May 8, 2010

مهرجان فنيسيا تختار رئيس لجنة التحكيم المقبل | تجربة مؤسسة إيماجناشن | سولاريس من جديد | ذكريات: لندن | سينما الرعب العربية | الملصق السينمائي | كيف تدرّب التنين وتحب عدوّك

Year 3. Issue 505 

COVER
The Disappearance of Alice Creed
باشرت صالات السينما البريطانية عرض فيلم إنكليزي مستقل عنوانه "إختفاءء أليس كريد"  يدور حول  فتاة شابّة يخطفها رجلين ويطالبان بفدية مليوني جنيه استرليني. الممثلة التي تؤدي الدور هي جيما أرتيتون التي  نشاهدها حالياً في فيلم 
وسنراها قريباً في بطولة  Clash of the Titans
الذي يعود الى سينما الفانتازيا البريئة المستوحاة من حكايات ألف ليلة وليلة Prince of Persia



المفكّرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا

مهرجان | لا  تخبر أحداً، لكن كوينتين تارانتينو هو من سيقود لجنة التحكيم  للدورة المقبلة من مهرجان فنيسيا السينمائي العريق (67 سنة)٠ مخرج "أنذال مغمورون"  كان نال السعفة الذهبية من مهرجان "كان" السينمائي سنة 1994 عن فيلمه المعروف "بالب فيكشن" واشترك في مهرجان "كان" فيما بعد أكثر من مرّة آخرها العام الماضي٠
رئيس مهرجان فنيسيا ماركو مولر قال في الرسالة الإعلامية التي وجّهها بخصوص هذا الإختيار أن تارنتينو هو واحد من أبرز المخرجين المثيرين للدهشة هذه الأيام وربما أحد  المخرج- المؤلف الأميركي الوحيد المعروف عبر العالم كما نجم الروك"٠
*****
Furry Vengeance 

مؤسسات |  لم أكن أقرأ في الغيب حين ذكرت ذات مرّة، قبل عدّة أشهر، هنا في هذا الموقع ريبتي من أن تكون مغامرة مؤسسة إيماجناشن الإماراتية السينمائية في مكانها الصحيح ، بل كل ما في الأمر أني قرأت من عُيّن لترأسها، وما هي المشاريع التي قامت بها وأدركت أن النجاح لن يكون حليفاً لهذه المشاريع- الأولى على الأقل٠
بالنسبة لإيماجناشن، كتبت هنا عن أن اختيار الشركة الإنطلاق بفيلمين يكونا أوّل أفلامها الأمريكية ليس صحيحاً. هذا ما ذكرته تحديداً: الفيلم الأول، "المخبولون" فيلم إعادة لأسوأ ما حققه المخرج جورج أ. روميرو من أفلام ويأتي في وقت تمر فيه معظم أفلام الرعب بأزمة مع المشاهدين. أما الفيلم الثاني "انتقام الفراء" فهو كوميديا مع براندون فرايزر تحمل موضوعاً هزيلاً وغالب اعتقادي أنه لن يحقق أي نجاح يُذكر٠
وبالفعل، أنطلق "المخبولون" ولم ينجز ايراداً مقبولاً، وانطلق "انتقام الفراء" في الأسبوع الماضي وحقق نتائج أسوأ مما حققها "المخبولون"٠
 وكتبت أيضاً أنني لست من اولئك غير الراضين عن جلب أجانب ليملأوا الخانات الشاغرة في مثل هذه الأعمال. الكثير من الصناعات والمؤسسات الخليجية يديرها أجانب وليس عرب بسبب الخبرة والتجربة وسلاسة الإدارة  وضرويات العمل الأساسية، لكن على الأقل لابد من حسن الإختيار وأن يكون من يؤول إليه مثل هذا العمل على خبرة فعلية  تشمل جوانب العمل  المختلفة، وهناك الكثير من السينمائيين الحقيقيين الذين كان يمكن جلب أحدهم بنتائج أفضل.  هيئة الثقافة والتراث في أبو ظبي أصابت، مثلاً، في جلب بيتر سكارلت لمهرجان أبو ظبي، كونه خبيراً في عمله، وأصابت في إنشاء مؤسسة إيماجناشن وصندوق الدعم ومدرسة للسينما وفي العديد من القرارات التي اتخذتها في أكثر من جانب للإسهام في رفع مستوى العمل السينمائي في الإمارات ووضع البلاد على الخارطة الدولية. هذا لا غبار عليه.  لكن دفع منصب رئيس إيماجناشن لشخص هو تركيبة هوليوودية صرفة تؤمن بأن الترفيه وحده هو السينما بأسرها، لم يكن اختياراً صائباً- او هذا ما يتبدّى الى الآن٠
الأهم من ماذا حقق هذين الفيلمين من إيراد هو إذا ما كان هناك سبب جيّد وراء اختيار هذين العملين ليكونا البداية الفعلية لعمل المؤسسة. هل يلتقي اختيارهما والأهداف المناطة بالشركة؟ الجواب هو لا الا إذا كانت هذه الأهداف لا تعدو إنجاز وجود ما. لكن حتى على هذا الصعيد فالإنجاز ناقص. إذا ما انسحبت إيماجناشن من العمل السينمائي الآن، فإن ذلك لن ينتج عنه أكثر من خبر في "فاراياتي" و"هوليوود ريبورتر"٠ جزء من ذلك عائد الى النتيجة المادية الهزيلة بالطبع، وجزء يعود الى أن الفيلمين لم يتركا أثراً  على أي صعيد آخر٠
كذلك فإن الهدف كما أعلن هو احتلال رقعة عالمية موازية للرقعة التي يحتلّها مهرجان أبوظبي حالياً. لكن هذين الفيلمين لم يحتلا شيئاً. بالنتيجة فإن المسألة تتمحور على وجهين: إذا كانت العملية تجارية محضة، فقد فشلت لأن الإختيارات شاحبة وليست صائبة٠ وإذا لم تكن المسألة تجارية بل إثبات وجود: فمن الأولى تحويل الدفّة الى أفلام فنية تترك أثراً نقدياً وتعرض في المهرجانات حيث يعلو إسم الشركة والبلد الذي ينتمي المشروع إليه وفي ذلك خدمة جليلة للفن وللثقافة وللبلد على حد سواء٠


تعقيبات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
محمد هاشم يكتب عن "سولاريس"٠
خلافات أندريه تاركوفسكي الفنية الجميلة
تعليقاً على نقد فيلم "سولاريس" في "فيلم ريدر" بعث
الصديق محمد هاشم من القاهرة بإيضاحات مفيدة تلقي
ضوءاً  على بعض الجوانب التي وردت، وتوفر معلومات
أولى عن جوانب أخرى. شكراً للصديق- م. ر


أحببت أن أوضح، بعد قراءتي لمقالك الشيق والمتميز عن فيلم "سولاريس"، أن الممثلة "نتاليا بوندارتشوك" هي بالفعل ابنة السيناريست والممثل والمخرج الأوكراني القدير "سيرجي بوندارتشوك"، وكانت في العشرين من عمرها آنذاك. وبمناسبة الحديث أيضًا عنها وعن دورها، اسمح لي أن أضيف أن تاركوفسكي لم يفكر في إسناد الدور لها في البداية قط، بل للممثلة السويدية الرائعة "بيبي أندرسون" وقد حضرت بالفعل إلى موسكو، لكن حالت الظروف دون قيامها بالدور. ثم فكر تاركوفسكي بعد ذلك في إسناد الدور لزوجته السابقة  إيرما روش  وأجرى فعلا اختبارات كاميرا لها، لكن استقر رأيه في النهاية على الممثلة الشابة "نتاليا"٠

أما فيما يتعلق بالصعوبات التي واجهها تاركوفسكي في كتابته لسيناريو هذا الفيلم من جانب السلطات الروسية، فأعتقد، وفقًا لما قرأته، إنها لم تكن بالضبط على النحو الذي ذكرته حضرتك في مقالك، لأن هذا هو تقريبا الفيلم الوحيد لتاركوفسكي الذي حاز على موافقة السلطات السوفيتية واستحسانها بعد مشاهدة النسخة النهاية من الفيلم، وقد جاء هذا على عكس توقعات تاركوفسكي تمامًا، بل وسمحت أيضًا بعرض وتوزيع الفيلم ضمن الفئة الأولى في دور العرض، وكذلك سفره إلى الخارج من أجل العرض الأول له في مهرجان "كان". لكن كانت هناك صعوبات بالقطع فيما يتعلق بالسيناريو، وأولها على وجه التحديد كان مع شريكه في البداية في كتابته للسيناريو، الروائي "فريدريخ جرونستين" (1932 – 2002). ثم بعد ذلك اختلافات في وجهات النظر ثم احتجاجات ثم مشاجرات متكررة مع "ليم" وذلك أثناء كتابة تاركوفسكي للسيناريو كما ذكرت، بل وأيضًا حتى بعد انتهاء الفيلم وعرضه في "كان" ومشاهدة "ليم" له وتبرأه من الفيلم، و"عدم حبه وفهمه للسينما ... إلخ" كما جاء على لسان تاركوفسكي نفسه وذلك في حوار مطول له. (ترجمتي له نشرت قبل أشهر قليلة في إيلاف). وهذا كله بالطبع بعيدًا عن خلافه الخطير والحاد مع المخضرم "فاديم يوسف" المصور السينمائي المعروف، وهو خلاف فني جميل، إن جاز لنا التعبير بهذه الكلمة، لأن الخلاف بالأساس كان بخصوص مسألة فنية بحتة متعلقة بالعدسات المستخدمة في التصوير، فاديم يرغب في استخدام عدسة 50 ملم، وتاركوفسكي يريد التصوير بعدسة 35 ملم، وفي النهاية، الكعادة، حسم تاركوفسكي الخلاف لصالحه، وبذلك وضع حدًا لتعامله مع فاديم يوسف فيما بعد٠
أما فيما يتعلق بعلاقة الفيلم و"أدويسا الفضاء" لللمخرج "ستانلي كوبريك"، فلم يكن تاركوفسكي يحب فيلم "أدويسا الفضاء"، بل كرهه بشدة، وقال عنه أيضًا إنه "بارد وممل ولا روح فيه"، وهذه رأيه بالطبع. وكان تاركوفسكي قد شاهد الفيلم بالفعل قبل تصويره لسولاريس، وتحاشى أن يخرج سولاريس وبه أدنى شبهة مقارنة بينه وبين أوديسا الفضاء – على الرغم من تهليل السلطات السوفيتية له على أنه الرد السوفيتي على أوديسا الفضاء – وهذا واضح من وجهة نظري المتواضعة من توجّه الفيلم، ففيلم كوبريك يتوجه إلى الخارج، إلى الفضاء وعلاقة الإنسان به وبالتعامل مع ذلك المجهول، أما فيلم تاركوفسكي رغم أجواء الخيال العلمي والفضاء والكون إلخ، فهو يتوجه بالأساس نحو الأرض، وبالتحديد صوب الإنسان، إلى استكشاف وسير أغوار الفضاء، لكنه الفضاء الداخلي للإنسان٠
أما فيما يخص التعليق على الكثير من النقاط اللافتة والجميلة التي أمسكت بها بخبرتك في المقال والكثير غيرها أيضًا، فأود أن يتسع وقتي لاحقًا لموافاتك بقدر طفيف مما يزخر به هذا الفيلم البديع والذي هو دون شك علامة فارقة في هذا النوع السينمائي، وهذا القدر الطفيف، في ظني، سيتجازو صفحات وصفحات، وقطعًا إعادة مشاهدة الفيلم، وهو للأسف ما لا يسمح به الوقت حاليًا٠

- ثمة مشكلة أخرى في هذا الفيلم حدثت بين تاركوفسكي والممثل "دوناتاس" الذي لم يكن تاركوفسكي على اتفاق تام معه، لأنه ببساطة لم يكن مستوعبًا على نحو تام وكلي لما أراده منه تاركوفسكي.
- بالإضافة، بالطبع، إلى نفاد الفيلم الخام الملون من نوع "كودك" وهو ما ذكره تاركوفسكي في يومياته في غير موضع، وقد نتج عن هذا خروج بعض مشاهد وتسلسلات في الفيلم بالأبيض والأسود من أجل السيطرة على التكاليف، مثل مشهد النار، الذي يحرق فيه كالفن أوراقه صباح يوم مغادرته إلى سولاريس. تسلسل "مدينة المستقبل"، الذي يقود فيه "برتون" سيارته في طريق عودته إلى المدينة من البيت الريفي لخمس دقائق تقريبًا من زمن الفيلم٠
أما عن حديثك المتعلق بأن تاركوفسكي قد أعرب عن أن هذا الفيلم أقل أعماله إثارة لإعجابه، فأنا معك فيه وأوافقك تمامًا وأتذكر جيدًا ما قاله وجاء في مذكراته على النحو التالي: كتب في العاشر والحادي عشر من
  أغسطس عام 1971، "العمل في سولاريس كالجحيم. لقد تجاوزنا الموعد المحدد... يوسف وأنا نتجادل باستمرار". وفي اليوم التالي، "كان إخراج روبلوف مهمة شديدة السهولة جدًا مقارنة بهذا العمل"٠


المدن والسينمات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
هنا لندن٠ 
-1-
Heart of Glass 

حين جئت الى لندن في مطلع العام 1978 لكي أعيش فيها واستقر. كان أول ما قمت به هو ذهابي مع رهط من البريطانيات (كنت تعرّفت على واحدة منهن في مهرجان كان فدعتني) الى فيلم من إخراج الألماني  ڤرنر هرتزوغ.  كنت متعباً جداً لأنني اكتفيت بفتح عيناي على ما يدور وإطفاء العقل، او هو انطفأ بنفسه٠
لم  تكن الرحلة سهلة. لقد وصلت لندن  مساءاً بينما كان من المقرر لي أن أصل بعد الظهر. السبب هي أنها كانت رحلة بحرية. كنت أعمل في "الوطن العربي" أيام صاحبها المرحوم وليد أبو ظهر في باريس وقررت الرحيل الى لندن للبدء بحياة جديدة. حملت ثلاث حقائب وتوجّهت الى محطة القطار حيث ميناء كاليه، كما أعتقد أسمه. هناك سألني البوليس الفرنسي: هل لديّ فيزا خروج؟ سألته: هل أنا في تشيكوسلوفاكيا لكي احتاج الى فيزا خروج؟ هذا الجواب أثاره  فطلب مني الجلوس والإنتظار ريثما يُراجع باريس ويتأكد من أنني لم أرتكب جريمة ما أنا هارب منها. كنت قتلت صرصوراً في شقّتي قبل مغادرتي إياها وتساءلت إذا ما وجدوا الصرصور ملقياً على ظهره واستنتجوا من الفاعل، او أنه استقوى واتصل بجمعية الرأفة بالحشرات التي رفعت عليّ دعوى٠
في خلال ذلك كانت إثنتان من حقائبي قد دخلت جوف الباخرة. هرعت وأنقذت الثالثة (أكبرها حجماً) وأبقيتها معي. بما أنه لم يكن هناك أجهزة كومبيوتر كتلك المتوفّرة اليوم، فإن باريس لم ترد سريعا.  في ذلك الحين فإن باخرة الساعة التاسعة صباحاً غادرت واقترب موعد باخرة الساعة الثانية عشر او نحوها ظهراً. وكلّما سألت الضابط طلب مني أن أصبر٠
أعاد اليّ الباسبورت قبيل مغادرة الباخرة الثانية فحملت حقيبتي الثقيلة وحقيبة كتفي وركضت وكنت آخر الواصلين. على سطح السفينة جلست أفكّر في هذا الحمل الثقيل. فتحت الحقيبة ووجدت أن كتبي هي التي تحتل نصف حجمها وتتسبب في ثقلها. مددت يدي الى بعض ثيابي والى جزمة ثقيلة ورميتها في الماء ثم حملت الحقيبة في يدي ووجدتها الآن أصبحت أخف بمقدار معقول٠

Detour

حين وصلت البر البريطاني حوالي السادسة في ذلك الشتاء القارس،  وجدت حقيبتاي بعد بحث دام نحو نصف ساعة ومن دون مساعدة من أحد. كنت مثل شبح ينتقل من عنبر الى عنبر يبحث عن روحه. ووصلت لندن قبل الثامنة ليلاً بقليل (إذا لم تخن الدقّة). كنت اتصلت بتلك الصديقة التي تعرّفت عليها في "كان"  قبل تركي باريس وأكدت على أن أحل عندها الى أن أجد مبيتاً لي. في لندن، طلبت مني أن آخذ تاكسي من محطة القطار التي كنت فيها الى العنوان الذي اعطته لي. لم أتأخر. هناك وجدت ثلاث فتيات أخريات والجميع كن من اللواتي يحببن سينما هرتزوغ، او سينما "مفكّرة" ويردن الإستماع الى رأي  ناقد سينمائي بعد الفيلم. بما أنه ليس بإمكانهن الذهاب الى السينما برفقة ديفيد روبنسون او ديريك مالكولم، فإن محمد رُضا يكفي وربما يمنح الفيلم الأجنبي زاوية نظر أجنبية٠
تصوّر إذاً حالي حين انتهى الفيلم وذهبنا الى العشاء وبدأنا الحديث. من حسن الحظ أن بعضهن كن يردن الإدلاء بآرائهن أكثر من سماع الرأي فاستنتجت وربطت وأسهمت ومرّت الأمسية على خير٠

كنت زرت لندن من قبل زيارات قصيرة وأعجبتني كثرة صالاتها. والأكثر أن الجميع بمن فيهم الأولاد الصغار يتحدّثون الإنكليزية !. في باريس لم يكن ذلك متاحاً وكان لي مشاجرات مع كافة ألوان البشر الذين كانوا ينظرون اليّ كما لو كنت طائراً من طيور ألفرد هيتشكوك كلّما فتحت فمي لأقول شيئاً بالإنكليزية٠
أول صالة شاهدت فيها فيلماً سينمائياً في لندن كانت صالة نوتينغهيل غايت ولو أنني نسيت إسم الفيلم. والرقعة سريعاً ما انتشرت أكثر في كل زيارة قصيرة قمت بها. الآن وقد انتقلت الى فندق من نجمتين في قلب العاصمة (ماذا حل بالموظّف التونسي الأصل الذي كان يديره او بصاحبه البولندي او بالفتاة الجميلة البولندية التي كانت تخدم فيه؟) فإن لدي كل الوقت في العالم لأدخل كل صالة سينما في لندن. هكذا قررت. أشاهد فيلماً في كل صالة من صالاتها ولا يهم أي فيلم٠
واحدة من تلك الصالات (وأقدمها الآن) كانت تقع في "بورتيبللو رود"، وهو شارع أسواق شعبية تجد فيه مثلاً عطوراً هندية وجاكيتات بلاستيكية من صنع تايوان جنباً الى جنب بيض وخضرة وطنيان. هناك شاهدت للمرّة الأولى فيلماً قديماً لمخرج سمعت عنه ولم أكن شاهدت له شيئاً أسمه إدغار ج. إلمر. الفيلم هو
الذي كنت تناولته بصورة غير مباشرة في هذه المجلة قبل سنتين وسأتحدّث عنه في "فيلم   Detour
   ريدر قريباً)٠
لم تكن الصالة بعيدة عن نوتينغ هيلغايت التي تجانبها صالة أخرى أسمها كرست  وحسب علمي هذه الصالات الثلاث لا زالت قائمة. في الطرف الآخر من المنطقة هناك شارع أسمه وستبورن غروف وفي منتصفه ثلاث صالات مجتمعة، ثم حين يلتقي بكوينز واي هناك كانت صالة أخرى شاهدت ومحمد خان فيها فيلم برايان دي بالما
سنة 1983 وفي صالة كرست شاهدنا بعد سنوات فيلم ناني موريتي   Scarface
   او "مفكرتي العزيزة" الذي أعجبه ولم يعجبني  لكن ربما كان على حق لأني لم أمهل الفيلم طويلاً قبل أن  Caro Diaro
ان أعتبره متكلّف العواطف ٠
Caro Diaro

لكن في العام 1978كانت معظم الأفلام التي أشاهدها تعرض في وسط لندن الذي لا يزال زاخراً إنما بنحو نصف عدد الصالات التي كانت منتشرة في الرقعة ما بين ادجوار رود لناحية شارع أكسفورد وصولاً الى توتنهام كورت رود في نهاية أكسفورد الى الشرق ومن هذا الخط الى لستر سكواير وجوارها في الجنوب٠
كنت أشاهد فيلما واحداً على الأقل كل يوم. وحين يكون هناك في "صالة الفيلم الوطني" تظاهرة تهمّني، وكانت دوماً هناك تظاهرات تهمّني، كنت لا اتكنّس من هناك. غرفتي في الفندق ثم المنزل الذي استأجرته في "وستبورن غروف" في منتصف الطريق بين الصالات، بات مجرد سرير ومكتب.  آوي إلى السرير لأنام ليلاً  وأكتب ملاحظاتي ومقالاتي على تلك الطاولة الصغيرة (على الآلة الطابعة وقتها) صباحاً

في لندن كنت في المكان المناسب في الوقت المناسب لأشهد جزءاً مما جعل الستينات والسبعينات ظاهرة ثقافية عالمية. مثل بيروت وأكثر، هي سينماتيك كبيرة رائعة لكن لا سينماتيك بدون جمهور سينماتيك، وهذا ما هو مفقود هذه الأيام٠


تيار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | زياد عبدالله
سينما رعب عربية او مجرد كوابيس؟

في العدد الماضي قدّمت قراءة لفيلمي "لعنة إبليس" و"السر
الخفي" كتبها الصديق علي محمّدي من الإمارات بعدما
شاهدهما في مهرجان "الخليج" السينمائي. هنا نقدّم قراءة
أخرى كتبها الناقد زياد عبدالله (ونُشرت في "الإمارات
اليوم")- م. ر٠

لعنة إبليس | ماهر خاجة

‏‏يبدو أن «الرعب» مطلب سينمائي، أو ما يشكل رغبة عارمة لدى سينمائيين خليجيين في إحداثه في صفوف المشاهدين، وليكون الرهان بالتأكيد على كيفية إحداثه وأدواته التي لن تكون بحال من الأحوال كثيرة طالما أننا نتكلم عن سينما شابة لا تحظى بالتمويل اللازم لإحداث الرعب، دون الخوض في متطلباته، كون أفلام الرعب كما نتابع في دور العرض الإماراتية لا تكاد تغيب في كل أسبوع عنها، وتحظى بشيء من الأولوية لدى المشاهد الذي يرغب في تحريك الأدرينالين الجامد، أو خلخلة الحياة الساكنة بساعة ونصف الساعة من المفاجآت والمنعطفات، ولكل فيلم تجاري أن يفعل فعله على طريقته الخاصة، ومن ثم يعود المشاهد إلى مجريات حياته المحاصرة بمشاغل وهموم كثيرة، لن تنجح جرعات الرعب الصارخة في تخليصه من عادية الحياة اليومية وخلوها من مفاجآت لها أن تكون رهان هذا النمط من الأفلام٠

في المسابقة الرسمية للدورة الثالثة من مهرجان الخليج التي أنهت أعمالها وعروضها الأربعاء الماضي، شاهدنا فيلمي رعب خليجيين، أو أطلق عليهما اصطلاحاً هذه الصفة، لا بل إن عنوانيهما كانا يقولان لنا إنهما ينتميان إلى هذا التصنيف، الأول جاء بعنوان «لعنة ابليس» للإماراتي ماهر الخاجة، والثاني كان «السر الخفي» للسعودي محمد هلال، الأول يحمل إمكانية ما، أو معبراً خانته الكثير من العناصر نحو إحداث مساحة سينمائية مرعبة وفي محاكاة للسائد في هذه الأفلام، بينما يمكن إطلاق صفة الكارثية على الثاني، وإحالته إلى فشل صارخ على صعد عدة تنأى عن السينمائي، وتقترب من فن مجهول أقرب إلى  السر الخفي  الذي لا نعرفه ولن نعرفه من شدة تبعثره

ولعل الحديث عن فيلم رعب خليجي سيحيلنا مباشرة إلى سؤال متعلق بالإمكانات التي تحيط بهذا المطمح حتى يتحقق، فيسود هذا الرعب وندخل في حمى الهلع، كون بناء عناصر التشويق والإثارة ارتبطت ارتباطاً وثيقا بالمؤثرات البصرية والسمعية في جانب كبير منها، عدا خروقات قليلة تحدث الرعب بإمكانات مفاجئة وعلى قدر كبير من الحرفية

لن نقارب فيلم «لعنة ابليس» بناء على ما تقدم، ولعل المقاربة هنا تمضي خلف تجربة تطمح إلى تحقيق ما تقدم وفق المتاح، وتوظيف هذا المتاح بما يخدم الغرض التشويقي، الذي يكشف بداية عن معرفة لدى مخرج الفيلم وكاتبه بآليات فيلم الرعب، دون أن ننسى التأكيد على اصابتها بتعثرات في أكثر من موضع، مثلما هو الحال في الإفراط في استخدام المؤثرات هنا وهناك، والتطويل في أكثر من موضع، وانفتاح الحوار على مصراعيه وانقلابه إلى ثرثرة في الموضع الذي يشكل النقطة المضيئة في الفيلم ألا وهي الاستعانة بآلية «وثائقية» أو لعبة وثائقية تستخدم كاميرا الفيديو المنزلي التي ستكون حلاً جيداً لتخبطات الباحثة عن سر ما حدث في «الجزيرة الحمراء»، وعلى شيء من محاكاة أفلام كثيرة استثمرت في هذه التقنية لإحداث وقع مضاعف له أن يوحي لنا بواقعيته مثلما هو الحال مع فيلم
Paranormal Activity
 لأورين بيلي الذي حقق فيلمه الذي لم تتجاوز تكلفته 15 ألف دولار نجاحاً كبيراً في العالم وقد صور بكاميرا رقمية صغيرة٠
بناء فيلم ماهر الخاجة طامح إلى تحقيق شيء ما، لكنه بقي محاصراً بالكثير من الإعاقات سواء ما يتعلق بإدارة الممثلين الذين تفاوتت أدوارهم، والتفرعات الكثيرة عن سيناريو الفيلم، وترتيب العناصر الدرامية، واستخدام المؤثرات في مجانية، بما يقطع الخط الفاصل بين الضحك والرعب، ولعل هذا الخط يكون واهياً جداً في أفلام الرعب، فالكثير مما يطمح أن يرعبنا يصبح مضحكاً ما لم تتم حياكته جيداً، الأمر الذي يمنع الفيلم في النهاية من تحقيق المرتجى منه، دون أن يمنعنا كل ما تقدم من اختبار إمكانية ما تَعِدُ بما هو أفضل وأشد رصانة٠
هذا الوعد لن نطلقه مع فيلم «السر الخفي» لمحمد هلال، وهو لا يتيح لنا إلا مشاهدة فيلم متخم بالرداءة، تجعلنا بصدد تلقي إهانة سينمائية طويلة، وركاكة ما بعدها ركاكة في السيناريو والتمثيل والتصوير والإضاءة، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يبقى من الفيلم؟ ولعل الإجابة بلا شيء هي إجابة مفرطة الدقة٠
على كلٍ مشاهدة فيلم «السر الخفي» كانت بمثابة فرصة لا تتكرر، بدءاً من شاربي الشخصية التي تقود المستأجرين إلى البيت الموبوء مروراً بحالات الرعب التي يجترحها بكائنات مشوهة، وصولاً إلى كل ما في الفيلم، إنها بحق فرصة لا تعوض لتعطيل الأدرينالين في حياتنا واستبداله بالضحك.‏


فنون سينمائية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | هوڤيك حبشيان

  الملصق المتقن مروّج للفيلم ويجذب الهواة


قد نعتقد أن جلّ ما نحتاج إليه في إعداد ملصق إعلان جيّد، هو فكرة جيّدة، وأنه يكفي قلب قوانين الجاذبية ووضع الأشخاص بـ"المقلوب"، كما هي الحال في فيلم "نهر غامض" لكلينت ايستوود، لجذب انتباه الجمهور. قد يكون هذا الأمر صحيحا إلى حدّ ما. فمن الواضح أن ملصق هذا الفيلم، يتميّز من غيره من الصور والملصقات التي نصادفها كلّ يوم من دون أن ننظر إليها حقيقة. فهذا الملصق الذي يضع صورة الأبطال بطريقة معكوسة، ومن خلال فكرته التي تكاد تكون جديدة أو خارجة على المألوف، يحقق هدفه الأوّل وربما الأقسى في زمن الشراهة السينمائيّة: لفت انتباه المارة.
وحده ملصق إعلان السينما، لا يستطيع الاكتفاء بأنه لا يجذب إلا للحظة. فعليه أن يدفع المشاهد إلى ارتياد صالة السينما في وقت لم يكن يرغب في ذلك. فالأمر لا يتعلّق بإيجاد حيل ما لاستقطاب الأنظار إلى الملصق الاعلاني، بل توجيه رسالة مؤلّفة من سلسلة رموز، تدفع أحدهم إلى صرف ماله الخاص لحضور فيلم مدّته ساعتان وهو جالس في كرسي. لبلوغ هذه الغاية التي لا يصل إليها إلا عدد ضئيل من المعلنين، يجب اتقان التفاصيل. التفاصيل هي القوّة الكبرى في ملصق فيلم مثل "نهر غامض" مثلاً. فالرصانة هي الصفة التي تتمتع بها سياسة تركيب الحروف المختارة والمرتبطة بأسلوب كلينت ايستوود الكلاسيكيّ. كُتبت كلمات العنوان أو أسماء الممثلين بخط كلاسيكيّ من دون زخرفات. كذلك، فإن الأحرف صغيرة جدا مقارنةً بالحجم العام، أمّا العنوان فيشغل مساحة صغيرة من الملصق. اللون الأبيض الذي اختير للأحرف على خلفيّة سوداء، يبدو بارزا للعيان أكثر مما لو سيطر على الملصق كله. لا يفصل بين الكلمتين اللتين تشكلان العنوان
Mystic River
الا مساحة صغيرة، مما يعزّز صرامة شكل الخطّ المعتمد في الكتابة. باختصار، الاحساس بالصلابة أو "القوّة الهادئة" النابعة من الملصق، يعود في المقام الأوّل إلى عنوان الفيلم الذي قُدّم بطريقة بسيطة (يستطيع أيّ كان تنفيذها على الكومبيوتر)، لكنها محكمة الاتقان.
إذا كانت الكتابة مهمّة، فللون أيضاً أهميّة كبيرة. فالتناغم رائع بين الأسود والأزرق المائل إلى السواد لأنه يشير إلى طبيعة الفيلم . فيتبادر فورا إلى الأذهان أنه فيلم بوليسيّ. هناك تفصيل مهم آخر بالنسبة إلى الألوان، يتعلّق باختيار اللون الأسود لأطياف الممثلين. من الممكن أن يكون هذا الخيار غير موفّق لأن أبطال الفيلم قد وضعوا بهذه الطريقة خارج "اللعبة". غير أن شون بن وكيفين بايكن، ليسا الممثلين الأكثر "مردودية" في هوليوود، ويستقطبان باسميهما وخصوصا بوجهيهما عددا كبيرا من المشاهدين. لكن من خلال قلب الموازين عبر تقديم الممثلين الأساسيين من جهة الظهر وباللون الأسود أيضاً، خاطر مصممو الملصق بعض الشيء. لكنهم نجحوا في مغامرتهم هذه، لأنهم فاجأوا المشاهد وأثاروا فضوله لمعرفة الشخصيات الغامضة وراء هذه الظلال
من ناحية أخرى، كُتبت أسماء الممثلين من اليسار إلى اليمين بترتيب لا يمت إلى العشوائيّة بصلة لأنه يرتبط بالأهمية المنسوبة إلى كلّ دور: كُتب الإسم الأوّل بأحرف صغيرة زرقاء، والكنية بأحرف كبيرة بيضاء. لكن السؤال الذي نطرحه هو لماذا كُتب اسم المخرج كلينت ايستوود بأحرف صغيرة مماثلة لأسماء الممثلين الأولى! مع ذلك، يعتبر ملصق هذا الفيلم تحفة تصميمية رائعة بفضل رزانتها التشكيلية وإخلاصها لفحوى الفيلم وقصّته
كان في مقدور الملصق أن يكون خاليا من العيوب بل كاد يعتبر نجاحا حقيقيا لو أن الموزعين لم يشعروا برغبة ملحة في إدراج نقد سينمائي إيجابي بل طنّان على الملصق، لتشجيع الناس على مشاهدته. مثال ذلك، تعليقات كـ"رائع" أو "مذهل"، اقتبست من مراجع أو من صحف متخصّصة بالسينما، مما يدلّ على احتقار رأي المشاهدين. لم نعد نثق بذوق المشاهد، وإعجابه بممثل ما، بملصق أو باعلان، فبتنا نملي عليه ما يجب رؤيته ونقرّر عنه، إذ نجد أن رأي صحيفة "بروميير" قد كُتب بحروف أكبر من اسم كلينت ايستوود الذي هو في نهاية الأمر مخرج الفيلم! كاد يكون الملصق ممتازا لأنه تمكن من الجمع بين جمال التصميم والفاعلية التسويقية، ولكن انتهى به الأمر الى الوقوع تحت عبء الضرورات التجارية٠

نشر المقال في "النهار"  اللبنانية أولاً٠

تحقيق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
حيوانات السينما بين الترغيب والترهيب٠
كيف تدرّب تنينك وتحب عدوّك في الوقت ذاته



How To Train Your Dragon  في صلب موضوعه، فإن فيلم  كيف تدرّب تنينك
يدور حول كيف تحب عدوّك وتقدّره. إذا أخذت التنين، ووضعت عوضاً عنه آدميّاً فإن أي عدو لك يصلح أن يكون الغاية المقصودة في الفيلم. قد يكون جارك او رئيس عملك او حماتك. قد يكون شعب آخر او قوم لديهم عادات وثقافات مختلفة. فيلم دين ديبوا وكريس ساندرز لحساب "دريمووركس أنيماشن" الذي انطلق قبل أسابيع قليلة يصلح لأن يكون نموذجاً لرسالة سلام ككثير من الأفلام الكرتونية التي خرجت في السنوات العشر الأخيرة التي تبدو كما لو كانت تقول للراشدين، قبل الصغار، عليك أن تتفهّم الآخر وتقبل به حتى، او على الأخص إذا ما كان، مختلفاً عنك٠
الجزء الأول من هذه الرسالة، حب العدو، موجود في سياق فيلم "أڤاتار" حين يتقرّب بطل فيلم جيمس كاميرون من شعب ناڤي المختلف تماماً عن الأشكال البشرية، فإنه يفعل ذلك بغاية التجسس عليهم وتزويد القيادة المشتركة للقوات الأرض، حسب الفيلم، بالمعلومات التي ستسهّل لاحقاً القيام بمهاجمة ذلك الشعب. لكن المجنّد الجاسوس يرفض لاحقاً الإنصياع. لقد تعرّف على العدو وهذا وحده فتح عيناه على حقيقة دوره. من هنا ولاحقاً سوف ينضم الى شعب النافي لكي يدافع عنه ضد الأرضيين٠

E. T.

في هذا الفيلم الكرتوني، ليس هناك شعباً غير شعب الأرض والقصّة تقع في سالف الزمان أيام الفايكنغ. كل ما هناك هو الوحوش الأسطورية والتنين من بينها. البيئة التي ينتمي اليها بطل الفيلم  الصبي هيكاب (صوت جاي باروشل) تعادي التنين وتعتبره حيواناً خطراً. لكن هذا ليس صحيحاً. التنين، يقول الفيلم، مخلوق طيّب وخدوم ويستطيع أن يفعل أشياءاً كثيرة تفيد الإنسان، كأن  يكون بطلاً لهذا الفيلم الذي جمع للآن 180 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا، و177 مليون دولار حول العالم
لكي يفعل ذلك، فإن معايير  كثيرة تدخل سياق هذا الفيلم ومعظم ما نراه من أفلام الأنيماشن هذه الأيام. هيكاب، كما نتعرّف عليه، فتي في مطلع سنوات الشباب يعيش في القرية الإسكندنافية  التي تعمل في تجارة التنانين. أفرادها خبراء في صيد الحيوانات العملاقة وقتلها خصوصاً والده  ورئيس القبيلة (جيرارد بتلر). في الحقيقة، هيكاب من النوع الذي يمكن أن نجده في كل عائلة او قبيلة: المختلف عن السائد. الخروف الأسود كما يقولون في الغرب.  لكن على هيكاب أن يحاول. لا ينفع أن يبقى مختلفاً بل عليه أن يتأقلم ويتدرّب على صيد التنين خصوصاً وأن الفتاة التي يرميها بالنظرات أستريد (أميركا فيريرا) هي محاربة ماهرة فيما أخفق فيه٠
ذات يوم يجد تنيناً مجروحاً وهذا يضعه في مواجهة قرار حاسم: قتله او إخفاءه عن الأعين. وهو يختار إخفاءه عن الأعين ورعايته حتى يسترد صحّته. خلال ذلك تنشأ بين الإثنين -هيكاب والتنين- صداقة هي التي يتناولها الفيلم وما ستتركه من آثار على هيكاب وعلى القرية جميعاً٠

ثراء الصورة
كما أن عنصر "حب العدو" متوفّراً في فيلم "أڤاتار" فإن إخفاء مخلوق قد يتعرّض له الكبار بأذى متوفّر في الفيلم المعروف "إ. تي". هناك في ذلك الفيلم الذي أخرجه ستيفن سبيلبرغ سنة 1982 يكتشف الصبي إيليوت (هنري توماس)  ذلك المخلوق الصغير الذي حط بالغلط في الجوار الأرضي قادماً في سفينة فضائية من كوكب بعيد. المخلوق الفضائي صغير الحجم وغريب الهيئة وطيّب النيّة. وهو، والأهم، لديه خوف من أهل الأرض ... خصوصاً الراشدين الذين نراهم يبحثون عنه في كل مكان. إيليوت يقوم بإخفائه الى أن يتم تحديد المكان والزمان الذي على المخلوق البائس أن ينتظر المركبة التي ستقلّه عائداً الى موطنه٠
الفيلم، المعروض ببعدين كما بالأبعاد الثلاثة، يشبه "أڤاتار" من ناحية أخرى وهي ولعه بالطيران. هذا التنين ما أن يتعافى حتى يأخذ هيكاب على ظهره ويطوف به. بهذا الفعل إنما يطوف بنا نحن كما فعل جيمس كاميرون. الطبيعية المتخيّلة جميلة ألواناً وحركة الأنيماشن المنسابة بالغة التلقائية كما لو أنها حقيقية (بل أفضل من الحقيقة؟) توفر ثراءاً في الصورة وتنعش القلوب التي لا تزال تجد في السينما رحابة من التفكير والأحاسيس٠
جل الفيلم في الحقيقة يجعل المرء منّا ينتبه الى مسألتين بالغتي الأهمية في تأسيس وعينا بالأشياء كما في ملاحقة ما تعنيه مفاهيمها٠

الأولى هي أنه فقط في الأفلام الكرتونية (ليس كلّها طبعاً) يمكن أن نجد ما اعتدنا على الهرب منه، مثل الوحوش الكاسرة، او ما اعتدنا على إزدرائه وقتله (الفئران والجراذين) هو عكس ما تنادي به تلك الأفلام.  الكلاب المتوحّشة تصبح أليفة في "فوق". الثعالب تدافع عن نفسها قدر الإمكان ضد الإنسان وقوانينه وأطماعه في "مستر فوكس البديع"، الديناصورات مهددة ومن واجبنا حمايتها في "عصر الجليد"، والدب أليف وطيّع في "كونغ فو باندا"، بينما هناك جرذ صالح وجرذ جشع في فيلم
Ratatouille
وهذا، وسواه، في غضون السنوات الأخيرة، حياة ما بعد كارثة 2001
الثانية، هي أن هذه المخلوقات وغيرها الكثير على صنفيها الحقيقي (كالعناكب والدبب والجرذان) او المتخيّل (كالديناصورات والتنين والوحوش الأخرى) لا تلعب دوراً مماثلاً لما هو متوقّع في مخيّلة المشاهدين الا في أفلام الرعب٠
بذلك يتواجه الصنفان رغم استخدامهما الأدوات ذاتها. هل الوحوش عدوّة او صديقة؟ يعتمد ذلك إذا ما كانت موجودة في فيلم رعب او في فيلم أنيماشن. لكن إذ تعتمد سينما الرسوم المتحركة هذه الأيام، وأكثر من أي وقت مضى، على إلغاء العدو، من حق المشاهد العربي أن يسأل لمَ لم يتم تطبيق المبدأ ذاته حينما انتجت ديزني فيلمها المسيء "علاء الدين" واصمة العرب بنعوت تصدّى لها النقاد في كل مكان، بما في ذلك الدول الغربية٠

في وسط هذا الموقف المتباين بين أفلام الأنيماشن وأفلام الرعب، يتبدّى أن بعض أهم أفلام الرعب نجحت في رصد زاوية مختلفة لحديثها. طبعاً فيلم سبيلبرغ "إي تي" كان غير متوقّعاً. المخرج المعروف قرر أن مخلوقات الفضاء، التي كان سبق لها وأن دمّرت الأرض في عشرات الأفلام السابقة، كما عادت ودمّرتها في أفلام لاحقة بينها فيلم سبيلبرغ اللاحق "حرب العالمين"، لا يجب أن تُثير الخوف بل الحب. بذلك عالج الموضوع كمعالجة أفلام الأنيماشن اليوم. لكن رولاند إيميريك قرّر أن الأفضل إبقاء العداوة قائمة بين أهل الأرض وأي مخلوقات متوحّشة فدمّر نيويورك في نسخته من "غودزيللا" ودمّر واشنطن العاصمة في فيلمه المعروف "يوم الإستقلال" (الذي يقوم حالياً بالتحضير لجزء ثان منه)٠
هو بدوره حين لجأ الى حكاية تتعامل والثقافات الأخرى، في فيلم "10,000 قبل الميلاد"، لم يجد ما يُثير اهتمامه بالتاريخ المصري القديم سوى إظهار المصريين ظالمين مستبدّين بنوا الأهرامات على أكتاف العبيد٠

بين نوعين
لكن إذا ما كان ستيفن سبيلبرغ نجح في الإتيان بمفاجأة كبيرة حين أنجز "إي تي" سنة 1982 من حيث قلبه المعادلة المتوقّعة، يجب ملاحظة أن السينمائي الكبير ألفرد هيتشكوك سبقه  بتسعة عشر سنة حين أنجز فيلمه "الطيور": ضاحية من ضواحي سان فرانسيسكو تعيش فيها مئات طيور الغراب تتعرّض فجأة لهجمة تلك الطيور الجارحة واندفاعها المستميت لقتل الإنسان. إنه من بين تلك المشاهد الساخرة من كل مفاهيمنا عن الحياة ومعارفنا عنها، ذلك المشهد التي تتحدّث فيه إمرأة عجوز عن الغرب كطير يحتاج الى رعاية ودلال. فقط لنجد أن الإنسان هو من سيبحث بعد قليل عن ملجأ يقيه من هجمات الطيور السوداء٠

The Birds 

ما إذا كان تعويد الصغار على عدم الخوف من الحيوانات الكاسرة، او من أي حيوانات أخرى، أمر حميد او لا، متروك لعلماء المجتمع وأطبّاء النفس (الذين ربما كانوا بحاجة لمن يحثّهم على مشاهدة الأفلام هذه الأيام)، لكن المؤكد هو أن استخدام عنصر الحيوانات في السينما لا يمكن أن يكون حيادياً. الكلب المخلص سيدافع عن صاحبه الا إذا كان الفيلم مرعباً فسينقلب عليه ويلتهمه. سمك القرش لن يهاجم الشواطيء، الا في فيلم ستيفن سبيلبرغ الشهير. الجرذان ستطبخ وتلهو وترقص او ستتكاثر وتنطلق في المدن تنهش في لحوم البشر. بدورها الأسماك المحتجزة في الأحواض التي تحلم بالعودة الى المحيط، قد تكون على حق في اعتبارها أن الإنسان هو الخطر عليها، في حين أنها في أفلام أخرى هي الخطر على الإنسان٠
في كلا الحالتين فإن هذه الأفلام عليها أن تجنح الى الفانتازيا لكي توصل رسالتها. وهنا تبدو كلمة فانتازيا بديل لكلمة كذب، لكنه كذب مقبول في حالة إذا ما كان فيلم الأنيماشن او فيلم الرعب مصنوع جيّداً بما يساعده في ايصال رسالته بصورة فاعلة. في هذا الإطار فإن "كيف تدرب التنين" يبدو  نموذجياً: يطلب منك أن تحب العدو ويمنحك حيواناً خرافياً تتعامل معه في سبيل هذه الغاية٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular