May 21, 2010

CANNES DAILY 9 | Fair Game | الخارجون عن القانون لرشيد بوشارب | كان يفتح ملف وضع السينما العربية | إوتار إيوسيلياني |


Year 3 | Issue  513


المفكّرة
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكرسي لمن سبق

في مطلع كل حفلة عرض نقف، نحن مجموعة من النقاد السينمائيين عند الحاجز الحديدي الموضوع عند أسفل سلّم الصالة  بإنتظار فتح الباب الكبير والبدء باستقبال الروّاد. بعضنا الآخر يأتي متأخراً بعد أن يتم إدخال المنتظرين مفضّلاً عدم الإنتظار في ذلك المكان. لكن المسألة هي أكثر من انتظار فتح الأبواب او عدم فتحها. هناك وضعاً خاصّاً لمن يختار الوصول الى ذلك الحاجز باكراً والوقوف عنده قبل نصف ساعة من فتح الباب الكبير، وهو الرغبة في أن يكون أوّل الداخلين للتأكد من أنه سيحصل على الكرسي الذي يفضّله. إذا ما تأخر، يفكّر، سوف يضطر للجلوس في مكان جديد قد لا يعجبه. وإذا ما تأخر كثيراً فالأماكن الشاغرة سوف تختفي إذ يتدفّق الحضور، وجلّهم في العروض الصحافية من النقاد والصحافيين، ويحتلّون ما هو مُتاح٠
خلال فترة الإنتظار التي يتكوّم عندها الناس تباعاً بلا صف واحد يستطيعون الإنضواء فيه، يمتد البعض منا على طول الحاجز كما يفعل صيادو السمك لا ينقصنا في ذلك سوى الصنّارة وخطّافها و... السمك طبعاً٠
لكن المثير هو نوعية المناقشات والأحاديث التي تدور بين المنتظرين. نقاشات مفيدة عن الأفلام التي تمّت مشاهدتها تصلح لأن تكون في جلسة حقيقية او في ندوة، وبحث في التيارات السينمائية ومشاكل المهرجانات وما يجب فعله وما لا يجب فعله لتحسين وضع السينما وهكذا٠
طبعاً هناك أحياناً الوضع الذي قد تتعرّض إليه حين وقوفك. مثل أنك تريد المشاركة في نقاش قائم بين صديقين او زميلين بينما هناك ثالث يريد لفت نظرك الى موضوع لا يهمّك، وهذا حدث يوم أمس حين أصرّت سيّدة عجوز أن تتحدّث لي عن حال المطارات واحتمال إغلاقها مع مزيد من سحاب البركان الآيسلندي بينما كان زميلاي (واحد كندي والآخر تشيلي) يتحدّثان عن فيلم جان-لوك غودار واحد مع والثاني ضد٠
في أحيان أخرى تجد أنك جئت متأخراً حتى على الصف الأول في ذلك الفوج المتكوّم والمنتظر. ليس لديك حل سوى أن تطلب من زميل يعرفك ويجلس عادة في ذات المكان الذي تجلس فيه أن يحجز لك. وهناك منافسة بيني وبين صديقين على المقعد الذي أفضله. هذان الصديقان هما الصحافي اللامع عبد الستّار ناجي وناقد كندي لا زلت أجهل أسمه حتى الساعة، لكننا وبكل ديمقراطية نرضى بمبدأ" الكرسي لمن سبق مدركين أن الأول في الوصول سيسارع لحجز كرسيين مجاورين لا بأس بهما٠
وقبل يومين وصل هذا الناقد متأخراً بعض  الشيء ليجد أن المنتظرين عند الحاجز الحديدي بلغوا نحو ثلاثين شخص. أحد هؤلاء كان يقف مباشرة أمامي وهو يأكل بيتزا. تحت صحن البيتزا صحن حلوى غربية  إذ يبدو أنه لم يستطع الحصول على مقعد في مطعم أصلاً فحمل طعامه معه. لكن أمام هذا الشخص كانت هناك مساحة خالية وجدتها مهدورة. تقدّمت صوبها فسارع بوضع يديه لمنعي، علماً بأننا لسنا في صف  منتظم على الإطلاق. حين طلبت منه إنزال يده لأنني أريد الوقوف في ذلك الفراغ البشري القريب، قال وهو يمضغ لقمته: "كلنا مستعجلون". رددت عليه بكلمة " صحيح"، ثم زحت يده من أمامي ووقفت حين المكان الشاغر.  يومها لم أحظ بالمقعد المفضّل بل بالمقعد المفضّل رقم 2


تحقيق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 مهرجان "كان" يفتح ملف المهرجانات العربية
سينمائيون حيارى وآخرون يحاولون الإستفادة من الوضع


فريد بوغدير

كما سبق القول وبات معلوماً، تغيب السينما العربية مرّة أخرى عن الحضور وذلك بسبب تقصير متعدد الأطراف والمسببات. فمن ناحية يغيب دعم الدولة للفن السينمائي غياباً شبه تام وشامل في معظم الدول العربية التي انتجت سابقاً او حتى الآن أفلاماً، ومن ناحية أخرى، يفضّل المنتجون الخاصّون طرق باب الأعمال التي يعتبرونها كفيلة باسترداد تمويلهم رغم الإخفاقات البيّنة للسينما العربية التجارية. وهناك بالطبع حالة من الركود في نوعية حتى تلك الأفلام التجارية وتراجع الطموح الذي واكب المخرجين العرب لمعظم السنوات الماضية وتحديداً منذ الستينات وحتى مطلع هذا القرن٠

يقول المخرج التونسي فريد بوغدير الذي أنجز بضعة أعمال لافتة جابت مهرجانات السينما العالمية بنجاح كبير مثل "حلفاوين":" أتيت هذا العام متسلّحاً ببطاقة صحافية ولست كمخرج. أنا إبداعياً متوقّف منذ عدّة سنوات. التمويل جفّ من أمام أمثالي والأفلام المنتجة في تونس في معظمها لا يستحق العرض في مثل هذه المحافل وأحياناً في أي مكان"٠
لكنه وبنبرة تفاؤل يقول: "لكني عائد الى حالة الإبداع في العام المقبل إن شاء الله"٠

والشكوى ذاتها تصدر أيضاً من المخرجة أسماء البكري التي اكتشفت أن المكتب التجاري المصري المكلّف بتسهيل مهام السينمائيين المصريين نسى أنها ستحضر المهرجان او لعلّه نسى أنها تحضر المهرجان لكي تشاهد أفلامه فلم يصدر لها أي بطاقة تخوّلها الدخول. قالت وهي ترتشف فنجان قهوة في مطعم صغير:" الأحوال الإنتاجية في مصر كما هي في العالم العربي. إنها إنعكاس لحالة الإحباط والتخبّط الذي تمر به السياسة العربية في هذه المرحلة. من كان يصدّق أن مأساة كبيرة، كتلك الحرب التي قادها العدو الإسرائيلي في غزة  تهز العالم الغربي وتدفعه للإهتمام إعلامياً وسينمائياً بها، بينما تبقى السينما مشغولة بحواديت البيت ومشاغل القلوب العاطفية؟"٠
نسألها عن جديدها فتقول: "جديد؟ أي جديد إذا ما كان المنتجون المصريون توقّفوا عن تمويل أي مشروع لا يتناسب وأفلام "الهلس" الذي يقدّمونها ؟ لدي مشروعين واحد عن حصار غزّة والثاني عن الحاصل في بلادنا من أوضاع تطرّف وتفرقة بين الأديان لكن أحداً لا يريد التعامل مع هذه المواضيع. يفضّلون أفلام الزبالة التي يقدمون علي إنتاجها"٠
ترى المخرجة أن الحال العربي ليس أفضل: "هاهي السينما العربية تعجز عن التواجد في أكبر مهرجان للسينما العالمية وأعتقد أن ذلك ليس صدفة، بل نتيجة القبول بخطّة غير معلنة لتهميش السينما والثقافة وإحلال سياسة الجهل الكامل"٠

وتقول المخرجة اللبنانية جوسلين صعب التي قدّمت في المهرجان فيلماً صغيراً (20 دقيقة)  هو "شو صار؟" أن الوضع ما عاد يتحمّل السكوت عنه: "السينمائي العربي الذي يحمل طموحاته على كفّه طوال الوقت متّجه الآن الى الغرب باحثاً عن التمويل او الى بعض المهرجانات العربية الكبيرة التي ستقدّم، إذا ما أرادت، دعماً مالياً لقاء عرض الفيلم فيها. لكن التمويل الغربي بات صعباً ودعم المهرجانات ليس حلاً. المطلوب إعادة النظر في غياب الثقافة العربية عن النشاط من الأساس وفي غياب السينما العربية عن الحضور بالتحديد. المسألة ليست عدم وجود فيلم على شاشة "كان"، بل عدم وجود سينما عربية جيّدة في الأساس وهذه مهمّة وطنية٠

مقايضات
على صعيد المهرجانات العربية فإن المسألة تحمل وجوها مختلفة
وجود مهرجانين كبيرين في دولة الإمارات، واحد في دبي والآخر في أبو ظبي ساعد على تأسيس قاعدة للعروض السينمائية العربية (لجانب قاعدة العروض السينمائية الغربية المختلفة عن السينما السائدة في الصالات التجارية). واستفاد من رغبة الإماراتيين والخليجيين عموماً على التعرّف على أعمال وقضايا العالم العربي من خلال السينما٠
كذلك أضحت المنافسة بين هذين المهرجانين عاملاً يستفيد منه بعض السينمائيين لإيجاد الدعم المنشود. لكن هذه المنافسة أيضاً باتت عنواناً لفوضى محتملة يراها السينمائي العربي، حسب حصيلة آراء سُمعت خلال دورة "كان" الحالية، محيّرة٠
أحد المخرجين الذي طلب عدم ذكر إسمه قال: "من المفترض أن يؤدي ذلك الى نفع السينما العربية ككل. وأنا لديّ مشروعاً بعثت به الى أحد هذين المهرجانين، لكننا عموماً حائرين حيال المنافسة القائمة لأننا نحتار اي من المهرجان علينا الإشتراك به من دون ان نتسبب في امتعاض المهرجان الآخر"٠
والواقع أن الحل لا يكمن في المنافسة بل في التعاون، وهذا التعاون غير موجود وإذا لم يكن هذا التعاون مرغوباً، فإن حالة من الإنفصال السلمي كل بخططه وأعماله، قد تكون أجدى خصوصاً وأن أنباء المنافسة  انتشرت على الصحف الممعنية يزيدها انتشاراً الحضور القوي من مهرجان الدوحة السينمائي تمهيداً لإطلاق دورته الأولى الحقيقية بين موعدي أبو ظبي ودبي٠
لكن إنعكاس ذلك على السينما العربية ما زال في بدايته. فإذا كان بعض السينمائيين العرب يحتار أين يتّجه، فإن البعض الآخر حاول الإستفادة من المهرجانات المذكورة بتحويل عمله الى عملية مقايضة. وما حدث مع فيلمي "سكّر بنات" اللبناني و"أبن بابل" (الهمزة على الألف بخطأ من الفيلم) العراقي الإخراج لا زال ماثلاً. كلاهما، لكن لسببين مختلفين كان مقرراً له العرض في مهرجان دبي لكنه انحاز لمهرجان أبو ظبي٠

سكّر بنات

الى جانب هذه الفوضى فإن عدم وجود أفلام عربية كافية لكي تنتشر بتساو بين المهرجانات المذكورة بالإضافة الى مهرجاني القاهرة ومرّاكش السنويين ومهرجان قرطاجة الذي يقام مرّة كل عامين بات عبئاً كبيراً. ويذكر مدير عام أحد هذه المهرجانات قائلاً: "المسألة هي أن عدم وجود أفلام كافية يجعل المهرجانات وثّابة على نحو عدائي. كل منها يريد الحصول على الأفضل وقبل سواه وهذه منافسة مشروعة، ما أراه غريباً هو كيف يتم ذلك"٠
كمثال، يذكر المتحدّث كيف أن العديد من المخرجين باتوا يمتنعون عن الذهاب الى المهرجانات ذات الجوائز المحدودة بغية التنافس على الجوائز الكبيرة التي تعد بها المهرجانات الخليجية. يقول" "بات عادياً مثلاً أن يوافق المخرج على ارسال فيلمه اليك، ثم يغيّر رأيه. وإذا لم يغيّر رأيه فالمنتج عليه أن يوافق وإذا ما وافق المخرج والمنتج تجد أن الموزّع هو الذي يفرض رأيه في النهاية"٠
يختتم مسؤول في مهرجان عربي آخر بقوله: "جوائزنا ليست كبيرة لكن تاريخنا كبير ونأمل أن يقدّر السينمائيون العرب هذا الوضع. على أي حال فإننا لسنا منتظرين. لقد أجرينا تعديلات واتفاقات جديدة ستنطلق بدءاً من دورة هذا العام ونعتقد أنها ستضيف دافعاً مهنياً لاستقطاب السينمائيين العرب. وفي كل الأحوال، لا نستطيع أن نتنافس بالشكل الذي تتنافس فيه بعض المهرجانات الأخرى ونتسلّح بالتريّث إعتقاداً منّا بأن المثابرة الصحيحة هي السبيل للنجاح"٠


شخصيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عرض فيلمه الجديد في تظاهرة "نظرة ما"٠
مخرج من نوع خاص أسمه أوتار أيوسيلياني


Chantarpass:  المخرج والممثل أوتار أيوسيلياني في

يُحتفى بالمخرج أوتار أيوسيلياني ، الذي يعرض له مهرجان "كان" فيلمه الجديد "شانتراباس"  (125 دقيقة) في تظاهرة "عروض خاصّة"، بأنه من السينمائيين- المؤلّفين في فرنسا، ثم يختلف البعض في تحديد أهميّته في هذا النطاق. البعض يراه  من بين الأساسيين ومنهم من يراه من بين الثانويين في هذا المجال. ولو أن تحديد القيمة يبدو هنا مرتبطاً بعدد أفلامه (إثنا عشر فيلماً طويلاً في خمسين سنة) التي آخرها هذا الفيلم، أكثر من إرتباطه بتقييم فعلي لأعماله من هذه الزاوية تحديداً٠
من بين الإثنا عشر فيلماً هناك تسعة أفلام روائية  وثلاثة وثائقية طويلة (بالإضافة الى عدد محدود من الأفلام القصيرة) والجامع بين أعماله هو أسلوبه القائم على رصد شخصيات متعددة عوض الإكتفاء بشخص واحد وخلال ذلك، نراه عادة ما يرصد "ثيمة" حياة مراقباً إياها عن بعد كما لو أنه جار للمكان فتح نافذته وأخذ يرقب من بعيد ما تفعله تلك الشخصيات الأخرى٠
ليس الوحيد الذي يرصد شخصيات متعددة في قالب واحد من الأحداث، لكنه في هذا الإطار من أبرزهم اليوم وأكثرهم عرضة للتناسي كون أفلامه متباعدة. حين نال  "حدائق في الخريف"، جائزة لجنة التحكيم الخاصّة  سنة 2007  كان مرّ خمس سنوات على إنجازه الفيلم السابق "صباح الإثنين" الذي نال عنه جائزة إتحاد النقاد السينمائيين الدوليين في مهرجان  برلين في ذلك العام٠
شخصيات أيوسيلياني هي في واقعها مجموعات من مختلف القطاعات  ينطلق المخرج من وسط البيئة التي يعيشونها. لا يوجد خط قصصي واحد يتبلور او يتميّز أكثر من سواه، بل خطوطاً عدّة ولو أنه تنبع من تلك النقطة المركزية الا وهي البيئة٠
هذا، وتحبيذ واضح لاقتصاديات الصمت، ما جعل عديدين يعتبرونه أقرب، في سينماه، الى الكوميدي الفرنسي جاك تاتي، لولا أن تاتي كان لديه ما يثير مشاهديه من ضحك ناتج عن القيمة الكبيرة لفن العرض والتعليق الساخرين، في حين أن أيوسيلياني عادة ما يرقب بلا انفعال،  حتى حين يكون لديه مشهداً كبيراً مفاجئاً يجيء بلا بناء درامي مسبق، كحال الأحداث الصغيرة التي تتوزّع في أركان فيلمه٠

في هذا السياق، فإن اللقطات البعيدة هي الأنسب لترجمة هذه الإهتمامات. لو كان أيوسيلياني بالفعل جاراً يشهد من نافذته ما يمر به جيرانه من حياتات، فإن بعده عن كل منهم هو بعد الكاميرا ذاتها. المسافة واحدة. في القليل من المرّات يقدم على لقطة قريبة لكن هذه اللقطة سوف تكون ليد او لبطن او لزجاجة خمر، لكنها لن تكون لوجه. وفي ذلك أيضاً، والى جانب الصمت الذي يستخدمه كلحاف يغطّي به أناسه (مرّة أخرى الجار لا يسمع ما يدور، فإذا كان هذا مفهوم أيوسيلياني فإننا لن نسمع أيضاً ما يدور في غالب الأوقات) هناك اقتصاد اللقطات وهو في ذلك ذات الإقتصاد الذي يمارسه المخرجون المتأمّلون الآخرون  مثل  أنجيلوبولوس، زاخاروف، تاركوڤسكي أنطونيوني الخ... على اختلاف مشارب هؤلاء وتنوّع أساليبهم. اقتصاد يمنح المونتاج دوراً مخالفاً للبناء السردي الذي أسسه ايزنشتاين وطوّره غريفيث وسارت عليه معظم السينما٠
إذاً، آقتصاد في اللقطات من حيث قلّتها عدداً وتنويعاً. اقتصاد في الكلام ثم هناك اقتصاد في الموسيقا. الموسيقا التي يستخدمها المخرج قليلة في أفلامه، وليست بهدف مصاحبة حالة درامية متصاعدة، وعادة، وربما دائماً إذا لم أكن مخطئاً، مقطوعة بيانو كلاسيكية٠

في أحاديثه أعترض أيوسيلياني على أن سينماه تشابه سينما جاك تاتي. إنه اعتراض نجده بين كثيرين من المخرجين الذين يعتبرون أن المقارنة تقتنص قدراً من فرديّتهم. لكن أيوسيلياني يستند الى أهم الفروقات ليجعل منها كل الفرق: تاتي كوميدي، هو راو حكايات٠

وفي فيلمه الجديد "شانترباس" الذي عرض في هذه الدورة من مهرجان "كان" ما يؤكد هذا الإعتبار. اوسيلياني يروي حكايات متعددة تدور في فلك عالمه وهمومه: من السينما الى رصد الحياة ومن وضع خيالي صرف الى وضع مستوحى من الواقع الذي يبدو مستقى من ذكرياته الخاصّة. في كل ذلك، يعبر المخرج المساحة بين الجانبين الواقعي والخيالي بأسلوبه المنتظم وغير المثير لا لتفاصيل الواقع ولا لشطحات الخيالي متحدّثاً عن هجرته وعن الحرية التي كان يتوق إليها ليعبّر من خلالها عن وجوده الخاص. كل ذلك في حكاية تقع في جورجيا زمن انضوائها تحت ستار الإتحاد السوفييتي٠



أفلام اليوم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Hors-la-loi  ***
 الخارجون عن القانون
إخراج: رشيد بوشارب
أدوار أولى: رشدي زم، سامي بوعجيلة، جمال دبّوس
فرنسا | المسابقة


فيلم رشيد بوشارب الجديد " الخارجون عن القانون" أشبه بفيلم غانغستر من أي شيء آخر. تشاهده فتتذكّر عنف سيرجيو ليوني في "حدث ذات مرّة في أميركا" وعصابة فرنسيس فورد كوبولا في "العرّاب". لكنه في الوقت ذاته فيلم يقحم المشاهد في الدراما التي ينسجها ممسكاً على قبضة الأحداث وغير وجل حيال إظهار قناعاته: فرنسا كوّنت فرقة بوليسية إرهابية بإسم "اليد الحمراء" لاقتناص ما وصفته بالإرهاب الجزائري الذي كان حينها يحاول تأييد جبهة التحرير الجزائرية عبر إثارة مقاومة في البلد المحتَل. النتيجة هي عمل في منتصف الطريق بين الجدوى والفوضى. حكاية ثلاثة أشقّاء يُنزعون صغاراً من أرضهم في الجزائر وعلى كبر يموت الأب ويقنع أحدهم (سامي بوعجيلة) والدته بالهجرة الى فرنسا بينما كان أحد شقيقيه يحارب في الجيش الفرنسي في فييتنام في الخمسينات. شقيقه الآخر كان يقضي مدّة عقوبة في السجن. المحارب يعود  (بعين مشوّهة) مقتنعاً بأن ما كتب النصر للفييتناميين ضد الفرنسيين هو تكاتفهم والثاني يخرج من السجن مؤمناً بأن الكفاح المسلّح طريق الإستقلال الجزائري. كلاهما سوف يؤسسان حركة مسلّحة بينما ينصرف الأول الذي جاء بوالدته من الجزائر الى الأعمال التي يمكن لها أن تمنحه نوعاً آخر من القوّة: أنشأ ملهى ونادي للمصارعة لكنه مد أخويه بالمال حين لزم لكي يشتروا السلاح٠
في المقابل هناك الكولونيل الذي حارب أيضاً في فييتنام (برنار بلانكان) الذي يقف علي فشل البوليس الفرنسي في الحد من أفعال تلك المجموعة فيتدخّل مؤسساً "اليد الحمراء" بمتمويل وموافقة حكومية وهدفها التصدّي بالعنف والإرهاب ذاته للجزائريين. جزء كبير من هذا الفيلم يدور حول حروب متبادلة  لينتهي بموت بعض الأخوة وانطلاق الثورة ثم يختتم المخرج فيلمه بلقطات وثائقية للجزائريين (في الجزائر) يحتفلون بعيد الإستقلال٠
مع الفيلم الشعور بأن الإستعمار إنما يخلق نواة الحركات التحررية وأن الجزائريين عانوا في الجزائر وخارجها من عنف الفرنسيين حتى من قبل أن يحملوا السلاح (أحد المشاهد الأولى هو لمظاهرة جزائرية سلمية يفتح عليها البوليس والمواطنين النار ويقتلون أعداداً كثيرة منها)  وضدّه أن المخرج لا يملك أسلوباً خاصّاً به بل يرصف المشاهد كما لو كانت صفعات من الكلمات والصور. طريقة الأفلام التي لا تريد أن تترك للمشاهد مجال الإستقبال الهاديء والمستقل بل تندفع في محاولتها تكوين الرأي له. المواقف على أهمّيتها تمر عابرة مصحوبة بمنحى تقريري لا يؤلّف دراما ولا يمنح الشخصيات الا الظاهر من المشاعر على نبلها٠


Fair Game***
  الفيلم: لعبة عادلة
اخراج: دوغ ليمان
أدوار أولى: ناوومي ووتس، شون بن
الولايات المتحدة | المسابقة


 "هل قابلت صدّام؟ هل صافحته حقّاً؟ هل نظر في عينيك وقال لك سوف أقتلك؟" 
هكذا يصيح شون بن في وجه محدّثه الذي تبنّى الرواية الرسمية للبيت الأبيض وأخذ يتحدّث عن نوايا صدام حسين تدمير الولايات المتحدة في فيلم جيّد الصنعة الى حد مقبول ومرضي تجارياً، وينتمي الى كل تلك الأفلام التي خرجت من هوليوود لتدين واشنطن٠

على الرغم من صعوبة الإعتقاد أن فيلم "لعبة عادلة" هو أفضل فيلم أميركي استطاع "كان" المجيء به الى المسابقة تمثيلاً للسينما الأميركية الا أن ذلك لا يُغيّر في الجوهر شيئاً. عمل يحتاج الى التأييد بعد فشل الأفلام الأميركية التي تناولت الحرب العراقية ولو في الخلفية (كما يفعل هذا الفيلم) وتعثّر ايجاد شركة توزيع له الى أن تقدّمت شركة "سًمِت" واشترته قبل افتتاح المهرجان بأسبوع واحد. بصرف النظر عن هذا كلّه وحقيقة أن معظم المشاهدين العرب المتواجدين هنا (نقاد وكتّاب وصحافيون) اعتبروه رديئاً،  فإن فيلم دوغ ليمان هو أفضل عمل له الى اليوم، لكنه ليس بالجودة بحيث يمكن اعتباره وفيلمه جديرين بالسعفة حين توزّع قريباً٠
يدور بأكمله حول قضية عميلة السي آي أيه فاليري بلام ولسون (ناوومي ووتس)  التي كانت في صدد استخدام أميركية من أصل عراقي (ليزاز شارهي) لإقناع أخيها  حامد (خالد النبوي) بالكشف عما يمكن كشفه من أسرار العراق النووية مقابل تأمين هروبه من العراق وذلك سنة 2003 أي قبيل قصفها واحتلالها من قِبل الجيش الأميركي٠
في الوقت نفسه كان زوجها السفير السابق جوزف ولسون (شون بن) في النايجر يكتشف أن أحداً لم يبع النظام العراقي آنذاك اسطوانات نووية (تسمى بالكعكة الصفراء) كما تزعم الإدارة الأميركية حينها. وهو عاد الى الولايات المتحدة وأصر على كشف الحقيقة متّهما الإدارة بالتلاعب وإعداد العدّة لضرب العراق بصرف النظر عن عدم وجود ما تدّعي وجوده من قوى نووية. صوته يصل الى واشنطن ويؤثر ذلك سلباً على عمل زوجته التي تفاجأ بأن السريّة خلعت عنها وباتت معروفة حول العالم كعميلة للسي آي أيه. تحاول إنقاذ حامد وعناصر أخرى لكن ادارة السي آي أيه تمنعها من الصلاحيات والمحنة تنتقل من العمل الى البيت حيث تحاول فاليري إقناع زوجها بالكف عن الحديث عن كذب الإدارة الأميركية. وثمّة مشهد جيّد آخر في هذا الصدد هو المواجهة بينهما حين يصرخ في وجهها: أنا لم أكذب، البيت الأبيض هو الكاذب. لاحقاً ما تلتقي وأبيها الذي حارب في فييتنام وهو يعرف ما لاتعرفه بعد عن اللعبة التي يمارسها السياسيون٠
فيلم ليمان لا يحاول الحديث في السياسة ولا يحتاج لأن يتحدّث فيها لأنها في صلبه. دراما سريعة التناول أحياناً أكثر مما يجب تمر على كل المسائل المهمّة بيسر وتبقي خيط التشويق فاعلاً٠
هو أيضاً فيلم نموذجي لشون بن الذي لا يختلف موقفه من سياسة واشنطن عن سياسة الشخصية التي يؤديها هنا٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular