لا يعرفوا طعم السعادة أو وجود شيء مثلها ويأتيان من عائلات مفككة بكل معنى الكلمة، فنشاهد المونتاج المتوازن في التنقل بين حواراتهما قبل الجريمة وبين ذلك اليوم الاعتيادي في حياة العائلة الأمريكية الهادئة. نلحظ أيضاً أن الفيلم لا يملك دور رئيسي أو بطولي بارز بمعنى الكلمة، بينما السحابة الكبرى العائمة طوال الوقت هي تأرجح عاطفة المشاهدين بين مأساة موت هؤلاء الضحايا الأربع، ومجاهدة الشرطة في القبض على الفاعل، ومسألة تقربنا من عقلية مجرمين يختلفان في قلبهما عن قالبهما، ويتبين أن أحدهما على الأقل قد تحصن بأعذار داخلية غابرة منذ نعومة أظافر تجاه فعلته هذه

In Cold Blood

ما نشاهده من مجريات بعد النصف الساعة الأولى هو أيضاً تفسير وتوضيح أشمل لدراسة نفسية أجريت على أربعة مجرمين آخرين، يجسدون حالة مشابهه لجريمة بطلي قصة الفيلم بجرائمهم الخاوية من دافع ملموس، حيث يقول جينسن أن هؤلاء الأربعة قد اشتركوا بعدد من الصفات، وارتبكوا جرائم لا تحمل أي معنى..... وكان  يعتريهم شعور بضعف الجسماني والعجز الجنسي، وطفولتهم اتسمت بالعنف أو لم يعرفوا فيها سوى فرد واحد من والديهم أو تولى شخص آخر تربيتهم، ولم يكن لهم القدرة على التميز بين الحقيقة والخيال، ولم يكرهوا ضحاياهم، لا بل لم يكن لديهم أدنى فكرة عنهم، بيد أنهم لم يشعروا بشيء من الذنب حيال جرائهم ولم يجنوا منها شيء يذكر، والأهم من ذلك كله، أنهم كانوا قد أخبروا الشرطة أو طبيب نفسي بأنهم شعروا برغبة القتل قبل ارتكابهم للجريمة نفسها، لكنهم أهملوا تحذيراتهم هذه. هذه الصفات لا تطابق شخصيتي دِك وبيري بشكل كامل إلا أنها تعطي ما يسمى "جرائم دون دافع" السبب وراء عقلية مرتكبيها، فمع أن دِك وبيري كان يملكان دافع الحصول على عشرة آلاف  دولار، نشاهد أن الدافع اختلف جذرياً عند علمهما أن لا وجود لخزنة تذكر، حينها فقط يُصبح لتلك الدراسة وأوصافها معانٍ جمة دفعت ببيري لقتل عائلة كلاتر فرداً فرداً، أما دِك فواصل حياته بشكل طبيعي بعدها٠

الفترة التي يقضيها كل من دِك وبري في غرفة الفندق والتجوال على الطرق تعطي إشارات جديدة على اتساع الفجوة بينهما، وعن الدراسة النفسية التي ذكرها جينسن، يقول بيري: "أتعلم، لا بد من وجود علة ما بنا للقيام بما فعلناه." إضافةً إلى تزايد شكوكهما لاحقاً عن إمكانية أن يشي أحدهم بالآخر، والأفعال التي يقوم بها دِك بتوبيخ بيري حول خريطة الذهب وشربه حتى الثمالة ومعاشرته لإحدى العاهرات التي تحيي في ذهنه ذكريات مخزية عن خطيئة والدته وعنف والده أمام عينه وأعين أخوته. وخلال سيرهما على الطريق للحصول على توصيلة من أحد السائقين، يصر دِك دائماً على بيري أن يقوم هو بقتل السائق لسرقة المركبة، كتأكيد آخر أنه برغم جرأته ومهارته إلا أنه غير قادر على سلب حياة أحدهم، بينما يقف الحظ في كل مرة إلى جانب هؤلاء السائقين ليمنع بيري من ارتكاب جريمة أخرى٠

يعثران في إحدى الليالي الباردة على سيارة مركونة في أحد المآرب، وبينما هما على الطريق، يلوح لهما صبي صغير بصحبة جده ويطلب منهما أن يقلانه إلى منزل شقيقته في كاليفورنيا، راقب هنا كيف ينظر بيري ليد الصبي وهو يحاول أن يدفئ ويطمئن يد جده، في حين أن دِك يسأله عن المال. يظهر بيري وكأنه يخمن أن علاقة هذا الصبي بجده لا بد أن تكون زاخرة بالمشاعر ومليئة بالمغامرات بجمعهما للزجاجات الفارغة، حياة شيقة كان يريدها لنفسه إلى جانب والده٠  

جميع هذه المشاهد تنقل فكرة ترومان كابوتي حول الميزان الأخلاقي لهاذين المجرمين بين صورتهما في الإعلام وصورتهم الشخصية أمام أنفسهم؛ فنحن نراقب دِك وبيري وهما من المفترض أن يمثلان الشر بأشكاله الحالكة، لكن هذه اللقطات الصغيرة تتيح للمشاهد أن يتعمق في روحهما وإن كانت ملطخة بالدماء. كما يعود كل من كابوتي وبروكس مراراً وتكراراً إلى الظروف والبيئة التي بنت شخصية المجرم دون أي محاولة فعلية لكسب تعاطفنا تجاهه، الهدف هنا هو وصف الجانب المشرق لأي إنسان والآخر المظلم المتفجر والمتقلب وسهولة حدوث ذلك إن توفرت الشروط له (كإطلاق بيري النار حال ظهوره والده في مخيلته، وذلك بمثابة إنتقامه الشخصي منه)، لذا فإن الفيلم يمنح كافة الأطراف من القتلة والضحايا والشرطة القدر الكافي من المساحة الدرامية لتعبير عن دورها وذاتها ومن أبعاد مختلفة٠

ومن هنا يأتي خيار ريتشارد بروكس الملائم بتصوير الفيلم بالأبيض والأسود، وتولي كورنارد إل. هول مهام التصوير السينمائي، فالمقصود بهذه العتمة وحيادية الألوان ليس التخلص من الحياة الملونة الزاهية المناقضة لأي شيء في هذا الفيلم وتفادي معانيها المشرقة وحسب، إنما أيضاً لتسليط الضوء على الدلالات الداكنة والحياة القاتمة التي تمر بها الشخصيات، فالمرمى هنا ليس لون دم الأحمر المسكوب (نكاد لا نراه أساساً) بل معانيه السوداوية وهول سماع ضغط زناد البندقية التي قتلت في النهاية ستة أشخاص وليس أربعة٠

الأبيض والأسود هو حكم حزين يبديه المخرج حول تلك الجريمة ومجرياتها وكتوثيق آخر للمعلومات المأساوية التي أفادته بها رواية كابوتي، فيبدو وكأنه فيلم وثائقي يعرض أحداثاً درامياً حقيقية وليس العكس. ولأن الفيلم حول وقائع تلك الجريمة والعقاب المنزل إزاءها، يلتقط كونراد ل. هول صوراً تقف على أطلال حياة بيري وتواسي مصيره الأخير بعد أن "انتظر" هو ودِك خمس سنوات كاملة لتنفيذ حكم، راجع المشهد الذي يعرض وقوفه أمام النافذة والمطر يغمر زجاجها بينما يسرد حكايةً عن ماضيه مع والده والفرصة الضائعة بأن يحظيا على منزل حقيقي، واللحظة التي حاول بها قتله أو تلك التي طرده فيها من حياته في البرد القارص، انتبه لانعكاس تساقط المطر من الزجاج على وجه بيري، وكأن الفيلم كله يبكي على مآله ويصف حالته في ذلك اليوم الذي غير حياته إلى الأبد. يهطل المطر الحزين آلاماً تحكي عن اشتياقه لوالده وإقراره أنه يحبه ويكره في نفس الوقت، فقد أعدم مستقبله مرةً في السابق، والأن سيعدمه مرة جديدة٠

 أربعة أشخاص أبرياء ومذنبان اثنان قُتلوا، وثلاث عائلات تفككت. الصحف ازدادت مبيعاتها. السياسيون سيلقون المزيد من"  الخطابات، والمزيد من اللوم سيقع على رجال الشرطة ولجنات إطلاق السراح المشروط، وقوانين أخرى ستسن. وكل واحد منهم سيلقي اللوم على الآخر. وبعدها، في الشهر القادم أو السنة التالية، نفس شيء سيحدث مرة أخرى.". هذا ما يُلخصه جينسن أو ترومان كابوتي بعيد إعدام دِك وقبيل إعدام بيري، الذي يفارق الحياة، وأسفه يطوف في المكان دون مرساة، كما كانت عيشته، وروحه بعد لحظات٠
 
لقاء | محمد رُضا
حديث من القلب لبن كينغسلي عن مهنته وأدواره
أضع كل معرفتي وخبرتي في صندوق واستلهم من النص


إذا ما بحثت في مهنة الممثل السير بن كينغسلي وجدت أمامك أكثر من خمسين فيلم على مدى ثمان وثلاثين سنة تتميّز جميعها بالقدرة على النفاذ تحت جلد الشخصية مهما اختلفت٠
إنه العربي والأميركي والتركي والهندي والبريطاني والألماني. هو المسلم والمسيحي واليهودي. وهو الشخصية الحقيقية وقد تمّ تقمّصها على أفضل سبيل، والشخصية الخيالية وقد مُنحت حياة خاصّة بها٠
في تفسير ذلك، أن كينغسلي هو نموذج للممثل المتأقلم تلقائياً. ذلك الذي تمكّنه ملامح الوجه، وحدّة الإداء ومزاياه الشخصية من مدارك ومواهب، من تشخيص داخلي مقنع لما يختار القيام به. ولا مانع في أنه أيضاً ممثل ذا خلفية شكسبيرية تمنحه الأسلوب والمنهج الذي يستطيع من خلالهما فتح الأبواب كلّها والإقدام على أدوار قد لا يستطيع ممثل اخر تأديتها الا إذا ما غيّر في نصوصها ومكوّناتها. بذلك لا تعد كما أريد لها أن تكون. بن كينغسلي بذلك هو الضمانة على أن الشخصية التي يؤديها لن تجد بيتاً أفضل لها منه٠

وُلد، قبل 66 سنة في بريطانيا بإسم هندي هو كريشنا باندت بانجي. والدته أسمها آنا لينا ماري وكانت ممثلة ووالده  هو رحيمتولا حارجي بانجي وُلد في كينيا وبقي فيها الى حين بلغ الرابعة عشر من العمر وحط مع عائلته في بريطانيا حيث درس الطب٠
التمثيل كان مطلباً لبن كينغسلي منذ البداية. مارسه على المسرح في السبعينات حتى من بعد أن ظهوره في السينما والتلفزيون. أعماله على الخشبة العريضة استقطبت إعجاباً متنامياً بين الهواة والنقاد على حد سواء. لم يدع شكله يؤثّر على اختياراته وهو يؤدي هاملت سنة 1975 او شخصية دمتريوس في مسرحية شكسبير الأخرى "حلم منتصف ليلة صيف".  وفي حين أن الممثل طمح الى التواجد في السينما طوال حياته، الا أن ذلك لم يشغله عن حبّه الأول لكل ما هو شكسبير. لعب معظم شخصياته وحقق شهرته على الخشبة المسرحية قبل أن ينتقل الى السينما ليظهر في أدوار البطولة أكثر من مرّة بدءاً بدوره في فيلم "غاندي". وسواء أكان الدور تاريخياً، كما الحال في "جزيرة باسكالي" حيث لعب شخصية تركية مسلمة، او قريبة من الواقع كما الحال في "لائحة شيندلر" (الذي مع "غاندي" أضحى من أشهر أدواره) فإن الممثل خبر الإداء الذي يستولي به على عناصر المشهَد واهتمام المشاهد أيضاً٠

في مطلع هذا العام شاهدناه تحت إدارة مارتن سكورسيزي في "جزيرة مغلقة". فيه عكس كينغسلي شخصية طبيب الجزيرة/ المعتقل الغامضة. ليس فقط أن الفيلم لا يحاول تحديد الحقيقة فيما يتعلّق ببطله ومحنته (قام بالدور ليوناردو ديكابريو) بل يضع شخصية ذلك الطبيب في وسط مسببات الغموض تلك ما تطلّب قدراً خاصّاً من المعالجة الإدائية من عند كينغسلي خوفاً من أن يخطيء فيمنح المشاهد قدرة على النفاذ على حقيقته٠
وقريباً نراه في "أمير الفرس: رمال الزمن" لمايك نيووَل ومع جايك جيلنهال والجديدة جيما أرترتون لاعباً دور أحد أبناء البلاط الفارسي في زمن غابر أسمه نظام يربّي ولد أعجب شقيقه الملك، حتى إذا ما كبر  الصبي واشتد ساعده وجد نفسه وسط مؤامرة تستهدفه قد يكون نظام مسؤولا عنها- او قد لا يكون. الممثل سيلعب الدور من دون إيحاء بذلك تاركاً المسألة تطفو في ذهن المشاهد الى أن يكشف الفيلم عن الحقيقة في هذا الصدد٠

في مقابلة سابقة قبل عدّة سنوات، بدا الممثل آنفاً عن فتح الباب الكاشف لخبرته. مقتصداً في كلامه، لكنه الآن مقبل عليه. سعيد بالحديث عن شخصيّته الخاصّة وشخصية أدواره وكيف يبقي الطريق مفتوحاً في إتجاهين بينهما٠ 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
على الرغم من إختلافهما فإن ""جزيرة مغلقة" و"أمير
الفرس" يلتقيان من حيث أنك تؤدي فيهما شخصية  لا
يمكن معرفة موقفها سريعاً. وربما بالنسبة للأول لا يمكن
معرفة حقيقتها مطلقاً. كيف أنجزت هذين الدورين وكيف
تصفهما؟

أعرف أنك تعتقد أنهما فيلمين مختلفين لكنهما متشابهين. إنهما أولاد عم. أحدهما دور المداوي والثاني دور المتسبب في الداء. أنهما وجهان لشخصية واحدة. ما أقوم به هو البقاء مقتصداً في التعبير بحيث يجد المخرج مارتن سكورسيزي ومونتيرته المبدعة  ثيلما (سكوونماكر) في "جزيرة مغلقة"  ومايك نيووَل ومجموعته الرائعة من فناني المونتاج لقطات يمكن استخدامها للتمويه. أعتقد أنني استطيع توظيف شيء تعلّمته من خلال العمل مع مخرجين مبدعين عديدين في مهنتي كما من الممثلين  مثل ليوناردو ديكابريو في "جزيرة مغلقة" وجايك جيلنهال في "أمير فارس"٠ وأود منك أن تلاحظ أن العلاقة بين الطبيب وبين الشخصية التي يؤديها ديكابريو علاقة ودية في معظمها ليست بعيدة عن العلاقة بين  الوزير في "أمير فارس" وبطل الفيلم جايك جيلنهال٠

Shutter Island
تمنح الآخرين الكثير من الإمتنان لما تحققه
أنت من إنجاز٠
لو سمحت لنفسي بأن أوحي للمشاهد بما يساعده على تمييز دوري او معرفة حقيقته قبل الأوان، وهذا ما لا أقوم به، فإن المخرج سوف يقوم بقطعه من الفيلم مبقياً الدور غامضاً كما يجب أن أكون. الأمر كلّه راجع إليه، وأنا محظوظ من حيث أعمل عادة مع مخرجين يعرفون مهنهم ويمارسونها ببراعة ومقدرة رائعة. أحياناً ما أريد أن أسمح لنفسي بإشارة او حركة أعرف أنها قد تكشف الشخصية لكني أمتنع لأني أعرف قيمة إبقاء هويّتي غامضة قدر الإمكان وأن هناك وقت في الفيلم سيتيح لي مثل هذا الأمر فلم الإستعجال؟
مثل هذا الكشف قد يساعدني على التحرر قليلاً أمام الكاميرا، لكنه تنازل قد يُطيح بالدور إذا ما قمت به ويمنح الشخصية وضعاً تكتسب به تعاطفاً  سريعاً مع أو ضد لكن هذا خطأ. ولا تنسى موضوع الممثل وعلاقته بالكاميرا. المخرج يعرف أين يضع الكاميرا ويؤلّف اللقطة التي يريد منها الكشف عن موضوع ما في الوقت المحدد. مارتي (مارتن سكورسيزي) وأنا تناقشنا كثيراً في هذا المجال، وهو كان يقول أنني أعطيه إداءاً مختلفاً في كل لقطة نعيد تصويرها، بينما كنت أقول له أنني أمارس التمثيل ذاته والأداء نفسه إنما بتنويع بسيط في كل مرّة من دون تغيير يُذكر٠

DNA
هذا ينقلنا الى الوضع الآخر الخاص بك. لقد لعبت شخصيات
من شتّى أنحاء العالم: عربية وتركية وهندية وأميركية وبريطانية
وفارسية وألمانية ... كم من هذا النجاح يمكن إرجاعه الى ملامح
وجهك؟
DNA أعتقد إنه إذا ما قمت بإجراء تحليل
عليّ ستجد أنني مفاجأة (ضحك). أعلم يقينا أن جدّ جدّي لناحية أبي جاء من الشرق وأنه انتمى للطائقة  الإسماعيلية  وقد هاجر الى بلاد الفرس قبل أكثر من مئة سنة او ربما وُلد هناك حين هاجر والده. هناك أيضاً عنصر هندي  وجدّى المباشر وُلد في الولاية ذاتها التي وُلد فيها المهامتا غاندي وهو أمر من قبيل الصدف إذا ما كان هناك شيء أسمه صدفة بالفعل. لناحية والدتي، ستجد أن هناك عنصراً بريطانياً كاملاً  فيّ، لكن ما الذي يعنيه ذلك؟ هل والدتي من سلالة الفايكنغ؟ او من سلالة دانماركية او اسكندنافية او سلتيكية؟  هل هي من سلالة رومانية؟  هل يمكن أن تكون والدتي من أصل مغربي، إذ كانت الملاحة نشطة ما بين المغرب وبريطانيا  لعقود طويلة. أيضاً بين أقاربنا عائلة دي سوزا التي هي في الأصل أسبانية تعيش هنا في بريطانيا. كما قلت تحليلي الشخصي سيكون مليئاً بالمفاجآت. آه ... هناك أيضا دم روسي يهودي يجري في عروق بعض أقارب والدتي ، وعروق هندية لناحية والدي٠

الأمر معقّد إذا ما تم إجراء إحصاء مدني
معك٠
صحيح (يضحك) صحيح. لكن أتعرف شيئاً؟ في نهاية المطاف  فإن الموهبة الحقيقية لدي هي العطف٠

كيف؟
DNA أقصد لنفترض أن لدي شقيق توأم. هذا الشقيق سيحمل بالطبع ذات
الذي أحمله. لكن لنفترض أنه ليس أنساناً عطوفاً او انساناً مثيراً للعطف. من أين جاء هذا العطف عندي وكيف غاب عنده؟  لا أعرف. لكن أعرف أنني أستطيع أن ألعب دور الإيراني دكتور باراني في  فيلم "منزل الرمال والضباب" او أضع نفسي في دور الدكتور لوغان او دور اليهودي في "قائمة شندلر" او دور الوزير نظام في "أمير الفرس"  بينما قد لا يستطيع ذلك شقيقي التوأم.  أستطيع أن أعدد الأدوار لكن اللائحة ستكون غريبة جدّاً.  أنا لا أقوم بالتردد على الإنترنت كثيراً لكني أخشى إذا فعلت أن أجد أنني منتشر حول العالم عبر الشخصيات التي مثّلتها كما انتشرت الإمبراطورية البريطانية

لنتحدّث عن آخر محطّة في تلك الإمبراطورية
إذاً. هل كان كل ما تطلبه كممثل موجود على
الورق في فيلم "أمير فارس"؟
نعم. لقد قرأت الإيحاءات على الورق أساساً. قرأتها وقرأت الفرصة المتاحة لتكوين الشخصية التي سأؤديها ولم أغيّر حرفاً واحداً. لكن ما أدركته  هو أنني أستطيع أن أقول عبار معيّنة او تأدية مشهد معيّن بقدر من السخرية او الإزدراء من دون أن أخرج عن النص مطلقاً. هناك حواراً أقوله في الفيلم يعكس ما أعنيه وهو حين انتقل الى القدر المناسب من القسوة هو "كن متأكداً من أن كأسه يبقى ممتلئاً". هناك عدّة طرق يمكن للممثل أن يقول هذه العبارة وكل طريقة تترك أثراً مختلفاً بين المشاهدين. لكن العبارة موجودة بذكاء في السيناريو وتوحي بالرغبة في استخدامها للنيل من براءة بطل الفيلم داستان (جايك جيلنهال). هناك عبارات أخرى ذات مدلولات مشابهة لا يهم كم صغيرة. طريقة الإلقاء عليها أن تعكس مضامينها وتثير التساؤل حول موقف الشخصية خلالها٠

شكسبير ملهماً
من أين تأتي بتلك القرارات حين تمثّل؟ كيف
تستدل على العلاقة بين الممثل وبين الكلمة المنطوقة؟
شكراً لسؤالك هذا، لقد كدت أن أقول لك بنفسي. تأتي من ترجمة شكسبير بمئات الطرق المختلفة. إنه حبّي لشكسبير  ولدي في رأسي ما يشبه خارطة الساتالايت التي تمنحك القدرة على البحث.  أقرأ السيناريو ولدي ذلك الجهاز الذي يمكّنني من التعرّف الى حبكتها الشكسبيرية. إنه أمر غريب، لكني أستطيع أن أعود بأي شيء أمثّله الى شكسبير لأني مثّلت شكسبير على المسرح لخمسة عشر سنة أدّيت فيها سبعة عشر عملاً من أعماله.  وأعدك أنك تستطيع  أن تقلب "أمير فارس" الى "رتشارد الثالث" بسهولة

هناك الحكاية العائلية: الملك وأولاده ٠٠٠٠
تماماً.  كل مسرحيات شكسبير هي عائلية. "رتشارد الثالث" هي عن عائلة أسمه بلانتاغانيت. "يوليوس قيصر" عن العائلة. "روميو وجولييت" عن عائلتين ... كل مسرحياته هي عن العائلات سواء أكانت مفككة او مترابطة

هذا الكلام مثير جدّاً خصوصاً وأن "أمير
الفرس" آت من مرجعية مختلفة. إنه لعبة فيديو
أساساً. ها هي التكنولوجيا تقابل وليام شكسبير٠٠٠
هل شكّل مصدرها العصري هذا أي اهتمام خاص
 او كنت قادراً على تجاوز عناصرها وملامحها
وإرجاعها الى شكسبير مباشرة؟
   هناك عدّة طبقات للإجابة على هذا السؤال. أولاً أعرف أن من صمّم  شخصية الوزير صمّمها وأنا في باله. بذلك ألعب الشخصية التي كُتبت بناءاً على مواصفاتي. أنا، بصورة أو بأخرى الجد. هي الأب ثم أنا الإبن الذي يؤديها على الشاشة٠ ثم هناك القصّة. اولئك الكتّاب الذين يقومون بوضع هذه القصص يعرفون الميثالوجيا والمفهوم القديم للبطولة. يستخدمون النسخة الأصلية لما هو ذكر ولما هو مؤنّث. هناك الكثير من ألعاب الفيديو التي انتقلت الى السينما ولم تحقق نجاحاً والخطأ في اعتقادي يكمن في الغاية. هنا الغاية ليس إنجاز نجاح يعادل طنّاً من المال، بل التواصل أوّلاً مع الجمهور الكبير وتأمين تلك الميثالوجيات التي تنتقل من جيل الى آخر بنجاح وعبر مختلف أنواع ووسائل التعبير٠

Prince of Percia: Sands of Time

المخرج رونالد إيميرك يصوّر حالياً فيلماً في
ألمانيا  بعنوان "مجهول" يتساءل فيه عما إذا
كتب شكسبير مسرحياته فعلاً. ما رأيك؟
رأيي أنه جرأة من صناعة السينما أن تموّل فيلماً حول هذا الموضوع، وجرأة من قِبل أي شخص يريد طرح هذا السؤال، رغم أن المسألة محسومة لصالح شكسبير مهما أثيرت هذه المسألة من حوله. بل أن مجرّد إثارتها فعل رائع يدل على أهميّته وتميّز أعماله.

في "جزيرة مغلقة" نوع آخر من الميثالوجيات. قصّة
حب مغلّفة بحالة رجل يعيش عالماً لا يفهمه. الفيلم يقع
في الخمسينات لكنه يبدو كما لو كان خيالاً علمياً. هل
توافق؟
نعم. هذا صحيح. القصّة هي أيضاً عائلية في الصميم. كما رأيت ليوناردو يؤدي شخصية رجل ربما يكون مسؤولاً عن قتل زوجته التي قتلت أولادهما لكنه ينفي ذلك من دون أن يدري. يعيش حالة رفض للواقع تؤدي به الى خلل نفسي. دوري هو تطويعه لكي يكتشف الحقيقة. وقوّة الفيلم تعتمد على كل ذلك القدر من الغموض المحيط بشخصيته والمحيط بشخصيّتي أيضاً. هل أنا شخص جيّد أم شخصية شريرة. هذا ليس من السهل معرفته لكنه أوصل الفيلم بنجاح الى الجانب الآخر حيث يكمن الجمهور٠

كل شيء في صندوق
الجلوس إليك والإستماع لما تقوله يجعلني أتساءل
عن كيف تستخدم هذا القدر الكبير من المعلومات
حين تختار دوراً لتأديته. كيف تضع ما تعرف في
إطار او صندوق؟  كيف ترتّب ما تعرف وكيف
ترتّب خبراتك في هذا المجال؟ هل هو أمر تلقائي؟
رئاسة الوزراء البريطانية أمر  صعب جدّاً. ليس أنني أريد أن أرفع نفسي الى هذا المصاف، لكن فقط أريد استخدام رئاسة الوزراء كمثال. في يوم يسألونه ما خطّته حيال أولادنا في أفغانستان وفي اليوم الثاني عن خطّته الإقتصادية او ماذا سيفعل حيال احتياجيات العجائز، وعليه دائماً أن يمنح كل ما لديه من عناية لكل مسألة على حدة.  هذا الصندوق كما وصفته على نحو جميل هو السيناريو. إنه صندوقي وعليه أستطيع أن أستجلب كل خبراتي ومعرفتي التي لها علاقة بالدور : كل ما يؤذيني. كل ما أحبه. كل ما أتطلّع إليه. كل تجاربي. كله تدخل ذلك الصندوق. أضع كل شيء في الشخصية التي أؤديها٠

ما رأيك بمارتن سكورسيزي وبمايك نيووَل. طبعاً
لكل منهما شخصيته المختلفة لذلك أسألك٠
مارتن لديه سياسة عمل تختلف تماماً عن تلك التي يتّبعها مايك. مارتن يريد تحقيق فيلم ينتمي الى مارتن سكورسيزي. مايك يريد تحقيق فيلم ينتمي الى المشاهدين من إخراج مايك نيووَل. أي بقدر خاص من البصمة التي يمتلكها وهو ليس مجرد مخرج ينفّذ الأفلام حسب المواصفات بل يتدخّل كثيراً لكي يمنح الفيلم شخصية مختلفة عما تنتجه هوليوود عادة. هذه الفانتازيا بالغة الجمال بحد ذاتها، لكن كان عليه أن لا يكتفي بالقصّة لكي تورد تلك الفانتازيا، بل أن يضيف من عنده ما يجعل الفيلم حالة خاصّة. أقرب الى تجسيد صوره وذاكرته عما كان يقرأه ويشاهده من حكايات وهو صغير٠

هذا الفيلم فيه الكثير من "ألف ليلة وليلة"  ٠
طبعاً. تلك الحكايات التي يمكن صنع العديد من الأفلام. فيها كل شيء تطلبه الى اليوم من خيال وعناصر إنسانية وميثالوجيات٠

هل حدث أنك وجدت نفسك  في تناقض مع
المخرج؟
إذا ما صافحت المخرج، او المخرجة، فإن ذلك يمنحني القدرة على مناقشته. ليس أنا شخصياً بل عليه أن يمنح كل ممثل ذلك الحق. أحياناً لا يستمر اللقاء طويلاً قبل أن تدرك أن تفكير كل منكما لا يلتقي مطلقاً وتفكير الآخر. ذات مرّة جلست مع مخرج أميركي في قصر مارمونت الشهير نتناول الغذاء ونتحدّث في المشروع الذي بيننا. في منتصفه قلت له: نحن لا نستطيع أن نتفاهم. كيميائياً لا نتطابق. توقّف عن الطعام وقال: "معك حق"، ثم نهض وغادر المكان لأنه أدرك أن هذا التناقض لا يدفع بالعمل الى الأفضل بل الى الأسوأ٠
  
هناك فترة من حياتك لا أعرف عنها الكثير٠
سنة 1972 مثّلت فيلماً تشويقياً بعنوان "الخوف
هو المفتاح"، كان دوراً صغيراً على ما أعتقد. ثم
غبت لعشر سنوات وحين عدت لعبت دور البطولة
المطلقة في "غاندي". أين أمضيت هذه السنوات؟
أمضيتها في بيتي على المسرح. هناك وجدني مخرج "غاندي" سير رتشارد أتنبوره. كان يبحث عن ممثل بمواصفات مختلفة ووجدني بتلك المواصفات التي أرادها وهي، عليّ أن أقول، مواصفات واقعية تماماً سواء أكنت تتحدّث عن البدن من حيث نحافته وضعفه ورقّته او من حيث القدرة على الظهور متلائماً مع العنصر الهندي. في نهاية الأمر ليس هناك ممثل أشقر يؤدي الدور بل ممثل له جذور هندية٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠




Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular