Feb 11, 2010

Year 3. Issue 487 | مهرجان برلين السينمائي -خاص


 
 مهرجان برلين السينمائي الدولي - 1
متروبوليس و 400 فيلم جديد في الدورة الستين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
برلين - محمد رُضا


إذ ينطلق مساء الخميس الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الستين، يشعر المرء أن هذا العدد من السنوات التي مرّت على المهرجان لم تكن في نهاية الأمر الا مواكبة لفن أحيط دائماً بالتحدّيات وأثيرت حوله التساؤلات وحاول العديد حول العالم صندقته فهو  أداة ايديولوجية عند البعض، وأداة ترفيه عند البعض الآخر، ورسالة ثقافية ومهمّة إنسانية عند البعض الآخر. تتعدد التعريفات والسينما تبقى أكبر من أي تعريف واحد
شيء من التاريخ
ستون سنة على عمر مهرجان لم يكن يعرف آنذاك ما هو مستقبل السينما ذاتها. أي عدو متربّص بها سينهيها: حرباً كونية جديدة؟ التلفزيون المنتشر في البيوت؟ أم أنها ستترهّل وستتوقّف مثل موديل سيارة ما عاد محبّباً؟
الوثائق تقول أن المكتب الأميركي للفيلم الذي كان يرأسه في برلين أوسكار مارتاي أوعز الى لجنة تضم  بريطانيا (جورج تيرنر) وإداريين ألمانيين وأربعة ممثلين عن السينما الألمانية وصحافي واحد بالإجتماع بغية تأسيس مهرجان دولي وأول اجتماع عُقد في التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1950 وتم فيه اختيار الإسم والتاريخ: السادس من حزيران/ يونيو سنة 1951
ولم يتم انتخاب إداري او سياسي او مقرّب او أحد من أعضاء اللجنة رئيساً بل جيء بالمؤرخ السينمائي الألماني ألفرد باور الذي كان مسوولا عن "المكتب السينمائي للرايخ" خلال الفترة النازية والذي كان أبدى تعاوناً حُسب له للإدارة العسكرية البريطانية حين كانت مدينة برلين (وحتى إنهيار الجدار وتوحيد البرلينيّتين الشرقية والغربية سنة 1989) مٌدارة من قِبل ممثلين للحلفاء الذين ساهموا بدخولها وإنهاء الحقبة الهتلرية والنزعة النازية وبالتالي الحرب العالمية الثانية التي أودت بحياة عشرات الملايين
في السادس من العام المذكور، افتتح الرئيس الأول لمهرجان برلين الدورة الأولى بفيلم لامع: "ربيكا" لألفرد هيتشكوك وبطولة جوان فونتاين التي حضرت  لجانب بضعة نجوم من أوروبا وهوليوود ربما جاووا مدفوعين بفضول غريب لمعرفة كيف يُقام مهرجان بعد ستة أعوام من نهاية حرب شرسة وفي مدينة لا تزال أشلاءاً ورتلاً من الباطون والحديد المكوّم في ساحاتها الرئيسية
أحد تلك الأشلاء تُرك على ما هو: كنيسة كانت الطائرات أصابتها بينما كانت تنوي إصابة موقعاً آخر في منتصف المدينة. الحكومة الألمانية والدول المحتلّة لها حتى بضعة عقود لاحقة وافقت على إبقاء الكنيسة كصرح لحرب بشعة لعلّه لا يغري أحداً باللجوء الى هذا الحل الرهيب لفرض تصوّراته حول العالم. في الوقت ذاته، نظر المؤسسون لمهرجان برلين في العام 1951 على أنه تعبير عن "العالم الحر" وأن عليه أن يعكس صورة ثقافية وفنية ايجابية شاملة  كما لو أن العالم يولد من جديد. وكان بالفعل كذلك
 
Rauber, Der  من الفيلم الألماني "مطّاط"٠

ستون عاماً من السينما التي عكست، خصوصاً خلال الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ما مرّ به العالم من ظروف ومشاكل وتيارات وتناوبت على إدارته شخصيات تركت بصماتها المختلفة لكنها انضوت تحت مظلّته تماماً وعملت لإنجاحه هو أوّلاً
شبح رومان بولانسكي حاضر
هناك 400 فيلم تعرضه كافّة أقسام المهرجان من اليوم وحتى الحادي والعشرين من الشهر الجاري بينها فيلم فريتز لانغ الخيالي-العلمي "متروبوليس" الذي كان عرضه مهرجان فنيسيا في إحدى دوراته في الثمانينات. لكن المهرجان الايطالي عرض نسخة اعتبرت وحيدة آنذاك، بينما النسخة التي يعرضها برلين هذا العام من الفيلم الذي تم إنتاجه سنة 1927 ليست فقط مُرممّة، بل أضيفت اليها مشاهد تم اكتشافها  صوّرها المخرج الذي رحل الى هوليوود فيما بعد، ولم تلحق بالنسخة التي توفّرت سابقاً. نحو نصف ساعة من المشاهد التي ستجعل مشاهدته بالنسبة للناقد والمؤرّخ والممعن في فن السينما أمراً واجباً كما لو كان فيلما جديداً تحف به الهالات الفنية والأسماء الكبيرة. "متروبوليس" يبدو من هنا "تايتانك" عصره وعصر سواه على حد سواء
لن يكون هذا الفيلم هو العمل الوحيد من بين الأفلام الآتية من الماضي، ولو أنه أبعدها وأكبرها سنّاً، فهناك عدد آخر من الأفلام المنضوية تحت رايات الإحتفال بالمناسبة والتي تعكس مراحل مختلفة في أزمنة مختلفة ولفنانين مختلفين. على الرغم من أن هذه العروض مناسبة للوقوف على التاريخ، الا أن المجتمعين هنا في جلّهم سينكبّون على مشاهدة الأفلام الجديدة الموزّعة، كالعادة، بين العروض الرسمية (عشرون في المسابقة وستة خارجها)، البانوراما  والفورام وعروض سينما الأطفال وعروض "السينما الألمانية الجديدة". من بين كل هذه الأفلام ثمانية عشر فيلماً تشهد عرضها الدولي الأول من بينها "المطّاط" للألماني بنجامين هايزنبرغ و"جزيرة مغلقة" لمارتن سكورسيزي و"الكاتب الشبح" لرومان بولانسكي و"منفصلان معاً" للصيني وانغ كوران٠
 
  Roman Polanski  رومان بولانسكي خلال تصوير "الكاتب الشبح"٠


My Name Is Khan

وغني عن القول أن عدداً كبيراً من الممثلين سيحضرون عروض أفلامهم بينهم ليوناردو ديكابريو الذي يقود بطولة  "جزيرة مغلقة". والدة الممثل ألمانية  ما يوضح الإبتسامة المزدوجة التي واجه بها الممثل أحد الذين أجروا معه حواراً حين تطرّق الحديث الى مهرجان برلين.  البريطانيان بيرس بروسنان وإيوان مكروغر سيحضران كونهما مشتركان في بطولة فيلم بولانسكي الذي قام بالإشراف على جزء من مونتاجه من بعيد لبعيد على أساس أن المخرج المعروف كان في الزنزانة السويسرية حينما بوشر العمل على مونتاج الفيلم. لا يدري أحد ما الذي سيُقال حيال مخرج ارتكب جناية ورفضت السلطات السويسرية الإفراج عنه ليوم واحد يتم له فيه حضور عرض فيلمه ذاك. من يدري؟ لعلّ بولانسكي يتسلل من المهرجان الى سفارة ما طالباً اللجوء او يختفي كواحد من شخصيات أفلامه ليظهر بعد سنين في صقيع التيبت مثلاً٠

لكن الجميع يذكر كيف أن نبأ القبض عليه هزّ المجتمع السينمائي تماماً فتداعى بعض كباره لتوقيع بيان يناشد السلطات السويسرية إطلاق سراحه وينتقد القضاء الأميركي على موقفه المتشدد حيال "المبدع". أمر لم يترك أثراً ايجابياً بل على العكس حمل فريقاً آخر على التذكير بأن بولانسكي قد يكون مبدعاً لكنه مبدع بجريمة أخلاقية وعليه تحمّل تبعاتها٠
فيلمان يعرضان في المسابقة  اختيرا رغم مرورهما على شاشة مهرجان سندانس قبل أسابيع قليلة "عواء" وهو فيلم عن الشاعر الفوضوي ألن غينزبيرغ الذي، مثل هارڤي ميلك، كان من دعاة الشذوذ الجنسي الأول في الستينات في الولايات المتحدة. أخرج روب إبستين وجيري فرايدمان هذا الفيلم من إنتاج غس فان سانت الذي كان أخرج "ميلك" قبل عامين. الحلقة متّصلة٠
أيضاً في العروض الرئيسية فيلم هندي بعنوان "أسمي خان" الذي يقود بطولته شاه روح خان وتقع معظم أحداثه في الولايات المتحدة لتتحدّث عن هندي مسلم واقع في حب فتاة هندوسية فيتزوّج منها رغم معارضة اولياء الأمور. روميو الجديد بعد ذلك سرعان ما يجد نفسه مقبوضاً عليه بفعل أحداث الحادي عشر من أيلول سبتمبر 2001 للإشتباه بأنه إرهابي. الى أن يتم الإفراج عنه يكون نصف الفيلم قد مضى وأصبح بطله في حالة عاطفية تستدعي حبّاً جديداً وهذا ما سنراه يقع مع الطبيبة التي تشرف على معالجته

هذا الفيلم انتاج هندي لكن شركة إيماجناشن، المنبثقة عن "الهيئة العامة للثقافة والتراث" في أبو ظبي هي التي قامت بتمويل جزء منه وتقديمه على شاشة المهرجان الألماني الكبير. خطوة من المفترض بها أن تؤدي الى دعم وجود السينما العالمية المموّلة عربياً٠
من المستبعد أن يكون "إسمي خان" عملاً فنيّاً أكثر منه عملاً استعراضياً منوّعاً كما عوّدتنا عليه السينما
السينما البيلوودية، لكن وجوده سوف يكون إمعاناً في التنويع وإثراء التجربة البصرية على موزاييك الدورة الحالية. الأمر مختلف بالنسبة لفيلم المخرج الصيني يوجي يامادا، أحد الكلاسيكيين الأخيرين الباقين على قيد الحياة في اليابان. فيلمه الجديد "حول شقيقها"  ينهي أعمال المهرجان منساباً الى جملة الأفلام التي يقوم فرنر هرتزوغ، المخرج الألماني المعروف، برئاستها  وتضم الممثلة الأميركية رنيه زلويغر  والمخرجة الإيطالية فرنشيسكا كومنشيني والكاتب الصومالي نورالدين فرح والممثلة الألمانية كونيلا فروبوس، ثم المنتج الأسباني جوزي ماريا موراليس (الذي أنتج في حياته نحو 50 فيلم بينها أعمال أرجنتينية والذي فاز فيلمه "حليب الأسف" بالدب الذهبي في العام الماضي. الى هذه المجموعة انضمت الممثلة الصينية يو نان  الذي كان أحد أفلامها الأخيرة ("زواج تويا") نال ذهبية المهرجان سنة 2008
 إذ تبدأ الأفلام بالتوالي من الآن وللأيام العشرة التالية، فإن المرء العائد الى المهرجان الذي تابعه من مطلع الثمانينات لابد أن يشعر بأن الكثير من الماء مر تحت جسر هذا المكان. كل نقطة منه هو فيلم يحمل في ثناياه مخرجين وممثلين وكتّاب وفنيين لا يحصون مغلّفين بتجربة قد تكون نجحت وقد تكون فشلت لكن قُدّر لها أن تُنتج وتعرض ولو على شاشة هذا المهرجان العتيد وحده

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular