Mar 16, 2010

Year 3. Issue 500 | افلام الحرب العراقية | كاثلين بيغيلو تكسر الإحتكار الرجالي للأوسكار | الصياد لرفيع بيتس| رسائل بحر لداوود عبد السيد| السينما العربية؟ أين هي؟


COVER | STORY


على نحو مفاجيء الى حد بعيد، أنجز فيلم تيم بيرتون الجديد «أليس في أرض العجائب» 221 مليون دولار في عروضه العالمية وذلك خلال أسبوعي عرضه الى الآن. وحسب ديزني فإن 152 مليون دولار من هذا المبلغ أنجزتها نسخة الأبعاد الثلاثة التي عرضت في غالبية الدول التي افتتح الفيلم فيها وتبلغ 48 دولة

هذا العدد

أوراق ناقد | منطقة ألغام تواجه فيلم بول غرينغراس «منطقة خضراء» | ماركو مولر آسف على أن «خزنة الألم» لم يفز بفنيسيا | مهرجان دبي يرفع من جوائز الفيبريسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مناسبات | يواجه الزميل ابراهيم العريس المشككين في قيمة الأوسكار وجوائزه معلّقاً على فوز كاثلين بيغيلو الأخير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما عربية | يحمل فيلم داوود عبد السيد الجديد «رسائل البحر» كما يرى الزميل أحمد يوسف، تناقضات بين الفكرة الشعرية والمعالجة الذهنية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم | يرصد الناقد هوڤيك حبشيان فيلم رفيع بيتس الجديد «الصياد» كاشفاً عن معاني مهمّة في فيلم ضد النظام٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما عربية | هل هناك سينما عربية؟ بالتأكيد، لكن سينما من الأفضل لو لم تكن كما يرى محمد رُضا


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Green Zone
هل يكون آخر فيلم هوليوودي عن العراق؟

قد يكون «منطقة خضراء» جديد المخرج بول غرينغراس آخر فيلم هوليوودي عن الحرب العراقية لسنوات كثيرة قادمة. لقد جرّبت ستديوهاتها التطرّق الى تلك الحرب أكثر من مرّة وفي كل مرّة تلقّت ضربة في الوجه من قِبل جمهور غير متحمّس لطرح الموضوع او لأخذ أي جانب فيه او موقف حياله. وآخر هذه الضربات ما يحدث منذ الويك إند الأخير حين حطّ التعاون الجديد بين المخرج غرينغراس والممثل مات دامون على الشاشات الأميركية فسجّل أقل من خمسة عشر مليون دولار من الإيرادات فيها وسجل نحو عشرة ملايين دولار من الإيرادات العالمية. هذا مقابل فاتورة انتاج بلغت نحو مئة مليون دولار عدا تكاليف التسويق٠
على الأقل "خزنة الألم" خرج بأوسكارات، لكن دفاتر الإنتاج لا تزال مكتوبة بالحبر الأحمر هناك إذ لم يسجّل حتى الآن أكثر من سبعة عشر مليون دولار مقابل ستة عشر مليون دولار ككلفة أساسية (اي من دون التكاليف واقتسام الإيرادات بين الصالة والمنتج)٠
في الدعايات المسبقة حاولت شركة يونيفرسال (الموزّعة أما التمويل فقامت به شركة ريلاتفلي ميديا) ترويج الفيلم على قاعدتين: هو فيلم أكشن بصرف النظر عن موقعه وهو فيلم جديد للثنائي الذي أنجز نجاحاً كبيراً حين تعاون على "سيادة بورن" و"إنذار بورن"٠ كل تلك الحيوية والطاقة والمونتاج الحاد والإيقاع السريع ممتزج هنا بالموضوع السياسي- العسكري حول عميل السي آي أيه الذي يحقق أولاً في موضوع الأسلحة الفتّاكة التي قيل أن صدّام حسين يملكها، ثم من كذب هذه الكذبة ولماذا يدفع البعض ثمناً لذلك٠
لكن الجمهور مسلّح ضد أفلام كوّن عن مواضيعها آرائه الخاصّة والتلفزيون ساهم في تكوينها عبر سنين من التعامل مع العراق. حتى حين كانت الحرب على أشدّها أخفقت أفلام دارت (افتراضياً) داخل العراق او في الولايات المتحدة متعاملة مع ذيول الحرب في تسجيل نجاح جماهيري جيّد. من تلك الأفلام في السنوات الثلاث الأخيرة
Body of Lies | Ridley Scott *** كيان من الأكاذيب
Stop- Loss | Kimberly Pierce ***1/2 إيقاف خسارة
In the Valley of Elah | Paul Haggis *** في وادي إيلاه
Grace is Gone | James C. Strouse **1/2 النعمة ولّت
Lions for Lambs | Robert Redford ***1/2 أسود كحملان
Home of the Brave | Irwin Winkler **1/2 بيت الشجعان
وكلّها قاد بطولتها ممثلون ذو مكانة. بالترتيب: ليوناردو ديكابريو، رايان فيليب، تومي لي جونز، جون كيوزاك، ميريل ستريب (مع روبرت ردفورد وتوم كروز)، سامويل ل. جاكسون٠
The Messenger *** | والضحية ما قبل الأخيرة كان «المرسال»٠
الذي أخرجه أورن موڤرمان من بطولة بن فوستر ووودي هارلسون الذي رُشّح لأوسكار أفضل ممثل مساند عن دوره في هذا الفيلم. كما لا أنسى ذلك الفيلم الرائع والخاص الذي حققه برايان ديبالما بعنوان
Redacted ***1/2 | تنقيح
الذي سبق فيلم كاثلين بيغيلو «خزنة الألم» في استخدامه الأسلوب الريبورتاجي- التوثيقي في التعامل مع ما دار في العراق٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ماركو مولر يأسف٠

وفي أعقاب فوز كاثلين بيغيلو (التي ستقوم الآن بإخراج فيلمها الجديد لحساب محطة فضائية) أعرب رئيس مهرجان فانيسيا ماركو مولر عن أسفه أن الفيلم كان قد عرض في مسابقة مهرجانه (الدورة ما قبل الماضية) ولم ينل جائزة . طبعاً الخطأ (إذا ما كان ذلك خطأ) ليس خطأه بل هناك لجنة تحكيم من المفترض بها أن تمنح جائزتها للفيلم الأفضل. وحينها خرج فيلم أميركي آخر هو "المصارع" لدارن أرونوفسكي الذي انتمى الى أسلوب سرد تقليدي في حكاية أخرى (ولو أنها جيّدة التنفيذ والتمثيل) حول الرياضي الذي يحاول استعادة ماضيه (ليس على نحو بعيد مما يرد في «قلب مجنون» مع وضع موسيقار عوض الرياضي) ٠
تأليف لجان التحكيم من شتّى أركان العمل السينمائي ليس ضمانة لجوائز منصفة. في نهاية المطاف، لا يزال التصويت معتمد على رأي منفرد ربما صاب وربما خاب وعلى اعتبارات منعت كلينت ايستوود من استحواذ السعفة الذهبية أكثر من مرّة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجان دبي والفيبريسي

في العام 2008 كنت لا أزال رئيس مسابقة مهرجان دبي السينمائي قبل استقالتي قبيل نهاية العام، حين اتصلت بإدارة الإتحاد الدولي لنقاد السينما (فيبريسي) واقترحت عليها ضم المهرجان الى سلسلة مهرجاناتهم التي يتم فيها توزيع جوائزها الخاصّة. وافقت الإدارة وسعيت لاجتماع عمل ضم سكرتيرها العام كلاوس إيدر ومدير مهرجان دبي الفني مسعود أمرالله والمديرة التنفيذية للمهرجان شيفاني بنديا وأنا٠
خلال الإجتماع وفي سهولة تم الأتفاق على قيام الإتحاد بضم المهرجان الى مجموعته خصوصاً وأن المهرجان يمثّل بالنسبة إليه حجر زاوية في السينما العربية وقد برهن خلال سنواته الأربعة الفائتة عن جدارته٠
بالفعل منح المهرجان جائزته في ذلك العام لأول مرّة ثم منحها في العام التالي لثاني مرّة٠
الآن استقبل بإهتمام قرار إدارة مهرجان دبي برفع عدد الجوائز الممنوحة من قِبل الإتحاد الى ثلاثة جوائز عوض واحدة فبدل جائزة أفضل فيلم روائي طويل، ستمنح الفيبريسي (او الفيبريسكي حسب أي لهجة تريد) جوائز للأفلام الروائية والوثائقية والقصيرة في مسابقته العربية٠
هذا حافز مهم للإشتراك في مسابقة دبي علماً بأن جوائز الإتحاد ليس ماديّة بل معنوية لكن اي مخرج لن يفرح إذا ما اختار هذا الإتحاد (وهو يضم معظم النقّاد الجيدين حول العالم) فيلمه لجائزته أسوة بمخرجين يعرضون أفلامهم في فنيسيا وبرلين وكان وتورنتو ونحو ثلاثين مهرجان آخر؟

مناسبات | إبراهيم العريس

المرأة التي كسرت الحظر الذكوري على الأوسكار

بعد أسابيع من التشويق، تنفس النقاد وأهل السينما الجادون في هوليوود، وربما في غيرها أيضاً، الصعداء، أوائل هذا الأسبوع. فما كانوا يخشونه لم يحصل: لم يكتسح «آفاتار» جيمس كاميرون جوائز الأكاديمية كما كان كثر يتوقعون، ولم يحقق كاميرون ما كان حققه قبل عقد ونيف حين ضرب الرقم القياسي التاريخي، تقريباً، في عدد الجوائز التي تمنح له خلال دورة أوسكار واحدة، كان ذلك حين حصل على 11 اوسكاراً، عن فيلمه «تايتانيك». يومها وعلى رغم اعتراضات كثيرة، دخل اسم جيمس كاميرون سجل الخالدين في تاريخ السينما الأميركية، وصار في امكانه ان يقول انه، كما حال ستيفن سبيلبرغ وجورج لوكاس وربما أيضاً فرانسيس فورد كوبولا - في أفلامه السابقة فقط - صار واحداً من كبار هوليوود الذين يجمعون المجد من اطرافه الثلاثة: التجاري والأوسكاري... والنقدي. والحقيقة أن مؤشرات عدة كانت تؤكد انه هذه المرة سيفعلها أيضاً، خصوصاً ان منافسته الرئيسة امرأة. وهوليوود لا تعطي عادة، أي اعتبار، للجنس اللطيف، إلا حين يكون جنساً لطيفاً. وأبداً لم تنظر هوليوود بعين الجدية الى النساء اللواتي يتنطحن الى التسلل الى عالم الرجال. والإخراج في هوليوود رجالي بامتياز. في تاريخ هوليوود كلها لم يزد عدد المخرجات الأميركيات المعترف بهن، عن عدد المخرجات الفلسطينيات العاملات حالياً. وأقل منهن طبعاً المخرجات اللواتي يهتممن حقاً بالقضية النسائية في أفلامهن. واليوم إذ تفوز كاترين بيغلو، التي تعتبر الأشهر، ومنذ زمن بعيد، بين المخرجات الهوليوديات، بأوسكار أفضل فيلم وأفضل اخراج، وثلاثة أوسكارات أخرى، يصح التساؤل: هل معنى هذا إن أهل هوليوود، حين رشحوا بيغلو ثم «أسكروها»، هل كسروا الحظر الذكوري على الفن السينمائي النسائي؟ الجواب هو، بكل بساطة، نعم، إنما جزئياً فقط٠
ذلك لأن من الصعب القول انه إذا كانت كاترين بيغلو امرأة، فإن أفلامها أفلام نسوية... بل على العكس من هذا تماماً: هي، في نهاية الأمر، أفلام ذكورية... في أغلب الأحيان. وما فيلمها الأخير «خزانة الألم» سوى الدليل الساطع على هذا... فبالكاد ثمة، في هذا الفيلم نساء... وهذا أمر طبيعي بالنسبة الى شريط يدور من حول رجال في البحرية الأميركية مهمتهم نزع الألغام في الأرض العراقية أيام الحرب القاسية التي شنها الأميركيون هناك بدءاً من مسعاهم لإطاحة صدام حسين. مثل هذا الموضوع لا يعطي أي دور لامرأة... لكن
هذا ليس جديداً على كاترين بيلغو التي كانت، أصلاً، عرفت على نطاق واسع، هوليودياً وعالمياً، بواحد من أفلامها الأكثر نجاحاً «ك - 19 صانعة الأرامل»، الذي حققته بعد عشرين سنة من جهود سينمائية دؤوبة متفاوتة الجودة، متفاوتة النجاح ٠

ضد العنصرية
مهما يكن من أمر، فإن اختيار هوليوود لامرأة - حتى وإن كانت من نوع يسمى في اللغة العربية «أخت الرجال» - يحسب هذا العام لهوليوود، إذ وكما بات معروفاً الآن، صاحبة خزانة الألم» هي أول امرأة تفوز بأحسن فيلم وأحسن اخراج في تاريخ جوائز الأكاديمية... وهي المرة الرابعة التي ترشح فيها امرأة للجائزة. ما يضعنا مباشرة أمام هذا الوجه « الجديد لعاصمة السينما العالمية، وجه بدأ يُظهر ما كان من غير الممكن ظهوره لسنوات قليلة: الاهتمام المتجدد لهوليوود بكل ما كان يعتبر، في الماضي من الأقليات. فاليوم لم يعد استثنائياً أن يفوز فيلم هندي (وليس هندياً أحمر)، مثل «المليونير الصعلوك»، أو أفلام مناهضة كلياً للعنصرية، أو أفلام حربية تسير عكس التيار الوطني المعتاد. ولم يعد غريباً فوز ممثل أسود أو ممثلة ملونة أخرى بأسمى الجوائز. بل إن أوسكارات هوليوود، صارت كمن يعرف طريقه الى الأفلام الصعبة والمغرقة في إنسانيتها خلال السنوات الأخيرة، من دون لف أو دوران

مليون دولار بايبي لكلينت ايستوود: أوسكار 2005 

ومن هنا يأتي هذا العام تتويج «خزانة الألم» خطوة على طريق أنسنة هوليوود... وهي، في الأحوال كافة أنسنة متجددة، لا جديدة... إذ خلال ثلاثة أرباع القرن وأكثر، ومنذ بدأ أهل هوليوود يوزعون جوائز أكاديميتهم السنوية، لم يفت هذه الجوائز أن تدهش وتفاجئ... ولا سيما أولئك الذين يقتاتون على شتيمة هوليوود، معتبرينها، مجرد وجه من وجوه المؤسسة والحلم الأميركيين. والحقيقة أنه، إذ التصقت هذه الصورة المزدوجة بهوليوود لزمن طويل، عرفت هذه الأخيرة، كيف تنسفها بين الحين والآخر. فحين تعطي هوليود أوسكاراتها الى مخرجين مثل وودي آلن وكلينت ايستوود (ولا سيما عن أكثر أفلامه انسانية مثل «طفلة المليون دولار» و «لا يسامح») ومارتن سكورسيزي (عن المرحّلون») وستيفن سبيلبرغ، وآنغ لي، وميلوش فورمان (خصوصاً عن «أماديوس») وأوليفر ستون (أكثر من مرة واحدة) ولأفلام مثل «رجل لكل العصور» و «مارتي» و « المريض الإنكليزي» بعد «آخر امبراطور» و «لورانس العرب»... يصح أن نتساءل أين هذا من أولئك الذين يجدون، كل سنة، في توزيع جوائز الأوسكار مناسبة لشتيمة أصحابها،« ثم يصمتون بعد أن توزع الجوائز؟

طبعاً يحدث لهوليوود في مرات كثيرة أن تخضع لمنطق تجاري ما، ويحدث لها في مرات عدة أن تبدو امتثالية ورجعية في اختياراتها السياسية، ولكن الذي يمكن قوله اليوم، والفائز فيلم عن حرب العراق - حتى وإن كان، في نهاية الأمر، ملتبس الشكل والمضمون يهمه جنود البحرية الأميركية أكثر مما يهمه الشعب العراقي -، والفائزة مخرجة امرأة، هو ان هوليوود تواصل منذ نحو عقد ونصف العقد تكريم أفلام أقل ما يمكن أن يقال فيها انها لا هوليوودية. ولنتأمل اللائحة منذ العام 1999 على الأقل: «جمال أميركي» للإنكليزي سام مندس، «تهريب» لستيفن سودربرغ، «دماغ جميل» لرون هوارد، «عازف البيانو» لرومان بولانسكي (المغضوب عليه أميركياً على أية حال) و «عودة الملك» (من سلسلة سيد الخواتم») و «جبل بروكباك (لأنغ لي، والذي ربما يكون الفيلم الأكثر جرأة في تاريخ السينا الهوليوودية)، ثم «المرحلون» لسكورسيزي، كما أشرنا، فـ «لا وطن للعجائز» للأخوين جويل وإيتان كون... وصولاً الى الفيلم «الهندي» للإنكليزي داني بويل («المليونير الصعلوك») ثم الى حرب العراق من طريق كاترين بيغلو...٠

الصورة المتكاملة
الحال أن متأملاً لهذه الأفلام وأصحابها يجد أن هذا السرد يقول الكثير... غير أن هذا لا يكفي لرسم الصورة المتكاملة، إذ علينا أيضاً أن نتبحر في أسماء الأفلام المنافسة: فحين يفوز خزانة الألم» على «آفاتار»، قد يكون في الأمر انتصار لفيلم جدي «مستقل» «متقشف» على طاحونة مال وتكنولوجيا كبيرة، ولكن ماذا حين تكون المنافسة، أحياناً محصورة، بين « خمسة أفلام من النوع الفني أو السياسي الثقيل؟ ماذا حين تكون المعركة، مثلاً بين «لا وطن للعجائز» و «ستكون هناك دماء» و «مايكل كليتون»، و «جونو» و «رداء الغطس والفراشة» للأميركي- الفرنسي جوليان شنابل؟ إن هذه الأفلام التي تنافست عام 2007 كلها أفلام يمكنها أن تدخل تاريخ السينما الفنية من الباب العريض، فماذا يبقى إزاء هذا من التاريخ المثير للشتائم لهوليوود الهوليوودية؟ وكي لا يعتقد البعض أن ذلك العام (2007) كان استثنائياً، نذكر بأن العام الذي سبقه شهد منافسة حامية بين سكورسيزي وكل من ايستوود («رسائل من ايوجيما») وستيفن فريرز («الملكة») والخاندرو غونزاليس ايناريتو («بابل») وبول غرينغراس («يونايتد»)  نخبوي للسينما ببرمجتها... ويمكن لهذا السرد أن يطول، طبعاً، سنة وراء سنة لنكتشف كيف ان العدد الأكبر من الأفلام التي تنافست منذ أكثر من عقد، على الأقل، هي أفلام كبيرة... ومعظمها يشاكس حتى على الإيديولوجيا والتاريخ الأميركيين٠

Babel  براد بت وكايت بلانشيت في

إذاً، هذه السنة أيضاً، لم تخيّب هوليوود الأوسكارية الآمال، وإن خيّبت التوقعات... ناهيك بأمر لا بد من التوقف عنده هنا، وهو ان الأوسكاريين اختاروا هذه السنة أيضاً كي يعطوا جائزتهم لأفضل ممثلة ثانوية الى النجمة السوداء مونيك التي، إذ جعلها هذا الفوز خامس إمرأة أميركية من أصل أفريقي تؤسكر على مدى 82 سنة، لم يفتها ان تشير، في عبارات تحية وإكبار الى الأولى بينهن، هاتي ماكدانييل التي كانت في العام 1939 أول سوداء تؤسكر في تاريخ هوليوود عن دورها كوصيفة في «ذهب مع الريح»... وهذه في حد ذاتها علامة، خاصة إذ أشارت مونيك في كلمتها «أود أن أشكر الآنسة هاتي ماكدانييل لأنها عانت حتى لا أعاني أنا»... وواضح أن مونيك انما كانت تشير بهذا، الى سهولة أن يحصل الملون أو ابن الأقلية أو الأجنبي... اليوم على حظه في هوليوود، التي كانت أيام هاتي ماكدانييل، تحدث معجزة حين تعطي جائزة لمثل هذه الأخيرة٠

نُشرت في صحيفة "الحياة" اللبنانية

فيلم | أحمد يوسف

رسائل البحر: سيمفونية بصرية أضعفتها التدخلات العقلانية للمؤلف


فى أحد مشاهد فيلم "رسائل البحر"، يعثر البطل الشاب يحيى (آسر ياسين) على زجاجة قديمة، تتقاذفها أمواج البحر وتدفعها نحو الشاطئ، يحمل يحيى الزجاجة ويدفعه الفضول إلى معرفة سر تلك اللفافة التى تحتويها. وفى تتابع تالٍ من الفيلم يجلس يحيى على أرض غرفته، وقد تناثرت حوله قواميس اللغة اللاتينية، إنه يبحث عن معنى كلمات رسالة البحر فلا يجد لها أثرا فى قواميسه، ثم يحمل الرسالة معه ويعرضها على رفاق الحانة "الخواجات" حيث يقضى بعض لياليه، لكن أحدا لا يتمكن من فك شفرة تلك اللغة الغامضة، وينتقل بعدها يحيى بالرسالة إلى مجموعة من الفتيات من جنسيات مختلفة تعملن فى ملهى ليلي، لكنهن جميعا تنكرن معرفة أى منهن بلغة الرسالة، التى تبقى ـ حتى بعد أن ينتهى الفيلم ـ غامضة المبنى والمعني٠
تأملت كثيرا فى هذه الفكرة التى وضعها ـ مؤلفا ومخرجا ـ داود عبد السيد فى فيلمه رسائل البحر"، شعرت أنها تلمس وترا خفيا فى وجداني، ومع ذلك فإن عقلى " يرفضها.. تساءلت: لماذا يبدو يحيى فى حبكة الفيلم منشغلا أحيانا بالرسالة ثم ينساها أحيانا أخرى؟ بالأحرى ما هو المنطق الفنى والدرامى (غير الموجود فى الفيلم) الذى يدفعه للاهتمام بها ثم إهمالها ثم يعود إليه الاهتمام؟ إنها (دراميا) لا تستحوذ عليه، فكيف لها أن تستحوذ على كمتفرج؟ ولماذا ـ إذا مددنا الخط المنطقى إلى آخره ـ لا يحمل يحيى الرسالة إلى علماء اللغات، الذين سوف يجدون بالتأكيد للغة الرسالة جذورا؟ أقول أن هناك شيئا مثل الشعر الغامض يسرى فى هذه الفكرة، يقول أن هناك فى هذا العالم رسائل تصل إلينا بين الحين والآخر لكننا نعجز عن قراءتها وفهمها أو حتى رؤيتها، لكن هذا هذا التيار الشعرى لا يمتد إلى عقلي، ليس لأن الفكرة تتناقض مع المنطق، بل الأمر على العكس تماما، فالحقائق العلمية البسيطة تؤكد هذه الفكرة ذاتها، فعلى سبيل المثال نحن نسبح فى بحر من الموجات الكهربية المغنطيسية التى لا نشعر بها، لأننا ببساطة لا نملك بداخلنا "أجهزة" التقاط هذه الموجات، فكم إذن طوفان الرسائل التى تعبر بنا ونعبر بها، دون أن نعرف حتى بوجودها؟
فكرة داود عبدالسيد تجمع بين الشعر والعلم، والميتافيزيقا وممارسات حياتنا اليومية، لكن ذلك لم يكن كافيا للدخول إلى عالم الفيلم ومعايشت٠ لقد رأيت الفيلم وأعجبت به، وظلت آثار منه تعيش معى أياما بعد مشاهدته، ومع ذلك فقد كنت أشعر خلال بعض لحظات مشاهدته بإحساس من الاغتراب تجاه ما أراه، إن مايحدث لشخصيات الفيلم يبدو كأنه يحدث لشخصيات لا يهمنى أمرها، لا فرق عندى بين أن يجد يحيى حلا لشفرة الرسالة أو لا يجدها، وذلك فى رأيى أخطر ما يعانى منه عمل فنى ما، حتى لو كانت فكرته بعمق "رسائل البحر"٠
ظللت أبحث عن السبب فى ذلك المزيج الغامض من الإعجاب والفتور، واكتشفت أن داود عبدالسيد لم يمنح الفكرة الشعرية كل ما كانت تحتاجه من دفقة (أو دفقات) وجدانية طوال الفيلم، لقد تعامل معها بعقله أكثر مما ينبغي، إنه يعرف أن الفكرة فى حد ذاتها تنبض بالحياة، لكنه لم يتركها تنمو بحرية، لقد كان يدفعها دفعا إلى حيث يريد... وإذا عدت للمشهد الذى بدأت به هذا المقال فسوف تجد أن داود عبدالسيد أعجبه" أن يجلس يحيى على الأرض بين الكتب والقواميس، وأن تنتقل الرسالة من " يد إلى يد، لقد رأى هذه اللقطات بعين عقله، لكنه لم يتساءل كثيرا عما إذا كانت سوف تجد طريقها إلى عقل المتفرج٠


أستطيع أن أملأ صفحات طويلة لأعبر عن إعجابى بالفيلم وصانعه، كما فعل الكثيرون من الزملاء النقاد، وأستطيع أيضا بكلمات قليلة أن أصف الفيلم بالغموض والتعالى كما فعل زملاء آخرون، لكن هذا أو ذاك لا يجيب عن تساؤلي: كيف يمكن لفيلم واحد أن يكون فى أجزاء منه قصيدة شعر، وفى أجزاء أخرى بناء عقليا باردا يكاد أن يخلو من الروح، بل الأغرب أن يجمع مشهد واحد أحيانا بين هذين النقيضين؟ تأمل على سبيل المثال المشهد التالي: فتاة بسيطة تدعى بيسة (مى كساب) تجد الراحة فى الحديث إلى بطلنا يحيي، فتحكى له عن تجربة حبها الأول فى "برمهات" ("يعنى إيه برمهات؟" هكذا كان يجب أن يقول يحيى بتركيبته الدرامية كما صوره الفيلم، وأعتقد أن معظم المتفرجين لا يعلمون أيضا، إنه باختصار شهر بداية الربيع)، وهنا تنطلق الفراشات الملونة لتطير هنا وهناك فى "طبع مزدوج" بالكومبيوتر على الشاشة. صورة جميلة، أليس كذلك؟ لكن من حقك أن تسأل: من أين أتت الفراشات؟ خاصة أن ذلك الخيال البصرى ليس "أسلوب" الفيلم من أوله إلى آخره، لكن مرة أخرى: أعجبت صانع الفيلم هذه الصورة، فوضعها هناك، لقد تدخل بعقله لكى يصنع التأثير الوجدانى فى المتفرج، فكانت النتيجة أن عقل المتفرج هو الذى أطل برأسه متسائلا، ولم يتحرك وجدانه٠
قل باختصار أن فيلم "رسائل البحر" يريد أن يكون قصيدة شعر، أو سيمفونية بصرية وسمعية، وهو كذلك بالفعل، لكنه لم يتبع دائما المنطق الفنى للشعر أو الموسيقي، بل اتبع منطقا ذهنيا تماما فى بناء عناصره. إن فى الفيلم روح الشعر والموسيقي، لكن هذه الروح وجدت نفسها سجينة فى جسد غير متوافق معها. فلنبدأ بشخصيات الفيلم التى سوف نراها معا تبعا لظهورها فى البناء الدرامي: فى القلب من هذا البناء نجد البطل الشاب يحيي، إنه يعانى من التلعثم فى النطق لذلك لم ينجح كطبيب وهو الآن يعيش على صيد السمك بسنارته، والفيلم يؤكد دائما أنه يرمز" إلى البراءة فى عالم صعب معقد وملوث. تأتى ثانيا الفتاة كارلا (سامية أسعد) التى تنحدر من أصل إيطالي، وهناك ذكريات طفولة مشتركة بينها وبين يحيي، لكنها تشعر الآن أنها قد تجاوزت هذه المرحلة، وتكاد أن تكون لها ميول جنسية مثلية، وهى "ترمز" أيضا إلى علاقة ثقافية مع الحضارة الغربية باتت على وشك الانقطاع. ثم يظهر الرجل مفتول العضلات قابيل (محمد لطفي)، وهو "يرمز" مباشرة إلى القوة الجسمانية العاتية التى تسببت فى الماضى فى حادثة قتل، لذلك فإن شعوره بالخطيئة يجعله يقرر ألا يستخدم هذه القوة الباطشة مرة أخرى، ولأنه مصاب بورم فى المخ يستلزم إجراء عملية جراحية سوف تفقده الذاكرة، فإنه يخشى من علاجه لأنه قد يتضمن عودته للقتل مرة أخرى. الآن يحين دور المرأة الجميلة نورا (بسمة)، التى ظهرت لأول مرة فى حياة يحيى فى ليلة ممطرة (فى لقطة ذكرتنى ألوانها الحمراء والسوداء المشبعة بفيلم روبرت رودريجيز "مدينة الخطيئة"، برغم تباعد عالمه عن "رسائل البحر")، إنها تأخذ يحيى تحت مظلتها وتسير معه إلى منزله، لتبدأ معه علاقة حميمة طويلة لكنها تظل بالنسبة له سرا غامضا، يتكامل _ ويتناقض _ مع سر غامض آخر، حين يقضى يحيى بعض لياليه واقفا فى الشارع أمام نافذة مضاءة تغطيها الستائر، ويأتى من خلالها صوت عزف بيانو رقيق (دائما لمقطوعات لشوبان)، وهنا أيضا "ترمز" نورا إلى شعاع النور السجين، ومصدر الألحان العذبة الذى يخفى وجوده. وأخيرا يأتى الحاج هاشم (صلاح عبدالله)، وهو "رمز" صرف، إنه قاتل الحياة من أجل تراكم الثروة، وهو يصطاد السمك بالديناميت، ويطرد يحيى من منزل الاسكندرية لكى يبنى مكانه مركزا تجاريا٠


شخصيات رئيسية خمس، تدور حولها خيوط فيلم "رسائل البحر"، لكنها مرة أخرى نتاج ذهنى خالص يصعب أحيانا أن تصدق وجودها فى لحم ودم، وكل منها يمثل فكرة لكنها لا تنصهر معا _ كما ينبغى لها أن تكون _ فى عالم فنى واحد، لقاؤها وحتى تاريخها المشترك هو بمحض الصدفة، أو لأن صانع الفيلم يريد لها ذلك... كان من الممكن على سبيل المثال أن يلتقى يحيى مع قابيل كما كان من الممكن ألا يلتقيا، وهو ما ينطبق على علاقات كل الشخصيات الأخرى، ونحن الآن نتحدث عن منطق الحتمية الدرامية فى بناء ذى مظهر واقعى تماما، وإذا كان لك أن تقارن ذلك مع البحث عن سيد مرزوق" فقد كان منطق الحلم شبه السيريالى هناك هو الذى يقود " العلاقات المتغيرة دوما. وحتى لو حاولت أن تتعسف لهذه الرموز أو أشباه الرموز وعلاقاتها تفسيرا فإن ذلك لن يؤدى بك إلى أى مكان، إنها تظل ألحانا جميلة منفصلة، لكنها لا تنجح فى أن تخلق معا سيمفونية متكاملة. لا يكفى للرمز فى الفن أن يكون عنصرا فى معادلة جبرية، كما أن الإيحاء الفنى أعمق كثيرا إذا قارنته بمتعة الرياضة الذهنية، ناهيك عن أن الشخصية الواقعية وما ترمز له يجب أن يظلا جنبا إلى جنب دون أن يطغى أحدهما على الآخر أو يتناقض معه، وأعتقد واثقا أن ذلك هو السبب فى أن رواية نجيب محفوظ "الحرافيش" أهم ألف مرة من "أولاد حارتنا"٠
فى الجانب الإيجابي، فإن غلبة العنصر الذهنى فى الفيلم كان وراء اختيارات تقنية وجمالية، صنعت بعضا من اللحظات والمشاهد التى يمكن تدريسها بالمعنى الحرفى للكلمة. تأمل على سبيل المثال مشهد "النوة"، الذى يبدأ بالقيظ تحت الشمس الحارقة، ثم تتجمع فجأة بعض الغيوم التى تحجب الشمس، ويرتفع كيس بلاستيكى مع الريح إلى السماء، وتتمايل أشجار النخيل تحت تأثير العواصف، وتترتفع الأمواج لتتلاعب بمركب صيد فى البعيد، ويلمع البرق وسط السحاب، ويلطم الموج حافة صخور الشاطئ، ويهرب الصيادون بينما يبدأ هطول المطر ويتزايد، ويقصف الرعد ويخطف البرق الأبصار... ويقف يحيى وحده أمام هذا البحر الذى هاج فجأة، متسائلا عن تقلب المصائر والأقدار، وعن البحر الذى يعطى من لا يحتاج ويحرم المحروم٠
أعترف لك ياعزيزى القارئ أننى شعرت بالرجفة فى هذا المشهد، وكنت أتمنى طوال الفيلم لو حصلت على مثل هذه "المشاعر"، لولا أننى كنت أستيقظ من حالة النشوة على تدخل صانع الفيلم تدخلا مباشرا وسافرا، ولعل المثال الواضح لهذا التدخل أن كل الشخصيات تنطق بكلماته وتعبيراته الشاعرية "المثقفة"، وليس بكلماتها كشخصيات فنية، لا فرق فى ذلك بين كارلا الإيطالية وبيسة القادمة من الأحياء الشعبية. غير أننى أرى أن الاضطراب الأساسى فى الفيلم يأتى مما يطلق عليه استراتيجيات السرد"، التى سوف أتوقف معك هنا للحظات لكى نتأملها. ففى كل " عمل فنى يحتوى على مادة روائية يكون هناك أمامك اختياران رئيسيان (بالإضافة إلى اختيارات فرعية أخرى): أن تحكى الحدوتة من وجهة نظر الراوى المحايد، الذى يعرف كل شيء عن الشخصيات حتى تلك التى لا تعرفها الشخصيات نفسها، والراوى يختار ما يخبرك به كمتلقى والوقت الذى يخبرك فيه به. أما الاختيار الثانى فهو أن نعرف الحدوتة من خلال إحدى الشخصيات، إننا نرى العالم والأحداث من خلال عينيها، ونحن لا نعرف إلا ما تعرفه هذه الشخصية (فى بعض الأعمال نرى وجهات نظر متعددة من خلال عيون العديد من الشخصيات، مثل رواية "ميرامار" أو فيلم راشومون"). والهدف من الاختيار بين هذا وذاك فى استراتيجيات السرد هو تحديد" أين يقف المتلقى من الأحداث والشخصيات، والغاية النهائية هى تقرير إذا ما كان المتلقى سوف يقف متأملا محايدا أو أنه سيتعاطف أو حتى يتوحد مع شخصية بعينها. هذا هو الجانب الذى اضطرب فيه "رسائل البحر"، إنك تظل تسمع تعليقا من خارج الكادر بصوت يحيي، فنحن إذن لا نرى إلا ما يراه (لذلك لم نعرف مثله الشخص الذى يعزف البيانو خلف النافذة المضاءة)، وفجأة يذهب الفيلم إلى كارلا ليوضح لنا علاقتها المثلية التى لا يعرفها يحيي، ثم ينتقل الفيلم إلى تعليق من خارج الكادر بصوت نورا هدفه الوحيد هو "المعلومات"، وأخيرا ينفصل السرد عن الشخصيات فى مشهد (لا ندرى من أى وجهة نظر يأتي) نعرف فيه من يعزف البيانو. أعتقد أن ذلك الاضطراب فى السرد كان السبب فى عدم وصول رسالة واضحة إلينا، ولا ينفى الوضوح الذى أقصده أهمية الغموض الساحر المطلوب فى عمل فنى راقٍ، وذلك المزيج من الوضوح والغموض هو المعادلة الصعبة أمام أى فنان يريد أن يترك أثرا عميقا فى المتلقي، ولا تكفى لحل تلك المعادلة الصعبة كلمات نورا (أو بالأحرى كلمات صانع الفيلم) ردا على تساؤل يحيى عن فحوى الرسالة فى الزجاجة: "مش مهم، ممكن تبقى قصيدة شعر، صلاة راهب، حد بيهزر"، لأن هناك فرقا فى الإبداع والتلقى بين الهزار والشعر والصلاة، فلكل نوع من هذه الرسائل مرسِل ومرسَل إليه، ولسنا مضطرين أن نعانى لفك شفرة رسالة لنكتشف فى النهاية أنه "حد بيهزر"! ٠
فى التحليل الأخير، فإن فيلم "رسائل البحر" برسائله العديدة كان أشبه بمشاهد منفصلة، ولكل منها جماله الخاص، لكنها فى الرؤية الكلية تفتقد البؤرة الدرامية التى تجعل المشاهد والرسائل تنبع من هذه البؤرة وتلتقى فيها. أرجو أن تتامل على سبيل المثال أى "نوكتورن" لشوبان من تلك الليليات التى حفل بها الفيلم فى مشاهد العزف على البيانو، إن المقطوعة تبدو ارتجالا حرا لكنها فى الحقيقة تنويعات مختلفة على لحن واحد. وهذا هو ما افتقدته فى الفيلم، لم أجد ذلك اللحن الأساسى الذى يربط الأجزاء معا، لذلك جاء الفيلم فى محصلته النهائية أقل من أجزائه، وبرغم الرسائل والمشاهد فائقة البراعة فإننى لم أعثر أبدا على التيار الذى يجمعها معا٠

نُشرت أوّلاً في صحيفة "العربي" - القاهرة

فيلم | هوڤيك حبشيان

من يصطاد من في رائعة الإيراني بيتس «الصياد»؟


الصورة الفوتوغرافية المستخدمة في جنريك رائعة المخرج الايراني رفيع بيتس "الصياد" (المعروض في مسابقة مهرجان برلين) بعدسة منوشهر دغاتي، يقول عنها المخرج أنها التقطت عام 1980 وهي تُري
مجموعة رجال من حراس الثورة الاسلامية على دراجات نارية. تظهر الصورة احتفالهم بالذكرى الاولى للثورة. منذ اللحظات الاولى لـ"الصياد"، يحرص بيتس على عدم جعل بطش السُلطة يستدر العواطف، بل يتعامل معه ببرودة لافتة. برودة وجفاف سيظلان يرافقاننا طوال 90 دقيقة. "إنها صورة عادية جداً تحتفي بحدث على قدر عال من العنف. جيل تربّى على هذه الصورة التي تؤطر التوتر المجسّد في وضع على
(شخصية الفيلم الرئيسية) وأولاد جيله. الفيلم برمته تأملٌ في التوتر الحاصل اليوم في ايران بسبب الوضع الذي وقعنا فيه. الباسدران عادوا، لكنهم هذه المرة باتوا يهاجمون المدنيين العزّل الذين يريدون التعبير عن انفسهم. ثلاثة عقود مرّت على الثورة. السؤال الكبير اليوم في ايران: هل سُرقت منا تلك الثورة؟"٠
ركّز بيتس على الصيد بغية استكشاف الضغط على مجتمع اشبه بقنبلة موقوتة. بحسبه، يمكن اعتبار الصياد هو الشخصية الأساسية علي، لكن ثمة تجليات أخرى لذلك. في آخر الفيلم يسأل المشاهد: مَن الصياد؟ مَن يقتل الشرطي انتقاماً، أم مَن يتصدى للارادة الشعبية خوفاً على "مصلحة الدولة العليا"؟ شرح بيتس: أحد العناصر المهمة في عملي السينمائي هو ترك المجال مفتوحاً امام" التفسيرات المختلفة. أحاول دائما تحميل الأشياء اكبر قدر من المعاني. في ايران عندما ندعو احدهم الى العشاء نحاول أن نقدم اليه أكبر قدر من الوجبات. لكن خلال العشاء لا نقول له ماذا عليه ان يأكل، وهو حر في اختيار ما يريد. أملك السلوك نفسه تجاه الافكار التي اقدمها في فيلمي. أحترم المشاهد عبر تركه يختار ما يراه مناسباً له"٠
بالنسبة الى بيتس، فشخصية علي هي أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، شأنه شأن الوضع الايراني الراهن. فما إن يخرج من السجن حتى يُرمى في المجتمع، لكن من دون ابداء حماسة لإعادة الانخراط في هذا المجتمع. لا نعرف في الفيلم الأسباب التي دعت الى سجنه، وهي على الارجح اسباب سياسية. الأهم بالنسبة الى المخرج ان علي حُشر اليوم في مكان بحيث يمنعه عمله الليلي من تمضية المزيد من الوقت مع عائلته. واذا اضفتم البيئة التي يعيش فيها، فإن علي بات فعلاً قنبلة موقوتة. فمن الطبيعي والحالة هذه، ان ينتهي به الامر جارحاً أم مجروحاً٠
علي يعيش في بيئة مدينية خالصة. بيتس يعرف كيف يصوّر تلك البيئة ولا سيما في اللقطات الاولى المتعاقبة. سواء تصويراً أم مونتاجاً أم تأطيراً أم روحاً، ما نراه هو أجمل تصوير لمدينة منذ زمن طويل. أفضل بكثير من اللقطة الافتتاحية لمدريد في "حدود التحكم" لجيم جارموش. السبب في ذلك، انه يملك رؤية أخرى لمدينته طهران وهي، كما يعترف في الملف الصحافي، تثير دهشته. "بقدر ما يدعو ذلك الى السخرية، ارى ان طهران اليوم تشبه الى حد كبير لوس انجليس. بعد الثورة شيِّدت طهران لتكون فيها خطوط سريعة. اليوم الطهرانيون يلقبونها بـ"طهرانجليس"! النتيجة: لدينا مجتمع حداثي يمضي معظم حياته في السيارات، ذهاباً واياباً من بيته الى عمله. هذا الشيء ولّد مونوبولاً اقتصادياً. من المثير رؤية كم من الممكن لمدينتين ان تتشابها، وهما في الاصل تتواجهان سياسياً. هذه البيئة المدينية المقرونة بالهم التكنولوجي لا يمكن الا ان ينتج منها المزيد من العزلة التي تأتي الى عالمنا الحالي بنوع من الجنون والانهيار"٠

علي هو كمن يضيع في مكانه. لا انتماء له لكنه جزء من البيئة الايرانية المعقدة جداً. علاقته بالمكان علاقة كراهية وحب في الحين نفسه. دخول المخرج الى طهران يشبه دخول حيوان الى الأدغال. للطبيعة حضور طاغ في الشق الأخير من الفيلم، ولا سيما الغابات. مدلولاتها كبيرة ويشرحها بيتس في السطور الآتية: الاراضي في شمال ايران هي اراضي موت. شأنها شأن ما يشعر به علي" ازاء بيئته المنكوبة. أكان في الغابة ام في المدينة، لا فرق كبيراً عنده. انه وحيد ومعزول في مكان لا يمنحه سبباً جوهرياً كي يكون على قيد الحياة. الغابة التي يلجأ اليها في نهاية الفيلم تقع في شمال ايران. انها على مسافة اربع ساعات بالسيارة. اخترتُ ان أصوّر في الشتاء. لم اكن اريد أوراقاً على الشجر. خيار أن يكون لون السيارة اخضر، متأتٍّ من تلك الفكرة. اردت ان تكون السيارة كورقة شجر خضراء. كنت اريدها رمزاً للحياة مقابل الطبيعة الميتة".
يؤمن بيتس بأن على المرء أن يعيش ملياً زمانه ويعتبر ان من المهم ادخال الديناميكية المعيشة الى العمل نفسه، خلال كل مراحل صناعته. التقطت مشاهد الفيلم خلال الحملة الانتخابية للرئيس احمدي نجاد، لكن بيتس فوجئ لاحقاً عندما اكتشف ان الفيلم يحمل علامات زمانه الفارقة. انتهى التصوير قبل نتائج الانتخابات في حزيران (يونيو) 2009 لكن هناك تشابهاً كبيراً بين التوتر في الفيلم وما حصل بعد انجلاء نتيجة الانتخابات، أي أن هناك شكلاً من أشكال الحوار القائم على نوع من كيمياء بين ما يدور على الشاشة وما دار في شوارع طهران. خيار الأخضر للون السيارة جاء قبل تأسيس نشاطات حركة "الخضر" المناهضة للانتخابات، ويقول بيتس انه يمكن اعتباره مصادفة، لكن هو ينظر الى هذا الشيء من منظار مختلف. بالنسبة اليه أن الديناميكية الحاصلة بعد الانتخابات خرقت الفيلم٠
ليس "الصياد" فيلماً يضع السياسة في المقام الثاني لاهتماماته، بل هي جزء حيوي منه. المشهد المؤسس حيث نرى علي يقود سيارته ويستمع عبر الراديو الى خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي والذي يتكلم فيه عن التغيير، قد يقرأ كردّ ساخر على التغيير الذي اقترحه باراك اوباما خلال حملته الانتخابية. لا يوفر بيتس خامنئي من سخريته المبطنة والهدامة. اصلاً هذا شيء يعترف به من دون تردد: "هناك سخرية تجاه خطابه ولا سيما مع ما فعله خلال الحملة والتظاهرات التي شهدتها ايران. لا يمكن مناقشة كل الشؤون في فيلم من 90 دقيقة. السخرية المبطنة هي طريقتي في مساعدة المُشاهد على فهم بعض الحقائق. أدعو ايضاً بعض الناس الى اعادة الاستماع الى ما قالوه بقدر اكبر من الدقة. مهنتي هي ان اسأل. لا اؤمن بضرورة منح الأجوبة لكن يبدو أن مَن يحاول في ايران طرح الاسئلة يصبح في عداد المجرمين"٠
فيلم "الصياد" هو ايضاً فيلم كبير عن الوقت الضائع. علي هو التجسيد البهي لمجتمع ينتظر أن يعيش. وهو ايضاً جزء من مجتمع حداثي لا يملك وقتاً لإضاعته. انه مجتمع يريد الاجوبة وهو يريدها الآن. بحسب المخرج، في ايران اليوم سبعون في المئة من المجتمع هم أناس أعمارهم تحت الثلاثين سنة . "هؤلاء الشباب لا يملكون الصبر. انه جيل بلا مستقبل. زوجة علي يمكن اعتبارها الجزء المسلوب من المجتمع. على رغم المعاناة، لديها الشجاعة، كالكثير من الايرانيات اليوم، في النزول الى الشارع والتصدي للظلم. هذا جيل مستعد للموت لأنه لا يملك شيئاً ليخسره. البيروقراطية، في أي مكان كانت، تؤدي الى توليد الكبت في الانسان. لا تُحصى اللحظات الضائعة التي أمضيناها في عالمنا الكافكوي. في ايران نضطر الى اضاعة الكثير من الوقت ونحن نحاول فقط تقصي بعض المعلومات. بالنسبة الى قنبلة موقوتة مثل علي، هذا خطأ كبير. في خلال بحثه عن زوجته وإبنته الصغيرة، يضطر الى تمضية ساعات في مقر الشرطة. هذا يزيد من حدة الضغط الذي كان وضع تحته أصلاً"٠
حتى قبل أن يخسر زوجته وابنته، يشعر علي بضغط المجتمع والسلطة عليه. الشرطة المنتشرة في كل مكان، يشار اليها كعدوّ قاتل وهو رمز للجسد الحاكم ذي الهيبة والسلطة. علي يكره ذلك الرمز، لكن عندما يأخذ وضعية القناص يبدو كأنه يريد اطلاق الرصاص بشكل عشوائي. لا نعرف ما إذا كان قنبلة موقوتة خرجت من طورها أم انه يريد الانتقام من الشرطة. بالنسبة الى بيتس، ما يأخذنا الى الجزء الثاني من "الصياد" هو السؤال الآتي: هل لعلي الحق في القتل حتى لو كان ذلك انتقاماً لعائلته. "القتل شيء مروع مهما تكن أسبابه. أردت أن أعبّر عن ذلك بالصمت حين تقع ضحية علي ارضاً"٠
في نهاية المطاف، فإن "الصياد" بالاضافة الى اسئلته السياسية العلنية والمفتوحة، ليس سوى دعوة الى النظر من ثقب الباب الايراني، لكن من دون تلصص، ومع جرعة من الاستفزاز المبطن والمطلوب. انه ايضاً دعوة الى اعادة التفكير في مكنونات مجتمع مقسوم بين مَن يمثل السلطة ومَن يمثل نقيضها. عن هذا يقول بيتس: "نميل الى النسيان ان الناس أفراد. المجتمع يحب تجميع الناس وتصنيفهم. الفردية مفقودة. إذاً، عندما التقينا الشرطي الذي يلقي القبض على علي، حاولت أن نرى الفرد الموجود خلف اللباس العسكري. هؤلاء العسكر أشخاص متواضعون لكن لكل واحد منهم دور يجب أن يؤديه. كل واحد منهم يعتقد أنه يقوم بما ينبغي فعله. واحد يختار الشرطة، آخر يضطر الى الانضمام الى صفوف الجيش. وهناك مَن هم مثل علي، فقدوا كل شيء. الثلاثة ضائعون عبثاً، في نوع من متاهة ستقودهم الى مصائرهم وحتميتهم. الفيلم هو أصلاً مصنوع كمتاهة"٠
في أول يوم تصوير، بدا الممثل الذي كان اختاره بيتس للإضطلاع بشخصية علي صعب المراس، اذ تأخر ست ساعات على الموعد. قرر اثر ذلك أن يحل مكانه كي ينقذ الفيلم. اذاً في أول يوم تصوير له، وجد نفسه يقوم ببطولة فيلم تولى اخراجه. "ما ألبسه في الفيلم هو ما كنت ألبسه في ذلك اليوم. بطريقة ما، أصبح الفيلم هو فيلم مخرج يداه مكبلتان لأنه ليس في وسعه أن يقول ما يود قوله في فيلمه. "صياد" - العنوان - يمكن أن يكونه ايضاً المخرج. مع الفرق ان في يده كاميرا بدلاً من البندقية. أن تقف أمام الكاميرا وخلفها في آن واحد، شيء أشبه بـ"دكتور جاكل ومستر هايد". تجسيد علي أخذني الى مكان مظلم جداً، كان مؤلماً، وصعب عليَّ الخروج منه. أدركت ايضاً أن ما يعجبني في مهنة الاخراج هو تصوير الآخرين"٠


سينما عربية | محمد رضا

لو كانت السينما العربية ... سينما


 القنفذ لمنى عيّاش: عصر الموضوع الغربي بالكامل

حتى نهاية العام الماضي، لعب المنشّط اللبناني إيلي خليفة دوراً مهمّاً في الربط بين السينما الفرنسية وأكثر من مهرجان سينمائي حول العالم. كان هو من أمدّ مهرجان دبي السينمائي بالعديد من الأفلام وكان حلقة الوصل بينه وبين السينما الفرنسية، وكان هو المنظّم للعديد من العروض التي شاركت فيها السينما الفرنسية في مهرجان تورنتو على سبيل المثال، وكان حلقة وصل أخرى بينها وبين مهرجان القاهرة. وذلك كلّه لأن خليفي، المجهول خارج نطاق العمل السينمائي في هذا الحقل، كان ذا منصب مسؤول في شركة "يونيفرانس" الفرنسية، وهي مؤسسة لترويج الفيلم الفرنسي حول العالم٠
لكن السيد خليفي أعفي من مسؤولياته في مطلع هذا العام مع تغييرات أخرى حدثت على قمّة هذه المؤسسة المدعومة حكومياً. وفي حين أن الأسماء تأتي وتذهب وتتبدّل طوال الخط، الا أن الغاية المناطة بيونيفرانس لا زالت واحدة: نشر الفيلم الفرنسي ودعم هذه الصناعة عبر تشجيع الإقبال عليها ولا شيء يمكن أن يحقق هذه الغاية أفضل من إقامة مهرجان سينمائي خاص بها، او، على الأقل، الإشتراك في مهرجانات دولية كتلك التي قامت بها حتى الآن٠
نيويورك تشهد هذه الأيام الدورة الخامسة من مهرجان اسمه "موعد مع السينما الفرنسية" حيث يتم عرض ثمانية عشر فيلماً منها سبعة تم شراؤها من قِبل موزّعين للتسويق أميركياً. أمر كان حريّاً لو أن السينما العربية سينما حقيقية أن تقوم به شأنها في ذلك شأن سينمات عديدة حول العالم. فما تقوم به السينما الفرنسية لحماية صناعتها والترويج لفنانيها ليس حكراً عليها بل تقوم به السينما البريطانية والسينما الإسكندنافية والسينما اليونانية (الأقرب الينا والأقل تمتّعاً بالتضاريس الثقافية المختلفة العربية) والسينما الهندية والسينما الإيطالية والسينما الأسبانية تفعل ذلك وفوقها سينمات أخرى٠

ما لا تدركه السينما العربية (والعبارة تشمل المخرجين والمنتجين والمسؤولين عن قطاعاتها المختلفة) هو أنها في حقيقة أمرها ليست موجودة بالقدر الذي يجعلها قادرة على النمو بإضطراد. ولا حتى على الحفاظ على القليل الذي بلغته بعد نحو مئة سنة على أول عرض سينمائي وقع على أرض إحدى دولها٠ فعدد سكان العالم العربي حالياً وصل الى 360 مليون نسمة من بينهم أكثر من 77 مليون نسمة في مصر صاحبة الصناعة العريقة والتي تهدر حالياً بسبب من فوضى إنتاجية وهجمة على جديد لا يترك أثراً بعد عرضه٠ الجزائر والمغرب وتونس وليبيا تحوي على نحو 87 مليون نسمة. لبنان وسوريا والأردن وفلسطين العربية معاً قرابة 37 مليون نسمة. أما دول الخليج فعدد سكانها يزيد عن 49 مليون نسمة. لكن في المقابل ما عدد صالات السينما في العالم العربي؟ ألفاً؟ ربما والغالب أن العدد هو أقل من ذلك ما يعني أن الإهتمام الممارس بالسينما (الجاد منه والقائم على تصريف البزنس وحده) لا يأخذ بعين الإعتبار الحقائق اللوجستيكية مطلقاً متغاضياً عن أهمية الرافد الوطني الكبير في عملية النمو٠

في المقابل، فإن العمليات السينمائية للأفلام الموصومة بالجادّة ما عادت تتم في العالم العربي الا في حالات محدودة. فيلم داوود عبد السيد الأخير «رسائل البحر» مثال على أن بقايا القدرة على إنتاج أفلام جيّدة وسط غالبية من الأفلام التجارية لا زال أمراً ممكناً. لكن هذا يعود أيضاً الى أنه إذا لم يعتمد المخرج عبد السيد، ومن قبله كاملة أبو ذكرى صاحبة فيلم "واحد صفر" الجيّد، على التمويل المحلّي فإن لا أحد هناك مستعد للتمويل من الخارج، الا إذا ما كان مرتبطاً مع الشركة العالمية للسينما التي يرأسها حالياً غابي خوري، التي لها خبرة وعلاقة بشركات إنتاج فرنسية٠
حالة السينما المصرية تبقى خاصّة حتى ولو شابهتها حالات تونسية وجزائرية ومغربية تقل عدداً عاماً بعد عام. السنوات التي كانت فيها تلك السنوات تستطيع الإعتماد على معين فرنسي لا ينضب ولّت والسبب أنها ولّت يكمن في أن الجمهور الأوروبي لم يعد يطلبها او يراها مهمّة٠
البديل الذي يلوح في الأفق هو أفلام يحققها عرب في فرنسا من دون أي علاقة لها بالعالم العربي كما الحال مع فيلم منى عشّاش "القنفذ" (من عروض مهرجان دبي الأخير) او أفلام عبد اللطيف قشيش ورشيد بوشارب. صحيح أن التيار بدأ منذ سنوات قليلة، لكنه يتحوّل الى حقيقة دامغة أكثر وأكثر٠
كل هذه الأسباب وسواها (إذ أن المشكلة تمتد كخيوط العنكبوت) تؤكد أن السينما العربية الجديدة عرفت حياة قصيرة وما تبقّى منها هي أعمال منفردة يقوم بها مخرجين على قدر من الشطارة والكثير من محاولات بيع شيء للعالم الغربي لأجل الإستمرار. وهذه ليست سينما. في الحالات الصحية لصناعة كاملة هي لن تكون أكثر من ذيول او تبعات٠
الوضع خطير بحيث بات يحتاج الى تأسيس جديد تتعامل فيه مختلف الجهات بجدّية. كما يحتاج الى تنظيم أسابيع ومهرجانات في أوروبا والولايات المتحدة من دون النظر الى الفوائد المادّية. ليس قبل خمس او سبع سنوات إذا ما اشتد ساعد السينمائيين العرب وبدأوا يدركون الوضع الذي انحدروا اليه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular