May 12, 2010

CANNES DAILY 2 | فيلم الإفتتاح: روبِن هود


Year 3 | Issue  507
فيلم الإفتتاح
روبن هود جيد غير كل روبِن هود من قبل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الفيلم الذي اختاره مهرجان "كان" للإفتتاح يحكي قصّة الشخصية الأسطورية روبين هود، الذي حسب ما اشتهر به، كان يسرق من الأثرياء ليعطي الفقراء.  وهو آخر ما أخرجه البريطاني ريدلي سكوت، الذي يعيش ويعمل في الولايات المتحدة منذ أن انتقل إليها في منتصف السبعينات مع شقيقه توني سكوت شريكه في "سكوت فري"، المؤسسة الإنتاجية النشطة٠
لكن الجديد هنا هو أننا لن نشاهد روبين هود يقوم بمثل هذه السرقات (بإستثناء مشهد واحد) وذلك لأن المخرج وكاتبه  برايان هيلغلاند اختارا البحث في الفترة التي سبقت أعماله الإنتقامية وتوصّلا الى سيناريو جديد وجيّد يبدأ بالحديث عن مذبحة الصليبيين ضد المسلمين، ولو ذكراً، وينتهي بتصوير مذابح الفرنسيين في البريطانيين٠
بالنسبة لريدلي سكوت فإن "روبين هود" ليس إعادة تفليم لأي من الأعمال السابقة التي دارت حول هذا الثائر وجماعته، بل هو اختار سيناريو جديد يبتعد عن الكليشيهات المعهودة ويبحث عن قيمة جديدة ومبرر جيّد لتقديم الحكاية من جديد. وهذا وحده سيكون تحدّياً تجارياً كون جمهور اليوم عادة ما يبحث عن أبطال من ألعاب الفيديو وليس أناساً من التاريخ٠

لكنها ليست المرّة الأولى التي يختار فيها سكوت حكاية تاريخية وربما على كثرة زياراته لتواريخ متعددة، وأماكن أحداث مختلفة، يعكس حبّاً للنوع الذي كان فيما سبق يُسمّى بـ الملاحم التاريخية والآن يعتبرونه
Period Drama او دراما  زمنية
فالمرّة الأولى التي لجأ فيها سكوت الى التاريخ كانت عبر فيلمه "المتبارزان" الذي عرضه سنة 1977 في المهرجان الفرنسي ذاته وكان من بطولة كيث كارادين وهارفي كايتل مع ألبرت فيني وإدوارد فوكس.  على الرغم من أبطاله الأميركيين والبريطانيين فإن القصّة تدور في فرنسا في عصر نابليون وتتحدّث عن حرب بين مقاتلين (كارادين وكايتل) نشأت عن إهانة وجّهها أحدهما للآخر وتبعها مواجهات متعددة كانت دائماً ما تنتهي بالتساوي بينهما كونهما يتمتّعان بالقوّة ذاتها٠

فيلمه الثاني في هذا الإتجاه هو "أسطورة" الذي قام ببطولته سنة  1985  توم كروزوميا سارا. إنه ليس تاريخياً فحسب، بل هو مغامرات فانتازية موضوعه في العصر الوسيط حيث كان للخرافات والأساطير مكانها المحسوب في الثقافة الشعبية. الفيلم الذي شهد عرضه العالمي الأول في إطار مهرجان "فانيسيا" آنذاك، دار حول هذا المحارب الشاب (كروز طبعاً) الذي عليه أن يواجه سيد الظلام (تيم كاري) وينتصر عليه ليس لتخليص حبيبته (سارا) من شروره فقط، بل لإنقاذ النهار المهدد بالتحوّل الى ظلام شامل٠

سنة 1992  وبعد فيلمين بوليسيين ("أحد لحراستي" و"مطر أسود") ودراما تشويقية عنوانها "ثلما ولويز"، أنجز فيلمه الثالث في هذا الإطار وهو "قهر الفردوس" الذي أنجزه بمناسبة الإحتفال بمرور 500 سنة على اكتشاف كريستوفر كولمبس القارة الأميركية (ولو أن كلمة إكتشاف مشكوك فيها الا إذا ما اعتبرنا أنه أول اكتشاف أوروبي) . إذا ما كان الفيلم انتاج بمناسبة الإحتفال المذكور، فإن موضوعه ليس كذلك: الفرنسي جيرار ديبارديو في هذا الفيلم يعكس شخصية كولومبوس الغوغائية التي كانت تبيع المستقبل لأسبانيا وتشارك في التخطيط لهدم حياة مواطني القارة. إنه من ذلك الحين وجد من تمّت تسميتهم مجازاً بـالهنود أنفسهم في مواجهة عدو لا يستطيع أن يكون عادلاً حين تكون الرغبة الإستحواذ على المال والذهب والسُلطة٠
من بعد هذا الفيلم أمضى ريدلي سكوت نحو ثماني سنوات حقق فيها فيلمين فقط هما "صرخة بيضاء" و"جي. آي. جين". كلاهما حقق نجاحاً محدوداً. لكنه في العام 2000 أنجز واحداً من أكبر نجاحاته الى اليوم وذلك في الفيلم التاريخي "غلادياتور" مع راسل كراو، ذات الممثل الذي يؤدي هنا شخصية روبين هود،  في دور الثائر الروماني الذي ينتفض على معتقليه ويحرر نفسه من العبودية لينتقم من قتلة زوجته٠

كل واحد من هذه الأفلام المذكورة كان لابد له أن يأتي كبير الحجم، فهذه صفة من صفات الفيلم التاريخي، لكن "غلادياتور" كان أكبرها حجماً وأكثرها ملحمية على خطى الأفلام التي انتجها العالم من هذا النوع من أيام السينما الصامتة. السينما الأميركية لم تكن شاهدت فيلماً من نوعه منذ زمن بعيد لكن  مغامرة سكوت الإنتاجية حققت هدفها وبل كانت السبب الذي من أجله شاهدنا أوليڤر ستون يستعجل الخطى لتحقيق فيلمه المعروف "الإسكندر"  ليتبعه زاك سنايدر بفيلم "300" ولو أن هذا الفيلم شكلياً تاريخي حيث أن معظمه تم تنفيذه على الكومبيوتر غرافيكس٠

خمس سنوات مرّت قبل أن يعود سكوت لتحقيق فيلم تاريخي آخر هو "مملكة الجنّة" حول الحرب التي خاضها الغرب ضد العالم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر. الحملة الصليبية التي شهدت صدام الحضارتين الكبير الأول. النظرة كانت عادلة ليس فقط لأن المخرج انتقد الشخصيات القيادية الصليبية، بل أيضاً لأنه ابتعد عن تنميط الشخصيات العربية وفي مقدّمتها صلاح الدين الأيوبي٠
رسالة موقوتة
السؤال الذي كان ردده  كُثُر من المنتظرين رفع الستارة عن فيلم الإفتتاح هو: "لماذا فيلم "روبِن هود" تحديداً؟ وإذا كان لابد لهم من سؤال آخر فهو: "ما الذي يمكن لأي مخرج أن يضيفه على الحكاية المعروفة"؟
الجواب على الأول  مرتبط بالثاني ارتباطاً وثيقاً والجواب على الثاني هو أن المخرج ريدلي سكوت وكاتبه برايان هيغلاند وجدا مادّة غير مسبوقة الطرح او التناول تمزج التاريخ بالواقع وتمرره في روح لا تخلو من رياح العصر٠ "روبِن هود" عمل كبير يستحق افتتاح "كان" به لأكثر من سبب من بينها: عناصر إنتاجه الكبيرة، مرجعيّته التاريخية ذات الطروحات التي تعكس بعض ما يدور الى اليوم من أزمات وحروب واسئلة حول الحقوق بين الحاكم والمواطن والعكس، ثم هو فيلم جيّد كيفما قلبته٠

رؤوس خلال العمل: المخرج سكوت يتوسّط كل
من راسل كراو (اليمين) وماكس ڤون سيدو
.......................................................
بعد نحو عشر دقائق من بداية الفيلم ذي الساعتين والعشرين دقيقة يسأل الملك رتشارد قلب الأسد روبِن  لونغسترايد المعروف بروبِن هود، عن رأيه في حملته الصليبية فوق بلاد العرب فيجيبه الثاني: في مذبحة واحدة قتلت 2500 مسلم. لا أعتقد أن هذه الحرب كانت نبيلة. لم تكن مباركة من الله". إذاً لا يفوت المخرج الذي أنجز من قبل "مملكة السماء" حول الحملة الصليبية ذاتها، أن يعود الى ما سبق وطرحه من نقد لها وموقف معارض لما ارتكبته بحق المسلمين  والمدافعين عن القدس. وحتى ولو أن العبارة الواردة في "روبن
هود"  ليست طرحاً ونقاشاً الا أنها كافية لعكس موقف المخرج (وكاتبه) من تلك الحملة والتي كان من الممكن لغيها او استبدالها فيما لو لم تكن النيّة هي نقد الحملة برمّتها خصوصاً وأنه لاحقاً في الفيلم ما تُنتقد ثانية من زاوية كلفتها التي تم جمعها من أموال المواطنين البسطاء، كما يقول الفيلم٠
لكن "روبِن هود" جيّد ليس لهذا السبب على الإطلاق. بل لأنه مُنفّذ جيّداً مستفيداً تمام الإستفادة من خبرة المخرج في مثل هذه الأفلام  كما من التفاهم الصحيح بينه وبين راسل كراو الذي يقود البطولة هنا٠

فيلم "روبِن هود"  هو حصيلة خبرات المخرج في هذا المجال ومعرفته الأكيدة بأنه لا يزال من الممكن تقديم شخصية قتلتها السينما تقديماً من قبل في شكل جديد ومنعش. ما يفعله هنا هو الذهاب الى فترة ما قبل تحوّل روبِن هود الى أسطورة "اللص الشريف" الذي يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء، ليحكي عن نشأته وحروبه وظروف بلاده والمؤامرات التي كانت تُحاك في زمنه. عن إبن رتشارد قلب الأسد الذي سارع لاستحواذ الحكم وعشيقته الفرنسية التي تزوّج منها وعينها على الكرسي ذاته، ووقوعه في مؤامرة تهدف الى تسهيل غزو الفرنسيين لإنكلترا مطلع القرن الثالث عشر٠
روبِن هود يعد فارساً يلفظ الأنفاس بإعادة سيفه الى والده الذي يعيش في مقاطعة نوتينغهام ويعامله الأب كما لو كان إبنه العائد، أما زوجة الإبن (كايت بلانشيت) فتعامله بحذر قبل أن تقع في حبّه وتكتشف فيه الخصال الإنسانية التي تبدو مفتقدة من معظم الشخصيات الواردة هنا. بعد قيام قائد الجيش المعين حديثاً غودفري (مارك سترونغ) بالتواصل مع الفرنسيين بغية ترتيب حملة معادية لإبن الملك رتشارد الأسد، ينجح روبِن هود بكسب ثقة الملك والقوات الإنكليزية التي ترأسها عدد من اصحاب المقاطعات بغية إنقاذ البلاد،  بتوحيد الجهود وخوض معركة شرسة ضد الإنزال الفرنسي على الشاطيء البريطاني٠


التفاصيل الصغيرة مهمّة في هذا الفيلم ومستخدمة من دون إسفاف، لكن المشاهد الكبيرة، تلك التي تتناول المعارك الحربية الشرسة والتي يبدأ الفيلم وينتهي بها، تستولي على المُشاهد لنجاح معالجتها وتصاميمها الدقيقة. تلك المشاهد ملحمية شاسعة ولا يمكن تصوّر الفيلم من دونها هذه الأيام. الناتج هو فيلم يحمل رغباته على كفّة يده: يريد التماثل مع بعض أفضل ما تم تحقيقه من فانتازيات كبيرة (يذكّر مثلاً بـ "سيد الخواتم") كما يريد تقديم حكاية لا تبقى حكراً على المشاهدين الذين سمعوا بروبِن هود او شاهدوا بعض الأفلام السابقة له٠ هناك قدر من التعميم الشعبي للشخصية والمواقف ولو أن العمل يبقى أكثر تعاملاً مع الراشدين وليس المراهقين٠
  فيلم واحد سبق "روبِن هود" في الحديث عن الحملة الصليبية ومذابحها هو فيلم "روِن وماريان" الذي أخرجه قبل نحو 25 سنة رتشارد لستر. هناك يصف روبِن (كما قام به شون كونيري) لحبيبته مايان (أدتها أودري هيبورن) الفظائع المرتكبة بتفاصيل أكثر. كلاهما، "روبِن وماريان" و"روبِن هود" عالجا الحكاية على نحو مختلف عن ذلك اللهو الترفيهي الذي ميّز كل ما تم إنتاجه عن هذه الشخصية من أفلام٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular