May 18, 2010

Cannes Daily 7 | أفلام جان-لوك غودار | أليخندر غونزاليس إياريتو | عبّاس كياروستامي


Year 3 | Issue  511

 فيلم غوداري رائع عن  كل شيء غوداري رائع


Film Socialisme ****
فيلم اشتراكية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: جان- لوك غودار
سويسرا | نظرة خاصّة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أساساً أعرف نقاداً فرنسيين تحدّثت إليهم ووجدّتهم لا يفقهون الكثير مما قاله المخرج السويسري غودار في فيلمه فما البال بناقد علمه باللغة الفرنسية محدود (او معدوماً لدى البعض منّا هنا) خصوصاً وأن الشريط الإنكليزي المفترض به أن يكون ترجمة للتعليق او الحوار الفرنسي يكتفي- عن قصد- بالكلمات عاكساً نحو 30 الى 40 بالمئة فقط مما يُقال؟
هل يمكن لمثل هذا الناقد، او لأي ناقد من أي هوية كانت، لم يحط تماماً بالفيلم أن يكتب عنه نقداً كاملاً؟ الجواب هو لا. لكن المشجّع على الكتابة هو عدّة أمور: ما هو واضح من الفيلم،  وما هو معروف من المخرج لمن تابع كل أفلامه في العقود الثلاثة الأخيرة، ثم ما هو مفهوم من أسلوب عمل قائم بالكامل على كسر القواعد السينمائية المعمول بها، أمور تكفي  لمثل هذه الوقفة النقدية وإن ستأتي أقل شمولاً لكل الفيلم من العادة. لكن ليصدّقني القراء أن هذا هو -الى حين مشاهدته مرّة ثانية- هو أفضل ما يمكن الوصول إليه، ودافعي هو تسجيل الملاحظات والقراءات قبل فواتها او تلاشيها مع توالي العروض السينمائية الأخرى٠

الفيلم متوفّر، كما أخبرني طرف توزيعي على الإنترنت بحيث يمكن التقاطه في أي وقت  لكني لن أسعى للتأكد من ذلك حالياً خصوصاً وأن سؤالي لشركة "وايلد بانش" الموزّعة هو إذا ما كانت النسخ التي -نظرياً على الأقل- سيتم توزيعها عالمياً (عربياً لن يرضى أي موزْع شراء متر منه) ستحمل ذات الترجمة او أنها سترضخ للضروريات التوزيعية وتستبدلها بترجمة كاملة. جواب الشركة هو أنه في الغالب سيبقى الوضع على ما هو عليه لكن المسألة قيد النظر في الوقت ذاته٠
المخرج هو الذي اختار أي ترجمة تلك التي يريدها من الفرنسية الى الإنكليزية وهذا نموذج منها
Quand la loi n'est pas juste:  بالفرنسية
معناها العربي: حين يكون القانون على خطأ
When     Law     Wrong  والترجمة المصاحبة هي
وبالعربية: عندما- قانون- خطأ
الفراغات بين الكلمات الثلاث أعلاه من صنع المخرج. المحذوف قد لا يتجاوز كلمات وصل أحياناً لكن غيابها يقترح إحتمال سوء قراءة فالقاريء يستطيع أن يُسقط أي شيء يريده بين أي كلمتين هنا ما يبدّل المعنى المقصود. لا أفهم لماذا أصر المخرج على هذا المنوال، لكني أعرف أنه أراد، حسب من سألت، أن يستخدم بديلاً لأن الغاية ليست الترجمة بل تفعيل الكلمات ذاتها٠
مثال آخر أكثر نشازاً
العبارة الفرنسية التي تسأل: "هل تريد رأيي؟" تصبح
وتلك التي تحكي عن موقع اليهودي في أوروبا والهولوكوست  وتغير على النوعيات Aids   Tools
العنصرية تصبح بالإنكليزية
German    Jew    Black
كون هذه الكلمات تأخذ اللب من الحديث فهو يتناول الألماني واليهود والعنصرية التي تجاوزت اليهود الى السود وسواهم من الأعراق٠

فيلم جان-لوك غودار يحمل على التاريخ الأوروبي متناولاً أهم المحطات التي مرّت أوروبا بها عبر التاريخ. لا أحداث، لكن الموقع التي يمضي فيه الفيلم نصف مدّته الأولى هو ظهر باخرة سياحية تبحر في عرض البحر الأبيض المتوسّط وتتوقّف في مصر واليونان وايطاليا وأسبانيا. حين تصل -افتراضياً- الى ساحل كل بلد لا تنزل لتصويره. بل يعمد المخرج الى لقطات تسجيلية او أخرى مؤلّفة يهطل عليها التعليق الذي يتناول التاريخ والثقافة والسياسة بذات الأسلوب التقريري المحدد٠
لكن ما على السفينة هو مماثل في أهميّته. يلتقط المخرج سلوكيّات أوروبية ويدعو ممثليه لفتح حوارات تُلقى من دون إداء تمثيلي. وطريقة غودار في إظهار عدائيّته لما هو أقل مستوى من التراث والثقافة والفن هو تشويه الصوت الآتي من مصدر الشيء المشكو منه، كما الحال في اللقطتين المخصّصتين للمرقص في الباخرة فعوض أن نسمع الموسيقا يعالجها المخرج تقنياً بحيث لا يصلنا منها سوى المقصود الكلامي التعليقي عليها: زعيق يخزق الأذن يرمز لوحش صوتي تحتويه تلك الموسيقا الحديثة وذلك في صورة لراقصين مشوّهة بدورها استخفافاً بما يقومون به. في المقابل، الصورة واضحة ونقية وكذلك الصوت حين يقدّم لنا المخرج، في النصف الثاني من الفيلم صبيّاً في مقتبل العمر يستمع الى مقطوعة كلاسيكية ويتصرّف كما لو كان يقود الأوركسترا٠
على ظهر السفينة بضعة شخصيات يلتقطها المخرج مرّة بعض مرّة من دون أن تفعل أكثر من كلام او حركة بسيطة. أكثرها لفتاً للنظر مسؤول سابق للأمم المتّحدة، تحري روسي وعجوز من مجرمي الحرب والفيلسوف الفرنسي ألان باديو. الأخير للدخول في طروحات الفيلم، لكن الشخصيات الأخرى، وسواها، هي للإدانة٠
من البداية يعمد المخرج الى ما يؤمن به، كأسلوب عرض، وهو المقارنة. كل فعل له رد فعل (على نحو ما بيّنه في فيلمه السابق "موسيقانا") وهنا يذكر الهولوكوست لكنه يذكر مجازر أخرى، ثم يذكر الهولوكوست ويذكر بما جلبه ذلك من معاناة فلسطينية. وفي نقطة معيّنة يرسم علامة استفهام حول مستقبل الموضوع الفلسطيني ويرى الحل بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة٠
هناك نصف ثان  للفيلم يهبط فيه كل شيء الى أرض أوروبية معاصرة: عائلة تمر في أزمة تستدعي اجراء انتخابات. مما هو مُتاح من معلومات حول هذه الأزمة أن الغاية رمزية للعائلة الأوروبية التي يتمحور الموضوع حولها باحثاً، بطريقة المخرج الخاصّة المذكورة، في ماضيها خلال المئة سنة الأخرية (وحتى من قبل في بعض العبارات) وصولاً الى اليوم وقراءة موجزة للمستقبل مع علامة استفهام يحفرها في البال٠
في هذا القسم هناك محطّة بنزين ولاما وحمار وفتاة تقرأ واقفة في كتاب لبلزاك. ما يدور من حوار، وتعليق جانبي مقصود به أن يتجزّأ كما الصورة. في الحقيقة الفيلم بأسره هو أجزاءاً من الصور الذهنية والفنية كذلك الصوت وهناك قدر كبير جدّاً من التفنن في استخدامه: الإلقاء. المضامين. الآراء لكن كذلك نوعية الصوت، كما تقدّم، والمكساج المعمول له لكي يتداخل او لا يتداخل مع الصورة. يسبقها او يتأخر عنها او يندمج بها كما العناوين الفرعية التي تظهر من حين لآخر كلمات فوق كلمات٠

فهم غودار كمنطلق لفهم فيلمه ضروي جداً. إنه حالة وليس شخصية. هذه الحالة تُعلن دائماً نقدها للمسار الذي اتّخذه العالم على شتّى الأصعدة، كما يفعل هنا تماماً، لكنها تقتضي أن لغة الإيصال مرتبطة بلغة السرد وهذه، عنده، لا يجب أن تكون تلك التي يتحدّث بها الآخرون. أفلامه مثل عبارات وجمل من تلك التي كان يكتبها في مطلع عمله ناقداً. مبرمجة. محددة. مقسومة. مرتّبة كما لو كانت فوضوية لكنها بالتأكيد ليست كذلك. إنه يكسر القواعد السينمائية لكن ليس هباءاً او غباءاً  بل لتمرير رؤيته لما كيف يجب أن يكون عليه السرد وإذا كنت توافقه على آرائه التي لا زالت ثورية في عالم انتهى من الثورات، فإنت لا شك توافقه على أسلوبه ذاك. في الحقيقة لا يمكن الإعتراف بأحدهما من دون الآخر او قبول الفكر وتجاهل الطريقة التي يضع فيها هذا الفكر ويعلّبه٠
   صوّر غودار الفيلم دجيتال مستخدماً  وهو أوّل مرّة يصوّر فيها فيلماً كاملاً بالدجيتال الحديث. في البيانات التي سبقت الفيلم أسماء من اعتبروا مخرجين آخرين وفي مقدّمتهم آن ماري ميافيل التي طالما ساعدته،  لكن الفيلم غوداري مئة في المئة وهو يحذف في النهاية عادة ذكر الأسماء ويكتفي بكلمة "لا تعليق" ثم يسدل ستاراً أسود على ملحمته الخاصّة٠



المكسيكي إياريتو يعيد النظر الى العالم لكن من زاوية شخص واحد هذه المرّة


Bietiful ****
جميل
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: أليخندرو غونزاليس إياريتو٠
ممثلون: خافييه باردم، ماريسل ألفاريز، هناء بوشايب٠
المكسيك/ أسبانيا | المسابقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Beautiful  حين تسأله إبنته الصغيرة كيف يكتب كلمة
Bietiful  يأتي جوابه على هذا الشكل
وهذا الشكل يتّخذه المخرج البارع إياريتو لوصف الرجل بطل الفيلم من ناحية ولوصف معاكس لما هي عليه حقيقة الأحداث والبيئة التي تقع فيها. لا شيء جميلاً في هذه الصورة بل العكس: قاتم وداكن ومؤلم، هذا بإستثناء جمال هذا الرجل الذي تحرّكه عواطفه الإنسانية وسط ظروف لا يستطيع معها سوى تحمّل نتائجه ونتائج ما يفعله الآخرون٠
مخرج "21 غرام" و"بابل"، يبدأ الفيلم برجل يرتدي خاتماً ويد انثوية تمر على الخاتم في أصبعه. يخلع الخاتم ويهديه لصاحبة الأصابع الرقيقة، هذا ما حوار شبه هامس. في نهاية الفيلم تُعاد اللقطة لكنننا الآن نعرف من هو صاحب الخاتم (فعلياً وليس من صوته فقط) ومن هي الأنثى التي تعجبها الهدية فتضعها في أصبعها٠
أكسبال (باردم) هو إنسان مُصاب بالسرطان ولديه شهرين على الأكثر ليعيشهما. هو أيضاً رجل متزوّج ولديه ولدين صغيرين. فتاة فوق العاشرة أسمها آنا (تقوم بها هناء بوشايب ذات الوقع المؤثر بوجهها اللافت الحزين) وصبي دون العاشرة أسمه ماتاو (غيلرمو استريللا). زوجته  مارامبرا (ماريسل ألفاريز). علاقته مع زوجته متوتّرة في أفضل الأحوال. إنها ترغب في أكثر مما يستطيع الإيفاء به (جنسيا وعاطفياً وعلى صعد أخرى) وهي ليست زوجة تعرف العناية بالأولاد وبحاجة لمن يرشدها (كما تعترف في النهاية). تحب أكسبال لكنها لا تعرف كيف تحبّه. دائماً هي في المحور ومن دون أن تكون قادرة على التصرّف على هذا النحو٠
على حسن مزايا أكسبال الا أنه يعمل خارج القانون. لديه علاقة عمل مع سنغاليين مهاجرين يتاجرون بالمخدّرات وعلاقة أخرى مع رئيس مصنع حلويات صيني ومدير أعمله يستوردان مهاجرين صينيين بسبب رخص اليد العاملة. هؤلاء المهاجرون لديهم قاعة تحت مستوى الأرض يعيشون عليها ومعهم أولادهم. يتعرّضون لمعاملة خشنة ونهر مستمر ويمضون حياتهم في عمل متواصل من الصباح الباكر حتى الليل من دون رعاية. أكسبال على الرغم من ذلك، هو رجل يحب الإنصاف وينتفض غضباً حين يضرب البوليس بريئاً من السنغاليين  (يقوم به الشيخ نيداي) وحين يكتشف سوء المعاملة التي يتعرّض إليها الصينيون. وكل هذا يحدث بينما يحاول سبر حياته -او ما تبقّى منها- خافياً عن الجميع إصابته وقصر عمره٠
الرحلة التي يأخذنا إليها إياريتو وكاتبا السيناريو  أرماندو بو ونيكولاس جياكوبوني منهكة من حيث مرورها على ما سبق وغيره من الشخصيات والطروحات والمضامين الإجتماعية. لكن إياريتو يمنح الفيلم كل ما يطلبه ذاك من ثراء في الصورة (تصوير رودريغو برييتو)  تكوينا واختيارات. كذلك فإن الموسيقا (غوستاف سانتاولالا) التي يختارها لافتة والمونتاج الذي يقوم به دقيق ومتآلف مع الغاية. لا يكترث لصنع فيلم مشوّق بل فيلماً حقيقياً، لكن حينما يكون على المخرج ومونتيره ستيفن ميروني استخدام التوليف لعكس إيقاع كما الحال في مشهد مطاردة البوليس للسنغاليين فإن ذلك يتم عبر تنفيذ من باب أوّل٠  
باردم عميق وخبير في دخول تحت جلد الشخصيات التي يمثّلها. وهو هنا يفعل الشيء نفسه. رجل محمول بهموم الدنيا  وفوق ذلك بمشاكل عائلته وبقرب موته، وما تقرأه على وجهه هو بالتحديد كل هذه الهموم وقد تآلفت بحيث أن البهجة الوحيدة التي يطالها في الفيلم هي تلك الليلة التي قضاها في المرقص مع أخيه المدمن الذي كان تدخّل لإخراج أكسبال من السجن (حيث أودع بعد دفاعه عن السنغالي) ثم أخبره من دون أن ترمش عينه خجلاً بأنه سيقتطع الغرامة التي دفعها من تركة والديهما٠
الإختلاف الرئيسي بين هذا الفيلم وأفلام إياريتو السابقة هو اختلاف الكتابة. انفصاله المهني عن كاتبه السابق غيلرمو أرياغا غيّر من طريقة العمل: عوض الأحداث المتوازية التي تألّف منها  "21 غرام" و"بابل"، لدينا صياغة منتظمة في هذا العمل الذي يترك هم الإنتقال من مواقع متباعدة لكنه لا يترك هم الحديث عن شجون العالم حتى ومن موقع أحداثه في برثلونة٠


هواء كياروستامي يمنع فيلمه الجديد "نسخة مصدّقة"  من الوصول


 Copie Conforme / Certified Copy  *
نسخة مصدّقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إخراج: عبّاس كياروستامي
أدوار أولى: جولييت بينوش، ويليام شيمَل
إيران | المسابقة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رفع الإعلاميون والمهرجانيون والنقاد الغربيون، وبعد ذلك بعض العرب، المخرج عبّاس كياروستامي الى مصاف نجوم الإخراج حتى من قبل أن يترك البلاد ونظامه في العام الماضي. في كنف ذلك النظام، كان كياروستامي يصنع أفلاماً لا تناويء السُلطة بل السياق الجماهيري المعروف للسينما السائدة. ومع أن هذا ليس كافياً لاعتبار من يقوم بذلك مخرجاً فنّاناً، الا أن الغرب، وبعده بعض العرب كما أسلفت، حضن كياروستامي على أساس أنه مبدع ينتمي الى رهط السينمائيين المؤلّفين لمجرد أنه ينفّذ فيما يفكّر به. لا اعتباراً جدّياً ما إذا كان ما ينفّذه فيه أخطاء في القواعد السينمائية٠
 في أفلامه السابقة، خط المخرج خطوطاً على رمال مهنته. أمسك بالكاميرا وصوّر، ثم أمسك غيره بالكاميرا وصوّره. صنع أفلاماً طويلة لمجرد أن مشاهدها لا تنتهي وهذا غير ما يصنعه مخرجون كباراً من فئة تاركوفسكي وأنجيليبولوس او أنطونيوني. وقف أمام الكاميرا في "عشرة" وسرد عليناً درساً ألّفه في السينما محا فيه جهود سواه معتبراً أن طريقته هي الطريقة. جيّر فيلماً عن أطفال الأيدرز في أفريقيا،  لصبح فيلماً عن كيف اتصلت بك الأمم المتحدة لتطلب منك أنت أن تصنع فيلماً عن الأيدز وكيف ذهبت الى هناك وكيف اشتغلت وتعاملت وكم رق قلبك حيال أطفال الأيدز كما فعل هو نفسه في "أ ب سِ أفريكا". لكن لا تستطيع أن تعتبر أن ما تفعله سينما

في فيلمه الجديد (الأول له خارج إيران) وعنوانه نسخة مصدّقة لن نجد هذا القدر من النرجسية، لكن الهواء الحائل دون تقبّل ما نراه طبيعياً وبصورة صادقة وحقيقية لا يزال هناك. وهي مسألة هواء بالفعل، لأن المخرج الأميركي المستقل رتشارد لينكلتر سبقه الى فكرة هذا الفيلم سنة  1995 عندما أنجز "قبل الشروق" وسنة 2004 حين أنجز قبل المغيب: شخصيّتان تتعارفان وتمضيان النهار معاً متحدّثان حول كل ما يمكن أن يتحدّث فيه شخصان يسيران معاً من دون معرفة سابقة. الهواء لا غيره، لأن تجربة لينكلتر في هذا النوع الغارق في الحوار مفيداً كان أم مثرثراً، يصيغ ألفة وحناناً وعاطفة ويصنع الكيمياء بين الممثلين جولي دلبي وايثان هوك. الى ذلك فإن مفردات الفيلم التقنية من تصوير وصوت واختيار من في الصورة ومتى عند لينكلتر تنعش التجربة وتمنع عنها الشعور بالإسهاب٠
هذا لا يحدث في "نسخة مصدّقة" (ولم يحدث يوماً في أي من أفلام كياروستامي)٠ ما يحدث هو أن مؤلّفاً يصل متأخراً على قاعة فيها نحو خمسين شخص في بلدة إيطالية في مقاطعة توسكاني ليلقي خطاباً بالإنكليزية (فهم الإيطاليون الإنكليزية او ما فهموا) فتتسمّر الكاميرا عليه وهو يتحدّث بما يعتبره الخطيب والفيلم معه مهمّاً بينما هو ليس كذلك في الواقع. الى القاعة تدخل جولييت بينوش التي وصلت بدورها متأخرة واتجهت الى الصف الأول وجلست على كرسي محجوز (لعلّه للمؤلف). لقطات طويلة عليه وأخرى عليها وعلى إبنها ثم تكتب رقم هاتفها وتتركه عند الجالس بقربها لإيصاله الى المؤلّف٠
المؤلّف وأسمه جيمس (ويليام شيمل) يقصد الغاليري الذي تديره إيلي (بينوش) والكامن تحت الأرض وتلتقيه ويقترح عليها أن تأخذه الى حيث يمكن أن يرتشفيا فنجاني قهوة. توافق. تودّع قطّتها وتغلق المحل وتأخذ صاحبنا في رحلة في السيارة الى بلدة أخرى. يسوقان. يصلان. يمشيان. يدخلان غاليري آخر. يستمعان، يدخلان مقهى. يخرجان من المقهى. يدخلان مطعماً. يخرجان من المطعم. يسيران. يجلسان على درج وهكذا. كل ذلك والحوار بينهما لا ينقطع مع تطوّر واحد في كل هذا السياق المضجر وهو أن ايلي أخذت تعتبر، على حين غرّة ومنذ أن أعتقدت إمرأة تدير المقهى رقم واحد، أن جيمس زوجها، أنه زوجها بالفعل. والمؤلّف، من دون سبب لا ظاهر ولا باطن، يماشيها ويستجيب لهذا الإعتقاد ويعاملها كما لو كانت زوجته من خمسة عشر سنة وكما لو أن إبنها الذي بقي في البيت هو إبنهما المشترك٠
خذ مثلاً المشهد الذي يجلسان فيه في مطعم وكيف يتذمّر المؤلّف من الخدمة قبل أن تبدأ. ينادي النادل المشغول الذي -من دون الإكتراث للقطة له تظهر شخصيّته- يطلب من جيمس الإنتظار لكن هذا يطلبه الآن. يسأله زجاجة خمر. حين تعود "الزوجة" من الحمّام وقد تزيّنت، يفاجئها جيمس بالتجاهل وبثورته على النادل الذي أعطاه خمراً لا يعجبه واختفى. كما صوّر العبقري كياروستامي المشهد، فإن لا مبررات لأي مما يقع. لا مبرر لتجاهل النادل تأمين الخدمة، ولا مبرر أن يخلو المطعم من سواه، ولا مبرر لثورة الزوج، خصوصاً بعدما دخل المطعم ويده فوق كتف ايلي برقّة، ولا مبرر لتقطيع اللقطات على هذا النحو. لكن الفيلم بأسره لا مبرر له وليس فقط ذلك المشهد٠
في كل ذلك، لا يفتأ المخرج الذي يعتقد نفسه، ويوافقه معجبوه، على أنه يبتدع سينما جديدة، عن فرض إيقاعه على الجمهور كما لو كان حالة فنية حقيقية. هذا الفيلم هو واحد من أسوأ أعمال هذه الدورة، والمفرح أن عقل رئيس لجنة التحكيم تيم بيرتون لا يشتغل في هذه الحسابات بل سيختار غالباً فيلماً آخر (لعله فيلم إياريتو) ليمنحه جائزة رئيسية٠
فيلم كياروستامي، في نهاية المطاف، هو نوع من الأعمال التي تبقى دون مستوى الإستمناء الثقافي، حتى تصل الى ذلك المستوى عليها أن تطرح ما هو مهم وجدير بالتجسيل والتصوير، لكن لا شيء هنا يحقق هذه النتيجة٠




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular