May 1, 2010

مهرجان موناكو يستقبل أفلاماً عربية | ترايبيكا | صالات بيروت | هيني سرور | عباس كياروستامي | السينما الإسرائيلية وجيرانها

 Year 3. Issue: 504
CoVeR


هذا راسل كراو كما يبدو في "روبين هود" ، الفيلم الذي سيفتتح مهرجان "كان" المقبل.  راسل هو واحد من ثلاثة شخصيات في الفيلم تم تحديد مواعيد لمقابلاتها. الآخران هما ريدلي سكوت وكايت بلانشيت. ستنشر المقابلات في صحيفة "الشرق الأوسط" و" ظلال ونجوم" خلال فترة انعقاد الدورة الـ 63 المقبلة من الثالث عشر الى الرابع والعشرين من الشهر الحالي٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  *  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا العدد
 تقرير عن مهرجان  موناكو | جوائز ترايبيكا | صالات مدينتي: محمد رُضا  تقرير عن فيلم نادر: صفاء الليثي | عن فيلم عبّاس كياروستامي المتّجه الى "كان": زياد عبدالله | في السينما الإسرائيلية اليوم: نديم جرجورة ومحمد رُضا | بالإضافة الى نوافذ العمود وفيها: أضواء عدنان مدانات، كاميرا هوڤيك حبشيان وكلوز أب محمد رُضا٠


المفكّرة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
خلطة فوزية  

قبل مهرجان "كان" بأيام تنطلق الدورة الرابعة من مهرجان موناكو على بعد ساعة ما بين   |  Monaco
الخامس والحادي عشر من الشهر. اختيار الفترة لا علاقة له بمنافسة مهرجان "كان" بل لفتة ذكية لمن يريد أن يحضر مهرجاناً صغيراً بالمقارنة مع مهرجان كبير. مهرجان يهدف الى لم التبرّعات لأجل مساعدة أبناء الشوارع أينما كانوا في توجه خيري غير حكومي بل يُقام على أكتاف عدد محدود من القادرين على حمل المهمّة٠
هذه السنة تم تعييني مستشاراً للمهرجان وفي وقت متأخر لم يسعن معه التحضير، لكني سارعت، على أي حال، باقتراح خمسة أفلام عربية، تم اختيار إثنين منهما هما "عبق الظلال"  للقطري حافظ علي عبد الله، و"قصّتي البسيطة" للفلسطيني/ الكندي أيزادور مسلّم وهذا الثاني من بين أفضل الأفلام الفلسطينية التي تم تحقيقها في العام الماضي٠
المهرجان في مناسبته الخامسة تحت قيادة السينمائي اللبناني جورج شمشوم وهو الذي اختار من بين عشرات الأفلام المشتركة الفيلم المصري "خلطة فوزية" الذي لم أشاهده بعد. من بين أفلامه هناك ثلاثة أجنبية شاهدتها وأحدها تحفة مخفية عن عيون المهرجانات الكبيرة عنوانه "باثوري" سأتناوله في العدد المقبل من مجلة "فيلم ريدر"٠ لمن يرغب المزيد عن هذه الدورة أحيله الى
http://www.monacofilmfestival.org/
كذلك من لديه فيلم يريد إرساله الى هذا المهرجان (الذي يحوي على مسابقات في الفيلم الطويل والقصير والتسجيلي) يمكن أن يبعثه إليّ  الطريقة في ذلك هو مراسلتي على عنواني الإلكتروني وسوف أكتب له عنواني الخاص ليتم إرسال نسخة.  أعاينها لناحية صلاحيتها للمهرجان او صلاحية المهرجان لها٠
للمعلومات هذه الإحصائية وفّرها المدير الفني للمهرجان
مجمل عدد  الأفلام المشتركة: 97
الأفلام الروائية الطويلة: 30
الأفلام التسجيلية الطويلة: 21
الأفلام القصيرة: 31
افلام الطلبة: 15

من بين هذه الأفلام فإن عدد الأفلام التي تعرض عالمياً لأول مرة (وورلد برميير): 31
الأفلام التي تعرض أوروبياً لأول مرّة: 20
الأفلام التي أخرجتها نساء: 26
مخرجون يقدّمون أول  أفلامهم: 11
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  *  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Budrus

 أعلن مهرجان ترايبيكا السينمائي الدولي جوائزه ختاماً لدورته | Tribeca Film Festival
التاسعة وفي الثاني من هذا الشهر سيتم عرض كل هذه الأفلام الفائزة لمن فاته بعضها. بالنسبة لي فاتتني جميعاً. النتائج الرئيسية هي
When We Leave |    أفضل فيلم روائي طويل: عندما نرحل (ألمانيا)٠
Monica & David|   أفضل تسجيلي طويل:  مونيكا وديفيد (فرنسا)٠ 
Monogamy |  أفضل فيلم روائي نيويوركي: الزواج الأحادي (الولايات المتحدة)٠
The Woodmans   أفضل فيلم تسجيلي نيويوركي:  رجال الغاب (الولايات المتحدة)٠
من بين الأفلام التي نالت تقديراً خاصّاً فيلم لمخرجه فلسطينية أسمها جوليا باشا  وذلك عن فيلم لها من تمويل أميركي (ويحمل الفيلم أعلام فلسطين والولايات المتحدة واسرائيل) وعنوانه "بودروس"  (الصورة)٠


المدن والسينمات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
بيروت كما تركتها٠

ساحة البرج قبل الحرب: ملتقى السينمات
 
السينما هي ملك القرن العشرين. بدأت قبل ذلك القرن بعقد ونصف وهي لا تزال موجودة بعد مضيّه، لكن لا أشكالها الأولى ولا أشكالها الحالية تعني لعشّاق السينما ما تعنيه السنوات التي بدأت فعلياً من منتصف العقد الأول من القرن العشرين حتى مطلع التسعينات٠
طبعاً لا أقول أنها انتهت، لكنه من الواقع الى حد بعيد أن أفضل ما عنته لنا مر في فضاء القرن الماضي بشتّى عقوده٠
التجريب، الكلاسيكيات، إضافة الصوت، إضافة الألوان، جمال الأبيض والأسود، هوليوود والأنواع، أوروبا وسينما المؤلّف، المخرجون الكبار، مدارس وأساليب التعبير، الفرص الكبيرة، الجهد البشري (عوض ألعاب الدجيتال)، نظام النجوم، انهيار نظام النجوم، سينما القضايا الإجتماعية، النضالية، العاطفية والقائمة تطول وتتنوّع٠
لن أذكر ما لدينا اليوم، لكنه ليس بالثراء نفسه. معظم الأفلام التي تنتمي الى الجسد الفني للسينما،  تلك التي هي أفضل من ممارسة الحب وأفضل من الأكل والشرب والتفكير بكيف نؤمّن شروط المستقبل حدثت في ذلك القرن، كذلك فإن أكبر المخرجين حققوا أفلامهم في تلك الحقب الثرية. ماذا لدينا الآن؟ لا أريد أن أملأ الصفحة أسماءاً لا معنى لها في كل سينما حول العالم. المُشاهد يعرف ما أقصد٠

حتى المدن اختلفت وربما حركة الحياة فيها هي التي كانت النسيج الخاص الذي معه ترعرعت السينما وازدهرت على النحو الآنف الذكر. السينما هي إبنة المدينة كما الزراعة إبنة الريف. حين بدأ الرعيل الأول من صانعي الأفلام تحقيق أفلامهم حصروها في الشواهد المدنية قبل غيرها وسلسلة أفلام لوميير الأولى خير دليل. صحيح أن محطة القطار والمصنع موجودان أيضاً في الريف، لكن صانعي تلك الأفلام ذهبوا الى المدن لتصوير موادّهم. بالنسبة لمحطات القطار ذهبوا الى باريس وليون والقدس وحين صوّروا حركة الناس صوّروها في ليدز ولندن وجنيف. وحين عرضوا هذه الأفلام عرضوها في نيويورك وبرلين وباريس٠
في المدينة يكمن الجمهور والسينما خُطتت لتكون جماهيرية أوّلاً. حتى مخرج صعب رائع ويكاد في كتاب حياتي أن يكون المخرج الأول دون منازع، وهو أندريه تاركوڤسكي، لم يحقق أفلامه ليشاهدها مئة شخص من المعجبين هنا وهناك، بل ليشاهدها كل الناس.  وكل الناس يعيشون في المدن أكثر من عيشهم في القرى والأرياف. في الواقع، أي منا يستطيع أن يذهب الى المواقع ويجري استفتاءاً بين أشهر مئة مخرج سينمائي حول العالم ليجد أن نحو ثلثيهم وُلد في مدينة كبيرة او عاش قبل بلوغه العاشرة من العمر في واحد منها٠

هذا في البال وأنا أراجع في بالي ما عنته ثلاث مدن عشتها صبياً وشاباً ورجلاً ودخلت ربما كل صالة معروفة فيها. هذه المدن هي بيروت ولندن وباريس. أستطيع أن أضيف لوس أنجيليس وأثينا والقاهرة ودبي لكن ليس بنفس المفعول. إذاً .... ها هي انطباعاتي عن المدن وصالاتها٠

بيروت
ولدت في هذه المدينة  ولدي صورة تشهد على أن والدي (رحمه الله) كان أوّل من أخذني الى صالة سينما. صالة قديمة كانت تعرض آنذاك أفلاماً معادة والفيلم الذي على واجهة الصالة بعد خروجنا هو "لهاليبو" الذي أعتقد أنه من إنتاج مطلع الخمسينات٠
لا توجد صور مع والدتي وجدتّي اللتان تناوبتا على أخذي الى السينما حين كان على والدي السفر لبعض السنوات الى الرياض للعمل هناك. لكن والدي كان يأخذني الى صالات منتصف المدينة (داونتاون) بينما كانت والدتي وجدّتي تأخذاني الى صالة واحدة في محيط الحي الذي نعيش فيه هو سينما عايدة. هناك أذكر أن بعض رجال الحي كانوا يحملون النرجيلة معهم الى السينما. قليلون كانوا يلفّون أجسادهم بروب دو شامبر او عباءة وتحتهما البيجاما٠ كنا نجلس في البلكون وكان لابد لنا أن نصل باكرين لكي نلحق العرض الأول من ثلاثة: الفيلم المسلسل الذي يتغيّر كل أسبوع والمؤلف من نحو عشر دقائق تنتهي بحادثة  يتم قطع الفيلم عليها قبل معرفة ما حدث بعد ذلك لاحقاً. ثم كان هناك الفيلم الأجنبي وبعد ذلك الفيلم الممل، في مفهومي آنذاك وهو الفيلم العربي (وربما في مفهومي الباطني الى اليوم)٠
تحت سينما "عايدة" هذه، كانت هناك سينما بلازا (لنفس مالكيها آل عيتاني) وهناك خاطرت بدخول السينما إما مع إبن خالتي عبد الرحمن الذي يكبرني بأربعين يوم او لوحدي. ما بين العودة من المدرسة وقبل دخول البيت كان لابد أن أدلف الى السينما مرتين الى ثلاثة في الأسبوع. وكنت أجلس أراقب الشاشة وسقفها مسحوراً بذلك الشعاع الذي يشبه الغبار المنطلق من غرفة العرض الى الشاشة٠
ماذا حدث لذلك الرجل المفتول العضلات (باونسر) الذي كان يقطع التذاكر؟ وماذا حدث لتلك المرأة الشاّبة التي كانت في حجرة البوكس أوفيس؟
حين أخذت أنزل البلد بمفردي في سن الرابعة عشر او نحوها كنت أعرف كل صالة وأين تقع: ثمانية عشر صالة هذه هي أسماء ثلاثة عشر صالة لازالت ماثلة في الذاكرة: الكابيتول (أقيم أوّل مهرجان للسينما في العالم العربي فيها- استمر سنتين) ، المتروبول، راديو سيتي، روكسي، دنيا، بيغال، هوليوود، بيبلوس،  تياترو الكبير (لم أدخلها يوماً)، ريفولي، ستراند، سيتي بالاس، أمبير. الأربعة الباقية واحدة تحت صالة متروبول، واحدة في سوق الخضار، وهي أول الصالات التي توقّفت عن العمل،  وواحدة على الطريق الرئيسي وتحوّلت الى مسرح٠
كنت أترك سيارة السرفيس تاكسي عند الكابيتول وأمشي ماراً بالجامع العمري الكبير  واضعاً تياترو الكبير، التي شهدت عزّها كمسرح وليس كصالة سينما بعروض قديمة جدّاً) في ظهري. أصل الى ساحة الشهداء. أجتاز الطريق  الى سينما روكسي التي لها مدخلان كانا يعجبانني لأن كل مدخل يؤدي الى شارع يختلف تماماً في محلاته وعرضه. الشارع الأصغر كان أكثر تسلية فعلى جانبه مباشرة قبل السينما مكتبة لبيع المجلات وبعض هذه المجلات كانت سينمائية وموسيقية وكنت أشتريها ثم أتّجه الى مكتبة على نفس الصف، أسمها مكتبة المر واشتري ما لم أجده في الأولى. عند زاوية الشارع، قبل المكتبة الأولى مطعم فلافل  على كيفك. أطيَب فلافل ذقتها في حياتي الى اليوم٠
بين سينما روكسي وسينما دنيا مكتبة المر ومحل لا أذكر الآن. روكسي كانت تُسمّى جوهرة الشرق وكانت مستديرة ما منح الصوت فيها معياراً خاصّاً٠  دنيا كانت تعرض أفلاماً فرنسية بعض الأحيان . فيي مواجهتهما صالة راديو سيتي. أيضا بمدخلين. الناحية الأخرى تقود الى شارع ثالث عند زاويته صالة أمبير وفي مواجهتها صالة المتروبول وصالة صغيرة تحتها وفي قفا الراديو سيتي صالة هوليوود (واحد من أسماء عدّة توالت عليها) وكانت تعرض أفلاماً مختلفة بينها أفلاماً عربية٠
هذه المنطقة كانت مثل الشوبينغ سنتر قبل ولادة الشوبينغ سنترز.  وحين تتركها ستمضي صوب البحر حيث الريفولي والبيبلوس ثم الستراند على بعد، او بعيداً عنه حيث تتعاقب البيغال والسيتي بالاس٠
في كل صالة من هذه الصالات (باستثناء تياترو الكبير وتلك التي في سوق الخضار التي أخذني إليها والدي صغيراً بحكم الصورة الفوتوغرافية) شاهدت أفلامي الأولى٠
بيروت كانت السينماتِك الأولى. وحين انتعشت صالات الحمرا، المنطقة البديلة والأكثر أناقة من وسط البلد، كنت هناك، لكني كنت بدأت الكتابة في الوقت نفسه٠
كنت في سن السادسة عشر حين استلمت عملي الأول في مكتبة مواجهة للجامعة الأميركية.  وبالقرب مني
The Activist  صالة أورلي التي عرضت فيما عرضت فيلما أسمه
هذا الفيلم من إخراج  واحد أسمه آرت نابليون وأنجزه سنة 1969 وكانت هذه هي محاولته الوحيدة في مجال الإخراج (قبل ذلك كتب أربعة أفلام). هذا الفيلم يبقى في البال لأني لا أعتقد أنني شاهدت أسوأ منه في حياتي٠
على ذات الصف هناك الأديسون. أما في شارع الحمرا ذاتها فكانت أولى الصالات: الحمرا، ثم نبتت الصالات الأخرى: إتوال، سارولا، كوليزيه، إلدورادو، بافيون، كومودور وستراند وغير بعيد كونكورد. كلها قبل الحرب. بعد الحرب التي قضت على صالات وسط البلد الى اليوم، ثم مع استمرارها قضت على صالات شارع الحمرا الى اليوم. معظمها أغلق ومع أنه خلال الحرب تم إنشاء بضع صالات أخرى، الا أنها لم تعش٠
محظوظ كل من عاش تلك الفترة٠

الحلقة الثانية: لندن٠



تقرير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | صفاء الليثي  (القاهرة)٠
دقّت ساعة التحرير .. برا يا استعمار: شهادة نادرة٠

 فى زيارة قصيرة للقاهرة التقت المخرجة اللبنانية هينى سرور مع النقاد المصريين، وعرض فى اللقاء فيلمها "ساعة التحرير دقت" الذى يكاد يكون الوثيقة الوحيدة عن ثوار ظفار فى الخليج. اسم الفيلم مستمد من نشيد نسمعه بدون موسيقى مصاحبا لصور المنطقة المحررة من الاستعمار الانجليزى فى عمان. أعترف بجهلى عن سبق معرفة أى شيء حول ثورة تمت فى دولة خليجية، خلافا لأثرياء النفط وسياح الملاهى الليلية فى مصر ولبنان والعالم. هينى سرور كانت فى باريس تحضر رسالة فى علم الاجتماع، يشغلها دائما قضية تحرر المرأة العربية، بالكاد صدقت أحد رجال الجبهة الشعبية لتحرير الخليج، الذى قال لها " مقياس الثورة هو تحرر المرأة " قررت هينى الذهاب بنفسها لتوثق الحدث، ساعدها الفرنسى الشهير بتوثيقه لثورة فيتنام ودلها على مصور فرنسى يقوم بالتصوير فى المناطق الجبلية حيث تنعدم خطوط الكهرباء باستخدام بطاريات تعمل بالطاقة الشمسية، قامت هينى بمغامرتها ولم ترجع خالية الوفاض، بل صورت رجال ونساء وفتيات وفتيان الكفاح المسلح الذين نجحوا فى تحرير جزء من سلطنة عمان، ما جعل الإنجليز يقيلون سعيد تيمور ويضعون السلطان قابوس عميلا جديدا أعلن عن تنمية البلاد وبدأ التنمية ببناء قصر كبير له كما يخبرنا التعليق الساخر لفيلم المناضلة بالكاميرا هينى سرور. تظهر فى الفيلم صبية حليقة الرأس على طريقة الصبيان"آلاجرسون" تتحدث عن دورها فى النضال والتدرب على استخدام السلاح وبالطبع تعلم القراءة والكتابة. تتصدر صورة الصبية المناضة ملصقا داعما لثوار ظفار فى لندن عاصمة المستعمر الإنجليزي٠
تتحرر مناطق الخليج منه لتقع تحت طائلة الاستعمار الأمريكى الناعم والأخبث، ولا يخبرنا الفيلم عن مصير الثوار والثورة التى لم تتكرر فى الخليج العربي، والتى كانت من الخطورة لدرجة أن تكالب القضاء عليها، النظام السعودى والأردنى متعاونان مع شاه إيران، فى اتفاق مصالح يصعب تكراره "حلف غير مقدس كما يخبرنا التعليق" وتم القضاء على الثورة فى ظفار بعد حصار الثائرين والتضييق عليهم فى المأكل والمشرب٠
بدأت هينى فيلمها بمناظر عامة للمنطقة شارحة كل شيء عن طريق التعليق الذى يتقاطع مع الزجل الشعرى " ساعة التحرير دقت.. سوف يتحدى وجودك شعبنا الجبار" ومزجت ما صورته بوثائق نادرة، للقواعد البريطانية وآلاتهم العسكرية المتطورة وقتها. ولم تبدأ اللقاءات إلا بعد مرور ربع الفيلم٠
حيث التقت أحد قواد الثورة من الشباب، وشيخ قبلى يعمل مع الثورة والفتاة سافرة الوجه الذى يصعب تصور وجودها فى دولة خليجية. وعلى طريقة صائد الدبابات تصور المخرجة ثوارها فى لقاء حى وهم يعملون على التدريب على سلاحهم، ويعقدون جلسة ينهيها الرفيق الشاب "باسم الثورة ترفع الجلسة" ويعقبها مباراة كروية كترفيه ضرورى للرفاق، مصطلحات الشيوعية تطلق بسمات المشاهدين وهم يسمعون " العنف الثورى المنظم بدلا من العنف العفوي" وينتهى الفيلم بمشاهد احتفالية بذكرى الثورة ودعم من اليمن الديمقراطي، نلمح بالكاد صور على عبد الله صالح/ رئيس اليمن الديمقراطى وقتها قامع الحيثيين حاليا، ووثائق أخرى من لندن ومؤتمر المناصرة ، وبعد غناء أنا صامد صامد 1972الذى عقد فى عدن عاصمة اليمن الجنوبى عام بالموسيقى الحماسية، يعود الزجل " ساعة التحرير دقت... بره يا استعمار ". رغم النسخة المستهلكة استمتع النقاد بفيلم مهم عن حدث منسى من تاريخ نضال الشعوب التى يجهضها دائما عملاء من أهل البلاد لولا خستهم لما عدنا للمطالبة بتحرير المرأة ولما تمكن منا الاستعمار٠
تحتاج هينى سرور بضعة آلاف من العملة الصعبة لترمم نسخة جيدة من الفيلم، ولن تجد دعما بالطبع من أى جهة إنتاج عربية لدعم فيلم يكشف حقيقة غائبة عن شعب آخر بالخليج العربي، شعب يمكن أن تناضل فيه المرأة حتى تحسبها من بوليفيا أو من أمريكا اللاتينية كما تظهر مناضلتنا الظفارية فى الصورة.
لدى المخرجة مشروع فيلم عن الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، وثيقة مهمة لاتقل عن سابقتها، ومن الواضح أن صنع الأفلام بالنسبة لها طريق للنضال اختارته اللبنانية لتتبع أى نشاط ثورى أيا كان وطنه. ذكرتنا هينى سرور بنماذج قاومت وسجنت، انهزمت ولكنها لم تنكسر، جددت أملنا فى ظهور نماذج معاصرة تجدد الحلم بثورة عربية كبري، وقودها الغناء وهدفها القضاء على المستغل المحلى والأجنبي٠

فيلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | زياد عبدالله  (دبي)٠
نسخة مصدّقة: جديد عبّاس كياروستامي في مهرجان "كان"٠


جديد المخرج الإيراني عباس كياروستامي الذي مررنا عليه سريعاً في مقال سابق تناول شراكته مع الممثلة الفرنسية جوليت بينوش، شارف على النهاية تصويرا ومونتاجاً، كون كياروستامي يصور ويقوم بعمليات المونتاج في موقع التصوير نفسه، وليبقى السؤال ما الجديد في جديد كياروستامي؟
قبل المضي في مقاربة الفيلم، لنا أن نستعيد هنا حيثيات العلاقة المتنامية بين كياروستامي وبينوش، وزياراتها المتكررة لإيران للتحاور والتشارك مع مخرج "عشرة"، وعلى شيء من كسر الحصار الذي أربك القيادات الإيرانية المحافظة، كونها كانت مصدر ترحيب كبير من وسائل الإعلام المحلية، وحضورها في الشارع الإيراني كان طاغيا ودائما برفقة كياروستامي الشغوفة بأفلامه وتجربته٠
زيارات بينوش لإيران بدأت منذ سنتين، وأمر تعاونها مع كياروستامي طبيعي جدا، طالما أن مسيرتها السينمائية حافلة بأفلام جمعتها مع كبار المخرجين العالميين مثل الفرنسي جاك لوك غودار و البلغاري كريزتوف كسلوفسكي والألماني مايكل هنكي وغيرهم، كما أن طموحها حاضر بقوة وبما يكفي لأن تقول "لا أملك أشجاري، لكنني أحب حديقتي"٠
الزيارات سابقة الذكر أدت إلى  ظهور بينوش في "شيرين" فيلم كياروستامي الأخير، بوصفها واحدة من عشرات النساء اللواتي قدمهن الفيلم ورصد مشاعرهن وتعابير وجوههن وهن يسمعن قصة عشق الأمير الفارسي خسرو للأميرة الأرمنية شيرين
الآن جاء دور تعاون حقيقي بينهما، بحيث يأتي فيلم كياروستامي مفصلاً خصيصاً وفق مقاسات بينوش الجمالية، والذي جاءت فكرته أساساً من خلال قصة رواها المخرج لبينوش بينما كانا في طريقهما من طهران إلى اصفهان، أعجبت بينوش بالقصة، قالت "لنصنع منها فيلماً" وهذا ما حصل٠
 كما صار معروف فإن الفيلم الذي يحمل عنوان Certified Copy (نسخة طبق الأصل) هو الفيلم الأوروبي الأول الذي يقوم كياروستامي بتصويره، والأول أيضاً الذي تجري أحداثه كاملة خارج إيران ولا وجود فيه لأية شخصية إيرانية، إنه وبعبارة مختزلة يحكي عن قصة حب بين كاتب انكليزي في منتصف العمر وبائعة تحف فرنسية٠
مقاربتنا للفيلم الذي لم يتم عرضه في أي مكان في العالم، مبنية على تحقيق ميداني أجراه جوناثان رومناي ونشر في مجلة Sight& Sound البريطانية عاين من خلالها موقع التصوير وما يقوم به كياروستامي مع جوليت بينوش ووليم شايمل، ولنمضي مرة أخرى وراء أسلوب صاحب "طعم الكرز" وهو يترك للفيلم أن يكتب نهايته، وبناء كل شيء بدءاً من اللقطات مروراً بالحوار والسيناريو وصولاً إلى النهاية في موقع التصوير وفي استجابة حرة لإملاءاته، وفي وفاء كامل لتقاليد الواقعية الإيطالية، لكن مهلاً في هذا الفيلم ستكون الواقعية مركبة، لن يستعين كياروستامي بأناس يصادفهم في موقع التصوير فيجعل منهم ممثلين من حيث لا يدري ولا يدرون، رغم أنه في (نسخة طبق الأصل) سيقدم وليم شايمل الذي يقف أمام الكاميرا لأول مرة في حياتها، أو كما يرد على لسانه "لم تكن تتجاوز علاقاتي بالسينما أكثر من فيلم "أيس أيج" الذي شاهدته مع ابني"، فشايمل مغني أوبرا شاهده كياروستامي فسأله في الحال "هل ترغب بأن تقف أمام الكاميرا؟"٠
في التحقيق سابق الذكر، رصد لآلية العمل، لتركيز كياروستامي على الخلفية التي تجري فيها الأحداث، استعانته بقطة لتحريك لقطة بدت جامدة وطويلة، وتفاصيل متعلقة بالمكان لها أن تقدمه بغير ما يعرفه سكانه٠
عنوان الفيلم يأتي من شخصية الكاتب الذي يكون في صدد تأليف كتاب يحمل فكرة مفادها أن الأصالة شيء مزيف تماماً، ولا وجود لها، وأن النسخة المقلدة قد تكون أكثر أهمية من تلك الأصيلة، ولعل ذلك يمتد ليشمل الفيلم نفسه، قصة الحب التي يقدمها التي لها أن تكون القصة نفسها التي تحدث وتتكرر بين الرجل والمرأة حول العالم "إنها قصة كونية" يقول كياروستامي، و"لعل هذا العلاقة التي بدأت بين آدم وحواء هي نفسها على مر العصور، ولها أن تكون بين كاتب انكليزي وامرأة فرنسية"٠




في السينما الإسرائيلية اليوم  1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | نديم جرجورة  (بيروت)٠
زيارة القاتل الإسرائيلي

المخرج آڤي مغربي

مرّة أخرى، أطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى يُمكن الاستفادة من تجربة فردية ما، في تحقيق عمل إبداعي؟ إن مشاهدة الفيلم الوثائقي «زد 32» لآفي مغربي (يُعرض اليوم وغداً، الثانية عشرة ظهراً والسابعة مساء، في «مركز بيروت للفن»، ضمن تظاهرة «أشغال داخلية 5» لـ«الجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية، أشكال ألوان») أعادني إلى السؤال هذا. إلى أسئلة متشعّبة منه أيضاً: هل تستطيع التجربة الفردية أن تكون في خدمة الصورة العامة؟ هل التجربة الذاتية مفتاحٌ لفهم الجماعة؟ هل كل تجربة فردية/ ذاتية مؤهّلة لأن تكون عملاً فنياً أو أدبياً؟ ما هي المقوّمات المطلوبة لتحقيق معادلة إبداعية حقيقية بين التجربة المذكورة والعمل المطلوب إنجازه؟
التجربة الفردية
أميل كثيراً إلى الأعمال المستلّة من التجارب الفردية. هذه الأخيرة مطالَبة بأن توثَّق. بأن تُحفظ في نصوص، خصوصاً إذا انفتحت على قراءة ما للجماعة. الفرد أساسي. حكايته أيضاً. غالب الظنّ أن الحكايات الفردية كلّها تستحق التوثيق، الفني أو الأدبي أو التأريخي. لكن الفني والأدبي مطالبان بلغة إبداعية سليمة. التأريخي علمي. لهذا، تُطرح تساؤلات حول البراعة الفنية أو الأدبية في تدوين التجارب الفردية. المخرج الإسرائيلي آفي مغربي مهتمّ بهذا المجال الحيوي. رآه، ربما، مدخلاً إلى تفكيك البنى الاجتماعية والثقافية والعقائدية الخاصّة بإسرائيل. «زد 32»، الذي أنجزه في العام 2008، دليلٌ على «تورّطه» في هذا المنهج البصري. هناك، أولاً، العنوان: إنه رقم الملف الخاصّ بشهادة أدلى بها جندي إسرائيلي أمام أعضاء منظّمة «كسر الصمت»، التي جمعت شهادات مماثلة من جنود قدامى. هناك، ثانياً، الموضوع: اختار مغربي جندياً منتمياً إلى فرقة عسكرية طاردت رجال شرطة فلسطينيين وقتلت، بدم بارد، اثنين منهم، انتقاماً لمقتل ستة جنود إسرائيليين. القصّة عادية. بمعنى أنها باتت جزءاً من السياسة العسكرية الإسرائيلية. التجربة الفردية أيضاً. جنود إسرائيليون عديدون ينفّذون أوامر عسكرية أشبه بعمليات تصفية جسدية مباشرة. بعضهم يقع في المحظور: محاسبة الذات، وفتح ملف السؤال الأخلاقي المتعلّق بما يفعله هؤلاء (تنفيذ الأوامر. الأوامر نفسها. الخلفيات السياسية والعسكرية والإيديولوجية. مصداقية الخطاب العقائدي الرسمي). بعضهم الآخر محصَّن ضد الوقوع في المحطور نفسه: إنها حرب. وفي الحرب، هناك «أضرار جانبية». في فلسطين، الصورة واضحة: لا أضرار جانبية، لأن ما يفعله الجنود الإسرائيليون منتم بشدّة إلى جوهر الحرب. أليس الفلسطيني الجيّد أو الطيّب، هو الفلسطيني الميت؟
إدانة، أم محاكمة، أم نقد ذاتي؟ أفلام إسرائيلية جديدة طرحت سؤال العلاقة الملتبسة بين «عدالة» القضية والواجب العسكري والوطني والمسألة الأخلاقية، بالنسبة إلى ما يفعله الجنود الإسرائيليون أثناء حروبهم الوحشية ضد الفلسطينيين واللبنانيين. «بوفور» (2007) لجوزف سيدار و«فالس مع بشير» (2008) لآري فولمان و«لبنان» (2009) لصامويل ماعوز ناقشت المسألة. أعادت الذاكرة الفردية إلى الراهن الجماعي، بحثاً عن خلاص روحي أو تطهّر نفسي من إثم الجريمة. الخبث المبطّن موجودٌ، أحياناً، في ثنايا النصّ. التجربة الفردية أساس كل فيلم منها. المخرجون خاضوا حرب إسرائيل ضد لبنان في العام 1982. لكن «لبنان»، مثلاً، لم يغرق في فخّ تحليل أسباب الاجتياح الإسرائيلي للبنان في ذاك العام (شارك المخرج فيه بصفته جندياً مكلّفاً بإطلاق النار من داخل الدبابة)، لأنه اكتفى بسرد حكاية صانعه ورفاقه، الذين وجدوا أنفسهم داخل «خردة» اسمها دبابة، أو ربما اسمها إسرائيل. لا يبتعد آفي مغربي عن هؤلاء الثلاثة كثيراً، مع أن «زد 32» متوغّل في مسألة مختلفة٠
ثغرات
يصعب الفصل الواضح، بسهولة، بين النقد الذاتي وإدانة العدو ومحاكمة المؤسّسة في أفلام إسرائيلية كهذه. آفي مغربي محرّض للالتباس. اختار قصّة جندي إسرائيلي شارك في جريمة قتل. مطاردة رجال شرطة فلسطينيين وقتل اثنين منهم لا تندرج في إطار الحرب المفتوحة بين الطرفين. إنها، ببساطة، جريمة. بل فعل انتقام. هكذا صدرت الأوامر أصلاً. لكن الفيلم بدا عاجزاً عن سدّ ثغرات كثيرة فيه، على المستوى السينمائي البحت. هناك إطالة لا مبرّر لها. هناك فراغ درامي وجمالي في الترجمة البصرية للحكاية. هناك وقت مهدورٌ. هناك نقصٌ في إيفاء الجانب البصري حقّه. لقطات كثيرة لم تكن مفيدة. سرد التفاصيل نفسها مكرّر، أحياناً. المحاولة الأخلاقية والثقافية الجميلة متمثّلة في السجال (وإن كان منقوصاً بعض الشيء) بين الجندي وصديقته. الذهاب إلى مسرح الجريمة، على الرغم من الخطر المحدق بالجندي (إمكانية التعرّف إليه من قبل أفراد من عائلتي الضحيتين، وما يُمكن أن يترتب على التعرّف هذا من فعل ما)، مهمّ. لكن، ما عدا ذلك منتم إلى الثرثرة والتكرار. بدا الفيلم مشدوداً بالقوّة. إحدى وثمانون دقيقة مدّة أطول مما يحتمله سرد تجربة فردية كهذه، خصوصاً أن النقاش الأخلاقي بين الجندي وصديقته اصطدم بالعجز عن بلوغ مرتبة راقية من الوعي المعرفي والسجال المطلوب. والنقاش، هنا، اتّخذ شكلاً واضحاً: «هل تعتبر نفسك قاتلاً؟ هل هذه جريمة؟ ما هو شعورك إزاء ما ارتكبته يداك؟». هذه أسئلة وجّهتها الصديقة إلى الجندي. «وأنتِ، ماذا تقولين؟ هل أنا قاتل؟». سألها الجندي٠
القناع
لم تكن الوجوه واضحة المعالم أمام عدسة الكاميرا. هذا شرط أساسي أصرّ الجندي عليه قبل البدء بالتصوير. هناك قناعان أخفيا وجهي الجندي وصديقته. هناك تقنية ما استفاد منها المخرج لتحقيق مأربه ومطلب الجندي. لكن، ألا يُمكن القول إن القناع المستخدم انعكاسٌ لمسعى خفي إلى «إخفاء» وقائع، وإظهار أخرى قد لا تكون حقيقية؟ هل اكتفى آفي مغربي بالقناع تلبية لمطلب مشروع، أم أراده رمزاً لبقاء إسرائيل خلف أقنعتها المزيّفة؟ الأهمّ كامنٌ في أن الجندي سرد الحكاية. جادل صديقته. ذهب برفقة المخرج إلى مسرح الجريمة. المخرج في منزله. غنّى وفرقة موسيقية أنشودة ندم أو ترجمة موسيقية/ غنائية للحكاية نفسها. تبرير أخلاقي أم إدانة؟ الكلام الكثير تائهٌ وسط تراكم الهوامش غير الضرورية. اللقاء الحاصل بين آفي مغربي والجندي، المبني على استعادة جريمة والبحث فيها وحولها، يُذكّر بلقاء مشابه أجراه المخرج الفلسطيني نزار حسن مع جندي إسرائيلي، وظيفته الوحيدة متمثّلة بقيادة جرّافة عسكرية ضخمة، مهمّتها فتح الطريق أمام المشاة أثناء العمليات الحربية. فيلم حسن حمل اسم «اجتياح». إنها حرب إسرائيل على مخيم جنين في العام 2002. تمّ اللقاء في صالة عرض سينمائي. الجندي جالس على مقعده يُشاهد فيلماً عن مآثم الجيش الإسرائيلي في المخيم. نزار حسن جالسٌ خلفه. الصورة أشبه بما يفعله الطبيب/ المحلّل النفسي مع «مريضه»، أو بالأحرى مع مُصاب بارتباكات عصبية أو نفسية. المخرج الفلسطيني بارع في استدراج الجندي إلى الحيّز الذي يريده. الغنى الثقافي والمناكفة الأخلاقية واضحان في «اجتياح». نقاش المخرج والجندي الإسرائيليين في «زد 32» عادي وسطحي. السجال بين الجندي وصديقته الإسرائيليين كاد يبلغ مرتبة أعمق وأهمّ، على المستويين الأخلاقي والتربوي، لكنه اصطدم إما بعجز الطرفين عن الذهاب به إلى أقصى الحدود، وإما برفضهما القيام بهذه الرحلة، وإما بجهلهما مغزى الحكاية، وإما برغبة خفية لدى المخرج٠



في السينما الإسرائيلية اليوم  2
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا٠
الأفلام الإسرائيلية عن جيرانها٠


Lebanon

يواجه البعض من نقاد السينما والمثقفين العرب مشكلة الحديث عن السينما الإسرائيلية. فهناك فريق من هؤلاء يعتبر أن أي حديث عن السينما الإسرائيلية هو بمثابة اعتراف سياسي بها وبالتالي بالدولة العبرية ونوع من التطبيع المسبق لأوانه٠
لكن إذا ما كان هذا الفريق يُغالي في حذره معتبراً أي حديث هو بمثابة تطبيع او اعتراف، فإن هناك فريقاً مناوئاً ينطلق من موقف خاطيء آخر معتبراً  نقد الأفلام الإسرائيلية هو ضمنياً هجوم عليها نابع من المعاداة السياسية لذلك الكيان٠
هذا الفريق مستعد لاعتبار أن عدم الإشادة بفيلم من مخرج اسرائيلي يساري (لنقل أموس غيتاي)  لا يمكن الا أن يكون ناتجاً عن اعتبار كل المخرجين سواسية حسب نظرة تقليدية لا يهمّها التفريق بين منطلق هذا الفرد او ذاك٠
تبعاً لذلك، فإن قدراً من الهيمنة على استقلالية الرأي من قِبل الطرفين باتت مشهودة ومُمارسة. فريق مستعد لاعتبار أن مجرّد الحديث عن موضوع السينما الإسرائيلية كان وسيبقى قبولاً بالآخر الا إذا كان هجوماً شاملاً، وآخر يتعامل والموضوع على أساس أن الهجوم لا شك يلوّن صاحبه بمنظور رجعي بائد معاد للسلام ويكاد يكون معادياً للسامية أيضاً كما لو أن العرب ليسوا أيضاً شعباً سامياً٠

على ذلك، لابد من إعادة الإعتبار الى الطبيعة النقدية للناقد القادر على معاملة الفيلم الإسرائيلي معاملته للفيلم الأوكراني او الفرنسي او المصري او الأرجنتيني من دون فرق. ذلك الذي لا يخشى اعلان إعجابه، او عدمه، بفيلم ما. وإذ يبدو ذلك بدهياً وأمراً لا خلاف عليه، الا أنه وتبعاً لما سبق ونظراً لأننا في الدول العربية عبارة عن مجموعات من المواقف والآراء، ليس كذلك٠

الأفلام الإسرائيلية الحديثة هي مثال على أن الإعجاب او عدمه بات مرتبطاً، لا في عالمنا العربي فقط بل في المحيط الغربي عموماً، بالموضوع السياسي خصوصاً وأن الأكثر تداولاً وشهرة  مما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية في السنوات الخمس الأخيرة، تعاملت ومواضيع سياسية وسياسية- عسكرية في حين توارت عن الظهور، الا في المهرجانات المتعددة التي تُقام في القارات الخمس تحت عنوان "مهرجان الفيلم الإسرائيلي"، كل تلك الأعمال الدرامية والكوميدية المختلفة التي هي النسبة الأعلى من بين المنتوج السينمائي الإسرائيلي كل عام٠

هذا مع العلم أن أكثر الأفلام رواجاً في إسرائيل هي بدورها ليست تلك التي تحمل هموماً ومشاغل سياسية والتي يتم ترشيحها للمهرجانات العالمية او مناسبتي الأوسكار والغولدن غلوبس، بل تلك التي تتحدّث ربما عن مشاكل عاطفية بأسلوب كوميدي كما الحال  في "جزر مفقودة" لراشيف ليڤي او عن دراما ذات طابع عاطفي إنساني كما حال "قضية حجم" لشارون ميمون. كلا هذين الفيلمين تبوّأ القمة بين ايرادات الأفلام الإسرائيلية التي عُرضت في العام الماضي٠
وفي حين أن "قضيّة حجم" يتناول قصّة رجل بدين جدّاً يقرر أن الجواب على وضعه، بعدما فشل في إنزال وزنه، هو التحوّل الى لاعب رياضة  سومو اليابانية ما يكسبه الثقة بنفسه ويحوّل الأنظار الهازئة به الى معجبة، فإن "جزر مفقودة" يتحدّث عن شباب الثمانينات داخل اسرائيل من خلال قصّة عائلية من والدين وخمسة أولاد إثنان منهما توأم وكلاهما واقع في حب فتاة واحدة٠
على ذلك، وكما الحال في الكثير من الأفلام الرومانسية او الدرامية او الكوميدية الإسرائيلية، فإن التطرّق الى ما كان واقعاً  في تلك الأيام موجود كحاشية طبيعية. ففي الخلفية هناك  حديث عن ضرب المفاعل النووي العراقي، وبداية الحرب التي خاضتها إسرائيل في لبنان٠

لبنان في "لبنان" و"الرقص مع بشير"٠
حقيقة أن الأفلام ذات الطروحات السياسية المباشرة او التي تتحدّث عن الحروب التي خاضتها إسرائيل على هذه الجبهة او تلك هي التي تفوز بالقدر الأكبر من الإحتفاء ومن الإهتمام النقدي خارج إسرائيل يعود الى ذلك الإهتمام بالوضع السياسي داخل  الأراضي المحتلة وداخل إسرائيل أيضاً. في هذا الشأن فإن ما تجنيه السينما الإسرائيلية هو ذاته ما تجنيه السينما الإيرانية إذ كليهما يجد نفسه في موقع الإهتمام من زاوية الوضع السياسي القائم داخل الدولتين. بكلمات أخرى، الحفاوة التي تواجه بها السينما الإيرانية اليوم من قبل المحافل الدولية لا علاقة وطيدة لها بالنوع السينمائي وجودته أولاً،  بل بكون إيران دولة  تتناولها الطروحات السياسية وعناوين النشرات الإخبارية المختلفة كل يوم٠

 كلاهما يتحدّث عن تبعات وآثار الحرب على
الجندي الإسرائيلي المشترك، لكن في حين أن 
فيلم فولمان "الرقص مع بشير" أكثر حدّة في موقفه
تجاه التجربة وتجاه الحرب، فإن "لبنان" لماعوز
أكثر عداءاً للآخرين الذين فيها


نعم، هناك أفلاماً إيرانية واسرائيلية جيّدة، كما الحال في كل سينما منتجة حول العالم، لكن الغلبة في الإختيارات، بين مبرمجي المهرجانات، عادة ما تميل الى الموضوع على حساب العناصر الفنية طالما أن الجذب الأول ليس فنيّاً بل يتعلّق بالمضمون كما بالجهة التي انتجته. فيلم  "لبنان" الذي رفضه مهرجان برلين في مطلع العام الماضي لكنه عرض مطلع خريف العام ذاته في مهرجان فنيسيا  واستحوذ على الجائزة الأولى مثال جلي على ذلك، كذلك هو مثال على سلسلة من الأفلام الأخيرة التي تتعامل والمحيط العربي كما والموضوع العربي بشكل عام حتى في داخل اسرائيل ذاتها
كبداية، فيلم "لبنان"  لسامويل ماعوز يتعاطى ودخول الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية سنة  1982 وهو ثاني موضوع في الإطار ذاته من بعد فيلم آري فولمان "الرقص مع بشير" (2008) وثالث فيلم يتعامل والموضوع اللبناني حين نضيف الفيلم الأسبق وهو "بيوفورت"  الذي حققه جوزف سيدار سنة 2007

Watlz With Bashir

وهناك أكثر من شبه بين "لبنان" و"الرقص مع بشير". في المقدّمة طبعاً أن كليهما يتناول الحرب اللبنانية في مشاهد عسكرية وحربية وليس من خلال مضمون تقع الحرب في خلفيّته او الى جانبه. وهناك حقيقة أن كل من هذين الفيلمين يقص حكاية وقعت مع مخرجيهما، ثم حقيقة أن كل من هذين المخرجين كان عسكرياً شارك في الحرب داخل الأراضي اللبنانية في ذلك الحين٠
الأكثر من ذلك أن كليهما يتحدّث عن تبعات وآثار الحرب على الجندي الإسرائيلي المشترك، لكن في حين أن  فيلم فولمان "الرقص مع بشير" أكثر حدّة في موقفه تجاه التجربة وتجاه الحرب، فإن "لبنان" لماعوز أكثر عداءاً للآخرين الذين فيها٠
الفيلم يتناول حياة أربعة عسكريين في داخل دبّابة تم إرسالها لكي تدخل بلدة قام الطيران الإسرائيلي (الذي نسمعه ولا نراه) قد دمّرها، وكيف أن طاقمها عايش مواقف مختلفة نتج عن أحدها مقتل "إرهابيين" وعن آخر مقتل "أبرياء"،  وعن موقف لاحق إلقاء القبض على جندي سوري، ثم عن قيام كتائبي بتهديد السوري بالتعذيب عبر ربطه بين سيّارتين كل منهما تنطلق في إتجاه معاكس. في النهاية تضيع الدبّابة اتجاهها وتجد نفسها في حقل دوار الشمس٠
ما يرمي اليه الفيلم ومخرجه سامويل ماعوز  هو تقديم نظرة شخصية لما خبره المخرج حين كان مجنّداً كواحد من طاقم الدبّابة مستعيداً ذكرياته والأحداث التي شهدها مثيراً تساؤلات محقّة  حول الحرب لكن أحقيّتها لا علاقة لها بوجهة النظر التي تخرج من قشرة النقد الذاتي المأمول الى نقد كل شيء آخر باستثناء تلك الذات. طاقم الدبّابة يواجه في البداية اختباراً حاسماً حين يتقدّم مسلّحون عرباً صوبها وصوب المشاة خارجها (نراهم من نافذة الدبّابة طوال الوقت). هؤلاء العرب قد يكونوا لبنانيين او فلسطينيين. الجندي المكلّف بإطلاق النار شاب غير مجهّز نفسياً للقتل ويتردد ما يسمح للعدو بإطلاق النار على أحد المشاة وقتله. هذا الوضع في بال ذلك المجنّد (وأسمه شموليك) حين ينبري، بعد دقائق يسيرة، مزارع لبناني بشاحنته الصغيرة  متقدّماً. هذه المرّة شموليك سيطلق النار أوّلاً، ليكتشف أن المزارع الذي سقط قتيلاً ليس مسلّحاً وأن حمولته هي صناديق من الدجاج الحي ... لكن من يستطيع أن يلوم شموليك؟
مع دخول البلدة هناك وضع آخر: فلسطينيان يحتجزان عائلة لبنانية. الوضع حرج لأن شموليك والضابط الذي في داخل الدبابة، ييغال، لا يريدان أذية العائلة. التدبيرة للخروج من هذه الأزمة هو أن يقوم الفلسطيني بقتل العائلة اللبنانية (لم يفعل ذلك إذا ما كانت هي سبيله للهرب او التفاوض مثلاً؟) ما يتيح للجنود الإسرائيليين فتح النار وقتل المسلّحين. إذ يفعلان ذلك تشب النار في ثياب الأم- الناجية الوحيدة من المذبحة. يقوم أحد الجنود المشاة برمي ما يستر عريها. مفهوم٠
الأمور تتأزم مع إلقاء القبض على جندي سوري شاب يرتعد خوفاً. يتم حجزه في الدبّابة مع جنودها وفجأة ما نجد كتائبياً شرساً، حسب وصف الفيلم، يدخل الدبّابة، بما يوازي الإقتحام، ويثير بين الجنود هيمنة غير مفهومة يعبّر عنها الفيلم بتبادل نظرات بين المجنّدين الأربعة وتلعثمهم بالرد او ترددهم في إتخاذ موقف. في الزيارة الثانية يتوعّد الكتائبي الجندي السوري بالتعذيب حالما يخرجه من الأسر الإسرائيلي الى الأسر الكتائبي والجندي السوري يرتجف خوفاً والإسرائيليون ينظرون اليه بشفقة وسيعمدون الى تجنّب تسليمه٠

غير قابل للتصديق
هذه مجموعة من أربعة جنود غير مجهّزين بالخبرة او بالدراية. تتساءل، والحال هكذا، كيف يتم إرسالهم الى الحرب. توافق علي ذلك لو أن بعضهم طري العود، لكن أن يكون الأربعة بمثل هذه السذاجة أمر يُصيب مصداقية هذه "الذكريات" والمعايشة "الواقعية" من الأساس.  ومع توزيع الأدوار،  فإن الإسرائيليين وحدهم من يقاتل القتل. تلك الدبابة والشعور الموحش بضيق المكان والخطر المحدق الناتج عن التزام الكاميرا بالتواجد فقط داخل الدبّابة طوال الأحداث (بإستنثاء لقطتي البداية والنهاية) يساعدان على تحييد الفعل الإسرائيلي في تلك الحرب  التي يخوضها فرقاء. اللبنانيون المدنيون ضحايا بريئة (موافقون) للحرب المجنونة. هذا من دون أن يطرح الفيلم السؤال حول إذا ما كان الوضع هكذا، ما الذي يفعله الجنود الإسرائيليون في ذلك المكان؟

ليس من الضروري أن يكون الواحد منّا خبيراً
عسكرياً ليعرف أن جندي المشاة (إسرائيليا كان
او سنيرالنكياً) لا يستطيع دخول دبابة جيشه الا
بإذن مسبق، يثقب تلك المشاهد ويمضي
بـ "واقعيّتها" المنشودة

المشكلة الأخطر هي التالية: بعد "الرقص مع بشير"  هذا ثاني فيلم يكيل لحزب الكتائب ويوجّه إليه أصابع الوحشية والقتل. بصرف النظر عما فعله ذلك الحزب او ما لم يفعله طوال الحرب اللبنانية، فإن تصويره في "لبنان" كشخصية سادية تعد بتعذيب مجنّد سوري مسكين يجعله الشخصية المكروهة الوحيدة في الفيلم بذلك، لا يعد هناك حديث عن قوّات إسرائيلية تغزو لأن هؤلاء،  في المقابل متفهمون ولديهم مسالك إنسانية مع هذا الوضع ومع الجندي السوري، لا يمكن إغفالها. لا أقول هنا أن هذا ليس محتمل الحدوث، ولو كان احتماله بعيد، لكن مع ملاحظة الحرية المطلقة للكتائبي التي تتيح له دخول الدبّابة في أي وقت يشاء وتوزيع المهام والأوامر أمام أربعة جنود يخشونه فإن هذا الإحتمال يصبح أبعد من ذي قبل. في الحقيقة، ليس من الضروري أن يكون الواحد منّا خبيراً عسكرياً ليعرف أن جندي المشاة (إسرائيليا كان او سنيرالنكياً) لا يستطيع دخول دبابة جيشه الا بإذن مسبق، يثقب تلك المشاهد ويمضي بـ "واقعيّتها" المنشودة

 تلك الواقعية مُمارسة باختيار وضع الكاميرا واستخدام الأصوات المضجّة (كلّما دار مدفع الدبّابة علينا أن نسمع صوت استدارته الصام للأذن وكلما تم فتح الكورة لدخول او خروج أحد على الصوت أن يضج بافتعال ملحوظ) لكن الخلط الذي يؤدي إليه لا يُصيب فقط مصداقية الفيلم تبعاً لأحداث  فيها الكثير من التدخّل الشخصي لتمرير تلك الأخطاء المقصودة بل يدفع المشاهد الى المزج غير المقبول بين ما هو فن وبين ما هو تقنية تنفيذ. هذا المزج ساد مواقف نقاد كُثُر ما جعل الفيلم يفوز بتقدير أعلى مما يستحقّه. هذا في الوقت الذي يخفق فيه الفيلم بأن يكون ضد الحرب (كما ذكر المخرج في تصريحاته) او أن يحمل نقداً ذاتياً، ذلك لأنه لكي يكون فيلم ما ضد الحرب، عليه أن يكون ضد كل الأطراف وليس ضد كل الأطراف الأخرى٠
مرّة أخرى، يوجّه فيلم اسرائيلي ذلك الأصبع الى حزب
الكتائب لكن من دون أن يكشف جديداً غير معلوم في
هذه المنطقة. الجديد الذي يُضيفه هو الإعتراف بأن
المشاركة الإسرائيلية لا ريب كانت حاضرة

النتيجة أفضل بكثير مع "الرقص مع بشير". إبداعياً، هذا الفيلم الذي أخرجه آري فولمان سنة 2008 ربما كان أول فيلم تسجيلي- أنيماشن (والى الآن الوحيد). إنه أنيماشن طوال الوقت (بإستثناء اللقطة الأخيرة)  لكنه لا يروي قصّة خيالية بل يتّبع منوال الفيلم التسجيلي  ذا الأسلوب التحقيقاتي. هنا أيضاً يعود المخرج الى أيام اشتراكه في الحرب إياها ودخوله بيروت ثم استلامه موقعاً شهد منه مذبحتي صبرا وشاتيلا. قبل الوصول الى هذه المذبحة على الفيلم أن يسرد كوابيس فولمان التي تقض مضاجعه بعد أكثر من عشرين سنة مضت على تلك الحرب. والمخرج يعبّر عنها من البداية بكابوس ينص على كلاب وحشية تطارده في ليل مدهم. حين يستيقظ يحاول من ناحية ايجاد تفسير لهذا الكابوس ومن ناحية أخرى فتح تحقيقه الخاص حول ما حدث ما يجعله يعيش حياة مدنية قلقة هذه الأيام. وكل ذلك يقوده الى صور أخرى أكثرها تردداً خروج الجنود الإسرائيليين عراة من ماء البحر على شواطيء بيروت. وهذه المشاهد المتكررة مع اختلافات طفيفة من مرّة الى أخرى، تنتهي بمزج الرؤى بالواقع. ها هو فولمان يخرج من الماء ويتقدّم على "الكورنيش" الذي يحمل صور الرئيس بشير الجميّل ويرقص على أنغام الرصاص المتبادل بين المقاومة والجنود الإسرائيليين. طبعاً بغاية الوصول الى هذه الصورة الشعرية الداكنة، كان لابد من التضحية بالواقع (هل كانت جدران الرملة البيضاء الكامنة فيما كان يُعرف آنذاك ببيروت الغربية مغطّاة بصور الرئيس فعلاً؟). لاحقاً تجاوز آخر لكنه أكثر أهمية: المذبحة إذ تتم والجنود الإسرائيليون يحيطون بالمخيّمين المذكورين، فإن المخرج يؤول على نفسه، ومن دون دعوة من أحد، تحييد آرييل شارون، الذي كان وزير الدفاع حينها،  من مغبّة الإشتراك (او حتى الإدراك) بما يدور او بفظاعة المذبحة. في الفيلم يسرد فولمان أنه أجرى اتصالاً هاتفياً مع شارون الذي كان حينها داخل إسرائيل الذي لم يكن لديه علم بما يدور٠
بذلك،  ومرّة أخرى، يوجّه فيلم اسرائيلي ذلك الأصبع الى الكتائب لكن من دون أن يكشف جديداً غير معلوم في هذه المنطقة. الجديد الذي يُضيفه هو الإعتراف بأن المشاركة الإسرائيلية لا ريب كانت حاضرة من خلال التواجد قرب المخيّمين وعدم التدخل لحماية المدنيين العزّل. لقد تركتهم القيادة الإسرائيلية لمصيرهم مكتفية بمراقبة ما يدور. هذا، تبعاً للفيلم، مصدر الكوابيس التي تقض مضجع المخرج والتي عبّر عنها بصنع فيلم هو ورقة كشف واعتراف٠

حدث ذات قلعة: بيوفورت

Beaufort 

في "بيوفورت" عودة الى العام 1999  عندما وجد فيلق من الجيش الإسرائيلي الوضع غير قابل للتحمّل داخل قلعة "شقيف" الواقعة على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية. الإسمان، بيوفورت وشقيف متباعدان. الأول bel fort  مستوحى من الكلمتين الفرنسيّتين
اي "القلعة الجميلة" وهو الإسم الذي أطلق عليها أيام الهجمة الصليبية على المنطقة، والثاني مستوحى من  الكلمة الأرامية  ومعناها الأرض الصخرية المرتفعة. في كل الأحوال، فإنها أيضاً موضوع فيلم لجوزف شيدار الذي تقع أحداثه  في الأيام الأخيرة لاحتلال القوّات الإسرائيلية تلك القلعة وكانت استولت عليها بعد أن خضعت لقوات منظّمة التحرير الفلسطينية، وبعد معارك شديدة تم تدمير معالم تلك القلعة التاريخية (فلم تعد جميلة في نهاية الأمر ولا مرتفعة) إنه فيلم حربي كما كان حال فيلم رشيد بوشارب "البلديون"، ذلك الإنتاج الفرنسي الذي تناول إسهام الجنود العرب في تحرير فرنسا من الإحتلال النازي. كلا هذين  الفيلمين الحربيين مصنوع على ذلك النحو الذي كانت تُصنع به الأفلام الحربية الأميركية في الأربعينات والخمسينات. لكن في حين أن فيلم "بيوفورت" فيلم حربي عن موقع، فإن فيلم رشيد بوشارب فيلم حربي عن مواقع عدّة٠
الشخصيات الرئيسية في "بيوفورت" تجد نفسها في حمى بيئة معادية لها: الدوريات الإسرائيلية في محيط القلعة تجد نفسها معرّضة للهجوم، وداخل القلعة، حيث تدور معظم الأحداث، تتعرّض الوحدة  لوابل من القذائف ورصاص القنص. وحسب الفيلم، فإن قوّات حزب الله تقصف الموقع رغم علمها بأن هناك قراراً عسكرياً إسرائيلياً تم اصداره بإخلاء المكان تطوّعاً، وذلك لكي تبدو كما لو أنها أجبرت الإسرائيليين على الإنسحاب.  في رحى كل ذلك تنشأ الأزمات الفردية ضمن أفراد الجيش. أزمات لها علاقة، كما يفصح الفيلم في استفاضة، بالقائد الشاب ليراز وقناعاته التي تدحضها خبرة رئيس وحدة الألغام الذي يحذّر من أن خطّة القائد للإنسحاب ليست عملية لأنها لا تأخذ في عين الإعتبار سلامة أفراد القوّة خلال ذلك. يتعامل الفيلم أيضا مع موضوع التباين في وجهات النظر بين القيادة العامّة التي تصر على سحب القوّة وبين القائد الذي يدافع عن وجوده ويتمنّى لو تعطه الحرية لمهاجمة قوّات حزب الله. وتشتد أزمة القائد مع نفسه حين يسقط جرحى من جراء القنص فيعجز عن تأمين الحماية اللازمة والتدخل لنقل الجريح من موقع الخطر الى السلامة٠
 مثل "لبنان" يتقوقع الفيلم في مكان واحد (معظم الوقت) كذلك في موقفه ورسالته. إنه يتحدّث عن بطولة اسرائيلية وقت الشدّة رغم إنهيار البعض. جنود أشاوس على خط التماس مع عدو لو منحته القيادة الإذن لفتكوا به. لكن شغل شيدار، السينمائي، أفضل بكثير من إخراج سامويل ماعوز. بناء الفيلم جيّد والمرء يعايش الوضع طبيعياً وليس بإقحام مزعج كما أن المآزق الفردية مقبولة. ورغم أن القيادة في الفيلمين تبدو غير واثقة، الا أنها وباقي طاقم الجنود في "بيوفورت" أكثر صدقية كما أن العمل بأسره أكثر واقعية من الفيلم اللاحق٠

العروس السورية: منطقة رمادية
ليس أن تعاطي السينما الإسرائيلية في السنوات الأخيرة كان وقفاً على الأفلام الحربية وحدها، لكن كل الأفلام الحربية التي تم إنتاجها كانت من نصيب التجربة اللبنانية ولا عجب في ذلك، فالجبهة المحاربة الوحيدة في هذا الوضع القائم بين اسرائيل وجيرانها هي الجبهة اللبنانية. ونحن نرى أن تعامل السينما الإسرائيلية  مع باقي المحيط،  الجبهة الغربية مع مصر والشمالية الأخرى مع سوريا تستمد مواضيعها، بطبيعة الحال، من الوضعين القائمين: بارد ومسالم على الجبهة الغربية، ورمادي وبلا قرار على الجبهة السورية٠

كون  "العروس السورية" مُعالج كوميدياً لا يُملي
سوء تنفيذ بشكل آلي، لكن الفيلم بحد ذاته ليس
أكثر من اسكتشات ذات طبيعة تلفزيونية مبرمجة
للفوز بإعجاب ليبرالي علي جانبي الحدود٠


في فيلم إيران ريكليس "العروس السورية" (2004)  وضع متشابك يعالجه المخرج كوميدياً: لكي تتزوّج الدرزية منى، وقامت بها الممثلة كلارا خوري، ممن تحب عليها أن تعترف بالحواجز وأن تلغيها في الوقت ذاته. هي في القسم الإسرائيلي من مرتفعات الجولان وهو في القسم السوري وهناك إجراءات معقّدة عند الجهات الرسمية تجعل من هذا المشروع الإعتيادي والطبيعي أمراً صعباً. الإسرائيليون يرفضون منحها تأشيرة خروج، والسوريون لا يمكن لهم الموافقة على اعتبارها غير سورية لأن الجولان بأسره سوري٠ الفيلم معالجة كوميدية لفيلمين جادّين، وأكثر جودة، خرجا سابقاً: "عرس رنا" لهاني أبو أسعد الذي قامت كلارا ببطولته أيضاً وفيه تحاول الفتاة رنا التي تعيش في القدس،  الفوز بمن تحب الذي يعيش في رام الله ، و"طيّارة من ورق" للبنانية الراحلة رندة الشهال حول الفتاة الدرزية الكامنة على الجانب السوري من هضبة الجولان التي تزمع أسرتها الزواج ممن لا تحب الذي يعيش في القسم المستولى عليه من الهضبة، لكنها ترمي النظر الى المجنّد الدرزي في الجيش الإسرائيلي الذي يبادلها الإعجاب. كلا الفيلمين أكثر سعياً لإحداث نقاش حول الوضع من فيلم ريكليس الذي يريد فتح الموضوع فقط٠

The Syrian Bride 

كون  "العروس السورية" مُعالج كوميدياً لا يُملي سوء تنفيذ بشكل آلي، لكن الفيلم بحد ذاته ليس أكثر من اسكتشات ذات طبيعة تلفزيونية مبرمجة للفوز بإعجاب ليبرالي علي جانبي الحدود. وهو أنجز هذا الإعجاب تماماً كما يُنجز أي "سوب أوبرا" تلفزيوني الرغبة في التعليق عليه٠
هذه المعالجة تبقى عملياً واحدة حين ينتقل المخرج في فيلمه التالي "شجرة الليمون" ليقدّم الممثلة الفلسطينية هيام عبّاس في دور أرملة لديها حقل ليمون تعتاش منه بعد نحو عشر سنوات من وفاة زوجها. الحقل على الحدود الفاصلة بين الأراضي الفلسطينية وتلك التي في إسرائيل ومواجه للمنزل الذي انتقل إليه وزير الدفاع  الإسرائيلي الذي يخشى أن يُستخدم حقلها كمنصّة إطلاق صواريخ عليه ما يؤدي الى محاولة قلعها وأشجارها من المكان. هذه المرّة  هناك جدّية أكثر في الطرح لكنها تبقى، كما في الفيلم السابق، بلا مؤشر يخدم الطرف المعتدى، إنسانياً وقانونياً، على حقوقه. الفيلم يُبارك وقفة المرأة الفلسطينية وينعت الموقف الرسمي بالجمود لكنه يوفّر نهاية راضية لا تؤذي أي من الطرفين٠

زيارة الفرقة
على الحدود المصرية فإن الأمور لا تستدعي سوى المزيد من التفاهم بالنسبة لفيلم إيران كوليرين "زيارة الفرقة" : دراما حول فرقة موسيقى نُحاسية من الإسكندرية تصل الى إسرائيل بدعوة من الملحق الثقافي في السفارة المصرية لكنها تنطق إسم المكان خطأ لتجد نفسها في بلدة صغيرة لم تلتق بمصري من قبل. أحد شخصيات هذا الفيلم هو سيمون (خليفة ناطور) الذي نراه في أحد المشاهد ينحني فوق  الطفل اليهودي الرضيع النائم في سريره. ينظر اليه بحنان بالغ. الكاميرا مثبتة على وجهه. جمال الطفل النائم ووداعته  لحظة من لحظات الفيلم المثبّتة في الزمن. لكنها ليست لحظة مجرّدة او خالية من التعليق او التساؤل: من يمكن له أن يتعرّض لما ترمز إليه الطفولة؟ الوداعة، البراءة والمستقبل؟ هل تريد فعلاً أن تقضي عليه؟ أن تحاربه؟ أن تعتدي عليه؟ أن تجرّده من حقّه في الأمان وفي الطمأنينة؟
في المشهد الأخير حيث يرفرف العلم الإسرائيلي مظللاً الفرقة المصرية وهي تعزف نشيداً ثم تنتقل منه الى أغنية، هناك رسالة أمل كبيرة متوّجة. الرسالة في الواقع بدأت مع بداية الفيلم، لكن المشهد الأخير يعزّزها في فيلم كوليرِن الأول له. وهي بداية لا بأس بها. لقد ربح جوائز مهمّة في »كان« وفي أكاديمية الفيلم الأوروبي وفي بعض المهرجانات عدا عن جوائز كثيرة في إحتفال جوائز أكاديمية الفيلم الإسرائيلي. ولولا أن الحوار، في معظمه بالإنكليزية، لكان دخل مسابقة أفضل فيلم أجنبي مسلّحاً برسالته، كما بتنفيذ جيّد لمشاهد تعتمد على حسن تأليف وتنفيذ وعلى أن تكون موحية وإقتصادية في ذات الوقت٠

الى ذلك، تنادى له بعض المثقّفين والنقّاد العرب كمثال على فيلم ينشد الدعوة الى الصلح والتحابب. والفيلم فعلاً فيه غزل عميق لمصر. الفرقة الموسيقية التابعة لأوركسترا بوليس الإسكندرية (سواء أكانت هذه الفرقة موجودة في الواقع أو لا) مؤلّفة من ثمانية شخصيات رجالية وديعة. قائدها توفيق (يقوم به  الممثل الإسرائيلي ساسون غاباي) وديع. جاد. يكتنفه حزن جميل منذ أن فقد زوجته منذ نحو ثلاث سنوات. أصغر أعضاء الفرقة هو خالد ( صالح بكري) شاب يحب النساء. لا يوفّر واحدة ترتدي بنطلوناً او تنورة من محاولته التقرّب منها. لكنه بدوره وديع. لا يؤذي. . حبّوب. وسيمون، (خليفة ناطور) مسيحي طيّب، نصوح. والأكبر سناً فيهم يغني عن الحب. لا أحد في الواقع في هذه الفرقة متمرّد او متعصّب او يبعث على الحذر او الكره٠
هذا مهم، لكن المهم أيضاً ملاحظة غزل الإسرائيلية دينا (رونيت إلكابتز) بمصر. ليس فقط أن توفيق يجذبها، وهي مستعدة لعلاقة معه منذ أن شاهدت وجهه لأول مرّة، بل تريد أن تعرف مصر أكثر. "قل لي شيئاً بالعربية" ثم قمّة التقدير والغزل: " يوم الجمعة ظهراً كانت الشوارع تخلو من الناس. الكل يشاهد فيلماً مصرياً  تعرضه المحطّة الإسرائيلية وقتها" وتعدد له أبطال الشاشة الفضيّة وتذكر له أم كلثوم وفريد الأطرش على نحو من يعلم بهما٠
  الفيلم مشغول رغم ذلك بحس من المرارة والحزن. كل الشخصيات هنا (مصرية او اسرائيلية)  حزينة لسبب او آخر. وهناك في الوقت ذاته لمسات من الكوميديا الخفيفة التي قد ترسم إبتسامة عابرة وموجزة قبل أن تتجهّم قليلاِ مع ما يمر به أبطال الفيلم. دينا التي فاتها قطار ما والتي تعيش وحيدة، وتوفيق الوحيد كشجرة في العراء والباقون على الصفّين. والوحدة في المفهوم العام أيضاً. هذا الفيلم يبدأ بالفرقة وهي تصل الى مطار في إسرائيل بدعوة من »المركز الثقافي العربي« في مدينة إسرائيلية. لكن المركز لم يرسل أحداً لاستقبال الفرقة وحين تشتري بنفسها بطاقات سفر على حافلة يلتبس على من اشترى البطاقات (خالد) الإسم فإذا بهم يصلون الى بلدة تحمل إسماً مشابهاً. يلتقطهم المخرج واقفين على الطريق الصحراوي صفّاً واحداً قبل أن يجتاز توفيق الطريق الى المقهى التي تديره دينا ويسألها عن الإتجاه. هذه بلدة وحيدة هي الأخرى. تكمن في مكان لا يبدو مقبلاً على فترة ازدهار او نشاط. يخبرها أنه مدعو الى »المركز الثقافي العربي« فتخبره بكلمات دالّة: "لا مركز ثقافي عربي ولا مركز ثقافي إسرائيلي ولا ثقافة هنا"٠

هناك اعتراف ضمني في  فيلم كوليرِن بأن
الزمان لا يمضي حسبما تشتهي إسرائيل. البلدة
بعيدة معزولة وبلا نشاط. الشخصيات تعيش على
مفترق طرق والمشهد الذي يُطلب من المصري
التعاطف مع مفهوم الطفولة والمستقبل هو في حد
ذاته استجدائي٠

الحال هذه، وبما أن الحافلة التي ستأخذهم الى الإتجاه الصحيح لن تمر بالمكان الا صباح الغد ما على الفريق الا أن يجد مكاناً ينام  فيه. ينقسم الى قسمين أحدهما يحل عند بيت دينا والآخر عند بيت نصف زبون- نصف عامل لديها. معظم الأحداث -إذا صح تسميتها ذلك- تقع في تلك الليلة حيث يرفع خالد من معنويات شاب إسرائيلي لا خبرة له مع النساء ويوفّر له قدراً من خبرته، وحيث يتبادل توفيق ودينا كلاماً محاصراً بتوجّسه من الناس وبإقبالها الإنثوي للتعرّف أكثر عليه. وحيث ينحني سيمون ليمنح المشهد الذي يجمعه وذلك الطفل الرد على من ينوي التعرّض لهؤلاء الناس الأبرياء بالأذى٠
هناك اعتراف ضمني في  فيلم كوليرِن بأن الزمان لا يمضي حسبما تشتهي إسرائيل. البلدة بعيدة معزولة وبلا نشاط.   الشخصيات تعيش على مفترق طرق والمشهد الذي يُطلب من المصري التعاطف مع مفهوم الطفولة والمستقبل هو في حد ذاته استجدائي. وحين يدخل خالد والإسرائيلي الى الديسكوتيك فإن الرقص بالزلاجات  وعدد الراقصين أقل من عشرة في البداية ثم أقل من نصف ذلك فيما بعد. الموسيقى لا تدعو فعلاً للفرح. قديمة وغير شابّة وهناك فتاة إسرائيلية بشعة لا تجد من يواسيها او يمنحها الحب الذي لم تجيء الى هنا الا بحثاً عنه٠

  حيفا
آخر الأفلام الإسرائيلية المُصاغة لطرح هذه الأوضاع الخاصّة والصعبة في العلاقة بين الإسرائيلي والعربي، ينحسر عن مشاكل الحدود الى مشاكل البيئة الإجتماعية داخل اسرائيل نفسها وذلك في فيلم تدور أحداثه في يافا عنوانه "عجمي" وهو الفيلم الذي، كبعض الأفلام المذكورة أعلاه، وصل الى الترشيحات الرسمية للأوسكار لكنه لم يحقق الفوز٠

Ajami 

فيلم «عجمي‮« لاسكندر قبطي ويارون شاني،  ‬نوع منتشر هذه الأيام من الأفلام التي‮ ‬يمكن إرجاعها الى الشكل العريض للسينما الواقعية ناقص السحر والجماليات الواقعية ذاتها‮. ‬إنه في‮ ‬هذا النطاق‮ ‬يجمع بين‮ »‬مدينة الله‮« [‬فرناندور مايريليس‮ | ‬برازيل‮- ‬2002‮] ‬و»صدام‮« ‬الأميركي‮ [‬بول هاجيز‮| ‬الولايات المتحدة‮- ‬2004‮] ‬مع قدر من فيلم‮ »‬الكره‮« [‬ماتيو كازوڤيتز‮| ‬فرنسا‮-‬1995‮]. ‬وبما أنه عن عصابات تنفّذ عمليات قتل لها علاقة بوضعية مجتمع محدود الدخل وبتجارة المخدّرات،  فإن الفيلم الإيطالي‮ »‬غومورا‮« [‬ماتيو‮ ‬غاروني‮ | ‬إيطاليا‮- ‬2008‮]  ‬ليس أيضاً‮ ‬بعيداً‮ ‬عن الصورة‮٠  ‬المشكلة في‮ ‬بعض هذه الأفلام،‮ ‬و»عجمي‮« ‬بالتحديد،‮  ‬هو خلوّها من السبب الجوهري‮ ‬لقيامها بسرد الحكاية على نحو‮ ‬يتم فيه تسبيق الحدث اللاحق على الحدث الآني‮ ‬وتأخير الآني‮ ‬الى ما بعد‮. ‬الفيلم مؤلّف من خمسة فصول لكن ليس بالضرورة كل فصل‮ ‬يقع‮ -‬حدثياً‮- ‬حسب وروده،‮ ‬بل،‮ ‬من باب التشبيك والتشابك،‮ ‬ينطلق الفيلم من الفصل الأول ويدخل الفيلم الثاني‮ ‬ثم‮ ‬يؤجل الثالث الى الخامس ويحل الرابع عوض الثالث‮. ‬أحد‮ ‬يجب أن‮ ‬يذكّر هؤلاء المخرجون أن الفن ليس سرداً‮ ‬غير مرتّب،‮ ‬وفي‮ ‬حالة‮ »‬عجمي‮« ‬فإن عدم الترتيب لا‮ ‬يخلق فوضى سردية فقط،‮ ‬بل‮ ‬يجعل الفيلم‮ ‬يبدو كما لو أن السيناريو صُوّر بصفحات ناقصة في‮ ‬حين أن السيناريو،‮ ‬عملياً‮ ‬جيّد وكل ما كان‮ ‬يحتاج إليه أن‮ ‬يبقى سلساً‮ ‬ومُصاغاً‮ ‬بعفوية تماثل عفوية إدارة الممثلين‮ ‬غير المحترفين الذين‮ ‬يظهرون هنا‮٠‬

هناك،‮ أي ‬بعدَ مطلع الفيلم، ‮ ‬يبدأ العمل بفقدان
وحدته ويمكن لي‮ ‬أن أفهم حيرة بعض النقّاد في‮
‬التفريق بين شخصية وأخرى،‮ ‬ذلك لأن كل الشخصيات
 تشترك في‮ ‬هذه الفوضى لكن ليست كلّها تتميّز
بحضور وأداء مختلفين في‮ ‬الجوهر‮.

‬جريمة ثأر بدوية تقع في‮ ‬مطلع الفيلم‮ في حي عجمي اليافاوي ‬يسقط فيها إبن الجيران سببها أن الشقيق الأكبر للعائلة المقصودة كان قتل فرداً‮ ‬من عصابة بدوية وهذه تريد الإنتقام‮. ‬عمر،‮ ‬الإبن الثاني‮ ‬لتلك العائلة (‬بعد رحيل شقيقه الأكبر‮) ‬يطلب المساعدة من المسيحي‮ ‬أبو إلياس‮ (‬يوسف صحواني‮) ‬وفي‮ ‬السر عمر وإبنة أبو الياس متحابّين‮٠ ‬أبو الياس‮ ‬يسعى لعقد جلسة اتفاق بين العشائر‮ ‬ينتج عنها اتفاق دفع فدية لا‮ ‬يملكها عمر ولديه ثلاثة أسابيع لذلك والا عاد حمّام الدم‮. ‬الطريقة التي‮ ‬تتراءى له لجلب المال هي‮ ‬التجارة بالمخدّرات،‮ ‬وبنجي‮ (‬اسكندر قبطي‮) ‬يتاجر بها‮. ‬ستؤدي‮ ‬الأحداث الى موت بنجي‮ ‬وحصول عمر على المخدّرات بمساعدة فتى‮ ‬يعمل في‮ ‬يافا من دون رخصة عمل لمساعدة والدته التي‮ ‬تحتاج الى عملية،‮ ‬لكن العملية تقحم هذه الشخصيات وسواها في‮ ‬نهاية مأساوية‮٠‬
هناك،‮ أي ‬بعدَ مطلع الفيلم، ‮ ‬يبدأ العمل بفقدان وحدته ويمكن لي‮ ‬أن أفهم حيرة بعض النقّاد في‮ ‬التفريق بين شخصية وأخرى،‮ ‬ذلك لأن كل الشخصيات تشترك في‮ ‬هذه الفوضى لكن ليست كلّها تتميّز بحضور وأداء مختلفين في‮ ‬الجوهر‮. ‬حين‮ ‬يترك الفيلم،‮ ‬بعد نحو ساعة من عروضه،‮ ‬مشاكل الحي‮ ‬الفلسطيني‮ ‬المتفاقمة،‮ ‬وينتقل الى شخصية الشرطي‮ ‬داندو‮ (‬إيران نعيم‮) ‬نجد اختلافاً‮ ‬أسلوبياً‭ ‬كبيراً‮ ‬قد طرأ‮. ‬قبل ذلك وبعده،‮ ‬المنحى التسجيلي‮ ‬كامن في‮ ‬تصوير فيلم مع ممثلين‮ ‬غير محترفين ومشاهد مبنية على النسق التسجيلي‮ ‬ولو أنها تروي‮ ‬قصّة‮. ‬مع تخصيص جزء من الفيلم للحديث عن ذلك الشرطي‮ ‬اليهودي‮ ‬ينتقل الفيلم الى المعالجة التسجيلية الكاملة‮. ‬طبعاً‮ ‬لا‮ ‬يزال الفيلم مؤلّف‮ (‬اي‮ ‬روائي‮) ‬لكن هنا الكاميرا تُعالج ما تصوّره كما لو كان الفيلم وثائقياً‮ ‬بالكامل‮. ‬من ناحية،‮ ‬المعالجة مقبولة،‮ ‬لكن من ناحية أكبر،‮ ‬هي‮ ‬تدخل في‮ ‬السياق الأشمل في‮ ‬الفيلم وتفكيك آخر لوحدته الإفتراضية‮. ‬الى ذلك،‮ ‬الإنتقال من البيئة العربية بالكامل الى بيئة‮ ‬يهودية بالكامل‮ (‬الذي‮ ‬هو ليس سوى تمهيد لخلق قصّة ذلك الشرطي‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يبحث عن أخيه المفقود‮) ‬يبدو محشوراً‮ ‬بسبب الطريقة التي‮ ‬تم فيها توليف الفيلم‮ (‬وفي‮ ‬الأساس كتابته‮).  ‬
 ‬
تشابك الفترات‮ ‬يجعل السرد كما لو كان بحاجة الى مونتاج جديد،‮ ‬او كما لو أن بعض المشاهد تداخلت على‭ ‬طاولة المونتاج بحيث أخطأ  بعضها فسبق  او تأخر  عن بعضها الآخر‮. ‬لكن كل شيء مقصود ولو أن كل شيء ليس مبرراً‮ ‬لمجرد أنه مقصود‮. ‬نأخذ مثلاً‮ ‬العملية التي‮ ‬تظهر ثلاث مرّات في‮ ‬الفيلم‮: ‬عُمر بحاجة الى المال لتجنيب عائلته التصفية البدوية‮ (‬الشخصيات البدوية لا تظهر الا قليلاً‮ ‬في‮ ‬مطلع الفيلم‮) ‬ومالك بحاجة للمال لإنقاذ حياة والدته‮. ‬بنجي‮ ‬يملك المخدّرات مخبّأة في‮ ‬داخل جهاز تسخين‮. ‬البوليس‮ (‬داندو بينهم‮) ‬يداهمه ولا‮ ‬يجد شيئاً‮. ‬يخرج من عنده بعد استلام إشارة لمشكلة أخرى واقعة‮ (‬كما لو أنه ليس هناك آخرين لمتابعة حدث آخر‮). ‬عندها‮ ‬يخرج بنجي‮ ‬ظرف الكوكايين‮. ‬يضع بعضاً‮ ‬منه على طاولته ويرمي‮ ‬معظمه في‮ ‬البالوعة‮. ‬لكن‮ -‬ولسبب‮ ‬غير معروف‮- ‬يستبدل محتويات الظرف بالسكّر ويعيد أخفاءه في‮ ‬ذات المكان قبل أن‮ ‬يستنشق كل الكوكايين الذي‮ ‬سكبه لنفسه ويموت‮٠ ‬مالك كان شاهد مخبأ الكوكايين‮. ‬يخبر عمر‮. ‬عمر ومالك سيسرقانه ويحاولان بيعه‮. ‬المشهد المكرر هو عملية البيع التي‮ ‬تنتهي‮ ‬بموت مالك وموت داندو‮: ‬في‮ ‬الفصل الثالث نرى العملية التي‮ ‬ليست سوى فخ منصوب‮. ‬يسحب داندو المسدس ويصوّبه الى رأس مالك‮. ‬نسمع طلقة‮. ‬في‮ ‬المرّة الثانية نرى المشهد ذاته مع إضافة نلحظ فيها تفاصيل صغيرة من بينها صوت طلقة نار أخرى لا نرى مصدرها وهدفها‮. ‬في‮ ‬الثالث تتضح الصورة بإضافة تفاصيل أخرى‮: ‬داندو‮ ‬يجد ساعة شقيقه الميّت في‮ ‬جيب مالك‮. ‬يسحب المسدس عليه بينما زميله‮ ‬يمسك بمالك من الخلف ويصبح بداندو‮: ‬ماذا تفعل؟‮ ‬يتسلل شقيق عُمر‮ (‬المتعارك مع الشرطي‮ ‬الثالث‮)  ‬وأسمه نصري‮ (‬فؤاد حبش‮) ‬ومعه مسدس كان عمر تركه في‮ ‬السيارة‮. ‬يصوّبه الى داندو ويطلق النار في‮ ‬اللحظة التي‮ ‬كان داندو فيها‮ ‬يصوّب مسدّسه الى رأس مالك‮. ‬يسقط داندو قتيلاً‮. ‬زميل داندو‮ ‬يصوّب مسدّسه الى نصري‮ ‬ويطلق النار عليه‮ (‬سر الطلقة الثانية)‮٠‬
خطّة المخرجين هي‮ ‬دخول وخروج متعدد لكنه مدروس،‮ ‬حسب نظرة الناقد متعدد،‮ ‬مدروس،‮ ‬لكنه ليس مهمّاً‮ ‬على النحو الذي‮ ‬ورد فيه‮  (‬ولدى البعض معقّد)‮٠‬
بمجمله،‮ ‬فيلم لا تستطيع أن تكرهه‮. ‬إذا كان اسكندر قبطي‮ ‬مسؤولاً‮ ‬عن تنفيذ المشاهد ذات البيئة العربية‮ (‬وهي‮ ‬الغالبة‮) ‬فإن ذلك طبيعي‮ ‬لأنه منها وهو‮ ‬يلتقط أنفاسها جيّداً‮ ‬وحتى ولو لم‮ ‬يكن فإن ذلك الإلتقاط لا‮ ‬يزال جوهرياً‮ ‬وجيّداً‮ ‬للفيلم كلّه‮. ‬كل المسألة هي‮ ‬أنه‮ ‬يختار لحبكته سرداً‮ ‬متوعّكاً‮ ‬يكشف عن مشاكل مثل هذا السرد أكثر مما‮ ‬يُفيده‮٠‬


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular