Apr 15, 2010

Year 3. Issue 502 | أفلام مسابقة كان- 2010 | نتائج مهرجان الخليج السينمائي | نبي جاك أوديار: نظرة جديدة | الفيلم السوري "مرّة أخرى" |الكاتب البوليسي الياباني إيدوغاوا رَمبو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جولييت بينوش على ملصق  الدورة الجديدة لمهرجان "كان" الدولي

أوراق ناقد | محمد  رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تظاهرات | إن كان من حق المركز الثقافي الفرنسي تجاوز الإجماع الثقافي والسينمائي المصري، كما يقول البعض، وعرض الفيلم الإسرائيلي  "شبه طبيعي" فلمَ لا يحق للسينمائيين والمثقّفين المصريين سحب أفلامهم وأنفسهم من عروض المركز؟  هذا واحد من الاسئلة التي يمكن الخروج بها من العاصفة التي حدثت وقائعها في مصر في الأيام الأخيرة والتي وقف العبض منها مؤيداً والبعض الآخر معارضاً. فريق وجد أن المركز تجاوز صلاحياته، وآخر منح المركز الفرنسي كل الحق في أن يعرض ما يشاء. لا أدري ما تعني عبارة ما يشاء. مثلاً لو أقام عرضاً لمجموعة أفلام إسرائيلية من دون تظاهرة  تشمل أفلاماً مصرية في المرّة المقبلة فهل ذلك مقبول؟
بعض المواقع غير العربية استنكرت طبعاً (وهناك مواقع عربية استنكرت كذلك) موقف الناقد محمد الروبي والمخرج أحمد عاطف وباقي السينمائيين الذين قاطعوا تظاهرة المركز علي أساس أن الفيلم لا يعرض ما يسيء.  بلوغ لواحد أسمه مارتي روبرتس على وجهه نظرات وعيد كتب يقول: "هل تستطيعون تصوّر عمق هذا الشر لدي خصوم إسرائيل؟"٠
لكن موقف وزارة الثقافة المصرية كان ايجابياً إذ أقامت لمجموعة السينمائيين الذين سحبوا أفلامهم عرضاً بديلاً وبذلك ساندت ضمناً موقفهم الرافض للتطبيع. أما القلّة التي تجهد في سبيله فهي غاضبة على موقف يعتبرونه خطأ "ولو أن من حق أي فلان أن يفعل هذا لكن ليس من حقه أن يفعل ذاك"  ... هذا النوع من المواقف.  حاولت البحث عن أصل وفصل مخرجة الفيلم كارِن بن رفاييل، لأكتشف أولاً أن إسم الفيلم هو
Almost Natural   غالباً طبيعي
 لكن عدا ذلك لم أجد شيئاً عن الفيلم او عن مخرجته الا حقيقة أنها عملت بالفعل مونتيرة في قسم للسينما في الجيش الإسرائيلي كما ذكرت الصحف المصرية. الشيء الوحيد لم أقرأه في تلك الصحف هو أنها أخرجت أفلاماً دعائية لحساب الجيش الإسرائيلي أيضاً خلال عملها فيه الذي انتهى قبل سنوات. طبعاً، هي مسألة موقف السينمائي من اسرائيل أساساً. هذا مع وذلك ضد والذي مع لا يستطيع أن يقول أنه مع علناً لكنه يقولها دائماً على نحو ضمني. مع كامل حقوق وحريات التعبير الا أن الخطر في هذه المسألة هو أن المنادون، علناً او ضمنياً، بالتطبيع يعتبرون أن ذلك جزءاً من الحل الشامل للقضية الفلسطينية إذ هو ليس تطبيعاً ثقافياً مصرياً- إسرائيليا الا من حيث أنه مقدّمة لما يجب أن تكون الحال عليه بين الدول العربية واسرائيل. صحيح أن بعضهم يربط ذلك بحل الدولتين، لكن -وكما ذكرت هنا- إنها اسرائيل التي ترفض هذا الحل، إذاً علامَ تطبّع ومع من؟٠
    *****
ثلاثة أبعاد  | مخرجان مهمّان سوف يستجيبان لدواعي السينما بالأبعاد الثلاثة ويقدمان على تحقيق عملين في المستقبل ضمن هذا النظام.  الأول هو المخرج الأرجنتيني جوان خوزيه كامبانيلا صاحب الفيلم الفائز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي "السر في عيونهم"٠ مشروعه المقبل الذي ينكب المخرج على كتابته حالياً بعنوان
Memories of a Right Wing  مذكرات يميني
الذي يتّخذ من ملاعب الكرة وفرقائها مكاناً لأحداثه على أن يبدأ تصويره بعد عامين من الآن
المخرج الثاني المهتم بتحقيق فيلم بثلاثة أبعاد هو مارتن سكورسيزي (الصورة)  الذي يختار هذا النظام لأول فيلم "عائلي" يخرجه وهو المعروف بأفلامه التي يُشاهدها، لمضامينها على الأقل، الراشدون غالباً. الفيلم
The Invention of Hugo Cabret  بعنوان :  إبتداع أوغو كابرت
ويدور حول صبي في الثانية عشر من عمره يعيش في باريس الثلاثينات يعيش في محطة للقطارات ويواصل مهمّة كان بدأها والده مفادها البحث في تاريخ رجل غامض يعيش أيضا في كنف المحطّة. الى هذا تنضم فتاة صغيرة غريبة الأطوار والباقي على الشاشة في الشهر الأخير من العام المقبل٠
*****
مهرجانات | "كان" يعلن أفلامه

Burnt by the Sun 2 

مرّة ثانية ينبري المخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب، ومن دون قرار من عنده، ليمثّل العالم العربي في مسابقة مهرجان "كان". المرّة الأولى كانت سنة 2006 حين اشترك بفيلمه الجيّد مع هنّات "البلديون" وخطف لممثليه الرجال جوائز الأداء في تلك الدورة. هذه المرّة بفيلمه الجديد "خارج القانون" من بطولة مجموعته ذاتها: جمال دبوس، رشدي زم، سامي بوعجيلة، برنار بلانكان وسمير قسمي٠
الآن هو واحد من مجموعة مخرجين  يتسابقون على جوائز السعفة الذهبية، بعضهم للمرّة الأولى، بعدما أعلن المهرجان يوم أمس الخميس قائمة الأفلام المشتركة في المسابقة٠
القائمة تحتوي على ستة عشر فيلماً من ثلاثة عشر بلداً داخل المسابقة لكن مجموع الأفلام المعروضة رسمياً على شاشة قصر المهرجانات (أي داخل وخارج المسابقة الرسمية) يبلغ 46 ولا فيلم واحد منها عربي- يا عيب الشوم٠
المخرج الأميركي المعروف بأعماله الفنية، ترنس مالِك، يواصل العمل ليل نهار لإنجاز فيلمه المنتظر "شجرة الحياة" ليكون جاهزاً للعرض بعدما تم اختياره. الفيلم من بطولة شون بن الذي سيكون حاضراً على أي حال، أي سواء لحق مالك بالمسابقة او لم يلحق، كونه يقود بطولة فيلم دوغ ليمان "لعبة عادلة" المشترك في المسابقة "لعبة عادلة"٠
المخرج المكسيكي أليخاندرو غونزاليز إياريتو يعود بفيلمه الجديد "بيوتيفول" وهو كتب الكلمة بالقصد خطأ
Beautiful  عوض Biutiful
وسنعرف مغزى ذلك حين عرض الفيلم آملاً أن لا يكون الأمر مجرد فذلكة من مخرج فيلم "بابل" الذي اشترك في مسابقة "كان" في الدورة ذاتها التي نافسه فيها فيلم رشيد بوشارب "البلديون". "بابل" حينها خرج بجائزة أفضل مخرج  عن جدارة٠
والمخرج الإيراني عبّاس كياروستامي سيعود الى المسابقة بدوره في فيلم "نسخة مصدّقة" الذي تقود بطولته جولييت بينوش، تلك التي تتصدّر صورتها ملصق المهرجان هذا العام٠
أيضاً في المسابقة البريطاني مايك لي عبر فيلمه الجديد "عام آخر" والإيطالي دانيلا لوشيتي من خلال "حياة الانوسترا" (او "حياة العصابة" إذا أردت). ومن روسياً فيلمين هذه السنة هما "أنت، نعيمي" لسيرغي لوزينتزا و"الشمس حرقته- 2" لنيكيتا ميخالكوف٠ الأول جديد في المسابقة، اما الثاني فاشترك أكثر من مرّة سابقاً بما فيها المرّة التي قدّم فيها ما يعتبر الآن الجزء الأول من مسلسله الخاص
خارج المسابقة المجموعة لا تفتقد الى الإثارة: أوليفر ستون عبر فيلمه الجديد "وول ستريت 2"، وودي ألن موجود بآخر أعماله "ستقابلين غريباً طويلاً داكناً" الذي جمع له جوش برولين، أنطونيو بانديراس، أنطوني هوبكنز، ناوومي ووتس من بين آخرين٠
لكن الكثير منتظر من فيلم جان-لوك غودار ولو على صعيد إيقاظ النائمين إذا ما جاءت أفلام هؤلاء المخرجين أقل من المتوقّع. غودار  وصحبه من المخرجين يطلقون في تظاهرة "نظرة ما"  فيلما وثائقياً عنوانه  "اشتراكية"٠
 ستكون لي وقفة أكثر إمعاناً من هذه في الأيام المقبلة، لكن الى ذلك الحين ها هي القائمة التي تشكّل نواة  المهرجان في دورته الثالثة والستين التي ستقام ما بين الثاني عشر والثالث والعشرين من الشهر المقبل٠
 في المسابقة

 "Another Year," U.K., Mike Leigh
 "Biutiful," Spain-Mexico, Alejandro Gonzalez Inarritu
 "Burnt by the Sun 2," Germany-France-Russia, Nikita Mikhalkov
 "Certified Copy," France-Italy-Iran, Abbas Kiarostami
 "Fair Game," U.S., Doug Liman
 "Hors-la-loi," France-Belgium-Algeria, Rachid Bouchareb
 "The Housemaid," South Korea, Im Sang-soo
 "La nostra vita," Italy-France, Daniele Luchetti
 "La Princesse de Montpensier," France, Bertrand Tavernier
 "Of Gods and Men," France, Xavier Beauvois
 "Outrage," Japan, Takeshi Kitano
 "Poetry," South Korea, Lee Chang-dong
 "A Screaming Man," France-Belgium-Chad, Mahamat-Saleh Haroun
 "Tournee," France, Mathieu Amalric
 "Uncle Boonmee Who Can Recall His Past Lives," Spain-Thailand-Germany-U.K.-France, Apichatpong Weerasethakul
 "You, My Joy," Ukraine-Germany, Sergey Loznitsa

 تظاهرة نظرة ما

 "Adrienn Pal," Hungary-Netherlands-France-Austria, Agnes Kocsis
 "Aurora," Romania, Cristi Puiu
 "Blue Valentine," U.S., Derek Cianfrance
 "Chatroom," U.K., Hideo Nakata
 "Chongqing Blues," China, Wang Xiaoshuai
 "The City Below," Germany-France, Christoph Hochhausler
 "Film Socialisme," Switzerland-France, Jean-Luc Godard
 "Ha Ha Ha," South Korea, Hong Sang-soo
 "Les Amours imaginaires," Canada, Xavier Dolan
 "Life Above All," France, Oliver Schmitz
 "Los labios," Argentina, Ivan Fund, Santiago Loza
 "Octubre," Peru, Daniel Vega
 "Qu'est-il arrive a Simon Werner?," France, Fabrice Gobert
 "Rebecca H.," France, Lodge Kerrigan
 "R U There," Taiwan, David Verbeek
 "The Strange Case of Angelica," Portugal, Manoel de Oliveira
 "Tuesday, After Christmas," Romania, Radu Muntean
 "Udaan," India, Vikramaditya Motwane

 خارج المسابقة

 "Robin Hood," U.S.-U.K., Ridley Scott
 "Tamara Drewe," U.K., Stephen Frears
 "Wall Street 2: Money Never Sleeps," U.S., Oliver Stone
 "You Will Meet a Tall Dark Stranger," U.K.-Spain, Woody Allen

 عروض منتصف الليل

 "Kaboom," U.S.-France, Gregg Araki
 "L'autre monde," France, Gilles Marchand

عروض خاصّة

 "Abel," Mexico, Diego Luna
 "Chantrapas," France, Otar Iosseliani
 "Draquila -- L'Italia che trema," Italy, Sabina Guzzanti
 "Inside Job," U.S., Charles Ferguson
 "Nostalgia de la luz," France, Patricio Guzman
 "Over Your Cities Grass Will Grow," Netherlands, Sophie Fiennes



تقارير 
نديم جرجورة (بيروت)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم "مرّة أخرى": العلاقة بين سوريا ولبنان من منظور غير متداول


مساء الخميس الفائت، في الثامن من نيسان الجاري، نظّمت «المجموعة المتحدّة للإعلان والتسويق» في العاصمة السورية عرضاً خاصّاً بـ«مرّة أخرى»، الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج السوري الشاب جود سعيد، في صالة سينما الشام. دعت المجموعة عدداً من السينمائيين والممثلين والإعلاميين والنقّاد السوريين واللبنانيين إلى العرض الخاصّ هذا، الذي أقيم بحضور المخرج وبعض العاملين في الفيلم، الذي أنتجته «المؤسّسة العامّة للسينما» (قطاع عام) و«سوريا الدولية للإنتاج الفني» (قطاع خاص)٠

أنجز المخرج السوري الشاب جود سعيد فيلماً مهمّاً، بعنوان «مرّة أخرى». أراده لحظة انطلاق في مسيرة سينمائية يُفترض بها أن تكون خصبة. له، سابقاً، فيلمان قصيران: «مونولوغ» و«وداعاً». الشاب ممتلكٌ أدوات سينمائية واضحة وواعدة. أهمية الفيلم الطويل الأول له متمثّلة في نقاط عدّة: الموضوع. المعالجة الدرامية، وإن شابتها ملاحظات نقدية عدّة. المناخ السينمائي، تصويراً وتوليفاً وتوثيقاً لأحداث تاريخية وسياسية. هذا جزءٌ أساسي من صناعة فيلم، مأخوذٌ صاحبه باختبار تاريخي حسّاس عاشه بلده وناسه في علاقتهم المرتبكة ببلد شقيق، وبناسه أيضاً. التوثيق موجودٌ. هناك أحداث وتحوّلات، عرف سعيد أرشفتها بدقّة. لم يتعاط مع المسألة بسطحية أو فوقية. العلاقة الناشئة بين سوريا ولبنان مضطربة ومعقّدة. مرّت في مراحل متناقضة وعنيفة. لكنه لم يتطرّق إليها مباشرة. فضّل المرور بها، على نقيض ما يُمكن أن توحي به تصريحات وتعليقات متفرّقة. أو ما توحي به لحظات سينمائية أيضاً
جوهر الحكاية كامنٌ في العلاقة القائمة بين ضابط في الجيش السوري وابنه. ثم بين ابنه وأرملة لبنانية. هناك العسكري الذي تولّى تربية ابن الضابط، إثر مقتل والدته على يدي قنّاص. هذه صورة مختصرة للمضمون الدرامي. لا يُمكن التوغّل في علاقة الحبّ الناشئة بين سوري ولبنانية، من دون رسم صورة خلفية للارتباك الحاصل بين البلدين وشعبيهما. ثلاثون عاماً ليست زمناً عابراً. أمضى الجيش السوري تلك الحقبة كلّها في لبنان. الحكاية معروفة. لكن الفيلم لا يكترث بها. همّه، كما تبيّن على الشاشة الكبيرة، محصورٌ في مأزق الذاكرة الفردية وأزمة الراهن. لا سياسة ولا أحكام مسبقة. مع أن جود سعيد قدّم صورة إيجابية وزاهية للضابط السوري، على نقيض المتداول، سورياً ولبنانياً. والمتداول يعكس جوانب سلبية للغاية. هذا لا يُلغي إمكانية وجود أفراد مختلفين عن السائد المألوف. لكن فيلماً يُقدّم حكاية ضابط سوري، في مراحل حافلة بالتوتر والصدام والعنف المبطّن والواضح عاشها البلدان (سوريا ولبنان)، واصفاً إياه بالإيجابية، مثيرٌ للتساؤل عن حقيقة الصورة. مع هذا، لا بأس. هناك أفراد إيجابيون دائماً في المؤسّسات المختلفة. في الحياة اليومية والمحافل المتفرّقة. الضابط رجل محترم. مؤمن بأن السلطة (الحقيقية) تعني خدمة الناس. مرهف الحسّ. منشغلٌ بمصلحة مرؤوسيه. مهتمّ بمشاغلهم وهواجسهم. مهمومٌ بهم وبعائلاتهم. لكنه قاس في تعابيره الخارجية. وقاس، أيضاً، في التعبير عن مضمون علاقته بابنه٠

أهي طبيعة الجندي، أم ميزة خاصّة بأفراد من دون سواهم؟ التربية العسكرية صارمة. هذا أمر مؤكّد. الضابط السوري (جوني كوموفيتش) نموذج لهذه التربية. يُفترض به أن يُخفي انفعاله. إنه أشبه بآلة. لكن صورته الإيجابية في مسألة العلاقة المعقّدة بين سوريا ولبنان في ثلاثين عاماً (اختار الفيلم الفترة الممتدة بين الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982 والحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز وآب 2006) مطروحة للتساؤل. مع هذا، يكمن الأهمّ في المناخ العام. في الحكاية الخاصّة بهذا الضابط وعائلته. في المتاهة التي عاشها ابنه مجد (قيس الشيخ نجيب) طويلاً. في الذاكرة الضاغطة على الأرملة اللبنانية جويس (بييريت قطريب)، التي تجد نفسها مديرة فرع مصرفي في دمشق، بعد سنين من الخوف والأحكام المسبقة والدم والحروب والخراب (قُتل والدها أثناء إحدى الحروب اللبنانية المتنقّلة هنا وهناك). الأهمّ كامنٌ، أيضاً، بمعنى الحبّ ومصيره، إذا نشأ بين فردين منتميين إلى «عائلتين» متخاصمتين (ألا يؤشّر هذا، من بعيد طبعاً، إلى الحكاية المعروفة لشكسبير، عن روميو وجولييت؟). العائلتان، هنا، متمثّلتان بحالتين متناقضتين تماماً: جانب لبناني مسيحي، وجانب سوري متحدّر من أصول عسكرية. العائلتان، هنا، متخاصمتان حتى الموت. لكن الحب متسلّل إلى قلبي شابين عاشا ذاكرتين مثقلتين بالدم والعنف والكراهية، وعرفا تبدّلات حادّة في المسارات الحياتية والثقافية، وواجها الموت مراراً وتكراراً
الإسقاطات كثيرة. الخطوة التي أقدم جود سعيد عليها مهمّة للغاية: التطرّق إلى موضوع لا يزال حسّاساً وساخناً. العلاقة اللبنانية السورية لم تُحسم وجهتها وركائزها بعد. التاريخ شاهدٌ على عدم وضوحها وثباتها في خطّ معيّن. الجغرافيا لعينة. الفيلم دعوة إلى فتح الملف، وإن كان الجرح ملتهباً. لم يغرق الفيلم فيه كلّياً. المخرج منساقٌ إلى همّ درامي/ إنساني/ فني آخر. الصورة (مديرة التصوير: جود كوراني) موفّقة في التقاط النبض وتحويل الحبكة إلى متتاليات بصرية. التوليف (سيمون الهبر) متقن الصنعة، خصوصاً في لعبة الزمنين وتداخلهما في سرد الحكاية. غير أن الشخصيات لم تعكس المرارة المتمثّلة في الملامح الخارجية، ولم تغص في متون مآزقها وانكساراتها وخيباتها وضياعها. الشخصيات، هنا، مرسومة بتبسيط لامس بعض التسطيح، أحياناً. التمثيل، خصوصاً عبد اللطيف عبد الحميد (المربِّي) وكوموفيتش (الضابط السوري)، متقن الصنعة إلى حدّ ما، في مقابل خلل أصاب ثنائية الشكل والمضمون في شخصيات عدّة أخرى، أبرزها مجد وجويس، إذ برز التوتر والارتباك في المظهر الخارجي فقط، دون الانفعال الداخلي. أي أن حدّة التوتر والارتباك، الناتجين من ذاكرة القهر والألم والضياع، لم تُترجَم بصرياً بما يتلاءم والغليان الداخلي إزاء انسداد الأفق، والعجز عن الخروج من الذاكرة هذه. لعبة الزمن في السرد الدرامي واضحة المعالم. إنها محاولة لإيضاح ما جرى. لكن نقصاً ما ألمّ بالسرد. التفسيرات الواضحة كثيرة، في مقابل غياب بعض العمق الدرامي للبناء والحبكة. التوقّعات أيضاً٠
هذا كلّه لا يُلغي الجوانب الإيجابية. «مرّة أخرى» قدّم جود سعيد مخرجاً عاشقاً لسينما طموحة، أو مخرجاً ممتلكاً أرضية غنيّة بالمعطيات الإبداعية، والنبرة التخييلية التي تحتاج إليها الصورة السينمائية. أعتقد أن جرأة الشاب في اختيار موضوع حسّاس كهذا مستلّة من رغبته في صناعة سينمائية جادّة. نفى أن تكون شخصية الضابط السوري انعكاساً لوالده. قال إن الأحداث مستلّة من مرحلة عاشها، «لكن حكاية الفيلم متخيّلة، ولا تمتّ لحياتي الشخصية بصلة، وإن كانت لها خلفية واقعية».
لا بأس بهذا. الأهمّ كامنٌ في الخطوة الأولى المشغولة بحرفية لافتة للانتباه.
 تناقضات المدينة وارتباك الصورة



تقارير 
هوڤيك حبشيان (دبي)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ضربة البداية" أفضل فيلم في مهرجان "الخليج"٠"

ضربة البداية | شوكتب أمين (العراق)٠

وزع مهرجان الخليج السينمائي مساء الأربعاء مجموعة من الجوائز على الفائزين في أقسام مختلفة، بعدما قدم على مدار 6 أيام 194 فيلماً من 41 دولة، في عروض مفتوحة أمام الجمهور، بلغ عددها 94 عرضاً، منها لمجموعات من الأفلام القصيرة والوثائقية، شهدت إقبالاً جماهيرياً كبيراً. وقدم المهرجان جوائز بلغت قيمتها الإجمالية 485 ألف درهم للفائزين بفئات المسابقة المختلفة. وكان باب المنافسة في المسابقة الرسمية مفتوحاً في ثلاث فئات هي: الأفلام الروائية الطويلة، والأفلام القصيرة والأفلام الوثائقية، في حين تنافس الطلبة على جوائز فئتي الأفلام القصيرة والوثائقية

عايش | عبد الله عياف  (السعودية)٠

تنافس في المسابقة الرسمية 54 فيلماً للفوز بجوائز الفيلم الروائي الطويل (7 أفلام) والوثائقي (9 أفلام) والقصير (38 فيلماً)، في حين شهدت مسابقة أفلام الطلبة مشاركة 33 فيلماً من بينها 12 وثائقياً و21 قصيراً.
ترأس لجنة التحكيم المخرج المغربي جيلالي فرحاتي، وتضم اللجنة المخرج والناقد السينمائي السعودي محمد الظاهري؛ والممثل الإماراتي إبراهيم سالم؛ والمخرجة اليمنية خديجة السلامي؛ والمدير الفني لمهرجان براتيسلافا السينمائي الدولي ماثيو داراس. أما لجنة تحكيم مسابقة السيناريو للأفلام الإماراتية القصيرة فضمّت الكاتبة القطرية وداد الكواري؛ والكاتبة السعودية بدرية عبدالله البشر؛ والكاتبة الإماراتية أمينة أبو شهاب

في مسابقة السيناريو للأفلام الإماراتية القصيرة فاز بالجائزة الثالثة محسن سليمان حسن عن سيناريو فيلم "فيلم هندي"، أما الجائزة الثانية فذهبت الى محمد حسن أحمد عن سيناريو فيلم "سبيل"، في حين كانت الجائزة الأولى لنايلة الخاجة عن سيناريو فيلم "ملل"٠


نسيج الإيمان | سونيا كيربلاني (الإمارات)

 نتائج المسابقة
المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة
• شهادة تقدير لفيلم "صولو" (الإمارات) لعلي الجابري
• شهادة تقدير لفيلم "حارس الليل" (الإمارات) فاضل المهيري
• شهادة تقدير لـ"غيمة شروق" (الإمارات) لأحمد زين
• جائزة أفضل سيناريو: حسام الحلوة عن فيلم "عودة" (السعودية)٠
• الجائزة الثالثة: جاسم محمد جاسم عن فيلم "ثم ماذا؟" (العراق)٠
• الجائزة الثانية: عهد كامل عن فيلم "القندرجي" (السعودية)٠
• جائزة لجنة التحكيم الخاصة: سحر الصواف عن فيلم "أم عبدالله" (العراق)٠
• الجائزة الأولى: عبدالله آل عياف عن فيلم "عايش" (السعودية)٠

المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية
• شهادة تقدير لريتشارد لاثام لجودة التصوير في فيلم "إطلاق الحلم" (الإمارات)٠
• الجائزة الثالثة: حميد حداد عن فيلم "82-80" (العراق)٠
• الجائزة الثانية: لؤي فاضل عن فيلم "باستيل" (العراق)٠
• الجائزة الأولى: سونيا كيربلاني عن فيلم "نسيج الإيمان" (الإمارات، الهند)٠

المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة
• الجائزة الثانية: حيدر رشيد عن فيلم "المحنة" (المملكة المتحدة، العراق، إيطاليا، الإمارات)٠
• جائزة لجنة التحكيم الخاصة: علي مصطفى عن فيلم "دار الحي" (الإمارات)٠
• الجائزة الأولى: شوكت أمين كوركي عن فيلم "ضربة البداية" (العراق، اليابان)٠




فيلم 
ليث عبد الكريم الربيعي (بغداد)٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"نبي" لجاك أوديار: مجرم وخائن وجبان٠
أعيد تهنئة  الزميل ليث الربيعي على صدور مجلته "السينمائية"٠
كما يسعدني أن أنشر له هذه المقالة النقدية التي بعث بها الى
  ظلال وأشباح   حول الفيلم الفرنسي الجديد  "نبي" للمخرج 
الفرنسي  جاك أوديار وبطولة العربي الأصل طاهر رحيم - م. ر
---------------------------------------------------------------


يسلط الفيلم الفرنسي  "نبي"  الضوء  على هموم الجالية العربية المسلمة التي تعيش في فرنسا، ويفجر الصراع المزدوج والمتجذّر ما بين الأكثرية القومية والدينية والعرقية والأقليات المنافسة لها، والذي وصل إلى أقصى مداه بعد أحداث  11 سبتمبر 2001، ورواج التطرّف على كافة الصعد وفي كل المجالات٠  

ويأخذ الفيلم من فرنسا وبالذات من احد سجونها أرضية خصبة لأحداثه، وتكون شخصية مالك ألدجيبنا (طاهر رحيم) محور قصته، ويتابعه حثيثا، كاشفا ما يمر به من وقائع وأحداث داخل وخارج زنزانته٠

يبدأ الفيلم بدخول مالك السجن من دون أن نعلم الأسباب، وبعد الفحوصات والتحقيق الغامض يرمى في إحدى الزنزانات ويكون عرضة لإحدى العصابات الكورسيكية التي تمارس نشاطها من داخل السجن، ويوظف لقتل مجموعة من العرب المسلمين واحدا تلو الآخر، ويكسب رضا زعيم العصابة القيصر لوسياني ويكون مقربا منه بعدما تفرج السلطات بعفو عن بعض المقربين منه، ويصبح سجينا مرموقا ويقود عمليات الزعيم السرية لإدخال المخدرات إلى السجن، ومن ثم التفاوض مع العصابات الأخرى والقيام بأعمال إجرامية كبيرة خارج السجن٠

وبعدما يجيد مالك تعلم القراءة والكتابة والتحدث بلغة العصابة الخاصة، يرسله القيصر لتقديم فدية لعصابة أخرى من العرب لاسترداد احد أعضاء العصابة الكورسيكية، الأمر الذي يكسبه خبرة في التحاور بين العصابات الإجرامية، ويبدأ ببناء إمبراطوريته الشخصية٠
وذات يوم يرسله لوسياني لتصفية احد المجرمين المصريين بالتعاون مع عصابة عربية اخرى، وبعدما ينفذون المهمة وفي طريق العودة يخبر العصابة أن هناك حيوانا، وبالفعل تصطدم سيارتهم غزالا، الأمر الذي يثير استغراب رئيس العصابة وعندها يطلق عليه اسم (نبي).. وهناك ينزل أفراد العصابة إلى الغابة ويبدءون باصطياد الغزالان بمسدساتهم، ويحملونها معهم إلى منزلهم.. حيث تستقبلهم عائلة زعيم العصابة وأمه وهي عائلة عربية أيضا!٠

أحداث الفيلم من ناحية المضمون تحوي الكثير من الإسقاطات السياسية التي لربما كانت تفجر الكثير من الأزمات لو أن فيلما عربيا تعامل معها، إلا أن ذكاء مخرج الفيلم وحسن تعامله أبعدا أي شبهة تطال عمله، بعدما عمد إلى أسلوب خلط المفاهيم بتوجيه النقد لكل الوافدين إلى فرنسا من أوربيين وعرب، ولو تأملنا بعض مشاهد الفيلم لاتضح لنا مدى التعسف الفكري الذي يوسم به العرب وخصوصا المسلمين منهم من صفات وأفعال مشينة ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر طبيعة سلوك مالك الذي يظهره الفيلم كأنه أبله وغير قادر على الإجابة عن ابسط الأمور كسؤال المحقق له بأكله لحم الخنزير، أو استغراب زعيم العصابة الكورسيكي له بخدمته وعدم رفضه أوامره..وغيرها والتي تقدم الفعل الخياني على الوفاء لأصحاب الأرض، وفضلا عن ذلك فان الفيلم يتعامل مع عدد كبير من عصابات الجريمة المنظمة من العرب المسلمين المتواجدين في فرنسا بعيدا عن عكس سلوكيات الآخرين، وكأنه يعلن صراحة أن ما يعرضه هو الشكل العام والشائع٠

ثم ما الغاية من إقحام بعض آيات القران الكريم واسم الرسول محمد (ص) بين ثنايا الفيلم، وما علاقة هؤلاء المجرمين بأول آيات القران الكريم، سوى التهكم وكيل التهم جزافا وهو تجسيد فعلي للعداء الفكري الديني والذي عمقته الجماعات الإرهابية المتطرفة٠

أما من الناحية الشكلية فان الفيلم محبوك جيدا، على الرغم من وجود بعض الترهل والتي أطالت من زمن عرضه، وكان الأحرى بمخرجه الاكتفاء بالإشارة إليها، كالانتقال في الزمن والتغير في المكان، واذكر هنا الوقت المستغرق لإجراءات دخول وخروج مالك من السجن، والحوارات الطويلة الفضفاضة، فعلى الرغم من استخدام المخرج وسائل مجدية نفعا كالإلهام والإيحاء وغيرها من الأمور التي أبرزها الفيلم، إلا انه لم يحسن التعامل معها بحرفية عالية للإفادة منها في تحريك ذهنية مشاهديه. كما أن الفيلم باستخدامه الأسلوب الوثائقي الذكي عبر الأجواء وطبيعة اللقطات وزويا التصوير أعطى انطباعا بأهمية أحداثه وقربها من الواقع، فضلا عن الموسيقى الرائعة المواكبة للأحداث٠
أخرج الفيلم وكتب قصّته جاك أوديار الذي قدّم سابقاً "أنظر كيف يسقطون" (1994) و"البطل العصامي" (1996) و"اقرأ شفاهي" (2001) و"الضربة التي تجاوزها القلب" (2005) ، ونال عن  "نبي" سيزار أفضل مخرج لعام 2010 فضلاً عن نيل الفيلم ثماني جوائز أخرى منها أفضل فيلم، وقام بدور البطولة فيه طاهر رحيم في دور مالك الدجينا في أوّل أدواره السينمائية، الى جانب الممثل الكبير نيلز أريستروب في دور القيصر لوسياني وبعض الممثلين العرب٠ 

الفيلم بحلته النهائية جيد ويستحق المشاهدة، وستحتفظ به ذاكرة السينما طويلا، ويبدو أن مشهد قتل رياض سيدخل قائمة أبشع المشاهد في السينما٠

شخصيات
محمد رُضا 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 إيدوغاوا رَمبو: أول كاتب بوليسي ياياني



The Big Book of Pulps  أقرأ في كتاب من 1150 صفحة بعنوان
صادر عن داري "بلاك لازارد" و"ڤينتاج كرايم" صدر سنة  2007  وجمع فيه معدّه أوتو بنزلر 60 قصة بوليسية قصيرة من بعض أرباب الكتّاب الأميركيين كانت نشرت في الثلاثينات والأربعينات في مجلات وكتب ما عُرف بـ "البالب فيكشن" وسُميت كذلك لكونها مطبوعات رخيصة الثمن والورق والمواصفات الطباعية. هذه المجلات والكتب، وكنت ذكرتها في مقال سابق قبل عدّة أشهر، شهدت ألوف الأعمال البوليسية من مطلع القرن الماضي وحتى الخمسينات ولكتّاب من معدن إدغار ألان بو، داشيل هامت، إيرل ستانلي غاردنر، رايموند تشاندلر، وليام رولينز، كارول جون دالي، بول كاين، جيمس م. كاين،هوراس ماكوي، كورنل وولريتش وسواهم٠
لكن كم كنت أتمنّى لو اتسع الكتاب (فوق حجمه الكبير) لبعض قصص كاتب ياباني أسمه إيدوغاوا رمبو كان استقى وحيه من تلك الفترة التي كان فيها عالم الرواية البوليسية مازال رمادياً مثل أفلام الأبيض والأسود. وهو كان معجباً كبيراً بروايات إدغار ألان بو (كتبت عنه كذلك سابقاً)  لدرجة أنه غيّر أسمه من
Edogawa Rampo  الي  Hirari Taro
على أساس أنه إذا ما لفظت كلمتي  إدوغاوا رمبو، انتبهت الى شبهها لكلمات إدغار ألان بو خصوصاً باللكنة اليابانية٠
أب الرواية اللغزية والغامضة في الأدب البوليسي الياباني. وُلد في 21/10/1894 ومات بعد سبعين سنة  بتاريخ 28/7/1965
 الفترة التي شهدت نموّه كشاب هي الفترة التي تُعرف بحقبة "عصرنة اليابان"  او عصر "تايشو" الذي امتد ما بين 1912 و1926. حين كان  (ماذا أسمّيه هيراري او إيدوغاوا؟)  في العشرين من العمر، بدأ الكتابة في مجلات وصحف يابانية لكنه منذ أن قرأ روايات الكاتب والشاعر الأميركي بو تحوّلت كتاباته المفتوحة تلك الى أعمال روائية متأثّرة بأجواء بو ما ضمّه الى التيار الثقافي الغربي الذي واجهه التيار التقليدي. في السينما تستطيع أن تقول أكيرا كورواساوا في مقابل يازوجيرو أوزو. وإدغار ألان بو كان واحداً من ثلاثة كتّاب تأثر بهم رَمبو. الآخران (فيما بعد) هما البريطاني آرثر كونان دويل، مبتدع شخصية شرلوك هولمز والكاتب الفرنسي موريس لبلان، مؤلف شخصية أرسان لوبان، اللص الظريف. لم أقرأ لهيراري الا مؤخراً، لكني قرأت، كما ملايين العرب في العصر العربي الذهبي للثقافة (الستينات والسبعينات) ما وفّرته المطابع المصرية واللبنانية من روايات هولمز ولوبان وهما نقيضان لافتان للإهتمام٠

نشر رَمبو روايته الأولى سنة 1922 (او في سنة 1923 في مراجع أخرى) تحت عنوان  "قطعة 2 سن نحاسية" والسن هو مثل القرش في عملاتنا كل مئة سن يساوي ينّاً واحداً. نشرتها مجلة بإسم "شباب جديد" وطلبت من صاحبها المزيد والمزيد من لكن كافياً فالكاتب نقر، كما يقولون، على منجم ذهب. سنة 1925 طلبت منه المجلة مدّها بقصّة كل شهر. ترك عمله وأدمن الكتابة ليؤمّن للمجلة وللقرّاء ما رغبت به. بعد ثلاثة أعوام وضع أوّل مسلسلاته  تحت عنوان "إنجو: الوحش في الظلال"٠
وهناك إشاعة عاشت منذ ذلك الحين تقول أن الكاتب كان يغلق نوافذ منزله في النهار ليبقي جو الغرفة داكناً ويشعل شمعة بدل نور الكهرباء لكي يستوحي من الجو ذاته٠ وحكاياته كانت أكثر من غموض وتحقيقات بوليسية، كانت من نوع الرعب على اعتبار أن خيال مبدعها ذهبت الي حدود أخرى. في "عتمة للمناورة" نجد شخصياته آكلة لحوم بشر تنتقل في "جحيم المرايا" لتقمّص شخصيات ضحاياها والإستيلاء على ثرواتهم لبناء عالم خاص به في "القصة الغريبة لجزيرة بانوراما"٠
 في "الكرسي البشر" هناك رسالة يبعث بها صانع كراسي مشوّه الخلقة الى إمرأة يحبّها تقرأها وهي جالسة. تفصح الرسالة عن صاحبها الذي يعلن حبّه لها ويخبرها أنه لو تعرّف إليها لرفضته بسبب تشويهه الجسدي، لذلك آثر أن يصنع كرسياً من صلبه هو وروحه، بحيث حين تجلس على الكرسي يستطيع أن يتنعم بدفء جسدها فوقه. في نهاية الرسالة يعلن أن الكرسي الذي تجلس عليه الآن وهي تقرأ الرسالة، هو الكرسي الذي يقصده٠

من بين القصص التي كانت تصدر في بيروت وكان والدي، رحمه الله،  يشتريها لي لنقرأها سوية،  سلسلة تذكر الدار أنها مترجمة عن كاتب فرنسي لا أذكر إسمه لكن إسم الشخصية الرئيسية في تلك الروايات هي جونسون وهي ليس إسماً فرنسياً وأثار ذلك استغرابي حتى حين كنت صغيراً لكني قبلت بالمفارقة خصوصاً وأن مساعدي التحري جونسون. وكانت إذاعة صوت العرب في الوقت ذاته،  تبث حلقات بوليسية مسلسلة بإسم "إبن السندباد" على أغلب اعتقادي فيها تميل الى التحريات الجاسوسية وأحد أبطالها كان الممثل محمد علوان وسينمائياً كنت أحب الوسترن والبوليسي ولا شيء آخر. هذا كان العالم الخيالي الذي عشت فيه٠  المهم أن أحد آخر الروايات التي قرأتها من سلسلة "جونسون" تنص على الحدث التالي: بينما كان التحري وأعوانه يرصدون مجرماً في يوم يشهد احتفالات شعبية  أمطرت السماء دماً (وهذا هو عنوان الرواية: "السماء تمطر دماً") وتبيّن لاحقاً أن المجرم العتيد الذي يلاحقه البوليس استخدم راجمة حجارة (من النوع الذي كان يستخدم لضرب القلاع) لوضع جثّة ضحيّته وإرسالها فضائياً فوق الرؤوس من مكانه لتحط في نهر السين٠
لا أذكر أكثر من هذا بالنسبة لهذه الرواية، لكن إذ كنت أقرأ ملخّصاً لرواية رَمبو "حكاية غريبة لجزيرة بانوراما" وجدت أن القصّة تحتوي على ذات الأسس: تحري (أسمه كيتامي) يصل الى الجزيرة ليبحث عن القاتل واليوم الذي يصل فيه هو يوم عيد مليء بالإحتفاليات. فجأة يرى نقاط دم تنهمر من السماء وبعد ذلك يكتشف يداً مقطوعة فوق الماء٠
كتب رَمبو روايته هذه في الثلاثينات، بذلك سبق سواه ما يعني أحد أمرين: إما أن الكاتب الفرنسي الذي وضع روايات جونسون نقلها ونسبها اليه، او أن المترجم العربي نقل رواية رَمبو ونسبها الى الكاتب الفرنسي وبطله لأنه لم يجد روايات أخرى لذلك الكاتب٠
في نهاية الثلاثينات او ربما قبل ذلك بقليل تراجع عدد قراء رَمبو في اليابان نسبة لنشوء النزعة الوطنية اليابانية في عهد الإمبراطور هيروهيتو قبيل الحرب العالمية الثانية. بعد تلك الحرب توقّف الروائي رَمبو عن تأليف القصص الا فيما ندر، وانصرف لمراجعة الروايات البوليسية الأجنبية والكتابة عنها٠ 

نقلت السينما اليابانية العديد من أعماله الى الشاشة الكبيرة وذلك من العام 1928 الى العام 1995
إذ يبلغ عدد الإقتباسات السينمائية 35 اقتباساً والكثير من الأعمال المقتبسة حملت إسم الكاتب فوق العنوان لتأكيد مصدرها لأن جمهور رَمبو لم يختف الا ليظهر في شكل جيل جديد يتعرّف عليه اليوم بلغات جديدة وعبر أفلام تحاول حمل أجواءه بأمانه٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular