May 23, 2010

CANNES DAILY 10 | قبل ساعات من الجوائز | دورة الحروب العربية

Year 3 | Issue 514

بهذا التقرير تنتهي التغطية التي قامت بها "ظلال وأشباح" على مدى أيام المهرجان وشملت عشرة أعداد مفصّلة وشاملة حاولت فيها نقل النبض والنقد على حد سواء. العدد المقبل من هذه المجلة يوم السبت وسيحمل مواضيع مختلفة كالعادة كذلك الرد على الرسائل العديدة التي وردت خلال الأيام العشرة الماضية٠
العدد الجديد من "فيلم ريدر" سيصدر يوم الأحد بمزيج من الأفلام الجديدة المعروضة في السوق وبعض تلك التي عُرضت في "كان" لكن لم يتسنّ الوقت لتناولها٠
شكراً لاهتمامكم وشكرا لمتابعتكم التي تعني لي الكثير والى اللقاء قريباً إن شاء الله٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٠" العالم بات أصغر، غربي أكثر، هوليوودي أكثر ... ثم يأتيك هذا الفيلم الذي يجيء من منطلق آخر. حين شاهدته شعرت بأنه حلم غريب وجميل"٠
قائل هذه الكلمات هو المخرج تيم بيرتون، رئيس لجنة التحكيم، وذلك بعد اعلان نتائج الدورة الثالثة والستين مساء الثالث والعشرين من الشهر الحالي. وهو يصف الفيلم الذي نال السعفة الذهبية هذا العام، وهو الفيلم التايلاني/ البريطاني/ الفرنسي/ الألماني/ الأسباني "العم بونمي الذي يستطيع تذكر حياتاته السابقات"٠
بهذه الجائزة انتصر قرار المخرج بالهروب من شتّى المشاكل التي رمتها معظم أفلام المسابقة على الشاشة: من موضوع المهاجرين الى موضوع الحرب العراقية، ومن موضوع العنصرية والحرب الجزائرية الى موضوع المتاعب الفردية في كل ركن وناحية. بذلك تخلّى بيرتون وفريقه عن تبنّى السينمات الواقعية والأفلام المائلة الى الدكانة، كما توقّع هذا الناقد، ولجأ الى الفيلم الوحيد الذي  يؤمن قدراً من الخيال  وهو المخرج الخيالي الكامل منذ بداية أعماله الى نهايتها٠

الفيلم من عروض الأيام الأخيرة من المهرجان، مخرجه هو أبيشاتبونغ ويراستهاكول ويعتمد على تعاليم ومفاهيم بوذية بلورها في سيناريو من الحكايات والقصص التي تدور في خون كاين، وهي مدينة تكمن شمالي شرق العاصمة. وكان المخرج قد صوّر سبعة عشر دقيقة بعنوان "رسالة الى بونمي" عرضها في الدورة الفائتة، كما كان اشترك في فيلم روائي طويل واحد هو "مرض استيوائي" لفت الأنظار اليه وذلك قبل نحو أربع سنوات٠
شرفة بيت بطل الفيلم الكبير سنّاً  والمريض بدناً، تصبح محطّة وصول أرواح مختلفة.   بعضها لزوجته وولده الراحلين، وبعضها الآخر له متقمّصاً مخلوقات عدّة مختلفة وذلك تبعاً لنظرية التقمّص البوذية التي تعتبر أن كلاً منا عاش حياته على هذه الأرض ولو بصور أخرى من قبل٠
الفيلم ينتقل من مشهد الى آخر من دون الرغبة في الإفصاح عن السبب او اتباع سياق واضح. المخرج قد لا ينوي أن يكون غامضاً، لكن سريعاً ما توحي المشاهد بأن همّه كان تقديم الحالة الواحدة معزولة عن سواها ما يُثمر عن عمل ثري من ناحية ومفتقد للأهمية من ناحية أخرى. أعجب كُثر من الحاضرين ولم يعجب البعض، لكن بيرتون كان من بين الغالبية٠
قرارات  لجنة التحكيم استبعدت، عملياً، كل فيلم طرح مادّة واقعية او جادّة بإستثناء الفيلم الفرنسي "عن الآلهات والرجال" الذي أنجز الجائزة الثانية، وهو فيلم يستحق الإهتمام حول أحداث حقيقية وقعت في الجزائر قبل عدّة سنوات، حين صعّد جبهة متطرّفة عملياتها ضد الأجانب في القرى الجبلية واعتقلت (ثم قتلت) عدداً من النسّاك الكاثوليكيين الذين عاشوا منذ بضعة عقود هناك جنباً الى جنب الأهالي المسلمين. الفيلم يحيّي الإسلام  في أكثر من وجه مذكّراً بسماحته حيال الأديان الأخرى ومعارضته للعنف، ولا يواجه  التطرّف بهجوم كان من السهل تبنّيه فيما لو أراد المخرج أكزافييه بيوفوا الذي كان سبق له وأن فاز بجائزة لجنة التحكيم عن فيلمه "لا تنسى أنك ستموت" سنة 1995
هذه الجائزة ذهبت هذه المرّة الى المخرج التشادي محمد صالح هارون  "رجل يصرخ" الذي دار حول أب يشي بإبنه فيضمّه الجيش الى الحرب عنوة  وذلك لكي يتسنى للأول البقاء كمشرف على بركة السباحة في الفندق الذي كان يعمل فيه مع إبنه٠

الإيراني المغيّب
لجنة التحكيم لم تعجب كثيراً بفيلم عبّاس كياروستامي "نسخة مصدّقة" واكتفت بمنح بطلة الفيلم جولييت بينوش جائزة أفضل ممثلة عن دور لعبته جيّداً لكن نجوميّتها طغت على دقّة أدائها وربما على أداء ممثلات أخريات في أفلام مختلفة. لكن إذ لم يصعد كياروستامي المنصّة صعد عوضاً عنه المخرج المغيّب جعفر باناهي إذ احتل أسمه كرسيه الفارغ إذ كان من المنتظر قيامه بعضوية لجنة التحكيم لكن قرار الإستمرار في سجنه بلا تهمة، منعته من الوصول. جولييت بينوش تحدّثت عنه بحنان وتوقّفت قبل أن تنهمر دموعها، لكن دموع كياروستامي كانت تترقرق تحت نظّارته وهي توجّه اليه التحية والشكر على دورها الذي قامت به تحت إدارته٠
ولا هي أعجبت بالفيلمين البريطانيين "عام آخر" لمايك لي حول الوحدة في حياة البشر، و"طريق أيرلندية" حول رجل يبحث عن هوية قاتلي صديقه في العراق. والسينما الأميركية أيضاً خرجت خالية الوفاض لكن لا أحد اعتقد سابقاً أن اختيار فيلم "لعبة عادلة" لدوغ ليمان (وهو تمويل إماراتي/ أميركي مشترك) قُصد به أن يفوز الفيلم فعلاً. ففي نهاية المطاف هناك أفلام أميركية أخرى كانت جديرة أكثر باختيار أحدها لو كان ذلك هو المطلوب٠
لم تكن هناك أيضاً خيبات أمل كبيرة في هذه النتائج رغم السؤال حول حقيقة ما إذا كان إخراج الفرنسي ماثيو أمالريك هو فعلاً أفضل إخراج بين السينمائيين الذين قدّموا أفلاماً. أمالريك قدّم فيلماً لافتا ومتواضعاً في الوقت ذاته، لكن الكتابة والإخراج ليسا من بين حسناته الرئيسية. رغم ذلك فاز أمالريك بجائزة أفضل مخرج عنوة عن الآخرين٠

النتائج كما توصّلت اليها لجنة التحكيم إذاً هي على النحو التالي

السعفة الذهبية
العم بونمي الذي يستطيع تذكّر حياتاته السابقات" إخراج: أبيشاتبونغ ويراستهاكول (تايلاند/ بريطانيا/ فرنسا/ ألمانيا/ أسبانيا)٠

الجائزة الكبرى
عن الآلهات والرجال. إخراج: اكزافيير بيوفوا (فرنسا)٠

جائزة لجنة التحكيم
رجل يصرخ.  إخراج: محمد صالح هارون (تشاد/ فرنسا)٠

أفضل مخرج
ماثيو أماليريك  عن "جولة" (فرنسا)٠

أفضل ممثل
خافييه باردم عن "جميل" (مكسيكي/ أسباني) وإيليو جرمانو عن "حياتنا" (ايطاليا)٠

أفضل ممثلة
جولييت بينوش عن "نسخة مصدّقة" (فرنسا/ ايطاليا)٠

أفضل سيناريو
لي تشانغ- دونغ عن "شعر" (كوريا الجنوبية)٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



أفلام مسابقة "كان" في لمحة نهائية
-------------------------------------------------------
 Another Year *** | عام آخر
فيلم مايك لي الداكن حول البشر ووحدتهم ومعاناتهم التي تحاول الإختفاء في داخل الذات. جميل على دكانته. واقعي لكنه ليس أفضل أفلام مخرجه |بريطانيا ٠

Biutiful  ****|  جميل
الممثل الأسباني خافييه باردام يستحق جائزة أفضل تمثيل (وقد ينالها فعلاً هذا اليوم) عن دوره هنا كرجل سيموت مخلّفاً عائلة يحبّها في خضم هذا العالم المتعب | المكسيك/ أسبانيا

Burnt By the Sun 2 **1/2 | حرقتهم الشمس
فيلم نيكيتا ميخالكوف الحربي الذي ينتهج -فجأة- موقفاً غير معاد للماضي مشيداً بالحرب التي خاضها السوڤيات ضد الألمان. بعض النقاد وصفه برامبو الروسي | روسيا

Certified Copy * |  نسخة مصدّقة
ثرثرة بلا أسلوب نيّر للمخرج الإيراني عبّاس كياروستامي  حول كاتب وصاحبة معرض رسم غريبان عن ايطاليا يلتقيان فيها ويتحدّثان مشتركين في لعبة غير مقنعة | فرنسا

Chongqing Blues  ***  |  أحزان شونغكينغ
مزج تسجيلي- روائي حول معاناة الصينيين (عبر مقابلات) من نير الثورة الثقافية للبلاد في السبعينات. بعد قليل تشعر بأنك في حضرة ندوة او مؤتمر وليس فيلماً | الصين٠

Fair Game ***1/2  | لعبة عادلة
مرّ من دون تقدير يستحقه حول حادثة حقيقية أبطالها البيت الأبيض والسي آي أيه وزوجين (شون بن وناوومي ووتس) يكشفان الحقيقة السياسة الأميركية في العراق | إماراتي/ أميركي٠

Hors-la-loi ***1/2  | خارجون عن القانون
صاحب "بلديون" الذي فاز هنا سابقاً بجائزة أفضل تمثيل رجالي، يعود بفيلم يكمل مسيرة ذلك الفيلم من زاوية تعرّضه للغبن الذي أصاب الجزائريين على أيدي الفرنسيين. مهم ووطني لكنه يحتاج لأسلوب أجدى | فرنسا

The Housemaid ** |  الخادمة
ينتقل فيلم الكوري إيم سانغ-سو من الجيد الى المعتدل فإلى دون ذلك سارداً قصّة خادمة بسيطة تعمل لدى عائلة ارستقراطية. تناقض المصالح والغايات سريعاً ما يتحوّل الى ميلودراما جانحة | كوريا

La  Nostra Vita  *1/2 |  حياتنا
فيلم إيطالي برسالة مناوئة لتلك التي ترد في "جميل" من حيث الرغبة في الحد من الهجرة عبر تمرير القصّة في حكاية عاطفية وعائلية. إخراج محدود الأثر لدانيال لوشيتي |إيطاليا

 La Princesse de Montpensier *** |  أميرة مونتبنسييه
العائد بعد غياب برنارد ترافنييه يُحيك قصّة عاطفية تقع في غضون عصر فرنسا الملكية وتتناول البطولة والتضحية وقصّة الحب المثالية وسط المتاعب. عناية جيّدة بالمكان والزمان والتفاصيل | فرنسا

Of Gods and Men |  عن الآلهات والرجال
لم يُشاهد بعد

Outrage  **1/2 |  غضب
المخرج تاكيشي كيتانو يتحدّث عن عنف منظّمة الياكوزا اليابانية بعنف مماثل محاولاً استخراج قدر من المرح الأسود من خلال مشاهد دموية. لكنه لا يسجّل نقاطاً مهمّة في خضم ذلك | اليابان

Poetry **1/2  | شعر
إمرأة فوق الأربعين تقرر تعلّم الشعر وتلجأ الى مدرسة لذلك لكن هنا ما هو أكثر إلحاحاً خصوصاً وإن أبنها الشاب يبدو وقد انسحب تماماً من عالمهما المشترك | كوريا

Route Irish *** |  طريق أيرلندية
فيلم آخر لحظة للمخرج البريطاني كن لوتش يتناول حكاية رجل يحقق في مقتل صديقه في الحرب العراقية ويكتشف أن المؤسسة التي أرسلته الى الحرب هي التي صفّته. الأحداث غير مفاجئة والمتوقع يسود، لكنه فنياً يبقى منتمياً لأسلوب مخرجه | بريطانيا

A Screaming Man **1/2 |  رجل يصرخ
محمد صالح هارون القادم من تشاد ينجز فيلماً آخر حول العلاقة المعقّدة بين الأب وإبنه. الأول يشي بولده فيتم تجنيده وذلك حتى لا ينافسه هذا على قوته. نظرة صادمة بأسلوب كان يحتاج معالجة أفضل | تشاد/ فرنسا/ بلجيكا

Tender Son- The Frankestein Project **1/2  |   إبن رقيق، مشروع فرانكنستاين
محنة شاب يعود الى عائلته بعد قضاء فترة في المصح ليجد أن وجوده غير مرغوب. يرتكب جريمة قتل في تداعيات لا تشكّل دلالات حتى على صعيد فردي. إخراج كورنل مندروسكو عبارة عن لحظات جميلة ليس رلا | المجر

Tournee  ** | جولة
المخرج والممثل الفرنسي ماتيو أمالريك ينجز فيلماً متوسّط القيمة حول صاحب فرقة من الراقصات والمغنيات اللواتي تجاوزن سن الشباب. السيناريو ممطوط بلا نتيجة مرضية | فرنسا

Uncle Boonmee Who Can Recall His Past Lives  | العم بونمي الذي يستطيع تذكّر حياته السابقة
لم يُشاهد بعد

You, My Joy  **1/2 |  أنت، سعادتي
فيلم رائع ولو كان أكثر تشابكاً مما يجب: سائق شاحنة شاب يتعرّض لتجربة قاسية فوق ثلوج أوكرانيا. المخرج سيرغي لوزنتزا يتطرّق لشخصيات أخرى تبدو، بسبب طريقته في السرد، دخيلة وإن لم تكن | أوكرانيا- ألمانيا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سؤال المليون: كيف سيتصرّف مخرج الخيال حيال أفلام الواقع
رئيس لجنة التحكيم أمام خياراته
تيم بيرتون


في المؤتمر الصحافي الذي عقده المخرج الإيراني عبّاس كياروستامي، وبعد أن بدأ الحديث بالوضع الذي يعانيه المخرج جعفر باناهي، وقفت صحافية لتطرح سؤالا لكنها أطالت في التمهيد حول الموضوع وما لبثت أن بكت قبل أن تصل الى نهاية سؤالها. نظرة واحدة الى وجه الممثلة الفرنسية جولييت بينوش الجالسة لجانب المخرج على المنصّة، كونها بطلة فيلمه "نسخة مصدّقة" وإذا بدموعها تنسل هاربة من مقلتيها هي أيضاً٠
علاقة ذلك بالجوائز المتوقّعة للجنة التحكيم لا تحتاج الى إيضاح شديد. للمهرجان جائزتان مهمّتان ترتفعان عن باقي الجوائز. الأولى هي السعفة الذهبية والثانية هي لجنة التحكيم الخاصّة. الأولى تعبّر عن المهرجان والثانية عن لجنة التحكيم والتقليدي الى الآن أن الفيلم الذي يستحق التقدير لذاته ينال الثانية في حين أن الفيلم الذي يمكن أن تدور حوله التنازلات والمفاوضات ينال الأولى. ليس دائماً لكن في الأوقات التي ترى إدارة المهرجان أنها تريد تسجيل موقف ما٠ 
هذا العام قد ينوي المهرجان الفرنسي بعث رسالة خاصّة الى ايران بعدما حرمته من اختيار باناهي عضواً في لجنة التحكيم بمنح السعفة الذهبية الى فيلم كياروستامي هذا مع العلم أنه ليس أفضل الأفلام المعروضة. لكن إذا ما قررت إدارة المهرجان ترك الأعضاء وحريّتهم، وهي غالباً ما تفعل ذلك، فإن المسألة ليست سهلة: هناك أفلام جيّدة وأفلام أقل من جيّدة وتلك الجيّدة ليست مبهرة او حدثية او بالغة الجودة بحيث لا يمكن التفكير بأن تتجاوزها الى سواها٠
من هذه الأفلام "عن الآلهات والرجال"  للفرنسي اكزافييه بيوفوا،  الذكي والمفعم بالطروحات الوجودية حول الإيمان والخوف والعقاب، و"عام آخر" لمايك لي حول الوحدة  والمعاناة بصمت ودفن المتاعب في الشرب او المحاولة على الأقل، "أميرة مونتبنسييه" لبرتران تافرنييه حول الحب والخيانة والرغبات الأنانية في أحد عصور فرنسا الملكية، كما "جميل" لأليخاندرو غونزاليس إياريتو حول متاعب الحياة العصرية والرجل الضائع في طيّاتها٠
في الجوانب غير الفنيّة فقد ترتأي لجنة التحكيم التي يقودها المخرج الأميركي تيم بيرتون ضرورة منح جائزة رئيسية لفيلم غير غربي. في هذا المجال فإن المنافس الأول لفيلم كياروستامي سيكون "رجل يصرخ" للتشادي محمد صالح هارون٠
كذلك إذا ما رغبت لجنة التحكيم تسجيل موقف حيال ما أثير حول حريّة المخرج الإبداعية فإنها قد تمنح المخرج رشيد بوشارب واحداً من جوائزها أما إذا ما آثرت الإبتعاد كليّا عن تسييس الجوائز، وهذا ما كان تيم بيرتون قد أعلنه في مؤتمره الصحافي أول المهرجان، فإن حظوظ الفيلمين الفرنسيين "عن الآلهات والبشر" و"أميرة مونتبنسييه" سترتفع لا محالة٠
المرء لا يمكن له أن يرى أن الفيلم المجري "إبن رقيق- مشروع فرانكنستاين" لكورنل ماندروكزو او "حرقتهم الشمس 2" للروسي نيكيتا ميخالكوف او "الخادمة" للكوري إيم سانغ-سو او "حياتنا" للإيطالي دانييل لوشيتي  تستطيع أن تتخطى عراقيل كونها أعمالاً غير ناجحة في الأساس٠
في وسط كل ذلك تأتي شخصية المخرج رئيس لجنة التحكيم. عادة ما يتوقّع معظم المراقبين فوز الأفلام التي يحبّذونها في وضع كهذا حيث يسود قدر كبير من سواسية المواقف، لكن القلة ينظرون الى نوعية أفلام رئيس لجنة التحكيم وما يحبّذه هو. تيم بيرتون مخرج يقدّر كثيراً المواقف الخيالية والحكايات التي تبتعد عن الواقع قدر الإمكان. تبعاً لذلك، فإنه لا يوجد بين كل الأفلام المتسابقة ما يرضيه ما سيحتّم عليه البحث المضني عن الفيلم البديل لقناعاته، وهذه لن تكون مسألة سهلة٠  


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العرب وإيران في صلب الدورة الحالية لمهرجان "كان"٠

خارجون عن القانون لرشيد بوشارب: الحرب الجزائرية في فرنسا

في حين أن المخرج الإيراني عبّاس كياروستامي قدّم فيلمه الأوروبي الخالص  "نسخة مصدّقة"    او "نسخة طبق الأصل (يعتمد ذلك على إذا ما كانت الترجمة عن العنوان الإنكليزي او الفرنسي) وتمتّع بمعاملة المخرجين المشاركين في المسابقة من إستضافة وحفاوة ومؤتمر صحافي وتألّق، يقبع زميله جعفر باناهي في أحد السجون الإيرانية  منذ نحو شهر من دون بارقة أمل في الإفراج عنه على الرغم من اعلانه، مطلع الأسبوع، بأنه دخل إضراباً مفتوحاً عن الطعام٠
ليس فقط أن جعفر باناهي هو مخرج أفضل شأناً من عبّاس كياروستامي بسبب من أستخدامه قواعد الفيلم اللغوية استخداماً صحيحاً وقدرته على إثارة الدراما الكامنة في حكاياته باستخدام مبسّط لعناصر الفيلم،  بل هناك حقيقة أن كياروستامي إذ يعيش الآن في أوروبا آمنا وبعيداً عن أيدي الإستخبارات الإيرانية، كانت لديه الفرصة أن ينجز عملاً يكون بداية جديدة تماماً له بعدما سنحت له الفرصة في ايجاد تمويل كاف لفيلمه الجديد  ذاك٠
المشكلة التي يجد نفسه فيها الآن كانت متوقّعة: لقد حلّق في الأعوام السابقة في سماء الإعلام الغربي، وبعض العربي، عالياً من دون أن تتمتّع أفلامه بالأسس الفنية الحقيقية كالتي تعرفها أفلام جعفر باناهي. وسواء أكان ذلك عائد الى مهارة كياروستامي في تسويق نفسه، او الى تراخي النقد الغربي لمرحلة الإندهاش من كل جديد حتى ولو لم يكن سوى إدعاءات في الأسلوب ووصف ذاتي بالأهمية، الا أن النتيجة أن المخرج الذي كان بحاجة الى تكاتف النقاد والسينمائيين العالميين للمساعدة  لم يكن كياروستامي في موقعه الآمن، بل باناهي الذي كان آثر البقاء في وطنه ولم يغادره كما فعل كياروستامي ومحسن مخملباف٠ هذا علماً بأن مهرجان "كان" اختاره عضو لجنة التحكيم تعزيزاً لمكانته لكن السلطات في إيران أبقته ضيفاً في معتقلاتها٠
عباس كياروستامي

هذه صورة داكنة للعالم الذي نعيش به وهي الصورة المنتشرة في ربوع معظم الأفلام التي شاهدناها في هذا المهرجان: روبِن هود -فيلم الإفتتاح- ليس روبِن هود الذي عرفناه، بل شخصية تعيش بمشاعرها وحوافزها الفكرية. والبطل المريض الذي يعاني أيضاً من انهيار البيئة من حوله في "جميل" والحياة ذات الأوصال المتقطّعة والشخصيات الوحيدة في "عام آخر"  وكذب البيت الأبيض والمؤسسات الغربية التي اشتركت في مأساة العراق الحالية في  "لعبة عادلة" و"طريق أيرلندية" هي من بين اللوحات التي تم تقديمها كل تأخذ جانباً من العالم الذي نعيشه حتى ولو غاصت في التاريخ البعيد له لكي تعكس ما فيه. وهي إذ تفعل ذلك عليها أن تلتزم باللون السائد في تلك الصورة وهو لون داكن ناتج عن الإحباط والتخبّط والفشل في إيجاد حلول عادلة٠
الموضوع العربي شغل السينما على شاشة كان في دورته الحالية التي تشارف على نهايتها٠
فلسطين في بال المخرج السويسري الكبير جان- لوك غودار. حرب العراق في "طريق أيرلندية" و"لعبة عادلة"،  وحرب الإستقلال الجزائرية التي خاضها المهاجرون الجزائريون في فرنسا في فيلم "الخارجون عن القانون" لرشيد بوشارب. حتى "روبِن هود" ألقى نظرة محددة الى الشرق العربي حين أدان المذابح الصليبية في عبارة واحدة لا تفوت المشاهد النبيه يذكّر فيها أن الغزاة قتلوا 2500 مسلم في مذبحة خلال حصار عكّا٠
الصوت الوحيد الذي يسجّل غيابه  عن الإشتراك في صياغة هذه اللوحة الشاملة او عن الحديث عن الوضع السياسي الآني لتقديم وجهة نظر مشرقية في هذا الصدد هو صوت عبّاس كياروستامي الذي آثر تحقيق فيلم مثرثر من بطولة شخصيّتين تتعارفان في بلدة صغيرة من مقاطعة توسكاني الإيطالية وينطلقان قاصدين بلدة أخرى. قبل الطريق ثم خلاله وبعده، ثرثرة كلامية لا جدوى منها كما حال الفيلم بأسره. لكن للإنصاف، لم يخرج كياروستامي من قبل ما أخرجه سواه (مخمالباف او إبنته سميرة او جعفر باناهي) أفلاماً تطرح أوضاعاً سياسية او حتى اجتماعية دالّة، وحين أتيحت له الفرصة في فيلم "أ بي سي" أفريكا" وجدناه يستغلّها للحديث عن نفسه ومشاعره الدافقة تجاه ضحايا الآيدز في فيلم موّلته الأمم المتحدة لتناول ظاهرة إنتشار المرض بين الأطفال فلتقّفت عوض ذلك عملاً يتحدّث فيه المخرج عن عمله هو في هذا الصدد٠

عربياً، وكما أسلفت، غابت السينما تماماً وبدا الأمر مثل جزء من الصورة مفقود او تم تعتيمه بالأسود فبقي كذلك بين الصور القادمة من شتّى أنحاء العالم. السينمائي العربي الوحيد الذي أتاح لنفسه فرصة الإشتراك هو الجزائري الأصل رشيد بوشارب مخرج "خارجون عن القانون" الذي أثار، قبل عروضه، نقاشاً طويلاً وحادّاً بين السياسيين اليمينيين من جهة والسينمائيين من جهة أخرى. فالطرف الأول سمح لنفسه باعتبار أن الفيلم كاذب ومتجن على البوليس الفرنسي من خلال موضوعه الذي يتحدّث عن مواجهة بين المقاومة الجزائرية ومنظمة "اليد الأحمر" التي عمدت الى الترويع والإرهاب في حربها ضد تلك المقاومة. هذا الموقف تم اتخاذه من قبل أن يرى أحد من المحتجّين لقطة واحدة من الفيلم٠
في المقابل، دافع سينمائيون فرنسيون عن فيلم بوشارب ليس بكيل المديح له ولمخرجه، بل بمجرّد التذكير بحق كل فرنسي او مقيم التعبير عن رأيه بكل حريّة. أمر يبدو أن المتطرّفين الأشاوسة نسوه ونسوا معه أن هذا الحق مضمون في قانون البلاد٠
مهما يكن هاهو يوم العرض يمر بسلام رغم التحذير بمظاهرة عارمة تهدف الى عرقلة عرضه. صحيح أن التحذير أدّى الى انتشار رجال البوليس والدرك بكثافة ورفع درجة الحذر بين الأمن الخاص بالمهرجان عموماً، لكن السخونة التي سبقت عرض الفيلم تلاشت سريعاً ومر اليوم بلا أي مشاكل. فإلى أي مدى، حقاً، يشكّل فيلم بوشارب وخزاً في ضمير الأمّة الفرنسية؟
في فيلمه السابق "بلديون" تناول تضحية الجنود المغاربة الذين التحقوا بالجيش الفرنسي المعادي للنازية والمتحالف مع قوى الحلف الغربي، واشتراكهم في تحرير فرنسا من الإحتلال، فقط ليجدوا أنفسهم بعد ذلك وقد تم تجاهلهم كاملاً من كل تقدير او معنوي كان ام مادياً. رسالة الفيلم كانت بالغة الحدّة وواضحة الدلالة بحيث أدّت الى قرار جمهوري برد الإعتبار لهؤلاء الجنود ورفع رواتب تقاعدهم وتعويضهم عما لحق بهم من قصور في المعاملة٠
الفيلم الجديد "خارجون عن القانون" يتحدّث عن موضوع هو أكثر تمدداً على خارطة العلاقة بين العرب المهاجرين وبين الفرنسيين، فهو يبدأ من حيث انتهى الفيلم السابق٠ محاربون قدامى زائد مهاجرون جدد يحاولون التعامل مع وضع مستجد هو الإحتلال المتمثّل بالإستعمار الفرنسي للجزائر. وهناك مشاهد أولى تبيّن بذور هذه الدوافع: مظاهرة جزائرية سلمية (في الجزائر) تتصدّى لها قوّات البوليس والجيش والمواطنون المسلّحون (صورة طبق الأصل عما يدور في فلسطين حين يشارك المتطرّفون اليهود في أعمال العنف ضد الفلسطينيين) وترتكب بحقّهم مذبحة كبيرة. إنها بذرة لرد فعل من الحجم ذاته أبطالها ثلاث أشقاء (سامي بوعجيلة، رشدي زم وجمال دبّوس)  أحدهم عائد من الحرب الإندوصينية (كما يسمّون الحملة الفرنسية التي جرت في جنوب شرق آسيا في الخمسينات) والثاني خارج من السجن الفرنسي والثالث يريد تحقيق الجاه والمال عبر أساليب سهلة لا نضال فيها، ولو أنه سيقوم بنصيبه في تمويل العمليات العسكرية التي سيقوم بها شقيقيه ومجموعتهما من المناضلين٠
إنه فيلم جيّد خصوصاً في تلك النواحي الوطنية التي لا غٌبار عليها. يقدّم مادته من دون تنازلات تهدف لإرضاء الفرنسيين فيصوّر عنف البوليس وإرهابه ويكفي أنه يقدّم مقارنة بين أهداف المناضلين العسكرية فقط، وأهداف القوّة الأمنية البوليسية التي استهدفت المدنيين أيضاً بإعلان رئيسها بأنه سيعمد الي ذات المنوال الذي تتبعه المقاومة في أعمالها٠
لكن ما يغشى فيلم بوشارب أن المخرج لا يملك أسلوباً خاصّاً به بل يرصف المشاهد كما لو كانت صفعات من الكلمات والصور. طريقة الأفلام التي لا تريد أن تترك للمشاهد مجال الإستقبال الهاديء والمستقل بل تندفع في محاولتها تكوين الرأي له. المواقف على أهمّيتها تمر عابرة مصحوبة بمنحى تقريري لا يؤلّف دراما ولا يمنح الشخصيات الا الظاهر من المشاعر على نبلها
 
Fair Game

الفيلم الآخر الذي تعاطى والموضوع العربي هو "لعبة عادلة" للمخرج دوغ ليمان وبطولة ناوومي ووتس وشون بن وتمويل غالب من شركة إيماجناشن في أبو ظبي. المشروع هو أفضل ما انتجته الشركة حتى الآن وأكثرها امتلاكاً لعناصر النجاح تجارياً. وهو أيضاً أفضل أفلام المخرج دوغ ليمان الى اليوم، ولو أنه  ليس بالجودة بحيث يمكن اعتباره وفيلمه جديرين بالسعفة حين توزّع قريباً
يدور بأكمله حول قضية عميلة السي آي أيه فاليري بلام ولسون (ناوومي ووتس)  التي كانت في صدد استخدام أميركية من أصل عراقي (ليزاز شارهي) لإقناع أخيها  حامد (خالد النبوي) بالكشف عما يمكن كشفه من أسرار العراق النووية مقابل تأمين هروبه من العراق وذلك سنة 2003 أي قبيل قصفها واحتلالها من قِبل الجيش الأميركي٠
في الوقت نفسه كان زوجها السفير السابق جوزف ولسون (شون بن) في النايجر يكتشف أن أحداً لم يبع النظام العراقي آنذاك اسطوانات نووية (تسمى بالكعكة الصفراء) كما تزعم الإدارة الأميركية حينها. وهو عاد الى الولايات المتحدة وأصر على كشف الحقيقة متّهما الإدارة بالتلاعب وإعداد العدّة لضرب العراق بصرف النظر عن عدم وجود ما تدّعي وجوده من قوى نووية. صوته يصل الى واشنطن ويؤثر ذلك سلباً على عمل زوجته التي تفاجأ بأن السريّة خلعت عنها وباتت معروفة حول العالم كعميلة للسي آي أيه. تحاول إنقاذ حامد وعناصر أخرى لكن ادارة السي آي أيه تمنعها من الصلاحيات والمحنة تنتقل من العمل الى البيت حيث تحاول فاليري إقناع زوجها بالكف عن الحديث عن كذب الإدارة الأميركية. وثمّة مشهد جيّد آخر في هذا الصدد هو المواجهة بينهما حين يصرخ في وجهها: أنا لم أكذب، البيت الأبيض هو الكاذب. لاحقاً ما تلتقي وأبيها الذي حارب في فييتنام وهو يعرف ما لاتعرفه بعد عن اللعبة التي يمارسها السياسيون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular