May 14, 2010

CANNES DAILY 3 | نقد ثلاثة أفلام | مقابلة مع راسل كراو


Year 3 | Issue  508
كايت بلانشيت وراسل كراو أمام العدسات
   
لقطة أولى

مخرجو "كان" الأول٠   

كان مفهوم المهرجانات السينمائية لا يزال جديداً تماماً حين أقيمت الدورة الكاملة الأولى سنة 1946 والتي ضمّت 45 فيلماً طويلاً. هذه الأفلام كانت كل ما عرضه المهرجان الذي  ترأس لجنة تحكيمها الفرنسي جورج ويزمان الذي أنشأ مهرجان كان أساساً. بكلمات أخري، كان كل ما هو مطلوب جلب عدد معيّن من الأفلام الجيّدة وإجراء مسابقة بينها من دون تقسيمها الى تظاهرات او استحداث برامج هامشية أخرى بمزيد من الأفلام٠
السنة المذكورة كانت سنة انتهاء الحرب العالمية الثانية وبداية استعادة الدول الأوروبية التي خسرت استقلالها، حريّتها بعد رد الغزو الألماني، ولو أن بعضها تخلّص من النازية ليجد نفسه مطوّقاً بالنظام الشيوعي الذي أدّى بدوره الى تقسيم اوروبي استمر ردحاً طويلاً: هناك أوروبا الغربية، تلك التي تقوم على النظام الرأسمالي او الإشتراكي- البرلماني الحر والنظام الشيوعي وهذا التقسيم ساهم في تعزيز رغبة الغرب في التعرّف على الآخر كما فعل لاحقاً حينما بدأت الأفلام الصينية تشق طريقها الى المهرجانات الدولية، وكما أخذت الأفلام الإيرانية تفعل من التسعينات وصاعداً٠
المخرجون الذين شاركوا في تلك الدورة انقسموا الى قسمين: قسم مغمور وقسم مشهور. الخانة الأولى، إذ نطالع أسماءها اليوم، نجدها تشمل على أسماء مثل البرتغالي جوزيف لاييتو دي باروس والروماني غبريال باسكال والنمساوي ليوبولد ليندبيرغ والروسي لَف أرنشتام. معظم أسماء هذه الخانة حققوا أفلاماً قليلة نسبياً ولم يتداول التاريخ أي من أعمالهم لما بعد مناسبة عرضها٠
لكن الخانة الأخرى كانت تضم فعلاً أسماءاً كبيرة ومشهودة تركت آثاراً مختلفة، من هذا الفريق البريطاني ديفيد لين والأميركي جون كرومول والروسي ميخائيل روم والأميركي تشارلز فيدور والإيطاليين ألبرتو لاتوادا وروبرتو روسيلليني والبريطاني ألفرد هيتشكوك من بين آخرين٠
أحد الذين اشتركوا في المسابقة أيضاً المصري محمد كريم الذي قدّم فيلم "دنيا" الذي قام ببطولته سليمان نجيب ودولت أبيض ورقية إبراهيم وأحمد سالم٠
هذا الإشتراك العربي المبكر تكرر في الأعوام القليلة التالية حيث انضم اللبناني جورج نصر الى شلّة العارضين لأفلام هناك، كذلك كمال الشيخ ويوسف شاهين وصلاح أبوسيف، وهم أفضل مخرجي السينما المصرية على مر العصور٠
سوف يكون مثيراً للإهتمام إطلاق مشروع خاص يرصد في كتاب او بحث ما كل المخرجين الذين اشتركوا في الدورة الأولى وما حدث لكل منهم على حدة. والأفضل لو كانت هناك وسيلة لمشاهدة هذه الأفلام لكي نعلم -على الأقل- ما إذا كان سليماً ذلك التخمين من أن الأفلام التي فازت بالجوائز في تلك الدورة الأولي، والتي بلغ عددها 27 فيلماً، كان تستحق كلها ما فازت به٠
لكن في وقت بات نشر ثقافة سينمائية أمر عسير في أي من الأوساط المعمول بها، فإن العودة الى الأمس من باب الرصد والتسجيل هو  أكثر  صعوبة، ولو أنه بالغ الأهمية٠ 


نقد الأفلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
TOURNÉE  **


إخراج: ماثيو أمالريك
أدوار أولى:  ماثيو أمالريك، ميمي لو ميو، روكي روليت، ديرتي مارتيني
فرنسا | المسابقة

بضع لمسات عاطفية في محلّها وشيء من التعاطي الرقيق مع الذات البشرية لا يكفيان لصنع فيلم جيّد وهذا هو حال رابع  أفلام المخرج والممثل أمالريك الذي تم افتتاح المسابقة به. أمالريك جيّد في بعض إداءاته، او هكذا استنتج بعضنا حينما لعب بطولة "الجرس الغاطس والفراشة"  علماً  بأن تأدية دور المصاب بشلل تام يجعله غير قادر على غير تحريك رمش عينيه لا يتطلّب تمثيلاً على الإطلاق. هنا في هذا الفيلم يبرز معدنه كممثل على نحو لا بأس به لكن من دون أن يترك الكثير مما يمكن معه التلاقي وإياه شعورياً او عاطفياً او فنيّاً. إنه يواكيم، منتج تلفزيوني سابق تحوّل الى منتج حفلات ترفيهية عاد من أميركا ومعه مجموعة من المغنيات والراقصات اللواتي  تجاوزن سن الأربعين او يكدن ينتقل بهن من ناد ليلي رخيص الى آخر مع حلم يراوده في عودة مظفرة الى أمجاد ولّت، وإدراك خفي بأنه لن يستطيع فعل ذلك مع هذه الفرقة غير الجاذبة. حريم يواكيم نساء طيّبات ومحرومات ويدركن تماماً موقعهن الصعب في هذه الفترة من الحياة ماديّاً وفنيّاً وإنسانياً. في الوقت ذاته يعلم يواكيم أنه لا جدوى من محاولة  ترميم حياته الزوجية  او صداقاته التي لم ينتج عنها سوى المزيد من الغرق في الديون. لا يستطيع الإنتقال الى باريس لأنه مُدان لمنتجين ومتعهدين وكل ما يستطيع أن يفعله هو البقاء على الحافّة في تلك المدن الساحلية غالباً٠
يُصيب المخرج، الذي كتب فيلمه هذا أيضاً، في تلك الأماكن التي عليه نقل ما يتفاعل في علاقته مع النساء مع حب وكره. لكن كتابته للشخصية التي يؤديها تبقى بلا عمق او إثارة. يكفي مقارنتها بالدور الذي لعبه بن كازارا سنة 1976 في فيلم جون كازافيتيز "مقتل متعهّد صيني". هناك شخصية متعهّد لديه مجموعة من النساء يشتغلن في النوادي الليلية لكن علاقته  معهن مهنية في المقام الأول وواضحة وهو يشعر بأنه مسؤول عنهن ويدافع عن هذه المسؤولية في حب ويقين على عكس يواكيم هنا الذي يقبل بحمل ثقل ويشكو منه.  هناك مثال آخر متوفّر في فيلم قديم للراحل روبرت ألدريتش "كل ذلك المجد"  (1981) حيث بيتر فولك (زميل عمل لبن كازارا تحت لواء كازافيتيز) لديه ثلاث نساء (فيكي فردريك، تراسي ريد ولورين لاندون) يمتهن المصارعة النسائية وموقفه تجاههن حان ومدافع وواضح ما يجعل كلا هذين المثالين نواة عملين سينمائيين أفضل وقعاً٠
السيناريو الذي وضعه أمالريك  لا يحتوي على الكثير من الأحداث وتبدو الفكرة قد وصلت وانتهت بعد نصف ساعة من الساعة والخمسين دقيقة التي هي مدّة عرض الفيلم وما تبقى استطراد حيناً وتكرار حيناً آخر. الكاميرا تؤدي دورها المتوقّع هنا: محمولة غالباً لكنها تنبؤ عن مخرج يبحث عن سياسة عمل. لكن لو أن أمالريك وجد الرسم الصحيح للشخصية وما يكفي من مفارقات لرفع شحنة العمل وإيقاعه من دون تحسين مستوى إداء الكاميرا لهان الأمر٠

Chongqing Blues  ***


إخراج: وانغ جياوشواي
أدوار أولى: وانغ جويكي  
الصين | المسابقة

يعود بطل "أحزان شونغكوينغ" الى مدينة  بهذا الإسم بعد غياب ستة أشهر في البحار. إنه كوانهاي (وانغ جويكي) قبطان سفينة يتحدّث عن مشاعره حين يشرف على طاقمه وركّابه فيقول "أشعر بتوتر شديد لأني أخشى على سلامتهم" وهو يفعل ذلك قرب نهاية الفيلم حين يلتقي والضابط الذي قتل إبنه بعد رحلة أخرى على الأرض يقضيها كوانهاي باحثاً عن سبب موت إبنه٠
الفيلم يبدأ بعربة التلفريك تمر فوق النهر معلّقاً في الفضاء  ولاحقاً هناك لقطات متعددة للمدينة وللنهر وللسماء. لكن لا شيء من كل هذا جميل. المخرج لا يستطيع أن يجد جمالاً ولو من باب التناقض مع الواقع الذي يتناوله، ولديه سبب جيّد وتبرير مقبول: رحلة هذا الأب هي ليست للبحث عن كيف قُتل إبنه ولماذا فقط؟ بل هناك أخرى جانبية لا يقوم بها بل يطرحها الفيلم طوال الوقت: الرحلة في التحوّلات التي تمر بها الصين والتي زرعت شكل حياة غربية وأفقدتها هويّتها الأولى. كوانهاي يراقب، مثلاً، الراقصين والراقصات الصينيين الشباب وهم يتمايلون على إيقاعات غربية في ملاه مزدحمة. يواجه صخباً في أحد المطاعم لم يعتد عليه من قبل ويلقي نظرة على مبان عصرية لا تزال تحمل مفهوم الإنشاءات العشوائية رغم حداثتها. لا عجب إنه أنسان غير سعيد. وكونه جاء من البحر (حيث لا وطن) فإنه حالة نموذجية لرجل فقد، في وسط كل ذلك، وطنه وهويّته٠
كوانهاي يحاول إعادة رسم صورة ما حدث آملاً، على الأغلب، في إعادة التعرّف على إبنه الذي لم يتعرّف اليه سابقاً. زوجة كوانهاي تعيش الآن على محاولة محو الذكرى ولا تريد التحدّث إليه، لكن معظم الشخصيات الأخرى تريد أن تتحدّث عما وقع حين دخل إبنه، مشحوناً بعاطفة جيّاشة حينما تركته صديقته، الى محل عام واستل سكيناً طعن به إثنان واحتجز طبيبة هبّت للإنقاذ قبل أن يضع الضابط حدّاً لما يمثّله من خطر. ما لا يستطيع الفيلم، كما كُتب ونُفّذ، التغلّب عليه هو أنه كلّما غاص الأب في تلك الحكاية كلما بدت غير قادرة على أن تكون سبباً قويّاً لمسيرته. ربما لأن شخصية الإبن وما تقوم به تبقى غير مقنعة، وربما لأن الحدث نفسه ليس بحاجة الى كل هذا الغموض الذي يحاول الفيلم استخدامه مفتاحاً لشخصية الأب ومعاناته٠
ثم هناك ذلك الإيقاع. لا يمكن أن يكون الإيقاع مقبولاً إذا ما كان بطيئاً او متسارعاً الا بربط ذلك بالحاجة الدرامية إليه. في أفلام أندريه تاركوفسكي فإن الكاميرا التي تمكث فوق شخصياته طويلاً تستوعب جديداً في كل مرّة. عند بيلا تار تهضم شذرات الحياة. عند وانغ جياوشواي هي غير هذا او ذاك. مجرد بطيئة وفي الوقت ذاته ليست واقعية ولا تفرز ثراءاً قائماً بذاته. ما تنجح فيه -على أي حال- هو تنفيذ أسلوب المخرج في النظر الى العالم حيث اللقطة وما تشمله هي إنعكاس للفكرة التي في البال بصرف النظر عن الدراما ذاتها٠


The Housemaid *

إخراج: أيم سانغ-سو
أدوار أولى: جوان دو يون، لي يونغ جاي، يون يوه- يونغ
كوريا الجنوبية | المسابقة

هناك لجنة اختيار للأفلام  يتقاضى الفرد منها رطلاً من المال شهرياً لقاء انتقاء أفضل الأفلام. إذا لم تكن الإختيارات كلها متساوية فهذا طبيعي، أما أن يكون بعضها بمستوى هذا الفيلم فإن المسألة تحتاج الى تفسير٠
فيلم  إيم سانغ- سو الجديد مفاجئاً في مستواه لمن شاهد له سنة 2005 "الطلقة الأخيرة للرئيس" (من
عروض مسابقة مهرجان برلين) وهو يبدأ بفتاة ترمي نفسها من فوق بناية متوسطة العلو لتحط على رصيف شارع في ناحية شعبية مزدحمة. من هناك ستمر يوني (جوان دو يون) وستشاهد ما تركه البوليس من إشارات ورسومات طبشور على الأرض حيث سقطت. ستكوّن فكرة عن الموت وتختمرها لحين انتهاء الفيلم. في الفاصل الطويل بين البداية والنهاية، ستعمل خادمة في بيت لعائلة ارستقراطية يرأسها رجل أعمال بالغ الثراء (لي يونغ جاي) الذي لديه زوجة حبلى بتوأم وفتاة في عامها الخامس او نحوه ومشرفة على البيت (يون يوه- يونغ) التي تجلب يوني لاستلام عمل يشمل الإعتناء بالفتاة وبالولدين اللذين على الطريق٠
لا يمر وقت طويل من قبل أن يدخل رب البيت حجرة الخادمة ويمارس معها الحب وهي لم تكن نزوة وإن كانت فمثل كثير من النزوات آيلة للتحول  الى عادة وهذا ما يحدث قبل أن تكتشف الخادمة بأنها حبلى. لا تكتشف ذلك وحدها بل تكتشفه أم الزوجة والزوجة والمشرفة على البيت حتى قبل أن يعلم الزوج والد الطفل ذلك. والدة الزوجة تخطط لافتعال حادثة لقتل الخادمة بعدما بلغتها العلاقة وهذا يؤدي بالخادمة الى المستشفى ثم تعود الى البيت وقد تم افتتضاح العلاقة. تضربها الزوجة وتعرض عليها  مئة ألف دولار لقاء الإجهاض. لكن الخادمة تريد الإحتفاظ بالطفل.  وهنا لابد أن الفكرة التي كوّنتها في مطلع الفيلم عادت إليها إذ ترمي نفسها من أعلى السلّم  لكنها تتعلّق بالثريا  وبشكل ما تصلها النار فتلتهمها وهي لا زالت تتأرجح في الهواء.  كل لوازم الميلودراما المبتذلة موجودة في هذا الفيلم المتكلّف والمدّعي الذي ينتقل من سيء الى أسوأ في كل مرّة يحاول فيها الصعود الى محور جديد في تلك العلاقات النافرة بين شخصياته حيث لا واحد منها نبيل وحيث المخرج يريد أن يصفع حياة الأثرياء لكنه لا يمانع من أن يصيب بصفعته الخادمة جاعلاً إياها نموذجاً للطيش  في الوقت نفسه.  هناك فيلمان كوريّان سابقان يحملان هذا العنوان الأول من إخراج كي-يونغ كيم سنة 1960 والثاني من هو-تاي بارك سنة 1979 والمرء يتساءل أولاً إذا ما كانا يدوران حول الموضوع نفسه، وثانياً إذا ما كانا بالسوء ذاته٠


حوار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقاء مع راسل كراو
إنجاز هذا الفيلم كان ممتعاً لكن الرحلة التي خضناها لتحقيقه كانت شاقّة


خامس لقاء بين الممثل راسل كراو والمخرج ريدلي سكوت تمّت ترجمته الى دور البطولة في فيلم "روبِن هود". وفي حين أن الفيلم يختلف تماماً عن أي نسخة سابقة من الحكاية الشعبية، فإن أداء كراو يبقى في نطاق المتوقّع منه حين شاهدناه في "غلادياتور" أحد الأفلام السابقة التي أخرجه سكوت من بطولة هذا الممثل. الأفلام الثلاث الأخرى هي: «سنة طيّبة» و»أميركان غانغستر» و«كيان من الأكاذيب»٠
راسل كراو نوع من الممثلين الذين يضيفون الى حضورهم الجسدي المدهم موهبة التشخيص غير المحلاّة بطعم الحداثة. إنه لا يمثّل للكاميرا لكنه يدرك أنها موجودة ويدرك أنها ستعكس ما يستطيع أن يستحوذه من مشاعر وردّات فعل. هذه نراها تصل الى الشاشة العريضة بأبسط تقنيات التمثيل وفي الوقت ذاته لا تتطلّب تعقيداً او إداءاً مسرحياً او سبيلاً ينتمي الى واحد من تلك المدارس التي عرّفنا اليها مونتغمري كليفت، مارلون براندو او لورنس أوليفييه٠
ولد قبل 46 سنة  في نيوزيلاندا لكنه عاش منذ أن كان صغيراً في استراليا وحب التمثيل، كما الحال مع ممثلين آخرين سواه، ورده صغيراً فهو ظهر ممثلاً على شاشة التلفزيون الأسترالي. حتى مطلع التسعينات كان لا يزال ممثلاً استرالي الشهرة فقط، لكن شهرته  كانت تنتشر بفضل بضعة اختيارات صائبة من بينها فيلم  جوسلين مورهاوس "برهان" سنة 1991
بعد أربع سنوات كان حط في هوليوود ومثّل أمام شارون ستون "السريع والميّت" لسام ريمي وعامين بعد ذلك وكان في بطولة الفيلم البوليسي
L.A. Confidential وكان في بطولة الفيلم البوليسي للمخرج كيرتس هانسون
لجانب  الممثلين كيفن سبايسي  وجيمس كرومويل وغاي بيرس وكيم باسنجر٠
لقاءه الأول مع ريدلي سكوت حدث سنة 2000 حين تم اختياره  لبطولة ذلك الفيلم التاريخي حول ثورة عبيد العهد الروماني. كما الحال هنا، وكما الحال في فيلم ريدلي سكوت التاريخي الآخر "مملكة السماء" فإن الزاوية التي ينظر فيها المخرج الى الحدث مختلفة وجديدة٠
في "روبِن هود" يلعب راسل كراو الشخصية المذكورة بإقناع. لكن كما أن الحكاية المسردة جديدة، كذلك الشخصية كما يؤديها كراو. بالمقارنة مع تلك النسخ الأربعيناتية والخمسيناتية من حكايات روبِن هود، فإن بطلنا لا يعكس -كما الفيلم- حبّاً للحركة الكوميدية او الموقف الهزلي، بل يكتسي تشخيصاً جادّاً مناسباً جداً لمعالجة ريدلي سكوت للفيلم٠

صور سابقة
هذا فيلم يختلف كثيراً عن أي "روبن هود" شاهدناه٠
هل اشتركت في توجيه هذا الإختلاف؟
هناك جانبان لهذا السؤال. بالنسبة لتطوير الفيلم من المادّة المكتوبة الى الصورة التي نشاهدها فإن اشتراكي كان مساهمة تامّة. الجانب الثاني  ينتمي الى اختيارات المخرج وهذا ليس لي شأن به. هذا أمر يخص المخرج دائماً. حين جلسنا، ريدلي وأنا،  بعد أن كتب كل منا تصوّره عن الفيلم تساءل كل منا إذا ما كانت هناك نسخة سينمائية مصوّرة رائعة او بمثل الحجم المنشود.  الجواب الذي اتفقنا عليه  هو لا.  لم يكن هناك فيلم ذهب الى ما ذهبنا نحن إليه. لماذا وكيف وُلدت أسطورة روبِن هود وما هو التاريخ الحقيقي هذه الشخصية في حين أن المعلومات عن بعض الشخصيات الأخرى، مثل شخصية رتشارد قلب الأسد، كانت متوفّرة تستطيع أن ترسم منها صورة فعلية٠
الشيء الثابت أن رتشارد قلب الأسد انطلق ليحارب ما اعتبره حروباً مقدّسة تحت راية الكنيسة  التي لاحقاً ما أضفت عليه هالات البطولة وساهمت في تخليده. لقد أعادوا كتابة التاريخ الذي لم يكن مجيداً لأن الحرب الصليبية لم تكن كذلك.  إذاً اوّل ما جلسنا لكي نخطط الحبكة تبيّن لنا أن علينا أن نسعى لاستخراج الحقيقة من الفترة وتقديم روبِن هود جديد، كذلك رتشارد جديد. إنجاز هذا الفيلم كان ممتعاً لكن الرحلة التي خضناها لكي نحقق العمل كما يجب أن يتحقق كانت متعبة٠

ما الذي حدث للصورة التي نشأنا عليها؟ تلك
التي تتجاهل التحليل مهما كان واقعياً لقاء الصورة
الترفيهية المحضة؟
وجدنا أنه لا مجال لها في عملنا هذا. السبب هو أن السينما عرفت تلك الصورة سابقاً كثيراً والى حد كاف. هذا سبب أوّل. السبب الثاني هو أننا  أردنا ان نسبر غور الشخصية كما لم نعهدها من قبل ولا تستطيع أن تفعل ذلك مع الشخصية دون علاقاتها ومن دون الشخصيات الأخرى ومن دون أن يجيء الفيلم على هذا النحو العقلاني اذا أحببت. على ذلك، وأعتقد أنك شاهدت الفيلم وقد توافقني، فيلمنا يحمل قيمة ترفيهية كبيرة٠

هل كنت تعرف كايت بلانشيت شخصياً قبل
هذا الفيلم؟
لم أكن أعرفها حقيقة. طبعاً كنت شاهدت لها الكثير من الأفلام  ورأيتها مناسبة جدّاً.  لقد جئت من عائلة ممثلين استراليين منتشرين اليوم كما تعلم وتضم كايت بلانشيت وجيفري راش ونيكول كيدمان . ذات مرّة كنت ضيفاً في حلقة تلفزيونية وطرحت سؤالاً مباشراً على الحضور: "هل تعتقدون أن على كايت بلانشيت وأنا أن نمثّل فيلماً معاً؟". الجواب بالطبع كان مفعماً. الجميع قالوا نعم. كايت كانت تشاهد البرنامج في منزلها وحين اتصلت بها في اليوم التالي مباشرة  وسألتها إذا ما كانت توافق على تمثيل دور ماريان في هذا الفيلم قالت بلا تردد: نعم٠

كيف كانت إذاً خلال التصوير؟
ربما السائد نظراً لنوعية أدوارها أنها صعبة التعامل او أنها تمثّل وحدها حتى حين تكون وسط الجميع، لكني وجدتها دافئة ومستعدة للتواصل. على غرار يومي كانت رائعة٠

ضحكة إيرول فلين
استكمالاً للموضوع المتعلّق بالمنحى المختلف لهذا
الفيلم، هل شاهدت النسخ القديمة التي لعبها إيرول
فلاين او دوغلاس فيربانكس؟  هل حاولت تجنّب
شيء معيّن في إدائهما؟
نعم شاهدت النسخ التي تذكر. وأحد الأشياء التي لم أرد القيام بها  هو وضع يداي فوق خاصرتي وأقول شيئاً وأضحك (يضحك راسل كراو على طريقة إيرول فلين في فيلم "مغامرات روبِن هود" الذي أخرجه مايكل كورتيز سنة 1939)  قلت في نفسي أنني لست بحاجة الى مثل هذا التمثيل. المفارقة أن الكثير مما صوّرته السينما سابقاً اعتمد على ما كتبه السير وولتر سكوت الذي كتب بعد عدّة قرون من حياة روبِن هود. وكتبها على نحو مغامرات وليس على نحو توثيقي او واقعي على أي حال٠


لعل واحداً من الإكتشافات هي مسألة أن روبِن هود
تقمّص شخصية روبرت لوكسلي. هذه لم ترد سابقاً
على ما آعتقد٠
غالباً لا رغم أهميّتها. روبِن كانت له غاية من خلال ذلك. أراد تحقيق غرض معيّن من هذا التقمّص كما تشاهد في الفيلم، لكنه وجد نفسه مضطراً للبقاء داخله لفترة أطول.  الشيء الآخر هو أنك إذا ما بحثت في مثل هذا الموضوع تجد نفسك موغل بألوف السنين من الحكايات وعليك أن تفصل بين ما هو واقعي وبين ما هو خيالي. هذا ليس هيّناً٠

لا ريب أن تصوير الفيلم بحد ذاته كان مضنياً. هل
مستعد لتصوير أفلام أخرى متتابعة من هذا المنوال؟
نعم. ليس لدي مشكلة من أي نوع. التواجد في مكان تصوير كهذا يمنحني خبرة وطاقة. نعم بدنياً متعب  لكنه ممتع أيضاً خصوصاً وأنك لا تتعامل مع الحركة وحدها فقط، بل مع 900 نقطة محسوبة تلف حول رأسي كالساتالايت وعليّ أن أتذكر كل منها في لحظة محددة٠

لعل جزءاً من المتعة هو أنك تحقق أحلامك صغيراً؟
ألم تكن تحب تمثيل أفلام الأكشن كما نحن جميعاً
في ذلك السن؟
بالتأكيد. لكن روبِن هود لم يكن بينها.... او ربما كان... لا أذكر. لكن هناك أيضاً متعة وميزة الإنتقال عبر الزمن. خلال ساعات قليلة من استيقاظك كل صباح تنتقل بضع مئات من القرون الى الماضي. تقوم بتشخيص حياة أخرى في ظروف مختلفة وفي عالم متناقض تماماً.  بالنسبة لي هذا الإنتقال أمر يثير احترامي لأنني في النهاية أجد أن هذا الجهد لا يجب أن يمر عابراً او أن يُستغل بصورة سهلة او رخيصة. مع نهاية يوم التصوير تبدأ بالتفكير بما ستقوم به في اليوم التالي٠

نقاش ووجهات نظر
سمعت أنك وريدلي سكوت تشاحنتما وتجادلتما بصوت
مرتفع. هل حدث ذلك فعلاً؟ هل لك أن تصف كيف تتعامل
والمخرج علماً بأن هذا خامس فيلم لكما؟
سمعت ما ليس صحيحاً. طبعاً كان هناك مواقف متعارضة  بيننا لكننا لم نتشاجر ولم يصل جدالنا حول موضوع ما الى هذا المستوى.  كما ذكرت هذه  خامس مرّة نعمل فيها معاً وكلانا يعرف الثاني مهنياً معرفة وطيدة. بالتالي لن يكون هناك داعياً لمواقف بالغة التناقض٠

قارن، إذا أحببت، بين المرّة الأولى التي عملت فيها مع
ريدلي سكوت بالمرّة الأخيرة التي عملت فيها معه. لابد
أن هناك تغييراً ما٠
نعم. كان يستمع لوجهة نظري أكثر (ضحك)٠ هذا لأنه لم يكن يعرفني. أما الآن وقد بات يعرفني فإنه لا يبالي (ضحك). لقد تطوّرت علاقتنا بالطبع عبر سنوات، لكن تطوّرت كذلك المصاعب التي يخوضها الفيلم الكبير إنتاجياً كهذا الفيلم وفي هذا الفيلم على الخصوص. هناك توقّعات كثيرة تحيط به. مسؤوليات ومتطلّبات والجميع يرغب في النجاح من دون استثناء، لكن أحياناً ما يجد كل وجهة نظره أفضل من وجهة نظر الآخر لإنجاز هذا النجاح او لضمانته. الشيء الأكيد بالنسبة لريدلي سكوت والذي أسانده فيه تماماً أنه لم يكن يريد فيلم كليشيهات. وهو يعلم ما لديه من إمكانيات وما هي حدوده ويعلم أن عليه أن ينجز تصوير فيلم بهذا الحجم ضمن الميزانية وضمن أيام التصوير المحددة في الروزنامة.  قد نتناقش ونبحث طويلاً وبل نختلف في وجهات النظر، لكنه يفهم اخلاصي للعمل وأفهم مسبباته وحين يقف هو وراء الكاميرا وأقف أنا أمامها نكون مقتنعين بما نقوم به. لا مجال لغير ذلك. حتى ولو كنت تدرك أن وجهة نظرك صائبة، وبل حتى ولو كان يدرك أن وجهة نظرك صائبة لكنه لا يستطيع التجاوب معها لأنها ستؤدي الى تغيير أماكن تصوير او تصوير لقطات أطول من المشهد٠
ريدلي سكوت من أبرز الفنانين البصريين في هذه المهنة.  وأنا أحترم عطاءه وقدراته ورؤيته وقراراته. لذلك أؤكد أن ما أشيع ليس صحيحاً على الإطلاق٠

روبن هود دائماً ما كان الصورة الرمزية للبطل الذي
يواجه، كما نشاهد في هذا الفيلم، غياب العدالة. هل
تعتقد أن الفيلم يرمي الى ربط هذا المفهوم،  بغياب العدالة
في أنحاء عديدة من العالم اليوم؟
روبن هود ليس شخصية دولية الشأن في الأساس. ليس غاندي مثلاً لأن المفهوم مختلف وعالم روبِن هود كان محدّداً بالدولة الإنكليزية حينها. لكن هناك روبِن هود حول العالم. أناس يجهدون في سبيل تحقيق عدالة إجتماعية، لكن علينا أن نكون حذرين وأن لا نخرج الفيلم من حدوده.  لكن نعم. من وجهة نظر شخصية هناك بالفعل غياب للعدالة في أنحاء كثيرة من العالم وهناك شعوباً تعاني من دون داع٠

ما رأيك بالبطولات الخارقة التي توفّرها اليوم
مؤثرات الكومبيوتر غرافيكس والنصوص الآتية
من مجلات الكوميكس؟ هل بحث هذا مع ريدلي
خلال تحضيركما الفيلم؟
لا. لم نتناول موضوع أفلام "البوبكورن" هذه  لأن غايتنا كانت إيجاد العنصر الإنساني في كل هذه الحكاية ونركّز عليه وحالما تفعل ذلك فأن شخصية البطول ومفهوم البطولة يتغيّر تلقائياً او هو متغير في الأساس. طبعاً كان لابد من استخدام المؤثرات في عدد من المشاهد. لكن لا شيء من ذلك كان بغرض التدخّل في الحكاية وتحويل الفيلم الى استعراض تكنولوجي... شاهدت الفيلم وتعلم ما أقصده.  ريدلي استخدم المؤثرات بنفس الطريقة التي استخدمها سابقاً في "غلادياتور" أي من دون طغيانها على الفيلم نفسه وبين الفيلمين نحو عشر سنوات تطوّرت فيها هذه التقنيات الى حد بعيد. ربما مخرج آخر كان أكثر استعداداً لذلك، وربما في هذه الحالة لم أكن سأوافق على تمثيل الفيلم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

3 comments:

  1. بداية وقبل كل شيء، اسمح لي أن أشد على يديك مثنياً هذا الجهد الكبير الذي تبذله كل يوم بلا كلل ظاهر. ولعله من نافل القول ان العمل الذي ما فتأت تقوم به منذ سنوات هو بحد ذاته مجهوداً كبيراً تٌشكر عليه، فما البال إذا ما كنت آليت على نفسك المهذّبة الكتابة يومياً من حاضرة أهم المهرجانات؟ ولا تعتقدن أن هذا الجهد يمر من دون تقدير وما كلماتي هذه الا بعض هذا التقدير الذي تستحقه

    خالد عبد الكريم النعمان

    ReplyDelete
  2. احترنا بينكم يا نقاد آخر زمن. واحد بقول الفيلم ده وحش والتاني بقول عنو كويس
    محمد أحمد الشافعي

    ReplyDelete