Feb 23, 2010

Year 3. Issue 490 |الإسلام على شاشة برلين في فيلمين | كيف تم اكتشاف "متروبوليس" الجديد | أوراق ناقد


COVER STORY
يفوز بجوائز البافتا البريطانية  The Hurt Locker

فاز "خزنة الألم" (الصورة)  للمخرجة كاثرين بيغلو بجائزة الأكاديمية البريطانية للفنون السينمائية  ما يساعده على احتمالات فوزه بالأوسكار الأميركي بعد أقل من أسبوعين. المنافسة الصعبة التي خاضها هذا الفيلم الذي تقع أحداثه في حرب العراق ضد فيلم جيمس كاميرون "أڤاتار" لها أيضاً أهميّتها على أساس أن أعضاء الأكاديمية اختاروا في النهاية التصويت لصالح فيلم صغير على فيلم هوليوودي ضخم وكلاهما جيّد٠
لجانب الجائزة المذكورة، نال "خزنة الألم" جوائز في مجالات فنية أخرى: جائزة  أفضل توليف (لبوب موراوسكي وكريس إينيس)، جائزة أفضل تصوير (باري أكرويد)، جائزة  أفضل سيناريو مكتوب خصيصاً (مارك بول)،  جائزة أفضل صوت (راي باكيت، بول أوتوسون، كريغ ستوفر) وبالطبع جائزة  أفضل إخراج لكاثرين بيغلو ما غيرها.  جوائز أخرى
  • A Single Man  أفضل ممثل أول: كولين فيرث
  • An Education: أفضل ممثلة أولى: كاري موليغَن
  • Inglourious Basterds أفضل ممثل مساند: كريستوف وولتز عن
  • Precious  أفضل ممثلة مساندة: مونيك عن
  • Fish Tank  أفضل فيلم بريطاني
  • Up  أفضل أنيماشن

أوراق ناقد | محمد رُضا 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 ما أن حل يوم الأحد حتى كان كاتب هذه الكلمات قد استقل الطائرة الى لندن ومنها الى لوس أنجيليس بعد ساعات قليلة من إعلان النتائج ونشرها على هذا الموقع. لكن السؤال التقليدي حول تقييم هذه الدورة لا ينتمي الى مكان محدد، بل تحمله معك أينما ذهبت ومعه ردّات الفعل المختلفة حياله. غالبية الذين حضروه وجرى سؤالهم وافقوا على أن الدورة كانت جيّدة والأفضل من بين عدّة أعوام. لكن هناك نقاداً آخرين وجدوا أفلام المهرجان بلا بارقة ومجرد جيّدة لمعتدلة٠
ربما تكمن  الحقيقة في الرأيين معاً. الدورة الحالية واحدة من أفضل دورات برلين في سنواته الست الأخيرة على الأقل، كما أن الدورة الحالية لم تشهد العمل الكثير من الأعمال المبهرة التي  يمكن لها أن تأخذ بأنفاس المشاهدين،  ويجعل لجنة التحكيم تقرر من لحظة عرضه أنه من يجب منحه جائزتها. وها هو رئيسها المخرج ڤرنر هرتزوغ يدخل كل يوم القاعة الرئيسية ثلاث مرّات لمشاهدة الأفلام ويراقب بعيني الناقد والمخرج ورئيس اللجنة معاً. يتساءل المرء ما الذي يفكّر به حين يرى أعمال سواه وهو المخرج الذي أٌنتقدت الكثير من أفلامه وواجه ذات مرّة، وفي برلين نفسها  غضب المشاهدين وعلى حد تعبيره "تلقيت نحو مئة بصقة على وجهي"٠
 لكن هذا لا يعني بأن الدورة خلت تماماً من هذه الأفلام. الفيلم الرابح للجائزة الذهبية، التركي "عسل" هو أحد هذه الأفلام كذلك الفيلم الروسي
How I Ended This Summer | كيف أنهيت هذا الصيف
لأليكساي بوبوغربسكي. لكن يعني أنها لم تكن متجانسة على صعيد إنجازاتها الفنية، وهذا طبيعي ومتكرر الحدوث لا في برلين وحدها بل في المهرجانات جميعاً.  لكن مراجعة  الأيام الماضية من المهرجان تُفيد في اكتشاف ناحية لعلّها هي التي تجعل المهرجان يبدو كما لو كان حجراً ضخماً لا يتحرّك الى الأمام على الرغم من وجود أفلام جيّدة٠
هذه الناحية هي أن المهرجان لا يصنع إثارة خاصّة من نوع تلك التي يصنعها مهرجان "كان" السينمائي مثلاً. في ذلك المهرجان الفرنسي، فإن وجود الزخم الكبير من نجوم السينما يوجّه المناسبة صوب احتلال موقعها كحدث ساطع. البساط الأحمر الممتد تحت سماء غالباً زرقاء في جو لطيف على الدوام. المائتي متر من الساحل المكتظ المليئة بالمقاهي والمطاعم والليالي المليئة بالحفلات الساهرة كل ذلك يجعل من "كان" عيداً حافلاً ناجحاً بحد ذاته حتى ولو كان مستوى أفلامه أقل من مستوى أفلام برلين٠
 برلين في المناسبة لا يستطيع أن يحظى بهذه اللمسات الآسرة: هذا العام توالى هبوط الثلج لخمسة أيام أولى، ثم أصبح السير فوق الأرصفة خطراً على الصحة العامّة بسبب احتمال الإنزلاق على الجليد. البساط الأحمر هو أصغر  وليس من مدارج عريضة يصعدها الممثلون بل مساحة مباشرة أمام باب الصالة يدلف إليها النجوم سريعاً. الى ذلك فإن النجوم ليسوا من اولئك الذين يقفز المصوّرون فوق بعضهم البعض محاولين التقاط الصور الناجحة. والمؤتمرات الصحافية مكان للنوم٠
العروض الموازية التي شهدت أعداداً كبيرة من الأفلام والعديد منها مهم وجيّد، تبقى نائية عن اهتمام الإعلام رغم أن موقعها الجغرافي ليس أكثر من انتقال من رصيف الى آخر. لذلك كله، يبدو برلين بحاجة الى إعادة ترتيب يأخذ بعين الإعتبار تحريكه من الجمود الذي لا تفرضه الأفلام ولا ردّات الفعل عليها، بل الواجهة الجاذبة بحد ذاتها خصوصاً وأن العديدين يتساءلون عما إذا كان هذا المهرجان لا زال محتفظاً بهويّته الثقافية وإذا كان فما هي ملامحها٠
How I Ended My Summer  من الفيلم الروسي: كيف أنجزت صيفي

شاهدت ثمانية عشر فيلماً من أفلام المسابقة (أي جميعها باسثتناء فيلمين) وإثني عشر فيلماً خارجها وكتبت عن عدد من هذه الأفلام لكن القسم الأكبر منها سيُنشر تباعاً في مجلة "فيلم رديدر" إن شاء الله. هنا القائمة الكاملة لما شاهده الناقد في هذا المهرجان علماً بأن الأفلام الملوّنة بالأزرق هي أفلام مسابقة٠

1. Shutter Island | Martin Scorsese (USA)  ****
2. Honey/ Bal  | Semih Kaplanoglu (Turkey)  ****
3. Metropolis |Fritz Lang (Germany) ****
4. How I Ended This Summer (Russia) ****
5. Submarino| Thomas Vinterberg (Denmark) ***1/2
6. About Her Brother | Yuji Yamada (Japan) ***1/2
7. L'Illusiniste | Sylvain Chomet (France) ***
8. Missing Man| Anna Fenechenko (Russia) ***
9. Winter Bone | Debra Granik (US) ***
10. When We Leave| Feo Aladag, Zuli Aladag (Germany) ***
11. Apart Together/ Tuan Yuan| Wang Quan'an (China) ***
12. Kanikosen |Sabu (Japan) ***
13. Shekarchi/ Hunter| Rafi Pitts (Iran/ Germany) ***
14. On the Path | Jasmila Zbanic (Bosnia- Hezegovina/ Croatia/Austria/ Germany) **1/2
15. The Robber| Benjamin Helsenberg (Germany) **1/2
16. Shahada | Burhan Qurbani **1/2
17. A Somewhat Gentle Man (Norway) **1/2
18. Red Hill |Patrick Hughs (Australia) **1/2
19. The Ghost Writer | Roman Polanski (France/ Germany) **1/2
 20. Caterpillar | Koji Wakamatsu (Japan) **1/2
21. My Name is Khan |Karan Johar (India) **
22. Puzzle| Natalia Smirnoff (Argentina/ France) **
23. Jew Suss- Rise and Fall | Oskar Roehler (Germany/ Austria) **
24. A  Woman, A Gun And A Noodle Sop | Zhang Yimou (China) **1/2
26. **  إبن بابل | محمد الدرّاجي (فرنسا/ هولندا/ بريطانيا/ الإمارات)٠
 27. Mammuth |Benoit Delepine, gustave de Kervern (France) **
28. Greenberg | Noeh  Baumback (US) *1/2
29. Please Give |Nicole Hlofcener (US) *1/2
30. The Kids Are All Right| Lisa Cholodenko (US) *1/2

بالإضافة الى ثلاثة أفلام شوهدت في مهرجان سندانس وعرضت في برلين شاهدت وهي
The Killer Inside Me | Michael Winterbottom (US) **1/2
Howl |Rob Epstein, Jeffrey Friedman (US) **
Exit Through the Gift Shop | Bansky (UK) **

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المزيد عن  "أبن بابل": الرأي ولا الرأي الآخر


نقدي لفيلم "أبن بابل" (التزم الآن بالعنوان المكتوب حيث الهمزة فوق الألف وليس تحته فقانونياً لا يوجد فيلم إسمه "إبن بابل") جلب لي عدداً من التعليقات التي كانت كلها، والحمد لله، معادية لما كتبته. لم أتلق منها أي رسالة على هذا الموقع، لكنها ذهبت جميعاً الى موقع جريدة "الشرق الأوسط" حيث كتبت نقدي هناك قبل 24 ساعة من نشره هنا٠
لا أحد من المعلّقين شاهد الفيلم ولا أحد يدّعي إنه شاهده لكن ذلك لا يمنعه من إبداء رأيه ولو أن بعضهم يعترض على إبداء رأيي. الإفتتاحية كانت رسالة الأخ قصي الأنصاري التي نشرتها في العدد 488  لجانب رسالة وصلت الى هذا الموقع وغفلت عن تذكير صاحبها أنه حين دخول "لم" و"لن" الجازمتان فإن الكلمة التي تتبعها إذا ما كانت بألف مقصورة مثل "ترى" تصبح "ترَ" كما  لم تر. أقول ذلك حتى أجنّب بعض من قد يعتقد أن "التصويب" كان في مكانه٠
طبعاً، ولا واحد من تلك الرسائل اعترفت أن "أبن بابل" خطأ لأنه في أيامنا هذه تجاوز خطأ صار فضيلة وليس الإعتراف به. يا يعيش العقل العربي في القرن الواحد والعشرين٠
لن أنشر كل التعليقات الواردة لأن عدداً منها هو تكرار لعدد آخر لكن سأختا بعضها لتوسيع حلقة النقاش داعياً من شاهد الفيلم فعلاً الى بحثه وطرحه على هذه الصفحات إذا أراد لأن رأي الناقد(كأي رأي آخر)  ليس منزلاً ولا قيمة له إذا لم يكن مبنياً على المعرفة. فقط أود  التذكير  هنا بأن أخطاء القواعد والتعبير ليست من عندي٠
"العراقي" يكتب معتبراً أنني أصبحت مؤيداً لحزب البعث: "محمد رضا كم كان كلامك يحمل شيء كبير بل تدفق حزب البعث المنحل هذا اسلوب بعث ما بعد الحرب محاربت كل النجاحات العراقية تصيب منظومة البعث الفاشي وتضهر حقائق وعفونية تلك المرحلة مرحلة الزيتوني والقائد الضرورة "٠
طبعاً لا يهم أنه لا علاقة لي مطلقاً بأي حزب حاكم او محكوم في أي بلد عربي كان او غير عربي- لكن لا يمكن معارضة فيلم الا واتهمك أحد بأنك من أشد المعارضين لكل شيء٠
ويعّلق الأخ عماد الركابي من بريطانيا على مسألة بكاء بعض المشاهدين الألمان في الفيلم معتبراً أنني من الأخوة العرب الذين يعتبرون "المقابر الجماعية" تحتوي على مجرّد حشرات. يقول: "بالطبع فأن الغرب عندما يكتشف من خلال هذه الافلام بأن صدام لم يترك من الشعب احداً الا اصابه بأذى ويدرك حجم المأساة الناتجة عن اعمال صدام والحرب التي ابتلي بها العراق بسببه... يبكي ويقدر الجهد. اما اخواننا العرب فيعتبرون المقابر الجماعية تحتوي على مجرد حشرات وليس بشر مثلهم...والحروب التي مررنا بها مسؤوليتنا ونحن نستحق كل ما يصيبنا... بالطبع انت تنظر بسطحية الى عمل المخرج المبدع محمد الدراجي ولا تستطيع ان تفهم كيف يصل بأول عملين له الى العالم قبل ان يصل الى العرب...هل تعلم انهم يقاطعون هذه الافلام في مهرجاناتهم السينمائية لانها لا تنطبق مع مواصفاتهم المتزلفة...ولا اقول إلا ما قال ابو المثل... اليدري يدري والما يدري قضبة عدس"٠
لكن مستر عماد، وصل الفيلم الى العالم العربي قبل وصوله الى الغرب إذ عرض  "أحلام" في مهرجاني دبي والقاهرة (من بين مهرجانات أخرى) كما تم عرض "أبن بابل" في مهرجان "الشرق الأوسط" في أبو ظبي. كما أن مقالتي لا علاقة لها بما فعله العهد السابق من جرم في حق العراقيين، بل لها علاقة بفيلم يفشل في إظهار ما فعله العهد السابق من جرم في حق العراقيين، الا إذا كنّا نعتبر ثلاث حُفر صغيرة قام بحفرها عمّال الفيلم ونشر بعض العظام والجماجم تعبيراً شاملاً عن تلك الجريمة. سيكون من الأفضل أن ترى الفيلم قبل أن تناقشه ... أليس كذلك؟
ويعتبر د. مكي من السويد، أن النقد ليس بالضرورة كتابة سلبية. أمر لم أكن أعرفه لأني يبدو هاجمت كل فيلم كتبت عنه من أكثر من ثلاثين سنة! يقول: " كنت أتمنى على صاحب المقال أن يعرف أن النقد ليس بالضرورة أن يكون سلباً. النقد ممكن تكون ايجابيا وقد قرأت الكثير عما كتب عن فلم احلام وابن العراق بالايجاب للكثير من المبدعين والعرفين بلغه السينما ولكني اظن انك ياصاحب المقال لم يروق لك ان يبكي الالمان على جرائم صدام وعلى الظلم الغرب العلماني او العقلاني ولكني اقول ان مجرد النيه الطيبه والموضوع الجيد والحيف الذي وقع على العراقيين او انك تستاء من عراقي بقدم فلم يبكي ناهيك عن الاخراج الجيد للفلم يكفي وارجو ان نشجع كل عمل جيد وشريف وجدي وان نرفع من همم اخوننا العراقيين لا ان نثبط عزائمهم ونسيئ اليهم من حيث نعلم او لا نعلم وشكراً"٠
  إذاً يا دكتور مكّي علينا أن نبكي لكي نتعلّم؟ او نبكي لكي نقدّر؟ او نبكي لكي نرفع الهمم؟ هذا ما نحن شطّار فيه لم نفعل شيئاً سوى البكاء والتباكي على أطلال وأحداث وضحايا... والآن نريد من العالم أن يبكي معنا  كما لو أنه لو فعل ذلك لشعرنا -أخيراً- بالنصر. هذا في الوقت الذي لا يبكي فيه العدو الصهيوني وهو يقتل الفلسطينيين في كل يوم او ينهب ممتلكاتهم. ربما الأولى  أن نعلن يوم البكاء ونخرج الى شوارع المدن العربية نبكي فيه فلربما تعاطف معنا الحكّام والمسؤولين أيضا وبكوا وتغيّر الوضع العربي إنسانياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً الى الأبد٠ يللا ... هيا بنا!٠
ويلفت ابراهيم عبد الملك (الذي بعث برسالته مرّتين واحدة من السويد والأخرى من فرنسا) نظري الى أن "أبن بابل" فاز بجائزتين من مهرجان برلين ويجد أن في ذلك رد على عمليّتي المغرضة حيال الفيلم . والفيلم فاز فعلاً بجائزتين قبل نهاية المهرجان: جائزة مؤسسة "أمنيستي" لحقوق الإنسان وجائزة بإسم "جائزة السلام" من جمعيات يهمّها من السينما اختيار الأفلام التي تعبّر عن قضاياها والفيلم يستحق مثل هذه الرعاية بالفعل ومبروك على مخرجه. لكنك تكتب كما لو كان ربح جائزة رئيسية وهو لم يفعل لأنه لم يشترك في المسابقة (ولو اشترك وربح لما غيّرت رأيي النقدي فيه)٠ والجائزتان من بين نحو خمسة عشر جائزة لا علاقة للجنة التحكيم الرسمية بها تُمنح على الهامش. هذه حقيقة وليست عواطف يا أخ ابراهيم٠


الإسلام على شاشة برلين في "شهادة" و"على الطريق"٠

On the Path |  على الطريق

جاء فيلم المخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش "على الطريق" ليوسّع من إطار طرح الإسلام كحركة سياسية وكثقافة دينية ينظر اليها الأوروبيين نظرة جادّة لاضطرارها التعامل مع مقتضياتها وطروحاتها المختلفة.  إنه "على الطريق" الذي يتحدّث عن زوجين يعملان في حقلين متقاربين: هو من برج المراقبة في المطار وهي كمضيفة طيران. في أحد الأيام يكتشف أمر إدمانه الشرب فيطرد من وظيفته. ذلك لا يؤثر على حبّ كل منهما للاخر. لكن بعد أيام قليلة، حين يلتقي الزوج غير المتديّن بصديق قديم له يبدأ تغيّر الأول وتحوّله الى شخص آخر جديد على زوجته. يدبّر له صديقه ذاك عملاً في معسكر من الخيم المنصوبة على ساحل بحيرة للمسلمين النازحين بعيداً عن المدينة، وخلال وجوده ذاك يبدأ بممارسة الصلاة والإستماع الى الشيوخ ووضع نفسه "على الطريق المستقيم" كما يُقصد بالعنوان. كل ذلك تستقبله الزوجة  (وهي مسلمة) برفض شديد كونها لم تكن تتوقّع من زوجها هذه النقلة الى الوراء- بمفهومها٠
في حين أن الفيلم لا يقصد إدانة طرف، الا أن المخرجة تقف، بوضوح، مع بطلته في معالجتها لوضع اجتماعي صعب. هذا الوقوف ليس إنحيازاً أعمى في الوقت ذاته، فالمخرجة تنتقد تصرّفات نساء ورجال الملاهي الليلية وحالات الشرب والمنحى الذي يبدو أن قسماً من البوسنيين ماضون فيه، لكنها في ذات الوقت لا تسعى الى اتخاذ موقف مع او ضد من الزوج بل تترك للعقل الغربي الحكم عليه. من دون مبررات سياسية واقتصادية كافية فإن هذا الحكم ليس متعاطفاً مع الزوج خصوصاً حين  يخفق في دعم حبّه لزوجته بأي تنازل نعلم (كمسلمين) إنه لا يقدر عليه٠
في وسط هذا التطوّر بين زوجين أحدهما يفضّل الحفاظ على الحياة المعصرنة والآخر يود تطبيق الحياة الإسلامية تمزج المخرجة، بسلاسة، موضوع الإنجاب. كونهما لم ينجبا بعد يساعدها على إعادة التفكير في إذا ما كانت تريد الإنجاب منه في حين أنه يرى أن عدم الإنجاب نعمة ربّانية لأن زواجهما ليس شرعياً بل عرفياً وهو يدعوها لزواج جديد٠
ينتهي الفيلم وهي تتّجه الى الطائرة في رحلة جديدة، لكنها تقف لتنظر الى شرفة المطار حيث اعتاد زوجها الوقوف هناك ومراقبتها والتلويح لها. لا تقطع المخرجة الى الشرفة هذه المرّة فلا نعلم سبب تلك الإبتسامة الصغيرة التي ارتسمت على محياها: هل لأنها وجدت طريقاً ثالثاً يجمعهما او لأنها استطاعت الإنفصال عنه والحفاظ على طريقتها في الحياة وبالتالي تلك النظرة ليست أكثر من وداع لمرحلة سابقة٠

خطوط متشابكة
قبل عرض هذا الفيلم شاهدنا فيلماً ألمانياً بعنوان "شهادة" قام به برهان قرباني وهو مخرج أفغاني الولادة يعيش ويعمل في برلين وفيلمه هذا حول شخصيات مسلمة تعيش واقعاً جديداً عليها في الوقت الذي يساعد فيه هذا الواقع المخرج استعراض لا حالاتها فقط بل حالة المجتمع والبيئة على نحو عريض٠

Shahada | شهادة 

الفيلم مُعالج بأسلوب عرض شخصيات مختلفة كل إثنين منها يشكّلان حكاية ذات دلالة. خيوط تتمدّد في إتجاه واحد وبعضها قد يتقاطع مع البعض الآخر من دون أن يندمج فيه٠
هناك مريم (مريم زاري) الفتاة المتحررة التي تقوم بطرح نفسها حين تدرك أنها حامل حديثاً. الشاب الذي حملت منه يحاول استكمال العلاقة بينهما، لكن محاولته تلك تأتي بعد أن أدّت الحادثة الى مراجعتها نفسها لتجد أن ما مرّت به من نزيف هدّد حياتها بعد ذلك، هو عقاب إلهي على خطيئتها. من التحرر الى الإيمان والمغالاة فيه علما بأن والدها هو إمام المسجد وهو من المعتدلين في فهمه وأحكامه. الفيلم من خلال الدخول والخروج على عالمها يطرح ذات المسائل المطروحة في "على الطريق"  بالنسبة للحرية الجنسية ومسألة العلاقات القائمة بين الجنسين في مجتمع غربي التكوين٠
القصّة الثانية تتعامل وسامي، شاب أفريقي مسلم يعيش مع والدته في منزلهما الصغير ويعمل في مصنع وأحد رفاق العمل ألماني لواطي. الأفريقي يجد نفسه مشدوداً الى ذلك الألماني الذي لا يتوانى عن إظهار اهتمامه بالإسلام والذهاب لسماع الإمام (والد البنت) في أحاديثه. لكن الإحتكاك الجنسي يقع والشاب الأفريقي يعاني منه كفعل خطيئة ويجهد في سبيل عدم الإنجراف فيه وينجح في ذلك بعد مغريات ناتجة عن إلحاح الألماني وما يحدثه فعل كهذا من اضطراب في الذات الداخلية ولهفة للعودة اليه٠
القصّة الثالثة تتمحور حول الشرطي التركي اسماعيل الذي كان قبل سنوات ما أطلق النار على إبنة  إمرأة بوسنية أسمها ليلى بالخطأ فقتلها. إنه متزوّج من ألمانية ولديه ولد، لكن حين يلتقي بليلى في مداهمة لذات المصنع الذي يعمل فيه سامي، تزوره الأفكار ومشاعر تأنيب الضمير وينحو لعلاقة عاطفية يدخل منها باحثاً عن غفران ليلى له وهي تفعل ذلك ويعود بعد ذلك الى زوجته التي لا تزال تنتظر ذلك منه٠
دخول وخروج الحكايات (مشهداً من كل حكاية لبضع دقائق ثم مشهد من حكاية أخرى وهكذا) سلس  ولا مشاكل مهمّة فيه. لكن المخرج قسّم فيلمه، علاوة على ذلك، الى فصول لا داعي لها. الفصول يمكن أن تساعد لو اختار تناول كل حكاية على حدة، لكن اختياره الصائب في تداولها على النحو الذي قام بها يلغي الحاجة لمنهج الفصول المتوالية٠
كلا الفيلمان متساويان في القيمة الفنيّة كما في نطاق الضعف. "شهادة" يعاني من طموح الفيلم الأول ومن اختياره جعل المقدّمة واضحة والخلفية مبهمة في عدد من المشاهد، او جعل المقدّمة والخلفية خارج البؤرة وبالتالي غير واضحتين في مشاهد أخرى. على قلّتها يترك ذلك انزعاجاً عند المشاهد خصوصاً وأن لا تبريرا فنياً له. لكن ياسميلا زبانيتش لا تُساند موضوعها ببطانة فنية  بل تكتفي بسرد يستعير لقطاته من الممارس في الأعمال التلفزيونية وبالتالي يضع الفيلم ضمن التأثير العام لها. لا لمعات فنية بل مواقف مثيرة للإهتمام مدروسة اللقطات من دون أن يصل شيء منها او من المعالجة ككل الى مستوى الإبداع الفعلي٠


تحري الأفلام | كيف تم اكتشاف نسخة "متروبوليس" كاملة  
وعرضها بعد 83 سنة على صنع الفيلم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العرض الخاص لفيلم الألماني فريتز لانغ [1890-1976] الذي أقيم في اليوم الثاني من دورة مهرجان برلين الستين الأخيرة جذب اليه المهتمّين المتيّمين بمعرفة ما الذي يصنع تاريخ السينما على النحو الذي نعيشه اليوم. طبعاً هذه المعرفة الشاملة،   تمر من خلال معرفة المخرج وكيف نشأ أسلوبه وتطوّر ومعرفة الفيلم الذي كان أضخم انتاجات السينما الألمانية قبل الحرب ولسنوات عدّة بعد الحرب أيضاً. شاهدت الفيلم لأول مرّة بنسخة كانت متوفّرة في عرض إحتفائي آخر أُقيم للفيلم في الثمانينات في مهرجان ڤنيسيا. الفارق بين النسخة المعروضة حديثاً وتلك التي سبق مشاهدتها 29 دقائق ثمينة كانت مفقودة وتم اكتشافها في متحف في ريو دجينيرو قبل عامين. بذلك فيلم لانغ الذي تكلّف أكثر بقليل من مليون دولار آنذاك (رقم مرتفع جداً آنذاك بالنسبة لفيلم أوروبي). لكن هناك نسخاً كثيرة عرضت قبل النسخة الإيطالية التي اعتبرت الأكثر تكاملاً  حينها، فهناك نسخة من 87 دقيقة تم تداولها في الستينات والسبعينات (لم أشاهدها) بينما تصل النسخة التي عرضها مهرجان برلين الى 147 دقيقة (ساعتان وخمس وأربعين دقيقة)٠
 تكشف مجلة "ذ هوليوود ريبورتر" عن أن الفضل في إكتشاف وجود نسخة كاملة من ذلك الفيلم يعود الى مدير قسم السينما في متحف أميركا اللاتينية الأرجنتيني فرناندو بينا. قبل أعوام كان يجالس مدير نادي للسينما وأخبره ذاك أنه شاهد قبل سنوات نسخة من "متروبوليس" وأنها كانت طويلة جدّاً. العبارة الأخيرة هي التي استوقفت السيد بينا، لأنه كان يعتقد أن الفيلم لم يزد عن الساعتين. كان يعلم أن النسخة الأصلية كانت من نحو ساعتين ونصف لكنه كان يعتقد أيضاً أن النسخة الأصلية كانت مفقودة من حينها٠
هذا القول يتطابق مع الواقع. في الحقيقة شهد فيلم فريتز لانغ عرضه الأول سنة 1927 بنسخته الكاملة التي اختفت بعد ذلك بسبب الإخفاق المادي الكبير الذي حاق بالفيلم. في محاولة لجذب الجمهور الذي
Universum Film  تذمّر من طول مدّة العرض. شركة الإنتاج
تم قطع وحذف مشاهد عديدة ما نتج عنه نسخاً بأطوال مختلفة. هذا حدث بعد أن كانت باراماونت الأميركية اشترت حقوق عرض الفيلم في أميركا وحين أدركت أن الجمهور سوف لن يقبل على الفيلم بسبب طوله، قامت بقطع مشاهد كاملة منه حاذفة عدداً من الأحداث والشخصيات ما شجّع الشركة الألمانية على فعل الشيء نفسه والمرء يستطيع أن يتخيّل وقع ذلك على المخرج ولو أن لا معلومات عندي حول كيف واجه الأمر وما كانت ردّة فعله٠
خطر لي حين ربطت التواريخ وطول عروض الأفلام حينها أن السينما عرفت أفلاماً طويلة منذ منتصف العقد الأول من القرن العشرين. ما الذي يجعل فيلم ديفيد و. غريفيث  "مولد أمّة" الذي أٌنتج سنة  1915 بمدة تصل الى 165 دقيقة، يحقق نجاحاً بين الجمهور آنذاك، بينما فيلم لانغ الأقل بنصف ساعة لا يحقق ذات النجاح (ولا يُمنح الفرصة لذلك أساساً) وكلاهما صامت؟
يفتح هذا الحديث الباب على موضوع آخر: متى انتقلت السينما الصامتة من الحكايات القصيرة الى الطويلة؟ للأسف سيأخذنا الحديث الى غير وجهة وأعتقد أنني سأعود إليه في وقت آخر. لكن السبب يعود، كما أكاد أجزم، الى أن الفيلم الألماني ووجه بعاملين غير مساعدين: إنه ألماني، وهذا بدرجة أقل كونه صامت على أي حال، والثاني، أنه فانتازي مستقبلي (تقع أحداثه في القرن الواحد والعشرين الذي نعيش فيه اليوم)٠
فرناندو بينا أراد تبيان الحقيقة: هل هناك نسخة كاملة من هذا الفيلم او أنها إشاعة؟ هل كانت موجودة  في مطلع التسعينات فعلاً، وإذا كانت هل سيجدها؟ للبحث عن إجابة أمضى الرجل خمسة عشر عاماً في التحقيق وتبيّن له أنه في العام 1928 وصلت نسخة كاملة الى الأرجنتين عن طريق أحد الموزّعين لكنها حطّت، لسبب ما، بين يدي ناقد سينمائي إسمه مانويل رودريغيز وهذا استحوذ عليها وأبقاها في ملكيّته الى أن باعها للمتحف الوطني لاحقاً. بينا لم يستطع التقدّم في تحقيقاته لأن المتحف الوطني لم يسمح له بالكشف عن تاريخه ولو بداعي البحث. هذا المنع استمر لسنوات الى أن استلمت زوجته مركزاً إدارياً كبيراً في ذات المتحف وساعدته على فتح الأبواب المغلقة٠
حصل مدير الأرشيف في السينماتيك الألماني مارتن كوربر على نسخة من المشاهد المفقودة وتوجّه بها الى الأرشيف. الغاية بالطبع إعادتها الى الفيلم المبتور، لكن لكي يتم ذلك كان على كوربر، الذي رمم سابقاً نسخة 2001 من الفيلم ذاته، مراجعة السيناريو، الذي وضعته ثيا ڤون هاربو التي لاحقاً ما كتبت فيلم لانغ الآخر
ونسخته الكاملة لازالت موجودة، كذلك تمّت الإستعانة بموسيقا الفيلم (وضعهاغوتفرايد هوبرتز وآبل (كورزنيوڤسكي) لأن مؤلّفي الموسيقا في السينما الصامتة كانوا يستعينون بملاحظات منقولة عن السيناريو لكي تساعدهم في إتقان عملهم  فيدوّنون على أوراقهم موقع كل مقطوعة بالنسبة للفيلم. بعد ذلك كانت هناك مهمّة ترميم النسخة الكاملة بعدما ابتاعها الألمان من الأرجنتينيين. النسخة كانت بمقاس 16 مم منقولة عن نسخة أصلية بـ 35 مم (او تحديداً 32 مم، وهو مقاس متقارب كان مستخدماً في ذلك الحين) وكانت متآكلة ما تطلّب أكثر من عملية تنظيف تُصاحب عادة مثل هذه النسخ القديمة. هذا ما أمضى عليه خبراء من شركة أري (المشهورة في عالم التقنيات) سنوات من العمل لإصلاح النسخة بالدجيتال بمساعدة من شركة أخرى أسمها ألفا وأوميغا٠

نقد الفيلم قريباً في "فيلم ريدر"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular