Jan 8, 2010

ٌYear 3, Issue: 480 | عالم من المتغيّرات التقنية تصيب السينما | السينما اللبنانية في عام | خريف السينما التركية | رتشارد هاريس

 مراجعة التحوّلات التقنية الحديثة للسينما الغرائبية٠
 السينما تتحوّل وكذلك جمهورها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


 حين دارت عجلة إنتاج فيلم جيمس كاميرون الجديد "أڤاتار" تم رصد 170  مليون دولار ميزانية لهذا الفيلم الروائي الأول له منذ أن أنجز "تايتانك" قبل إثني عشر سنة. بعد بضعة أشهر وضعت شركة فوكس خطّة تقضي برفع الميزانية الى 200 مليون دولار. ومع انتهاء الفيلم كان الرقم (المصرّح عنه رسمياً) قد وصل الى 250 مليون دولار. لكن الشائعات ترفع التكلفة الى 400 مليون دولار٠
لكن سواء أكان  الرقم النهائي لكلفة هذا الفيلم الضخم 250   او 400 او أي رقم آخر بينهما فإن الكلفة الأعلى ذهبت بلا ريب لما يُسمّى بـ "المؤثرات البصرية"  و"الكومبيوتر غرافيكس". والحقيقة إنه ليس هناك من فيلم في الأساس من دونهما ليس لأنه مبني على نظام الأبعاد الثلاثة فقط، بل لأنه في الصلب وفي الأساس هو فيلم مؤثرات وتصاميم خاصّة يلعب فيه الممثلون، على أهميّتهم، أدواراً ثانوية٠

لكن المسألة لا تتعلّق بهذا الفيلم وحده. المؤثرات بدأت تلعب الدور الرئيسي على نحو غير مسبوق منذ بضعة أعوام وفي سياقات شتّى: في أفلام أنيماشن (رسوم متحركة) وفي أفلام فانتازية وأفلام خيال علمية وأفلام كوارثية وأفلام المغامرات المختلفة. ليس هناك، ومنذ مطلع هذا العقد، من عام خلا من فيلم او أكثر اعتمد كلّياً او الى حد يتجاوز الخمسين بالمئة  على المؤثرات المختلفة من كومبيوتر غرافيكس الى أنيماشن غرافيكس او تصاميم بصرية وتقنيات تصوير ومؤثرات  وتصاميم إنتاجية وفنية مختلفة٠ 
كل واحد من هذه الأنواع ما عاد يشبه أفلام النوع الذي ينتمي اليه التي تم إنتاجها قبل أن انتقلنا من القرن الماضي، وبل كل واحد من هذه الأنواع حفل بتطوّرات خلال السنوات القليلة الماضية تجعل من الملاحظ بوضوح كيف تتجاوز التقنيات المستخدمة في هذه السينما نفسها بإستمرار. تتبلور وتتطوّر وتتمدّد وتتوسّع وتتنوّع كخلية تنقسم على ذاتها عدة مرّات وكل قسم منها يواصل الإنقسام على نفسه مرّات أخرى٠
المخرج جيمس كاميرون في حديث خاص يقول: "لا أدري ما سيكون المستقبل عليه، لكني أعلم أنه لن يتوقّف هنا"٠
ولا أحد سواه يستطيع أن يتوقّع ولو أن أحد منتجي الفيلم يؤكد بدوره: "ستبقى القصّة هي التي تسود. القصّة ... القصّة ... القصّة". وما يعنيه هو أن القصّة في إطار السيناريو او النص هو الذي سيبقى عصب السينما وهو الذي يقرر أي فيلم يتم إنتاجه بصرف النظر عن نوعيّته. هذه وجهة نظر مقبولة، وبل واقعاً لا نقاش فيه، فحتى الأفلام الغارقة في الفانتازيا وأصناف المؤثرات التقنية تحتاج الى قصّة جيّدة. من دون قصّة جيّدة تتحوّل الإنجازات المذكورة الى أشباح تتراءى من دون قيمة٠
Watchmen هذا لا يمنع مطلقاً من أن فيلماً من نوع "الحرس" او
للمخرج زاك سنايدر، وقد خرج في مطلع هذا العام، متقدّم تقنياً عن فيلمه السابق "300" الذي خرج قبل عامين فقط وأن فيلم "أغنية الكريسماس"  الذي حققه روبرت زميكس وعُرض خلال الشهر الماضي، متقدّم بأجيال عن فيلم نفس المخرج قبل خمس سنوات وهو "بولار اكسبرس". والأمثلة في هذا المجال كثيرة وكلها تُشير الى كيف أن كل فيلم لاحق يبز معظم ما سبقه بفعل التطورات التي تحدث في شتّى الجوانب المذكورة٠

فوق رؤوس الفضوليين
طبعاً المسألة ليست مسألة مؤثرات خاصّة وتصاميم وبرامج كومبيوتر فقط. الحاصل هو أن هذا التقدّم الكبير يشبه طوفاناً يُصيب أركان صناعة وتجارة السينما كلّها وفي حقول مختلفة. من كاميرات التصوير الى نظم العرض ووسائطه المختلفة  ما يُثبت أن السينما لا زالت عُرضة للمتغيّرات كما كان حالها منذ سنواتها الأولى والى اليوم. الفارق الرئيسي أن التطوّر الذي كانت تتعرّض إليه في العقود الثلاث الأخيرة من القرن التاسع عشر، وطوال القرن العشرين، كان متباعد الوتيرة أكثر بكثير مما هو اليوم 


هناك ثلاث جوانب أساسية تنقسم إليها العملية الصناعية/ التقنية للفيلم
الكاميرا
المادة المستخدمة للتصوير (المعروفة بالفيلم)٠
ونظام العرض
هذه النظم سبقت جانبان لا خلاف على أهمّيتهما أيضاً هما: اللون والصوت٠
البدايات الأولى تماماً كانت شغلاً على نظام أوجده إبن الهيثم  (القرن العاشر ميلادية) حين ابتدع إعادة توجيه الضوء والظلال بحيث ينعكس الشكل على الجدار الداخلي من صندوق مغلق باستثناء ثقب يسمح بدخول ذلك الضوء. هذا هو المبدأ الذي تم للغربيين فيما بعد (القرن التاسع عشر وما بعد) تطوير ما تبلور لاحقاً وعُرف بالكاميرا الفوتوغرافية. وجود هذه الكاميرا التي تلتقط على صفائح معدنية صوراً بفعل إدخال أشعة الشمس واستخدام الظلال لإنتاج تناقض يفرز صورة. هذا التطوّر كان أحد تلك الركائز التي اعتمد عليها المحدثون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لصنع "فوانيسهم السحرية" حيث اللعب المُثالي على مصدر الضوء والحركة أمامه، وما استوحي من هذه الوسائل البسيطة من أجهزة أكثر تعقيداً (بلغة ذلك الحين) تعاملت والظل والنور في أساليب شتّى، فإذا بالظلال تتحرّك في فضاء صالة لتبدو كما لو أن روحاً مظلمة هي التي تحوم فوق رؤوس الجالسين الفضوليين، او ترتسم على الواجهة داخل صندوق او على جدار بأكمله٠


في الوقت ذاته، شهدت الفترة المذكورة، وقبل سنوات عديدة من إنجاز المادة الخام الأولى التي سُمّيت بالفيلم، إنتاج أنواع مختلفة من محاولات رصد الصور وتسجيلها على أشرطة وصفائح او معادن رقيقة أخرى٠
الفترة الممتدة، على الأخص، ما بين  1887 و1895 عرفت تتويج المحاولات السابقة ووصولها الى الحالة الأولى من الشكل السينمائي الذي نعرفه الآن. والإستنتاجات لا تزال تتوالى في الأعوام القريبة الماضية ناسفة تلك المفاهيم السابقة. فأول فيلم سينمائي على شريط لم يقع سنة 1895 حين عرض الأخوين لوميير فيلمهما "خروج العمّال من المصانع" بل سنة 1888 حين أنجز (الفرنسي أيضاً) لويس لا برينس فيلماً من بضع ثوان عنوانه "مشهد من راوندهاي غاردنز" صوّره في مدينة ليدز البريطانية.  وأوّل عرض لفيلم لم يكن أيضاً من نصيب الأخوين لوميير بل سبقهما إليه مواطنهما جان لي روي في الخامس من شباط (فبراير) سنة 1894 أي قبل أكثر من عام٠
مهما يكن التقدّم التكنولوجي للفيلم وللكاميرا ولآلة العرض كان في ذروته في تلك السنين وأوصل المخترعين المختلفين (والغائبين عن الذكر هنا هم أضعاف المذكورين) الى وضع السينما، حتى في حلقاتها البدائية الأولى، أمام مستقبلها الذي لا يزال يرتسم أمامنا اليوم٠

مفهوم الوهم البصري
الوضع الذي تعيشه السينما حالياً من ناحية هو امتداد للرغبة في استحواذ دهشة المشاهدين على ذات الأسس التي استحوذت فيه تقنيات السينما الأولى، تلك الدهشة، ومن ناحية أخرى تفعيل القدرات الحديثة المستمدّة مما حققته التكنولوجيات في ميدان الكومبيوتر للوصول بالسينما الى عهد جديد لم تنجز مثيلاً له من قبل٠

The Creature of Black Lagoon

 
في هذا الشأن فإنه من الضروري التذكير بأن العمل على تحسين صورة السينما  أمام المشاهد لم تتوقّف مطلقاً لكنها سعيها هذا ازداد إلحاحاً كلّما وجدت نفسها مهدّدة بوسيط مختلف. بعد انطلاقتها في ثمانينات القرن التاسع عشر أضافت الى إنجازاتها -وعلى عكس ما توقّعه البعض منها ومن بينهم أوغوستين لوميير بنفسه- مكاسب جديدة بدءاً من العام 1901 حينما تمّت المحاولة الأولى لتقديم فيلم بالألوان باستخدام تلوين باليد. في الوقت ذاته، تلك اللقطات الوحيدة التي ينفرد بها الفيلم فإذا بكل فيلم من تلك الفترة الأولى عبارة عن لقطة واحدة بكاميرا ثابتة، اختلفت منذ العقد الأول من القرن العشرين فإذا بالمخرجين (الذين نعتوا بالسحرة كما نعتت الأفلام بالظلال آنذاك) يؤسسون لمفهوم لقطة ثانية تلي الأولى من زاوية ومكان مختلف. هذا طبعاً قبل أن يبدأ آخرون في أواخر العقد الأوّل بالتوسّع محدثين النظام الأول لفيلم مؤلّف من لقطات مختلفة في زمانين متوازيين لأجل خلق إثارة الحدث عند الجمهور.  المخرج الفرنسي ميلييس والمخرج الأميركي بورتر كانا من بين أوّل من دفع بتقنية السرد السينمائي الى الأمام على هذا النحو، والأوّل هو من اعتمد قبل سواه على سبر غور ما يمكن فعله ضمن مفهوم الوهم البصري او ما عُرف لاحقاً بـ "الخدعة السينمائية"٠
هذا لم يكن ليحدث مع الإبقاء على فيلم الدقيقة او الدقيقتين ومع مطلع العقد الأول ارتفعت المدّة الزمنية للفيلم في المتوسّط الى عشر دقائق ومع منتصف ذلك العقد وصلت المدّة الى نصف ساعة ثم أكثر حتى بات الفيلم في طبيعته يتألّف من ساعة ونصف او أكثر. في العشرينات تمّ إضافة الصوت، جزئياً في مطلع الأمر ثم على نحو كامل فيما بعد. اللون لم يكن بعيداً عن مرمى السينما لكن اعتماد الأبيض والأسود بقي سائداً حتى الخمسينات حين بحثت السينما عن وسائل أمام خطر مدهم (او هكذا خُيّل لها آنذاك) هو التلفزيون: كلاهما صورة متحركة لكن الثاني يؤمن الترفيه في البيت. مع ارتفاع نسبة الأفلام الملوّنة ارتفعت أيضاً نسبة النظم المعتمدة بالنسبة للتصوير وللعروض من نظام السينما سكوب والتصوير بالسبعين ملم، الى نظام العرض المُسمّى بالسينيراما الى المحاولات الأولى لتبديل الطريقة التي نشاهد فيها الفيلم بإضافة بعد ثالث. هذا البعد الثالث يُجسّد الصورة الماثلة الى الشاشة ويخلق لها نتوءاً أمامياً فإذا بالبعدين التقليديين (الطول والعرض) يندمجان مع بعد ثالث هو العمق٠

تاريخ الأبعاد الثلاثة موجزاً
هذا مع العلم أن هناك محاولة أولى في هذا المجال جرت سنة 1922 في فيلم حمل عنوانين، فهو "المريخ ينادي«  في البداية و"الرجل من المريخ" لاحق. هذه المحاولة كانت نتيجة محاولات صاحبت الفترة الأولى من حياة الفيلم السينمائي وبدأت سنة 1894 حين استنبط وليام فرايز غرين طريقة عرض شريطين متشابهين تم تصويرهما جنباً الى جنب في محاولة لخلق صورة نافرة حين النظر اليهما معاً٠
الخمسينات من القرن الماضي كانت مرتعاً حقيقياً أوّلاً للأفلام ذات الأبعاد الثلاثة ودائماَ مُلحقة بأفلام الرعب والخيال العلمي (ومرّتين على الأقل بسينما الوسترن هما "كاستر الغرب« و"القانون وجاك وايد")، سينما الرعب احتوت هذا التطوّر بترحاب فخرجت بضعة أفلام لا يزال "وحش البحيرة السوداء« لجاك لورد أفضلها وأكثرها حفظاً في الذاكرة. لكن الجمهور لم يتقبّل هذا التطوّر وأجهض قبل إنقضاء العقد كما أجهضت المحاولات السابقة او اللاحقة الى أن عادت اليوم بعناد أقوى وسعي أكثر إلحاحاً من ذي قبل٠
الفترات الحقيقية  السابقة لحياة الأبعاد الثلاثة في السينما امتدت من العام 1952 الى العام 1955 أوّلاً، ثم انطفأت لتعود على شكل مختلف ما بين مطلع الستينات ونهاية السبعينات. ثم أطلّت برأسها من جديد في منتصف الثمانينات وغابت الى حين ظهرت قبل سنوات قريبة عبر أفلام حيّة وأفلام من الرسوم المتحركة٠

G- Force
 
على نحو مواز، نجد أن نظام آيماكس الذي يتطلّب شاشة عرض أكبر في الطول كما في العرض من الشاشة العادية، وُلد ليبقى بدوره. هو أيضاً نتيجة محاولات مستمرّة منذ أن أقدمت شركة فوكس على إنجاز الفيلم الأول بنظام السبعين ملم. بعد انطفاء المحاولة أعيدت الى الحياة باستنباط السينما سكوب بدءا من سنة 1953 و"الڤيستا ڤيجن" بعد ذلك بعام واحد الذي عرّض من الأفلام المصوّرة بنظام الـ 35 العادي. نظام ايماكس  شهد ولادته في أواخر الستّينات وببطء، إنما بشكل متواصل، تم تطويره لما هو عليه الآن إمعاناً في ذات الغاية وهي إحداث الوقع الأكبر لدى المشاهد عبر إذهاله وإثارته بصرياً وعلى نحو لا يوفّره الفيلم العادي٠
كل ما سبق (وسواه الغائب في تفاصيل وتفرّعات ستأخذنا في دروب أكبر من أن نستوعب هنا) ليس سوى محاولة إيجاز وتعريف بالوسائل التي اتّبعت لا في محاولة لإبقاء السينما حيّة بين جماهيرها وأمام التحدّيات التي تفرضها عليه الوسائط الأخرى على نحو دائم فقط، بل في محاولة تغيير الطريقة التي ينظر فيها الناس الى السينما ويتعاملون بها مع المادّة المعروضة على الشاشة٠

جغرافيا وتاريخ جديدان
الدافع قد يكون اقتصادياً وبل هو اقتصادي بدرجة أولى لذلك شهدنا، بموازاة كل ذلك، كيف تم اعتماد استنباط تقني جديد هو "الدجيتال" لتقليل كلفة الأفلام المصوّرة على الكاميرا. منذ عقدين الآن ونحن نشهد ثورة الدجيتال التي تتيح تسجيل الصورة رقمياً وقلبها الي كائن على شاشة الكومبيوتر قبل تحويلها الى فيلم يُعرض، وذلك عوض التصوير بالكاميرا السينمائية المعروفة واستخدام مادة السيليولويد التقليدية علماً بأن التجارب أثبتت نجاحات  وأخفاقات الكاميرا الدجيتال على نحو متساو، فهي حل اقتصادي بلا ريب نتج عنه تمكين المئات من المخرجين الشباب حول العالم من المباشرة في اطلاق أفلامهم الأولى لكنها لا زالت تعاني من قصور فنية تتبدّى واضحة كلّما كان مدير التصوير غير قادر على معالجة النواحي التي لا يمكن للكاميرا المذكورة التغلّب على امكانيات الفيلم التقليدي٠
هذه التطوّرات كلّها، والبحث فيها سيرد في طيّات هذا العرض،   لا تزال تعتمد على زواج المصلحة الإقتصادية الممثلة إما بتخفيض سعر الكلفة او باحداث عوامل جذب جديدة لجمهور جديد. لكن إذ هي تمشي على خطي سكة الحديد هذه فإنها تستمد قواها من قدرة السينما على الوهم بالحقيقة. منذ تأسيسها والسينما تسعى لفرض حياة واهمة تقع في موازاة حياة حاضرة. في الأولى عالم يشبه عالمنا وشخصيات تشبه شخصيّاتنا وفي الثانية ذلك الحيّز (المحدود) من العالم الذي نعيش فيه. ما يحدث هو أن العالم السينمائي، او العالم الوهمي ذاك، هو أكثر رحابة كونه يستطيع الإنتقال الى جغرافيا وتاريخ لا نستطيعه بحكم كوننا مربوطين باللحظة الآنية طوال الوقت مثل فرس تم ربطه الى صارية ربطاً محكماً، وأكثر تحرراً بحيث يستطيع أن "يخلق" للناظر اليه عوالم أخرى غريبة وأحداث لا يمكن أن تقع في حياتنا كما شخصيات خيالية غير معروفة٠
السينما  في شكلها المعتاد أمّت ذلك محوّلة فضول المشاهد ورغبته في الترفيه والهروب الى منصّة إنطلاق دائم يبحث دائماً عن المزيد من الإيهام. التطوّرات التي أصابت، كما لاحظنا، كل شأن من شؤون الفيلم  وحقوله، حافظت على استثمار هذا الفضول الذي يدفع بملايين الناس كل يوم حول الأرض لدخول السينما ومشاهدة الجديد الذي تطلقه كل أسبوع٠
لكن هناك أثماناً يراها البعض باهظة٠
المخرج التشيلي اللاجيء الى فرنسا راوول رويز ينتقد الغروق في الحياة التقنية وقيام هوليوود بفرضها على المشاهدين مطالباً، سنة 1995، باستراتيجية جديدة تحمي إبداع المخرجين. هنا واحدة من تلك المشاكل الناجمة عن تغليب التقنية على الفن، والفني العامل في إطار تقنية الصورة على المخرج الذي تعوّد أن يأتي الفيلم مضماراً لنزعته الذاتية عاكساً همومه وأفكاره وشخصيته٠

حين خسر تشابلن الحرب
إنه صراع بدوره قديم والثابت فيه أن كل الأعمال الخالدة الى اليوم في تاريخ السينما هي كذلك بفعل فنانيها من المخرجين الذين سيطروا على التأليف التعبيري وخلقوا أسلوباً ومنوالاً ثرياً لأعمالهم مرتقين بمستوى الصورة ومستوى متلقّيها. فجأة، ومن العشرينات الغابرة والى حين قريب، امتد فرع رئيسي في السينما قوامه حرّية المخرج في التعبير عن موضوعه بطريقته الخاصّة. من غريفيت وايزنشتاين الى هيتشكوك وبونويل ومن برغمان وانطونيوني وأكيرا كوروساوا وجان- لوك غودار،  الى تاركوفسكي وسوخاروف وترنس مالك، هناك نزعة تكاد تكون فطرية يمارسها الفنان من المخرجين فإذا بها تفصل الفيلم عن باقي أترابه وتحدد رؤيته المختلفة الى العالم وقضاياه٠
النموذج الصارخ لرفض الفنّان التقدّم التقني نجده في موقف تشارلي تشابلن الذي رفض أن ينصاع لنطق السينما من العام 1927 وصاعداً فحارب السينما الصامتة بإنتاج وإخراج ثلاثة أفلام ناطقة حتى منتصف الثلاثينات٠
تشابلن خسر الحرب، كما قد يخسرها كل مخرج اليوم إذا هو لم يستطع اقناع الجمهور الكبير بأن وسيلته تستحق التأييد. لكن في عمرها ما كانت المدرسة الذاتية والفنية في السينما مهددة بالتضاؤل وربما الموت كما هي اليوم وذلك لأن المتغيّرات مختلفة وخارجة عن نطاق اضافة صوت هنا او توسيع إطار الفيلم من هناك. إنها اليوم مرتبطة بتغييرات أكبر حدثت على صعيد كل التكنولوجيّات الحاضرة التي، ولأسباب اقتصادية واضحة، وضعت كل القدرات في أيدي المستهلك من الهاتف النقّال الى الكومبيوتر النقال الى الهاتف الذي يعمل ككومبيوتر (وذلك كلّه في غضون خمسة عشر سنة او نحوها). حوّلت موارده الإخبارية  من الإنتظار والمشاهدة الى المتابعة التي تقع في لحظتها. ثورة الكومبيوتر دخلت كل حيّز ونطاق من موتور السيارة الى تسيير الطائرات وتوليد الكهرباء وتفعيل الذرّة وما هو أكبر من ذلك وأصغر٠
بالنتيجة، هو عالم أصغر اليوم مما كان عليه بالأمس ونتائج ذلك تفوق كل قدرة على الإستيعاب. ففي حين من السهل النظر الى مسار وإيقاع حياة الفرد منّا والى كيف يتم نقل الحدث ليتمثل أمامنا في لحظة وقوعه، فإن من الصعب تحديد الإنعكاسات المتوالية كذبذبات  أثيرية للحياة التكنولوجية العصرية التي نعيشها. أحد أهم الأمثلة في ذلك شهدناه في السنوات الأخيرة حين رغبت هوليوود تقديم سلسلة من الأفلام التي تتعامل مع الحرب العراقية. طبعاً كون الولايات المتحدة، شعباً ومؤسسات خاصة وحكومية، دخلت طرفاً أوّلاً في تلك الحرب جعل إمكانية طرحها على الشاشة الكبيرة أمراً لا منص منه والا لكان التطرّق اليها قليل ومتباعد٠
السؤال الذي طُرح ولا يزال في العامين الماضيين هو لماذا فشلت الأفلام الأميركية التي دارت حول الحرب العراقية والتي من بينها "وادي إيلاه" و"أسود كحملان" و"إيقاف خسارة" و"وطن الشجعان« وصياغة« والفيلم الذي يوالي حيازة الجوائز النقدية هذا العام "خزنة الألم"٠
معظم هذه الأفلام استقبلت جيّداً من قِبل النقاد لكن بفتور (بالغ أحياناً) من قِبل الجمهور ما أدّى الى انتكاسها جميعاً سواء صُوّرت بكاميرا 35 ملم كما الحال مع "أسود كحملان  لروبرت ردفورد وو"وطن الشجعان" مثلاً او تلك التي تم تصويرها بكاميرات دجيتال مثل »صياغة" لبرايان دي بالما و"خزنة الألم" لكاثلين بيغلو٠ 
السبب ليس في أن الناس تريد او لا تريد أن ترى أفلاماً حربية بالمطلق او على هذا النحو المجرّد، بل في حقيقة أن كل ما يود معرفته عن الحرب العراقية استلهمه وأكثر منه من قدرة التلفزيون الحديث على توفيره منذ اليوم الأول لها وحتى كتابة هذه الكلمات ما جعل الناس (في غالبيّتهم) لا يررون سبباً فعلياً لمشاهدة أفلام لا تهرب من واقع تلك الحرب ولا تستطيع أن تطرح معلومات جديدة٠
هذا التغيير في صلب العلاقة بين المشاهد والفيلم السينمائي يزداد وضوحاً حين المقارنة بين ما حققته هوليوود في أعقاب الحرب الفييتنامية من أفلام وكيف استقبلت تجارياً (كما نقدياً بالطبع) باهتمام كبير. حينها، في الستينات والسبعينات، كان الوسيط التلفزيوني غير قادر على نقل المستجدّات والوقائع حال حدوثها ناهيك عن تغطية كل اتجاهات ووجهات النظر فيها ما سمح للسينما الأميركية توفير الأفلام التي تصوغ تلك السنوات الصعبة من التاريخ الأميركي بحرية فنية وروائية كاملة لم يكن من الممكن للجمهور الأميركي الذي -كأي شعب آخر- يريد أن يعرف، أن يغفلها٠

اختلافات جذرية
جيل اليوم، وكما يستطيع الواحد منّا القول بلا قيد، مرتبط الى ما خيال قائم على خيال أكثر مما هو مرتبط يخيال قائم على الواقع وهذا بالتعاضد غير المنظور (ولا المحدود) بين الوسائل الحديثة التي تؤدي الى خلق الصورة. فيلم اليوم هو جهد مشترك ليس فقط بين صانعي الفيلم المعهودين، بل بين السينما والتلفزيون والكومبيوتر كوسائط وأدوات لذلك فإن كل تغيير (او تقدّم) في أي من هذه الوسائط يؤثر على الآخر خارج نطاق التقنية البحتة. التلفزيون واسطوانات الأفلام المرقّمة والكومبيوتر والكومبيوتر غرافيكس دخلت جميعاً لعبة السينما صناعة واقتصاداً ومفاهيم نظرية أيضاً وذلك في زمن يعيش فيه الناس الثورة التقنية ويتعاملون معها في شتّى أغراض حياتهم اليومية. إنها لم تعد تركيبة غريبة وقفاً على البعض من العاملين فيها بل انتشرت بيننا ولا تزال من دون توقّف. ما يحدث لو توقّفت فعلاً؟ يسألنا فيلم حديث بعنوان "بدلاء" قام بروس ويليس ببطولته ويأتي الجواب صادماً: نتحرر!٠
الثورة التقنية في السينما نتج عنها في السنوات الأخيرة، والى جانب ازدياد التعامل مع الكاميرا الرقمية، عودة سينما الأبعاد الثلاثة كما ذكرنا بقوّة لدرجة أن المرء لن يجد في هوليوود أي صدى لفكرة احتمال أن تكون هذه العودة مجرّد فورة تعود بعدها السينما الى ما كانت عليه. السائد القول أن سينما الأبعاد الثلاثة وُلدت لتبقى وأن السينما بعد عشرين سنة من اليوم ستكون جميعاً على هذا النحو. ليس السينما فقط، بل التلفزيون والكومبيوتر أيضاً٠
  الفارق الرئيسي بين هذا الإستنباط التقني الواقع اليوم وبين التجارب السابقة هو أن تكنولوجيا الفيلم تقدّمت بحيث أن إمكانية إنجاز فيلم بالأبعاد الثلاثة تختلف جذرياً في وسائل هذا الإنجاز. مثلاً، سابقاً ما كان العمل لتحقيق فيلم بالأبعاد الثلاثة يتم عبر وضع كاميرتين متلاصقتين تصوّران الحدث الواحد. الآن الكاميرا هي واحدة تصوّر الفيلم بنحوه المختلف الذي سيدخل عمليات تقنية معقّدة على الكومبيوتر لصياغة البعد الجديد وخلق النتوءات التي تجعله يبدو، حين العرض، كما لو كان بعض ما يحدث فيه يقع في الفضاء البسيط الفاصل بين الشاشة وبين المشاهد٠

The Hurt Locker
فيلم "أڤاتار" هو قمّة الإنجاز على هذا الصعيد. ما تراه حين تضع تلك النظّارات الغريبة على عينيك هو معايشة  ستزداد قوّة في الأعوام القليلة المقبلة عبر إحكام الطوق على بعض التفاصيل التي تجعل العملية أكثر دقّة. اليوم تستخدم النظّارات ومن يدري في الغد إذ ربما تستطيع مشاهدة الفيلم الثلاثي الأبعاد من دونها. على ذلك وأهميّته، فإن فيلم جيمس كاميرون هذا لا يقوى على استئثار النجاح الذي يريده (ولو من باب استرداد تكاليفه الباهظة) لولا عمليات خلق وإبداع تتم في تصميم العالم الذي يوفّره. كوكب باندورا الذي تقع فوقه الأحداث عالماً غريباً في كل شيء. الشجر غير الشجر والصخر غير الصخر والبشر فوقه غير البشر وكل شيء لا يبدو من خارج هذا العالم، بل هو من خارج هذا العالم بالفعل. هنا تكمن قوّة الفيلم وأهميّته الفنية علماً بأن هذه القوّة، من تصميم فني وتنفيذ المؤثرات كافّة ستبقى مثيرة للعجب  حتى ولو لم يضف المخرج عامل الأبعاد الثلاثة مثل الكريم فوق الحلوى٠

أنيماشن غير الأنيماشن
هذا الإمتداد الأفقي غير المتناهي لإمكانيات الفيلم مصحوباً بإمكانيات خلق النتوء الذي يجعل المادة المصوّرة مجسّدة سطا على نتائج مبهرة حين أطلق على جمهور الأولاد في أفلام الأنيماشن. ففي السنوات الثماني الأخيرة تم إنتاج 70 فيلم أنيماشن (طويل وقصير) عُرضت بالأبعاد الثلاثة وذلك باستخدام تقنية
3 D computer modeling
الحديثة التي تمكّن الفنانين من خلق هذا البعد والعمل لا يزال داخل أجهزة الكومبيوتر. كون الأنيماشن، تقليدياً، لا يستخدم الكاميرا (الا إذا ما كان منها على نوع الطُمى المتحركة) فإن كل الإنجازات في هذا الإطار مرجعها الكومبيوتر وحده. أفلام حديثة مثل »شرك 2« و"مونستر هاوس" و"ج فورس" أنجزت مهامها في تلوين عالم الطفل ومن هم دون الرابعة عشر عموماً باحتمالات مفتوحة بلا نهاية جاعلة من كل فيلم بالبعدين التقليديين يبدو كما لو كان قديماً حتى ولو انتج حديثاً (كما الحال مع الفيلم الحاضر "فانتاستيك مستر فوكس")٠
إنه تطويع على تطبيع لكن ما يطرحه لا يزال أكثر أهميّة. إذا ما استولت التقنيات على كل هذه النواحي كما تفعل وتعد أن تفعل، ما مصير المشاهد "العادي" و الفيلم "العادي"؟
التوقّعات المنتشرة أن كل فيلم سيتحوّل الى أبعاد ثلاثة في غضون العشرين سنة القادمة، تماماً كما حدث مع السينما حين تسللت الألوان إليها. هناك الغطاء الذي مهّد للعذر كان أن الحياة في الحقيقة ملوّنة وليست بالأبيض والأسود وبالتالي فإن الألوان يقرّبنا من الحقيقة. اليوم، الحياة، يقولون أيضاً، هي بالأبعاد كلّها والأفلام التي تجسّدها إنما تقترن بالواقع. حينها رفض هذا الواقع كثيرون لكن اليوم قد يقبل به كثيرون لأن التغيير الحالي لم ينبت من داخل الصلب السينمائي بل جاءه من التقنيات التي توفّرت للحياة خارجها تماماً. على ذلك، وإذ يطرح الفيلم المسطّح أبعاداً تكاد تكون فلسفية بالمقارنة، فإن الواضح أن بعض الأفلام لن تستطيع أن تجتاز الفاصل التاريخي الذي تم إنشاؤه من البعدين الى الثلاثة٠
خذ الأفلام الرومانسية مثلاً، او حتى الأفلام الكوميدية ... تجد أنه لن يكون لديها أي واعز لنقلها من حالتها الحاضرة الى حالة مستقبلية. ربما أفلام البورنو ستستفيد أكثر من فيلم يتحدّث عن رجل يبحث عن حبيبته التي توارت منذ سنين، او عن الأم التي تجهد لتعيل ولديها بعد طلاقها او هذين الكوميديين اللذين اعتادا على فرض نفسيهما على الحفلات للفوز بالفتيات. الأبعاد الثلاثة ليست مطلوبة في هذه الحالات ومثيلاتها لأنها ليست حالات خيالية. لكن الخطر على ذلك هو اضمحلال هذه الحالات أساساً فنصل الى زمن لا ترفيه فيه سوى الخيال والمزيد من الخيال . حين من يدري ربما سيلاحظ بعضنا غياب مشاهدين جلسوا قريباً من الشاشة فلفّهم الفيلم ومضى بهم الى أرض لا عودة منها٠

    الصالات  اللبنانية استقطبت  2,498,811  مشاهداً 
رغم القرصنة والرقابة والأزمة المالية
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجعة | هوڤيك حبشيان


عام آخر يُختتم تاركاً خلفه الكثير من الذكريات ستبقى ماثلة في الوجدان السينيفيلي. ما هي ابرز الصور والحكايات التي أطلت علينا طيلة  365 يوماً وصنعت حياتاتنا  المختلفة على الشاشة؟   من الصعب، لا بل من المستحيل، أن نعيد عقارب الساعة الى الوراء بهدف مداعبة الأشياء التي صنعت بهجتنا ومآسينا وخيباتنا وآمالنا، ومنح كل ذي حق حقه! لكن هناك دائماً صورة تتقدم أخرى، واسم يسبق آخر، وعنوان يبقى عالقاً بين طيات ذاكرتنا، بينما تذهب أشياء أخرى أدراج الرياح٠
تقليد صحافي ولعبة سادية تفرض علينا أن نضع في ختام كل عام مجمل الأشياء التي كوّنت حياتنا البصرية في ميزان، أو على طاولة، وعقد مقارنات بين أعمال فنية، هي اصلاً مختلفة في طبيعتها وأهدافها ورؤيتها ومكنوناتها، ثم ننطلق من الصفر، أو على الاقل نوهم أنفسنا بأن ثمة صفحة طويت وأخرى ستفتح. انها القصة الأبدية لليل والنهار اللذين يسلّم أحدهما الى الآخر شعلة الحياة.
واذا كان لا بد من خلاصة (مستعادة للمرة الألف في كل حال) خرجنا بها من هذا العام المنصرم فهي ان السينما منجز لا يخبو وهي لا تزال أم الفنون المعاصرة: فنّ مركّب قوامه مسرح وأدب وفن تشكيلي، استطاع بسرعة قياسية أن ينال استقلاليته المطلوبة والأساسية من العناصر الثلاثة التي تكوّن منها. كثيرون توقعوا الموت  115للسينما، وأولهم مخترعاها الأخوان لوميير، بيد انها بعد مرور عاماً على وجودها، لا تزال في مقدمة الفنون التي تخاطب أكبر كمّ من البشر عبر القارات الخمس، وتأسرهم بحكايات تخرج أحياناً من مناطق بعيدة نائية تجد مكاناً لها فجأة على الخريطة السينمائية من حيث لا ينتظر أحد٠

خطة توزيعية
نظرياً، تخطت السينما هذا العام الأزمة الاقتصادية الفتاكة، لكن ليس من دون أن تترك بعض الآثار الجانبية ولا سيما في نفس السينما الفقيرة المحمولة على الظهر. عموماً، لم يبق الانتاج العالمي، وخصوصاً الهوليوودي منه، في منأى من هذه الأزمة، اذ شهدنا عودة الى الأفلام الرومنطيقية، وربما نشهد غداً الميوزيكالات التي سادت في فترة الثلاثينات، للتخفيف من هموم المواطن. لذلك، لا شك في أن الايام المقبلة لن تكون كالأيام السابقة٠
محلياً، لا يمكن الحديث عن الوضع السينمائي الا من خلال قطاعين: قطاع التوزيع وقطاع استثمار الصالات. الأول لا يزال يشكو من الامراض نفسها التي كان يعاني منها منذ سنوات بعيدة: قلة اهتمام بالسينما القليلة الانتشار وعدم الاعتراف بها كمنتج تجاري ايضاً. يضاف الى ذلك تأخر مستمر في عرض أفلام معينة، و"حرق" أخرى من خلال انزالها الى السوق من دون علم وخبر أو دعاية. هذا الشيء متأتٍّ طبعاً من عدم ايمان الموزعين بهذه الأفلام. النتيجة: بعض هذه الاعمال المهمة تحقق نتائج مضحكة في شبّاك التذاكر بسبب سياسة توزيعية خاطئة لا تميز الغث عن السمين، وهي سياسة ينتهجها بيروقراطيون انتقل مجمل نشاطهم الى بلدان الخليج وباتوا يعتبرون بيروت تحصيلاً حاصلاً، بل هم لا يحافظون على مراكزهم فيها الا من منطلق خشيتهم أن يأتي اليها المستثمر الأجنبي. الخطة التوزيعية كانت ولا تزال عشوائية، والارجح انها ستبقى كذلك، بيد أنه لم يسبق قطّ أن بلغ الاستخفاف بالمشاهد هذه المرتبة التي تسمح لموزع بأن يأتي بالجزء الاول من فيلم "تشي" لستيفن سادربرغ ويعتكف عن الاتيان بالثاني، حينيرى أن المردود المالي منه كان قليلاً٠
في الحديث عن قطاع الصالات واستثمارها تكون المقاربة مختلفة. ففي انتظار افتتاح سلسلة من دور العرض في أسواق وسط بيروت، الحق أن الأحوال مزدهرة جداً في هذا القطاع على رغم كل ما قيل عن ان القرصنة تعود بالضرر على هذا الاستثمار وقد تؤدي الى الإقفال تدريجاً كما في بلدان أفريقية. طبعاً الفضل الأول يعود الى السياح الخليجيين والعرب الذين جاؤوا بأعداد كبيرة خلال الصيف المنصرم٠

سمعان بالضيعة
بلغت الإيرادات في الصالات اللبنانية  على مدار 52 أسبوعا  2،498،811 مشاهدا مقابل
مليونين ومئة وخمسين ألف مشاهد في العام 2008. وبلغت نسبة النمو 16 في المئة  نسبة الى السنة التي سبقتها. سلسلة صالات "أمبير" لا تزال مهيمنة على سوق الينما في لبنان مع 52 في المئة من مجموع الإيرادات، إذ بلغت عدد البطاقات التي باعتها العام المنصرم 1309809 بطاقة مقابل 1041964  لعام 2008 اي بزيادة نحو 26 بالمئ. تليها منافساتها سلسلة صالات عراند التي سجّلت 784839 مشاهداً. بعدما كانت استقطبت  592595  مشاهداً في العام 2008
وبلغت حصيلة غراند من السوق الإجمالية نحوا من 31 في المئة. وحلّت ثالثاً سلسلة صالات بلانيت التي تراجعت إيراداتها بنسبة 2 في المئة ولم تستقطب الا ثلاث مئة ألف مشاهد 


فسحة متروبوليس
 الاقبال على الصالات اللبنانية، هناك مشكلتان اساسيتان لا تزال عالقتين: القرصنة والرقابة. لا يكفي أن الدولة لا تفعل شيئاً من أجل حماية الأفلام من السرقة المنظمة (القراصنة معروفون مَن هُم)، بل تفرض رقابة غليظة ومتخلفة، قوانينها تعود الى اربعينات القرن الفائت، وأحيانا ببركة من مؤسسات دينية. الحجج دائماً نفسها: إفساد الاخلاق الحميدة، المس بالمقدسات، اثارة النعرات الطائفية والفتن. تحت هذه الشعارات البائسة، اقتطعت أفلام مهمة. كيف يمكن مثلاً أن ننسى المجزرة التي تعرضت لها رائعة ستيف ماكوين جوع"، فيلمنا المفضل للعام الفائت؟ وكان الاضطهاد أشد قسوة مع " أفلام أخرى، وهذه حال "هلب" لمارك أبي راشد. أما سيمون الهبر فاتُهم بإثارة النعرات في باكورته الوثائقية الطويلة "سمعان بالضيعة"٠
لا يمكن تناول نشاطات العام الفائت من دون التوقف عند الشراكة بين "صوفيل" و"متروبوليس". فهذه الصالة التي شكلت فسحة من الحرية في المشهد السينمائي البيروتي، بعيداً من طغيان النوع الواحد، عانت ولا تزال تعاني من عدم الاستقلالية في البرمجة، الأمر الذي يمنعها من التحليق عالياً واكتساب هوية خاصة لها. هذه الصالة التي مرّت بها أجيال تديرها "متروبوليس" (هانية مروة) على نحو رسمي منذ العاشر من ايلول/ سبتمر الفائت، بعدما غادرت مقرها الاول في مسرح المدينة"، وهي لا تزال تعاني خربطة مستمرة في البرمجة " سببها ربما عدم استقلاليتها الكاملة عن سلسلة "أمبير"، وهذا ما يؤثر في صدقيتها لدى الناس. مع ذلك كله، يبقى هذا المكان البيروتي الحقيقي والأوحد للتمعن والمشاهدة الخلاقة، اذ استقطب منذ اعادة افتتاحه تسعين في المئة من النشاطات السينمائية في البلاد، من "شاشات الواقع" واستعادة أفلام انطونيوني الى النسخة المحلية لأسبوع النقاد فمهرجان السينما الاوروبية، ونحن موعودون بالمزيد في الاشهر المقبلة يبدأ مع استعادة لأفلام روبير بريسون (شباط) وثانية مخصصة لفيلليني (نيسان/ أبريل) وثالثة تحتفي بجاك تاتي (حزيران/ يونيو)٠
   شيء آخر كان لافتاً في العام الماضي هو انحسار موجة أفلام الفيديو  اللبنانية الرديئة التي اقتحمت الصالات في مرحلة ما، وذلك نتيجة اللامبالاة التي تعرض لها البعض منها، مثل "المشهد الأخير" و"شولا كوهين". كذا بالنسبة الى ظاهرة خطيرة أخرى هي "عودة" الأفلام المصرية الهابطة الى الواجهة، بعدما كان جمهورها اقتصر في السنوات التي خلت على رواد شارع الحمرا، وكانت شكلت هذه الموجة حضوراً طاغياً في السوق اللبنانية بلغت نسبتها عشرة في المئة من مجموع الأفلام المعروضة، علماً أن الفيلم المصري "عمر وسليمى 2« أحتل المرتبة الثانية في شبّاك التذاكر اللبنانية العام 2009  مستقطباً  820116 مشاهداً

السينما اللبنانية
عربياً، لا تزال مهرجانات الجيل الأول تدور في حلقة مغلقة يصعب الخروج منها، لأن هؤلاء يحتاجون الى اعادة هيكلة وطرح أسئلة جديدة وازاحة بعض الديناصورات المحنطين من اداراتها للسماح لها بولادة جديدة. أما الجيل الثاني المتمثل في مراكش وابو ظبي ودبي، فلا يزال في طور البحث عن اتجاهات تخوله تأكيد رسالته وفهم غاياته السامية... إن وجدت.
بالنسبة الى المهرجانات الدولية، لا يزال كانّ هو المكان المثالي للرصد والاكتشاف والاطلاع على المستجد والمثير. يكفي أن  تشاهد أفلام المسابقة التى 22 للقول بأنك شاهدت أهم ما أنجز في عام واحد. مرّة أخرى جاءت دورة برلين عادية مع بعض الخروقات الطفيفة، على رغم أنها تضمنت أفلاماً بديعة في مجال الإستعادات (كظاهرة الـ  70 ملم) أا البندقية فكانت بين بين٠

   وسط هذا الفراغ الذي يلف سينمانا،  لم يكن عاماً لامعاً للسينما اللبنانية. برز اسم شادي زين الدين فعرض باكورته "وعلى الأرض السماء" في ختام مهرجان ".. نما في بيروت"، بعد جولة مهرجانية دولية، وجاء مفاجئاً من حيث الشكل الشاعري الحافل بالاستنادات السينمائية. زينة دكاش ربحت جائزة في دبي لشغلها التوثيقي مع المساجين في رومية، فيما تابعت دانيال عربيد غوصها في عالم النساء مع "حكي نسوان"، أما الثنائي لقمان سليم ومونيكا بورغمان فلم يلفت مشروعهما التسجيلي الانظار كما كانت الحال مع فيلمهما السابق، وهو عبارة عن وثيقة مفتوحة تتضمن اربع شهادات لمن شاركوا في الحرب اللبنانية، وحصل هذا في الوقت الذي مرّ فيه فيلم ديما الحرّ "كل يوم عيد" مرور الكرام. أفلام   وثائقيية  لبنانية أخرى أبصرت النور لكل من غسان سلهب ومحمد سويد وماهر ابي سمرا وديغول عيد ونصري حجاج، الخ٠

أسئلة المستقبل
عربياً، برزت اسماء جديدة، في محاولتها الإخراجية الاولى أو الثانية، قد يُعتمد عليها مستقبلاً لصناعة سينما الغد. من هؤلاء: الأخوان نوري، نسيم عماوش، شيرين دعيبس، أحمد ماهر، جود سعيد، مروان حامد، محمد الدراجي، كاملة ابو ذكري، علماً ان تجارب البعض أكثر رصانة ونضجاً من تجارب البعض الآخر، من دون أن ننسى طارق طقية، هذا الجزائري الذي يشكل حالة فريدة في السينما العربية  وخصوصاً من خلال فيلم "غابلا" . أما من  وخصوصاً من خلال فيلم "غابلا"  المكرسين، فجاءتنا أفلام مستواها بين المقبول والعادي والسيئ. نعني بهؤلاء كلاً من يسري نصرالله وميشال خليفي ومجدي أحمد علي ومرزاق علواش وأسامة فوزي ورشيد بوشارب، وطبعاً ايليا سليمان٠
   اسئلة  كبيرة تلوح في الأفق للأشهر الإثنا عشر المقبلة:  ما الجرح الذي ستتركه الأزمة الاقتصادية في سينما المؤلف؟ وهل ستساهم السياسات الثقافية المنتهجة في بعض البلدان العربية في المزيد من التخلف السينمائي؟ كيف ستحدد تقنية الابعاد الثلاثة سينما المستقبل؟ ما السبيل الى الحدّ من القرصنة؟ كيف سيواكب السينمائيون هموم أقرانهم فيما الهوة تزداد بين الفنان ومحيطه؟ وكيف ستتجاوز السينما نفسها، وما هي البقع الجغرافية التي ستبعث بالأفلام العظيمة الى العالم؟ وحدها الأيام المقبلة تكفل الرد على هذه الهواجس التي تؤرقنا جميعاً٠

سينما من  ...... |  تركيا السينما لا التلفزيون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نَص: زياد عبد الله

الخريف

دعوا المسلسلات التركية جانباً، ولنمض خلف السينما التركية، ولعل في الأمر شيئاً من التقاط الأنفاس من "ميلودرامات" لا تنتهي تطفو على سطح الشاشات العربية، وعلى شيء من تعقب سينما عريقة لها ملامحها وحضورها الكبيرين عالمياً، وعلى شيء من تراكم منجزات وأسماء ليس لها أن تمحى من الذاكرة السينمائية، فكما تعرَّف المشاهد العربي على الدراما التركية وما حققته من ظاهرة ترفيهية صارت أثيرة لدى شريحة كبيرة، هناك سينما تجارية مترامية الأطراف حاضرة بقوة في ثقافة هذا البلد، لنا في فيلم "وادي الذئاب" مثالاً كونه قدّم لنا بشكل أو آخر رامبو التركي بوصفه مخلصاً على أرض العراق، وفي خط مواز تحضر انتاجات ذات خصوصية فنية صارخة حققت وما زالت حضوراً في كبرى مهرجانات السينما سواء في كان أو البندقية أو برلين.
أسماء تركية كبيرة في عالم السينما. لنا أن نستعيد منها يلماز غوناي ( وإن كان يعتبر أبو السينما الكردية)، وبالتأكيد نوري جيلان بوصفه واحدا من أهم المخرجين الحاليين في العالم، ولا ننسى فاتح آكين وغيرهم.
لكن في ما يلي لن نكون بصدد تلك الأسماء الكبيرة صاحبة البصمات الدامغة في السينما عالمياً، بل سنمضي خلف تجارب جديدة عرضت أثناء الدورة الثالثة من مهرجان أبوظبي السينمائي الذي احتفى بهذه السينما من خلال عروض مجموعة من الأفلام كان في مجملها لمخرجين يصورون أول أفلامهم الروائية الطويلة.
فيلم "خريف" لأوزكان ألبر في أولى تجاربه الروائية الطويلة جاء محمّلاً بكل ما يجعل من الفيلم خطوة أولى مهمّة على اتصال بموروث السينما التركية، ولعل طيف نوري جيلان كان يحوم في الفيلم ولقطاته الطويلة، واستثماره الطبيعة بوصفها عنصراً حاسماً في العمل، كما هو جيلان في فيلمه الشهير "مناخات" وليكتفي أوزكان بمناخ واحد شديد الخضرة لا تفارقه الأمطار ومن ثم الثلوج.
يحكي فيلم "خريف" عن سجين سياسي اسمه يوسف، أمضى أكثر من اثني عشر سنة في السجن ثمناً لانتمائه الشيوعي، ولنقع عليه وهو في طريقه للخروج من خلف القضبان بعد أن فقد شبابه كاملاً في سنوات اعتقاله الطويلة، ولعل في ذلك محور الفيلم الرئيس.
إنه يخبرنا بشاعرية لافتة، كيف هي حياة من يخسر شبابه في سبيل قضية أو مبدأ، وكيف أن خروجه من السجن سيجعله متأخراً عن كل شيء، وكل ما في الفيلم سيقول لنا ذلك.
 يجد يوسف في قريته وحضن أمه ملاذاً، في الطبيعة الساحرة وعزلتها، يدخن رغم أنه مصاب بمرض خطير في رئتيه، ينام بقسوة وصعوبة، وسرعان ما تداهمه الكوابيس، وذكرى دائمة الحضور في رأسه تتمثل بعصيان يقوم به في السجن.
المتع قليلة، ولم يبق وقت كثير، رحلة مع صديقه إلى أعلى الجبال التي تكسوها الثلوج ستكون فرحاً عابراً، وحين يتعرف على امرأة تكون عاهرة سرعان ما يقع في حبها الذي لا يعمر طويلاً.
كل شيء سيقوده إلى الموت، وهذا ما يحدث في نهاية الفيلم حين نرى جنازته تمضي والثلج يهمي.
كل ما تقدم يستحضر الكيفية التي قدم فيها ذلك، ويستدعي التنويه بالسرد الذي يحاكي هطول الثلج، على مهل، بلاغة اللقطة تقول كل شيء، نعرف حياة أمه دون أن تتلفظ بكثير كلام، كذلك يوسف نفسه وكل ما حوله، وحين يقع في الحب ويقرر أن يذهب مع المرأة إلى بلدها تكون قد سافرت وهربت منه رغماً عنها٠
الخيبات ستطال كل شيء، فليست سنوات السجن فقط ما كان عليه أن يدفع، بل كامل عمره الذي سيكون محاصراً بالخيبة٠
الفيلم الثاني الذي سنعرض له هنا هو أيضاً لمخرج في أولى تجاربه الروائية الطويلة، ولعله سيكون مختلفاً عن "خريف" كونه أكثر اتكاء على حبكة درامية تقود أحداث الفيلم الذي حمل عنوان "السبحة الخطأ" من إخراج محمد فاضل كوسكان٠
في هذا الشريط سيكون للقصة حضورها الطاغي، وللسيناريو أن يكون تقليدياً يمضي خلف قصته في تمهيد سرعان ما يضعنا في خضم أزمته الدرامية التي تتصاعد وصولاً إلى النهاية، ولعل عنوان الفيلم سيكون مفتاحه.
فالفيلم الذي يبدأ بولادة امرأة في كنيسة بمساعدة الراهبات، سرعان ما ينتقل إلى المؤذن أحمد الذي نقع عليه وهو في طريقه لاستلام مهامه في جامع باسطنبول، ولنكون في صدد قصة سرعان ما نخمن إلى أين ستمضي بنا.
جارة أحمد في الشقة التي شغلها تكون امرأة كاثوليكية، سندرك من اللحظة الأولى بأنه سيقع في غرامها، لكن يبقى لنا أن نتعرف على هذا الأحمد، إنه مجبولة بالطيبة والرقة، نقي إلى أقصى درجات النقاء، سرعان ما يعمل بين أوقات الصلاة مع خبير مخطوطات يساعده في العثمانية منها كونه يعرف قراءة اللغة العثمانية بأحرفها العربية، ولنكتشف بعد ذلك أن هذا الخبير هو والد المرأة الكاثوليكية التي لا تعرفه، كونه كان في السجن لانتماءاته اليسارية٠
لن ينتصر الحب في النهاية، سيخرج أحمد سبحة المرأة في الجامع والتي تحمل صليباً،كونه يضعها في جيبه بعد أن عثر عليها في المصعد،  إنها السبحة الخطأ التي يراد لها أن تظهر ما تجتمع عليه الأديان من محبة وتسامح، لكن دون الوقوع في مطب الوعظية وفي وفاء تام للقصة التي تنتهي بالفشل كون أحمد يبقى إلى النهاية عاجزاً عن مصارحتها بحبه، رغم كل ما حاول والدها توفيره من مساعدة.
فيلم "السبحة الخطأ" وفي لأحداثه وشخصياته، وله أن يحمل ملمحاً كوميدياً، متدفق وخفيف الظل، ويقول كل ما يود قوله في إطار قصته التي يقدمها كاملة٠

ممثل عن نفسه | رتشارد هاريس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 الممثل الجاد بين التمثيل والفورميلا

رتشارد هاريس مع فانيسا ردغراف في: كاميلوت٠
قبل وفاة الممثل الأيرلندي رتشارد هاريس سنة 2002 عن 72 سنة بنحو تسعة أشهر جلست وإياه في غرفة قديمة الجدران تتوسّطها مقاعد للطلاب عريضة كل مقعد منها يتّسع لأربعة او خمسة تلاميذ وأمامها طاولة عريضة لأجل أن يقعد وراءها أستاذ المدرسة. رتشارد هاريس لم يكن ترك التمثيل ليصبح معلّماً، بل كان هذا المكان هو جزء من الموزاييك الخاص بتصوير فيلم "هاري بوتر وغرفة الأسرار". لم أجر مقابلة بل تجالسنا نحو نصف ساعة وتركته يتحدّث عن نفسه وعن تجربته في هوليوود  وعن بعض أفلامه فيها مثل "غير المسامَح" لكلينت ايستود و"فيلميه "رجل يُدعى حصان" و"عودة رجل يدعى حصان"، ثم عن التمثيل بشكل عام وضحكنا حين ذكر مرّة أنه كان  يتقدّم صوب صالة سينما لحضور عرض خاص وسمع حوله من يصرخ توم كروز وصل: "نظرت حولي لعلّي أراه فوجدت طوقاً من الحرس الخاص يسير على شكل حلقة لكني لم أر الممثل .... إنه قصير جداً لدرجة أنه لا يُرى". مغزى القصّة، كان موقفه من النجومية بأسرها٠

في زيارة أخيرة لبيروت كنت أقلب في مجلاّتي القديمة ووجدت في  عدد نيسان/ أبريل  1965 من مجلة فيلمز أند فيلمنغ، مقالة كان رتشارد هاريس كتبها عن نفسه وعن طريقته في التمثيل. هذا نصّها موجزة

لقد ذاع صيت عدد كبير من الممثلين الأيرلنديين وعدد كبير أيضاً من الكتّاب الأيرلنديين وسأخاطر لأقول أن السبب هو أن الفن هو تعبير عن مشاعر ودوافع الرجل الداخلية٠ الإنسان يعبّر عن شكوكه واحباطاته والمخاوف الخفية وآماله، وأعتقد أن الأيرلنديين هم شعب تم اضطهاده لزمن طويل ولذلك كافح من أجل شكل من التعبير عن نفسه٠
خلال 700 سنة حاول الإنكليز تحطيم ثقافتنا. برنارد شو قال كل ما استطاع الإنكليز النجاح فيه هو أنهم قضوا على لغتنا لكننا منحناهم ثقافة.  اعتقد هذا واحد من الأسباب التي من أجلها فإن الشعب الأيرلندي شعب شعر

عن الممثل والنجم
 ليس لدي إيمان بالجموع مطلقاً. لا أعتقد أن الناس سيتجاوبون لشيء له قيمة على الإطلاق٠ الممثل في ورطة رهيبة. لقد جرّبت ذلك بنفسي. لكي يتم انتاج فيلم ما فإن اولئك المموّلين سيبحثون دوماً عمن سيكون نجم الفيلم. سيعودون الى حساباتهم لمعرفة كم حقق ذلك الممثل من إيرادات. هذا واحد من المآسي الكبيرة التي تحف بصنع الفيلم. إذا كنت نجماً لا تستطيع ان تختار طوال الوقت، فقط بعض الوقت. الوقت تستغله لتمثل في أفلام مثل "ماجور داندي" و"تمرّد على الباخرة باونتي" لأجل أن تمثل في أفلام من نوع "هذه الحياة الرياضية" و"مرتفعات وَذرنغ"٠ كنت جلست والمخرج لندساي أندرسن لأجل تحقيق فيلم مشترك وكنا نبحث عن المشروع الصالح وذلك بعد أن قمنا بتحقيق "هذه الحياة الرياضية" (1963)، لكن الفيلم سقط تجارياً ووجدنا أن ما هو معروض علينا خف تدريجيا ثم توقّف. بينما تمثيل "مرتفعات وذرنغ" لم يقع الا من بعد أن مثّلت "مايجور داندي" و"الإنجيل" في ايطاليا. فجأة قرر رجال الأعمال أنني أصلح ممثلاً يمكن المخاطرة معه٠
 
عن أنطونيوني
لن أقترح أن أنطونيوني ليس مخرجاً عظيماً. إنه مخرج رائع. إنه يفهم مونيكا فيتي جيداً ومونيكا بحاجة لمن يراعيها، مثل لعبة، ثم بحاجة لمن يطلقها حرّة فإذا بها توفر كل المشاعر المطلوبة منها.   هناك شيء مهم في مثل هذه المشاركة. الممثلون الجادّون اليوم يحبّذون البدء من المربّع الأول والإنتقال منه الى المربّع الثاني وهم بذلك يشتركون في مفهوم الفيلم بأسره. لكنك لن تجد هذا متاحاً في الأفلام ذات التكاليف الباهظة. هذه الأفلام هي نسخ من فورميلا تم استحداثها قبل سنوات٠
في مطلع عملي مع انطونيوني (علي فيلم "صحراء حمراء" سنة 1964) اعتقدت أنه سوف يمنحني هذه المشاركة لأنه فنان كبير. اعتقدت أنه يقدّرني كثيراً كونه اختارني من بعد أن شاهدني في "هذه الحياة الرياضية". كتب لي رسائل طويلة جداً لكي أقوم بتمثيل في فيلمه. حين وصلت الى ايطاليا شعرت بعكس ذلك تماماً.  السبب في اعتقادي أنه كان يحاول تغيير التقليد الذي يعرفه صوب مساحات جديدة وهذا جعله يشعر بعدم الثقة. بعد خمسة أسابيع من وجودي اكتشفت ذلك. وجدت نفسي لست معجباً بالفيلم ولم يكن هناك تعاون بيننا٠

عن الممثل وشبّاك التذاكر
أعتقد  أن التنازل يجب أن يكون متساوياً بين الإثنين، الممثل والمخرج٠ الإثنان عليهما أن يتعاونا، مع الكاتب، منذ البداية. إنه مثل الإنجاب. الجميع عليه أن يتعاون لأجل "إنجاب" الفيلم والممثل ربما كان بمثابة الزوجة٠
أنا لا أعتبر نفسي ممثل أفلام أكشن.  هنا تكمن جمجمتي. هنا أنا مطلوب كممثل ولذلك على الممثل تبعات  تدفعه للجنون فهو عليه تمثيل أفلام شبّاك تذاكر لأجل أن يمثّل ما يريد فعلاً الظهور فيه. يجد أن عليه أن يكون ممثل أفلام أكشن، وأنا لست كذلك٠
لم ننجز "هذه الحياة الرياضية" معتقدين أن جمهور "البيتلز" سيندفع لمشاهدة الفيلم، بل لأننا نؤمن به. لو كانت غاياتنا تحقيق نجاح كالذي حققه "الهروب الكبير" لما صنعنا  الفيلم.

Gladiator
لو أني أعلنت أنني أريد تمثيل فيلم عن حياة براموَل برونتي [شاعر ورسّام وشقيق الكاتبة شارلوت برونتي- المحرر] ومستعد لأن أمثله من دون مقابل، لن يصدّقك أحد. تقول لهم سأعمل لعام كامل من دون مال مقابل تمثيل فيلم أختاره بنفسي  لكنهم لن يصدّقوك وهم لا يريدون أن يصدّقوك أساساً. يريدون أن يكلّفهم الفيلم كثيراً وأن يتباهوا بنفقته. إنها الفورميلا٠

الأفلام الواردة في هذا المقال
Harry Potter and the Chamber of Secrets (2002)  *** | هاري بوتر وغرفة الأسرار
الجزء الثاني من سلسلة هاري بوتر وأخرجه كريس كولمبوس
.......................................................
Unforegiven   (1992) **** | غير المسامح
فيلمه الوحيد مع كلينت ايستوود (ممثلاً ومخرجاً) وجين هاكمان
.......................................................
A Man Called Horse (1970) *** |  رجل يُدعى حصان
وسترن. رجل يقف لجانب الهنود حتى من بعد أن يتعرّض لامتحان ثقة عصيب. إخراج إليوت سيلفرستين٠
.......................................................
Return of A Man Called Horse (1976) *** |  عودة رجل يُدعى حصان
وسترن. أعاد تمثيل دوره الأول في حكاية حول اكتشافه أن البيض  بدّدوا القبيلة التي تبنّته. ينتقم. إخراج إرفنغ كيرشنر٠
.......................................................
Major Dundee (1965) *** |  المايجور دَندي
وسترن.  بطولة مع شارلتون هستون في فيلم بترته كولمبيا كما حلا لها من قبل أن يُجمع ويُطلق كاملاً من جديد. إخراج سام بكنباه٠
.......................................................
Mutiny on the Bounty (1962) ***  |  تمرد على سفينة باونتي
دراما | اقتباس لرواية تشارلز نوردوف الشهيرة تحت إدارة لويس مايلستون لجانب مارلون براندو وتريفور هوارد٠
.......................................................
This Sporting Life (1962) *** |  هذه الحياة الرياضية
دراما. سعي شاب يريد الإنضمام الى فريق رياضي وطريق ذلك ليست سهلة. إخراج لندساي أندرسون٠
.......................................................
The Bible: in the Beginning  (1966) ** | الإنجيل: في البداية
دراما تاريخية ضمّت لجانب هاريس، بيتر أوتول، فرانكو نيرو، ستيفن بويد، أفا غاردنر، جورج س. سكوت وجون هيوستون نفسه في دور نوح٠
.......................................................
The Red Desert (1964) **** | الصحراء الحمراء
دراما. فيلم مايكلأنجلو أنطونيوني الذي خطف ذهبية مهرجان فنيسيا في ذات السنة. الأسلوب على حساب المضمون٠

أفلام أخرى مهمة في تاريخ رتشارد هاريس
Cromwell | Ken Hughes  (1970) ***
كروموَل | جون هيوز
.......................................................
The Molly MaGuires | Martin Ritt (1970) ***
مولي ماغواير | مارتن رِت
.......................................................
99 and 44% Dead | John Frankenheimer  (1974) **
٩٩،٤٤ بالمئة ميّت | جون فرانكنهايمر
.......................................................
Camelot | Joshua Logan (1982) **
كاملوت | جوشوا لوغَن
.......................................................
Patriot Games | Philip Noyce (1992) ***
ألعاب وطنية | فيليب نويس
.......................................................
Gladiator | Ridley Scott (2000) ***
غلادياتور | ريدلي سكوت


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular