Feb 25, 2010

Year 3. Issue 491| شكرا كلمني | الصياد للإيراني رفيع بيتز | لوريل وهاردي

تحديث:  1/3/2010



كل يوم عيد في نيويورك
فيلم ديما الحر "كل يوم عيد" يعرض حالياً في مهرجان "أفلام جديدة/ مخرجون جدد" في نيويورك، وهو مهرجان دولي مخصص للأعمال الأولى لمخرجيها، كما حال هذا الفيلم اللبناني/ الفرنسي ومخرجته،. شوهد الفيلم في مهرجان دبي السينمائي الدولي المنصرم ويتحدّث عن ثلاث نساء (هيام عبّاس، منال خضر ورجا حيدر) في رحلة لزيارة أزواجهن في سجن خارج المدينة حين تتعرّض رحلتهن الى أحداث أريد بها تصوير الخاص والعام اللبناني في حقبة من المفترض أن تكون حقبة الحرب الأهلية في لبنان٠

في هذا العدد
أوراق ناقد يتناول حال النقد عندنا وعندهم، وحديث مع نبيهة لطفي وعن عزم  صديق عراقي إصدار مجلة سينما رغم الظروف، وبل بسببها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد يوسف يتناول قضيتي النقد وسياسة السينما من خلال حديثه عن فيلم خالد يوسف الجديد "شكراً كلّمني"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان يجد في فيلم "الصياد" للإيراني رفيع بيتز طروحات تتناول الوضع الحالي في إيران  وتلقي ضوءاً على لماذا أنجز المخرج فيلمه هذا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس كل ثنائي ثنائي، خصوصاً في الكوميديا. لكن من هو الثنائي التام؟ لوريل وهاردي أولاً ولوريل وهاردي أخيرا ... يؤكد محمد رُضا 

أوراق ناقد | محمد رُضا

  في إثنا عشر شهراً أنجز الناقد الأميركي روجر إيبرت ما لم ينجزه ناقد آخر: 92 مليون زائر لموقعه
rogerebert.com
يقول أشياءاً كثيرة عنا نحن كما عنه هو. من ناحيته أمضى هذا الناقد عقود حياته في عمل دؤوب وناجح لم يشغله عنه شيء. قدّم برامج تلفزيونية وكتب ألوف المقالات ولا يزال رغم عدم قدرته على النطق بسبب عملية سرطانية أجراها قبل عامين. اشتغل في مهنة درّت عليه ملايين الدولارات (مبروك. لا حسد هنا) وإعجاب وثقة الملايين من القراء٠
بالنسبة لنا نحن؟ لا ... شكراً.... نحن لسنا في وارد تشغيل الهم الثقافي ولا في هم السينما أساساً- طبعاً بإستثناء ألوف قليلة. الكلمة الأولى في قرآننا الكريم: أقرأ ونحن من بين آخر من يقرأ، بعدنا، بين الشعوب، الأفارقة ربما وقبائل الأمازون وسكّان ألاسكا وجزر الواق الواق٠
يقول لنا هذا الواقع أن تخلّفنا شامل: نعم هناك كتّاب ونقاد في السينما وفي شتّى صنوف الثقافة جادّون ويجدون مساحات كبيرة على الإنترنت وفي الصحف، لكن الأرضية هشّة. العالم العربي يقوم ويقعد لمباراة كرة قدم ولا يحفل -مثلاً- بمن يمثّله في برلين او في "كان" او إذا ما كان المخرج علي بدرخان وصل الى رئاسة نقابة الفنانين او لم يصل. او إذا ما كان هناك برنامج سينمائي واحد (واحد فقط) يستحق المشاهدة على قنوات التلفزيون المنتشرة من القاهرة شرقاً وغرباً٠
كان يمكن لناقد واحد مثلاً أن يصل  الى بعض ما وصل اليه روجر إيبرت من إنتشار. إيبرت ليس أفضل من بعض نقادنا رأياً وحكماً، لكن لديه ما لدى الغرب عموماً: تاريخ محافظ عليه، دور نشر نشطة، محطات تلفزيونية تعرف الفرق بين الفول والحصى وجمهور غفير معظمه يثق بالناقد الذي اختاره كوسيلة يطل منها على السينما٠
إثنان وتسعون مليون زائر في السنة ومجلة إيسكواير تنشر له مقابلة كبيرة تضيف إليه المزيد من الإهتمام والقرّاء.  صفحة موقعه الأخيرة تحمل 923 تعليقاً على المقابلة التي أجرتها المجلة وأحدها يعبّر تماماً عن حالة التحام القاريء بناقده : "ربما فقدت صوتك، لكني أسمعه من خلال كتاباتك:٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في برلين التقي بالمخرجة السيّدة نبيهة لطفي وأجلس وإياها. لم أكن رأيتها منذ أن كنا معاً عضوان في لجنة تحكيم إتحاد النقاد الدوليين في ذات المهرجان قبل أربع او خمس سنوات٠ تسألني وأسألها ثم أقول لها: "شاهدتك في فيلم ابراهيم البطوط الأخير «عين شمس»- كيف حدث ذلك؟"٠
ابراهيم اتصل بي وسألني إذا كنت أمانع في تمثيل مشهدين ووافقت. أعرف ابراهيم وبحب شغله وتركني أعمل اللي عايزاه ... طبعاً بحدود"٠
ثم تسألني: "هل شاهدت رسائل من البحر"؟
لا ليس بعد٠
تقول: "مثلّت فيه أيضاً ستّة مشاهد. كيف تقول لا لمخرج مثل داوود عبد السيد؟ مخرج رائع ومفكّر. عاوزك تشوف فيلمو في أقرب مناسبة"٠
المناسبة كانت متاحة حين عرضته شركة "العربية" التي تقوم بتوزيع الفيلم من دون محاولة التواصل مع النقاد والصحافيين العرب الموجودين في كان، وأنا لم أعرف بعرضه الا من خلال إعلان صغير موجّه للموزّعين نشر في مجلة "ذ هوليوود ريبورتر" ولم يسترعي انتباهي الا بعد فوات الأوان٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاهدت والسيدة نبيهة لطفي الفيلم الفرنسي "ماموث" لكن قبل العرض أخبرتني قصّة حزينة. يذكر القاريء العزيز أنني دائماً ما كنت أتساءل (ولا زلت) عمّا حل بالمخرجين العرب من مصر او من سواها الذين حققوا أفلاماً رائعة في السبعينات والثمانينات ثم اختفوا. كثيرون منهم لا زالوا على قيد الحياة إذا ما كانت الحياة استنشاق الأكسجين، لكنهم غير فاعلين مطلقاً على صعيد النشاط في المهنة التي اعتنقوها. وذكرت فيما مضى إسم سعيد مرزوق صاحب "زوجتي والكلب" و"الخوف" و"أريد حلاً". هذا مخرج بدأ بداية رائعة وقبل انسحابه الغريب ضعفت شوكته الفنية حين حاول الجمع بين الفن والتجارة٠ المهم أن ماضيه يجوز ضمّه الي أصحاب المواهب المهمّة التي غابت. سألت نبيهة لطفي عنه فأخبرتني التالي: "كنت أحاول الإتصال بنادية لطفي قبل أسابيع ولم أستطع أن أحظى بها. ثم تحدّثت مع صديقة تعرفنا نحن الأثنين وأخبرتني أن نادية مشغولة بتأمين معونة حكومية لنقل سعيد مرزوق للعلاج في ألمانيا٠ سعيد مرزوق مصاب بالسكّري وسبق أن انتشر في أصابع قدميه وتم قطعها، لكنه امتد الآن الى ساقه. واعتقد أن نادية استطاعت في النهاية تأمين المبلغ اللازم لسفر سعيد مرزوق الى ألمانيا لأني علمت أنه دخل مستشفى في ميونخ وأن عملية قطع ساقه جرت وربما عاد الآن الى مصر"٠
سعيد مرزوق يصلح مادّة لفيلم ومن مشاكلنا أيضاً أن أحداً لا يعبأ لا لتشغيله او لتحريك عجلة المخرجين الكبار الا فيما ندر (كم سنة مرّت قبل أن ينجز داوود عبد السيد فيلمه الجديد؟)  ولا لتفعيل هذا الحديث والتقاط حياة مخرجي السينما العربية وفنانيها الكبار على أفلام وثائقية في سلسلة تهدف الى وضعهم في الصورة الصحيحة٠
مفيش فلوس٠ لكن توجد وزارات ثقافية في كل من مصر وسوريا ولبنان وتونس على الأقل. الا تستطيع هذه الوزارات التفكير في شيء ايجابي يحرّكها هي من جمودها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
     
التقيت أيضاً بدوروثا هولواي، زوجة الناقد الراحل رون هولواي. تقدّمت مني بتساؤل يعلو ملامح إبنة السبعين سنة وقالت: "هل لديك العدد الأخير من مجلة  «كينو»؟
إنه السؤال ذاته الذي كان زوجها الراحل (كتبت عن رحيله قبل شهرين تقريباً) يسألني إياه مادّاً يده بعدد جديد من المجلة  التي كان يصدرها بجهود ذاتية. يكتب معظم صفحاتها الستون ويقوم بتوزيعها مجّاناً على من يلتقيهم في المهرجانات التي يحضرها. كنت دائماً ما آخذ عدداً واتصفّحه سريعاً. كون معظم موادها عن السينما الألمانية التي كانت أشبه بملاذ وتخصص بالنسبة لهذا الناقد الأميركي الذي كان قرر العيش في ألمانيا (وتزوّج من الممثلة المسرحية دوروثا وهي ألمانية) لم أجد فيها ما يتطلّب قراءة مستفيضة  وهي على أي حال كانت تصدر للمعلومات  وليس للبحث والدراسات رغم جدّية منحاها٠
قدّمت تعازي للزوجة التي تحاول استكمال رسالة زوجها: "لكني لا أعرف إذا كنت أستطيع ذلك أو لا. كان يكتب معظم المواد وأنا لست كاتبة ولو أني كتبت أحياناً. أيضاً لا أعرف كيف سيمكنني الإنفاق عليها بعد اليوم"٠
العدد الذي أعطتني إياه هو العدد السادس والتسعين وبه اختتمت المجلة 29 سنة من حياتها. هناك حديث حول قيام المهرجان البرليني بتبنّيها والزميل نديم جرجورة يكتب عن كيف تفتقد معظم المهرجانات العربية، وبكلمة معظم ربما كان يعني جميعها، الى كتالوغات جيّدة كذلك الذي يصدره مهرجان برلين. مهرجانات السينما فاشلة على صعيد المطبوعات بشكل عام: إما تصدر تكريمات مكتوبة بلغة التعظيم  وإما كتباً مترجمة لم يطلبها أحد وغير مخطط لها كسلسلة تؤدي الى هدف محدد (غير النشر) وإما لا تصدر شيئاً او لا تصدر شيئاً ذا قيمة على الإطلاق٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصديق العراقي ليث عبد الكريم الربيعي قرر وعزم على إصدار مجلة سينمائية وفي سبيل تحقيق هذه الغاية كما يعلمني في رسالة. أتمنّى له التوفيق بالطبع خصوصاً وأن العراق يحاول الوقوف على قدمين ثابتتين بعد سنوات من حكم فاشل تبعتها سنوات من الإقتتال الدامي٠
أتمنّى النجاح للزميل لسببين: إنه يقدم على عمل صعب تحريكه من جماد الوضع الثقافي العام في العالم العربي بأسره، ولأنه يقدم عليه بأمواله الخاصّة كما فهمت. لا أستطيع أن أقول له الا تجازف، فلو كان لدي إمكانيات يمكن الإستغناء عنها لأصدرت مجلّتي باعت او لم تبع. ما أقوله له هو ما أقوله لنفسي: إنها حياة واحدة على هذه الأرض وعلى المرء أن يحقق فيها طموحاته وإذا ما كانت الأوطان مهزومة بسبب سياسييها أولاً وأخيراً فالأهم للبقاء على قيد حياة حقيقية ان لا نشاركها الهزيمة٠

في ثقافة السينماأحمد يوسف
   سياسات السينما  والنقد الباديء من الصفر في كل مرّة


 أصبحت الفوضى هى القاسم المشترك فى حواراتنا الآن فى كل المجالات، حتى نكاد أن نفقد أى أبجدية للغة واحدة تجمعنا. أشعر أحيانا بأن هذه الفوضى متعمدة على نحو ما، فهناك من الأشخاص والمؤسسات من يشجع ازدياد اندلاعها، وكانت البداية هى نسف البدهيات التى يفترض ألا يختلف عليها اثنان، مثل كرامة الوطن وكرامة المواطن، بل نسف فكرة الوطن والمواطنة ذاتهما: أن يكون من حقى المسكن والعمل والعلاج، وأن يكون لى تاريخ شخصى مشترك مع آخرين يشاركوننى نفس الأحلام، وأن تتحدد هويتى من خلال هذه "الذات" التى تنجح فى التحقق فى واقع حقيقي، وليس فى بيانات حكومية كاذبة وزائفة، أو شعارات جوفاء بلا معنى ترفعها لجنة السياسات وجوقتها الإعلامية، أو حتى قضايا شخصية فرعية مثل تلك التى تنشغل بها فصائل المعارضة على طريقة "أيمن نور واللا البرادعي"، بدلا من أن تكون القضية الأهم هي: هل نملك حقا دستورا متوازنا عادلا؟ وهل هناك عقد اجتماعى واضح يحدد حقوقى وواجباتي؟
أقول إن هذه الفوضى متعمدة لأن هناك من يتاجر بها ويحاول الاستفادة منها، فيتسلل فى الزحام محاولا أن يخترق الصفوف ليكون أول من يطوِّعها لصالحه وحده، ووجوده مشروط بوجود هذه الفوضى واستمرارها واستقرارها، إن كان من الممكن أن تجمع بين الفوضى والاستقرار، لكن تلك بالذات هى السمة المميزة للحقبة التى نعيشها: كثير من ضجيج الطاحونة، وقليل من دقيق يختلط بالسوس. انظر على سبيل المثال إلى المعارك الدائرة حول علاقة الفن بالأخلاق، لتكتشف أنك قد دخلت إلى منطقة ملغومة، فهناك تيار يغلو فى النزعة المحافظة، ويقف عند كل ما هو شكلى ليوزع اتهاماته هنا وهناك، من خلال معايير أخلاقية وضعها بنفسه ويتمسح فيها بالدين، لكن هناك على الجانب الآخر تيارا يغالى بدوره فى نزعة محافظة مضادة، ويحتمى خلف مصطلحات الحرية والليبرالية، ليؤكد أنه لا علاقة بين الفن والأخلاق، فالعمل الفنى له معاييره الخاصة به، ولا يجب تطبيق المعايير الأخلاقية عليه٠

نفي الصلة بالواقع
وهكذا تجد نفسك محاصرا بين شقى الرحي، فكل من الجانبين يتحدث بلغة مختلفة، ويريد فرض رأيه على الجانب الآخر، وتكون النتيجة ـ للأسف الشديد ـ أن يضيع ما يحاول هؤلاء وأولئك الدفاع عنه: الفن، والأخلاق! وإذا كنت لا أتفق أبدا مع من يتمسحون بالدين فيأخذون منه قشوره ويتجاهلون جوهره، فإننى لا أستطيع أيضا أن أقف على نفس الأرض التى يقف عليها دعاة الليبرالية الجامحة، لأنهم ليسوا فى التحليل الأخير إلا الشكل "اليساري" الجديد من المذهب الفنى الذى كان يدعو إليه المرحوم الدكتور رشاد رشدي، هذا المذهب الذى كان خارجا لتوه من "فرن" صناعة الأيديولوجيا على الطريقة الأمريكية فى فترة الحرب الباردة، والذى يروِّج لمقولة أن العالم الفنى مستقل تماما عن الواقع ومنبت الصلة به، لذلك فإنه يدعوك على سبيل المثال إلى أن تدخل قاعة العرض لتشاهد فيلما وقد تركت على الباب كل ما له علاقة بواقعك. إن هذا الفصل المتعسف والمصطنع (سواء جاء من اليمين أو اليسار) بين الفن والواقع، بدعوى أن لكل منهما منطقه الخاص، يتجاهل عامدا أن الفنان ليس نبيا رسولا ينزل عليه الوحى من السماء، كما أن المتلقى ليس لوحا فارغا تكتب عليه ما تشاء، إن هذا وذاك جاءا من الواقع وسوف يعودان إليه، وكل منهما له علاقة وثيقة بالواقع ورأى فيه. لكن أغرب ما فى الأمر أنه حين تنتقد عملا فنيا لاعتماده على التلفيق والاصطناع، رفع الليبراليون إياهم فى وجهك سيفا مشهرا، قائلين: أليس هذا ما يحدث فى الواقع؟ وهكذا فإنهم ينفون الصلة بالواقع أو يؤكدونها حسب المزاج! ألم أقل لك إنها فوضي؟! ٠

هناك أسباب عديدة لتخلف واقعنا الثقافى والفني، سواء على أيدى المحافظين المتمسكين بالدين، أو المحافظين الليبراليين الذين لا يملكون سوى ورقة "حرية الإبداع"، ومن المؤكد أنها أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية، لكننى أعجب أحيانا أن يصل حال "الصفوة المثقفة" (أو الذين يفترض أنهم كذلك) إلى هذا الوضع المتردى بين فريقين متعارضين. الغريب، وربما كان من الطبيعى أيضا، أنك لا تجد مثل هذه الفوضى فى السينما والنقد الأمريكيين، لا فرق فى ذلك بين النزعة شبه اليسارية فى جريدة "فيلدج فويس"، أو النزعة اليمينية فى "كريستيان ساينس مونيتور". إنهم ببساطة يقفون على أرض صلبة سواء فى جانبى النظرية والممارسة، إنهم جميعا يملكون ترسانة كاملة من أدوات ناضجة لرؤية الواقع والفن والتعامل معهما، وهم لا يبدأون مع كل فيلم أو مقالة نقدية من الصفر كما نفعل نحن، وهم قد يختلفون فى أحكامهم ومناهجهم النقدية لكنهم يتحدثون بلغة واحدة مفهومة٠
سوف أتوقف معك قليلا يا عزيزى القارئ أمام مفهوم يعرفونه جيدا ويضعونه دائما نصب أعينهم، إنه مفهوم "سياسات السينما"، وأرجو ألا تتصور أنه يدور حول علاقة السينما بالسياسة، فهو مفهوم أكثر شمولا وعمقا. إنه يعنى ببساطة علاقة الفنان بالواقع الذى يستخدمه لصنع العمل الفني، ثم علاقة الفنان بالمتلقي. ليس هناك كما ترى حديث عن "الأخلاق" بدلالتها الصارمة، ولا عن حرية الإبداع بمعناها الجامح، ليس ثمة معايير مطلقة يتراشق بها هذا الجانب أو ذاك، بل علاقة مجسدة وحقيقية تماما، ولا يمكن التلاعب بها لمنافقة الأخلاق أو الفن، علاقة يمكن تلخيصها فى سؤال شديد البساطة: ما هى رؤية الفنان للواقع؟ وما هو التأثير الذى يريد أن يشعر به المتفرج؟

كلّمني سيركاً
تكاد الشرائط السينمائية التى يصنعها المخرج المنتشر ـ صحفيا وفنيا وسياسيا ـ خالد يوسف أن تكون ملائمة تماما لتصبح "دراسة حالة" فى سياسات السينما، وسوف أذكّر القارئ مرة أخرى أن هذه الدراسة لا تمنعه عن حرية إبداعه، ولا تحكم عليه بمعايير أخلاقية جاهزة. ولعل شريطه الأخير "كلمنى شكرا" يجسد نموذجا صارخا لرؤيته للواقع التى ظهرت فى كل أفلامه، ولرغبته فى التأثير فى المتلقى بشكل محدد. ولأن الفيلم تمت "فبركته" بدون تأمل كبير من جانب صانعه، فإنه يبدو مثل "غلطة اللسان" التى تعبر عن لا وعى من يتلفظ بها. يتألف الواقع فى شريط "كلمنى شكرا" من مجموعة من الرجال وأخرى من النساء، وكل الرجال فى الفيلم أفاقون محتالون، وكل النساء أيضا وإن كن تستخدمن أجسادهن وسيلة للاحتيال. إنهم جميعا لا يتوقفون عن الكذب والصراخ، فى أفراحهم وأتراحهم، وهم جميعا تحركهم غرائزهم البدائية كأنهم حيوانات فى غابة، وليست هناك فى حياتهم لحظة تأمل واحدة، وإن جاءت فعلى شكل "مونولوج" من العويل ينوح به الفران، تائبا عن الغش لأن ابنه أصيب بالعمي، أو "ديالوج" أعلى صراخا عندما يمثل الابن دور الضابط، ليطلبوا منه أن يصفع أمه، فتصاب يده بالشلل وينخرط مع الأم فى البكاء واللطم والعويل. أنت إذن ـ من خلال اختيار خالد يوسف لهذا الواقع وتصويره على هذا النحو ـ تجد نفسك أمام "سيرك" يحفل بكائنات مشوهة، وإذا قال لك البعض إن "هذا هو الواقع" فقل له لماذا لا يتحدث الفيلم عن السياق الذى جعل هذا الواقع بهذا التشوه؟ فالنتيجة أنك تنظر إلى هؤلاء "البشر" على هذا النحو وتدرك أنه مادامت ليست هناك أسباب، فإنهم سوف يظلون هكذا، وبالتالى فمن الأفضل إبادتهم والقضاء عليهم.. وهذا بالطبع ليس رأينا بل الطريقة التى قدمهم الشريط بها٠


الجانب الآخر من سياسات السينما: ما هو التأثير الذى يريد خالد يوسف أن يحققه فى المتفرج؟ الإجابة بساطة: الفرجة، والفرجة فقط. فليس هناك الحد الأدنى من التعاطف الذى يمكنك أن تشعر به تجاه أى شخصية، إنك تضحك عليهم ومنهم، وربما تحتقرهم أيضا، لأنهم لا يتمتعون حتى بما تتمتع به حيوانات السيرك من حياة، فهم عرائس "ماريونيت" خالية من الحياة الحقيقية، وحتى الفنان الحقيقى يجعل هذه العرائس الخشبية والله العظيم تنبض بالحياة. فلأضرب لك مثلا واحدا من الشريط: هناك امرأة تدعى أشجان، كانت لها علاقة مع بطل الشريط إبراهيم توشكي، تقول المرأة إنها أثمرت طفلا غير شرعى اسمه علي، ويدعوه أقرانه على أشجان لأنهم لا يعرفون له أباً، وفى أول ظهور للمرأة فى الفيلم تنادى من شرفتها على عشيقها السابق توشكى لكى تقنعه بأن يعترف بأبوته للطفل. كيف يمكن لـ"فنان" أن يجسد هذا المشهد لكى يترك تأثيرا فى المتفرج؟ دعنا نتأمل ما قام به صانع الشريط: المرأة تستقبل الرجل فى شقتها بقميص نوم، وتكشف له عن ساقيها لتؤكد له أنها "مرة ماليش زي، والبضاعة أنت معاينها كويس"، فهل تتصور أن تلك شخصية فنية حقيقية لامرأة تحاول أن تقنع رجلا بأنها تصلح زوجة وأماً؟ الحقيقة أنها بالفعل "بضاعة" أراد صانع الفيلم ـ وليست هى ـ أن "نتفرج" عليها٠
يمكننى أن أستطرد معك فى تأمل الشريط مشهدا مشهدا، وشخصية شخصية، وكلها تؤكد على أن منهج "الفرجة" وليس التعاطف هو ما أراده خالد يوسف من المتفرج، الفرجة بمعناها السلبي، الفرجة السادية المريضة، فى سلسلة غير مترابطة على الإطلاق من النمر، وفيها كانت الشخصيات تقف بعرض الشاشة صفا واحدا كأنها شخوص على مسرح المولد ، وليذهب ما يسمى بـ"التكوين السينمائي" إلى الجحيم، ولتذهب معها كل أبجديات السينما حتى على طريقة حسن الصيفى والسيد زيادة... وأمام هذه الشرائط، وما أكثرها هذه الأيام، لا نطلب من صانعيها التحلى بفن الأخلاق، لكننا نطلب منهم أولا أن يتعلموا أخلاق الفن٠
نشر في صحيفة "العربي" في القاهرة٠


حول فيلم | هوڤيك حبشيان

في "الصياد": الثورة الإيرانية تحت المجهر

 
الصورة الفوتوغرافية المستخدمة في جنريك رائعة المخرج الايراني رفيع بيتس "الصياد" (المعروض في مسابقة مهرجان  برلين) بعدسة منوشهر دغاتي،  يقول عنها المخرج أنها التقطت عام 1980 وهي تُري
  مجموعة رجال من حراس الثورة الاسلامية على دراجات نارية. تظهر الصورة احتفالهم بالذكرى الاولى للثورة. منذ اللحظات الاولى لـ"الصياد"، يحرص بيتس على عدم جعل بطش السُلطة يستدر العواطف، بل يتعامل معه ببرودة لافتة. برودة وجفاف سيظلان يرافقاننا  طوال 90 دقيقة.   "إنها صورة عادية جداً تحتفي بحدث على قدر عال من العنف. جيل تربّى على هذه الصورة التي تؤطر التوتر المجسّد في وضع على
 (شخصية الفيلم الرئيسية) وأولاد جيله. الفيلم برمته تأملٌ في التوتر الحاصل اليوم في ايران بسبب الوضع الذي وقعنا فيه. الباسدران عادوا، لكنهم هذه المرة باتوا يهاجمون المدنيين العزّل الذين يريدون التعبير عن انفسهم. ثلاثة عقود مرّت على الثورة. السؤال الكبير اليوم في ايران: هل سُرقت منا تلك الثورة؟"٠
ركّز بيتس على الصيد بغية استكشاف الضغط على مجتمع اشبه بقنبلة موقوتة. بحسبه، يمكن اعتبار الصياد هو الشخصية الأساسية علي، لكن ثمة تجليات أخرى لذلك. في آخر الفيلم يسأل المشاهد: مَن الصياد؟ مَن يقتل الشرطي انتقاماً، أم مَن يتصدى للارادة الشعبية خوفاً على "مصلحة الدولة العليا"؟ شرح بيتس: أحد العناصر المهمة في عملي السينمائي هو ترك المجال مفتوحاً امام" التفسيرات المختلفة. أحاول دائما تحميل الأشياء اكبر قدر من المعاني. في ايران عندما ندعو احدهم الى العشاء نحاول أن نقدم اليه أكبر قدر من الوجبات. لكن خلال العشاء لا نقول له ماذا عليه ان يأكل، وهو حر في اختيار ما يريد. أملك السلوك نفسه تجاه الافكار التي اقدمها في فيلمي. أحترم المشاهد عبر تركه يختار ما يراه مناسباً له"٠
بالنسبة الى بيتس، فشخصية علي هي أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل لحظة، شأنه شأن الوضع الايراني الراهن. فما إن يخرج من السجن حتى يُرمى في المجتمع، لكن من دون ابداء حماسة لإعادة الانخراط في هذا المجتمع. لا نعرف في الفيلم الأسباب التي دعت الى سجنه، وهي على الارجح اسباب سياسية. الأهم بالنسبة الى المخرج ان علي حُشر اليوم في مكان بحيث يمنعه عمله الليلي من تمضية المزيد من الوقت مع عائلته. واذا اضفتم البيئة التي يعيش فيها، فإن علي بات فعلاً قنبلة موقوتة. فمن الطبيعي والحالة هذه، ان ينتهي به الامر جارحاً أم مجروحاً

 طهرانجيليس
علي يعيش في بيئة مدينية خالصة. بيتس يعرف كيف يصوّر تلك البيئة ولا سيما في اللقطات الاولى المتعاقبة. سواء تصويراً أم مونتاجاً أم تأطيراً أم روحاً، ما نراه هو أجمل تصوير لمدينة منذ زمن طويل. أفضل بكثير من اللقطة الافتتاحية لمدريد في "حدود التحكم" لجيم جارموش. السبب في ذلك، انه يملك رؤية أخرى لمدينته طهران وهي، كما يعترف في الملف الصحافي، تثير دهشته. "بقدر ما يدعو ذلك الى السخرية، ارى ان طهران اليوم تشبه الى حد كبير لوس انجليس. بعد الثورة شيِّدت طهران لتكون فيها خطوط سريعة. اليوم الطهرانيون يلقبونها بـ"طهرانجليس"! النتيجة: لدينا مجتمع حداثي يمضي معظم حياته في السيارات، ذهاباً واياباً من بيته الى عمله. هذا الشيء ولّد مونوبولاً اقتصادياً. من المثير رؤية كم من الممكن لمدينتين ان تتشابها، وهما في الاصل تتواجهان سياسياً. هذه البيئة المدينية المقرونة بالهم التكنولوجي لا يمكن الا ان ينتج منها المزيد من العزلة التي تأتي الى عالمنا الحالي بنوع من الجنون والانهيار"٠
علي هو كمن يضيع في مكانه. لا انتماء له لكنه جزء من البيئة الايرانية المعقدة جداً. علاقته بالمكان علاقة كراهية وحب في الحين نفسه. دخول المخرج الى طهران يشبه دخول حيوان الى الأدغال. للطبيعة حضور طاغ في الشق الأخير من الفيلم، ولا سيما الغابات. مدلولاتها كبيرة ويشرحها بيتس في السطور الآتية: الاراضي في شمال ايران هي اراضي موت. شأنها شأن ما يشعر به علي" ازاء بيئته المنكوبة. أكان في الغابة ام في المدينة، لا فرق كبيراً عنده. انه وحيد ومعزول في مكان لا يمنحه سبباً جوهرياً كي يكون على قيد الحياة. الغابة التي يلجأ اليها في نهاية الفيلم تقع في شمال ايران. انها على مسافة اربع ساعات بالسيارة. اخترتُ ان أصوّر في الشتاء. لم اكن اريد أوراقاً على الشجر. خيار أن يكون لون السيارة اخضر، متأتٍّ من تلك الفكرة. اردت ان تكون السيارة كورقة شجر خضراء. كنت اريدها رمزاً للحياة مقابل الطبيعة الميتة".
يؤمن بيتس بأن على المرء أن يعيش ملياً زمانه ويعتبر ان من المهم ادخال الديناميكية المعيشة الى العمل نفسه، خلال كل مراحل صناعته. التقطت مشاهد الفيلم خلال الحملة الانتخابية للرئيس احمدي نجاد، لكن بيتس فوجئ لاحقاً عندما اكتشف ان الفيلم يحمل علامات زمانه الفارقة. انتهى التصوير قبل نتائج الانتخابات في حزيران (يونيو) 2009 لكن هناك تشابهاً كبيراً بين التوتر في الفيلم  وما حصل بعد انجلاء  نتيجة الانتخابات، أي أن هناك شكلاً من أشكال الحوار القائم على نوع من كيمياء بين ما يدور على الشاشة وما دار في شوارع طهران. خيار الأخضر للون السيارة جاء قبل تأسيس نشاطات حركة "الخضر" المناهضة للانتخابات، ويقول بيتس انه يمكن اعتباره مصادفة، لكن هو ينظر الى هذا الشيء من منظار مختلف. بالنسبة اليه أن الديناميكية الحاصلة بعد الانتخابات خرقت الفيلم٠
ليس "الصياد" فيلماً يضع السياسة في المقام الثاني لاهتماماته، بل هي جزء حيوي منه. المشهد المؤسس حيث نرى علي يقود سيارته ويستمع عبر الراديو الى خطاب المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية علي خامنئي والذي يتكلم فيه عن التغيير، قد يقرأ كردّ ساخر على التغيير الذي اقترحه باراك اوباما خلال حملته الانتخابية. لا يوفر بيتس خامنئي من سخريته المبطنة والهدامة. اصلاً هذا شيء يعترف به من دون تردد: "هناك سخرية تجاه خطابه ولا سيما مع ما فعله خلال الحملة والتظاهرات التي شهدتها ايران. لا يمكن مناقشة  كل الشؤون في فيلم من  90 دقيقة. السخرية المبطنة هي طريقتي في مساعدة المُشاهد على فهم بعض الحقائق. أدعو ايضاً بعض الناس الى اعادة الاستماع الى ما قالوه بقدر اكبر من الدقة. مهنتي هي ان اسأل. لا اؤمن بضرورة منح الأجوبة لكن يبدو أن مَن يحاول في ايران طرح الاسئلة يصبح في عداد المجرمين"٠


فيلم "الصياد" هو ايضاً فيلم كبير عن الوقت الضائع. علي هو التجسيد البهي لمجتمع ينتظر أن يعيش. وهو ايضاً جزء من مجتمع حداثي لا يملك وقتاً لإضاعته. انه مجتمع يريد الاجوبة وهو يريدها الآن. بحسب المخرج، في ايران اليوم  سبعون  في المئة من المجتمع هم أناس أعمارهم تحت الثلاثين سنة . "هؤلاء الشباب لا يملكون الصبر. انه جيل بلا مستقبل. زوجة علي يمكن اعتبارها الجزء المسلوب من المجتمع. على رغم المعاناة، لديها الشجاعة، كالكثير من الايرانيات اليوم، في النزول الى الشارع والتصدي للظلم. هذا جيل مستعد للموت لأنه لا يملك شيئاً ليخسره. البيروقراطية، في أي مكان كانت، تؤدي الى توليد الكبت في الانسان. لا تُحصى اللحظات الضائعة التي أمضيناها في عالمنا الكافكوي. في ايران نضطر الى اضاعة الكثير من الوقت ونحن نحاول فقط تقصي بعض المعلومات. بالنسبة الى قنبلة موقوتة مثل علي، هذا خطأ كبير. في خلال بحثه عن زوجته وإبنته الصغيرة، يضطر الى تمضية ساعات في مقر الشرطة. هذا يزيد من حدة الضغط الذي كان وضع تحته أصلاً"٠
حتى قبل أن يخسر زوجته وابنته، يشعر علي بضغط المجتمع والسلطة عليه. الشرطة المنتشرة في كل مكان، يشار اليها كعدوّ قاتل وهو رمز للجسد الحاكم ذي الهيبة والسلطة. علي يكره ذلك الرمز، لكن عندما يأخذ وضعية القناص يبدو كأنه يريد اطلاق الرصاص بشكل عشوائي. لا نعرف ما إذا كان قنبلة موقوتة خرجت من طورها أم انه يريد الانتقام من الشرطة. بالنسبة الى بيتس، ما يأخذنا الى الجزء الثاني من "الصياد" هو السؤال الآتي: هل لعلي الحق في القتل حتى لو كان ذلك انتقاماً لعائلته. "القتل شيء مروع مهما تكن أسبابه. أردت أن أعبّر عن ذلك بالصمت حين تقع ضحية علي ارضاً"٠
 في نهاية المطاف، فإن "الصياد" بالاضافة الى اسئلته السياسية  العلنية والمفتوحة، ليس سوى دعوة الى النظر من ثقب الباب الايراني، لكن من دون تلصص، ومع جرعة من الاستفزاز المبطن والمطلوب. انه ايضاً دعوة الى اعادة التفكير في مكنونات مجتمع مقسوم بين مَن يمثل السلطة ومَن يمثل نقيضها. عن هذا يقول بيتس: "نميل الى النسيان ان الناس أفراد. المجتمع يحب تجميع الناس وتصنيفهم. الفردية مفقودة. إذاً، عندما التقينا الشرطي الذي يلقي القبض على علي، حاولت أن نرى الفرد الموجود خلف اللباس العسكري. هؤلاء العسكر أشخاص متواضعون لكن لكل واحد منهم دور يجب أن يؤديه. كل واحد منهم يعتقد أنه يقوم بما ينبغي فعله. واحد يختار الشرطة، آخر يضطر الى الانضمام الى صفوف الجيش. وهناك مَن هم مثل علي، فقدوا كل شيء. الثلاثة ضائعون عبثاً، في نوع من متاهة ستقودهم الى مصائرهم وحتميتهم. الفيلم هو أصلاً مصنوع كمتاهة"٠
في أول يوم تصوير، بدا الممثل الذي كان اختاره بيتس للإضطلاع بشخصية علي صعب المراس، اذ تأخر ست ساعات على الموعد. قرر اثر ذلك أن يحل مكانه كي ينقذ الفيلم. اذاً في أول يوم تصوير له، وجد نفسه يقوم ببطولة فيلم تولى اخراجه. "ما ألبسه في الفيلم هو ما كنت ألبسه في ذلك اليوم. بطريقة ما، أصبح الفيلم هو فيلم مخرج يداه مكبلتان لأنه ليس في وسعه أن يقول ما يود قوله في فيلمه. "صياد" - العنوان - يمكن أن يكونه ايضاً المخرج. مع الفرق ان في يده كاميرا بدلاً من البندقية. أن تقف أمام الكاميرا وخلفها في آن واحد، شيء أشبه بـ"دكتور جاكل ومستر هايد". تجسيد علي أخذني الى مكان مظلم جداً، كان مؤلماً، وصعب عليَّ الخروج منه. أدركت ايضاً أن ما يعجبني في مهنة الاخراج هو تصوير الآخرين"٠

نشرت في "النهار" اللبنانية٠

النافذة الخلفية | محمد رُضا

لوريل وهاردي: الشراكة المثالية

هل كان يمكن لاسماعيل يس أن يكون النصف التام لثنائي؟
المقصود هو إذا ما كان اسماعيل يس، كممثل كوميدي، هو نصف مماثل لنصف آخر في السينما المصرية٠ الجواب لا. ليس لقلة محاولات السينما المصرية جمعه و"نصفه الآخر" (محمد فوزي في بضعة أفلام ورياض القصبجي في بضعة أخرى) بل لأنه حتى تتم المناصفة فإن على الممثل  أن يرضى بأن يتساوى والآخر تماماً. بالنسبة لأفلامه مع محمد فوزي كانت المعالجة هي ما تمّ الإقدام عليه: محمد فوزي
Sidekick في الدور الأول اسماعيل يس في الدور "السنيد" كما يقولون  او الـ
  وبالنسبة لأفلامه مع رياض القصبجي (كمثال) فإن اسماعيل يس هو الأول والقصبجي هو الثاني تبعاً لشروط العمل. لكن المثالين يمنحاننا فرصة للتفكير في أنه حتى ولو كان المطلوب مساواة بين محمد فوزي واسماعيل يس او بين رياض القصبجي واسماعيل يس فإن الكوميدي المعروف لم يكن سيسمح بذلك لأنه كان دائماً ما يميل الى الإستفاضة والإفتعال في الحركة والنطق محاولاً دائماً (وبنجاح) لطش المشهد من شركائه فيه٠
تلحظ ذلك في فرض حضوره على تلك الشخصيات وعلى الكاميرا. ظهره ليس للكاميرا بل مواجهاً لها في أكثر الحالات. إذا ما كان الأخير الذي سيترك غرفة ما فإن عليه أن يفعل شيئاً قبل مغادرة الغرفة/ اللقطة او المشهد مثل نظرة الى الكاميرا او إصدار صوت او كليهما معاً٠
التناصف يعني إحترام مساحة الواحد للآخر والثقة بأن نجاح الأول يأتي من الثاني والعكس صحيح. في هذا المضمار فإن النجاح لم يكن بد أبوت ولو كوستيللو، لأن كوستيللو البدين كان يحمل الأوراق الرابحة للنكات بينما كان لو بد أبوت (الأنحف) هو الذي عليه أن يبحث عن فرص التنكيت. إذا ما كان كوستيللو بدينا فهو النحيف وإذا ما كان كوستيللو غبياً فهو العقل المفكّر وإذا ما كان كوستيللو صاحب النكتة فإن بد أبوت هو الجاد. هذا الثنائي عمل كثيراً معاً، لكن جمهور الأربعينات والخمسينات كان يقصد لو كوستيللو في الحقيقة والمعادلة بأسرها لم تكن متوازية٠
في السينما الكوميدية لن نجد تناصفاً فاعلاً وناجحاً وتامّاً كما ذاك الذي جسّده كل من لوريل وهاردي٠
نعم بدين ونحيف (جدّاً) لكنهما يتشاركان في إحياء وإحداث الضحك فيفتي- فيفتي. هما بالفعل صديقان نقيضان وكل منهما، في الأفلام، لا يستطيع العيش من دون الآخر. كذلك كل منهما لديه شخصيّته الكوميدية التي لا تتناقض مع الشخصية الأخرى بل توازيها. ترتفع معها وتنخفض معها. الإثنان غبيّان، لكن كل بطريقته. نجاح كيميائي لم يسبقه إليهما أحد ولم يتبعه أحد بذات حذافيره. جيري لويس ودين مارتن؟ مختلفان تماماً. لا مقارنة لأن مارتن هو أقرب الى أبوت ولويس أقرب الى كوستيللو وهذا يختلف كما سبق القول٠

طفلان كبيران
حين ترعرعت في الخمسينات كان لوريل وهاردي كبرا سنّاً.  كل دخل السينما بعيداً عن الآخر حين كانت صامتة لكن من بعد وصول باستر كيتون وتشارلي تشابلن٠ وحين التحقا معاً كان ذلك بعد أن خطت السينما نحو النطق، لذلك هما في أفلامهما الأولى هما ذاتيهما في أفلامهما الأخيرة معاً في الأربعينات٠ ومشاهدة أعمالهما اليوم (وهي متوفّرة على أسطوانات عدّة) تفيد بأن قيمتهما لا تكمن فقط في ذلك التناصف التام على الأسس الصحيحة حيث لا أحد يحاول لطش المشهد من زميله،  بل أيضاً في أنهما لم يهرّجا. جعلا الضحك الشعبي العريض، ذلك غير المتفنن كضحك كيتون وغير المسيّس كضحك تشابلن، ممكناً من دون تهريج٠
هناك صورة ملتقطة لستان لوريل (النحيف بينهما) في انكلترا (ولد فيها سنة 1890) لعدد من الفنانين الذين شكلوا فريق منوّعات كانوا على أهبة السفر (بالباخرة) الى الولايات المتحدة. على يسارها جلس الشاب لوريل والى يمينه إمرأة (ستبقى مجهولة) ثم تشارلي تشابلن. حال وصول لوريل وتشابلن الى الولايات المتحدة تفرّقت بهم الدروب. كل منهما وجد نفسه مشغولاً بخط سير مختلف٠
إنه في تلك الزيارة التي تمّت سنة 1910 تخلّى فيها تشارلي تشابلن عن العمل في فرقة كارنو تلك وآثر قبول عرض من شركة ماك سَنِت للتمثيل لحسابها. أما ستان لوريل (الذي وُلد بإسم ستان جيفرسون) فوجد نفسه يعتلي خشبات المسارح الإستعراضية كما كان يفعل في لندن. هذا استمر حتى العام 1917 حين أخذ يظهر في أفلام كوميدية صغيرة مؤلّفة من اسكتشات ومواقف قصيرة. أحد هذه الأفلام ورد في العام 1918 مع كوميدي آخر أسمه أوليڤر هاردي . ذلك اللقاء لم ينتج عنه تعاوناً ولم يتكرر الا بعد 8  سنوات. حينها فقط وُلد هذا الثنائي على الشاشة وولد قوياً ومتجانساً٠
أوليڤر هاردي ولد في مدينة أتلانتا، ولاية جورجيا، سنة 1892  وفي البداية حاول دراسة القانون وكان له هوى في الموسيقا ثم انخرط في الجيش وحين انتقل الى مدينة جنوبية أخرى افتتح صالة سينما وتابع العديد من الأفلام الكوميدية وقرر أنه يستطيع أن يمثّل أيضاً.  كل من لوريل وهاردي التقيا، منفردين، بالمنتج هال روتش وهو السبب وراء جمعهما في أفلام مشتركة٠
Putting Pants on Philip  الفيلم الأول كان: إلباس فيليب سروالاً
لم أشاهد الفيلم مطلقاً لكني ابتسم إذ أقرأ ملخّصه: فيليب (لوريل) يصل من اسكتلندا الى الولايات المتحدة مرتدياً التنّورة التقليدية. هارڤي متعجّب من ذلك ويعتبر الرداء نقيصة ويحاول فرض السروال التقليدي على فيليب٠
The Battle of the Century  الفيلم الثاني هو: معركة القرن
حينها كانت هناك أفلام كثيرة سُميت بأفلام "إلقاء الحلوى" وهذا كان من بين أفضلها . تضحك على المشهد إذا لم تكن شاهدت مثله من قبل وتضحك عليه اذا كان مألوفاً أيضاً٠


لست هنا بوارد سرد السيرة الفيلمية لهذا الثنائي الرائع، لكني أريد إلقاء تحيّة على ثنائي جعلني أضحك كما لم يجعلني أضحك في حياتي الا مع أفلام باستر كيتون. هنا لدينا كل المعطيات التي من شأنها أن تفشل في إنجاز أي نجاح وفي مقدّمتها توليفة معروفة من الأحداث وتداعياتها. لكن هذه التوليفة تختلف في أن بطليها لا يتوقّفان عن المفاجأة  حتى في إطار الحركات الصغيرة. كلاهما يستخدم حركات تعبر عن روح طفولية وإذا ما أمعنت وجدتهما بالفعل طفلين صغيرين في بدني رجلين.  كما أن قدراً كبيراً من هذا الضحك تآلف بين الحدث والنتيجة التي تتراءى واضحة لكنها تبقى غالبة على التوقّعات. وهذا مسألة صعبة الإنجاز. تعلم، مثلاً أن جر البيانو فوق درج عال سيتعرّض لموقف يضطر فيها الإثنين الى ترك البيانو ينزلق مجدّداً فيركضان وراءه. لماذا تعلم ذلك؟ لأنه حدث قبل قليل وهو قابل للحدوث بعد قليل، لكن التكرار ليس من قلّة الحيلة ولا شيء فيه هو تكرار كامل٠
 كلاهما كان متزوّجاً وستان لوريل تزوّج نحو أربع مرّات (وفي كل مرّة مشكلة لكنه كان يقول: "الأمل وحده هو الذي يتغلّب على الحكمة") لكنهما على الشاشة بديا كما لو كانت حاجة كل منهما للاخر تتجاوز العرف الرجالي. ستان كان، إذا ما أمعن المرء قليلاً، المرأة في الحياة الزوجية تماماً كما مثّلها جاك ليمون في "ثنائي تام" من دون أن يكون مثلياً لا في الواقع ولا على الشاشة. أوليڤر هاردي هو الرجل في العلاقة، لكن أيضاً من دون أن يكون مثلياً لا في الواقع ولا على الشاشة. في كوميدياتهما، لم يكن هناك مجال لمشاركة ثالثة متساوية. المرأة هي عضو غير متجانس معهما وأفلامهما لم تكن مصنوعة لسرد قصة حب على طريقتي تشابلن وكيتون، والزوجات قويّات ودائمات التذمّر. هاردي يخاف زوجته وستان يخاف كل النساء (زوجته وزوجة هاردي)٠
في عودتي اليهما، في يوم آمل أن لا يكون بعيداً، سأنتقل من هذا التعميم الى التخصيص باحثاً في عشرات الأفلام التي شاهدتها لهما. لكن إذ أشاهد هذه الأفلام مرّة بعد مرّة لا أستطيع الا وأن أضحك من قلبي وأداوم الضحك حتى النهاية. وفي يقيني أن جمهور الثلاثينات والأربعينات فعل ذلك لأن الكوميديا هي الملك٠


هاردي توفّي سنة 1957 بعد مرض عضال لكنه حتى آخر يوم في حياته رفض أن يتسرّب خبر مرضه الى الناس معتبراً أنه كوميدي لا يجوز لصورته أن تتغيّر. لوريل مات بعده بسبع سنوات، وهو استمر يعمل على أفلامه محاولاً، وبنجاح، ترويجها بين جيل جديد عبر تلك الحلقات التلفزيونية التي كانت منتشرة في الخسمينات والستينات بإسم "لوريل وهاردي شو"٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular