Mar 25, 2010

Year 3. Issue 497 | الإسلام والسينما | غسان سلهب ينجز فيلماً عن حياته | النقد وفلسفة الفيلم | الحيل الأولى في السينما


هذا العدد
النقد وفلسفة الفيلم | نوعان من النقد حين يأتي الأمر الى التنفيذ: أن تدخل
الفيلم او أن تطلب منه أن يأتي إليك | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحقيق |  ما هو وضع الإسلام على الشاشة الأجنبية، ولماذا نحرص على التصدي لما نراه 
خطأ في المعالجة الغربية في حين أن أفلامنا لا تصدر ما هو صواباً؟ | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد | فيلم جديد للمخرج غسّان سلهب وتعليقين نقديين عليه واحد من نديم جرجورة والآخر
من هوڤيك حبشيان٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
النافذة الخلفية | محمد رُضا يفحص بعض بدايات السينما مرّة أخرى. هذه المرّة يتناول تلك
الخدع السينمائية الأولى. على بساطتها كانت بداية ما وصلت اليه السينما اليوم في  هذا
المجال٠


النقد وفلسفة الفيلم | حلقات جديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا
هوليوود والنقد العربي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تمهيد | ليس المقصود هنا نُقّاداً بحد ذاتهـم ولا تدريس هذه المادّة لأي منهم
بل هي تعبير حر عن ملاحظات نقديـة متراكمة منذ سنين ومحاولة للتعاطــي
مع دور الناقد في الثقافة السينمائية السائدة حيال مواضيع (بعضها ينتمي
الى مسلّمات) وقضايا يجب علينا أن نطرحها من دون أن يعني أن الطــارح
لديه النظرة النهائية  للقضية المطروحة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Che | Steven Soderbergh
 
يتبع النقد السينمائي (وغير السينمائي إنما باختلافات لا شأن لي بها) خطّان متلازمان حين الحديث عن أي من الأعمال السينمائية. الأول هو تطبيق نظرية مفادها أن الناقد يدخل الى العمل تاركاً متطلّباته هو عند الباب وبذلك يلتحم مع المادّة، او أنه يبقى في مكانه ويعاين الفيلم على أساس إذا ما كان الفيلم يرتقي الى توقّعاته واختياراته من المواقف وقاموسه من الإعتبارات والملاحظات أو لا٠
الخط الأول يعني تناول الفيلم بشروط الفيلم من دون أن يعني ذلك أن يتخلّى الناقد عن فهمه الخاص لماهية الذات النقدية التي يمارس منها عمله. إنه في ذلك، يتعامل مع أدوات الفيلم الفنية والتعبيرية التي اختارها المخرج وليس مع أدواته  الخاصّة. أما الخط الثاني فيعني تجاهل حق المخرج في حتى أن يختار ما قد يكون تعبيراً رديئاً إذا ما كان مقتنعاً بوجهة نظره، ووضع اعتبارات تنطلق من المفاهيم غير السينمائية التي عادة ما تُصاحب هذا المرء في مشاهداته وملاحظاته ومواقفه حيال أي شيء في العالم الذي يحيط به وأي منتوج من هذا العالم٠
والخطّان مُمارسان بوضوح حين يأتي الأمر للحكم على فيلم أميركي. لكن الغلبة -عددياً على الأقل- هي لممارسي الخط التقييمي القائم على جلب الفيلم الى قرارات الناقد الثابتة ومعاملته على أسس المفاهيم التي أسسها لنفسه، بفعل ظروف مختلفة بما فيها الظروف السياسية والإجتماعية التي ساهمت في إنشائه. تبعاً لذلك، فإن الفيلم الأميركي، إن لم يكن يحمل رسالة معادية او منتقدة لواقعه، فهو فيلم استهلاكي لا قيمة له. وبذلك فإن الواقع السياسي والإجتماعي لأميركا هو الذي ينبري الناقد لنقده وليس الفيلم٠

الحال هذه، فإن  نقد النقد يحمل في تربته موقفين: الموافقة على مضمون الخطاب النقدي الذي يمارسه الرافضون للسياسة الأميركية او للمفهوم الإقتصادي للسينما الأميركية (نظام نجوم، مواضيع استهلاكية، شبّاك تذاكر الخ٠٠٠٠) نظراً لأن خطاب الناقد في الأساس يوافق خطاب القاريء، او رفض ذلك المضمون  وهنا يوجد سببين لذلك: عدم الموافقة على مضمون الخطاب النقدي (فأميركا بلد رائع، حر وأفلام هوليوود مسلّية ومثيرة الخ٠٠٠٠) او عدم الموافقة على منهج النقد على أساس أن النقد لا يجب أن ينطلق وينتهي من الموقف السياسي للبلد المنتج ولا من الموقف الذي يتّخذه الناقد من ذلك النظام او البلد٠
وفي هذا المسار قد يكون الناقد ذا الخطاب السياسي موافقاً على السياسة التابعة لذلك البلد ومنظومته الإقتصادية التي تسمح له بإنتاج الأفلام الترفيهية. وهذا يستدعي بالتالي الموافقة او عدم الموافقة بناء على الأسس ذاتها٠

والمسألة في الحقيقة ليست هوليوودية وأين تقع هوليوود في العالم جغرافياً والنظام الذي تعيش فيه فقط، بل هي مسألة كل سينما تجارية في أي مكان. أنت كمشاهد لهذه السينما، مصرية او هندية او فرنسية او ايطالية، وسواء أكنت سينمائياً او مجرد جمهور، تجلس لتشاهد فيلماً اخترته لرغبة تنتمي الى منوالك من المفاهيم. لنقل أنه فيلم من بطولة نجم شاب يؤدي فيه دور جاسوس يعمل لصالح حكومته ضد بلد يشهد التاريخ بعداوة قائمة بالفعل بين هذين البلدين او بعداوة كانت قائمة. ولنقل إنه فيلم من إخراج إسم ليس ذي رنّة، بل عادي السُمعة لكنه معروف بنجاح أعماله التجارية. هذه المعطيات تُتيح لك أسباباً للمشاهدة او لعدم المشاهدة. أنت قد لا تحب الممثل الذي يؤدي دور البطولة لكنك مهتم بأفلام الأكشن، او تحب كل ما يمثّله هذا الممثل خصوصاً إذا ما كان الفيلم من هذا النوع، او لعلّك تريد أن تشاهد موضوعاً له علاقة بشغل المخابرات والتجسس من موقعك الخاص حيال السياسة بين البلدين. إذاً لديك أكثر من سبب وأي من هذه الأسباب، إذا لم يكن يحظ بموافقتك، قد يدفعك بعيداً عن المشاهدة لتختار عوضاً عنه فيلماً قد يكون تجارياً او قد لا يكون لكن عناصر الإختيار هي دائماً متعددة تنتمي، كما الحال هنا، الى نشأتك ومنهجك وفهمك السياسي او قرارك بعدم الإهتمام بأي شيء سياسي٠
حال انتقالك من فعل المشاهدة بناءاً على معطياتك الخاصّة لحالة النقد الذي تخرج به (سواء إذا كنت ناقداً سينمائياً او لا) فإن انطباعاتك مليئة بالمسببات التي من أجلها دخلت الفيلم، حتى وإن دخلته من باب الرفض المسبق له مدركاً  انتماءاته. لنقل هنا أنك ناقد سينمائي او مثقّف والفيلم هو "مهمّة مستحيلة" بطولة توم كروز وإخراج ج.ج. أبرامز٠
لذلك تخرج بالإنطباعات التي غالباً ما تُساند موقفك حيال المصدر الصانع للفيلم: "والله يا أخي السينما الأميركية وحدها تستطيع أن تجعلك تشعر بهذا القدر من الإثارة طوال الوقت. لا ملل وترفيه على الدوام ومشاهد رائعة مثل المشهد الذي ٠٠٠٠٠ الخ"٠
او : "يريدون الإيهام بأن البطل الأميركي قادر على هزيمة كل الأعداء وأن أميركا وحدها هي التي يحق لها سيادة العالم. فيلم هوليوودي يعتمد على المؤثرات التي يستطيعون بها التغلّب على الشعوب القاصرة على الفهم ٠٠٠"٠
لا الموقف الأول يُفيد ولا الثاني يُفيد من حيث أن كليهما لا يتحدّثان عن الفيلم الا كمبرر للحديث عن رأي سياسي يقف مع او ضد المصدر٠

النقاد الممارسون لأحد هذين الموقفين عديدون ليس في العالم العربي وحده بل في أنحاء كثيرة، وكانوا، على الأرجح، أكثر عدداً في الستينات عندما كانت القضايا النضالية تشغل بال الناس حتى في الولايات المتحدة ذاتها. بعض المشكلة يعود الى أن النقد بطبيعته ينقسم الى نقد رائج وآخر غير رائج. والنقد الرائج  يتعامل مع العناصر غير السينمائية فيتحدّث عن الأدب، عن المجتمع، عن السياسة، عن الثقافات الأخرى، عن الفنون المختلفة، عن علم النفس، عن علم الإجتماع وحتى عن مصادر الطاقة الكونية لأنه معني بهذه العوالم أكثر من اهتمامه بلغة الفيلم التي هي لغة مستقلّة ومنفردة بين كل اللغات٠
النقد غير الرائج يُعاين ما يتكوّن منه الفيلم. ليس عليه إهمال هويّته السياسية او الثقافية، لكن هذه الهويّة تأتي في ركاب الموضوع وليست الموضوع. تنتمي الى سلسلة من المعطيات التي تشكّل هوية الفيلم، لكنها ليست الهوية التي من أجلها أصبح الناقد ناقداً٠
وهو نقد غير رائج لسبب مهم: عدد الذين يتوجّه اليهم هذا النوع من النقد هو بدوره عدد محدود، ليس باختياره بل بطبيعة أن السينما التجارية هي السائدة والجمهور المحب لها هو السائد بين فئات جماهير الفيلم٠
التعامل مع هوليوود غالباً ومن الستينات والسبعينات انطلق من مواقع سياسية سواء أكان معها او ضدّها، ولا يزال. اليوم ليس هناك الكثير من اليافطات المعارضة التي تتّهم السينما الأميركية بالعنصرية او بالسيطرة على العالم او بتمجيد البطل المنفرد او بممارسة ايديولوجية معادية للشعوب الخ... لكن ليس لأن لبطلان خطأ هذه المعايير والمفاهيم، بل لأن الوضع السياسي في العالم العربي استبان على حقائق جديدة تتيح لمعظم النقاد اليوم قبول أفلام كان نقاد الأمس لا يقبلون بها٠
لكن هذا بحد ذاته ما يؤكد أن هذا المنوال من النقد منوال خاطيء إذ يتبع ظروفا ومقتضيات لا علاقة لها بالسينما كلغة تعبيرية وكأدوات تعبير وقواعد وعناصر بصرية متعددة٠
في الماضي، كان التصدّي لفيلم مثل "تشي" الذي أخرجه رتشارد فلايشر سنة 1969 من بطولة عمر الشريف في دور الزعيم اللاتيني المعروف تشي غيفارا، أمر طبيعي. ذلك على اعتبار أن المخرج تغاضى عن الطرح الموثوق وعن تداول الشخصية من زواياها الأساسية خالقاً، كبديل، صورة كاريكاتورية لثوري لا يمكن الركون إليه عادى الأنظمة الديمقراطية (وصف الفيلم) وسعى لتقويضها٠
ربما لو خرجت نسخة ستيفن سودربيرغ حول تلك الشخصية، تلك التي تألّفت قبل عامين من جزأين طويلين، لوجدت الصد ذاته، علماً بأن المخرج هنا عرض للشخصية كحقيقة مجرّدة ولممارساته كتعريف مبتعداً عن التأييد او الرفض المباشر٠
النقد السينمائي غير القائم على الموقف السياسي الخاص هي وحدها التي كانت ستذكر عيوب وحسنات أي من الفيلمين على نحو مطلق. بالتالي هي التي كانت ستترك الخيار للمشاهد لكي يبني ما يريد مستخدماً  ثقافة الناقد الفنية-اللغوية-البصرية- القواعدية- الفنية لتزويد معلوماته وموقفه السياسي بغض النظر عن ماهية ذلك الموقف٠
فقط النقد الذي يدخل الفيلم ولا يطلب من الفيلم أن يأتي اليه، هو الذي يمنح الصورة كاملة حتى إذا ما تعاطى مع قصور الأول  منحها مرجعية فنيّة هي السبب الذي من أجله على المرء أن يُشاهد الفيلم او لا يُشاهده٠
أفلام كلينت ايستوود هي نموذجية أيضاً في هذا السياق. هو في الستينات والسبعينات نموذجاً للأميركي اليميني المؤمن بالعنف الفردي والممثل النجم الذي لا يُجيد فعل شيء باستثناء إظهار قوّته وقوّة المنظومة السياسية التي تحرّكه،  ثم هاهو اليوم فنان السينما الأميركية والمعبّر الوحيد عن سلالات السينمائيين الكلاسيكيين الذين مرّوا عليها٠
أين هي الحقيقة إذاً؟ ما الذي تغيّر؟ السينما الأميركية والنظام الذي تنتمي إليه؟ هل انتقل ايستوود من اليمين الى اليسار؟ هل تجاوب مع مقتضيات العصر فانتقل من موقف لآخر حتى لا يخسر شعبيّته؟
لا شيء من هذا.  كل ما في الأمر هو أن غالبية من كتب عن أفلامه انطلق من ثوابته التي -في النهاية- لم تكن ثوابت بل متغيّرات تتبع خطى حركة أكبر منه بكثير لها علاقة بالعصر الذي يعيش فيه والإنفتاحات التي تتيحها التكنولوجيا. ليس أن كل من عاداه لم يعد يعاديه، لكن السائد اليوم هو اعتباره فناناً بينما كان السائد في الماضي اعتباره عدوّاً للفن٠
لكن ايستوود كان دائماً فنان جدير. لا يهم مطلقاً ولا بأي وسيلة أنه صُنع من نسيج النجوم. هو لم يرث الا نظاماً اقتصادياً يقوم على حرية رأسمالمال التي تستجيب لمقتضيات السوق. السوق أحب هذا الفارس. الفارس صار نجماً. لم يحبّه بقي في مكانه او اندحر٠
لكن حتى في أفلام ايستوود الستيناتية والسبعينياتية كانت هناك لفتات اجتماعية مهمّة تتعامل ووضع المرأة ووضع الأقليات والعنصرية تعاملاً مثيراً للإهتمام. هذا التعامل ازداد رقيّاً حين أخذ يخرج أفلامه بنفسه سامحاً لنظرته الإجتماعية أن تتلوّن بمقادير مختلفة من المفاهيم المتطوّرة. بعض النقاد، مثلاً، لم
The Outlaw Jose Wales الخارج عن القانون جوزي والز
سوى فيلم وسترن حول انتقام مجنّد هارب من جيش الشمال، لكنه في الواقع فيلم يدعو الى التآخي بين العناصر ويرمي نظرة احترام للأبيض وللهندي على حد سواء٠
Unforgiven  مثله في ذلك فيلمه الآخر  "غير المسامَح"٠
الذي كُتب فيه إنه فيلم كاوبوي حول القتل والعنف. لكن القتل والعنف ليس بالقضيّة ولو تواريا في أفلام أخرى فإن ذلك لا يعني إنهما ليسا موجودين، القضيّة هنا هو ظلم السُلطة والتحامي بالقانون لممارسة فاشية لا ريب فيها كما يعبّر عنها جين هاكمَن في ذلك الفيلم. ايستوود يستخدم المشهد الذي نرى فيه هاكمن، وهو شريف البلدة فخور بالبيت الذي بناه بيده لكن حين تمطر فإن المطر ينهمر من الفجوات والثغرات التي في السقف. لا شيء في قواعد الفيلم كتابة او إخراجاً يمنع من القول أن الرمز هنا هو البيت الأبيض بنفسه: أنت في الفيلم تنظر الى الشخصية وما ترمز إليه، ثم ترمز الى المشهد وما يرمز اليه وتربط بين فاشية رجل القانون والمنزل الذي يخر ماءاً ولابد أنك ستجد المعنى ماثلاً. هذا ليس سياسة بل سينما٠

Unforgiven

الجيّد في ذلك الفيلم أن ايستوود لم يجعل نفسه ندّا لرجل القانون. بالتالي، وتبعاً للرمزيات، ليس هو مناضل من طبقة ما يتصدّى للفاشية، بل كان جاء من النسيان ليؤم عمل استأجروه لإتمامه بصرف النظر عن أي نظام تعيشه البلدة. حين يرتكب رجل القانون جرم قتل رفيقه الأسود (مورغن فريمان) بعدما كان تصدّى له وأشبعه ضرباً مبرحاً، ينطلق للتصدّي الى ذلك القانون ويقتله. مرّة أخرى ليس من باب القول أن أميركا فاشية، فهو -الشخصية- ليست لديها القدرات لكي تنظر الى الوضع من هذه الزاوية. بالتالي لا يمكن تحميل الفيلم ما لا يحمله، لكن هذا النقد الذي يمارسه الفيلم بطريقة غير مباشرة هو نقد المخرج النابع من مداركه٠
فقط ذلك النقد الذي يترك آرائه المسبقة عند باب الصالة ويدخل الفيلم لكي يقرأه كما التلميذ في المدرسة، هو الذي يستطيع أن يحافظ على خط واضح وغير متباين من الأحكام كونها ناتجة عن عناصر هي بحد ذاتها علوماً وقواعد ولغات. بعد ذلك، يستطيع أن يتبنّى او لا يتبنّى وجهة نظر غير سينمائية طالما أن الفيلم نفسه أتاحها وليس لأنه يفهم فيها او يأخذ على عاتقه رصدها في كل شيء٠


الإسلام على الشاشتين العربية والغربية
المنظور والمفاهيم والصور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


 Kingdom of Heaven | Ridley Scott
إستهلال: حروب الأديان

في العام الأول من القرن الواحد والعشرين، أقدمت مجموعة إرهابية تحمل لواء الجهاد الإسلامي على توجيه طائرتين للإصطدام  بمبنيين شاهقين في نيويورك ما نتج عنه انهيار المبنيين انهياراً كاملاً ومقتل نحو 3000 شخص عدا اولئك الذين تم إنقاذهم مصابون بجروح نفسية اوجسدية٠
ومع أن نظرية وجود جهاز آخر غير إسلامي هو من قام بهاتين العمليّتين مستعيناً لتنفيذهما بمسلمين تشبّعوا بروح الكراهية للغرب، انتشرت، الا أن الذي ترسّخ في الفكر الجمعي للغربيين هو الرواية الرسمية  المزوّدة بالدلائل المبكرة من أن مسلمين متطرّفين هم من قام بها وخطط لها وموّلها. مسلمون تابعون لمنظمة تؤمن بالجهاد المقدّس ضد العالم أسمها القاعدة.  ومع أن تساؤلات عديدة دارت حول كيف يتسنّى لأولئك الإرهابيين التسلل الى اربع طائرات في ثلاث مطارات مزوّدين بالمتفجّرات، وكيف انهار المبنيان الصلبان عمودياً كما لو أن التفجير كان من الداخل وحول معضلات أخرى يصعب إغفالها،  الا أن الراسخ هو أن القاعدة هي التي قامت كليّاً بهذه العملية  وبالعمليّتين الإرهابيّتين الكبيرتين اللاحقتين في لندن ومدريد٠

  بالنسبة للمواطن جو (وجو هو اسم خيالي متعارف عليه يمثّل الفرد العادي في أميركا والغرب) فإن الإسلام كشف عن وجه عدائي يكنّه للمسيحيين واليهود وبل لا يتوانى عن قتل مسلمين آخرين (انفجار الأردن الكبير الذي قضى نحبه فيه المخرج مصطفى العقاد)  ويجيز له قتل الآخرين من دون حسابات اخلاقية او اكتراث لمباديء إنسانية وحقوق الآخرين بحربة اعتناق الديانة او المعتقد الذي يفضّلونه. ولم يرد الإسلام المتطرّف تكذيب أي شكوك حول ايديولوجيّته ومفاهيمه فانبرى يهدد النظم الأوروبية والأميركية . وكما تذرّعت الولايات المتحدة بكارثة 2001 لتغزو العراق وأفغانستان، تذرّعت القاعدة بهذا الغزو  لتحمل لواء الجهاد في هذين البلدين وسواهما ما جعل المسألة برمّتها تبدو ضروباً من الأخطاء بدأت بتدمير برجي مبنى التجارية الدولي في نيويورك ولم تنته بعد. خلال تسع سنوات عانى المسلمون الأبرياء أكثر من سواهم من حرب الغرب على الإرهاب وحرب الإرهاب عليه٠

طبعاً، هذه ليست أولى الحروب الدينية٠
هي كانت السبب الذي من أجله خسر عشرات ملايين الناس أرواحهم حول العالم منذ عشرات القرون. الحرب الصليبية خلال القرن الحادي عشر وما بعد قد تكون بدأت العلاقة العدائية الأولى بين الإسلام والمسيحية، لكن الحروب المسيحية- المسيحية في فرنسا القرن السادس عشر ثم في ألمانيا واسكندنافيا في القرن السابع عشر وتلك الحرب الطويلة التي شهدتها ايرلندا (بقسميها البريطاني والأيرلندي المستقلّ) هي بعض من الأمثلة التي زخر بها التاريخ، علاوة عن حروب أهلية وقعت في الهند ولبنان والسودان واندونيسيا والصين في حقب مختلفة من التاريخ٠

الواضح أنه في كل مرّة يتم فيها التعامل دينياً مع شؤون الحياة وفي كل مرّة يتم مزج الدين بالسياسة واتخاذ المزيج صفة البديل الأيديولوجي لكل ما عداه، تقع البشرية تحت أعباء النتائج الدموية التي تحصدها وتخلق مسافات ضوئية بين أصحاب الديانات السماوية التي في روحها الحقيقية هي واحدة أنزلها الله تعالى على الإنسان في رسائل في حقب وعصور مختلفة لتهدي وتجمع بين الناس وتعزز فيهم الإرتقاء الروحي وحب المعرفة٠

أحد الإفرازات الطبيعية للحروب ما بعد الحادي عشر من أيلول 2001 هو تشبّع السينما، صورة ومضموناً، بالتطوّرات الإجتماعية والسياسية التي تلت  تلك الكارثة.  ليس فقط أن صورة المسلم في السينما باتت تلعب محوراً جديداً شبه ثابت في الأفلام التي تريد بحث الحياة الآنية على الأرض، بل أيضاً، تعاملت الأفلام في السنوات العشر الأخيرة مع الأوضاع العالمية بروح مختلفة. بعض جوانب تلك الروح، وعلينا الإعتراف بذلك، ايجابي حيث لم يعد مستساغاً لهوليوود او سواها من مراكز الصناعة تقديم الصورة المشوّهة التي كانت سائدة منذ زمن بعيد حول المسلم والعربي والتوقّف عندها، بل أصبحت محط محاولات تفسير ورصد لخلفيّاتها  من دون الموافقة بالضرورة على ما تمثّله او الطريقة التي تمثّل ما تمثّله بها٠
وكون كارثة 2001 شكّلت الذريعة الكبرى لغزو غربي لدولتين اسلاميّتين هما العراق وافغانستان، تبعاً لأجندة لا تقل شراسة عن أجندة القاعدة، فتح المجال، سينمائياً، أمام أفلام تتعامل وتلك الحروب. على عكس الأفلام الحربية التي تم إنتاجها بُعيد الحرب العالمية الثانية، وخلال وبعد الحرب الڤييتنامية، فإن الأفلام الحربية الحديثة كان لابد لها أن تدخل العنصر الديني إذا ما تعاملت مع أرض المعركة او إذا  ما تعاملت مع تبعات وضع ما بعد ذلك التاريخ٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التلفيق لتأمين الإثارة

المشهد الذي يحمل فيه صلاح الدين الأيوبي  صليباً سقط عن موضعه فيلتقطه ويضعه على الطاولة  كان بحد ذاته رسالة واضحة باللغتين العربية والإنكليزية. الفيلم الذي ورد فيه هذا المشهد هو "مملكة الجنّة: لريدلي سكوت (2005) الذي تعامل، كما هو معروف، مع الحملة الصليبية على القدس والمشرق العربي تحت لواء حماية المسيحيين والمقدّسات من "الإحتلال" الإسلامي٠ 
الرسالة العربية، التي ربما لم تُلتقط، هي أن البطل العربي لم يكن بطل حرب فقط، بل بطل فهم للرسالات السماوية بأسرها. يقدّر الغير ويسمح له بالتعبير عن رؤاه ومفاهيمه حتى ولو كان عدوّاً شرساً ينظر الى المسلمين  كأصحاب فرقة دينية أكثر من كونهم أصحاب دين٠
الرسالة الإنكليزية، كون الفيلم ناطق بها على الأقل، أن الإسلام ليس ما عبّرت عنه العملية الإرهابية في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، بل ينطلق من رسالة تسامح وتواصل وتفهّم للغير. كان يمكن للمخرج أن يطلب من الممثل السوري غسّان مسعود، الذي لعب دور القائد العربي، أن يرى الصليب على الأرض فيمر به ولا يعره اهتماماً. او الأنكى: أن يراه فيدوسه لتمرير رسالة من التحدّي والعدائية. لكن من تابع المشهد الماثل،  لابد أنه سجّل في عقله، وبالربط مع أحداث الفيلم، أن الصدام بين الدينين لم يكن
عقائدياً بقدر ما كان غزواً  حثّت عليه الكنيسة حينما أخذت على عاتقها لعب ذلك الدور السياسي  دفاعاً في الظاهر عن بيت المقدس ومتعاملة، كما نرى في الفيلم، بقيادات معظمها مصاب بالأغراض الخاصّة والمفاهيم المغلوطة٠

الى حين بعيد قبل خروج فيلم ريدلي سكوت عرفت السينما أعمالاً عديدة عن علاقات حادّة ومتوتّرة بين الشرق المسلم والغرب المسيحي. من "خرطوم" [باسيل ديردن- 1966] الى سلسلة "الريشات الأربع" الذي ورد آخرها سنة 2002 مروراً بعشرات الأفلام التي تداولت الإعتقاد أن الغرب حمل معه في غزواته الحضارة بينما واجهت المجتمعات العربية الإسلامية غير المتمدّنة، بمفهوم تلك الأفلام، تلك الحملات بشراسة فاتكة. غياب اتخاذ موقف من حق دفاع المسلم او العربي، او كليهما معاً، عن دياره  غيّب الطرح السياسي الذي كان من شأنه أن يؤلّب الرأي العام على الغازي وليس على الطرف المغزو٠
ذات العملية، نلاحظ، دأبت عليها الأفلام الهوليوودية حين تعاملت مع الإحتلال الأبيض للقارة الأميركية  والتوسّع من شرق المسيسيبّي الى غربه وصولاً لكاليفورنيا وكيف ووجه، من قبل الرافضين  له من قبائل الأميركيين الأصليين (خمسمائة أمّة لم يبق منها اليوم سوى بضع قبائل) بالصد ما حدا بالإنسان الأبيض لمحاربة المواطن الأصلي لاحتلال أرضه وانتزاع ما في داخلها من معادن او للتوسّع عمرانياً واقتصادياً في كل الأحوال٠
الصور التلفزيونية التي التقطت قبل أسابيع قليلة في مطلع الحملة العسكرية الحالية على المناطق الأفغانية في الشمال، والتي تُظهر جنرالاً يجالس بعض شيوخ المنطقة، هي ذاتها مشاهد لأفلام عديدة راقبنا فيها الجنرال الأبيض يجلس مع زعماء القبائل الهندية طالباً منهم الهدنة ومُظهراً الوجه الإيجابي للإحتلال وموعزاً لهم ضرورة تأييده في حملته لدحر الذين اختاروا شن الحرب على الإنسان الأبيض. هذه النظرة، بما تحمله من عنصرية وتلفيق، كانت ضرورية لتأمين إثارة الجمهور لأن  احتمالات أن ينجز الفيلم المسالم او الموضوعي أرباحاً في شبابيك التذاكر ضعيفة الا إذا ما تم إنتاجها في ظرف ثقافي وسياسي منفتح ومتغيّر كما حدث في الستينات عندما أقلعت هوليوود عن معاملة الهنود بإجحاف ومنحتهم لا حق التعبير عن مواقفهم بقوّة بل حق الدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم٠
  اليوم، كثير من الأفلام من "جيرانيمو" في الثمانينات (إخراج وولتر هيل) وحتى "أڤاتار" (جيمس كاميرون) تبدو كما لو كانت تتحدّث عن الوضع الفلسطيني: أرض تم استباحتها ومحاولة القضاء على روح المقاومة فيها٠
لكن ما سار عليه فيلم "مملكة الجنّة" لم يكن بحد ذاته جديداً. في العام 1935 قام السينمائي الملحمي سيسيل ب. ديميل بإخراج رؤيته للحرب الصليبية على العالم الإسلامي  تحت عنوان "الصليبيون" وهو أدرك فحوى تلك الحرب وعالجها بخلق هالة ايجابية حول صلاح الدين الأيوبي (قام به الممثل الأميركي إيان كيث) في مقابل فساد رجال الكنيسة والبلاط٠
في العام  1976 قام البريطاني رتشارد لستر بتحقيق فيلم عنوانه "روبِن وماريان" يعيد فيها سرد حكاية روبين هود من بضع زوايا جديدة. إنه ليس فيلماً عن الحرب الصليبية، لكن هناك مشهد يفصح فيه روبين (شون كونيري) لحبيبته ماريان (أودري هيبورن) عما يؤرقه  ويعيش في ذاكرته بعدما عاد من الحملة الصليبية في الشرق متحدّثاً عن  كل تلك المذابح التي قام بها الصليبيون ضد الأطفال والنساء والعجّز "قمنا بمجازر لا تصدّق"، كما يقول لها٠
  العودة الى تلك الأفلام ليس لأجل التذكير بمذابح ارتكبت ضد المسلمين كنوع من المقارنة، بل للإشارة بأن هناك أفلاماً في الغرب تعاملت والمسلم على نحو منحه حق رفع السلاح ضد من سيّر الجيوش لاحتلاله. بالنسبة للغرب، عموماً واليوم أكثر من أي وقت سابق، ليس هناك اختلاف حول هذا الحق. الإختلاف حول من يمنح المسلم حق محاولة غزو الغرب بسلاحه او حتى بمفاهيمه عوض أن يحاول التواصل معه عبر القنوات الفنية والثقافية والأدبية؟

مسؤولية السينما العربية
إنه سؤال محق غابت عنه السينما العربية في معظم ما أنجزته من أفلام تتمحور، بشكل او بآخر، حول الإسلام والمسلمين. بل أنه، وبإعتبار أنه لا توجد الكثير من الأفلام المسيحية في العالم العربي، فإن كل الأفلام العربية تعاملت مع شخصيات إسلامية طوال الخط. لكن المسجّل، بنظرة بانورامية شاملة، إخفاق هذه السينما في تقديم ما يكوّن للمسلم شخصيّة جاذبة٠

عمر المختار| مصطفى العقّاد 

في هذا الصدد لم يكن من المطلوب مطلقاً إنجاز فيلم دعائي عن المسلم وروحه وشخصه بهدف ترويجها غرباً. كل ما كان مطلوباً أن تأتي الأفلام، بشكل عام طبعاً، ثرية في مدلولاتها التلقائية. هذا كان مطروحاً لفترة وجيزة (في السبعينات) حين حقق صلاح أبو سيف  فيلمه الرائع "السفّا مات"  وأنجز سعيد مرزوق "الخوف" ويوسف شاهين "الأرض"  وشادي عبد السلام "المومياء"، حيث الشخصيات مُسمّكة بثراء المجتمع الذي تعيش فيه. وحين كانت الأفلام من القوّة الفنية بحيث فرضت على المشاهد غير المسلم شخصياتها تلك وطروحاتها حتى ولو لم تكترث مطلقاً لإيراد رسالة حول طيبة ذلك الإنسان المسلم  او عدالة رسالته٠
في المقابل، فإن معظم ما تم إنتاجه من أفلام عربية قبل وبعد  السبعينات، ذلك العقد النيّر (وعقد الستينات الذي لا يقل عنه إنجازاً) لم يسع لحمل أي مسؤولية حيال كيف سيتبدّى المسلم أمام العين الغربية إذا ما التقطته تلك العين في الأفلام المنتجة. طبعاً حقيقة أن  توزيع الأفلام المصرية (على الأخص) محصور ضمن السوق العربية،  ساعد في عدم محاولة رسم هدف أعلى لها مع غياب الإدراك بأن الفيلم المُعنى به أسلوباً وفنّا كنتاج ثقافي أوّلاً، هو الذي سيحمل الصورة الإيجابية للإسلام التي لن يواجه بها الصور المشوّهة الواردة من الخارج فقط، بل سيغيّر من الصورة المتداولة عن الإسلام ويعزز من المعرفة به بحيث  إذا ما ارتكب البعض جرائم إنسانية بإسمه لم يستولي ذلك الفعل على المفهوم المتداول حول الإسلام
مشكلة السينما العربية الأخرى، كانت كيفية تقديم الشخصيات غير المسلمة حين تدعو الحاجة للحديث عن شخصيات إسلامية  دينية او مجرد بطولية. هل تسعى الى تجييش المشاعر العربية برسم الهالة التعاطفية حول تلك الشخصية في مقابل النيل من صور الأعداء؟ او تنتهج منهج الباحث في ما يكمن وراء الصور الظاهرة وتقديم الأخيار والأشرار على جانبي المواجهة؟٠

حين قام المخرج الراحل مصطفى العقاد بتقديم "الرسالة" و"عمر المختار" واجه المعضلة إياها: هل من سبيل لتقديم الإسلام جيّداً لمواجهة الصورة السلبية المنتشرة في السينما الغربية عموماً؟ وكيف؟. الصعوبة كانت مضاعفة في الفيلم الأول كون الإسلام لا يسمح بتصوير الأنبياء بمن فيهم النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، بالتالي فإن ما كان على العقّاد فعله في هذا الإطار الحديث عن الفكرة وليس عن صاحبها. عن الدين وليس عن الرسول٠
تحرر العقاد أكثر بكثير حين أنجز "عمر المختار" لكنه واجه سؤالا بديلاً: كيف يمكن تقديم شخصية  مقاتل حمل السلاح لكنه كان مسلماً ممارساً للدين الحنيف؟ العقلية الغربية لا تقبل، تبعاً للتقاليد المسيحية، أن يرفع راهب الإنجيل بيد والسلاح بيد آخر ولو أن أفلاماً روّجت لهذه الصورة لكنها  كانت خيالية وليست عن شخصيات واقعية. بالتالي، لا تستطيع (على نحو شبه مطلق) قبول شخصية رجل يحمل الله في قلبه ويواجه الآخرين بالعنف
ردُّ العقاد على هذا السؤال هو إظهار شراسة الإحتلال الإيطالي لليبيا وتعسّفه وكيف قاد ذلك الإحتلال الى إقامة أول معسكرات تجميع للمدنيين، أي قبل معسكرات الهولوكوست و، في الجانب الآخر، تقديم شخصية رجل يدرّس التلامذة طالباً منهم التعلّم والإستنارة٠
في نهاية الفيلم يلتقط صبي النظّارة الطبيّة التي سقطت عن عيني عمر المختار بعدما اقتيد للإعدام. رمز صغير على أن الطريق من هنا وصاعداً سيكون علماً وثقافة ومعرفة٠
في حين كانت الصور التي روّجتها الأفلام الغربية عن الإسلام والمسلمين عدائية بدافع إثارة الجمهور وخلق عدو يواجهه البطل التقليدي،  فإن التشويه الذي أصاب الإسلام كان إما مقصوداً عن  عمد وإما تلقائي في نتيجته من حيث تعاطيه  ومفاهيم نمطية محددّة مستوحاة من ظروف سياسية واجتماعية مثل موقف الدول العربية من إسرائيل في الستينات، ومثل مصر والعدوان الثلاثي، والقضية الفلسطينية التي نجح الإعلام الإسرائيلي في جعلها تبدو حالة دفاع إسرائيلي عن النفس، والثراء البترولي الذي أصاب بعض دول المنطقة، كما من مفاهيم مغلوطة ساهم الأدب في تكوينها (عالم ألف ليلة وليلة وحكايات السلاطين).  من ناحيتها فإن الأفلام الحديثة التي طُرحت حول الموضوع الإسلامي تُلغي (بقصد او بدونه) الكثير من  الصور النمطية السابقة لتحل مكانها إما صوراً غير نمطية او صوراً نمطية مختلفة عن تلك السابقة٠
في "إنذار بورن"، ثالث أجزاء سلسلة مغامرات عميل السي آي أيه  [بول غرينغراس- 2007 ] يواجه بطل الفيلم الأميركي جاسون بورن (مات دامون) المُطارد من السي آي أيه أحد مطارديه: مغربي يعمل لصالح الجهاز الأميركي مكلّف بقتله. معركة يدوية كبيرة تقع بين الإثنين. وفي حين أن مثل هذه المعارك بين البطل الأميركي وغريمه العربي كانت تكشف مهارة الأول القتالية وجهل الثاني او لجوئه لحلها بالخنجر او السيف ("غزاة تابوت العهد المفقود" مثلاً) تكشف هنا عن مهارة متوازية على نحو كامل بحيث أن انتصار الأميركي على العربي تحصيل حاصل لبطولته الفيلم وليس لتفوّقه أساساً٠

   بلديون | رشيد بوشارب

من ناحية، هذا وحده لا يلغي طموح المسلم بشخصية اسلامية صحيحة المواصفات، لكن من ناحية أخرى فإن المطروح هنا شخصية تستدعي الإعجاب وكونها تعمل لصالح المخابرات الأميركية يرفع عنها الكثير من التعامل عدائياً معها٠
ما تطرحه  السينما السائدة التي ينتمي اليها "إنذار بورن" من صور، لا يقل أهمية عما تطرحه الأفلام الفنية او ذات الرغبة في جمهور ذي مُلكية فكرية أعلى كما الحال في عدد من الأفلام الأوروبية التي بدأنا نراها في السنوات الأخيرة٠
عدّة أفلام في هذا الصدد من مخرجين لهم أكثر من باع في هذا الطرح. في العام 2006 قام المخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب بتحقيق فيلمه "البلديّون" او كما سُمّي في أسواق عالمية "أيام المجد"،  وفيه إظهار لدور الجنود العرب الذين عملوا تحت راية الحلفاء في الحرب العالمية Days of Glory
الثانية، في عملية تحرير فرنسا من الإحتلال الألماني٠
تبعه المخرج بفيلم عنوانه "نهر لندن" (2009) حول صداقة غير متوقّعة بين أم إنكليزية مسيحية وأفريقي مسلم (برندا بليثين وصدّيقي كواياتي على التوالي) كل منهما خسر ولداً خلال يوم الإرهاب الذي قام به اسلاميون متطرّفون٠
الفيلمان مثيران جداً على سطح ما يتعاملان به من شخصيات. في عالم لم يعد مضطراً للتفريق بين المسلم والعربي (حتى مع علمه بأن معظم المسلمين ليسوا بالضرورة عرباً) تعامل رشيد بوشارب مع شخصيات عربية من دون منحها مواصفات اسلامية في فيلمه الأول "البلديون". أما في الثاني فتعامل مع شخصية رجل مسلم من دون أن يكون عربياً. ما حققه تلاقي الناحيتين في حلقة تستكمل مدارها: العرب مسلوبون من الهوية والإستحقاق في الفيلم الأول، والمسلمون مُعاملون سواسية كوجه واحد في حين أن الحقيقة وجود تباين كبير بين المسلم وبين المسلم المتطرّف في الفيلم الثاني٠
عبد اللطيف قشيش أنجز فيلمه الفرنسي "كُسكُس بالسمك" معنياً بحياة مهاجر مسن وعلاقاته مع محيطيه العربي والفرنسي الذي يعيش وسطهما. المخرج يرسم صورة إنسانية صادقة وعميقة للعربي وعائلته محاطة بإطار البيئة الفرنسية العامّة ويفرض تعاملاً من نفس النوعية الإنسانية على المشاهد الغربي مستبدلاً صورة العربي الذي يشكّل خطراً على مجتمعات ما بعد 2001 الى صورته كضحية وضعه من دون أن يلوم الفرنسيين على هذا الوضع٠

شخصيات مسلمة جديرة
طرح آخر مثير للإهتمام يرد في سياق فيلم "مسيو إبراهيم" للفرنسي فرنسوا دوبيرو (2003) إذ يقدّم لمشاهديه شخصية صاحب دكّان مسلم (تركي الأصل) يتعايش وصبي يهودي (عمر الشريف وبيير بولانجر)  لفعل ذلك كان على الثاني قطع مسافة حذرة كونه أصغر سنّاً عليه أن يخرج عن "الغيتو" المُعد له، أمر فعله ابراهيم منذ زمن بعيد. الموضوع المُثار هنا كان دائماً سماحة السيد إبراهيم كشخص مسلم. إنه مؤمن لم يترك دينه وراءه لكي "يتغرّب" وهو لا يطلب من الصبي مومو (بولانجر) التغرّب او ترك دينه كشرط لمعرفته وتوطيد هذه المعرفة٠
هذه الصورة الإيجابية كان لها مقابل مناسب في عدد من الأفلام الغربية كما الحال في "بابل" (2006) لأليخندرو غونزاليس إياريتو  ولو عبر شخصية مساندة (في نهاية الأمر كل شخصيات هذا الفيلم الممتاز بمن فيهم الشخصية التي يمثّلها براد بت هي مساندة) لمغربي يمنح الأميركيين (بت وكايت بلانشيت) أمان بيته وقريته بعدما اعتقد الجميع بأن إطلاق النار  على الزوجة هو عمل إرهابي (في حين كان عملية فردية لصبي أراد أن يطلق النار على حافلة وليس على من فيها). هناك شيء آخر في هذه الصورة الإيجابية وهي تحذير المخرج، وهو مكسيكي أنتج هذا الفيلم أميركياً، من تغليب المفهوم السائد على المسلمين جاعلاً من شخصية الشاب المسلم تتحلّى بعناصر من الشهامة وحسن التدبير والإبتعاد عن الكره او التحزّب٠
  هناك أيضاً  صورة رجل البوليس الباكستاني  المثير للتعاطف بسبب شجاعته وقوّة إرادته في "قلب كبير" [إخراج مايكل ونتربوتوم- 2007] وصورة الأفغاني العائد الى وطنه تحت الخطر في "عدّاء الطائرة:  لمارك فوستر ثم صورة المهاجر السوري المسلم في "الزيارة" لتوم مكارثي  حيث السائد على سطح الأحداث (وتقع في نيويورك ذاتها) الدعوة الى التواصل لأن الآخر ليس بصورة واحدة كما يعتقد الغرب٠
هذه الأفلام أجمعت على صورة "نظيفة" لمسلمين عاديين او شبه عاديين (بطل "عدّاء الطائرة" كاتب ذي شهرة) وجدوا أنفسهم في قلب أحداث طاغية ليست من أفعالهم. الحال معبّر عنه أيضاً في فيلمي مايكل ونتربوتوم السابقين "في هذا العالم" (2002) و"الطريق الى غوانتانيمو"  (2006)٠
لكنها ليست الصورة النظيفة الوحيدة. في كل من »سيريانا« [ستيفن غاغن- 2005] و"المملكة" [بيتر بيرغ- 2007]  و"كيان من الأكاذيب" [ريدلي سكوت- 2009] هناك عناصر عربية تواجه التطرّف من ناحية وفساد ذمم أميركية من ناحية أخرى. في »المملكة" و"كيان من الأكاذيب" تعمل هذه العناصر لحساب الحكومتين السعودية والأردنية وهي في الفيلم الأول ترفض أن تتبع الجهاز الأميركي الذي حط في البلاد لإدارة عملية مواجهة للإرهاب، وفي الفيلم الثاني، ترفض -فوق ذلك- قيام الجهاز الأميركي، عملاء السي آي أيه، بإخفاء حقائق او الكذب عليها٠

لإيضاح العجز الإسلامي في إفراز أفلام مماثلة في ظرف يتطلّب أن ينطق الإسلام سينمائياً وثقافياً وإبداعياً كلغة الحوار الوحيدة الصالحة، يمكن مقارنة دور عمر الشريف في "مسيو إبراهيم" بدوره في فيلم "حسن ومرقص" لرامي إمام. فيلم قُصد به خيراً لكن المرء يتمنّى لو لم يفعل لأنه من الهوان وسوء المعالجة بحيث أن العلاقة التي يرمي الفيلم الى تعزيزها بين المسلم والمسيحي في مصر تتّخذ من بداية شكلا كاريكاتورياً غير مضحك. في الفيلم يدرك مرقص (كما أدّاه عمر الشريف) أن بقاءه على قيد الحياة متوقّف على تقمّصه شخصية مسلم، هذا في الوقت نفسه الذي يجد فيه المسلم حسن (عادل إمام) نفسه مطالب بانتحال شخصية مسيحي للسبب نفسه. وكلا الرجلين يلتقيان ومعهما عائلة كل منهما في الوقت الذي يخرج فيها مسيحيون ومسلمون متعصّبون لمنازلة فيتصدّى لهم حسن ومرقص متشابكي الأيدي. رسالة مباشرة خالية من الحقائق كما من حُسن توظيف الخيال مع معالجة ساذجة وقاصرة٠

حسن ومرقص | رامي إمام

بإستثناء "الزيارة" فإن الأفلام الغربية الحديثة المذكورة أعلاه تقع  في الدول الإسلامية ذاتها (دول عربية وباكستان وافغانستان) لكن هناك أعداداً متزايدة من الأفلام الأوروبية التي تطرح الوضع الشائك في العلاقة بين المسلمين وسواهم في المجتمعات الغربية. وفي حين أن "السيد إبراهيم" و"نهر لندن" عملان ينزعان نحو رسالة مسالمة غير متوتّرة لا في الإيقاع ولا في الإنعكاسات السياسية. فإن بعض الأفلام الأحدث تمضي بعيداً صوب تشريح وضع الإنسان المسلم في مجتمع غربي٠

في "شهادة"، وهو فيلم ألماني من إخراج الأفغاني الأصل برهان قرباني، نتعرّف الى شخصيات مسلمة محورية تعيش في برلين لكن من دون أن تجمعها نظرة واحدة، او مفهوم حياة معيّن، لمعينها الإسلامي. التحري المنفتح المتزوّج من ألمانية الذائب في مقتضيات البيئة كاملاً، يعاود الإلتقاء بفتاة بوسنية  مسلمة كان أطلق النار عليها خطأ في حادثة سابقة، فيشعر صوبها بتأنيب الضمير. في الموازاة عاملة مصنع من المهاجرين الأتراك متحررة تماماً الى أن تحبل وتسقط حبلها فتجد نفسها، بتفسير ذاتي لمعاني الخطيئة والذنب والغفران، مشدودة الى ممارسة الشعائر الإسلامية. ليس أن والدها إمام أحد المساجد مستاء من ذلك، بل ما يقلقه هو تطرّفها الذي لا يسمح به٠  في قصّة ثالثة ينتقل اليها الفيلم خلال عرضه القصّتين الأخرتين في تداخلات منسجمة (ولو غير مبهرة او سلسلة) قصّة مسلم من أصول أفريقية تناديه الرغبة في ممارسة الحب مع شاب ألماني، ويفعل ذلك ثم يتوب ويحاول مقاومة الإنجراف في الخطأ ذاته مرّة أخرى. إذ ينتقل الفيلم بين خطوطه ويسمح لبعض شخصيات كل قصّة بلقاء، ولو عابر بشخصيات أخرى، يجهد الفيلم لطرح تلك الصور المختلفة ليتحدث عن اختلافاتها كما عن توهان أصحابها. النيّة سليمة من حيث رغبتها إرساء صور المسلم كشخصية طبيعية تمر بما يمر به الغربي (او المسيحي خصوصاً) من أزمات عاطفية ونفسية ودينية، لكن الإضافة هنا هو أن أصحابها، فوق ما سبق، يشكون من تعاطيهم مع هوية ذاتية متنازع عليها٠

Shahada | Burhan Quirabani

فيلم "على الطريق" للمخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش يتعرّض أيضاً لجانب مشابه: بطلاه زوجان مسلمان من البوسنيا في فترة ما بعد الحرب العرقية يعيشان معاً بسعادة ويمارسان حياتهما بانفتاح ملحوظ معبّر عنه بالشرب ودخول المراقص وما تيسر من صور الحياة العصرية. فجأة يلتقي الزوج، وقد طُرد من عمله كمراقب جوّي في مطار المدينة بسبب مزجه القهوة بالكحول، بصديق قديم ملتح وبزوجته المحجّبة. في البداية لا يشكّل هذا اللقاء أي أهمية، لكن حين يقصد بطل الفيلم صديقه المتديّن يبدأ بتعريض نفسه لمتغيّرات من نوع العودة الى الأصول. لا دليل أن الجماعة التي ينتمي اليها الصديق إرهابية، ولا يقصد الفيلم أن يصفها بذلك، لكنها جماعة متطرّفة في ممارساتها والزوجة المدهوشة من سرعة تحوّل زوجها الى الإسلام، تحاول جذبه والعودة به الى سابق عهدها به. لكنه يمانع أوّلاً، ثم يبدأ بفرض الطلبات بعد ذلك ما يضعها في مواجهة ضرورة طلاقهما٠
الفيلم مثير للإهتمام في هذه الجوانب الإجتماعية المطروحة ومثير لتعاطف الغربيين مع تلك الزوجة التي لا يمكن لها أن تلتقي ومفاهيم زوجها الجديدة، لكنه يبقى عملاً محدود القيمة كونه لا يحاول الذهاب الى ما وراء الصورة في تحليل سياسي او اجتماعي لما يرصده٠

روحانية الإسلام
أفضل من الفيلمين المذكورين التركي "عسل" الذي فاز مؤخراً بجائزة مهرجان برلين السينمائي الدولي٠    ليس فيلماً عن موقع الدين في الحياة، لكنه مليء بالصور الواقعية الجميلة للبيئة الإسلامية في الوقت ذاته. إنه عن صبي يعيش في قرية تكمن في جبال آسيوية تبدو معزولة. عالم قائم بحد ذاته، وحسب تعبير ناقد ألماني، "قريب جدّاً منا وبعيد جدّاً منّا في وقت واحد" . والده يعمل في جمع العسل من الخلايا التي يزرعها في أعالى أشجار المنطقة. في مطلع الفيلم نراه وحصانه في قلب الغابة يختار شجرة. يرمي الحبل على أحد أذرعها ويبدأ بالتسلّق ليصل الى الخلية. في منتصف الطريق على تلك الشجرة الطويلة المنتصبة بلا نتوءات او انحرافات، ينكسر الغصن الذي علق الحبل به ويجد الأب نفسه بين السماء والأرض لا يستطيع الحركة لئلاً ينفصل الغصن عن الشجرة ويسقط الرجل من ذلك العلو الشاهق٠
البداية وحدها آسرة، لكن الفيلم بعد ذلك لا يقل في مطارح عدّة وقعاً عائداً بزمنه الى ما قبل الحادثة التي يشكّل منها الفيلم بدايته٠
نتابع في بطء مقصود قصّة صبي لا يجد في بيئته ما يحفّزه على التواصل مع الآخرين. حين يتحدّث لأبيه فإنه يهمس، وهو لا يتحدّث مطلقاً الى والدته ليس عزوفاً عن حنانها او كرها لها بل تجسيداً لحالة يخفق الفيلم في شرح أسبابها لكنه لا يخفق في جعلها مهمّة ومحورية في رصد وضع ذلك الصبي في البيت او في المدرسة. حين لا يجد الأب أن خلايا النحل التي زرعها في قمم الأشجار تؤتي الكثير من العسل، ولا يعلم أين اختفى النحل من المكان يقرر الذهاب الي منطقة أبعد. بعد يومين تبدأ الزوجة بالقلق عليه ويتابع الفيلم ما تمر به العائلة الصغيرة من دون أن يفقد الصبي مكانته المتوسّطة لكل شيء. اليوم الذي يقرر فيه الأستاذ منحه وسام تقدير لا يستحقّه تشجيعاً له على تجاوز عثراته نطقه وقراءته الناتجة عن شعوره الدائم بالعزلة الداخلية، هو اليوم الذي يعود فيه الى البيت ليسمع من الشرطي فشل البوليس في العثور على أبيه. يرمي بحقيبته أرضاً وينطلق الى الغابات الكثيفة يهديه الى الطريق صقر كان أبيه قد ربّاه. لكن اللقطة الأخيرة للصبي وهو جالس مستند الى جذع شجرة وقد هبط الليل وساد الصمت وانتشر الظلام الداكن لا توحي بأنه وجد والده. فقط تقترح مزيداً من نشأة الصبي المعزولة٠
نشاهد الأب يصلّي في مشهد، ونسمع قراءة سورة "الناس" في مشهد آخر، وفي مشهد ثالث تتداول النساء سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) مستمعات الى أم الرحلات في التاريخ، تلك التي أختير لها الرسول ليلة الإسراء فجاب مراتب الجنّة. ومع أن هذا الحديث لا يلقي بظلال موازية لما يحدث مع الصبي في عالمه ذاك، الا أنه يرصف طبيعة القرية التركية السُنيّة المسلمة ويقدّمها بوداعة وبلا تحامل. المخرج  سميح قبلانغلو ينجز فيلما يحمل سماتاً واقعية واجتماعية ومن ضمن تلك السمات علاقة روحية قويّة بالمصدر. المُشاهد الممعن إذ يعيش صوراً من الطبيعة الآسرة لابد أن يلحظ أن هناك سبباً في إمعان المخرج التقاط مشاهد من الإبداع الإلهي سواء أكان ذلك عبر مشهد نهر دافق او شتاء منهمر او أشجار باسقة وجبال شاهقة٠
الفيلم الجديد لقبلانغلو هو الثالث له في ثلاثية بدأت بـ "حليب" و"بيض" وارتبطت جميعاً بالبيئة التركية المعزولة. وفي هذا الفيلم هناك إشارات عدّة، ولو تلقائية، للحليب من حيث رفض الصبي شربه ومشهد نراه فيه يحمل ثلاث بيضات لوالدته لكي تصنع لزوجها حلوى حين يعود. تلك العودة التي ينتهي الفيلم دون أن تتحقق٠


عن فيلم 1958 لغسّان سلهب

الزميلان نديم جرجورة وهوڤيك حبشيان كتبا مقالتين
نقديّتين حول الفيلم الجديد للمخرج اللبناني غسّان
سلهب الذي اختار هذه المرّة الحديث عن نفسه - م. ر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مخرّب الحكايات اللبنانية | هوڤيك حبشيان


غسان سلهب. نظرته مستهجنة وفاضحة الى بيئته. بقدر ما يبدو تمرده على أدوات التعبير السينمائية تمرد طفل يلهو بألعاب تعوّد تفكيكها ثم تركيبها، نجد في هذا المنحى الثوري واقعية كئيبة تستلذ كآبتها، وهذه سمة من سمات النضج والحكمة. منذ "أشباح بيروت" وهو يحرك الخنجر في الجرح، غير آبه بما يقال من حوله، مرة عبر تسكعه الليلي في مدينة ظالمة ومظلومة ضاقت فيها سبل العيش، ومرة عبر فضح "الاكذوبة الجماعية" التي رضخ لها اللبنانيون شعباً وسلطة. ففي حين ان كل شيء من حولنا يسهر دائماً على تصحيح الصورة، تأخذنا سينماه دائماً وأبداً عبر طرق وعرة الى قلب بلاد تنزف دماً وقهراً، وحده سلهب قادر فيها على قول أشياء محض سينمائية على هذا النحو اللمّاح والاستعاري. شخصياته الشبحية تعيش في قاع هذه المدينة، لكن ليس نتيجة خيار مسبق بل لانعدام الخيارات، ويمكن القول ان انتظارها على الحافة متأتٍّ من تأجيل دائم للرحيل٠
يحلو لسلهب التعريف عن نفسه بكلمة "اسفنجة". وظيفته: امتصاص الواقع. لكن هذا لا يكفي لقول مَن هو. كونه يلجأ دائماً الى خيارات سردية غير مظنونة أو متوقعة، هذا ايضاً لا يسهل عملية تصنيفه. لا ادعاء عند الرجل كما هي الحال عند آخرين، لأن هذه رؤيته للسينما التي اكتشف معظم ضربات جنونها الكلاسيكية (غودار وغي دوبور وغيرهما) في قاعات باريس المظلمة. الأكيد انه لم يختر ما اختاره من لغة وأساليب كي يلهو بها لهواً "سنوبياً"، انما لحقيقة اننا في بيروت، "يصعب علينا النظر الى محيطنا على نحو يجعل الاستقامة احدى سماته". باختصار، انه صاحب سينما تبعث البهجة في قلب من يؤمن ان المُشاهد شريك اساسي في صناعة الفيلم. اما من لا يؤمن بذلك، فـ...٠
غسان سلهب لا يرسم بورتريه غسان سلهب في أفلامه. الذين يخيّل لهم انهم يعرفونه، يجدون ان هذا الخطاب بينه وبين افلامه سببه القاؤه نظرة جد شخصية على العالم الى درجة اختلاط الدال بالمدلول. أما فكرته الفيتيشية السرمدية فتتجسد في مقولة فلوبير المعبّرة عن الحالة التي يهدف للوصول اليها: "يكفي ان تنظر مطوّلاً في شيء، كي يصير هذا الشيء مثيراً". في سياق مشابه لهذا الطرح، قال لي مرة: "إذا قبلت بفكرة ان الحياة مأسوية، فقط في ذلك الحين تستطيع رؤية انبعاث النور من داخل الظلام". هذه "الديانة" لا يمكن الصابر الا ان يمجدها، وخصوصاً ان معتنقها لا يحكم على الواقع الذي يعتاش منه، بل يكتفي برمي نظرة مستهجنة عليه (التكرار هنا للاصرار)٠
يشهر سلهب انتسابه الى "مواطني العالم"، وهو من مواليد السنغال، لكن بعد فترة انتقال بين فرنسا ولبنان، استقر في بيروت التي استلهمها في ثلاثة أفلام متتالية محورها العاصمة اللبنانية، تخللتها بضعة أعمال تجريبية فرضتها الظروف ومقارعة الحجة بالحجة والذوق بالذوق. سؤال الهوية والانتماء ألقى بظلاله على عمله وتفكيره واحتكاكه وعلاقته بالحالة اللبنانية. على غرار الكثير من المغتربين، شرب سلهب من بئر بلاد غريبة، فأتى الى السينما حاملاً تحت ابطه حقيبة سينمائية امتلأت نتيجة تأقلمه مع ثقافات متعددة. من هذه الثقافات ثقافته الافريقية، وعلاقته بعامل الوقت وفق المفهوم الافريقي للكلمة، وهو مفهوم مخالف للمفهوم الاوروبي الذي يخال له انه قادر على التحكم بالوقت، "في حين ان الأمور في لبنان وفي افريقيا تتشابك بعضها ببعض"٠
يزعم سلهب أنه يصوّر بأذنيه بقدر ما يصوّر بعينيه (الاستماع الى الشريط الصوتي لفيلمه الجديد "1958"). وعلى رغم انه يمكن تصنيفه مخرجاً ذهنياً او عضوياً، فهو يجد نفسه غريزياً في المقام الأول. يستمع كثيراً الى الحواس. في ودّه دوماً ان يضع المشاهد في "تجربة جسمانية"، ليزعزع علاقته المريحة بالسينما. كيف نروي قصة؟ هذا هو السؤال الأبرز الموجّه الى السينمائيين في عصرنا الحديث، لكن هذا الرفض في الاقتراب من ضفاف جديدة يشكل ظاهرة عالمية لا تنحصر بالبلاد العربية فحسب. سلهب يرى السينما من مكان آخر٠
في 1958"" الأوتوبيوغرافي (عُرض مساء الثلثاء في افتتاح "شاشات الواقع")، مرةً أخرى يمضي الفتى المخرّب للسينما اللبنانية في تخريب الحكاية بدلاً من بنائها، رابطاً بجسور هوائية جديده الساحر، مرفقاً إياه بتاريخ طويل من السينما الراديكالية المخربة. طَموح لكنه متواضع في طموحه، لإنجاز أقوى ما يمكن انجازه. "على الفيلم ان يحمل قدراً من الارتجاج ولا ارغب في عمل سطحي ومتعادل". هذا ما كرره مراراً. في "1958" يتحقق حلمه٠
لا يعمل سلهب وفقاً لمنطق الفصل بين الواقع والمتخيل. وما النفع إذا كانت كل حقيقة تقفز الى الشاشة تصبح "كذبة الحقيقة". قد يصل الى حافة كلٍّ منهما من دون تصميم مسبق. هو مهتم بالاطار ومحتواه وبالحوار الذي ينشأ بين صورة وأخرى تلحق بها (نظرية ليف كوليشوف). في هذه النقطة تحديداً، تكمن قوة سينماه. يتفاوض مع الاسلوب، كمن يتفاوض مع الشيطان، كي لا يصبح ضحيته. لا يريد قالباً للسينما التي يصنعها بقدر ما يريد لها روحاً. لا يريد ان يكون مهندس اشكال. في النهاية نحن قبالة سينما مسرورة في تطرفها، وتبحث عن ذاتها الاخرى، وقد لا تكون صدور الناس رحبة الى هذا الحدّ لاستقبالها، لكن لنمنح الحالم الحق في أن يحلم من خلال السماح له بإنجاز افلام لا تكون عبارة عن تعليقات على الحياة الاجتماعية اللبنانية٠


  شعر الحياة الشخصية لغسان سلهب | نديم جرجورة


بدأت الدورة السادسة لـ «شاشات الواقع» مساء الثلاثاء. التظاهرة الوثائقية باتت محطّة مهمّة في المشهد السينمائي اللبناني. تنظّمها «البعثة الثقافية الفرنسية في لبنان»، بالتعاون مع «جمعية متروبوليس» و»مهرجان مارسيليا للأفلام الوثائقية». تُعرض الأفلام في صالة سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل» لغاية الواحد والثلاثين من آذار الجاري. «جمعية أمم» مشاركة فيها. تفتح صالتها في «الهنغار» الثامنة مساء الجمعة في الثاني من نيسان المقبل، لعرض فيلم «بحثاً عن حسن» لإدوارد بو.
اختير فيلمان اثنان لافتتاح الدورة المذكورة: «فيلم الترحيب والوداعات» لكورين شاوي و»1958» لغسان سلهب. هنا قراءة لفيلم سلهب.
بدأت التظاهرة. أفلام متفرّقة تُقدّم صُوَراً جمّة عن وقائع وحالات. الفيلم الوثائقي بخير. هذا ليس تعليقاً نقدياً. بل محاولة لوصف الانفعال بما هو عليه. «شاشات الواقع» انعكاس لهذا كلّه. ليس المهم معرفة الجنسية أو جهة الإنتاج. الأهمّ كامنٌ في أن الدورة السادسة للتظاهرة المذكورة هذه كشفٌ للمآل التي بلغها الفيلم الوثائقي. كدت أقول إن الفيلم الوثائقي اللبناني بخير أيضاً. لكن الخلل مستمرٌ في تفتيت مستوى راق بلغه إنجاز هذا النمط السينمائي، لأن مخرجين عديدين لا يملكون حدّاً أدنى من الوعي المعرفي والمخيّلة الإبداعية. التظاهرة جزءٌ من المشهد العام. مدخلٌ إلى فهم المتغيرات الحاصلة في الصناعة المتطوّرة للفيلم الوثائقي، وإلى متابعة أحداث العالم والمجتمعات والأفراد. ثلاثة أفلام لبنانية مشاركة ارتكزت على الحكاية الفردية: «1958» لغسان سلهب و»هشّ» لرين متري و»أمي، لبنان وأنا» لأولغا نقّاش. الفرد أساسي في قراءة الصورة العامة. هذا تكرار لكتابة سابقة. لم يعد الفرد غائباً في الجماعة، لأنه بات درباً إليها. أو حالة مستقلّة عنها. لم أشاهد الفيلم الأخير لمتري. لم أشاهد الفيلم الوثائقي الجديد للمخرجة اللبنانية كورين شاوي «فيلم الترحيب والوداعات» أيضاً. لكن فيلمي سلهب ونقّاش حفرا في أعماق الذاكرة الفردية والانفعال الذاتي، بالاستناد إلى مفردات سينمائية مختلفة. التعريف بـ»هشّ» واضحٌ في تأكيد مقولة الفرد وحضوره الأساسي في الفيلم. الفرد حاضرٌ، سواء كان مخرجاً أم شخصية أم عقلاً أم تفكيراً أم إبداعاً أم منهجاً في الاشتغال البصري. هنا، الفرد مرتبط بالمخرج مباشرة: إنه المخرج نفسه، غالباً. الأم حاضرة (فيلما سلهب ونقّاش). التاريخ أيضاً. الجغرافيا والتبدّلات الحاصلة والمصائر المدوّية والانقلابات. لكن السينما غالبةٌ، خصوصاً في «1958».
بعيداً عن لعبة المقارنة، شكّل «1958» محطّة مستقلّة بحدّ ذاتها، في السياق المهني لغسان سلهب. أو محطّة مكمِّلة لاشتغالاته السينمائية، أجمل في تفكيكها التاريخ، وإعادة توليفه وفقاً للحكاية الأساسية. لم أستطع الاقتراب منه عند مشاهدتي إياه للمرّة الأولى. لم أُدرك كنهه. الابتعاد عنه مسافة، وسيلة للعودة إليه. التمعّن بمفاصله على أساس الاشتغالات هذه، دعوة إلى التوغّل في عمقه المفتوح على أمور ولحظات وعلاقات. الأم نواة الفيلم وفضاؤه الذاهب إلى أسئلة الحياة والشعر والانفعال والغربة. الأشكال البصرية المبنية على خليط الصورة والسرد والكلمات سمة العمل السينمائي الخاصّ بغسان سلهب. تعنيه الصورة أولاً وأخيراً. هذا ما يجذب إلى مشاهدة نتاجاته المتفرّقة. المدينة (بيروت) شخصية محورية في ثلاثيته الروائية الطويلة («أشباح بيروت»، «أرض مجهولة» و»أطلال»). الذات أيضاً. في أفلامه كلّها، ومنها القصيرة الاختبارية. الاختبار، هنا، يتّخذ معنى المغامرة، بحثاً عن (أو في) قدرات الصورة على إشباع الرغبة الفنية في ذات المخرج، وعن قدرات المخيّلة والعقل في الإمساك بانفتاح الصورة على الاحتمالات كلّها. هذا نوع سينمائي غير مرغوب فيه في بلد مثل لبنان، أو في بيئة عربية كتلك الموغلة في جفافيتها. لكنه نوع مرغوب فيه بالنسبة إلى العاملين على كسر الجمود العقلي وموت المخيلة، اللذين يحولان دون قيام إبداع سينمائي متكامل. «1958» دعوة إلى الاغتسال بالجماليات المصنوعة من اختراق سلهب عوالم الذاكرة والألعاب البصرية، جالباً بعودته منها نصّاً مليئاً بالحميمية والمشاعر، وممتلئاً بنعمة الصورة السينمائية في إحداث الصدمة.
يُمكن أن يُقال لي إنه يُفترض بالاستجابة لمضمون الفيلم وشكله أن تتمّ في المشاهدة الأولى. ربما. أحياناً، يصعب عليّ إدراك النصّ السينمائي سريعاً. هذه مسألة شخصية. في الكتابة عن فيلم لغسان سلهب، يغلب الطابع الشخصي، ليس بسبب صداقة ما، بل لتوغّل أعماله في الشخصيّ. هذا سببٌ للتواصل الذاتي معها. «1958» منتمٍ إلى تلك العلاقة القائمة بيني وبين أفلامه. لكن، لا مجال أكثر من ذلك للخصوصية. الفيلم دعوة إلى مشاهدة نسق سينمائي في إعادة كتابة فصل من التاريخ الشخصي، في قالب معتمد، أساساً، على الصورة والموسيقى وتداخل الشعر بالسرد الشفهي واللقطات الأرشيفية. ذاك العام لحظة مهمّة في التاريخ اللبناني، شهدت ولادة المخرج في دكار. تمّت الولادة في بلد الاغتراب. الوالدان منتميان إلى طائفتين مختلفتين. المزيج الثقافي والديني والإنساني جزءٌ من التربية. الأم أمام الكاميرا بدت أشبه بكاميرا تلتقط أزمنة وتفاعلات، وتشير إلى متغييرات. البراعة واضحة في جعل القصّة الشخصية ولوجاً في عالم معقّد من الأسئلة والتفاصيل. الانمحاء بين الذاتي والعام لم يتمّ على حساب الذاتي أو العام، لأنه خرج من دائرة التفريق إلى لحظة الاندماج. الصورة أدّت دوراً أساسياً. التوليف أيضاً. الجانب الوثائقي البحت حاضرٌ في مرويات الأم. الشعر مواز لهذه المرويات. مكمّل لها. ناطقٌ بلسان المخرج. المخرج يتحايل على القصّة. يضعها في نص شعري. ثم يأخذها إلى الوثائقي. الأرشيف (مشاهد تلفزيونية عن أحداث العام المذكور، التي اعتُبرت بمثابة «بروفة» للحرب الأهلية اللبنانية المندلعة في العام 1975) رابطٌ محوري بين المرويات والشعر. هذا الأخير ممتد بين الكلمات والصورة. الصورة قادرة على ان تكون نصّاً شعرياً. على أن تكون الشعر أيضاً. هذه إحدى الميزات الجمالية في أعمال سلهب.
ليس الفيلم سياسياً. الوقوف عند أحداث العام 1958 لا يؤدّي إلى قول في السياسة والأمن، بل محاولة للتنقيب في أحوال البلد وناسه، على ضوء الاختبار الذاتي. الدمج بين الولادة والأحداث، مرسومٌ بشفافية مخرج قادر على تفكيك الحكايات، لإعادة كتابتها بما يتلاءم وهاجسه السينمائي والثقافي. التحليل الاجتماعي غائبٌ، لأن الفيلم مصنوع من أجل السينما، ثم يُمكن للمُشاهد قراءته وفقاً لمزاجه وانفعاله. أكاد أقول إن «1958»، بانتمائه إلى سلسلة أفلام وثائقية لبنانية ارتكزت على أحد الأفراد القريبين جداً للمخرج في عائلته، أفضلها على الإطلاق، سينمائياً ودرامياً. سببٌ أول: الشكل المعتمد في إنجازه لم يكن أقلّ أهمية من الموضوع المهمّ. سببٌ ثان: إدخال الذاكرة الفردية بالتاريخ العام، بعيداً عن خطابية فجّة في استعادة الماضي والتقاط الراهن. سببٌ ثالث: قوة الحميمية جعلت الصورة أجمل٠


النافذة الخلفية

الخدع السينمائية في السنوات الأولى من السينما
الحلقة الأولى


الى اليوم، معظم أهل الأرض لا يعرفون كيف يستطيعون التمييز بين بيضة مسلوقة وبيضة غير مسلوقة الا بعد كسر البيضة ذاتها. لكن الأمر ممكن ويحتاج الى حيلة ربما أطلعتكم عليها في نهاية المقال إذا لم أنس. ما أقصد قوله أن كل شيء ممكن والحيل ليست من اختصاص السينما بل موجودة في الحياة بدءاً من السراب الذي يتراءى للمرء إذا ما كان يقود سيّارته في الصحراء (او حصانه سابقاً) الى ما يتماثل طبيعياً على الشاشة (في سرعة محددة تبدو عجلات العربة او السيارة كما لو كانت تدور الى الخلف، رغم ذلك السيارة او العربة تمشي الى الأمام)، او مركّبة (كما حال كل فيلم «أڤاتار»)٠
لكن الحال اختلف، سينمائياِ، بحسب المتاح من عمليات الخدع البصرية. لم يختلف كليّاً، فنحن لا زلنا نعمل بمقتضى كتاب من القوانين التي لا غنى عنها. فقط الأدوات تطوّرت ونقلت السينما من مستوى الألعاب السحرية الى ما ما هي عليه الآن٠
أول فيلم روائي في التاريخ دار حول حيلة:
L'arroseur Arrosé   أول فيلم روائي في التاريخ دار حول حيلة. كان عنوانه: ري الحديقة  
فرنسي من انتاج لوميير وغالباً من إخراج أحد الأخوين (النسخة الموجودة لا تقول من هو مخرجها) وهي حيلة بسيطة: في لقطة واحدة لا تتغير ولا تنتقل رجل يسقي حديقة. صبي يتسلل وراءه ويضع قدمه على خرطوم الماء. ينحبس الماء. يضع الرجل وجهه في فوهة الخرطوم ليري السبب. يرفع الصبي قدمه عن الخرطوم. يندفع الماء الى وجه الرجل. ينتبه الرجل الى الحيلة. يقبض على الصبي ويضربه على قفاه٠
أريد أن أضع نفسي مكان من حقق الفيلم لأعرف ما الذي جال بخاطره. في ذلك العام المبكر جدّاً من عمر السينما أحدهم أراد أن يحكي قصّة وقصّة للتسلية لكي يضحك لها الجمهور. وفعل. والأخوين عرضا هذا الفيلم بين الأفلام التي عرضوها في الثامن والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر 1895  ثم بعد حين أحدهما صرّح بأنه لا يتوقع للسينما أن يكون لها مستقبلاً٠
لكن هذا المنحى من البدايات له حديث آخر. الآن أريد أن أدلي بما أعرفه عن فيلم آخر تم عرضه في ذلك العام (قبل عرض لوميير فالأخوين كانا الأولين في ناحية واحدة فقط هي بيع التذاكر للحفلة، لكنهما ليس أول من صنع أفلاماً وليس أوّل من عرض وهذا أيضاً له موضوع مختلف). الفيلم أميركي من تحقيق  الأميركي توماس أديسون بعنوان
The Execution of Mary, Queen of Scots الأميركي توماس أديسون بعنوان
  إعدام ماري، ملكة الأسكتلنديين٠
ففيه مشهد يتم فيه قطع رأس الملكة. او قطع رأس الممثلة التي لعبت دور الملكة. لكن في حين أن الملكة  خسرت رأسها في الثامن من شباط/ فبراير سنة 1587  فإن الممثل الذي لعب شخصية الممثلة في ذلك الفيلم (لسبب أجهله) وأسمه روبرت توماي، بقي حيّاً، ليس بدليل أنه لعب في أفلام أخرى آنذاك، بل هو لم يفعل  حسب مصدرين، بل لأنه لم يكن من المطلوب قتل الممثلين لكي يتم تصوير فيلم حول مقتل الشخصية٠ هذا قد يبدو بدهياً، لكنه ليس كذلك. ليس فقط أن أحداً لم يكن ليضحّي بحياته لكي يموت من أجل أن يتم تصوير لقطة او فيلم، بل في صميم المفارقة كنه السينما التمثيلية بأسرها منذ ذلك الحين وإلى اليوم٠
على الرغم من ذلك، الجمهور صُعق حين رأي الفيلم الذي لم تزد مدّته عن دقيقة تُقاد فيها الملكة الى منصّة الإعدام ويوضع رأسها في نهاية الفتحة المستطيلة حيث سيسقط الفأس ليقطع رأسها. إذ تم قطع الرأس فإن الجمهور فوجيء وحسب  مؤرخين لم يكن واثقاً من أن الأمر تمثيلاً الا بعد التأكيد على ذلك. كل ما فعله مخرج الفيلم ألفرد كلارك (كان من العاملين في مجموعة أديسون وأنجز فيلماً قصيراً (جدّاً) عن اعدام جوان دارك (وبذلك تستطيع أن تقول إنه تخصص ولو لفترة قصيرة) أنه أوقف الكاميرا ووضع دمية مكان الرأس واكمل التصوير فسقط الفأس على رأس الدمية وقطعها. لابد أن شغل الشعر والماكياج على الدمية كان رائعاً لدرجة أنه كان واقعياً٠
أريد أن أبقى في مسألة الخدع الأولى، لكن أين لي أن أرجع الى هذا الموضوع لأقول الملاحظة التالية: في حين أن الأخوين لوميير عملاً -غالباً جدّاً- على الأفلام التي تحمل حدثاً مسجّلاً ، ولذلك سُمّيت بـ
عمل أديسون وشركاه، غالبا جدّاً، على السينما التي تحكي قصّة. أليس هذا مفارقة Actualité
عجيبة؟ لماذا فكّر الأميركيون بالسينما كقصّة والأوروبيّون بالسينما كنقل للواقع؟

ربما نعرف ذلك في الحلقة المقبلة، أما الآن فعودة لموضوع البيضة:  كنت سلقت بيضة وتركتها في البراد لجانب بيضة غير مسلوقة. عدت في اليوم التالي اليها لتأكلها فالتبس عليك الأمر. لا تريد أن تكسر البيضة الخطأ. ماذا تفعل؟ الجواب: البيضة التي إذا ما برمتها كاللولب  دارت حول نفسها جيّداً. البيضة النيّة سوف تميل على جانبها ولن تدور حول نفسها. هذه الحيلة جيّدة إيضاً إذا أردت أن تعرف إذا كانت البيضة التي تسلقها استوت او لا .... يعني أحاول أن أكون مفيداً قدر الإمكان٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular