Apr 25, 2010

النقد وفلسفة الفيلم: وداعا للممثل الحقيقي | فيلما رعب من مهرجان "الخليج" | مهرجان هونولولو | روبرت ميتشوم: نوعان من التمثيل | كوستا- غافراس عن فيلمه الجديد| السينما الكوميدية العاطفية

Year 3| Issue: 503

CoVeR


Paper Man  الممثلة إيما ستون (21 سنة) كما تظهر في
بطولتها مع جف دانيالز ورايان رينولدز وليزا كودروف وإخراج
كيران ملروني. واحد من ستّة أفلام جديدة للممثلة التي شاهدنا
 Zombieland  لها مؤخراً

هذا العدد
هل ما نشهده اليوم تمثيل او بيع سلع تجارية: حلقة جديدة من النقد وفلسفة الفيلم | علي محمّدي يراجع نقدياً فيلمي  رعب شاهدهما في مهرجان "الخليج" الأخير. هل هناك تيّاراً قيد الإنشاء؟ | تقرير عن مهرجان هونولولو: صغير وسعيد وأفلام لا بأس بها | روبرت ميتشوم لديه نوعين من التمثيل ... نوع بحصان ونوع من دونه | هوڤيك حبشيان  يسأل وكوستا غافراس يجيب:  هل وقعت في فخ الكليشيهات؟محمد رُضا يبحث عن تلك الرغبات المستترة في الكوميديات العاطفية٠



النقد وفلسفة الفيلم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
وداعاً للممثل الممثل


أولاً: بين جنيفر وجنيفر
ظهور جنيفر أنيستن  (الصورة) مؤخراً في فيلم رديء عنوانه "صيّاد الجوائز" الى جانب ممثل يكاد أن يكون أبلهاً أسمه جيرالد بتلر يدفع المرء الى الرغبة أكثر فأكثر لمشاهدة السينما قبل عصر "الأونطة" التي تمر بها اليوم. طبعاً دائماً ما أتحمّس لكل فيلم قديم على أساس أنه من عهد كانت فيه السينما ميداناً أوسع للمواهب. نعم لا كان فيها عدد كبير من الأفلام الرديئة وكانت رديئة بسبب إخراجها وكتابتها وتمثيلها، هذا لا ريب فيه، لكن هذه الرداءة لم تكن طاغية كما الحال اليوم. ومن يقول لك أن هوليوود اليوم لا زالت تنتج أفلاماً مهمّة وجيّدة قل له: صحيح، لم يقل أحد غير ذلك- لكن هذه النوعية قليلة ومع خروج "صياد الجوائز" قبل أسبوعين وفيلم
The Back-up Plan  جنيفر لوبيز الجديد " خطّة مساندة"٠
ثم النظر الى كل ما يُسمّى بنوع  «الكوميديا العاطفية» يبدو لي كما لو أن الإنزلاق الخطير لم ينته بعد. ربما هناك مسافة أخرى تحت الأرض ستنزلق اليها السينما لكي تصل الى درك لم تبلغه من قبل٠
وأحد أسباب هذا الإعتقاد شبه الجازم هو التمثيل. هل لاحظتم مثلاً أن التمثيل هذه الأيام يشبه إعلانات السلع. أشاهد من حين لآخر أفلاماً مصرية على الإنترنت لكني لن أسمح لنفسي بنقدها حتى ولو كنت موقناً برأيي فيها. أما الأفلام الجيّدة فآنتظر فرصة مشاهدتها على الشاشة العريضة حتى ولو تأخر الوقت. وما أشاهده على الإنترنت من تمثيل هو ظهور وليس إداءاً. راحت أيام الممثل الممثل، ذلك الذي كان يعلم أن تأدية الدور تتطلّب فهماً مسبقاً عن كيف تطير الفراشة، لأنه من دون تلك المعلومة لا إحساس لديه بروح الحياة٠
والسينما المصرية تقتبس من الأميركية أسوأ ما لديها. كذلك تفعل بعض السينمات العربية الأخرى. شاهدت  أفلاماً أخرجها كويتيّون وإماراتيون ومغاربة تحاول أن تبدو كما لو أن شركة إنتاج أميركية هي التي صنعتها بخبراء أميركيين. لكن حيال هذا الإغتراب فإن التمثيل، من بين عناصر كثيرة أخرى (تحديداً: كل العناصر الكثيرة الأخرى) يصبح نسخة عاشرة من نسخة رديئة٠
لا أحد يحاول تقليد ميريل ستريب او جورج كلوني، لكن الكثيرين في لعبة تقليد دواين جونسون (ذ روك) او  بن ستيلر. وترى معظم المنتجين سعيدين بذلك، فهم لغباء عقولهم ولتقصيرهم بحق إنجاز سينما جماهيرية، ينجزون هذه الأفلام دون سواها من دون أي رادع وطني، ناهيك عن قومي او سواه. لكي ترفع راية الدولة الذي تنتمي إليها عليك، كمبدع، أن تصنع ما ترفع هي قامتها بك. هذه ليست أحجية بل حقيقة٠

ثانياً: لنبقى في التمثيل
لكن لنبقى في موضوع التمثيل من دون شطط. كل العلاقة الساحرة بين الممثل والمشاهد يكمن في شخصية الممثل. جون واين، كمثال فقط، لم يكن في مستوى فهم وتمثيل أي شخصية تتطلّب ثقافة جذرية. لكن فيما كان يمثّله كان ناجحاً وما جعله ناجح إذاً ليس موهبة كبيرة بقدر ما كان شخصية كبيرة. ومثله مئات في الشرق والغرب وفي كل مكان. إذا تركت السينما الجماهيرية ونظرت الى تلك الفنية فإن الإستعانة بممثل قادر على الإتيان بما يتطلّبه أمر تشخيص جذري، لنقل  أناتولي سولونتزين (من "ستوكر" لتاركوڤسكي) او أليك غينس (من "جسر نهر كواي" لديفيد لين)  او محمود حميدة ("فارس المدينة" محمد خان) فإن العلاقة الساحرة بينه وبين المشاهدين تنطلق أيضاً من الشخصية الخاصّة. شخصية موهوبة من دون ريب، لكن زاد من بلورة تلك الموهبة الإطلاع والقراءة والتأمل في الحياة ومعاينة التمثيل كفن صارم يتطلّب ادنماجاً فيه يترك الممثل وراءه كل محاذير. معظم ممثلو اليوم يتدخلون في الكتابة وفي رسم الشخصيات ويريدون أن تعلن الكاميرا عن وجودهم كما تعلن عن معلّبات الطعام: "اشتروني. أنا برسم البيع"٠

لكن انظر الى تمثيل الأمس وتمعّن كيف كان يصل اليك. ليس كلّه (أنا لا أتحدّث عن اسماعيل يس بل عن عبد السلام النابلسي، ليس عن سمير يوسف بل عن أنور وجدي، ليس عن جيري لويس بل عن جاك تاتي) بل معظمه: الممثل يدرك أنه يؤدي قطعة دور تمتد ربما من بدء الفيلم الى نهايته، او ما بين نقطتين صغيرتين فيه، لكنه سيعامل هذا الدور بمنأي عن "كيف أبدو؟ هل أعجبكم. بل أعجبكم" لم يكن يبيع بضاعته ولا بضاعة سواه. لم يكن سلعة في السوق بل ممثل. في النهاية، وسواء أكان ذا شخصية كبيرة او ذا شخصية كبيرة وموهبة كبيرة فإنه كان قادراً على احتلال طبيعي لمكانة ما وسط ألوف الممثلين. هذا ما يجعل كل ممثل مساند في فيلم "الخارج عن القانون جوزي وَلز" لكلينت ايستوود ممتعاً. حتى ذلك الممثل الذي لم يكن مطلوباً منه سوى الوقوف لحظة لكي يموت في اللحظة التالية، كان جديراً بأوسكار٠

ثالثاً:  البطولة
الحديث هنا عن بطولة الممثل للفيلم وليس عن مفهوم البطولة على الشاشة. مارشيللو ماستروياني بطلاً في أفلام فيلليني كما راندولف سكوت في أفلام بد بوويتيكر (كلاهما فيلليني وبوويتكر مخرجان جيّدان، كل في نوعه ومساره لكن أحدهما أهم من الآخر في التصفية النهائية). جزء من تولي البطولة كان له علاقة وطيدة بالكتابة ذاتها. من يستطيع أن يؤدي شخصية البطل الذي يسكن ذهنه توتّر والكثير من الأسئلة حول الهوية الذاتية؟ مونتغمري كليفت. من هو الممثل الذي يستطيع أن يبدو لبعض المشاهدين (نصفهم على الأقل) كما لو كان حلماً عاطفياً (وجنسياً)  وقد تمثّل على الشاشة؟ رودولف فالنتينو. من هو الممثل الذي كان سيعكس أكبر قدر من المكر والخوف؟ محمود المليجي. ثم من هي الممثلة التي ستعصف بشخصيّتها كل ما هو ثابت في وجدان الناس عن قدرات المرأة؟ بيتي ديفيز او باربرا ستانويك .... والقائمة تطول وتشمل أيضاً الممثل المساند او الممثل الثانوي. حين اختار جون هيوستون في أول أفلامه "الصقر المالطي"(1941) شخصية يمكن أن تمثّل الدهاء ذهب الى سيدني غرينستاد، وشخصية يمكن أن تمثّل الغباء  ذهب الى إليشا كوك. هذا ليس لأن غرينستاد داهية وليس لأن كوك غبياً، بل لأنهما ممثلين جيّدين٠
الوقت الذي يضع فيه الممثل العربي هذا نموذجاً هو الوقت الذي ينضج فيه من بائع السلعة الي الممثل الحقيقي٠

The Killing 

حين وضع ستانلي كوبريك الكاميرا في لقطة  متوسّطة من وجهَي أليشا كوك وماري ويندسور  وهي تحاول استخلاص سر يخفيه هذا الزوج عن زوجته المخادعة في فيلم "القتل" (1965) لم يمثّل أي منهما للكاميرا ولا حتى للجمهور، بل كل للآخر. في هذا واقعية أكثر من كل ما في أفلام الواقعيين الجدد الذين من حولنا اليوم. لا وجود لهنّة بسيطة تستمر ثانية واحدة او ما دون لاعتبار يمر بخاطر هذين الممثلين بأنهما أمام الكاميرا. لا يلحظ المشاهد، حتى بعد خمسين مشاهدة إذا كان لابد له، أن أياً منهما في تلك اللحظة بدر عنه ما يشي بأنه فكّر في هذه العدسة القريبة من وجهه. بل تعامل كل منهما كما لو أنهما متزوّجان حقيقيان: واحد يود اسعاد زوجته وواقع تحت إغرائها، وواحدة تريد إسعاد نفسها٠
 I had to come back
يقول ممثل غير معروف (أسمه جون تشاندلر) لكلينت ايستوود بعدما كان هذا نصحه بأن يصرف النظر عن 
The Outlaw Jesse James مبارزته في فيلم "الخارج عن القانون جوزي وَلز"٠  
يقول الممثل عبارته بهنّة إعتذار ويجيبه جوزي/ كلينت بهنّة تفهّم
I know   يقول الممثل عبارة بهنّة اعتذار، ويجيبه جوزي  متفهّما: "أعرف"٠
ثم ينطلق الرصاص ويسقط من كُتب له الدور أن يسقط. لكن هل فكّر الممثل أنه دور صغير ومن الأفضل أن استغل المناسبة لأن أبيع سلعتي مستغلاً المناسبة؟ طبعاً لا. المهم هو الظهور بحرفية. بالقدر المطلوب والمحدد لأنه يتّكل على ثقافة المشاهد الذي ستحتفظ بصورته، وعلى ياحترافية الكاتب الذي وضع على لسانه، قبل ذلك بثوان حواراً يبنيه كما لو أنه مشارك في البطولة.  المشهد بكامله هو
جوزي وَلز (ايستوود) كان وصل الى حانة في بلدة ولدت صغيرة ولا تزال صغيرة. يُستقبل بترحاب من قبل صاحب الحانة (دور صغير رائع أيضاً من الممثل مات كلارك) لأنه جلب معه بعض المشروبات (يحملها المسافرون تحت مظلّة حمايته- وعليك أن تشاهد الفيلم لكامل المعنى)٠ في أعقاب جوزي صيّادي جوائز وأحدهما (تشاندلر) يدخل الحانة. يلتفت اليه صاحبها: "ماذا تريد أن تشرب؟" يسأله. يرد من لا إسم له في الفيلم، لكني سأدعوه أيضا تشاندلر
 Chandler: I'm looking for Josey Wales أبحث عن جوزي وَلز
يعلن جوزي عن نفسه في لقطة تظهره واقفاً جانباً في مكان معتم. يواجه تشاندلر جوزي مستعداً لمنازلة
Josey:  You a bounty hunter?  أنت صياد جوائز؟
Chandler:  Fella gotta make a livin somehow these days المرء عليه أن يفعل شيئاً لكي يحيا هذه الأيام
Josey:  Dying ain't much of a living, boy  ليس في الموت الكثير من الحياة، يا فتى
ينظر تشاندلر الى الشخص المناويء واستعداده ويحلل سريعاً كلماته ويخرج. يتنفّس البعض في الحانة الصعداء إذ اعتقدوا أن الرجل لن يعود. لكن تشاندلر يعود وتكتسب كلمته التي ذكرت
I had to come back كان يجب أن أعود
طرحاً يعكس الإنسان ويعكس الأزمة المالية ويعكس الخطأ من الصواب٠

الحديث يطول والوقت يقصر. لكني سأعود الى الموضوع في حلقة ثانية. ربما تكون غداً او بعد أسبوعين. سيقرر ذلك إذا ما لطمني ممثل  او ممثلة بإداء ربما لا يتجاوز حركة عين او حركة يد او حتى سكون. فقط لو كان ممثلو اليوم (ومن يديرونهم وينتجون لهم) يعرفون ما أعرف. وهم كانوا سيعرفون لو كانوا يحبّون السينما التي يشتغلون فيها٠


تقارير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  | علي محمّدي

فيلما رعب مسكونان بالأشباح والنوايا


قدم مهرجان الخليج السينمائي الذي أقيم في دبي بين الثامن والرابع عشر من أبريل   2010 إحتفاءاً كبيراً بالأفلام الخليجية كان  من بينها فلم "الشر الخفي" الذي هو ثاني فيلم رعب سعودي طويل وهو من إخراج محمد هلال
وقد توقع جمهور المهرجان منافسة حامية بين فلم محمد هلال والفلم الإماراتي "لعنة إبليس" لماهر الخاجة الذي عرض في اليوم السابق لعرض "الشر الخفي" وكلاهما شهد إقبالاً منقطع النظير حيث امتلأت القاعه بالحضور من جمهور وصحافة ونقاد وفنانين كلهم تبادلوا الحوار بعد عرض الفلم مباشرة مما أتاح للجميع إلقاء بعض الضوء على الفلمين ومخرجيهما والتعرض بالنقد لأعمالهما وهذا ما دعى بالبعض للمقارنة بينهما. منهم من اتجه إلى أن كلا الفلمين لا دخل له بالرعب من قريب أو من بعيد، بينما استغرق آخرون في تحليل دراما الفلمين وقصتيهما، وللأسف لم يشر أي من الحاضرين إلى الناحية الفنية في العمل السينمائي. مهما يكن فإن طغيان أسلوب وثقافة العمل التلفزيوني (وأكثر المعلقين هم أصلا مشتغلون في التلفزيون) قالت كلمتها في نهاية الحوار٠

لعنة إبليس
الحقيقة أن المقارنة بين الفيلمين غير منصفة أبداً ، لأن "لعنة إبليس" هو في الأساس مشروع فلم تسجيلي (وثائقي) يسلط الضوء على منطقة مهجورة ومسكونة بالأشباح تعرف بالجزيرة الحمراء ويتحدث عن سبب هجر الناس لها ويبحث في حقيقة الأشباح. ثم أراد المخرج أن يغير من أهداف الفلم ويجعل منه فيلماً  روائياً طويلاً يتعرض (على حد قوله) بالهجوم والنقد لعالم الصحافة والإعلام وغياب الضمير بالنسبة للعاملين فيه حيث لا يهم سوى المصلحة الشخصية على حساب بعض الفئات، والتي كان مخرج الفلم نفسه منها حيث تم إطلاق إشاعة موته واختفائه وتم تدوال هذه الأخبار في الصحافة المحلية مما ألحق به الكثير من الضرر. وإذ يود المخرج الإماراتي ماهر الخاجة هنا استخدام سلاح السينما للحديث حول الصحافة والإعلام، أو لإيصال رسالته التي يقول حول غياب الحب وعلاقات الصداقة الشريفة وكثرة الدسائس والمؤامرات في عالم الإعلام، إلا أنه لا ينجح أبداً في توصيل هذه الرسالة، لأن الفلم لا يتعرض لما تقوم به الصحافة إلا من خلال مشاهد مباشرة وساذجة تفتقر للدافع والسبب الدرامي الذي يجعلنا نصدق ما يدعيه الفلم ، خاصة القصة التي يحشرها في نهاية القصة حول تلك الصحافية التي اشترت أشرطة فيديو تثبت كذب الشائعات حول موت المخرج واختفائه حتى لا تنفضح المحطة التلفزيونية٠
وعوضاً عن استخدام عناصر الفلم الدرامية أو البصرية المختلفة و أغراض الفلم السينمائي التعبيرية، فإن المخرج يقدم رسالة مكتوبة قبل بدء الفلم موجهة للمشاهدين يشرح فيها رسالته ويبرر بالنص ما يريده من المشاهدين أن يفهموه بالضبط ، وكأنه يعلم مسبقاً أن الجمهور لن يفهم رسالته أو ربما كان يعرف أنه لن ينجح في إيصالها من خلال الفلم ، وذلك في استخفاف واضح بعقول المشاهدين. على ذلك، فإن الفلم ضعيف جداً من الناحية الفنية والتعبيرية، هناك لقطات كثيرة تعودنا على رؤيتها في المسلسلات الخليجية حيث يحدث البطل نفسه أمام المرآة بما فعل وما سيفعل ويسرد بعض الأحداث القصة سرداً ، وهذا في الحقيقة هروب لطريق سهل يقصد به إطلاع المشاهدين على سر من أسرار القصة ، و يدل على أن المخرج أفلس ولا يملك القدرةعلى التعبير عن الأحداث بمشاهد مصورة فيستعيض بتعليق صوتي ومونولج داخلي لبطل الفلم لا قيمة فيه للصورة ولا يهم معه إذا كان هناك صورة أو لا أو ما إذا كان البطل ينظر للمرآة أو ينظر للجدار. حتى أنه يفرط كثيراً في استخدام التعليق الشخصي والمونولج الداخلي في مشاهد لا تحتاج إلى تعليق أساساً، هناك تلك اللقطة التي تخرج فيها بطلة الفلم مسرعة من أحد المباني المسكونة وتهرع خائفة ومرتبكة وتبحث عن سيارتها التي اختفت فجأة، كل هذا بلقطات تبين فعلاً أنها خائفة ومرتبكة، لكن التعليق يقول:"خرجت مسرعة، وأصبحت خائفة ومرتبكة، أصبحت مرتبكة ولا أدري ما أفعل" !!! ثم تلحظ هاتفا عموميا فتذهب إليه لتحاول الاتصال بأحد ما طلباً للنجدة، لكن التعليق يقول: " اااه،، وجدت الهاتف العمومي ، سأذهب بسرعة وأتصل،" وعندما تصل للهاتف وتبدأ في ضرب الأرقام يقول التعليق" انا الآن أتصل بالنجدة،، أحاول الاتصال بأحدهم" !!!٠

الشر الخفي
لكن فلم "الشر الخفي" فلم روائي بالكامل سنختلف كثيراً على مضمونه ورسالته لكننا سنتفق على قيمته البصرية الفنية والعمل الجبار في ناحيته الإخراجية ، ويكفي أن نعرف أن محمد هلال تعلم السينما بمجهودات شخصية عن طريق الانترنت والممارسة التجريبية ولم يدخل يوماً مدرسة للسينما كما فعل بعض قرنائه الإماراتيين٠
وعمله السينمائي الجديد يشهد على مواهب قادمة لا تحتاج سوى الدعم، إذ يشكل جهد شبابي تعاوني، اشترك كل طاقم العمل في إنتاجه من دون اللجوء لشركة إنتاج٠
ربما تلتفت الشركات والجهات الداعمة لمواهب العاملين في هذا الفلم بعد عرضه على الشاشة الصغيرة، إذا يتجه المخرج لعرضه على بعض القنوات التلفزيونية في الفترة القادمة لعلها تشتريه٠
إنه الفلم الأول لمخرجه ويتحدث عن أمور خفية ومخيفة تحصل لمستأجري إحدى الفلل المسكونة في إحدى الأحياء الراقية في مدينة جدة، يتعاقبون على السكن في هذه الفلة وكلهم يخرجون منها بداعي الخوف مما يحصل فيها. ورغم أن الفلم روج له على أساس أنه فلم رعب، إلا أن ما يتضح هو طغيان لون الفنتازيا ولغة التنويع الدرامي على طريقة المسرح. ولنترك الجانب الدرامي والروائي في الفلم جانباً لبساطته ونزوله أحياناً لمستوى غير مثير كثيراً للاهتمام ولننظر للشغل المبذول على صعيد التصوير والموسيقى ، الأسلوب المتبع في التصوير يترك لدى المشاهدين انطباعاً بأنه أمام عمل احترافي متقن رغم(  أنه يركز بالدرجة الأولى على التجريب، اللقطات القريبة من الوجه كثيراً ما استخدمت هنا والمخرج يرجع أسباب ذلك ، عندما سألته ، إلى سياسة تصويرية خاصة ونهج خاص يتبعه في كامل الفلم إذا يحب أن يترك بصمته، وإذ يبدو أنه لا يزال في مرحلة التجريب والمحاولة(صور الفلم بنفسه وعمل على التوليف أيضا لوحده) إلا أن نتيجة عمله هذا مبهرة وساحره وتذكر بأعمال كبار المخرجين من أمثال مايكل مان، هناك لقطات في الفلم وبالأخص في نهاية تدل على موهبة خاصة لدى محمد هلال وقدرة على الاستفادة القصوى من العناصر المتاحة فنياً وتوظيف قوي لعناصر الصورة رغم بساطة الأدوات (الفلم مصور بكاميرا ميني ديفيدي) وضعف بعض أجزاء السيناريو(لم أقرأ السيناريو، لكنه كسيناريو وأحداث للسينما ، يبدو ضعيفاً في بعض أجزائه)٠
أيضاً هناك القطع المفاجئ إلى أحداث لا ترتبط أبداً بما يسبقها لا من ناحية الأجواء العامة ولا من ناحية الربط القصصي أو الدرامي، وإذ يأتي كاتب السيناريو بندر باجبع من خلفية مسرحية حيث اشتغل كثيراً في مسرحيات وطنية وشعبية وغيرها في داخل وخارج السعودية، فإننا ندرك المغزى من وراء التنويع الحاصل في السيناريو حيث ترتفع وتيرة الرعب تارة وتنخفض تارة أخرى، وأحياناً نكون في جو ترقب خوف ثم ننتقل فجأة لمشاهد كبيرة وجميلة لمدينة جدة وقت الغروب أو في بزوايا تصوير خلابة لذروة الزحام في ليل جدة المزدحم بالناس والسيارات والحياة، ثم نرى ذلك الفتى اللاهي وغير المبالي سوى بما يشكل سهرته الممتعة مع أصحابه، ثم هناك ذلك الشاب الذي يعيش حياة بسيطة و"على قد حالها" وما يحدث له ولعائلته من مشاكل اجتماعية ومعاناة نفسية. وهو يقول :" بما أنني اشتغلت كثيراً في المسرح، وخلفيتي وخبرتي هي مسرحية، فإن السيناريو وبالنتيجة الفلم يأتي بتنويع خاص أحب أن أصنعه، أنا أحب كثيراً التنويع في مسرحياتي، أحب أن أضحك الناس تارة، أن أبكيهم تارة، وأن أخفف عنهم أحياناً ، وأحياناً أجلب الجدية والصرامة، انظر إلى الحياة، هي هكذا منوعة، فيها التراجيديا، وفيها الكوميديا، حتى الفلة التي يتحدث الفلم عنها ، هي مثل كل بيت وما يحصل فيه يحصل في الحياة كلها، هناك بعض اللحظات السعيدة وأخرى الحزينة وغيرها". وهذا بالضبط ما يأتي به الفلم من تسليط للضوء على كل أجزاء الحياة في مدينة جدة من خلال كل ما يحدث في الفلة٠



تقارير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
مهرجان سعيد بوضعه وناجح بتواضعه



About Eley 

انطلق مهرجان هونولولو (المعروف أيضاً بمهرجان هاواي) السينمائي الدولي يوم الجمعة السادس عشر من هذا الشهر ويستمر حتى الثاني والعشرين منه وذلك في دورة جديدة لا خلاف في أنها لا تحمل جديداً بالنسبة لهذا المهرجان، باستثناء الأفلام المشاركة بالطبع٠
منذ أن أقيم للمرة الأولى قبل ثلاثين سنه، سعى هذا المهرجان الآسيوي لأن يحتل مكانة متوسّطة بين المهرجانات الدولية تكفي لحث الهواة المحليين الإحاطة بأفضل ما تم إنتاجه من أفلام ولو عُرضت في مهرجانات أخرى سابقة. بتلك القناعة، وباختياره موعداً ربيعياً ملائماً، نجح في الإستمرار من دون تحميل نفسه عبء الطموحات الكبيرة والمنافسات الشديدة خصوصاً وإنه لا يستطيع أن يبز بعض المهرجانات الآسيوية القريبة، مثل طوكيو الياباني وبوسان الكوري والمهرجانات الأخرى في تايوان وسنغافورة والصين، حجماً وهي التي لديها ميزانيات أكبر من ميزانيّته المحدودة٠
على الرغم من ذلك، يفي هذا المهرجان بالمطلوب منه وأكثر. الإقبال عليه ثابت والأفلام المعروضة فيه ترسم بانوراما عريضة من الإنتاجات السينمائية حول العالم. لا أحداث جسام ولا سوق يركض في مناكبه الموزعين ولا تلك الهالة التي تحيط بالمهرجانات الكبيرة قبله او بعده٠
لكن المتابع لمسيرته، خصوصاً في السنوات الأخيرة، يلحظ أن النجاح كان أيضاً حليف سياسة قائمة على الموازنة بين ما هو عالمي وبين ما ينتمي الى الأسواق الآسيوية القريبة. هذا العام، على سبيل المثال  يوجد خمسة عشر فيلماً من دول المنطقة مع غالبية ملحوظة للسينما اليابانية، في حين توزّع الباقي من دول أوروبية (فرنسا، المانيا، السويد، ايطاليا) وأخرى من دول شرق أوسطية لجانب أفلام من الهند وكندا والولايات المتحدة٠
قبل الإفتتاح بعشرة أيام انضم آخر فيلم الى لائحة الأفلام المشتركة في هذه الدورة وهو فيلم  لمخرج تايواني جديد أسمه أرفن تشن  عنوانه "وداعاً تايبي". اختار تشن أن يسرد فيه حكاية شاب يسعى للحاق بصديقته التي يحب والتي انتقلت الى باريس لتستلم عملاً هناك. على بطل الفيلم أن يشتغل ساعات إضافية في مطعم والديه، وأن يمضي الليالي في المكتبة ليدرس اللغة الفرنسية. في أحد تلك الليالي، يتعرّف على فتاة أخرى هادئة ومسالمة وجميلة ما يوقعه في حيرة من أمره: هل يستمر في مسعاه اللحاق بالفتاة الأولى، او يصرف النظر ويبقى مع الفتاة الجديدة؟
   
رحلة الى الشاطيء
فيلم اسكندر قبطي ويارون شاني "عجمي" معروض هناك أيضاً. الفيلم كان شهد سلسلة من العروض السينمائية في المهرجانات وتم ترشيحه لأوسكار أفضل فيلم أجنبي ممثلاً للكيان "الإسرائيلي"  لكنه خسر لصالح  الفيلم الأرجنتيني "السر في عيونهم" جوان جوزيه كامبانيلا ٠
معظم أحداث "عجمي" تقع في الحي العربي المذكور في العنوان داخل مدينة يافا ما يوحي بأن نسبة ما صوّره ونفّذة المخرج الفلسطيني اسكندر قبطي هي أعلى من نسبة المخرج الآخر وإذا كان هذا الإستنتاج صحيحاً فإن قبطي هو الذي منح الفيلم أسلوبه وإيقاعه كما تصميم ورسم معظم شخصياته وهي أهم عناصر الفيلم الذي يفتقد، في الناحية المقابلة،  تحليلاً سياسياً للوضع مختاراً أن يبقى محصوراً في حكايات تقع في محيطها العربي في معظم الأحيان٠ إنه للمخرج أشقر فرهادي وعنوانه "حول إيلي" وإيلي هي فتاة ايرانية عاملة تشترك وثلاث عائلات رحلة استجمام الى أحد الشواطيء حيث تتعرّض لحادثة غرق بينما كانت تنقذ أحد الأطفال. الآن الوضع محرج للجميع لأنهم لا يعرفون عنها شيئاً ما سيجلب عليهم مشاكل جمّة حين إبلاغ البوليس بالحادثة٠
لكن أحد أفضل الأفلام المعروضة هو البوليسي السويدي "الفتاة ذات الوشم التنيني" لنيلز أردن أوبييف المأخوذ عن رواية جيّدة للكاتب الراحل سنة 2004  ستيغ لارسن عن فتاة اختفت قبل أربعين سنة من دون أثر لكن قضيّتها لا تزال مفتوحة في حساب المحقق ورفيقه الباحث وكلّما أمعنوا فيها تقصّياً كلما اكتشفوا بقعاً سوداء في حياة الشخصيات التي أحاطت بها٠
وهذا اليوم، الأحد، هو موعد عرض واحد من الأفلام اليابانية المنتمية الى نوع "الأنيمَ"، وهو نوع مشتق من الأنيماشن تمارسه مخيّلات وإبداعات الفنانين اليابانيين بأسلوب يختلف عن ذاك المتوّفر  والمتداول في هوليوود وحول العالم. ومن بين الأفلام اليابانية الأخرى"طبّاخ القطب الجنوبي" لشويشي أوكيتا الذي يجمع بين المغامرة والفكرة الفريدة في بيئة باردة خلال رحلة يقوم بها ثمانية أشخاص  بينهم طبّاخ عليه يدرك أن بقاء الجميع على قيد الحياة هي مسؤوليّته وحده٠   



شخصيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
روبرت ميتشوم: الآخرون ثقوب على الشاشة


في واحدة من المقابلات الصحافية القليلة التي أجراها الممثل روبرت ميتشوم في حياته المهنية التي انتهت بوفاته قبل ثلاثة عشر سنة ، أعتقد الصحافي الذي جلس إليه بأنه سيطرح ما قد يفتح المجال أمام حديث عميق حول تجربته التي بدأت في مطلع أربعينات القرن الماضي فسأله: كم نوع يتألف  أسلوبك في التمثيل؟. نظر اليه الممثل بعينيه الناعستين وأجاب: "هناك نوعان من التمثيل، نوع مع حصان ونوع من دونه"٠
لعل ميتشوم لم يكن سعيداً بالمقابلة فأراد اختصارها، او لعلّه لا يحب الحديث في مواضيع تتطلّب مواقف ثقافية، المهم هو أنه وضع أصبعه على النوعين الأكثر تكراراً في حياته المهنية ممثلاً والتي شهدت  110
فيلماً او نحوها نصفها تقريباً من نوع الوسترن ركب فيها الحصان عوض ركوب السيارة. لكن ميتشوم في النوعين، بالحصان ومن دونه، حمل ثلاثة مواصفات: شخصية  ساخرة من نفسها والعالم، صورة رجل يحمل على كاهله أكثر مما يجب، وقبّعة مسدلة ترتاح على رأسه كما لو أنها وُلدت معه٠
روبرت ميتشوم، الذي يستعد معهد الفيلم البريطاني لتقديم مجموعة من أفلامه في تظاهرة مهمّة قبل نهاية هذا العام، ولد  في السادس من آب/أغسطس سنة 1917 وحياته الأولى شبيهة بسيناريو من أفلام هوليوود القديمة حول أولئك الأولاد الذين يترعرون على هامش المدينة وينزلقون الى قعرها متعرّضين لكل المشاكل الإجتماعية والبيئية ولمخاطر الجريمة قبل بلوغهم سن الشباب.  ترك بيت والديه والمدرسة حين كان لا يزال في الرابعة عشر من العمر وألقي القبض عليه بعد سنتين بتهمة التشرّد وذلك في طريقه من مكان ولادته (بلدة بردجبورت، ولاية كونيكتيكَت) الى ولاية كاليفورنيا. حين وصوله الى هناك عمل في منجم للفحم وحارساً في ملهى ليلي في مطلع الأربعينات. وفي العام 1943 بدأ الظهور في السينما في أدوار صغيرة الى جانب النجم المحبوب هوبالانغ كاسيدي. في تلك السنوات لم يقل لا لدور وأنجز  في ذلك العام 18 دوراً في 18 فيلم من بينها فيلم من بطولة الكوميديين لورل وهاري بعنوان "أسياد الرقص"٠
الناظر الى تلك الأفلام الأولى، والى تلك التي مثّلها حتى منتصف ذلك العقد، يجد أمامه ممثلاً لا يطلب الكثير. يعكس حضوره طموحاً في معظم الحالات، لكنه لا مجال لكي يفرض ذلك الطموح. كان بالإمكان، كمئات سواه أن يبقى في عداد الممثلين الثانويين، او أن يقلع عن التمثيل عموماً بعد ثلاثة أعوام من العمل في تلك الأدوار. لكن ميتشوم وحده كان يعلم أنه يستطيع بلورة شخصيّته الخاصّة إذا ما استمر، وهو استمر فعلاً. في العام 1944 شارك ڤال جونسون وروبرت ووكر  الظهور في الفيلم الحربي »ثلاثون ثانية فوق طوكيو" ومنه انتقل الى دور رئيسي كان الأول له في فيلم حربي آخر بعنوان "قصّة جي. آي جو" . عن دوره هنا تم ترشيحه للأوسكار.... المرة الوحيدة التي تم ترشيحه فيها لهذه الجائزة رغم أنه في سنة 1970 ظهر في أكثر من فيلم رئيسي ومهم من بينها  دور بطولة في فيلم ديفيد لين  " إبنة رايان"٠

Out of the Past 

قبل ذلك تسلّق السلّم سريعاً حالما وضع قدميه على عتباته الصحيحة. ظهر في عشرات من أفلام الوسترن وفي عشرات أخرى من الأفلام البوليسية، والثانية هي من كشفت عن تلك الشخصية المتمرّدة والمنتحرة ببطء. أحد أفضل أفلامه تلك "من الماضي" أمام مايكل دوغلاس وجين جرير وروندا فلمنغ ومن إخراج جاك تورنور. فيه يقرر ميتشوم العودة الى ماض كان قد أخفاه عن الجميع حتى وإن عني ذلك موته دفاعاً عما يراه صحيحاً٠
هذه الصورة صحبته وعكست نضجاً متزايدا في ثلاثة من الأفلام البوليسية الرائعة أقدم عليها بدءاً من العام 1972: "أصدقاء إيدي كويل" لبيتر ياتس، "ياكوزا" لسيدني بولاك، "وداعاً يا حبّي" لرتشارد ريتشاردس٠
في حديثه عنه، وصفه ديفيد لين بهذه الكلمات: "الممثلون الآخرون يمثّلون. أما روبرت ميتشوم فهو الشيء المطلوب. بحضوره يجعل كل ممثل آخر تقريباً يبدو كما لو كان ثقباً على الشاشة"٠  



حوار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
كوستا- غافراس يتحدّث عن فيلمه الأخير وسينماه

 فرنسا قبلتني ورفعت من شأني كثيراً لكن المجتمع اليوم صار عنصرياً


منذ بضعة أفلام يبلور كوستا غافراس أنماطاً سينمائية هجينة وغير صارمة تتجه الى قطع العلاقة مع التجارب التي صنعت أهميته ومكانته ضمن الفيلم السياسي، في ستينات القرن الماضي وسبعيناته، ولكن من دون التنكر لهذا الماضي.  ملل؟ نهاية مرحلة؟ انهيار القضية؟ أو صعوبة في ايجاد ما يُلهم؟ قد يكون هذا كله معاً مثال على هذا الانهيار الفظيع، فيلمه الجديد "عدن في الغرب"، الذي يصوّر مهاجراً غير شرعي اسمه الياس، آتياً من مجهول، يصلح لأن يكون من سلالة  شارلو، لو لم يكن على قدر من السذاجة وتدبير الذات، على طريقة شخصيات مسرح الدمى. هذا الأسمر الوافد الى قارة الرجل الأبيض، تطارده السلطات الفرنسية العنصرية بدءاً من شواطئ العراة وصولاً الى باريس، تلك العاصمة التي يحلم بالمجيء اليها.  يتعمد غافراس التغافل عن الأسئلة السياسية المتعلقة بواقع الهجرة في فرنسا خصوصاً وأوروبا عموماً، ويأتينا بفيلم مغامراتي يزخر بالكليشيهات ويعبق بروح الميثولوجيا المغرية، لكن هذا كله يذهب به الى نظرة جد تعميمية وأحادية الجانب، على موضوع يجري تناوله بالكثير من الخبث والنفاق في المجتمع الأوروبي (مراجعة قضية اريك زيمور). بالنسبة الى مخرج "حالة حصار" و"الاعتراف"، فمحنة الهجرة متعلقة بالكبت الجنسي والسماء الملبدة بالغيوم.  الأنكى أننا نعلم كم هي نبيلة نيات هذا الرجل المحب فويل لسينما تقول عكس ما يريد مخرجها

 لماذا هذه المقاربة الكوميدية لموضوع خالص الجدية؟
 لا أجد أن الفيلم يقوم على الكوميديا فحسب له ايضاً جانب جدّي كنت أنوي أن اعالج موضوعاً باتت معالجته رائجة اليوم على نحو خفيف هناك ميل سائد اليوم في السينما، يقوم على اظهار المهاجرين باعتبارهم اناساً يجلبون معهم المآسي، وهم تالياً مصدر خطر للمجتمعات التي ينخرطون فيها لا أعتقد انهم كذلك بل أرى فيهم فئات حقيقية في المجتمع تمتلك احتمالات تأقلم كثيرة، وبعضهم يتحلى بالجمال، ويجب تقبلهم على هذا الأساس

 عندما تقول "جمال"، هل تقصد المظهر الخارجي؟ لم
أفهم قصدك!٠
 أتكلم عن الجمالين الداخلي والخارجي إلياس مثلاً، ليس شخصاً سلبياً ليس لصاً أو لنقل انه من الممكن أن يسرق لكن فقط عند الحاجة الملحة يتعامل إلياس مع الآخرين على قاعدة "العين بالعين والسن بالسن"
 لكن هذا تحصيل حاصل، فلِمَ الاصرار على القول إن جماعة معينة تضمّ أناساً طيبين، هذا لا يحتاج الى تأكيد!٠
 ليس تحصيلاً حاصلاً انظر قليلاً الى ما يحصل اليوم في فرنسا مثلاً: هناك شك مزمن في أهلية هؤلاء استمع الى ما يقال عنهم حيناً يقال انهم لصوص، وحيناً انهم مسلمون بعض اليمين المتطرف يقول ان كثرة السود ستحول المجتمع الفرنسي مجتمعاً ذا غالبية من السود حتى انه قيل ذات مرة إن هناك الكثير من السود في فريق كرة القدم الفرنسي.  أعتقد ان العنصرية تبدأ من هذا المكان كلنا بشر: هذه هي فكرة الفيلم
 بلدان أوروبية عدة في حالة الدفاع عن النفس أمام هذا النوع من الهجرة العشوائية، هذا كل ما في الأمر

أليس الخوف من الآخر مشروعاً في بعض الحالات، في رأيك؟
 ليس من الطبيعي أن يكون الآخر مصدر خوف عشوائي بالنسبة الينا ثلاثون في المئة من الفرنسيين أصولهم أجنبية وهؤلاء شاركوا في بناء فرنسا اذا كانت هناك بعض المشكلات فيمكن معالجتها، لكن الاشارة بالإصبع الى الأجنبي، والشعور بالخوف منه، يعيداننا الى القرون الوسطى


 لماذا هذا العنوان "عدن في الغرب" الذي يحاكي عنوان
فيلم "غرب عدن" لايليا كازان؟
 عدن هي الفردوس، والمعروف أن الكثير من العواصم الأوروبية مثل باريس أو برلين أو لندن يُنظَر اليها من جهة شعوب البلدان الفقيرة باعتبارها الجنّة على الأرض يشاهدون من خلال الأفلام وشاشات التلفزيون كم الحياة سهلة وممكنة ويقولون لأنفسهم "هذا هو المكان الذي يجب أن أذهب اليه" في الواقع، بلداننا هذه لا تشكو من شيء، طبعاً مع التحفظ الشديد عن بعض السياسات وسوء استخدام السلطة

ما الجانب الشخصي في الفيلم، كونك أنت أيضاً جئت
الى فرنسا بصفتك مهاجراً قبل أن تتجنس عام 1966؟
 قصتي مختلفة قليلاً ما إن تموضعت في فرنسا حتى أردت ان أحمل جنسية هذا البلد وأن أكون مواطناً فرنسياً بصفة كاملة والحق أن فرنسا قبلتني ويمكن القول حتى انها رفعت من شأني كثيراً، فصرت فرنسياً من دون أن أفقد حساسيتي اليونانية. الفيلم شخصي لكن لا يمكن اعتباره سيرة. الفرق بيني وبين الياس، هو انه جاء بصفة غير شرعية، أما أنا فكان وضعي قانونياً كوني كنت جئت الى باريس للدراسة. لكن صحيح أنني عشت بعض المواقف التي عاشها الياس، مثلاً الخوف من الغريب في نظرة نظرة الآخر حين يسمع لهجتك فيقول في قرارة نفسه "ماذا جاء يفعل هذا الغريب هنا؟" عشت ايضاً المتاعب مع الشرطة، لكن لا استطيع ان أنكر انني التقيت اناساً طيبين شرّعوا أمامي أبوابا مغلقة

 خلافاً لإلياس الذي يحمل ملامح اتنية، فأنت
تشبه أي أوروبي
 هذا صحيح، لكن اليوم في فرنسا هناك الكثير من الفرنسيين الذين يشبهونه بعض الفرنسيين سمر وآخرون سود.  المستغرب أن بعض هؤلاء، وهم فرنسيون ولدوا في فرنسا، غير مقبولين في المجتمع، فقط لأن بشرتهم داكنة

 فيلم آخر عن الهجرة غير الشرعية اسمه "أهلاً" [فيليب
ليوريه] صادف نزوله الى الصالات بالتزامن مع فيلمك
ما رأيك فيه؟
 انه لفيلم بديع لكن مخرجه ينظر الى الأشياء من الضفة المقابلة لضفتي، فيصوّر مهاجراً يريد الرحيل ويتعاطى مع الجانب المظلم للهجرة اما أنا فجعلت من المهاجر شخصاً ايجابياً يريد المجيء الى فرنسا لحياة أفضل٠

 لكن، لماذا أردت أن تجعل من المهاجر شخصاً
ساذجاً بعض الشيء؟
 ليس ساذجاً، إنما لا يعرف شيئاً يجهل اللغة ويجهل العادات، وهو في طور الاكتشاف الدائم للأشياء في كل مرة، عليه ان يتأقلم مع استحقاق جديد لكن حالما يتفهم الوضع، يتأقلم أعتقد أن اشخاصاً من هذا النوع يعبرون البحار ويستطيعون التكيف مع واقع جديد، هم ذوو عزيمة، وعلى البلدان التي تستقبلهم أن ترحب بهم لأنها في حاجة الى مثل هؤلاء الناس الذين يضحّون بما يضحّون به للوصول حيث يريدون الوصول٠

 ما المغزى من جعله يُستغَلّ جنسياً لمرتين متتاليتين؟
 ما من أحد أكثر رقة وهشاشة من المهاجر يُمكن استغلالهم في العمل وفي السرير وفي الشارع لا يملكون الجواب عن أيٍّ من تساؤلاتهم ولا وجود قانونياً لهم اصلاً يمنحهم حق الشكوى المعتدي يعرف ذلك جيداً يمكن أن تفعل بهم ما شئت انه، لسوء الحظ، "الفردوس الغربي"، على رغم أننا يجب أن نشدد على ان هناك أناساً
صالحين٠


 هذه هي تحديداً المعضلة التي نواجهها عند تناولنا
مواضيع مماثلة، اذ سرعان ما نقع في التبسيط الممل
والتعميم المجحف، فيما السينما هي أولاً فن التعاطي
مع الحالات الفردية! كيف يتجنب مخرج مثلك الوقوع
في فخاخ الكليشيهات؟
 منذ سحيق الزمان لا تنجز السينما الا الكليشيهات لا بأس بذلك الأهم كيف نصنع هذه الكليشيهات الحياة مليئة بها، أحياناً الكليشيه اصدق من أي شيء آخر، لأنه يقول الكثير عن حياة نساء ورجال طبعاً، لم يكن هدفي من هذا الفيلم أن اصنع سلسلة كليشيهات بالنسبة اليَّ، كان ضرورياً الا نعلم من أين يأتي الياس لم أكن اريد منح هوية أو دين، ولذلك السبب أطلقت عليه اسم الياس وهو اسم متداول عند المسيحيين والمسلمين أما اللغة التي يتكلمها فهي مخترعة كنت اريد تقريبه الى انسانيته

تولي الأهمية الى البورليسك أيضاً والمغامرات الهزلية
 جاك تاتي كان يقول: لا داعي لفبركة الكوميديا، فهي موجودة في كل مكان، ويكفي أن ننظر الى النساء والرجال من حولنا. لا تولد الكوميديا في الفيلم من أجل الكوميديا، بل ما يتعرض له الياس هو الذي يوصل الفيلم الى حافة الكوميديا التي هي بالاحرى تراجيكوميديا ساخرة هناك الكثير من المواقف الهزلية في حياتنا اليومية

 أسمح لي أن أقول إنك لم تكن على هذا القدر من الخفة
في ذروة نشاطك السينمائي قبل ثلاثة عقود؛ لم تكن
تنظر الى السينما والحياة من هذا المنظور
 يجب أن تعلم شيئاً هو أن جيلين من السينمائيين تعاقبا منذ دخولي السينما، وهذين الجيلان أقل طاعة واحتراماً ازاء الثوابت مما كنا نحن، وهذا شيء حسن

 هل الاجيال المتعاقبة بدّلت فيك أشياء؟
  بالتأكيد ينبغي مراقبتهم ومحاولة فهمهم، وهذا ليس بالأمر السهل

 ما ملاحظاتك على سياسة الهجرة الفرنسية التي تدينها؟
 اراها غير عادلة ولاإنسانية لا تحترم المهاجر لا أقول انه يجب فتح الأبواب لكل المهاجرين وهم بالآلاف الاحترام مفقود حتى ازاء الفرنسيين من أصول أجنبية اسلوب التعاطي معهم جد سيئ طبعاً هذه الظاهرة ليست حكراً على فرنسا، فهي سائدة مثلاً في ايطاليا تحت سلطة برلوسكوني الاوروبيون يريدون المهاجرين عبيداً لهم لكنهم يرفضون رؤيتهم أفراداً

 ألا زلت تشاهد الأفلام؟
 بالطبع أمس شاهدت "تيترو" لكوبولا و"القيصر" لبافيل لونغين السينما اليوم في أزمة. من الجيد أن تكون السينما في أزمة لئلا نبقى في مكاننا ونصبح بورجوازيين، محاولين تكرار الأفلام نفسها كما الحال في
هوليوود

 هناك على الأقل نوعان من السينمائيين، أولئك الذين
يستلهمون من الحياة والذين يستلهمون من السينما
من أيّ صنف أنت؟
 أنا من النوع الذي ينتمي اليه كوستا غافراس. لي وجهة نظري الخاصة ليستلهم الآخرون مما يشاؤون انا افعل ما يملي عليّ احساسي قد انجح وقد لا انجح، لكني أخوض تجربة الاستماع الى صوت القلب

 بعد 40 عاماً من السينما، هل لا يزال ما يحمسك
على حمل الكاميرا والتصوير؟
 الحكايات التي من حولي هي التي تحثّني على ذلك لن أتوقف عن التصوير طالما أستطيع التعبير من خلال حفنة مشاهد متتالية الأمر أشبه بمجالسة اصدقاء وإخبار القصص انها لمتعة هائلة!٠

 هل يؤلمك الفشل الجماهيري وهل يفرحك النجاح؟
 الاستقبال الحسن الذي يوفره المُشاهد لفيلم ما، أمر مهم، لكن لا نزال نجهل سرّ ذلك النجاح لا توجد وصفة جان كوكتو كان يردد: هناك قواعد لجلب المُشاهد لكن لا نعرفها وأنا أقول: لحسن الحظ!٠

 هل ثمة مواضيع يصعب عليك ايجاد المال لأفلمتها؟
 طبعاً من السهل ايجاد أموال اذا اردت انجاز كوميديا أو فيلم بوليسي، لكن المواضيع الجدية التي تتضمن قدراً من المخاطرة، مصيرها التعثر على أبواب شركات الانتاج

 هل من تابوهات؟
 ٠(بعد تفكير) توجد تابوهات. ثمة موضوع لا يمكن المساس به هو الصراع العربي الاسرائيلي٠ انجزت فيلماً اسمه "هانا كا" قبل عدة سنوات لكنه لم يجد النجاح المطلوب (ضحك) لم أحاول العودة الى الصراع العربي- الاسرائيلي لأنني لم أكن أجد الحبكة الملائمة لطرحه٠ تطور الحوادث في تلك المنطقة كان اسرع من القدرة على الامساك بها لا أزال في انتظار شيء عن هذا الصراع يخرج عما ألفناه

 خلافاً لسينمائيين آخرين، لا تلعب ثقافتك المزدوجة
دوراً مهماً في سينماك
 لم يكن في امكاني انجاز أفلام كالتي أنجزها كلود شابرول ولوي مال لأن في بالي هموماً أخرى تؤرقني٠ ايضاً عشت تجارب أخرى، علماً ان الثقافة الفرنسية كانت الأرضية التي أسست عليها ثقافاتي الأخرى. لقاء الثقافتين هو الذي اتاح لي انجاز أفلامي لو عشت وعملت في بلد آخر، لنقلْ في اليونان أو في أميركا، لما كنت أنجزت هذه الأفلام

 ألم تتمنى أمام الصعوبات الانتاجية أن تكون "رساماً
لا يحتاج الى أكثر من ريشة"، كما تقول؟
 طبعاً تمنيت ذلك (ضحك) لكن خياري استقر على السينما ما كان من الممكن لي أن اكون رساماً. المال في السينما عائق لكنه ليس العائق الأكبر. العائق في كل حال، يحفزك على القفز فوقه والى الآن قفزت فوق اسوار التحديات



تيارات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ | محمد رُضا
الرغبات المستترة والغايات الجادّة في السينما الكوميدية العاطفية


Date Night

يشترك  "ليلة موعد"، الفيلم الجديد الذي تم افتتاحه هذا الأسبوع، وفيلم "صيّاد الجوائز" الذي تم افتتاحه قبل أسبوعين، بأن كليهما يتحدّث عن زوجين يجدان نفسيهما في خطر٠
في  "صياد الجوائز"، إخراج أندي تاننت وبطولة جيرارد بتلر وجنيفر أنيستُن عن سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما بقلم نيل موريتز،  نجد الزوجين المطلّقين يتّحدان حالما يشعران بخطر مشترك. هناك جريمة قتل  تحاول الصحافية  أنيستن حلّها ما يجعلها تخفق في الظهور أمام القاضي بتهمة الإعتداء على رجل قانون. يصدر ورقة رسمية بالقبض عليها، فينطلق زوجها السابق جيرار بتلر، الذي يعمل صيّاد جوائز (التعبير المستخدم لمن يُلقي القبض على مخالفي القانون لقاء جائزة مالية) للقبض عليها بنفسه. يتبادلان المقالب والخدع في محاولتها الإفلات منه ونجاحه في إفشال خططها او استعادتها إثر كل محاولة. هذا الى أن يدركان أنها لابد تملك من المعلومات ما يزعج المجرم الذي تتعقّبه، فيحاول الخلاص منها (او منهما بالأحرى) حتى يبقي هويّته مجهوله وجريمته بلا عقاب٠

فيلم "ليلة موعد" من ناحيته، يدور حول زوجين،  فِل وكلير،  يقفان على شفير الطلاق بعدما أصابهما الضجر من حياة زوجية مليئة بالروتين. من إخراج شون ليڤي وبطولة ستيف كارل وتينا فاي عن سيناريو مكتوب خصيصّا أيضاً للسينما بقلم جوش كلاوزنر. يتم التمهيد لحبكته بالتعرّف على حياتهما الخاصّة وما تعاني منه على الرغم من حب كل منهما للآخر٠
ذات ليلة ينطلقان في محاولة لتغيير روتين حياتهما: موعد رومانسي في مطعم يستعيدان فيه روح المناسبات المماثلة التي جمعتهما من قبل. المطعم الذي يقصدانه مزدحم وهما لم يحجزا فيه، لكن أحدهما ينبري بفكرة  انتحال شخصيّتين كانا حجزا طاولتهما ولم يحضرا بعد. إذ يفعلان ذلك ويشقّان طريقهما بالفعل الى تلك الطاولة، تبدأ الغاية الحقيقية من الفيلم حيث هناك شريرين يكمنان  بانتظار وصول الثنائي الذي لم يحضر، وإذ حضر فِل وكلير، فإن الشريرين  يعتقدان أن فِل وكلير هما الثنائي الذي تم استئجارهما لقتلهما. هكذا، ليلة غرامية تنقلب الى ليلة خطرة وعلى الزوج وزوجته النفاذ بجلديهما بعدما فشلت المحاولة الأولى وأدركا أنهما مستهدفان٠
ما ينجح فيه "ليلة موعد" هو ما يفشل فيه "صيّاد الجوائز": الإقناع المنبثق عن عدّة عوامل في مقدّمتها صلاحية الممثل لعب دور كوميدي. في هذا الإطار لا جيرارد بتلر ولا جنيفر أنيستن بموهبة ستيف كارل وتينا فاي. على مستوى آخر، هناك التوازن الصحيح بين الفانتازيا والعناصر التي تؤسس لأرضية واقعية والمتوفّرة في "ليلة موعد" وغائبة في "صيّاد الجوائز". كل ما لديه الفيلم الأول من حسنات يفقده الفيلم الثاني المضطر للشغل على الكليشيهات والخطوط المستوردة من أفلام أخرى وتكبير حجم المفارقة الواحدة لفرض إبهار الصورة والموقف على المشاهدين٠

حافّة النهاية
لكن حقيقة أن كليهما يتناول قصّة زوجين في خطر يكشف عن مسائل أخرى تقف في خلفية هذين الفيلمين كمنوال على فانتازيا قوامها التشكيل الإجتماعي للعائلة الأميركية الذي يجد نفسه، دائماً، في مواجهة طرف ثالث، عادة ما له خصوصية غير عائلية، مثل أن يكون روسياً او ايطالياً او أفرو-أميركي او عربي او لاتيني او مجرد مجرم أبيض البشرة خطير الشأن. كل هؤلاء يلتقون في أنهم يشكّلون مادّة مخالفة للمنوال الصحيح في العلاقات (الرجل والمرأة) وعليه فإن هذا المنوال الصحيح هو أميركا والمنوال الغريب الطامح لتعريضه للخطر هو أقل أميركية او الغريب تماماً. هذا المنوال الغريب يستحق التصدّي له والفتك به قبل أن يفتك بالبطلين المتحابّين٠
في هذا السياق أيضاً، فإن "صيّاد الجوائز" يشبه فيلما كوميديا حديثاً ثالثاً  أخرجه مارك لورانس من بطولة هيو غرانت وسارا جسيكا باركر بعنوان "هل سمعت عن آل مورغَن؟". المفروض أن العنوان هنا يتحدّث عن حكاية من الشهرة  او الأهمية بحيث ليس مناسباً عدم معرفتها. لكن المشاكل الكثيرة التي عانى منها الفيلم تجعل عدم الإقبال عليه والإكتراث للتحدي المبطّن الذي يتولاّه العنوان بمثابة رد مماثل  والفيلم بالفعل سقط تجارياً كسقوط "صيّاد الجوائز" او أشد قليلاً٠
قصّته هنا تتمحور حول المحامي بول (غرانت) المنفصل عن زوجته ميريل (باركر) رغم أنه لا يزال يحبّها. يلتقي بها ذات ليلة بينما كانت في طريقها لمقابلة عمل ويصحبها الى المقابلة ليشهدا تنفيذ جريمة قتل مفاجئة. إذاً، ومجدداً، هما في خطر من طرف ثالث، نتعرّف عليه لاحقاً، سيبحث عنهما راغباً في قتل الزوجة (والزوج بطبيعة الحال) كونها شاهدة إثبات على هويّته٠

هذه الأفلام، وسواها الكثير من قبل، تؤكد جنوح سينما اليوم للتأكيد على أن الخطر الخارجي كامن وهدفه النيل من الكيان الأميركي ذاته المتمثّل بالحياة الزوجية. لزيادة التأكيد وحث المشاهد على اتباع الخيط الذي سيدل على مكمن الخطر الحقيقي، فإن الزيجات الثلاث المستعرضة في هذه الأفلام كلها تعاني من التوتر قبل حلول الخطر الخارجي. الحياة الزوجية على شفير النهاية في "ليلة موعد". وصلت الى نهاية ما في "صيّاد الجوائز" وهي في محطّة إنتظار في "هل سمعت عن آل مورغَن؟"
وكل واحد من هذه الأفلام ينص على عودة اللحمة قويّة (أقوى مما كانت عليه أحياناً) بعد زوال الخطر الذي لا حل له الا بالقوّة٠
غرار ذلك موجود في أحد أكثر الأفلام تحديداً لمثل هذه العوامل والخطر فيه آت من شخصية لا تخطر على بال٠ في العام  1986 قامت الممثلة غلن كلوز بتأدية دور إمرأة أسمها أليس تفرض نفسها على حياة رجل أعمال أسمه دان (مايكل دوغلاس) وزوجته بث (آن آرشر). الفيلم بعنوان "جاذبية قاضية". لقد سمح الزوج لنفسه بليلة غرامية مع هذه المرأة التي لم يكن يعرفها معرفة شخصية من قبل على أساس أنه علاقة ليلة واحدة ليكتشف أنها إمرأة مهووسة لن ترضى بمعاملتها على أساس أنها طرف دخيل، بل تريد دخول الحياة الزوجية عنوة وتحويل علاقتها الى فعل دائم٠
المختلف هنا هو أن الطرف الذي يشكّل خطراً على الحياة الزوجية وما ترمز إليه هو طرف مواز في عنصره الأبيض، وفي موقعه الإجتماعي. لكن هذا اللا اختلاف هو في حقيقته توسيع للدائرة وليس استثناءاً لها او خروجاً عن قاعدتها٠

المشاهد في موقع الممثل
وربما ما يبدو غريباً في هذا الموضوع يكمن في أن الرسالة المذكورة تجد في نوع الأفلام الكوميدية غالباً منصّتها لطرح ذاتها،  في حين أن هذه الرسالة عادة ما تجد موقعها الطبيعي في أفلام الخيال العلمي وأفلام الرعب والفانتازيات الجادّة او الحادّة.  لكن الحقيقة هنا هي أن ما هو مطروح في نطاق الكوميديا هو بدوره فانتازيا ليس فقط على صعيد أن القصص خيالية، بل على صعيد أن المواضيع إنّما تتعامل مع غرائز ونزوات وفانتازيات موجودة في رؤوس وصدور المشاهدين٠
الحياة الزوجية هي هدف مثالي في أي مجتمع والمشاهدون إما جزء من تلك الحياة او أنهم يتوقّعون لأنفسهم التحوّل الى جزء منها حالما يجدون الشريك المناسب. تلك الأفلام تطرح في المقابل صورة تنطلق من عدم وجود تكامل عاطفي وتصوير الحياة الزوجية كورطة مفتوحة على احتمال كبير واحد هو الطلاق (او الإنفصال على الأقل). وتتحدّث على أن عدم وجود التكامل هو في نهاية أمره واقع لابد من القبول به لأن التحدي الحقيقي يكمن في العنصر الذي سيحاول هدم الحياة الزوجية بأسرها. حال قبول المشاهد هذه الصورة، فإن لديه حافزاً أقوى لتجنّب العثرات ولتأكيد حبّه لأنه إذا كان ذكراً وضع نفسه في حذاء ستيف كارل او جيرارد بتلر او هيو غرانت او مايكل دوغلاس، وإذا كان إمرأة وضعت نفسها مكان أي من الزوجات: تينا فاي، جنيفر أنستُن، سارا جسيكا باركر او آن آرشر
باحتلال موقع الممثل، وافق المشاهد، ذكراً او أنثى، على الشخصية التي يوفّرها الفيلم. وسنلاحظ أنه في هذه الحالات، وفي معظم الحالات المشابهة في سيل طويل من الأفلام الخفيفة التي ظهرت في السنوات العشر الأخيرة، أن موافقته تشمل قصور تلك الشخصية واخطائها. على فوضى حياة جنيفر أنيستن وخشونة جيرارد بتلر، وعلى توتّر شخصية تينا فاي او سذاجة شخصية هيو غرانت او سارا جسيكا باركر وهكذا٠

The Bounty Hunter 

وباحتلالها وافق بالتالي على أن الخطر كامن في تلك الشخصيات الدخيلة حتى ولو كانت أنغلو-ساكسونية ذكراً او أنثى هي عدوّه الحقيقي وبما أنه يشكّل المجتمع ذاك الذي اجتمع في قاعة السينما لمشاهدة الفيلم الواحد والذي يجلس مستقبلاً يتشارك في قبول المفهوم الواحد لا يخل عن هذه المشاركة الا قلّة من التي لا تنضوي. هذه في الواقع قد تكون الطرف المعادي المشار اليه من دون أن يكون بالضرورة مجرماً او أسود البشرة او من غير أهل الوطن. يمكن أن يكون رجلاً عازباً او شخص مهمّش لا ينتمي الى الغالبية التي تؤول اليها مهمة تفعيل الحياة الإقتصادية والفكرية والسياسة للبلد٠


العرّاب والعدو التركي
المرّات الي يخرج بها فيلم ما عن هذا النطاق المعهود ينقلب الحال رأساً على عقب او يكاد٠
فيلم سام بكنباه "كلاب من قش" (1971) يتحدّث عن أميركيين (دستين هوفمن وسوزان جورج) ينتقلان للعيش في الريف الإنكليزي حيث تنقلب سعادتهما الى بؤس شديد حينما يغزو رجال البلدة بيت الأميركي ويغتصبون زوجته. المفارقة هنا، والتي خلقت فاصلاً كبيراً بين الجمهور وبين الشخصيات، هي أن الزوجة لم تعترض كثيراً على فعل مغتصبيها. اخلاقياً، لا تستطيع المرأة التي تشاهد الفيلم الموافقة على ذلك. لكن في الوقت الذي خلق فيه ذلك فجوة كبيرة بين الفيلم (ورغبة مشاهديه) وبين الجمهور (وفانتازيّته) سجّل الفيلم هدفه الذي تتضمّنه تلك المفارقة، وهي أن الحياة الزوجية ذاتها قد تكون الخطر الماحق وليس العنصر الخارجي سوى المناسبة المحيطة بها التي تنتظر الفرصة للقيام بدورها. كون الزوجة تعيش فانتازيا ربما لم يؤمّنها الزوج جعلها وإياه الخطر على الحياة الزوجية٠
على أن صيانة تلك الحياة من الخطر الخارجي (وليس الداخلي كما في المثال المذكور)  هو ما يسود معظم ما يتم إنتاجه من أفلام٠
عبر قراءة الرغبة في صيانة الحياة الزوجية من الخطر الخارجي يمكن أن نقرأ أفلاماً كثيرة مرّت على الموضوع ولو عابراً. لنلاحظ مثلاً فيلم "العرّاب" لفرنسيس فورد كوبولا ما غيره. إنه ينص ويحرص على العائلة الواحدة المتعددة والمتكاثرة وذات القواعد والمسالك الأخلاقية (بصرف النظر عن مجال أعمالها الخارجة على القانون)    الى حد أن العائلة فيه صلب موضوعه: الأب وأولاده وأحفاده وزوجاتهم ثم الجالية والمعارف والأصدقاء والأزلام. كلّهم يشكّلون العائلة الكبرى والرحبة حسب مواصفات مقاطعة صقلّية التي ورد الآباء منها. حين يبدأ الخطر بالتشكّل فإن أحد أبرز عناصره  وأوّلها يكمن في شخصية  رجل عنيف وسفّاح أسمه فيرجل سولوتزو (كما يقوم به الراحل آل لاتييري) لكن لقبه الذي يتوسّط كلمتي فيرجل وسولوتزو هو "التركي" ما يكشف عن جذور غير إيطالية٠
هذه الصيانة تصل الى حد ينقلب خطراً على فكر المتلقّي إذا ما وافق على ما تحويه في بعض حالاتها القصوى كما الحال في فيلم غاري فلدر "لا تنطقي بكلمة" (2001) حيث مايكل دوغلاس (مرّة أخرى) يحاول استعادة إبنته من الخطف وحماية فتاة مصابة بعارض نفسي في الوقت ذاته. الخاطف وهو إرهابي بريطاني يريد اجبار الطبيب دوغلاس على فك عقدة المريضة لكي تدلي بمعلومات تفيد الإرهابي في عمله. في المقابل سيطلق سراح إبنة الطبيب. لهذا الإرهابي أعوان من الأشرار أحدهم أسود البشرة٠
الأكثر فداحة في وضعه هو "300" لزاك سنايدر (2006  المأخوذ عن  فيلم مختلف في توجهه السياسي بعنوان "300 اسبرطي" لرودولف ماتي (1962 ). في نسخة سنايدر فإن الشراكة الزوجية هي التي حققت النصر على الأعداء (حشود من العرب والصينيين والفرس والوحوش الخرافية) فبينما كان ليونيداس (جيرارد بتلر) يحارب برجاله على الجبهة العسكرية، كانت زوجته غورجو (لينا هيدي) تحارب في البرلمان. العدو ليس فقط تلك الجماعات الأقل "قيمة" التي تحاول احتلال اسبرطة، بل أيضاً الأسبرطيين الضعفاء فحسب الفيلم المشوّهون  والضعفاء من الأسبرطيين هم أيضاً خطر، تماماً كما كانت النازية تعتبر الضعفاء والمشوّهين، حتى لو كانوا آريين، أعداءاً يعطّل المجتمع عن القوّة التي هي عماد المجتمع المنشود٠

الصور المستترة
وهناك صور متعددة كثيرة نجدها في أنواع مختلفة من السينما خصوصاً في أفلام الخيال العلمي، حيث أهل الفضاء يهاجمون البلدات والمدن الصغيرة في أفلام الأمس، كونها التعبير الأميركي الأنقى في الخسمينات والستينات. وحيث الحياة الزوجية هي بيت القصيد، كما الحال في فيلم
It Came From Outer Space
لجاك أرنولد (1953) حين يكتشف صبي بأن مخلوقات فضائية استولت على شخصيات والديه وتسعى لتحويل البلدة جميعاً الى نسيج واحد من النسخ الشبيهة شكلاً بأبنائها وذلك تبعاً لمفكّرة غزاة الفضاء الخاصّة. مفكّرة لم تبتعد عن تلك التي كانت هوليوود تواصل طرحها في أفلام تلك الفترة حيث ذلك الخطر الخارجي يوازي خطر الشيوعية أيام الستالينية ومطلع الحرب الباردة٠
لكن إذا ما استخدمت أفلام الخيال العلمي في الخمسينات والستينات للتحذير من العدو الخارجي المقبل على تغيير ملامح الوطن الأميركي وتراثه، ما هو الإستخدام الذي تمارسه أفلام اليوم؟ من هم الأعداء فعلاً في "ليلة موعد" و"صيّاد الجوائز" و"هل سمعت بآل مورغن"؟
في حياة ما بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001 فإن العدو صار مبهماً. سابقاً ما كان العدو الخارجي مرتبط بمؤامرة واضحة المعالم: الأيرلنديون ينقلون صراعاتهم الى الولايات المتحدة ("ألعاب وطنية" بطولة هاريسون فورد)، العرب يريدون السيطرة على الوضعين السياسي والإقتصادي الأميركي ("سُلطة" بطولة رتشارد غير و"تقلّب" بطولة جين فوندا) والروس يريدون غزواً إجرامياً واسع النطاق ("الفجر الأحمر" مع باتريك سوايزي). لكن اليوم هناك أقنعة كثيرة وغايات مختلفة، وكما في فيلم ستيفن سبيلبرغ "حرب العالمين" مع توم كروز، فإن العدو بيننا (كما أوحت العملية الإرهابية سنة 2001). بالتالي، فإن ما بوسع الأفلام الكوميدية تصويره منسوج من هذا الإبهام حول الهوية الأخرى. ما يبقى واضحاً إنه إشكال اجتماعي او سياسي او مجرد أخلاقي يهدد الحياة الزوجية من ناحية لكنه السبيل لتقويتها من ناحية أخرى٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular