Apr 9, 2010

Year 3/ Issue: 501 | تصوير "خزنة الألم": الواقعية والعين الشاهدة | السينما في أبعادها العنصرية: جون فورد و"الباحثون"| مهرجان تطوان- الحلقة الثانية


سنوات ضوئية | المخرج الخليجي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــــــــــــــــــ
  مهرجان الخليج السينمائي يبدأ دورته الحالية هذا الأسبوع
الصورة من أحد أفلام مسابقة الطلاب وعنوانه: "أنا عربي"٠
 ----------------------------------------------------------
العالم الحالي الذي نعيشه يختلف عن العالم الذي عاشه صانعو السينما (ولا أقول صُنّاع لأن المفهوم مختلف تماماً) في السنوات الغابرة حين كانت السينما محض فعل تجريب قائم على التعبير بالصورة والبحث عن أساليب ولغات بعيداً عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للتنكولوجيا ووسائط البث والترفيه المختلفة. معظم السينمائيين الكبار لم يدخلوا مدرسة تعليم سينما ولا ليوم واحد. لم ينخرطوا في معهد او يعملوا فيما يُسمّى اليوم بـ "ورش سينمائية" ولا هم حملوا كاميرات دجيتال وأنجزوا أفلامهم بها وسارعوا لإطلاق كلمة مخرج وغضب إذا لم يعتبره الآخرون في مقام كبار المخرجين٠

وإذ يأتي مهرجان الخليج السينمائي الجديد للفرز بين المتسابقين على جوائزه وللإحتفال بهم وبالسينما الخليجية عموماً، يبدو المشهد دقيقاً من حيث أن المرء لا يستطيع أن ينفي أهمية اعتماد الأدوات السهلة، نسبياً، التي يعتمدها مخرجو اليوم كالتوليف على الكومبيوتر والتصوير بالدجيتال. في غياب صناعة حقيقية لابد لهذه المواهب أن تترجم نواياها وحبّها للسينما الى أفعال والترجمة الوحيدة المتاحة هي عبر هذه الأدوات بلا ريب٠

لكن الخطر ليس تكنولوجياً بالدرجة الأولى. الخطر الذي سريعاً ما قد يستولي على المخرج الجديد هو الجهل أولاً وبدرجة غالبة. ذلك لأنه لو سعيت لاستفتاء طرحت فيه اسئلة محددة حول تاريخ السينما وحول مخرجيها وحول مفاهيمها ونظرياتها كما حول حرفتها الحقيقية وتعدد قواعدها وأساليبها لوجدت أن حفنة من بين هذه العشرات تعرف شيئاً عن هذه الجوانب. الأكثر فداحة أن مفهوم الإخراج ونظرياته وأساليبه غائبة تماماً عن معرفة العديد من هؤلاء الذين يسارعون بتسمية أنفسهم مخرجين. ولعل الكثر من المثقّفين والمتابعين يتساءلون اليوم عن ظاهرتين متوازيتين: كل من أمسك الكاميرا وصوّر فيلماً، أطلق على نفسه كلمة مخرج، وكل من شاهد فيلما وكتب عنه أطلق على نفسه صفة ناقد. والصفتين لهما شروطاً صعبة جدّاً ما يجعل أي استسهال في التسمية باباً مفتوحاً أمام الفوضى وقلّة تقدير الرأي العام بأصحابهما٠

لا يمكن إرجاع عقارب الساعة الى الوراء، لكن يمكن التعلّم من التاريخ وأحد تلك العلوم هي مراجعة سينمات مضت ومشاهدة أفلام العمالقة الحقيقيين وهذه مُتاحة على الأسطوانات في أي وقت هذه الأيام ولم يعد هناك مجال للتحجج بأن أفلاماً لأورسن وَلز وأكيرا كوروساوا وجان-لوك غودار وصلاح أبوسيف وأندريه تاركوڤسكي ولوي بونويل وعشرات سواهم لا يمكن مشاهدتها لأنها غير معروضة٠
الوضع اليوم هو أن هناك حركة سينمائية من مهرجانات وندوات وإنتاجات، لكني أخشى أنها ليست حركة لخلق سينما بل حركة تأتي على حسابها معتقدة أنها تستطيع الإنطلاق من القمّة وليس من القاعدة والتاريخ والمعرفة. هذا ما يجعل استمرارية العديد من الأسماء العاملة في الأفلام ذات التمويل والصنع الخليجي أمر مشكوك فيه أساساً. المتواجدون يحاولون اليوم النفاذ للبقاء في الساحة، لكن النفاذ للبقاء للمستقبل هو ما يجب أن ينشغلوا به قبل سواه، وهذا عليه أن يستمد الكثير من معطياته من المعرفة بالسينما وليس بالعلاقات العامّة القائمة حالياً٠


باري أكرويد وتصوير "خزنة الألم": الواقعية والعين الشاهدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــــــــــــــــــ
سبق لي أن تحدّثت عن هذا الفيلم مليّاً في "فيلم
ريدر" كما تناول نقّاد عديدون هذا الفيلم من جوانب
وزوايا مختلفة. لكني دائماً ما كنت أشعر بأن عليّ
العودة إليه ومشاهدته مرّة ثانية ليس للتأكد من شيء
معيّن، او لإعادة تقييم (منحته درجة أفضل من جيّد
لخصائصه الفنية) بل لأن السياق الذي يحمل الفيلم
الى جمهوره مُثير للإهتمام٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إنه سياق إخباري واقعي وميداني نابع من رغبة المخرج في إشراك المُشاهد فيما يدور. وهو لكي يحقق هذا كان عليه أن يتمتّع بسياسة تصوير مناسبة. في الأساس، كاثرين بيغلو، مخرجة الفيلم، تعاملت دائماً وأفلام تتيح لها حركة وحيوية. كاميراتها ثابتة ومحمولة لكنها في الحالتين لاقطة للواقع في كل شيء حتى
Strange Days ولو كان خيالياً. تُشاهد مثلاً، فيلمها الممتاز: أيام غريبة
الذي كتبه (زوجها آنذاك) جيمس كاميرون وقام ماثيو ليونيتّي بتصويره سنة 1995 والذي يدور في رحى مستقبل منظور، فتجد أن تصميم المخرجة لفيلمها يحمل حسّاً مُعايشاً رغم أن الفيلم مستقبلي وينتمي للنوع الخيالي- العلمي٠
في "خزنة الألم" هناك مفتاح لكيف ستتعامل المخرجة مع الفيلم يكمن في العبارة التي سيقت في مطلعه: الإندفاع الى المعركة عادة ما يكون مثل إدمان قوي ومميت لأن الحرب مخدّر". لا أريد التوقّف لكي أحلل الكلمات وأفتح المجال أمام الحديث في المعاني والمسائل السياسية. لقد فعلت ذلك سابقاً لأنه كان من الضروري شرح الفيلم من هذه الزاوية. لكن الغاية هنا هو المخرجة تفتتح فيلمها بوجهة نظرها التي ستواصل منحها كل قدراتها لكي تجسّدها تماماً. الحرب مخدّر والجنود سريعاً ما يعاملونها على هذا النحو وعلى الكاميرا أن تجد طريقة لكي تُعاملها على هذا النحو وكل ذلك لأن الفيلم يهدف لأن يدرك المشاهد أنها على هذا النحو٠
وسيلة بيغلو الأولى هي اختيارها لمدير التصوير البريطاني باري أكرويد، وهو اختيار تم بناءاً على خصوصية منهجه في العمل. لقد اشتغل أكرويد مع المخرج البريطاني كن لوتش لنحو عشرين سنة، أي من حين ما صوّر له فيلمه الذي عُرض في مهرجان "كان" حول عامل البناء وحياته وبيئته الفقيرة وعنوانه Riff-Raff
قبل ذلك كان أكرويد صوّر فيلماً واحداً (عنوانه "صيادون ومفجرو قنابل") وكان تسجيلياً، وخلال عمله مع لوتش، مارس تصوير الفيلم الوثائقي أكثر من مرّة. لكن أفلام لوتش منحته القدرة على أشياء عديدة نراها متجسّدة في هذا الفيلم لبيغلو. فهو يمنح الفيلم حسّاً معيشياً (تعيش مع شخصياته وبيئاته) من دون أن يكون تسجيلياً. في ذات الوقت أسلوبه ليس بعيداً كثيراً عن أسلوب أي مدير تصوير لأفلام تسجيلية بما في ذلك لقطاته الطويلة وحركة الكاميرا بين عناصر الصورة المرئية ولقطاته القريبة للوجوه. وهذا ما كانت المخرجة تبحث عنه: مدير تصوير يمنحها الحس بالواقع من دون أن يُعامل الفيلم معاملة تسجيلية صرفة. الى ذلك، فإن حقيقة أن داني أكرويد عمِل مع مخرج يحمل في رأسه مخزوناً من القضايا السياسية التي يطرحها في أفلامه والتي عادة ما تتحدّث عن العمّال البريطانيين في وسط المتغيّرات الإقتصادية التي وجدوها تعصف بهم، الا في تلك المرّات التي تحدّث فيها عن أحوال أميركا اللاتينية او الحرب الأسبانية. المخرجة بالتالي، حين اختارت باري أكرويد اختارت لجانب الصورة التي سيضفيها على فيلمها، الخبرة في معالجة موضوع سياسي معالجة "صُوَرية" كاملة. وبما أن أكرويد صوّر كذلك فيلم "يونايتد 93" لبول غرينغراس مانحاً إياه ذات العناصر الفنية التي يتعامل بها دوماً، إنما مع طاقة أكثر حضوراً، فإن بيغلو وجدته الإختيار الأنسب وهو كان كذلك بالفعل (أكرويد أنجز بعد هذا الفيلم عملين آخرين واحد من إخراج لوتش هو "البحث عن إريك" والثاني لغرينغراس وهو "منطقة خضراء")٠


بحثت عن معلومات حول تصوير "خزنة الألم" ووجدت أن نوعين من الكاميرات تم استخدامها: نوع دجيتال
Aton A- Minima أسمه
وكاميرات قيام سوبر 16 ولن أكون قادراً على التمييز بين المشاهد التي صوّرت دجيتال من تلك التي استخدمت فيها الكاميرا ذات الفيلم، لكن من المعلومات ذاتها ما يُفيد أن معظم التصوير تم دجيتال، ما عدا المشاهد الأولى حين تم توزيع أربع كاميرات لخلق حالة الرصد عن كثب. تابعت هذه المعلومة في مشاهدتي الثانية ووجدتها مثيرة كما هو مثير أن نعرف تركيبة الفيلم بأسرها: المشهد الأول لصورة رديئة النوعية لأنها ليست كاميرا الفيلم بل كاميرا متّصلة بالروبوت الذي يتقدّم صوب المتفجرّة المنوي ابطال مفعولها. ينتقل الفيلم من الصورة التي يوفّرها الروبوت الى صور سريعة للمجند المتخصص بتفكيك الألغام مات تومسون (غاي بيرس) وهو يوجّه الروبوت. من تلك اللحظة فإن ما على الصورة هو نتاج لأكثر من كاميرا حقيقية (دجيتال او 16مم) تصوّر في وقت واحد وتضع أمام بيغيلو ومونتيرها كريس إينيس جهد العمل على التفريق والإختيار والمزج بين المشاهد المصوّرة للخروج بالنتيجة المتوخّاة من وراء كل تلك الكاميرات المستخدمة٠
يدخل في صميم هذا المنحى من التصوير استخدام عدسات الزووم، ومن دون أن أكون خبيراً فيها، كان واضحاً أن أنواعاً مختلفة من تلك العدسات تم استخدامه وكل لمفعول او تأثير خاص به. الذي يجعلني أتوقّع ذلك أن المشاهد عادة ما هي مفتوحة وخارجية، والكاميرا تريد أن تلتقط تفاصيل صغيرة من دون أن تقطع عليها، وهذه التفاصيل موزّعة بعضها قريب في المشهد ذاته (كلوز أب لوجه الممثل وهو يرقب او يقول شيئاً) وبعضها خارج المشهد الى أن يتم توجيه الكاميرا إليها (لقطة لسطح او رجل يمشي بعيداً الخ...) بالتالي لابد أن باري أكرويد عمد الى عدسات مختلفة تضمن النتيجة. أما استخدام هذه العدسات فينتمي الى سياسة استخدام تلك الكاميرات: خلق توتّر مباشر لا ينتظر تبلور القصّة درامياً بل يندفع في عملية تحويل المشاهد البعيد الى مشاهد قريب. مشاهد كامن داخل الفيلم نفسه٠

في موضوع آخر، كنت ذكرت أن المخرجة اختارت الأردن لتصوير فيلمها ولا أذكر أنني ذكرت الأسباب. بعض هذه الأسباب لها علاقة أيضاً بالواقعية: الأردن فيها نحو مليوني مهاجر عراقي. الفيلم يريد خلفية من العراقيين على أرض تبدو كما لو كانت عراقية. في خطّة بيغيلو الأولى أن تصوّر في المغرب، لكن ما دفعها للتصوير في الأردن هو هاتان الحقيقتان المذكورتان والمنتميتان الى تقارب جغرافية وتضاريس وبيئة الأرض كما وجود كل هذا العدد "الطبيعي" من العراقيين الممكن استخدامهم كممثلين مساندين او كومبارس. إذاً بيغيلو كانت تفكّر بواقعية. ربما لا يعرف الأميركي الوجه المغربي من الوجه العراقي، لكن العراقي يعرف. المغربي يعرف. العديد منّا من أي مكان جاؤوا منه يعرفون. أليس هذا ما يدفع الى التفكير في البذل المنشود؟
ذات مرّة كنت أشاهد فيلماً عربياً فيه مطاردة. السيارة التي تهرب هي مرسيدس موديل السنة التي تم فيها تصوير الفيلم: مكلفة. السيارة التي تطاردها عادية. السيارة الأولى تحمل داخلها البطل والبطلة وحسب السيناريو ستصطدم بشيء وتنفجر محترقة. المشهد التالي: السيارة تحترق، لكنها تحوّلت فجأة الى هوندا او نيسان او شيء من هذا القبيل!!٠
ما تقدّم مجرد ملاحظات كان لابد لي من تسجيلها وقد لخّصت موجزاً ما بدا لي كافياً لمنح القاريء عيّنة مما تطلّبه الفيلم من جهد في تصويره لأجل منحه الطابع والنوعية التي وصلتنا. هناك مشاهد عديدة تستوقف المُشاهد في هذا الإطار. كل الفيلم هو جملة من الممارسات التي كان على مدير التصوير فيها أخذ قرارات حاسمة وفي الوقت نفسه مترابطة بحيث لا يبدو أي جزء او مشهد من الفيلم مختلفاً عن السياسة التصويرية لباقي المشاهد وهذا يتّصل بتنظيم لا يؤثر على الفوضى المقصودة التي نراها في الحرب التي ينقلها الفيلم الينا، ويتصل أيضاً بالإضاءة وكيفية التعامل مع الشمس الساطعة بقوّة وتوزيع الكاميرات واستخدام العدسات وكل ما يحتاج لخبرة مدير التصوير نفسه لكي يكتبها لنا. ولو كان معي لدفعت له ما يُريد فقط لينقل إليّ واليكم بعضاً من خبرته٠


السينما في أبعادها العنصرية | الأنا والهُوَ و"الباحثون" لجون فورد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أحتفظ لفيلم جون فورد "الباحثون" بإعجـاب
فنّي خصوصاً لناحيتي تمثيل بطله جون واين
وتصوير ونتون س. هوتش وإخراج جون فورد
للنواحي البصرية والتنفيذية عموماً، لكن أزدرأ
موقفه العنصري الذي يقسّم الأخيار والأشـرار
في هذا الفيلم تِبعاً للون بشرتهم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وراء كل جريمة شرف في عالمنا العربي الفكرة التي مفادها أن اللقاء الجنسي الذي تم (ولو افتراضاً) بين الذكر والأنثى منح الذَكَر مدخلاً الى الذكور المنتمين الى الأنثى٠
لذلك، إذا لم يكن الذكر في العلاقة (آثمة او شرعية) من ذوي الذكور المنتمين الى الأنثى فإن هؤلاء الذكور تعرّضوا الى إهانة، كما لو أنهم تعرّضوا الى الفعل الجنسي ذاته. وبحسبان أن أهل الفاعل الذكر عادة لا يكترثون لما ارتكبه إبنهم (الا إذا ما كان بين العائلتين/ القبيلتين جبالاً من الثأر) فإن أهل الأنثى لديهم كل المبررات التي تجعلهم يفكّرون بالإنتقام من الفاعل او من أنثاهم او من الإثنين معاً إذا استطاعوا٠
موقف كهذا هو الذي يمر به إيثان (جون واين) في فيلم جون فورد "الباحثون" (1956)٠
في الموقفين، وفي كل موقف مشابه، هناك وضع عنصري (حتى ولو كان من أبناء الجلدة الواحدة والعقيدة ذاتها) يتّصل، نفسياً، بالوله الفردي للذات معتبراً أنه، وعرضه وشرفه وبل كيانه، مهدد بالآخر. والآخر لا يقل عنه في هذه الإعتبارات إذا ما انقلبت الصورة عكسياً٠
طبعاً المسألة تتّسع لتشمل، فيما تشمل، الخلاف على المذاهب والوضعين السياسي والإقتصادي ومفهوم كلمة "الشرف" بالنسبة للمجتمعات المختلفة. لكن في الصميم هناك هذا التصرّف بجانبيه: تأليه الذات الفردية (وهذه نراها داخل معظم البيوت حيث السيطرة للأب ثم للأم الى أن يكبر الولد الأكبر فيصبح رديفاً لتلك السُلطة او منفّذها الأول (تماماً كما نرى في الأفلام)٠ الجانب الثاني هو المرجع الجنسي في الموضوع، فالمسألة في عمقها أكثر من مجرّد الممارسة الجنسية، شرعاً او خطيئة، مع طرف آخر، إنها فيما يعتبره ذكور العائلة "حق" العائلة في إبنتها المترجم، في بعض جوانبه إن لم يكن في أهمّها، الى صور ومخيّلات تعذّب متخيليها من أفراد العائلة، حول الفعل الجنسي الذي تم بينها وبين ذلك الغريب٠

فيلم "الباحثون" يدور حول عودة إيثان (واين) من بعد غياب استمر لثلاث سنوات كان خلالها اشترك في الحرب الأهلية التي دارت بين بيض الشمال وبيض الجنوب والتي كان أحد أسبابها الرئيسية المهاجرون الأفارقة الذين جيء بهم كعبيد ورغبة الجنوبيون في إبقائهم كذلك، بينما أرادت الحكومة الفدرالية إطلاقهم من هذه العبودية ومنحهم حقوقاً إجتماعية. إيثان، يوضّح الفيلم، حارب لصالح الجنوبيين وهو لا يزال يدافع عن قضيّتهم العنصرية٠
مثل لقطة ديفيد لين الأولى لعمر الشريف وهو قادم من عمق الصحراء، يتقدّم إيثان على فرسه (أيضاً) من عمق المشهد الطبيعي تلتقطه عين زوجة أخيه مارثا (دوروثي جوردان) وهو يحل عند بيت أخيه هارون (وولتر كوي) وفي خلال نصف ساعة يفتح المخرج أدراج التاريخين الفردي لإيثان والوطني لأميركا. نفهم من الحوار ومن لقطات موحية أن إيثان بعد هزيمة الجنوب انتقل الى المكسيك وهو لم يكن وحيداً. الجنرال جفرسون ديفيز، أحد قادة الجنوب، انتقل الى المكسيك أيضاً وحاول إعادة إنشاء قوّة عسكرية في المنفى، إنما من دون نتيجة تُذكر٠
الصورة الممنوحة لإيثان، كما يؤديه جون واين بجدارة، هي صورة سلبية: إنه عنصري، قاتل، ولص (يعتبر أن سرقة أموال الشمال حلال) وقاس. فوق ذلك، كان يهيم حبّاً بمارثا ويبدو كما لو كان مستعدّاً لخيانة أخيه إذا ما رضت به. هي توحي بحبّها للمُشاهد عبر نظراتها، لكنها لن تخون زوجها (او بالتحديد: لن تكون هناك المناسبة السينمائية التي ستتيح لها خيانة زوجها)٠
التمييز العنصري دائماً ما هو مرتبط بالجانب الجنسي في حياة المرء. ناثان يستشط غضباً حين يعلم أن الفتاة التي تركها خلال الحرب صغيرة، وأسمها دَبي (تمثّلها شابّة نتالي وود) قد خطفها هنود الكومانشيز وأنها تعيش بينهم. الخاطرة هنا ليست عنصرية، بل عنصرية مغذّاة بالفعل الجنسي الذي يتخيّله تم بين المواطنين الأميركيين الأصليين للأرض المعروفين بالهنود الحمر، وبين الفتاة البيضاء التي قد تكون إبنته وذلك لأن الفيلم يؤسس علامات استفهام حول ذلك. هنا ندرك أن الرابط بين الفعل الجنسي والشعور بالتفوّق العنصري على الآخر ملتحمان في هذا الفيلم التحاماً شديداً٠
في قراءة فإن دَبي هي إبنته ومارتن، الذي يقدّمه الفيلم كإبن أخيه ويؤديه جفري هنتر، هو إبنه، لكن هذه القراءة هي تحليل نقدي قد يُصيب وقد يُخطي إذ لا يحوي الفيلم ما يؤكد ذلك بل يبقى على مستوى الإيحاء فقط. لا أرى أن ذلك يُساعد الفيلم حتى ولو أن نيّة جون فورد كانت التعامل مع وضع معقّد. في هذا الوضع فإن الوضع المعقّد كان يتطلّب إمكانيات تعبيرية ومضامين معقّدة بدورها، وهذا ما لا يحدث٠
ما يحدث هو أن إيثان يبدأ رحلة بحث طويلة (يشاركه بعض مراحلها مارتن) عن دَبي وخاطفيها والرجل الذي اقترنت به. يريد قتلهما ويطلب خبرة أفراد مختلفين او يشتري بعض المعلومات من آخرين. خلال الرحلة التي هي ليست رحلة واحدة متّصلة بين مكانين، يوفّر جون فورد ما يوفّره عادة في أفلامه من "مناظر" للحياة الأميركية البيضاء و"أجوائها". في أفلامه عموماً (كتلك المذكورة في نهاية هذا المقال) احتفاء بالأميركيين والأميركيين الأيرلنديين بالتحديد. يبدو فورد مفعماً بالإعجاب برجاله ونسائه من ذلك الأصل وبكل ما يفعلونه: بحب الرجال للشرب، وبحبّهم للقتال وبطيشهم وبطريقة تصرّفات النساء القويّات، وهن قويّات خصوصاً إذا ما كن تجاوزن سن الشباب٠
هنا تُقام حفلة تعكس هذا الإحتفاء وتتخلّلها معركة بين إيثان إدواردز/ واين وبين الكابتن سام كلايتون/ وورد بوند. كلاهما (واين وبوند) من الوجوه المنتمية الى مصنع فورد من الوجوه (الذي يضم فيما يضم بن جونسون، هاري كاري جونيور وفكتور مكلغلن والمتخصص بدور المعتوه الطيّب هانك ووردن وجورج أوبرايان) والمعركة اليدوية التي تقع بين شابّين من طالبي ود فتاة يعشقانها (ڤيرا مايلز) تأكيد على شغله الرومانسي لتلك الصورة الإيجابية التي يدفعها للمشاهد. إنها تسلية ومتعة لعين المشاهد ودفق من الشوفينية الرجالية غير موجودة، بتلك الكثافة، لدى أي مخرج وسترن من قبل٠
ومثيل لهذه المعارك بين الأخيار فيما بينهم نجدها في أفلام فورد الأخرى مثل "محبوبتي كلمنتين" (1946) و"فورت أباتشي" (1948) و"ترتدي شريطاً أصفر" (1949)٠
هذا الإحتفاء بأيرلنديي أميركا في أفلام مخرج مارس سينما الوسترن معظم حياته، موقف تأليهي ينعكس عنصرياً من خلال معاملته الدؤوبة في معظم ما حققه من هذه الأفلام للهنود الحمر. وهنا في "الباحثون" الكثير من هذا الموقف. بطله المركّب إيثان ينطلق في أفعال غضب وقسوة ضد كل هندي يرتأيه، وحين يلتقي بدَبي في ثياب هندية (إذ هي اقتنعت بحياتها الجديدة ولم تسع للهرب) فإن غضبه يبلغ الى حد أنه يهم بقتلها. لكنه في الوقت ذاته، يشعر بأنه إذا ما فعل أخطأ. وهناك ملاحظة أوردها كاتب أميركي أسمه كرستوفر شارِت ذات مرّة في مقالة أذكر إنها نُشرت في مجلة "سينياست" لكني لم أعد واثقاً الآن، يلفت النظر فيها الى أن من بين احتفاءات فورد بالبيئة البيضاء في أفلامه أغاني أنجيليكية أبرزها أغنية بإسم
Shall We Gather By the River? هل نجتمع عند النهر؟
ولا أذكر أن الكاتب ذكر السبب في اختيار هذه الأغنية، وهي مستخدمة فعلاً في "الباحثون" ، دون سواها وتكرارها في أفلامه، لكن ما يذكره حقيقي بشأنها وحقيقي أيضاً أنها تستخدم كما تُستخدم أغاني الأفراح في الأفلام المصرية القديمة. لا تهم المقارنة بحد ذاتها وأنا أعلم أنني أتحدّث عن مخرج ذي قامة طويلة وفيلم يضعه معظم النقاد الغربيين في قائمة أفضل ما تم إنجازه من أعمال سينمائية، الا أن مفعول هذه الأغنية العاطفية الحاشد لما يُفترض به أن يتفاعل في صدور الشخصيات المشتركة والمحيطة، وينتقل الى صدور المشاهدين، لا يختلف كثيراً عن وظيفة الوصلة الغنائية في الأفلام القديمة٠
والمشاهد يريد مخرجاً مثل سام بكنباه متمرّداً على تلك الصورة الرومانسية للشخصيات البيضاء (المسيحية واليهودية) لكي يدرك المعنى الوجداني المفترض بتلك الأغنية تحديداً. في مطلع فيلم بكنباه "الزمرة المتوحّشة" سنة 1969 يستخدمها المخرج لوصم ذلك اليمين والشخصيات البيضاء ذات السلوك الحسن. بعد خطبة عصماء ينادي بها متديّنون وتؤمها سيدات البلدة وبعض رجالها، ها هم ينتظمون في مسيرة تغني هذه الأغنية وتمشي في شارع البلدة الأساسي وذلك في الوقت ذاته الذي يندلع فيه القتال بين أشرار وليام هولدن وأشرار روبرت رايان إثر محاولة عصبة الأول (المقصودون بالعنوان) سرقة أحد المصارف. الرصاص ينهمر فوق الأبرياء المشتركين في هذه المسيرة وسريعاً ما ينتقل الى أجسادهم كونهم وقعوا، من دون أن يدروا، وسط المعركة. كثيرون منهم يسقطون قتلى. بذلك مزّق بكنباه ما يمكن أن يجده المرء من معنى ومغزى لا في الأغنية وحدها، بل في قيمة "المواطنية الصالحة" التي كانت دائماً موضع شك لدى بكنباه٠

حال إنتقال الفيلم الى فعل البحث، بعد نصف ساعته الأولى، فإن المقابل لكل هذه الصور الإيجابية للبيض في فيلم فورد، هو المواطن الأميركي الأصلي. لقد سبق لفورد أن أسّس شخصية إيثان كعنصري يبغض الهنود الحمر، الآن حان الوقت لكي نرى كيف والكيف هذه منتشرة في العديد من المشاهد من تلك النظرات التي يجابه فيها الهندي الأحمر، الى بعض الحوار ثم الى معاملة إحدى النساء الهنديات (أسمها في الفيلم لوك وتقوم بها ممثلة أسمها بيولا أركيوليتا) المزرية. في حين أن المرأة البيضاء (صورة ڤيرا مايلز) عفيفة وشريفة، هذه الهندية لا قيمة لها. وفي حين أنها جميلة فإن الهندية بدينة، قصيرة وبلا جمال. شخصية ڤيرا لديها شابّان يتصارعان طلباً ليدها، بينما شخصية لوك لديها رجلين (جون واين وجفري هنتر) يعنّفانها ثم يلقيان بها فوق تل فتتدحرج مثل برميل فارغ٠


لكن بين لوري/ مايلز ولوك/ أركيوليتا، أين تقف تلك البيضاء دَبي التي خُطفت صغيرة وعاشت وتجانست و"دخلها" هندي أحمر؟ ربما فورد لا يدعو لقتلها، لكنه يمنح بطله كل الأعذار لذلك. أولاً أعفا نفسه من الدفاع عنه فقدّمه عنصرياً أساساً، وثانياً منحه عدّة قيم تجعله صاحب مبررات مقبولة (ولا ننسى أن المشاهدين الرئيسيين لهذا الفيلم هم بيض وأميركيون مثله) وثالثاً، لعب على المسألة الجنسية تلك التي لا تُنطق، ولا تُكتب، لكنها تُشعر: الذكر الذي عاشر هذه البيضاء ليس من فصيلتنا. في أفلام وسترن أخرى، فأن العنصري، مثل شخصية رتشارد بون في فيلم غوردون دوغلاس "ريو كونشوس" (1964) يتعلّم كيف يتعايش وينسى دوافعه هذه في النهاية. قيمة الدرس في النهاية متوقّفة على أحداث ما قبلها. إذا ما كانت مقنعة بحيث تؤمّن نهاية غير مبتذلة في إيجابيّتها او محشورة لحفظ ماء وجه البطل. لكن نهاية فيلم فورد هذا، "الباحثون"، ليست من النوع الذي يتعامل كثيراً مع اكتشاف الذات والتعلّم من الأحداث. لن يقتل إيتان دَبي، بل سيقتل الهندي الذي عاشرها (ممثل أبيض أسمه هنري براندون) وستعود الى المظلّة المسيحية- البيضاء بعيداً عن غير المتديّنين بدين معروف والذين لو تُركوا يأكلون البافالو ويتزوّجون من النساء البيضاويات، لأصبحوا تهديداً كبيراً للإنسان الأبيض٠
لم أذكر مسألة البافالو من قبل وموجزها أن هذا الحيوان الذي كانت أعداده بالملايين (في بعض المراجع المنشورة أن قطعان هذا الجاموس الوحشي كانت بالملايين وإذ كانت تقطع البراري فإن نهاراَ كاملاً يمر قبل أن تنتهي) كان المعين الغذائي الأول للهنود الحمر. كانو يصطادون منه كفايتهم فقط ولا يكتفون باستخدام لحمه للأكل، بل دهنه وفرائه وعظامه، كل يُستخدم لتلبية الحاجة من الطبخ الى اللبس والقلائد او الأسلحة. الإنسان الأبيض أخذ يصطاد البافالو بلا هوادة. منذ حلول منتصف القرن التاسع عشر أخذت أعداد البافالو بالتناقص الى درجة أن السهوب الغربية فجأة ما خلت من ذلك المورد الغذائي الأول للشعوب الهندية. اصطياد الرجل الأبيض لم يكن للغذاء بل كان للرياضة. في مشهد دال في فيلم فورد يقول إيتان أنه يريد صيد البافالو لكي يحرّم الهنود أكله. خلف الكلمات ليقطع نسلهم

نعم، هناك نقد لفورد لهذا الأبيض المفترس، لكنه ليس النقد الذي يوصم بل ذلك الذي يشبه موقف الدول الغربية من إسرائيل مثلاً: نحن ضد العنف الذي تمارسينه لكن وجودك مهم ودفاعك عن نفسك مشروع. وبين الضد والمع يضيع الموقف الواجب اتخاذه٠
موقف فورد في ذلك متقابل ومتلائم (ولا أقول يتماهى لأن الكلمة لا تعني ما يقصده بها مستخدميها على الإطلاق) مع موقف المخرج و. د. غريفيث في "مولد أمّة" في ذلك الفصل من الأحداث التي تقع في رحى الحرب الأهلية حين يهدد المرأة البيضاء جمع من السود الذين كانوا يحاربون لجانب الشماليين. الآن حرر جيش الشمال البلدة الجنوبية التي تقع فيها الأحداث وهؤلاء المجنّدين السود عطشى لشيء واحد (في مفهوم الفيلم) هو: اغتصاب النساء البيض. كلا الفيلمين يتحدّث عن الآخر الذي سيجامع بناتنا العفيفات. فيلم غريفيث يجعل الخلاص على يد مجموعة كوكلس كلان العنصرية، فيلم فورد يجعل الخلاص على يدي إيثان الذي يمتنع عن قتل دَبي من باب عدم الرغبة في تشويه الصورة الباقية ومنح الفيلم نهاية داكنة. إيثان سوف يكون رؤوفاً بتلك الفتاة التي عاشت طويلاً بين الهنود بحيث فقدت صلتها بأصلها. سيعيدها الى أصلها وستكون راغبة كما يجب أن تكون. لكن جام غضبه الى ذلك الحين سينفجر قتلا وتشنيعاً في مشهد الهجوم مع الكابتن سام (وورد بوند) على القرية الهندية وقتل رجالها وتدميرها، او بالأحرى محو خطرها من الوجود حفاظاً على العنصر الأبيض الناقي٠

تقييم الأفلام الواردة
The Searchers | John Ford (1956) ***
My Darling Clementine | J. Ford (1946) ***
Fort Apache | J. Ford (1948) ***
She Wore a Yellow Ribbon | J. Ford (1949) **
The Wild Bunch | Sam Peckinpah (1969) *****
Rio Conchese | Douglas Gordon (1964) **
The Birth of a Nation | D.W. Griffith (1915) ***

"The Searchers" Cast & Credits
--------------------------------------
DIRECTOR: John Ford *** | CAST: John Wayne ****, Jeffrey Hunter, Vera Miles, Ward Bond, Natalie Wood, John Qualan, Harry Carey Jr., Hank Worden, Beulah Archuletta, Patrick Wayne. | SCREENPLAY **: Frank S. Nugent. BASED ON A NOVEL BY: Alan LeMay | CINEMTOGRAPHER **** : Winton C. Hoch (Colour) | EDITOR: *** Jack Murray | MUSIC ***: Max Steiner (120 m).


السينما المغربية في مهرجان تطوان | قوّة المادة وضعف الأداء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة ـــــــــــــــــ

في متابعته مهرجان "تطوان" الذي انتهت دورته السادسة
عشر في الثالث من هذا الشهر، يقدّم الزميل نديم جرجورة
في حلقته الثانية الأفلام الفائزة وتلك المغربية التي سنحت
له فرصة مشاهدتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


انتهت الأيام الستة الخاصّة بالدورة السادسة عشرة (27 آذار ـ 3 نيسان 2010) لـ»مهرجان تطوان الدولي لسينما بلدان البحر الأبيض المتوسّط». أُعلنت النتائج. أُسدِل الستار على إحدى أكثر الدورات إثارة للجدل، وطرحاً لمستقبل المهرجان. لجنتا التحكيم متمتّعتان بمزاجيات متفرّقة. الهواجس مختلفة. لكن غالبية الأفلام المختارة، خصوصاً في فئة الأفلام الروائية الطويلة، مثيرة للقلق. معظمها عاديّ. بعضها سيئ. قليلة هي الأعمال الجادّة. أبرزها على الإطلاق الفيلم التركي «10 حتى 11» لبيلين إسمر (جائزة محمد الركاب/ جائزة لجنة التحكيم الخاصّة، وقيمتها المالية أربعون ألف درهم مغربي، ما يُعادل خمسة آلاف دولار أميركي تقريباً). بالنسبة إليّ، هذا أهم من الفيلم الإيطالي الفائز بالجائزة الكبرى لمدينة تطوان (سبعون ألف درهم مغربي، ما يُعادل أكثر من ثمانية آلاف دولار أميركي بقليل)، «ارفع رأسك» لأليساندرو آنجيليني. الأهمية كامنةٌ في الاشتغال الفني. في اللغة السينمائية المعتمَدة. في النصّ المكتوب وترجمته البصرية. في الموضوع ومعالجته الدرامية. في البساطة المرتكزة على عمق إبداعي مثير للمتعة والتساؤل. في بُعده الإنساني العميق والمؤثّر، على الرغم من أن «ارفع رأسك» محمَّل بمثل هذا البُعد، وإن بشكل مختلف. المقارنة بينهما ناتجة من فوزهما بالجائزتين الأساسيتين، مع أنها مسيئة لهما معاً في الآن نفسه، لابتعادهما عن بعضهما البعض، ولاهتماماتهما المختلفة٠

شفافية
بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «10 حتى 11» غائصٌ في أعماق الذات الفردية، وارتباطها بجوار مسكون بالتبدّل القاسي. العجوز المقيم في عالمه الخاصّ، منسجم وقناعاته الذاتية. بحثه عن القديم لا يُلغي الحاضر، وإن رفض السقوط في تحوّلات هذا الحاضر. بقاؤه في منزله المليء بالأشياء العتيقة نوعٌ من تمرّد على أحوال الدنيا وتبدّلاتها. هذا كلّه مُصاغ بلغة شفّافة وبسيطة، تحمل كَمّاً جميلاً من العمق الإنساني. تؤكّد، أيضاً، أن الميزانيات الضخمة لا تصنع، بالضرورة، أفلاماً جميلة؛ وأن الأفلام الجميلة محتاجة، أساساً، إلى مخيّلة خصبة وثقافة كبيرة. إلى قدرة عقلية وثقافية على جعل الصورة تقول وتعبّر. في «ارفع رأسك»، التأثير الانفعالي حاضرٌ. العلاقة المتينة، ظاهرياً، بين الأب وابنه، مثيرة للتساؤل عن السطوة والسلطة الأبويتين. الأب واضعٌ أحلامه المجهَضَة في مسيرة الابن على طريق الاحتراف المهني في الملاكمة. الابن خاضعٌ. لكن، هناك لحظة انفجار ناتج من غضب ورفض وتململ. واللحظة ذاهبة بالابن إلى الموت السريري. النقمة والحسرة والشعور بالذنب أمورٌ ألمّت بالأب فجعلته منصاعاً إلى العزلة. وهب الأعضاء أفضى بقلب الابن إلى محتاج، إثر قرار نزع الآلات عنه. قرّر الأب البحث عمن اقتنى القلب. إنه شاب متحوّل جنسياً. علاقة سلطوية من نوع آخر. انهيارات وارتباكات. هذه محاولة منضوية في التجربة الفريدة التي أنجزها ناني موريتي في «غرفة الابن» (2001). لا مجال للمقارنة. لكن التشابه في المناخ العام أدّى إلى استعادة تلك التجربة الإنسانية: موت الابن ومصير الأب (العائلة). أليساندرو آنجيليني متوغّل في متاهة النفس البشرية، إثر اصطدامها بالموت. لكن المعالجة عادية، والسياق الدرامي متين الحبكة من دون بلوغ مرتبة الإبهار. وهذا مناقضٌ للبساطة المدوّية في «10 حتى 11»، المفضية إلى سلاسة الحبكة، وعمق المعالجة، والتأثير الانفعالي غير المفتعل أو المتصنّع٠

بالإضافة إليهما، عُرض فيلمان مغربيان في المسابقة الرسمية الخاصّة بالأفلام الطويلة: «عند الفجر» للجيلالي فرحاتي و»المنسيون» (أو «منسيو التاريخ» بحسب العنوان الفرنسي الموضوع من قبل المخرج) لحسن بنجلون (جائزة الجمهور، وقيمتها المالية ثلاثون ألف درهم مغربي، ما يُعادل 3750 دولارا أميركيا تقريباً). هناك أيضاً فيلمان مغربيان اختيرا لبرنامج «عروض خاصّة»: «فينك أليام» (أو «مصائر متشابكة») لإدريس شويكة و»وليدات كازا» لعبد الكريم الدرقاوي. هذه أفلام مُنتجَة حديثاً. شاركت كلّها (إلى جانب أفلام أخرى، طويلة وقصيرة) في الدورة الحادية عشرة لـ «المهرجان الوطني للفيلم»، المنعقدة في المدينة المغربية طنجة بين الثالث والعشرين والثلاثين من كانون الثاني الفائت. هذه أفلام مُصابة بخلل وارتباك واضحين، لا يتلاءمان أبداً والمواضيع المختارة. أفلام محتاجة إلى تكثيف درامي ومعالجة أفضل. لا يُمكن لمسألة المتاجرة بأجساد النساء، خارج المملكة المغربية وداخلها (نشرت الصحيفة المغربية اليومية «الصباح»، في عددها الصادر بتاريخ 3/ 4 نيسان الجاري، تحقيقاً طويلاً حول الدعارة في مدينتي تطوان المغربية وسبتة الإسبانية)، أن تُعالَج بالطريقة المعتمَدة في «المنسيون»، مع أن الفيلم المذكور أفضل الأفلام المغربية الأربعة تلك. لا يُمكن للقهر والعزلة والقلق أن تُرسَم ملامحها وتُخطّ مصائرها في الذات الفردية وصراعاتها اليومية من أجل البقاء، كما رُسمت في «عند الفجر»، بهذه الطريقة الملتبسة بين الغموض غير الإبداعي والخفّة. لا يُمكن لاستعادة الذاكرة الغنية بالنضال الطالبي أن تُقدَّم بأسلوب سينمائي باهت، كما في «فينك أليام». لا يُمكن للكوميديا التي تُغلّف أشياء الحياة اليومية (الفساد في الاقتصاد والأعمال، تجارة المخدرات، التمثيل، إلخ.) أن تحضر في المشهد السينمائي، كما حضرت في «وليدات كازا»٠

مأزق السينما المغربية
غريبٌ أمر السينما المغربية. المهرجان الوطني بدا مثقلاً بأعمال هابطة، لولا الجمالية الفاقعة والواقعية الحادّة اللتين ميّزتا «شقوق» هشام عيّوش و»الرجل الذي باع العالم» للأخوين سويل وعماد نوري مثلاً. أو بعض الأفلام القصيرة كـ «ألو بيتزا» لمراد الكاودي و»فالكوزينة» لطارق بن إبراهيم. مشاهدة الأفلام الأربعة الطويلة في مهرجان تطوان أعادت تسليط الضوء على واقع النتاج السينمائي في المغرب. قوّة المادة في مقابل بساطة المعالجة، أو ارتباكها. «شقوق» منتم إلى نسق لم يؤكّد مكانته الإبداعية في الصناعة السينمائية العربية بعد. كاميرا متحرّكة في الشارع. مطاردة الشخصيات الثلاث في علاقاتها وهواجسها وضياعها وانزلاقها في متاهة البؤس اليومي والشقاء الحاد. توغّل في قعر المدينة المغربية طنجة وعالمها السفلي، بتناقضاته وإرهاصاته وتمزّقاته وانكسارات ناسه وخيباتهم المدوّية. كاميرا مشوّقة ومُتعِبة في آن واحد. «الرجل الذي باع العالم» أقسى وأغرب. غموضه، المنسحب على الحبكة والألوان والتفاصيل والرؤى، بديعٌ. أداء تمثيلي رفيع المستوى (سعيد باي تحديداً)، لا تعثر عليه في أفلام مغربية أخرى. العشق المصطدم بجدران الخيبة. الصداقة المفتوحة على احتمالات شتّى ومتناقضة. السعي إلى الخلاص من سلطة قامعة، في الحياة والمهنة والمشاعر. هذا كلّه، أو ما يشبهه على الأقلّ، لا تعثر عليه في الأفلام الروائية الطويلة الأربعة، المُشاركة في مهرجان تطوان. بهتان الصورة يُرادفه بهتان الأداء. ضعف النصّ السينمائي يُقابله ضعف في المعالجة وتنفيذ العمليات الفنية (المونتاج. الموسيقى. إلخ.)٠
في مسابقة الأفلام المتوسطية القصيرة في تطوان، اختيرت عناوين شاركت في المسابقة الدولية لـ «مهرجان الفيلم القصير في كليرمون فيران» في فرنسا، في دورته الأخيرة المُقامة بين التاسع والعشرين من كانون الثاني والسادس من شباط 2010: «يوم بارد» للبرتغالية كلاوديا فاريخاو، «متروبوليس فيري» للإسباني خوان غوتييه، «وأنا من أجل تفاحتي» لليوناني جورغيس غريغوراكس، «الحب في زمن الكولا» للمصري إبراهيم عبلة و»رؤوس دجاج» للفلسطيني بسام الجرباوي. بالإضافة إلى أفلام مغربية قصيرة عُرضت في «المهرجان الوطني للفيلم« أيضاً: «بو بيا» لسامية شرقاوي، «الروح التائهة» لجيهان البحّار،»قرب فراشك» لعبد السلام كلاعي و»بدون كلام» لعثمان الناصري

عن الفيلم القصير
مرّة أخرى، أجد نفسي متورّطاً في مقارنة نقدية. الأفلام العربية القصيرة هذه لم تبلغ مرتبة الإبهار البصري، على الرغم من أن أفلاماً مغربية أخرى بدت أنضج وأهمّ وأجمل. تناول الفيلم الإيطالي (يوم بارد) حكاية عائلة. أفرادها مقيمون في عوالمهم الخاصّة. منصرفون إلى شؤون عيشهم. الفيلم مشغول ببساطة جمالية لا تخلو من عمق إنساني متمثّل بمصائر وأقدار ويوميات. الفيلم الإسباني (متروبوليس فيري) عالج، بطريقته المبسّطة العادية، مسألة الهجرة بين المغرب وإسبانيا. الفيلم اليوناني (وأنا من أجل تفاحتي) مُصاب بلعنة التبسيط، عن الحبّ والعلاقة الصدامية وأشياء الحياة العادية. الفيلم المصري (الحبّ في زمن الكولا) معطوبٌ. أريدَ له أن يكون قراءة عن الحالة الجنسية لدى فئات اجتماعية مصرية عدّة، أو بالأحرى الهيجان الجنسي والنكتة الساخرة المتمثّلة بالخداع. لعبة جنسية تُشفي غليل المهتاج المتوتر. لكن المعالجة لا تُقدّم مفيداً. الفيلم الفلسطيني (رؤوس دجاج) مختلف. في مزرعة صغيرة خاصّة بأب وولديه، تدور أحداث يومية عادية للغاية. بعيداً عن الخطاب النضالي، عالج الفيلم حكاية بيع وشراء أغنام، وشقيقين متخاصمين، ونزاعات عادية. السياق جميل. المناخ العام متماسك. الشكل والمضمون متكاملان. الإسقاط السياسي حاضرٌ بطريقة مواربة. الأفلام المغربية المشاركة في مهرجان تطوان عادية: كسر الحدّ الفاصل بين الواقع والوهم حاضرٌ في «بو بيا» و»الروح التائهة». الأول عن فتاة وهجرة وإيقاع رتيب. الثاني عن اللوحة والتيهان في غابة الانفعالات المتضاربة والآلام النفسية والروحية المبرحة. في «قرب فراشك»، أم وابنها والمرض والصبر. و»بدون كلام»، التقط (بالصمت وبإعمال الصورة) نبض العلاقة الإنسانية بين مهاجر أسود ومقيم أبيض، جمع الموت بينهما، أمام عينيّ زوجة الأبيض٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular