Apr 6, 2010

Year 3. N. 500 | الممثلون العرب ينتشرون على الشاشات العالمية | سنوات ضوئية: برامج السينما على التلفزيون | أوراق ناقد | ثلاثة أفلام عن حرب العراق: أيها أكثر عدائية؟



أوراق ناقد | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجانات |  أعلنت إدارة مهرجان "الشرق الأوسط الدولي" في أبو ظبي عن إقامتها قسماً جديداً يُضاف الى أقسام المهرجان العديدة عنوانه "آفاق جديدة" وسيخصص، حسب ما ورد في نشرة صحافية تم توزيعها، لعرض أفضل ما يمكن الوصول اليه من أفلام عربية وغير عربية تكون بمثابة الأعمال الأولى او الثانية لمخرجيها٠
سابقاً ما كان المهرجان يمنح جائزة لأفضل مخرج جديد في نطاق المسابقة العربية المقامة. هذه المرّة قرر الفصل ليستحدث هذا القسم المنتظر له جذب المخرجين الجدد ليتسابقوا في إطار خاص بهم على جائزة قيمتها 100,000 دولار٠
إنها خطوة حكيمة وصائبة جدّاً  بسبب من ضرورتها. أقول ذلك وأنا أراقب، كغيري، الوضع القائم بين مهرجاني دبي (الذي لا زلت أكن له تقديراً خاصّاً كوني عملت فيه) وأبو ظبي لأجد أن الثاني يواصل الخطوات السريعة صوب التحوّل الى القلب بين كل المهرجانات العربية  المقامة٠
والمسألة في النهاية تنافس على كل جهة أن تضع فيه كل ما تستطيعه من جهد وأن تصرف له كل العناصر البشرية الصحيحة. وقد أعود الى هذه النقطة في صورة مستفيضة. أما الآن فإن الواضح أن صواب هذه الخطوة يمتد بثلاثة إتجاهات
الأول: يتقدّم بمهرجان الشرق الأوسط خطوات الى الأمام فوق خطواته السابقة٠
الثاني: يفتح مجالا متخصصاً للسينمائيين العرب لعلهم يغرفون من هذه الفرصة على نحو صحيح٠
الثالث: يضع في حسبانه واقع التنافس القائم بينه وبين مهرجان دبي واحتمال التنافس الذي سيقوم بينهما وبين مهرجان الدوحة- الذي يبدو الحلقة الأضعف بين الثلاثة٠
وللحديث بقيّة٠


 جيرارد بتلر: يعود الى الوراء

نجوم |  هوليوود السعيدة اليوم بسينما الأبعاد الثلاثة قد تبكي غداً على النتيجة سواء استمرّ الإقبال على هذه السينما أم لا. إذا ما استمرّت وتم لها أن تسود نصف او أكثر كل ما يتم إنتاجه في هوليوود، فإن عناصر عديدة ستتهاوي من بينها أن الممثل، بصرف النظر عن حجمه، سيقع ضحية سيطرة التكنولوجيا عليه. الضرر في هذا النطاق وقع: خذ سام وورثنغتون، بطل "أڤاتار" و"صدام العمالقة" وضعه اليوم في بطولة فيلم كوميدي او عاطفي او حتى بوليسي والغالب أن الفيلم "سيفوت بالحيط". هذا ما حدث مع جيرار بتلر. أفلام قوّة واستعراض ودجيتال من هنا وفيلمه الأخير "صائد الجوائز" وقف عند ناصية الطريق يبحث عمّن يصطاده قبل أن يزول بعد أسبوعين من عروضه٠
الآن حديث حول تحويل فيلم "هالووين" المقبل الى الأبعاد الثلاثة. وكنت فرحت كثيراً بإخفاق الفيلم الأخير من السلسة لعل المنتج مالك العقّاد وشركة دايمنشن الموزّعة تقلعان عن سلسلة لا أمل في نجاحها. لكن الطرفين في مباحثات هاتفية هذه الأيام حول ما إذا كانا سينتقمان من نتيجة الفيلم السابق البائسة بإطلاق الفيلم الجديد بالأبعاد الثلاثة٠


 ناقد سياسي | عجيب أمر أحد الزملاء الذي ينتهز كل مناسبة ممكنة للنيل من كل ما هو معاد للنشاط الإسرائيلي سواء أكان عسكرياً او ثقافياً او فنيّاً. لا أذكر مثلا متى كتب آخر مرّة عن فيلم إسرائيلي لم يعجبه. ولا أذكر متى كانت المرّة الأخيرة التي لم يحبّذ بها موقفاً إسرائيلياً على مواقف أخرى بداعي الإنفتاح والسلام والتفاهم. ينأى بنفسه عن فهم ما يعرفه كل منا معرفة وثيقة: اسرائيل لا تريد السلام لا مع الفلسطينيين ولا مع سواهم، والعرب (او بعضهم على الأقل) محتار كيف يغريها لدرجة أن القدس على أبواب التحوّل الى آثار لتاريخ مضى (إذا ما بقي المسجد قائماً) وهم لا زالوا في وارد الرغبة في التواصل مع الكيان المذكور لعل الكيان المذكور يهتدي وهو لا يريد أن يهتدي ولن يهتدي.  إسرائيل هي السرطان الذي يعاني منه الجسد العربي منذ ستين سنة والتجسيد الأكبر الوحيد الباقي على سطح كرة الأرض لمعنى ومفهوم: اللا عدالة وهي من مكّن هذه المنطقة من العالم العربي العيش في دوائر مغلقة لا تتقدّم ولا تتحوّل وتستطيع الخروج من سيطرة من سادوها٠
يقول الزميل أنه ضد التطبيع، لكن كل ما يقوم به هو دعوة له بما فيه موقفه الأخير حيال انسحاب المخرج أحمد عاطف وسينمائيين مصريين آخرين من تظاهرة السينما الفرنسية بسبب اشتراك فيلم إسرائيلي فيه. هل يمكن للزميل أن يقبل مجرّد الإعتقاد بأن ربما هؤلاء هم على حق وأنه ربما، فقط ربما، يكون زادها حبّتين لقاء حبّه المفعم للدولة الفاشية؟

سنوات ضوئية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاشة الكبيرة على الشاشة الصغيرة

محطات التلفزيون العربية رائعة. بجد رائعة.  إنها لا تعرف المهادنة: للقسم الرياضي تأتي بمن يفهم بالمهنة. للقسم الإقتصادي لا تتقاعس عن جلب الخبراء. للقسم النسائي، خيرة المتخصصات وحين يأتي الأمر للسياسة، فإن معظم الذين يدلون بآرائهم من الضيوف مدركون ما يقولونه- لا فرق إذا ما وافق المشاهد على تلك الآراء او لم يوافق٠
والتخصص بالطبع في الأقسام الصغيرة: من يريد مشاهدة سائق تاكسي يعد ويقدّم برنامجاً عن الطبخ؟ وهل يصلح أن يقوم ممثل تلفزيوني سابق او جزّار الحي القريب او مدير فرع لمصرف بكتابة وإعداد وتقديم برنامج علمي او عن الطب بمختلف حقوله؟
طبعاً لا. المحطّات التلفزيونية العربية بارعة جدّاً إذ تمارس مثل هذه المعرفة وتلتزم بها. تقييم المرء لخبرة وتخصص ورأي كل واحد هو أمر آخر، لكن الموضوع الأساسي هو أن المحطّات تعطي الخبز للخبّاز وليس للنجار مع كل الإحترام لكل صاحب مهنة وردت هنا او لم ترد٠
نعم. كل  برنامج له متخصصه وباحثه ومعدّه الخبير بإستثناء .... البرنامج السينمائي٠
قولوا يا لطيف٠
حين يأتي الأمر الى السينما فإن أي ربع متعلّم فيها يمكن له أن يدخل من بابها الكبير ويكتب او يعد او يقدّم او الثلاثة معاً برنامجاً عن السينما. الإختصاص ليس، فجأة، ضرورياً. المعرفة أولوية إذا كان ولابد، الخبرة؟ أي خبرة؟  المطلوب جمال المقدّمات وها هي المعلومات متاحة على الإنترنت وهات يا نقل وترجمة تحت إسم إعداد وتقديم٠
هل تساءل المشاهد الكريم لماذا تبدو كل برامج السينما في المحطّات الكبرى في العالم العربي متشابهة؟ لأنها جميعاً تتم بالطريقة ذاتها: هذا الأسبوع  لدينا الأفلام التالية متوفّرة كمشاهد ومناظر. كلمتان على الماشي لكل فيلم و لا تنسي يا عزيزتي أن تستخدمي كلمات التفخيم مثل "فيلم رائع" و"مخرج مبدع" و"ممثل متميّز"  حتي لو عدتيها وأطلقتيها على كل فيلم تتحدّثين فيه٠
حضرت ذات مرّة تصوير حلقة تلفزيونية لمحطّة عربية وراقبت المنتج وهو يطلب من المذيعة الشابّة أن تعيد تقديم المقطع الأول للبرنامج. الفتاة لم تكن تتحدّث الفصحى لكي تخطيء، ولا هي جديدة تماماً لكي تتلعثم، او خجولة لكي تصمت فجأة غير قادرة على مواجهة الكاميرا. رغم ذلك فإن المنتج "المبدع"، بطريقة التفخيم ذاتها، كان يوقفها بعد كل نصف سطر ليطلب منها طلباً غريباً. قال لها: "جنّي" (أي تحركي بجنون). في المرّة الثانية أوقف التصوير وقال لها: "جنّي أكثر" فتحركت بجنون أكثر بقليل. رفعت يدها مثلاً وأشارت الى جهة مجهولة. لكنه أوقفها: "جني أكتر ... جنّي أكتر". حينها فهمت فتشخلعت قليلاً وغيّرت من نبرة صوتها فتحدّثت كما لو كانت تداعب طفلاً في الشهر السادس٠

البرامج السينمائية تتشابه لأن المحطّات المحترمة لا ترعيها الإهتمام الذي تستوجبه، وبالتالي لا تسعى لتمييز أحدها عن الآخر بل تجدها مثل نسخة "الكربون" متشابهات تقوم على عرض مشاهد من فيلم والحديث إيجابياً عنه بالخطوط العريضة. تقديم بضعة أخبار وفي النهاية التوب تن في أميركا، كما أن المشاهد يكترث كثيراً لأي فيلم احتل المركز الأول وماذا حدث للفيلم الذي احتل المركز الخامس في الأسبوع الماضي. هل حافظ على موقعه او رجع خطوتين الى الوراء؟
وهناك برنامج نسيت أسمه يحاول فعلاً أن يكون مختلفاً من حيث أنه لا يقوم على "الجنون" بل على الهبل ولا أدري أيهما أكثر ضرراً. فمقدّم ذلك البرنامج (هناك مقدّمة معه إذا ما سمح لها بالحديث) يجلس على مقعده وينظر الى المشاهد كما لو أنه تنازل عن موقعه كخبير من وكالة ناسا ليقدّم لهم برنامجه هذا. ويكرر كل قليل عبارة مضحكة: "إذا بدكم". ترد العبارة في السياق التالي: "فيلم جيمس كاميرون الجديد "أڤاتار" إذا بدكم فيلم خيالي-علمي"  علماً بأنه خيالي علمي ولا علاقة لما "بدنا  او ما بدنا"٠

السينما لها جوانب كثيرة وأحد هذه الجوانب ترفيهي. هي بعالمها المتنوّع، تتيح مثل هذا الجانب وهو موجود في معظم المحطّات التلفزيونية من أذربيجان الى السودان ومن الصين الى فرنسا. شيء طبيعي جدّاً أن يكون هناك جمهوراً لمثل هذه البرامج. لكن معظم الدول المتقدّمة، ونصف بلادنا العربية لم تعد دولاً نامية بل أصبحت في عداد المتقدّمين خصوصاً في مجالات الإعلام والثقافة والنشاطات الفنية، لديها أيضاً برامج سينمائية هادفة الى تلك الفئة التي تطلب عمقاً وتحليلاً وكلاماً ينم عن المعرفة والثقافة. ما عدا المحطّات العربية. لا تزال تشتغل بمنوال واحد ليس مهمّاً، بمقتضاه، أن تعطي الخبز لخبّازه بل يمكن لعارضة الأزياء أن تقوم به٠


   أي من  هذه الأفلام أكثر عداوة للحرب العراقية؟٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

Green Zone

 هناك 232 فيلماً، قصيراً وطويلاً، سينمائياً وتلفزيونياً، وثائقياً وروائياً تم تحقيقها حول حرب العراق او تضمّنت اشارات محددة حول تلك الحرب. ومن الطبيعي أن لا تكون كل هذه الأعمال متساوية وان لا تكون أيضاً متقاربة في المواقف.  ففي واقعها هي 232 موقفاً مختلفاً كل منها يعبّر عن السياق الذي اختاره كتاب ومخرجو ومنتجو هذه الأفلام. وهذه المواقف تتدرّج من محاولة عدم إتخاذ موقف ما من الحرب، الى اتخاذ موقف معها او ضدّها٠
 وكل موقف ينقسم على نفسه. فهناك أفلام تبدو كما لو أنها لم تتخذ موقفاً، وهناك أفلام تتناول الحرب تناولاً عاطفياً ما يجعلها قاصرة سياسياً سواء أكانت مع تلك الحرب او ضدّها، كما أنه من بين الأفلام المعادية للحرب تلك التي تعادي التورّط الأميركي فيها، من دون أن تعادي السياسة التي أدّت الى ذلك التورّط او من دون معاداة فكرة الحرب ذاتها٠

فيلم بول غرينغراس «منطقة خضراء» نموذج لفيلم له مخلبان. بالأول يحفر موقفاً ضد السياسيين الذين تسببوا بدخول الحرب بناءاً على معلومات مغلوطة كان البيت الأبيض، تحت إدارة جورج و. بوش، يعلم أنها مغلوطة لكنه مضى بها لأن الغاية لم تكن منع اعتداء عراقي على الولايات المتحدة، بل منع قوّة عربية في البقاء مستقلّة الشأن تشكّل خطراً على الكيان الصهيوني والوضع السياسي والإقتصادي للمنطقة. بالمخلب الثاني، عكس حبّ المخرج لسينما التشويق متيحاً لبطله المناسبة تلو الأخرى للقتال والمطاردة والإيقاع بالأعداء او وقوعه بالأسر. الفيلم، في هذه الناحية، ساعتين من معركة واحدة متواصلة تتخلّلها فترات استراحة بسيطة خالية من أي عواطف. إنه نبض الواقع بلا ريب مستخدم لرفع حرارة الأحداث بحيث تلبّي حاجة المشاهد للتشويق٠
في الوقت الذي ينال فيه هذا الجانب من نصاعة الموقف المعادي للحرب، لابد من الإعتراف بأن السقطات التجارية لمعظم الأفلام الأميركية الروائية التي تعاملت وحرب العراق، يجعل من الصعب جدّاً تقديم فيلم مواقف سياسية دون سواها. حقيقة أن هذا الفيلم لحق بركب الأفلام التي فشلت تجارياً هو شأن آخر يمكن بحثه في حينه، لكن القالب القصصي شكلاً ومعالجة، دائماً ما كان الغطاء المطلوب لجذب المشاهد الأميركي، والعالمي، الى القضايا والأبعاد التي تحتويها تلك الأفلام. فالحرب الباردة بين الروس والأميركيين تم خوضها، سينمائياً، عبر عشرات الأفلام الكوميدية وافلام الخيال العلمي، في حين أن البحث في المذابح التي ارتكبها الإنسان الأبيض ضد الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) كان لابد أن يتّخذ شكل افلام الوسترن المثيرة٠

في الحين ذاته، يمكن لبعض المخرجين طرح فكرة الحرب وموقفه منها بغض النظر عن المعالجة التشويقية التي عادة ما تترعرع طبيعياً في مشاهد المعارك. أحد المخرجين الذين كانوا قادرين على ذلك هو ستانلي كوبريك في "سترة معدنية كاملة"  سنة 1987  حين قسّم ذلك الفيلم الفذ الى نصفين: الأول يدور في قاعدة تدريب أميركية يعرض فيه لمحاولات العسكر خلع الإنسانية من الجندي تحت التدريب وإطلاقه شخصاً لا قيم لديه، والثاني في أرض المعركة الڤييتنامية حيث ليس في وسع الجنود الا تعريض حياتهم الى العنف السائد والسقوط في جحيمها. كلا النصفين يشكّلان موقف المخرج المضاد لا للحرب الفييتنامية وحدها، بل للحرب كاملة. وهو موقف كان أنجزه كوميديا حين أخرج "دكتور سترنجلوف"  في العام 1964 مديناً الشرق والغرب معاً في اللعبة التسابق النووي٠

فيلم "منطقة خضراء" قورن لدى البعض بفيلم كاثرين بيغيلو  "خزنة الألم" الذي نال أوسكار أفضل فيلم بينما نالت مخرجته أوسكار أفضل إخراج (لجانب أربع أوسكارات أخرى) من حيث أن كليهما فيلمان يتناولان وضع الجندي الأميركي في تلك الحرب وأن أحدهما -"خزنة الألم"- لا يكترث لما فيه الكفاية، او لا يكترث مطلقاً، للمعاناة العراقية٠
لكن المقارنة هو أقوى وأكثر فعلاً حين نتحدّث عن أسلوب التنفيذ الريبورتاجي- التسجيلي لكل منهما: الكاميرا المحمولة والمشاهد الطويلة والنفس اللاهث ورصد المواقف والمواقع اليومية. أما في المضمون فكلاهما متّفق على معاداة الحرب. فيلم "خزنة الألم" يعاديها لما تسببه من أرواح أميركية والثاني يعاديها لما تسببه من خسائر للجميع. لكن هذا لا يجعل "خزنة الألم" أقل عدائية للحرب. كل ما في الأمر أنه معني بالخسارة الأميركية وله الحق في ذلك. لينجز العرب أفلامهم المعنية بخسارة العراقيين إذا أرادوا٠

Brian Di Plama

لكن أكثر الأفلام عداءاً للحرب هو عمل ثالث لم يُعرض تجارياً الا في نطاق محدود جدّاً ولم تتح لمعظم المعنيين مشاهدته. أنه فيلم برايان دي بالما "تنقيح" الذي سبق الإثنين في موعد إنجازه. في ذلك الفيلم نتابع، وبنفس الوسيلة التقريرية ذات الكاميرا الراصدة تسجيلياً، جنوداً أميركيين يعتدون على فتاة عراقية ويقتلونها وعائلتها. في أفلام أخرى كثيرة سابقة، كان وقع الفعل المُنتقد يتعرّض في النهاية الى نوع من التحليل الكيميائي فيختتم الفيلم مشاهده بمحاكمة تقضي بحبس المعتدين او بمشهد يسقط فيه الأشرار قتلى او يسبق كل ذلك ضلوع شخصية أميركية قويمة تواجه الفعل الشرير وتقف الى جانب الضحية. ضروريات هذا التوجّه التجارية معروفة، لكن النتيجة هي القول بأن العدالة تأخذ مجراها وأن لكل جريمة عقاب من حجمها. لكن فيلم دي بالما لا يؤخذ بهذا المفهوم ويرفض أن يتنازل فيقدّم الفعل ويقتنص منه في الوقت الأصلي للفيلم من دون تعديلات. وعبر ذلك يصل الى لا نقد المعتدين بل نقد السياسة التي وضعتهم هناك، ولا نقد الجنديين بل نقد العسكر بكامله٠ 

الممثلون العرب يغزون الشاشة العالمية٠
من محمد يقطين  الى خالد عبد الله والآخرين: اختلفت اللعبة لكن الطموح واحد
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


قيس ناشف وعلي سليمان في: الجنة الآن

المخرج بول غرينغراس حريص على أن يظهر الممثلون العرب في الشخصيات العربية. وقبل أيام صرّح قائلاً: "ليس هناك أي داع يمنع إسناد أدوار رئيسية لممثلين عرب. هذا جزء من واقعية الأفلام. كما لا يجب أن تسند دور شخصية أميركية  أنغلو-ساكسونية لممثل آسيوي او لاتيني، فإنه من الخطأ أن يؤدي ممثل أميركي شخصية عربية خصوصاً إذا ما كانت رئيسية"٠

وبول يعرف عما يتحدّث فيه. في ثلاثة أفلام متتابعة هي "يونايتد 93 (2006) و"إنذار بورن" (2007)  و"منطقة خضراء" (2010) جلب ممثلين عرب ليمثّلوا شخصيات عربية.  في الفيلم الأول الذي تناول قصّة الطائرة الرابعة التي تم اختطافها، حسب الروايات الرسمية، يوم الحادي عشر من كانون الأول/ ديسمبر سنة 2001 والتي سقطت في غابات ولاية بنسلفانيا، استعان بخالد عبد الله ولويس السماري وعمر بردوني للأدوار العربية. في »إنذار بورن« بحث طويلاً عن ممثل عربي يستطيع أن يجسّد مشاهد القتال جيّداً ويكون ندّا خطراً لبطل الفيلم مات دايمون. أخيراً وجد ضالته في ممثل مغربي يحمل إسماً "فنياَ" هو    جووي أنسه. اما في الفيلم الثالث "منطقة خضراء" المعروض حالياً فهو مليء بالأسماء العربية: عقال نور، فيصل عتوجي، سعيد فرج، رعد راوي، إنتشال التميمي، خدوم صابر، خالد عبد الله، دريس روخ، مؤيد علي، جمال سلماوي، بوبكر هيلال، سمية عقابون، ناجي جوهري، عبد الكريم أسد ... هؤلاء وغيرهم وردوا من المغرب وسوريا والعراق ومصر ولبنان ليمثّلوا أدوارهم صغيرة وكبيرة جنباً الى جنب مع تلك الخبرات الأميركية والأوروبية التي شاركت في صنع هذا الفيلم المتحدّث عن الحرب العراقية مرّة أخرى٠

المفارقة المهمّة التي لا يمكن إغفالها هي أنه حتى كارثة الحادي عشر من سبتمبر، سنة 2001 كان الغالب اسناد الأدوار العربية لممثلين أجانب. فعلوها مراراً وتكراراً في العديد من الأفلام خصوصاً حين تكاثرت الإنتاجات التي تعاملت وشخصية العربي في الستينات والسبعينات. ليس أن هوليوود لم يكن لديها خيارات في ذلك او أنها لم تجد في الجوار ممثلين عرب او من أصول عربية تسند إليهم ولو قسطاً من تلك الأفلام،  لكن وتبعاً لمفاهيم كانت سائدة بوفرة، فإن البحث عن ممثلين عرب لم يكن وارداً الا في حالات خاصّة. والأسباب متعددة٠
 يومها كان العالم ما زال مؤلّفاً من دول وثقافات متباعدة لا يجمعها ما يوحّد بينها اليوم من وسائل تعارف وتواصل خلقتها التكنولوجيا الحديثة. بالتالي، لم يكن هناك سعي لفحص خبرات ومواهب عربية بالشكل الذي هو عليه الآن حيث كل ما هو مطلوب هو الإتصال مع وكلاء ومدراء أعمال في الولايات المتحدة واوروبا، او حتى في الشرق الأوسط، لتصفّح المواهب المتوفّرة والإختيار منها٠
من ناحية أخرى لا تقل أهمية، كانت القناعة هي أن الممثل العربي إما سيرفض تمثيل شخصية تسيء إلى ثقافته او أنه سيجعلها مادّة نقاش والمخرجون تعوّدوا، في غالبهم، على أن  هناك ملامح ومواصفات لا يمكن الخروج عنها منها أن كلمة الإنتاج هي الأولى، وإنه إذا ما كُتب دور على نحو معيّن فهو ليس قابلاً للتغيير الا إذا كان نجم الفيلم هو الذي يريد ذلك. وحتى في هذه الحالات، فإن  الخلاف قد لا ينتهي لصالح النجم، بل لصالح المخرج او الجهة المنتجة التي قد ترفض تغيير أي من جوانب او شخصيات المشروع.
من بينها أيضاً الإعتقاد بأن العرب يصلحون أشراراً كالنازيين وكالصينيين والروس والهنود الحمر. وكما أن العديد من الأميركيين لعبوا أدوار الهنود الحمر، حتى تلك الناطقة، فما الضير في أن يلعبوا أدوار العرب؟ في نهاية المطاف كلاهما شرير الفيلم الذي هو فيه٠
تبعاً لذلك، فإن الذي لعب دور الأمير (بلا إسم آخر) في فيلم »برتوكول« سنة 1984 أسمه رتشارد رامونوس، والذي لعب دور ملازمه نواف أسمه أندريه غريغوري،  وذاك الذي لعب دور الإرهابي خليل في فيلم «ضاربة الطبل الصغيرة» (1981) هو الممثل الفرنسي سامي فراي. أما من لعب شخصية الإرهابي فيصل في »يوم الأحد الأسود« (1977) كان بيكيم فهميو ومعاونه نجيب هو فكتور كامبوس٠
وفي فيلم "مؤامرة عربية (1976) تسع شخصيات عربية بدءاً ببطل الفيلم خليل عبد المحسن، لعب سبعة منها أجانب بينهم شون كونيري الذي لعب دور دبلوماسي عربي يسعى لضم إسرائيل الى منظّمة الأوبيك٠
 وشون كونيري لعب بطولة »الخطأ هو الصواب« سنة 1981  وهو تشويق سياسي ساخر يحتوي على ثلاث شخصيات عربية ناطقة: الملك عوّاد ولعبه رون مودي، والشرير رفيق، ومثّله ممثل أدوار الشر الدائم هنري سيلڤا و"أبو" ولعبه توني مارش٠
والذي لعب دور العربي في الفيلم الفرنسي »إيمانويل 5« (وهو واحد من سلسلة أفلام بورنو خفيفة  بدأتها الممثلة سيلفيا كرستل  سنة 1974 واستمرت بسواها من الممثلات حتى أواخر الثمانينات هندي أسمه ياسين خان٠
والأمثلة كثيرة، بكثرة الأفلام التي احتوت شخصيات عربية في السبعينات والثمانينات والتي كانت في غالبيّتها معادية تبعاً  لسلسلة من الإجتهادات الخاطئة التي لم يكترث العرب لتصحيحها  ولم تكن هوليوود بوارد تصحيحها لهم٠
سيد بدرية كما ظهر في
You don't Mess With Zohan

والمسألة ارتبطت بالصورة المراد تكوينها عن العربي بالتأكيد. ففي الأمثلة المذكورة أعلاه أكثر من تأكيد على أن الشخصية العربية السائدة في أفلام الفترة المذكورة (السبعينات والثمانينات) كانت إما إرهابية، او ذات ثراء فاحش لا تدري كيف تحافظ عليه، او مجرد شخصية شريرة لا يمكن الثقة بها. والثقة مسألة صعبة لعبت عليها الأفلام الروائية حتى من قبل نطق السينما، فلطالما تحدّثت أفلام العشرينات والثلاثينات والأربعينات عن عرب ليسوا جديرين بالثقة وغربيات يقعن في حب عربي ليكتشفن خطأهن او عن مقاتلين يشهرون السيف دائماً في وجه الأجنبي من دون وجه حق حتى ولو كان سبب عدائيّته تلك تعود الى رغبته في طرد قوى أجنبية من بلاده٠
في العقد الأخير من القرن الماضي، بدأت تلك الصورة تتغيّر بالتدريج. أخذت وقتها قبل أن تبدأ مغادرة موقعها. في "الحصار" (1998)  و"ثلاثة ملوك" (1999) و"المحارب الثالث عشر" (1999) و""روبين هود، أمير اللصوص"  و"قبلة الليل الطويل" (1996) و"جريمة كاملة" (1998 ) مرتع لشخصيات عربية كثيرة حملت صوراً اختلفت عن سابقاتها: الفلسطيني الذي لديه وجهة نظر يريد طرحها، والرحّالة العربي الذي وصل الى الشمال الإسكندنافي وتعامل مع شعوبها بكبرياء والعربي البريء من تهمة الإرهاب الذي سيقتله أشرار أميركيون لينسبوا العملية التي سيقومون بها إليه، والتحري الأميركي المثقّف الذي سيتدخل لحماية المرأة الخائنة من زوجها القاتل (وكلاهما أميركيان)، كل هذه الشخصيات وسواها كانت نقلة مهمّة لم تغفلها هوليوود بقدر ما أغفلها المثقّفون العرب والمهتمّون بالشأنين السينمائي والإعلامي٠
لكن كارثة 2001 وضعت خطّا مزدوجاً. من ناحية لم تشجّع هذه المعاملة على التطوّر المنشود ومن ناحية أخرى لم تعد في وارد استخدام الشخصية العربية كنموذج لكل ما هو سلبي وشرير. في المقابل، تطوّر لدى السينمائيين الغربيين إدراكاً جديداً بأنه في الوقت الذي من الخطأ تنميط العرب على النحو الذي كان سائداً طوال العقود السابقة، فإنه من الواجب البحث عن ممثلين عرب للقيام بما كان الممثلون الأجانب يقومون به معظم الوقت: تمثيل الشخصيات العربية٠

 La Haine سعيد تاجماوي (اليسار) وماثيو كازوفيتز في "الكره"٠

الممثل المغربي سعيد تاجماوي واحد من أهم العناصر في هذا المجال٠ استعان به أولاً المخرج ماثيو كازوفيتز سنة  1995 لبطولة فيلمه الناجح نقدياً "الكره" الذي قرأ في الواقع المزري الذي يعيشه الشباب ذوي الأصول العربية في فرنسا. بعد ثلاثة أعوام لعب أمام كايت وينسلت بطولة "استغلال بشع"، ثم انتقل الى فيلمه الأميركي الأول "ثلاثة ملوك" (1999) لديفيد أو راسل وكل هذه الأفلام إيجابية لناحية العربي. وحتى حين لعب شخصية الإرهابي في فيلم  "خائن" قبل عامين فإنه منح الشاشة وجوداً محسوساً ولم يتعامل مع تلك الشخصية على نحو نمطي. هذا التعامل ميّز أيضاً وجود سامي بوعجيلة في فيلم  إدوارد زويك "الحصار" فهو الفلسطيني الذي يريد إيصال صوته الى العالم وسط ظروف تحكم عليه قبل أن تعطه الحق في الدفاع عن نفسه٠
محطّة مهمة في هذا التناول ورد سنة 2005 عندما قام المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد رؤيته حول السبب الذي من أجله يقوم فلسطينيون بتفجير أنفسهم وسط المدنيين الإسرائيليين وذلك في فيلمه "الجنّة الآن". آنذاك، كان العالم يريد أن يفهم هذا السبب حتى وإن لم يؤدي ذلك به الى قبوله. وهاني أبو أسعد أمّن هذه المعرفة ووضعها في إطار جذب الى شخصيّتيه الرئيسيّتين تعاطفاً واضحاً
بطلا ذلك الفيلم هما علي سليمان وقيس ناشف وكلاهما يلعبان الآن في السينما الغربية. الأول  شوهد في فيلم "المملكة" الذي أسيء تقديره عربياً كما شوهد في فيلم ريدي سكوت الأخير "كيان من الأكاذيب"، والثاني  شوهد في "أميركان إيست" و-أيضاً- "كيان من الأكاذيب"٠
من ناحيته، احتوى "أميركان إيست" الذي هو من إنتاج أميركي لمجموعة عربية قادها أحمد زهرة منتجاً وهشام عيساوي مخرجاً، على عدد كبير من الوجوه العربية. بالإضافة الى قيس الناشف هناك طوني عزيز وسيد بدرية وفوزي ابراهيم في قصّة تتحدّث عن ضرورات التعايش بين عرب أميركا ويهودييها. وأحد الأدوار الرئيسية لعبها توني شلهوب، وهو ممثل لبناني الأب من بين ألمع الممثلين ذوي الأصول العربية العاملين في السينما والتلفزيون الأميركي. في حديثه لـ "الشرق الأوسط" حول هذا الموضوع يقول: "لم يكن هناك أي سبب منطقي وراء تعميم النظرة السلبية تجاه العرب سابقاً. وبالنسبة لي امتنعت تماماً عن قبول أي دور يسيء الى العربي سواء أكان أميركياً او من الشرق."أميركان إيست" كان فرصتي لكي أقدم على تأكيد موقفي حيال هذا الموضوع"٠

The Visitor:  هيام عبّاس ورتشارد جنكينز في

واحد من الأسماء التي بتنا نقرأها في الأفلام الأوروبية والأميركية في هذا الخصوص هو إسم هيام عبّاس، الممثلة الفلسطينية التي تعيش في باريس لكن موهبتها تمددت غرباً لتصل الى هوليوود  بعد ظهور محدود في "بابل"، أحد أفضل أفلام العام 2006 وجدت نفسها في الفيلم الأميركي"الزائر" لجانب عربي آخر هو حائز سليمان. بعده عادت الى السينما الفرنسية فأنجزت تسعة أفلام لاعبة أدواراً متعددة، من بينها دور بروفسيرة، قبل أن تعود الى الولايات المتحدة لبطولة فيلم "أمريكا" في العام الماضي. ولديها ثلاثة أفلام جديدة ستشغلها حتى العام المقبل٠
مثلها في السعي ممثلة من أصل عربي أسمها  عليا شوكت التي كانت في العاشرة حين ظهرت في »ثلاثة ملوك" والآن توالي الظهور في أفلام أميركية. هي سلمى، الفتاة المتمرّدة في "أمريكا" والمراهقة باش في Whip it فيلم درو باريمور
وفي الأسبوع المقبل سنراها واحدة من بطلات "الهاربات" لجانب كرستين ستيوارت وداكوتا فانينغ٠
من ناحية أخرى، هناك عدّة مواهب مصرية حاضرة لمواصلة طريقها العالمي الذي كانت بدأته قبل حين. خالد النبوي كان ظهر في "مملكة الجنّة" كمساعد أمين لصلاح الدين الأيوبي، الذي قام بتشخيصه غسان مسعود،  ولديه دور الآن في فيلم أميركي جديد عنوانه "لعبة عادلة"٠
عمر متولي، مصري يعيش في لندن سبق وأن ظهر في فيلم ستيفن سبيلبرغ "ميونخ" ثم في الفيلم الأميركي "انتزاع" أمام ريز ويذرسبون. أما خالد عبد الله فهو مصري بريطاني آخر كان ظهر في  فيلم بول غرينغراس "يونايتد 93" ويتبعه حالياً بدور رئيسي في "منطقة خضراء" للمخرج نفسه وقريباً هو ممثل أول لفيلم بعنوان "الأيام الأخيرة لمدينة" الذي يقوم بإنتاجه بنفسه
مصري آخر في التداول هذه الأيام هو سيد بدرية. إنه ليس ممثلاً شابّاً، بل له في المعترك عدة سنوات وجد نفسه يؤدي خلالها الشخصيات النمطية كما الشخصيات الإيجابية.  وهو قال لنا: "من الصعب جدّاً أن تجد الدور الذي لا ينص على العربي قاتلاً او شريراً. صحيح الأمور بدأت تتحسّن لكن الصورة راسخة وبحاجة الى مزيد من الوقت. وأحياناً تجد أنه إذا لم تمثّل هذا الدور ذهب الى سواك وربما كنت بحاجة الى أن تثبت وجودك في الساحة وتقول أنا هنا وأستطيع أن أمثل أدواراً أفضل"٠
في العام الماضي لعب أمام أدام ساندلر الفيلم الكوميدي "لا تستطيع أن تعبث بزوهان" كاشفاً عن نبرة كوميدية لا بأس بها. لكن مؤخراً  كان لهذا الناقد فرصة مشاهدة دور جديد لسيد بدرية في فيلم مكسيكي بعنوان "العراء" حيث أدّى شخصيته المركّبة الأولى تأدية جيّدة. فيه يلعب شخصية مصري متّهم بسلسلة من الجرائم الجنسية استناداً لحادثة سابقة، لكنه بريء من التهمة التي تحاول السلطات تلفيقها له حتى تحمي القاتل الحقيقي وهو مواطن مكسيكي ذي نفوذ٠

مسألة انتشار الوجوه العربية في الأفلام الأجنبية ليست مجرد الطلب من ممثلين عرب تأدية شخصيات عربية غالباً، وبضع شخصيات غير عربية في بعض الأحيان. إنها قد تنطلق من عملية العرض او الطلب لكنها تحتوي على خيارات صعبة٠
حينما ظهر الممثل السوري غسّان مسعود في دور صلاح الدين الأيوبي في فيلم ريدلي سكوت "مملكة الجنة"، لم يكن قد سبق له أن تعامل والمتطلّبات الصارمة لفيلم من حجم ونوعية ومهنية هذا العمل. رغم ذلك أثبت جدارته التي نال عليها ردود فعل نقدية إيجابية. كذلك الحال بالنسبة لقيس ناشف وخالد عبد الله وخالد نبوي واسكندر صدّيق وسعيد تاجماوي وهيام عبّاس والآخرين. الجدير بالإشارة في هذا النطاق هو أن مجرد ظهور عربي على الشاشة العالمية يحمل في داخله تحدّيات جمّة تواجه الممثل نفسه خصوصاً إذا ما كان قد تعامل مع السينمات العربية وعليه الآن أن يدرك الفوارق سريعاً ويستعد ليبرهن أنه قادر تلقائياً على تجاوز كل معلوماته السابقة عن كيفيات العمل٠
هذه النقلة تشكّل  تحد صعب خصوصاً للممثلين القادمين مباشرة من السينما العربية او ما جاورها من فنون. كما الحال مع الممثل الذي لعب دور الند المحترف لشخصية مات دايمون في "إنذار بورن"، يحتوي الفيلم الجديد "منطقة خضراء" على أكثر من ممثل عليه ممارسة أعلى قدر ممكن له من الإحتراف والبذل لكي يؤكد حقّه وامكاناته في تحقيق النجاح.  فجأة ما يجد الواحد منهم نفسه ليس فقط أمام ممثل نجم من حجم جورج كلوني او ليوناردو ديكابريو او مات دايمون، بل يدرك أن نجاح المشهد الذي سيؤديه أمام أي من هؤلاء، او سواهم، متوقّف عليه وليس على الممثل الأول٠
الى الآن، النتائج جديرة بالإهتمام بلا ريب: وليد زعيتر برهن عن خامته في "الرجال الذين يحدّقون بالماعز"  أمام جورج كلوني، اسكندر صدّيق أمام ليوناردو دي كابريو في "كيان من الأكاذيب"، غسان مسعود أمام أورلاندو بلوم في "مملكة الجنّة"، عقال نور وخالد عبد الله أمام مات دايمون في "منطقة خضراء"٠ 
كل ذلك لم يكن متاحاً ولا مطلوباً في أفلام الأمس للأسباب الواردة في مطلع هذا التحقيق، الا في تلك الحالات الخاصّة التي كانت تحتّم على هوليوود أن تبحث عمّن يؤمّن الدور المنشود. واحدة من تلك الحالات الخاصة وردت  1962 عندما انطلق المخرج البريطاني الراحل ديفيد لين لينجز فيلمه الملحمي "لورنس العرب". لين، كونه دقيقاً وتفصيلياً في عمله  أصر على إجراء تمارين مع ممثلين عرب واختار تبعاً لذلك ممثلين مصريين هما من أنجب وجوه تلك الفترة وما بعدها جميل راتب وعمر الشريف٠
أما جميل راتب فكانت له طلات قليلة في أدوار صغيرة قبل "لورنس العرب". أحدها، على سبيل المثال فيلم من بطولة بيرت لانكاستر وجينا لولوبريجيدا عنوانه "ترابيز" سنة  1965  لكن معظم أعمال عمر الشريف كانت لا تزال مصرية، وأقول معظم لأنه، وعلى عكس السائد، كان الممثل المذكور أطل على السينما الفرنسية مرّة واحدة قبل "لورنس العرب" وذلك في فيلم جاك باراتيير "جحا" سنة 1958
لكن بصرف النظر عن مصير الممثلين المذكورين، فإن تجربتهما في إطار السينما العالمية تختلف من شخص لآخر. عمر الشريف سطع عالمياً، جميل راتب ظهر في أفلام بريطانية وفرنسية قليلة

علية شوكت

على عكس الكثير من السائد أيضاً، فإن عمر الشريف، الذي انطلق من بعد "لورنس العرب" ليصبح نجماً عالمياً لم يكن الممثل العربي الأول الذي يظهر في أفلام هوليوودية. في الحقيقة، فإن التاريخ يكشف عن أن ممثلين عرب ظهروا في هوليوود قبل أن ولادة عمر الشريف سنة 1932
في العام 1912  حط في الولايات المتحدة صبي وأمّه قادمان من قرية قب الياس (وتُسمّى أيضاً قبر إلياس) في لبنان هرباً من نزاع ثأر سياسي بين عائلتين تتنازعان النفوذ. واحدة ضد الحكم العثماني، والأخرى (عائلة يقطين) كانت معه. الرواية التي استقاها هذا الناقد حين زار القرية قبل نحو ست  سنوات من أهاليها هو أن زوج تلك المرأة ووالد الصبي، كان قُتل في واحدة من المعارك التي دارت بين العائلتين،    ما دفع بتلك المرأة الى الهجرة وتذكر الرواية أنه على الغالب كان سبقها الى هناك بعض أفراد العائلة. في رواية أخرى أن الأب لم يقتل بل هرب وسبق عائلته الى لوس أنجيليس ثم طلبها إليه٠
مهما يكن فإن محمد يقطين كان في التاسعة عشر من عمره حين ظهر، بإسم فرانك لاكتين، في أول فيلم له سنة 1916 لاعباً، دون سواه، شخصية شرير صيني في فيلم عنوانه "شر أصفر". حين توفّى عن 70 سنة في العام 1968 كان ظهر في 193 فيلماً ومسلسلاً تلفزيونياً. نعم معظمها أدوار صغيرة، لكن الرجل كان معروفاً من قِبل صانعي هوليوود الأولى٠
الممثل الثاني في هذا المضمار  أسمه جميل حسّون وولد في سوريا سنة 1901 ثم انتقل الى هوليوود ممثلاً من العام  1929 (بفيلم عنوانه »فكرة إمرأة" لاعباً دور حارس شخصي). حين توفّي جميل في الولايات المتحدة سنة 1992 عن تسعين سنة كان ظهر في إثنين وثلاثين فيلم. مثل محمد يقطين، لعب أدواراً مختلفة من الهندي الأحمر الى الهندي الآسيوي، ومن العربي الى الصيني والتركي وسواها٠
مثل جميل حسّون وٌلد ميشيل عنصرة في سوريا سنة 1922 وهاجر الى الولايات المتحدة  وظهر حتى الآن (إذ لا يزال حيّاً وإن تباعدت أفلامه بسبب تجاوزه السادسة والثمانين سنة من العمر) نحو 80 فيلم ومسلسل٠ ميشيل (او مايكل أنسارا كما صار اسمه) تحاشى لعب شخصية عربية نمطية طوال حياته. وبل لم يمثّل شخصية عربية ناطقة الا حين طلبه الراحل مصطفى العقاد لدور أبو سفيان في "الرسالة"٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular