Jan 28, 2010

Year 3, Issue 484 | ملامح وشروط السينما المستقلة | الإنتاج المصري - العالمي المشترك | مهرجان طنجة المغربي | برلين الستون | جورج شمشوم

    نظرة أولى
 مهرجان برلين 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الممثل الذي باع  نفسه؟

 
الفيلم الروائي الثالث للمخرجة  السويدية باميلا فيشر كرستنسن وعنوانه "عائلة" (الصورة) هو من بين الأفلام العشرين المشتركة في مسابقة الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي الدولي. دراما عن العلاقات المتشابكة في الحياة العصرية وهو أيضاً موضوع المخرجة البوسنية ياسميلا زبانيتش "على الطريق" مع اختلاف الموقع حيث لا تزال المخرجة تتعامل مع تركة الحرب الأهلية هناك٠
من الماضي أيضاً الفيلم الجديد لأوسكار رولر "اليهودي سوس- صعود وهبوط" وفيه يؤرخ المخرج الألماني  لحياة الممثل الألماني فرديناند ماريان، ويقوم به الممثل النمساوي توبياس موريتي، الذي كان لعب شخصية رجل الأعمال اليهودي جوزف سوس في الفيلم  المعنون "اليهودي سوس" إخراج فايت هارلن سنة 1939 . بعد اندحار النازية تداعى بعض المؤرخين لمهاجمة الفيلم على أساس أنه معاد للسامية، وقد يكون ذلك فعلاً (لم أحظ بمشاهدته) لكن قصّته حقيقية ومفادها أن جوزف سوس الذي وُلد من عائلة يهودية ميسورة سنة 1698 ومات إعداماً سنة 1738 استحوذ على ثقة الدوق كارل ألكسندر فاستحوذ على تجارات عدّة (كالجلد والملح والدخّان) وحقق ثراءاً فاحشاً وأنشأ مصرفاً وأصبح أحد الأعضاء الدائمين في محكمة دوق ڤورتمبيرغ الى أن مات دوق ألكسندر فحوكم بتهم مختلفة منها التآمر على الكنيسة والخيانة وتم إعدامه بالنتيجة٠
فيلم أوسكار رولر لن يسرد تاريخ الشخصية الحقيقية تلك بل سيتحدّث عن ذلك الممثل فرديناند ماريان الذي لعب الدور وكيف كان خيار تمثيل دور اليهودي  في فيلم معاد لليهود صعباً عليه٠
في المسابقة أيضاً "القاتل في داخلي" للبريطاني مايكل وينتربوتوم. شاهدته في سندانس في آخر يوم لي هناك (وسأشاهده مرّة أخرى في برلين): عنيف وجيد في ذات الوقت مأخوذ عن رواية وضعها جيم تومسون سنة 1952 وجيم تومسون هو ذاك الذي وضع رواية "الفرار" فيلم سام بكنباه الرائع 1971  (الذي أعيد تحقيقه على يدي روجر دونالدسون سنة 1994)       
باقي الأفلام لا معلومات كثيرة حولها بما في ذلك فيلم الإفتتاح الصيني "بعيداً معا" لوانغ كوانان وفيلم الختام "حول أخيها" ليوجي يامادا وهو أحد فيلمين يابانيين معروضان في المسابقة. الآخر "الجرار" لكوجي واكاماتسو٠
القائمة الكاملة لأفلام المسابقة وتلك المعروضة عرضاً رسمياً إنما خارج المسابقة

"Apart Together" (China), Wang Quan'an
"A Family" (Denmark), Pernille Fischer Christensen
"A Somewhat Gentle Man" (Norway), Hans Petter Moland
"A Woman, A Gun And A Noodle Shop" (China), Zhang Yimou
"Caterpillar" (Japan), Koji Wakamatsu
"Faith" (Germany), Burhan Qurbani
"Greenberg" (U.S.), Noah Baumbach
"Honey" (Turkey), Semih Kaplanoglu
"Howl" (U.S.), Rob Epstein, Jeffrey Friedman
"If I Want To Whistle, I Whistle" (Romania/Sweden), Florin Serban
"Jew Suss -- Rise and Fall" (Austria/Germany), Oskar Roehler
"How I Ended This Summer" (Russian Federation), Alexei Popogrebsky
"Mammuth" (France), Benoit Delepine, Gustave de Kervern
"On The Path" (Bosnia and Herzegovina/Croatia/Austria/Germany), Jasmila Zbanic
"Puzzle" (Argentina/France), Natalia Smirnoff
"Shekarchi" (Germany/Iran), Raffi Pitts
"Submarino" (Denmark), Thomas Vinterberg
"The Killer Inside Me" (U.S./Great Britain), Michael Winterbottom
"The Ghost Writer" (France/Germany/Great Britain), Roman Polanski
"The Robber" (Austria/German), Benjamin Heisenberg

خارج المسابقة
"Exit Through the Gift Shop" (Great Britain), Banksy, 
"Please Give" (U.S.), Nicole Holofcener,
"My Name is Khan" (India), Karan Johar,
Closing Film: "About Her Brother" (Japan), Yoji Yamada,
Shutter Island" (U.S.), Martin Scorsese,
"The Kids Are All Right" (U.S./France), Lisa Cholodenko,

في هذا العدد

  • سنوات ضوئية | الفوضى في مجال الكتابة السينمائية مستمرّة لأن البعض يرفض أن يعترف إنه يترجم ما يكتبه |محمد رُضا
  • مقال | اسئلة في ماهية السينما المستقلة على هامش مهرجان سندانس الذي ينهي أعماله يوم غد | محمد رُضا
  • كتاب | قراءة في مضمون كتاب أمل الجمل حول الإنتاجات المشتركة بين السينما المصرية والعالم |محمد رُضا
  • نافذة | عشرة عمر بالإكراه هي العبارة التي يمكن لها أن توجز العلاقة بين الرقابة والإبداع | ميسر مسكي
  • مهرجانات | السينما المغربية في مهرجانها الوطني في طنجة ونظرة مسؤول السينما نور الدين الصايل الى أزمتها | نديم جرجورة
  • مهرجانات | لائحة مهرجان برلين السينمائي المقبل تشكّلت او كادت. نظرة سريعة على ما يتم تحضيره للدورة الستين |  محمد رُضا
  • ذاكرة | جورج شمشموم مخرج لبناني مبتعد يتذكّر كيف أحب السينما وكيف صاغ بعض أعماله الأولى | هوڤيك حبشيان٠
  • نافذة خلفية | جوني ويسمولر لم يؤدي مشاهد السباحة وهو بطل أولمبي في هذه الرياضة. الى هذا الحد لم يكن يعرف التمثيل؟ | محمد رُضا
نظرة أولى

سينما مستقلة | عدت من "سندانس" وكلّي قناعة بأن الهدف يحقق النتيجة وليس العكس. الهدف إذا ما وُضع نصب العين دفع الإنسان لكي يسعى والسعي يتطلّب التخطيط والتخطيط سيأتي بالمال والمال سيحقق النتيجة، بالتالي الهدف هو نقطة البداية والنتيجة المنتوخّاة. نعم، هناك في جبال مسكونة بالثلوج في بلدة صغيرة بُنيت في الأعالي قبل مئتي سنة يُقام فيها مهرجان لم يكن لدى القائمين عليه أي فكرة عما إذا كان سيستمر أم لا. رئيسه واحد من نجوم السبعينات في السينما الأميركية. منتم الى النظام ولو كان على يساره لكنه أراد مهرجاناً للسينما الشابّة والمتجددة والمستقلة. وهذه الإرادة كانت هدفه ومنذ البداية أدرك وأدرك أبناء الوسط أن الرجل أصاب هدفه تماماً. كانت فكرة رائعة لم يسبقه إليها أحد. الى ذلك الحين، الفيلم المستقل كان يعرض كالفيلم السائد او المنتمي في المهرجانات كافّة- إذا كان جيّداً. الآن أصبح له نافذة. نجح واستمر وإذ يحتفل بنهاية عقده الثاني يعود الى منهجه السابق (بعدما مرّت عليه بضع سنوات بدا كما لو كان ينزلق صوب فكّي هوليوود) كمعبّر أساسي عن السينما المستقلّة وسينمائييها. التغيير الكبير الوحيد هو أنه كان محلّياً. الآن كل السينمات الشابّة والبديلة والمستقلة والجادة (سمّها ما شئت) تسعى للإشتراك به داخل واحد من مسابقاته او خارجها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجان | مهرجاني المقبل "برلين" إن شاء الله وهذا يختلف طبعاً بإستثناء صقيع المدينة عادة. كتبت مادّة سريعة حول المهرجان لهذا العدد لكن هناك الكثير من الأنباء المتواردة من المهرجان رأساً التي لم يتح لي الوقت بعد حتى مراجعتها. هناك أربعون سنة فرق بين مهرجان سندانس ومهرجان برلين. هذا الثاني يحتفل بعيد ميلاده الستّين فهو انطلق للوجود سنة 1951 وحضرته أول مرّة سنة 1977 وكانت المرّة الأخيرة التي أقيم فيها صيفاً (شهر حزيران/ يونيو) بعدها انتقل الى الشهر الثاني من كل عام أي أنه في غضون سبعة أشهر أنجز مهرجانين كبيرين. في مرّتي الأولى تلك التقي شاهدت فيلم الروسية الراحلة لاريسا شوبتكو البديع "الصعود" الذي نال ذهبية برلين حينها، ثم قابلتها بعد أسابيع قليلة في موسكو خلال حضوري المهرجان الروسي، وأجريت معها حديثاً طويلاً لكن جهاز التسجيل خدعني فسارعت لكتابة ما حفظته من المقابلة حينها. المرّة الثانية والأخيرة التي التقيتها بها كانت في مهرجان سان سابستيان في العام التالي. بعد ذلك بنحو عام او أقل قليلاً تعرّضت لحادث سيّارة وماتت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشاط | دائماً ما آعتقدت أن هواة السينما العرب محظوظين بوجود بضعة أقلام نقدية جيّدة ونظيفة إثنان منها، على الأقل، يغطّيان المهرجانات على المواقع الإلكترونية هما أمير العمري ومحمد رُضا. ها أنا أعود من سندانس لأجد زميلي قد سافر الى روتردام . من سندانس بعثت برسالتين وكتبت مقال افتتاحية لهذا العدد مستوحيا إياها من المهرجان المذكور. أما الأفلام فسأعرضها في "فيلم ريدر" المجلة المتخصصة بنقد الأفلام فقط. ومن روتردام سيواكب الزميل العمري المهرجان العالمي المهم ليوافي قرائه، وبينهم أنا، جديد ما يراه على شاشاته. بعد ذلك، أنا في برلين، ثم كلانا في "كان" وهكذا ... ٠
الصديقان صلاح هاشم وصلاح سرميني لديهما نشاطهما كذلك بين المهرجانات ولو أنهما لا يكتبان بالغزارة المأمولة. أعتقد أنها المشاغل لا أكثر. لكني أيضاً سعيد بجو توافقي شامل بين الإثنين وأدعو الى تكاتفهما دائماً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شباك تذاكر| إيرادات السينما الأميركية من الأفلام التي عرضتها في العام الماضي بلغ 10 بلايين و700 مليون دولار، وهذا عن السوق المحلّي وحده (السوق العالمية لم تنجز تقريرها النائي بعد) الذي شهد عرض 250 فيلماً. الرقم أعلى من ذلك المسجل في العام 2008 وأحد الأسباب "أڤاتار" طبعاً والسبب الثاني انتشار السينما المجسّمة والثالث نجاح غير متوقّع للأفلام الصغيرة والمتوسّطة من "القطاع 9" الى "العرض" و"الجانب الأعمى" ومن "مخطوفة" (ذاك الذي مثّل فيه ليام نيسون دور أب يبحث عن إبنته التي خطفتها عصابة ألبانية في باريس) الى "غران تورينو" لكلينت ايستوود (141 مليون دولار وكلف أقل من ربع ذلك المبلغ). وماذا عن "آثار السهرة" او
The Hangover?
لقد أنجز 277 مليون و322 ألف دولار، أي سبق "ستار ترك" ببضعة ألوف من الدولارات لكنه سبق فيلم رولاند إيميرش "2012" بنحو 90 مليون دولار. الخاسر الأكبر النجوم. باستثناء ساندرا بولوك و، الى حد، ميريل ستريب، أنجزت الأفلام التي لعبت بطولاتها نساء نتائج فاشلة. على الصعيد الرجالي سقطت أفلام لنجوم كبار من توم كروز الى توم هانكس ومن دنزل واشنطن الى جون ترافولتا ومن نيكولاس كايج الى تيم ألن وستيف مارتن وجيم كاري وبن ستيلر وأدام ساندلر وكل واحد من هؤلاء (باستثناء مارتن) كانت هوليوود اعتبرته ملك الكوميديا. في المقابل العديد من الأفلام التي حققت نجاحات كبرى خلت من النجوم على نحو مطلق ومنها
New Moon, Up, Avatar, Star Trek, Transformers 2, District 9
قائمة بأعلى عشرين فيلم إيراداً سينشر في العمود الجانبي٠

المقال
أسئلة مجازة في هوية السينما المستقلة: مستقلّة عن من ولماذا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــ

 Inglourious Basterds
في حضرة أكبر مهرجان للسينما المستقلة تتعدد الأسئلة التي تبغي الوصول الى إجابات محددة. تنظر حولك الى كل هذا الجمع من المخرجين الجدد والقدامي والممثلين المتحوّلين الى الإخراج، لجانب السينمائيين الذي لم يفعلوا شيئاً في حياتهم سوى الوقوف وراء الكاميرا، وتشاهد كل تلك الأفلام التي تصرخ حبّاً في التعبير عن المختلف والجديد فتطالعك تلك الاسئلة ذاتها التي كان الناقد الأميركي أندرو ساريس، الذي تأثر في الخمسينات بالموجة الفرنسية الجديدة، قد طرحها في أحد مقالاته. مثل ما هو الفيلم المستقل؟ وعما هو مستقل بالفعل؟ عن هوليوود؟ عن الجمهور السائد؟ عن الترفيه؟
إليها، لدي اسئلة من عندي: هل مفهوم السينما المستقلة بدأ في الستينات (حين طرح الناقد النيويوركي ساريس اسئلته هذه) أم يمكن اعتبار التجارب التي عرفتها السينما في مطلع القرن الماضي كأفلام مستقلّة؟ وهل انتهت السينما المستقلة في مطلع التسعينات عندما شمّرت شركات هوليوود عن سواعدها وقررت دخول هذا النوع من الإنتاجات؟ هل أفلام مثل أعمال كوينتين تارانتينو مستقلّة ام لأنها موزّعة من قبل شركات هوليوودية لا يصح اعتبارها كذلك بصرف النظر عن روحها؟
الفيلم المستقل هو -في المقام الأول- موقف٠
أنت كمخرج لديك موقف ما حيال العلاقة بين السينما التي ستقوم بتنفيذها وبين الطريقة التي يتم تنفيذ السينما بها. تريد أن تكون مستقلاً عن الطريقة المتّبعة ولديك أسباباً. هذه الأسباب في مجموعها تشكّل موقفك٠أنت ترى أن السينما السائدة ذات النجاحات التجارية الكبيرة (والإخفاقات التجارية الكبيرة لكنها لا زالت مصنوعة للتوجّه الى السائد من أذواق المشاهدين) ليست ما يستطيع حمل رؤيتك الفنية والموضوعية لا تجاه السينما ولا تجاه الحياة. تريد أن تستقل. وما تستقل عنه ليس فقط جهة التمويل وما تفرضه من شروط (تأتي في البداية كتمنيّات) لكي تخطو معك الى عملية تنفيذ الفيلم، بل الفكر الذي يوجّه التمويل نفسه. أنت في موقع يختلف عن موقع المنتج الذي ينظر الى الجمهور كأوراق مالية. أنت تريد أن تحقق ما يجعل هذا لاجمهور أكثر رفعة وذوقاً وذكاءاً، وذلك يضرب بعرض الحائط بكل ما تريد وبكل الرفعة والذوق والذكاء لأن -وبصراحة- عدد المشاهدين الذين يتمتّعون بهذه الخصائص مع الذين لا يتمتعون بها لكنهم سيقبلون على الفيلم راغبين في تجربة فيلم مختلف، أقل بكثير مما في بال المنتج٠
بشطحة كاريكاتورية تستطيع أن تتخيّل المنتج وهو يحمل صندوقاً يدور به على صفوف المشاهدين وكلما كان الصف طويلاً كلما كان أكثر سعادة. إذا ما كان فيلمك المستقل سيدخله ثلاثمائة مشاهد او خمسمائة مشاهد فإن الصندوق لن يمتليء. أما إذا كان النوع الذي يود هو أن ينتجه، فصندوقه لن يكون فارغاً، سوف يفرغه كل يوم كذا مرّة٠
هذا هو الفاصل. النهر الجارف الذي يقف المخرج المستقل على ضفّة منه ويقف المنتج المستقل على الجانب الآخر منه. كل منهما ينظر الى الآخر نظرة الضد. المخرج يعتبر المنتج عدوّ رسالته، والمنتج ينظر الى المخرج معتبراً إياه عدو نجاحه. وفي عمق النظرتين الجوانب الأخرى: المخرج المستقل تبعاً لمواقفه من الحياة غالباً ما هو تقدّمي على الصف اليسار شاء أم أبى يرغب في تأدية رسالة توجيهية ولو كانت محض فنية أيضاً. المنتج يعرف ذلك عن المخرج ويرى من واجبه حيال نفسه وحيال النظام الذي بارك له جمع الأرباح الإستمرار في هذا المنهج وعدم التنازل عنه لا من باب التغيير ولا من باب التأييد ولا من باب الإقتصاد
وهناك نقطتان مهمّتان هنا
المسألة، بالنسبة للمنتج، ليست كم سيكلّف الفيلم المستقل من تمويل. إنه يعرف أن ما يطلبه المخرج غالباً لا يصل الى ربع الميزانية التي يوفّرها المنتج عادة لكل فيلم يحققه. لكنه، مثل المخرج، صاحب مبدأ يقول أنه لم يفتتح جمعية خيرية، بل شركة تجارية وهو لو كان يرى أن السينما المستقلة فيها خير لأقدم عليها قبل سواه (هذا المبدأ تم ضحده في هوليوود حيث لكل من وورنر وباراماونت وديزني وفوكس وصوني ويونيفرسال شركاتهم المتخصصة في إنتاج الأفلام المستقلّة- أي أفلام؟ سأحاول الإجابة عن هذا لاحقاً)٠
النقطة الثانية، هي أن الموقف المستقل ليس فقط مستقلاً عن المنتج الخاص

 The Hurt Locker
في الواقع، المخرج المستقل ليس تقليداً أميركياً، ثم ليس تقليداً مصرياً او فرنسياً او هندياً او في أي مكان السينما فيه مفتوحة ضمن نظام رأسمالي حر. المخرج المستقل قد يكون في دولة تتبع نظاماً اقتصادياً مكتفياً بذاته، كما كان حال الإتحاد السوفياتي وكما هو الحال اليوم في الصين تحت نظامها الحالي. تبعاً لذلك، جون سايلس او جون كازافيتيس او ابراهيم البطوط او رشيد مشهراوي او جان-لوك غودار، ليسوا المخرجين المستقلّين الوحيدين لأن النظم الرأسمالية التي يعيشون فيها تفرض عليهم ، وسواهم، مثل هذا الإستقلال، بل أندريه تاركوفسكي وسيرغي بارادجانوف ولاريسا شوبتكو من أهم المخرجين المستقلّين في العالم كونهم- كالمذكورة أسماءه أعلاه- بدّوا الموقف على المصلحة، والرسالة على الشعبية٠
إنه من المثير للتأمل كيف أن المنتجين في مصر (والمنتجين غير المصريين الذين يتعاملون مع السينما المصرية موفّرين قروض التوزيع الخ ٠٠٠) يفكّرون بنفس النظام الهوليوودي حين يأتي الأمر الى النوع السائد من السينما (حتى في تقسيم السنة الى مواسم ومن حيث اتباع نظام النجوم ذاته من زاوية أن النجم هو من نجح فيلمه الأخير فقط، الخ ٠٠٠٠) ولا يطبّقون الشطر الثاني من المعادلة: حين نجحت السينما المستقلة في احتلال مكانها التجاري الصغير، قررت شركات هوليوود الكبيرة مساعدتها ليس حبّاً في موقفها (او إيماناً به)، بل لأنها بحاجة الى ذلك الجمهور٠
إذ فعلت ذلك، فإن العديد من الأفلام التي اعتبرت مستقلّة كون مخرجيها (مثل تارانتينو او جايسون رايتمان) ليست كذلك حين النظر الى الجوانب غير الإقتصادية من العملية بأسرها. ذلك لأنه مع الأنضواء الى حركة التبادل الدائرة بين المخرج وشركة التمويل فإن قدراً من التنازلات لابد من القيام بها عند الطرفين: الشركة سترضى أن يختار هو من يقوم ببطولة فيلمه، وقد ترضى بأن تكون آخر النسخ الخارجة من المونتاج تنتمي الى رؤيته وليس الى رؤيتها، لكنها سترغب في فيلم يحمل قدراً من الجاذبية (كما فعل مثلا "خمسئة يوم من سَمَر"). لا للتغريب ولا للتجريب ولا للإمعان الذاتي على نحو أفلام ديفيد لينش او جيم يارموش او جون سايلس او جون كازافيتيس والمخرج، طمعاً في إنجاز نجاح في الوسط السينمائي الهوليوودي، سيرضى. طبعاً من حق كل مخرج أن يسعى لجمهور أكبر، وأفضل مخرج مستقل سوف لن يقل سعادة عن أي مخرج تقليدي لو أن فيلمه حقق ذلك النجاح، لكن الواعون يدركون أن الثمن المفترض به أن يدفعه لقاء هذا الوصول باهظ. النتيجة أن فيلمه سيغذي نوعية مختلفة عن السائد ومنتمية اليه في الوقت ذاته. والحديث هنا ليس مالياً، بل فنياً، في الأسلوب، ودرامياً في صياغة المعالجة والسرد٠
في الوقت ذاته، فإن المسألة لا يمكن تطويقها على هذا النحو وحده: كل من "خزنة الألم" و"أفاتار" اللذان تنافسا على الغولدن غلوبس وسيتنافسان على الأوسكار، فيلم جيّد ويحمل رسالة. بالنسبة للأول، هو فيلم صغير الكلفة (نحو 11 مليون دولار) تم إنتاجه من قبل شركة صغيرة أسمها فولتاج بتمويل شركة توزيع صغيرة أسمها
Summit Entertainment
يحمل كل علامات الإستقلال الفني والأسلوبي والتنفيذي غير المتداول في السينما السائدة والى ذلك موضوع معاد للحرب٠
في المقابل، "أفاتتار" فيلم ضخم الكلفة (250 مليون دولار المعلن رسمياً لكن ربما كان الرقم أعلى من ذلك) أنتجته وموّلته شركة فوكس  منتم كامل للسينما السائدة ولسينما النوع الهوليوودية لكنه يتناول موضوعاً معادياً للحروب٠
كلاهما جيّد وبرسالة ذات قضيّة الى يسار الوسط، لكن بفارق انتاجي لا يُقاس. ما يعني؟ ما يعني أن المسألة، في واحد من إطاراتها، ليس أن هذا النوع أفضل او أجدى من الآخر بل يماثله طالما أن الحكم للفن وليس للمال او للقضية٠

كتاب

كتاب أمل الجمل في أفلام الإنتاج المشترك: جهد لتأريخ التاريخ واقتراح الرقابة كعائق  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــ

السينما والسياسة يتعاملان مع بعضهما البعض كل يوم في كل شأن وعلى أكثر من مستوى. السينما هي عاكس مرأي لما يمر به العالم من أحداث وتقلّبات وتغييرات. ليس العاكس الذي يشبه المرآة بحيث ترى كل التفاصيل فتشعر بالملل ولا تعد ترغب في مشاهدة الفيلم طالما أنه يحاول أن يماثل الحقيقة التي تحاول الهرب منها، بل عاكس من نوع أكثر ذكاءاً وعمقاً وفكراً وإثارة. تبحث في كل فيلم (بصرف النظر عن بلاهته او رداءته إذا ما كان على هذا النحو) فتجد أنه يسبر غور مواقف هي بذاتها وجهات نظر سياسية في التاريخ، في السير الذاتية لأصحابها، في الحروب وفي النظم السياسية السائدة اليوم كما في الأمس. فيلم الوسترن ليس قتلاً وتقتيلاً ورعاة بقر. إنه عن كيف صنع الإنسان الأبيض حياته في بيئة قاسية وعنيفة. هذا في المبدأ. حين التطبيق فإن فيلم الوسترن لديه اختيار. يستطيع أن يكون حول صواب اللجوء الى القوّة لحل المسائل فردية او اجتماعية (يمين) او عن سعي فرد للإنتقام من الطبقة التي تحكم بإسمها والمؤلّفة عادة من رجل أعمال، وقاض منحرف، ورجل بوليس فاسد (يسار). فيلم مع استلاب الأرض الهندية بإسم الدين والمدنية (يمين) او ضد هذه السياسة ومع احترام الآخر (يسار)٠
لكن في حين أن الفن الكبير ينتج أبعاداً سياسية، من كل نوع ووجهة نظر، إنسانية عميقة، تجد أن السينما كما هي ممارسة في بعض أركان هذا العالم، مكبّلة بقيود وسلاسل النظام التي تعمل فيه. قد يكون النظام يسارياً وقد يكون يمينياً، الا أنه في الحالتين يؤمن بأن كلمته هي التي تسود كل ما يُنتج من أعمال مكتوبة او مصوّرة. لا داعي لسواها لأن سواها لا ينصب في مصلحة الدولة. هذا المبدأ سارت عليه النظم الستالينية والنازية على حد سواء. كان ولا يزال ممارساً في دول لاتينية ومورس في أسبانيا عهد فرانكو وفي الصين الى اليوم ولا ننسى كوريا الشمالية وفييتنام حيث الحرّية مكبّلة بأصفاد

أمل الجمل، مؤلّفة كتاب "أفلام الإنتاج المشترك في السينما المصرية" لا تتطرّق الى هذه الناحية ولا تقارن بين أوضاع مصرية وعالمية، لكن موضوع الرقابة يحتل صفحات عديدة من كتابها الزاخر بالنماذج والأمثلة تحت مظلة الموضوع الذي يعبّر عنه العنوان أفضل تعبير٠
في الحقيقة، الكتاب ذاته، بتغيير محدد في المعالجة، يصلح لأن يكون تأريخاً للرقابة المصرية حيال السينما والأفلام ونظرتها إليهما. صحيح أن الجانب المطروح هنا هو الأفلام ذات الإنتاج المشترك، لكن القاريء لهذا العمل الموسّع، يعلم أن ما يُقال في العلاقة بين الرقابة والسينما المنتجة من طرف مصري وطرف او أطراف غير مصرية، هي ذاتها التي تحكم العلاقة بين الرقابة والفيلم المصري المنتج داخلياً٠
وهناك سبب مهم لذلك: كيف سيتمكّن النظام الذي يمارس هذه العلاقة من تأسيس نفسه عميقاً في جذور التربية الوطنية والإجتماعية ويجعل نفسه أمراً واقعاً وقابلاً للإستمرار إذا لم يُسيّر الوسائل التي يقرأها ويسمعها ويشاهدها الناس في حياتهم اليومية؟ الكتب والمجلات والصحف كما الإذاعات كما التلفزيون والسينما، عليها جميعاً أن تعمل لصف الوضع القائم لكي تنجز الأهداف العليا. هذا هو مفهومنا العربي للدولة. ليس المفهوم الأوروبي وليس المفهوم في صياغته الإنسانية المطلقة٠
في وسط هذا الوضع، فإن المبدع مقيّد اليدين وغير المبدع متحرر. الأول لا يستطيع سبر غور مهنته والتوسّع في أعماله حتى ولو لم يكن بالضرورة سياسي التصوّر، والثاني مُتاح له أن يعمل ويزدهر طالما أنه اختار طريق السلامة٠
الكتاب يوعز بهذه الملامح الفعلية للعلاقة بين الرقابة وبين السينما طوال الوقت، منذ أن يبحث في "الخلفية التاريخة، الإقتصادية، السياسية للإنتاج السينمائي المصري المشترك" (الفصل الأول من الباب الأول) وصولاً الى مادّة الصفحات الأخيرة المخصصة لفيلم "ناجي العلي" كما أخرجه الراحل عاطف الطيّب. علي طول هذا الخط تبرز الرقابة كجهة تقف عندها المشاريع المشتركة من ناحية وكفاعل في تسيير دفّة السينما على النحو الذي يؤمّن لها تنفيذ الأسباب التي دعت الى قيامها٠
إذ ينطلق الكتاب من الأربعينات حين تم إنتاج "أرض النيل" ويمضي في رحلته، يقلّب في صفحات النظم التي توالت من مصر قبل الثورة، الى فترة جمال عبد الناصر ثم فترة أنور السادات ثم مبارك، ليس بهذا الترتيب، بل عبر فصول منبثقة عن نوعيات وفئات الإنتاجات المشتركة ذاتها بدءاً بالسنوات الأولى حيث كان مفهوم الإنتاج المشترك بين مصر وباقي أنحاء العالم لا يزال ضبابياً لأسباب مختلفة (من بينها اختلاف وجهة النظر بين ثقافتين غير متصالحتين على فهم واحد لما يرد في صلب الإنتاج الواحد وطريقة التعاون ولمن يتبع الفيلم في هذه الحالة) وانتهاءاً بالباب الذي عنونته الكاتبة بـ "سنوات التحقق" وهي السنوات التي شهدت دوران عجلة الإنتاج المشترك في الثمانينات٠
في هذا الباب من الطبيعي جدّاً أن تخصص الكاتبة معظم الصفحات لدراسة العلاقة الثقافية (وأحياناً السياسية) بين مصر وفرنسا وبالتالي الإنتقال الى السينما التي عملت أكثر من سواها تحت راية هذه العلاقة وهي سينما يوسف شاهين وإنتاجات شركته الإنتاجية التي عمل في مطبخها كل من خالد يوسف وخالد الحجر وأسماء البكري ويسري نصر الله بين آخرين
تعتمد الكاتبة على مزيج من الآراء النقدية حين تتعرّض لمعظم الأفلام المندرجة خلال الكتاب. تستعيد ما قاله نقاد وسينمائيون في هذه الأفلام وتعمد أيضاً الى المراجع الصحافية في تنقيبها عن الحقائق والآراء وهذا طبيعي يتطلّبه البحث في التاريخ. لكن يتمنّى المرء لو كان هناك الكثير من عندها هي. صحيح أنها تعلّق على أفلام معيّنة، لكنه تعليق غالباً ما يقع بين تعليقات الآخرين غير مفصول بانتمائه الى منهج خاص يبرز رأيها. صحيح أن غيابها لا يعيب المنحى التاريخي والتأريخي من العمل، لكنه يبعد عنه القراءة الذاتية التي هي دائما مطلوبة لقراءة أكثر شمولاً٠
في هذا النطاق تنتقل المؤلّفة من استخدام حرف النسبة الى المتكلم الى استبدالها بعبارة "الكاتبة"
الناحية المزعجة الوحيدة التي سجّلتها هي أن بحث الكاتبة يبدو كما لو كان اكتفي بالتنقيب عما كُتب وذُكر في المراجع المصرية، التي قد تخطيء تهجئة إسم أجنبي او تكتفي بذكر إسم واحد عوض الإسم كاملاً. إذ انطلقت للبحث في بعض هذه الأسماء وحقيقتها تبيّن لي أن الكثير مما ذُكر حولها يشكل مادّة بحث أوسع. بعض الأفلام المذكورة كمشاريع تم إنتاجها فعلاً لا مراجع مستقلّة لها تؤيد هذا الإتجاه (كما في "حدث في مصر" وهو مشروع مصري/ مجري لم أجد عنه أي ذكر في أي مكان- ولا حتى إسم الشركة المجرية التي قامت به). أحياناً يفوت الكتاب أن بعض الأسماء الغربية كانت لا زالت حيّة حين بوشر العمل عليه ويشعر القاريء بالتمنّي لو أن الكاتبة وجدت الطريقة التي تطرح فيها الموضوع من وجهة نظر يقف صاحبها عند الناحية الثانية من السياج٠

مهرجانات
مهرجان الفيلم الوطني الحادي عشر في طنجة المغربية
بضعـة مشاريـع مهمـة لكـن الغلبـة للسلبيـات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة  ــــــــــ

إنه احتفال وطني بالسينما المحلية. لقاء سنوي، يتيح اطّلاعاً على ابتكارات إبداعية متفرّقة، يصنعها سينمائيو هذا البلد الأفريقي في أوقات مختلفة. إنه تواصل. والتواصل مع نتاج محلي في الخارطة العربية، المعقودة على الانشقاق والابتعاد الجغرافيين والثقافيين والإنسانيين، يعني أن التعارف يوطّد ثقافة ويحصّن معرفة ويزيد وعياً. لا يُمكن اعتبار الوصف السابق مضخّماً. واقع الأمر كامنٌ في أن التواصل العربي العربي مفقود، في المستويات كلّها تقريباً. الرحلة مفيدة. لأن الطابع المحلي للمهرجان يتيح للمهتمّ بشؤون الفن السابع عامةً فرصة مشاهدة ما أنتجه السينمائيون، المخضرمون والمحترفون والشباب والمبتدئون، من أفلام جديدة. والرحلة، إذ انطلقت من بيروت ومرّت بباريس لساعات قليلة، شكّلت لحظة إنسانية خاصّة، متمثّلة باستعادة زيارات سابقة لمدينة حاضرة في الذات كروح إضافية، ولبلد موجود في القلب كعشق مفتوح على احتمالات الخيبة والفرح الملتبس معاً٠
حيّز جميل
مساء السبت الفائت، افتُتحت الدورة الحادية عشرة لـ «المهرجان الوطني للفيلم» في المدينة المغربية طنجة. هذه المدينة المطلّة على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط في حيّز جغرافي جميل، جعلت السينما ملاذاً لمهتمّين ساعين دائماً إلى اكتشاف الجديد. وهي، إذ تخصّص بالسينما مهرجانين اثنين كل عام، منضمّة إلى مدن مغربية عدّة تشهد حركة سينمائية كثيفة، محلية وعربية وغربية، إنتاجاً وتصويراً ومهرجانات وعروضاً، في اثني عشر شهراً سنوياً. فإلى «المهرجان الوطني للفيلم»، فتحت المدينة بابها واسعاً أمام احتفال بالفيلم القصير المتوسطي، لتشيع مناخاً من الرخاء الإبداعي، على الرغم من قلّة الأفلام الجدّية والسينمائيين الجادّين غالباً. المهرجان الوطني، الذي تنتهي دورته هذه مساء بعد غد السبت، مرآة لإدراك مسار السينما المحلية، التي لا تجد طريقها إلى بلدان المشرق العربي لألف سبب وسبب: سوء توزيع. رفض موزّعين خوض تجربة ثقافية وفنية قد لا تلقى نجاحاً جماهيرياً، أي تجارياً. قلّة عدد المُشاهدين المشرقيين المكترثين لصناعة السينما في المملكة المغربية ودول المغرب العربي. عدم قدرة المشرقيين على فهم اللهجات المغاربية، والعكس صحيح أيضاً، مع أن التلفزة العربية قرّبت، إلى حدّ ما، بين المشرقيين والمغربيين من خلال مسلسلات عدّة سمحت للمغربيين بالتعرّف الى لهجات مشرقية، في حين أن الاتجاه الآخر، التلفزيوني على الأقلّ (أي من المغرب العربي إلى المشرق العربي)، لا يزال معطّلاً. غياب الثقافة السينمائية الجماهيرية (في المشرق والمغرب العربيين على حدّ سواء، مع التنبّه إلى التفاوت المعرفي بين المُشاهدين هنا وهناك). لكن، مع هذا كلّه، تختار إدارات مهرجانات سينمائية عربية أو دولية مُقامة في مدن عربية أفلاماً مشرقية ومغربية، في إطار التبادل المعرفي والثقافي. أما المهرجان المتوسطي للأفلام القصيرة، الذي تُنَظَّم دوراته السنوية في تواريخ متبدّلة، فدعوة مفتوحة على رائحة البحر الأبيض المتوسط، إلى معاينة الصورة السينمائية في تعاطيها مع شؤون الفرد والحياة، ومع أساليب العيش والقول٠
 فينك أليام
والمدينة معقودة على التناقضات. لكنها مسيّجة بقدرتها على أن تكون، وسط تحدّيات جمّة، أكبر من أن تُختزل بنصّ أو كلمة أو تحليل. الجلوس في . التجوّل في أحياء الناس العاديين.1954مقهى شعبي على حافة الطريق الرئيسة، أو في المقهى الذي أسّسته السيّدة الفرنسية «بورت» في العام الدخول إلى مكتبة أو محل لبيع الحاجيات اليومية. السهر في حانات الليل وخمّاراته وباراته وملاهيه المتفرّقة. مُتَعٌ لا تتفوّق على متعة المشاهدة السينمائية، وإن لم تكن أقلّ منها روعة وبهاء. سحر المدينة لا يوصف، وإن لم يعثر عليه البعض، أو لم يجده البعض الآخر باهراً إلى حدود الصدمة. زيارتها شتاءً، مختلفة تماماً عن زيارتها صيفاً. والسينما حافزٌ أول دائماً. مع أنه، بعد زيارات عدّة، يصبح حافزاً موازياً للمُتع الأخرى. الاسترخاء داخل المدينة وعلى ضفافها، متعة تجعل السينما أقرب إلى النفس والروح والوعي والانفعال. الاسترخاء داخل الصالة السينمائية وفي شاشتها الكبيرة، متعة تجعل الزيارة منفذاً إلى حرية مرهفة وهدوء لا مثيل له. لكن متع المدينة وضفافها أكبر من متع الصالة وشاشتها، لأن أفلاماً عدّة يُشاهدها المرء في المهرجانين الوطني والمتوسطي تثير انزعاجاً ما، لرداءتها أو بساطتها أو سذاجتها. ومع أن الهدوء هنا ارتبك، للحظات طويلة، مُحدِثاً قلقاً في الذات جرّاء الكارثة التي حلّت بطائرة أثيوبية على بُعد لحظات قليلة من بيروت مطلع الأسبوع الجاري، بعد أيام عديدة على زلزال هايتي؛ إلاّ أن خيال السينما وواقعيتها يسندان المرء في مقارعة المظالم، الطبيعية والبشرية، في أحيان كثيرة. في اليوم التالي للكارثة الإنسانية تلك، بدا الجلوس في مقهى «بورت» مثقلاً بأسئلة العبث والصدفة والقدر. لم تعد معرفة السبب ضرورية. لم تعد أرقام الضحايا مفيدة. هناك أمرٌ غريب يحدث. ليس لأن الكارثة المذكورة هي الأولى، بل لأنها جزء من سلسلة كوارث لا تنتهي، ولا يُمكن للحياة أن تستمرّ من دونها. كأن الحياة فعل انبثاق دائم من لجّة الموت. أو كأن الموت امتدادٌ للحياة وأثقالها و... أفراحها أيضاً٠
احتفال
في طنجة، احتفاء بالسينما المغربية. خمسة عشر فيلماً طويلاً وخمسة عشر فيلماً قصيراً. مسابقتان رسميتان. لجنتان اثنتان للتحكيم. أمزجة مختلفة. جمهور غلب عليه سينمائيون وإعلاميون وصحافيون مغاربة. الضيوف الأجانب قليلون. «المركز السينمائي المغربي»، منظّم المهرجان، ارتأى حصر المهرجان الوطني بالداخل المغربي في دوراته السابقة، التي كانت تُعقد مرّة واحدة كل عامين، قبل أن يُصبح سنوياً. لكنه رأى أن الانفتاح على آخرين، عرباً وأجانب، مفيد وضروري. اتفاق ما مع مؤسّسات بريطانية وعاملين بريطانيين في شؤون سينمائية، أتاح لقاء لتبادل الخبرات والبحث في تأسيس تعاون سينمائي جدّي، أرادته هذه المؤسّسات وسعى إليه هؤلاء العاملون السينمائيون مع دولة مُعتَبرة، تاريخياً، بأنها فرنكوفونية. ليس الأمر نزاعاً بين الفرنكوفونية (المتوغّلة عميقاً في بنية المجتمع المغربي وثقافته، أو في جزء رئيس منهما على الأقلّ) وأنغلوساكسونية، وجدت أن اللحظة مناسبة لتسجيل اختراق ما في إحدى أبرز الدول العربية الأفريقية نشاطاً سينمائياً. لكن الانفتاح المغربي على تعاون فني/ سينمائي مع دولة كبيرة كبريطانيا يعكس رغبة في توسيع دائرة التبادل المعرفي والمصالح الإنتاجية، بما يفيد الإنتاج المغربي٠
إذاً، في الأيام الأولى للدورة الحادية عشرة لـ «المهرجان الوطني للفيلم»، عُرضت أفلامٌ متفرّقة، طويلة وقصيرة. لكن المأزق واضحٌ. هذه أفلام محتاجة إلى تأهيل سينمائي فعلي. الأفكار مهمّة. المادة الدرامية مؤثّرة. المواضيع قابلة للتحوّل إلى أشكال سينمائية. لكن المعالجة مثقلة بمشاكل فنية وتقنية جمّة. الرغبة في استعادة الماضي محرّك لإنجاز مشاريع ظلّت على مسافة من الصناعة السينمائية المتمكّنة من أدواتها المعرفية والتقنية. الغرف من اللحظة الراهنة ما يطرح أسئلة الوجود والهوية والتفاصيل والحياة معينٌ يُفترض به ألاّ ينضب، بل أن يمنح السينمائي ركيزة لإعمال المخيّلة. لا تنفع المواضيع وحدها. موقف مُكرّر دائماً إزاء مشاهدة شخصية أفلاماً عربية كثيرة، في الآونة الأخيرة. التعليق النقدي يحتمّ الإشارة إلى أن تشابهاً ما بين نتاجات سينمائية مشرقية ومغربية واقعٌ فعلياً. المُشاهدة تكشف هذا الأمر. الأمثلة المغربية في المهرجان الوطني عديدة: أحمد كاسيو» لإسماعيل سعيدي. «فينك أليام» (أين أنت أيتها الأيام) أو «أقدارٌ متقاطعة» لِدْريس شويكا. «إكس شمكار» (متشرّدون « سابقون) لمحمود فريتس. ارتكز الأول على قصّة حقيقية، بطلها أحمد كاسيو البالغ من العمر، حالياً، اثنين وتسعين عاماً (شارك جمهور المهرجان، شخصياً، في مشاهدة الفيلم). استعاد الثاني مرحلة «سنوات الرصاص» (سبعينيات القرن الفائت)، ليعيد رسم ملامح النضال اليساري الطالبي، والآلام التي عاناها طلابٌ شبابٌ راغبون في تغيير أحوال بلد ومجتمع. انتقى الثالث مسألة إنسانية حسّاسة، متمثّلة بحالة المتشرّدين وأحلامهم الكبيرة وصدماتهم المتتالية. تشابهت الأفلام الثلاثة في مستوى المعالجة الدرامية. المادة غنيّة بمعطيات كثيرة، لكن ترجمتها السينمائية مصابة بخلل وارتباك واضحين. هناك تصوير بديع ومهمّ أحياناً (راوول فرنانديز مصوّر «أحمد كاسيو»). هناك لقطات مشغولة بعناية بصرية سليمة (فينك أليام). لكن الغلبة للسلبيات. غياب التمثيل. اهتراء المعالجة المكتوبة والمصوَّرة مثلاً٠

في المقابل، برزت ثلاثة أفلام قصيرة مهمّة، تصويراً ومعالجة وإدارة فنية وتمثيلية: «ألو بيتزا» لمراد الخاويدي، «رجوع» لعبد الإله زيرات و«ليلة العرض» لمحمد لعبضاوي. الجريمة والشبق الجنسي والغياب الملتبس بين الواقع والخيال، مفردات أساسية انبنى الأول عليها. الهجرة والموت والانكسار والوحدة الذاتية، أدوات الثاني في مقاربة همّ إنساني متمثّل بالهجرة غير الشرعية، المتنامية في دول المغرب العربي عامة، وفي الجزائر والمغرب خاصّة. الوحدة وألم ما بعد الموت وخسارة الصديق والعشق الكبير للفن، مناخ الثالث، الذي أضيف إليه حضور أحد أبرز السينمائيين المغاربة العربي اليعقوبي، الذي يُشكّل جزءاً جوهرياً من تاريخ السينما المغربية. هذه مشاريع سينمائية جميلة. صنّاعها شبابٌ مقبلون بنهم وشغف إلى الفن السابع. أدوات تعبيرهم صافية. محتاجون هم إلى دعم مالي وتشجيع معنوي. القراءات النقدية مفيدة لهم، شرط الاستماع والمناقشة. أفلام قصيرة أخرى مملّة. عاجزة هي على تشكيل نبض حيّ في ذاتها. الانفصال العائلي والعودة إلى البلد لوداع الأب والتمزّق الداخلي، عناوين لافتة للانتباه في «كاميلا وجميلة» لسعاد آميدو. لكن المعالجة الفنية ضعيفة. التصوير والكادرات أيضاً. التمثيل. أمور مهمّة٠

 نور الدين الصايل
أرقام
هناك جانب آخر من الحكاية. بعض المهتمّين المغاربة بالشأن السينمائي المغربي يعيبون على «المركز السينمائي المغربي» تمويله/ إنتاجه مشاريع كثيرة في كل عام، لا تستوفي غالبيتها الساحقة شروطها الإبداعية المطلوبة. يقول هؤلاء إنه من الأفضل دعم مشاريع قليلة، إنتاجاً أو تمويلاً أو مشاركة في الإنتاج، والسعي إلى تحويلها الى أفلام جدّية ومهمّة؛ بدلاً من إكثار العدد السنوي للأفلام، التي يصعب على المهتمّ العثور على المهمّ والأفضل والأجمل بينها. مسؤولو المركز مستمرّون في خطّتهم. نور الدين الصايل (رئيس المركز وأحد أبرز الناشطين السينمائيين في المغرب وأكثرهم نفوذاً) يملك رؤية خاصّة به، متمثّلة بفتح الأبواب أمام المشاريع المحلية، من دون تناسي سعي سينمائيين غربيين وعرب إلى المغرب لتصوير مشاهد من أعمالهم، أو تصوير أعمالهم كلّها. في إطار الدورة الحادية عشرة هذه، التقى الصايل، برفقة أحد أبرز مسؤولي المركز محمد باكريم، سينمائيين وضيوفاً مغربيين، مقدّماً لهم حصيلة العمل الذي قام به «المركز السينمائي المغربي» في العام الفائت
في الملف الموزّع على بعض المهتمين بلغة الأرقام، بعنوان "حصيلة السنة السينمائية 2009" توثيق كامل لنشاط المركز في إنتاجه وتمويله أفلاماً مغربية وفي دعمه تصوير أفلام سينمائية وتلفزيونية أجنبية. استثمر المركز مبالغ متفرّقة، منها 52 مليونا و50 ألف دورهم (ستة ملايين ونصف درهم مغربي تقريباً) لإنجاز تسعة عشر فيلماً طويلاً في أشكال مختلفة، كالدفع المسبق على المداخيل الخاصة بمشاريع الأفلام، او كالدفع المسبق على المداخيل بعد الإنتاح٠
في حين ان الإستثمار المتعلّق بالأفلام السينمائية الطويلة والتلفزيونية الأجنبية المصوّرة في المغرب، تراجع الى النصف تقريباً عما كان عليه في العام الأسبق. ففي مقابل 913 مليون درهم مغربي (نحو 117 مليون دولار أميركي) في العام 2008 ، تراجع الرقم الى 414 مليونا و863 الف درهم مغربي (نحو 53 مليون دولار أميركي) في العام 2009. "يكمن سبب التراجع في الأزمة العالمية ما أدّى الى تأجيل عدد من المشاريع" كما قال الصايل مشيراً في الوقت نفسه الى أنه على الرغم من هذا، يبقى المغرب "أول دولة في العالمين العربي والأفريقي من حيث حجم الاستثمارات السينمائية»، واصفاً الاستثمار في السينما المغربية بكونه «استثماراً للمستقبل». وأضاف أن الاستثمار في المجال السينمائي «ليس تبذيراً» بل «استثمار لوجودنا في السوق العالمية»، مطالباً بإنتاج عدد أكبر من الأفلام المغربية، وداعياً السينمائيين إلى الاضطلاع بدور محوري في هذا الاتجاه، ومعتبراً أنه «دور حضاري وثقافي وتجاري في آن واحد». ورأى أن الساحة الفنية محتاجة إلى مزيد من الإبداع السينمائي، ودعا السينمائيين الشباب، الذين أخرجوا أفلاماً قصيرة، إلى اختبار تجربة إخراج الأفلام الطويلة٠
بلغة الأرقام أيضاً فإن "المركز السينمائي المغربي" منح رخص تصوير لـ 29 فيلماً مغربياً (منها عدد لم يذكر من أشرطة فيديو كليب) و17 فيلماً وشريطاً أجنبيا في حين أن عدد الرخص الممنوحة للأفلام المغربية القصيرة بلغ ثمانين رخصة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
 مهرجانات  2
ملامح مهرجان برلين السينمائي المقبل تشكلت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــ
Ghost Writer | Roman Polanski
التشكيلة النهائية لأفلام الدورة الستين لمهرجان برلين السينمائي الدولي لم تُعلن رسمياً بعد، لكن القسم الغالب من الأفلام المشتركة في مسابقة هذه الدورة (وفي التظاهرات المهمّة الأخرى) تم تحديده والإعلان عنه على أي حال٠
وحسب المصدر الصحافي فإن عدد الأفلام التي اختيرت للعرض الرسمي حتى الآن هو 26 فيلماً، خمسة منها خارج المسابقة، بينما سيتّسع قسم بانوراما لنحو خمسين فيلم آخر وسيستوعب قسم فورام نحو سبعين فيلم بين قصير وطويل، لجانب أقسام أخرى تتوزّع في إطر مختلفة من بينها نظرة على تاريخ المهرجان ومراحله تعبّر عنها بضعة أفلام منتقاة، كما بانوراما أخرى يقيمها قسم "فورام" بمناسبة دورته الأربعين. وقسم "فورام" هو قسم منفصل ذاتياً عن المهرجان برئيسه ولجانه لكنه منتم الى المظلّة الكبيرة التي تحوي المهرجان ككل. وتنحصر معظم أفلامه في الإحتفاء بالأعمال الجديدة وذات النفحة التجريبية او الغرائبية وهو عادة ما يجذب جمهوراً غالباً من الشباب الذي يفضّل مبدأ الإقبال على أفلام يحققها أبناء جيله على تلك التي يصنعها مخرجون من أجيال أخرى٠
خطّة برلين المقبلة هو توفير أكثر من محور للإهتمام، فإلى جانب أنه المناسبة الستّون التي هي فرصة لاستعادة التاريخ وتتويج الحاضر، هناك الأعمال التي تم اختيارها من دول مختلفة لتعكس ما عُرف به برلين طويلاً كنقطة التقاء بين جهات العالم الأربعة. هذا الدور كان أكثر بروزاً حين كانت برلين نفسها تقع بين جهتين واحدة شرقية والأخرى غربية، حيث كان سعي المهرجان واضحاً لإتاحة أفضل ما لدى الجزء الشرقي من أوروبا من إنتاجات على جمهور الجزء الغربي. أما وبعد سنوات من وحدة الوطن والمدينة ذاتها، فإن السعي للبقاء كنقطة لقاء بات أكثر صعوبة من ذي قبل، فالمهرجانان الكبيران المنافسان، فنيسيا وكان، يستطيعان الإدّعاء بأنهما ملتقى الأفلام من كافة أركان الأرض٠
هذه الحقيقة تدفع المهرجان الألماني للبحث حثيثاً عن أفلام جديدة تعبّر عن رؤى عالمية لجانب أنها أفلام عالمية في الأساس. وبعض هذه الأفلام لم تستطع اللحاق بفنيسيا ولا زال مهرجان "كان" بعيداً عنها، ما يجعل برلين محطة رحبة لها٠
فيلم الإفتتاح سيكون صينياً بعنوان "منفصلان معا": دراما عاطفية للمخرج كوانان وانغ الذي سبق له وأن قدّم فيلمه السابق "زواج تويا" في إطار مسابقة المهرجان نفسه وذلك سنة 2007. وفيلم الختام سيكون بدوره من الشرق الآسيوي إذ سيتم عرض فيلم ياباني عنوانه "عن أخيها" للمخرج يوجي يامادا٠ وهناك فيلم ياباني آخر بعنوان"يرقانة الفراشة" لكوجي واكاماتسو حول جندي ياباني عاد فاقداً أطرافه من الحرب العالمية الثانية وكيف سيُستقبل من قِبل مواطني قريته٠
من الصين فيلم زانغ ييمو الجديد "إمرأة، مسدّس ودكّان نودل" المأخوذ عن فيلم الأخوين كووَن "دم بسيط"٠
من ألمانيا هناك فيلم عنوانه "شهادة" حول أزمة فردية ذات محيط اجتماعي شامل بعنوان "شهادة". المخرج هو أفغاني الأصل أسمه برهان قرباني الذي وُلد في برلين ويطرح عمله الأوّل هذا على نفس خطوات المخرج فاتح أكين الذي أطلقه مهرجان برلين قبل بضع سنوات والذي جاء من أبوين تركيين مهاجرين الى ألمانيا٠
أسماء أكثر شهرة
أوروبياً أيضاً، فإن أحد الإشتراكات المؤكدة فيلم "ماموث" مع إخراج مزدوج بين بنوا ديلابين وغوستاف كرفرن يجمع دولاً ثلاث في عملية انتاجه هي المانيا والسويد والدنمارك. وهو من بطولة إزابيل أدجياني وجيرار ديبارديو وثمّة إنتاج مشترك بين فرنسا والأرجنتين بعنوان "أحجبة" مخرجة جديدة أيضاً أسمها ناتاليا سميرنوف٠
بالإنتقال الى روسيا فإن واحداً من الأفلام الخمسة التي ستعرض في الأقسام المتعددة ووحيدها في المسابقة هو "كيف أنجزت هذا الصيف" حول رجلين يعملان في نقطة منعزلة من القطب الشمالي وكيف ترتفع العدائية بينهما في تلك المنطقة التي لا يستطيع أي منهما توقع تأييد من أي طرف خارجي٠
وهو من إخراج إليكساي بوبوغربسكي الذي كان فيلمه السابق "طرق الى كوكتبل" دار في أجواء منعزلة أيضاً٠
لا يخلو المهرجان من أفلام أكثر شهرة وذلك الى جانب إسم زانغ ييمو المعروف جدّاً على مستوى المهرجانات الدولية. ولعله من بين المسائل الدقيقة الوقوف على ردّ فعل المشاركين حيال فيلم رومان بولانسكي الأخير "الكاتب الشبح"، الفيلم الذي أنجزه وهو قيد الإقامة الجبرية في سويسرا. إنه فيلم فرنسي التمويل ناطق بالإنكليزية حول رئيس وزراء بريطاني سابق يكتشف أن أحداً استولى على وثائق ومدوّنات شخصية تهدد سمعته. البطولة بين بيرس بروسنان وايوان مكروغر


 Shutter Island | Martin Scorsese

فيلم كبير آخر آت من الولايات المتحدة هذه المرّة هو "جزيرة محجوبة" لمارتن سكورسيزي الذي يتحدّث عن شرطيين فدراليين يدخلان سجناً خاصّاً بالخطرين نفسياً ليجدا نفسيهما أمام خطر البقاء داخله بعدما كشفا الستار عن حالات غير قانونية تدور فيه. البطولة هنا لليوناردو ديكابريو ومارك روفالو مع بن كينغسلي٠

ذاكرة
السينما حياة جورج شمشوم الثانية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوڤيك حبشيان ـــــــــــ

 يعود شغف جورج شمشوم بالسينما الى سينمات طرابلس. كثرة مشاهدة الافلام لديه تحولت "حياة ثانية" جعلته يختار فرنسا حيث نال شهادة الدبلوم، محطة لتخصيب أدوات المعرفة، ولاحقاً الولايات المتحدة التي انتقل اليها للعمل، بعدما ادرك ان محدودية السينما اللبنانية لا تكفي أحلامه السينيفيلية. له اليوم نحو 35 فيماً انتج بعضها وتولى اخراج بعضها الآخر. انه من جيل السبعينات التي بنت عليها السينما اللبنانية آمالها، قبل ان تلتهمها نيران الحرب الاهلية٠

عند محادثتك لجورج شمشوم تراه ينصح المخرجين الجدد بعدم الاكتراث للفشل الجماهيري أو النقدي ومواصلة مسيرتهم وعدم الوقوع في اليأس. "أياً تكن قيمة الفيلم الفنية فلا يجوز ان ينكره مخرجه. والتواضع، الى جانب موهبة الفنان، عنصر مهم في نجاحه وتطوره. أؤمن بمستقبل سينمائيين لبنانيين، ولا أؤمن بالسينما اللبنانية التي لن تصبح يوماً حقيقة"٠
المشاهدة النهمة أبهرته منذ الطفولة، اذ كان ميالاً دائماً الى ما هو متحرك. عندما جاء الى لبنان بعد مرور نحو سنتين على ولادته في نيجيريا، كان ذات مرة يتجول في قريته مزيارة، فوجد مكبراً، وحاول بواسطة قنديل ان يعكس احدى الصور على الحائط. لم تنجح العملية على رغم محاولاته المتكررة. كان آنذاك في السادسة من العمر. وعندما بلغ الثامنة، أهدى اليه والده كاميرا، انجز بها فيلماً مدته نحو 20 دقيقة
وساعده اصدقاؤه في اتمامه. ولا يزال، حتى اليوم، يحتفظ بهذا الشريط المصوّر بـ 8 ملم، والذي سمّاه
، Les Trois Balafrés
ويؤكد أنه في كل مرّة يعمل فيها على تحقيق فيلم جديد، تجتاح هذه المحاولة البريئة مخيلته، وخصوصاً ان بعضاً من الذين شاركوا فيه غادروا الحياة٠
شبّ شمشوم على افلام تشارلي شابلن الذي اكتشفه في افريقيا حين كان يبلغ من العمر سنتين وترعرع في جوّ متيم بالسينما. كان والداه مجبرين على اصطحابه معهما الى الصالات المظلمة كي لا يبقى وحيدا في المنزل. وكانت القاعات هناك بلا سقف وشبيهة بـ"الدرايف إن". لم يكن يقبل ان يذهب احد افراد عائلته الى السينما من دون ان يصطحبه معه. الفترة ما بين السنتين والـثماني سنوات، كانت أساسية له لأنها طورت ذوقه السينمائي. ويتذكر، مثلاً، "الاحتجاج" الذي حصل حين ذهب اهله واقاربه لمشاهدة
O Can Gaceiros الفيلم البرازيلي
ولم يصطحبوه معهم. "كنا أربعة عشر طفلاً في منزل واحد، وكنا شغوفين بالسينما"، يقول متأملاً في ذلك الزمن الذي أصبح بعيداً٠
في ذلك الحين لم يكن يعرف الفرق بين سينما جادة وأخرى ترفيهية. كل ما كان يشاهده يعتبره مهماً. كانت عائلته تبحث عنه بإستمرار، ثم يعثرون عليه في احدى الصالات. لعبت طرابلس دوراً محورياً في تكوينه، علما انه مدين لفرنسا في دراسته. يقول انه كان هناك "انتلجنسيا" متميزة في طرابلس آنذاك، امثال ادغار نجار واميل شاهين وجورج نصر وانطوان ريمي. الحديث مع هؤلاء كان يمنحه المتعة. لم يكن يصدّق متى ينال فرصته من فرنسا ليأتي الى لبنان ويمضي بعض الوقت معهم
أول عمل أنجزه شمشموم كان "داخل خارج" وبلغت مدّته نحو 50 دقيقة وأخرجه عام 1968، اي في السنة عاد فيها من باريس الى لبنان محاولا الاستقرار في وطنه، وتأسيس سينما محلية جديدة. كان من شلة شباب طامحين الى سينما لبنانية وكانت لهم احلام كبيرة. وخلافاً لآخرين مثل كريستيان غازي وبرهان علوية وجان شمشوم ورندا الشهال، لم ينتم الى المدرسة النضالية، ولم يكن الإلتزام السياسي والقومي يعني له الكثير. في سن مبكرة، ادرك ان المناضلين من حوله اختاروا تلك الطريق، إما لمصالح شخصية وإما حنيناً الى الماضي. حسبه أن عدد المناضلين الحقيقيين لم يكن يتعدى اصابع اليد الواحدة. اما هو فكان ملتزماً سينمائياً، ويعتبر انه دفع ثمن توجّهه هذا، اذ تعرض للشتم والنقد السلبي. لم يرض البعض، مثلاً، ان يأتي الى لبنان وينجز افلاماً تتناول ترويج المخدرات، على غرار "داخل خارج" حيث كان السؤال "لماذا المدمن في حاجة للمخدرات كي يحلق؟"٠
كان لوجود شمشوم في اجواء ايار 68، والثورة الطالبية في فرنسا، تأثير ما على وجدانه، على رغم انه يعتبرها افشل التحركات في التاريخ، لأنه "ليس هناك اسوأ من الفرنسيين في الثورات". عاشر اطرافاً كثيرين، من الماويين الى اليساريين من باب الفضول لمعرفة ما الذي يدور في عقولهم. اليوم، يعتبر نفسه اشتراكياً محافظاً كما كان والده سابقاً. الإلتزام السياسي لا يعني له شيئا، ويقول انه كم كان يتمنى ان يرى شيوعيين او يساريين يفعلون بدلا من ان يتكلموا، راوياً تجربته مع ناس يدّعون الشيوعية، فتراهم في سهرات فاخرة بملابسهم الأنيقة. "كيف يمكنك احترام هؤلاء؟ اذاً، لا اميل الى الذين يتسترون في افكار نضالية، باستثناء واحد في المئة منهم، وهم الأسماء التي ذكرتها لك"٠
فيلمه الروائي الطويل الأول، "سلام بعد الموت" (1971) يعتبره انجازا تقنيا لا يستهان به بالنسبة الى تلك الحقبة. اهتمامه بالجانب البصري جعله يصرف النظر عن السيناريو. عندما التقيته كان مر 33 عاماً على انجاز الفيلم، وكان لا يزال يندم على عدم استثماره مزيداً من الوقت في علاج النص. بيد انه كان شابا، وعلى قدر كبير من النرجسية، حتى انه "كان يصعب إمرار رأسه من قوس النصر" في باريس"، بحسب تعبير طريف له"٠
وليس من الممكن الحديث عن شمشوم من دون ذكر منع فيلمه "لبنان لماذا؟"، حيث صوّر مجموعة مؤلفة من سبعة اشخاص من انتماءات وتوجهات سياسية عدة، من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. لم يترك منطقة في لبنان الا "دخلها" بغية التصوير، وذلك بين عامي 1975 و1979. يتذكر: "تصّور شعور اليساري الذي كان يضطر الى ان يمضي بعض الوقت، في منطقة تسيطر عليها الكتائب اللبنانية". ولكن كان عرضة لإنتقادات شديدة من ناس كانوا يؤمنون انه يجب التركيز على جهة واحدة وحسب. حتى في عائلته، هناك من اتهمه بأنه يساري وباع نفسه للفلسطينيين. "العامل الابرز في نجاح "لائحة شندلر" هو ان سبيلبرغ انجز الفيلم وكأنه مشاهد له، علما انه كان يمكنه ان يضمّنه عواطفه كلها. هذا الامر ينسحب ايضا على رومان بولانسكي، وتحديدا في القسم الثاني من فيلمه "عازف البيانو"، فهذا ما يرفع من قيمة أي فيلم"، يقول٠
حين عُرض "لبنان لماذا؟" للمرة الأولى في احدى التظاهرات الهامشية لـ"مهرجان كانّ" اكتظت الصالة بالمشاهدين، وكانت الصحافة المتخصصة، وفي مقدمها سمير نصري، داعمة لخطواته، وشجعت خياره بعدم الانحياز. أما اثناء عرضه في صالة "مونتريال" فإن الفيلم أثار صداماً في صفوف المشاهدين، وبعضهم وجّه اليه الشتائم. لذا، أقفلت السينما ابوابها وهُرعت الشرطة الى المكان وطوقت المنطقة.
فاسبيندر، الذي عرفه شمشوم حين كان لا يزال حياً، ابدى له اعجابه بـ"لبنان لماذا؟"، وكان يريده ان يساعده في تحقيق فيلم عن بادر ماينهوف على طريقة فيلمه. مع اولي لوميل وفاسبيندر عمل نحو سنة على هذا المشروع، وانتقلوا مرات عدة من لندن الى باريس فميونيخ، لكن بحسب شمشوم، لم يجد فاسبيندر صيغة ملائمة للفيلم. لا احد كان يرغب في التكلم عن هذا الموضوع. اما فاسبيندر فاختاره لأنه كان يريد طرفاً غير متورط في الأحداث، ويملك نظرة خالية من الإعتبارات٠
في الولايات المتحدة، أنجز شمشوم بضعة أفلام أكشن بقيت في اطار محدود من التوزيع والمشاهدة. تقرّب من ستيفان سيغال الذي تعرّف اليه بعدما اخرج مسرحيتين، فدعمه كثيراً حين اخرج "قلب نمر"، ولعب دور الوسيط بينه وبين المنتج اللبناني جوزف مرعي، فأصبحا صديقين. اليوم، يعتبر شمشوم ان كل واحد من السينمائيين اللبنانيين وصل الى المكان الذي كان يريد الوصول اليه، وانه لم يبع نفسه من أجل قضية معينة. "انا مع العدالة: يجب ان تعاد الى فلسطين اراضيها المحتلة، لكن لن ابيع نفسي لتلك القضية"٠

نافذة خلفية
حكايات طارزانية 2

بينما كانت شخصية طارزان هي التي تستولي على شخصية ترايدر هورن وسريعا ما تم الفصل بين الفيلمين والتأكيد على أن فيلم طارزان الأول لحساب مترو غولدوين ماير سيكون تحت عنوان "طارزان،
Tarzan, the Ape Man الرجل القرد" ٠
كان البحث جارياً عمن ستلعب شخصية جين، المرأة الشابّة التي ينقذها طارزان من حطام الطائرة ومن الحيوانات الكاسرة والقبائل الهمجية (تعريف الفيلم) وأخيراً من بعض الأشرار البيض الذين يريدون الأذى لها ولوالدها. الممثلة المرشّحة كانت مورين أو سوليفان التي كانت تبلغ العشرين من العمر آنذاك والتي، حسب ما ذكرته حينها مجلات هوليوودية، تقاضت 300 دولار في الأسبوع لقاء دورها هذا. كانت مورين أوسيليفان (وهي غير مورين أوهارا لكن كلاهما من مواليد أيرلندا) اكتشاف حديث لم يظهر في السينما الا بضع مرّات وغالباً في أدوار صغيرة
إذ تشاهد الفيلم اليوم، تدرك أهمية أن يكون أحد بطليه (جوني ويسمولر او مورين أوسيليفان) موهوباً. على الأقل أحدهما، وفي حالة هذا الفيلم حدث أن موهبة ويسمولر الإدائية هي جسدية (كما موهبة أرنولد شوارتزنيغر بعد ستين سنة لاحقة) بينما أوسيليفان هي الممثلة الأكثر رغبة في أن تجهد نفسها لتقديم التشخيص المناسب وليس فقط تمثيل دور ما
بوشر بتصوير الفيلم في الواحد والثلاثين من أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1931 وانتهى تصويره بعد خمسة أسابيع. حين النظر الى الفيلم اليوم تريد أن تصدّق أن التصوير تم في أفريقيا بالفعل، لكن ميزانية الفيلم لم تزد عن نصف مليون دولار حسب بعض المراجع وأفريقيا آنذاك لم يكن من الممكن التصوير في مجاهلها بسهولة. كذلك مورين أوسيليفان كانت تمثّل لحساب شركة فوكس بعض المشاهد من أفلام أخرى لها في ذات الوقت ما يستدعي البحث عن أين وجد الإنتاج اللوكايشن الصالح للتصوير
عدت الى عدد قديم من مجلة "أميركان سينماتوغرافر" صدر في الشهر الأول من سنة 1987 ووجدت تحقيقاً حول تصوير طارزان هذا يقول أن الفيلم بأسره صوّر في ستديوهات مترو غولدوين ماير التي كانت تحتوي على نهر وبحيرة (وفي الفيلم أنهر وبحيرات) وعلى بعض الغابات المصطنعة. لكن التصوير شمل أيضاً منطقة من لوس أنجيليس أسمها "شروود فورست" وهذه سميّت كذلك بعد تصوير فيلم "روبين هود" الأول فيها سنة 1922 وشروود هي المنطقة التي كان روبين هود حوّلها الى معقله ينقض منها على جيوش الملك وحاشيته ليعود إليها. ذلك الفيلم بالمناسبة كان من إخراج ألان دوان وبطولة دغولاس فيربانكس٠
المجلة تذكر شيئاً غريباً لا يمكنني التأكد منه لذلك، وتبعاً لمكانتها سأثق به. تقول أن جوني ويسمولر لم يقم بالسباحة في معظم مشاهد الفيلم بل قام بها "دوبلير" أسمه ألفريدو كودونا ... ما يستدعي السؤال عن السبب طالما أن ويسمولر هو بطل سباحة معروف؟
نجاح الفيلم التجاري كان كبيراً بحيث قررت مترو غولدوين ماير الإسراع بإنتاج فيلم ثان وفي نيسان/ أبريل من العام 1932 قامت بدفع 42 ألف دولار للمؤلف إدغار رايس بوروز لقاء فيلمين آخرين من مجموعته الطارزانية ولقاء نجاح الفيلمين قررت مترو الإستمرار في إنتاج هذه السلسلة فحققت إثني عشر فيلماً في المجموع وذلك حتى العام 1948 - وأنا أتحدّث عن الأفلام التي قام جوني ويسمولر ببطولتها فقط، فهناك قبل وبعد هذه المجموعة أفلاما طارزانية كثيرة وربما أنجز المخرج غويلرمو دل تورو ("هيل بوي") فيلماً مقبلاً أيضاً

م. ر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular