Jan 12, 2010

ٌ السينما المصرية في عام | السينما الصينية في عام | إبراهيم العريس عن فيلمين | محمد رُضا عن إريك رومير

Year 3. Issue: 481
ملاحظات أولى  حول رحيل إريك رومير |  محمد رُضا


شاهدت أول فيلم لإريك رومير سنة 1971  وكان "رُكبة كلير"  الذي عُرض في بيروت بعد سنة من انتاجه الفعلي،  وخرجت بإنطباعات محبّذة . صحيح  أن رومير فيه أقدم على الشيء الوحيد الذي تتجنّبه السينمتين الفنية (تاركوفسكي وأنطونيوني ومادون)  والسينما الأميركية السائدة وهو الحوار، لكن شيئاً ذي لمعة أصلية وأنيقة وناعمة طغت على ذلك الفيلم وجعلته مميّزاً عن بقية الأفلام الفرنسية  التي عُرفت عموماً بالإتكال على الحوار لدرجة أنها أصبحت مثالاً بين سينمات العالم على ذلك٠ 

لم يكن المخرج الراحل إريك رومير (الذي رحل عن 89 سنة يوم الأحد الماضي) من الذين يستحوذون إعجاب كل النقاد.  كان كبير الشأن عند البعض وكان أصغر من ذلك عند لفيف آخر. والغرابة تكمن في أن بعض ملامح سينماه التي جذبت إليه إعجاب كثيرين، هي ذاتها التي تسببت في ابتعاد آخرين عنه وتحبيذهم، في إطار السينما الفرنسية،  سواه٠
واحد من هذه الملامح هو الحوار٠
في العام 1948 كتب المخرج، الذي كان لا يزال ناقداً آنذاك، مقالة في مجلة فرنسية أسمها الأزمنة المعاصرة تحت عنوان "دفاعاً عن السينما المتحدّثة" وفيها، كما تذكر سينمائية بريطانية  تابعته أسمها تمارا تراز،  يقول: "إذا كان الفيلم الناطق فن، فالكلام يجب أن يلعب دوراً في تشكيل الشخصيات كعلامة ولا يجب أن يظهر فقط كعنصر صوتي"٠

 التكملة في زاوية "أوراق ناقد" في الصفحة الأخيرة من هذا العدد٠


1

من عروض مهرجان مراكش الأخير | إبراهيم العريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الشاعر الروسي جوزف برودسكي والفنان الصيني لي خونكين: زمن واحد وهروبان٠


راقص ماو الأخير
الزمان واحد تقريباً، بداية سنوات السبعين من القرن المنصرم٠
 المكان: مكانان، تجمع بينهما الإيديولوجيا وتفرقهما امور كثيرة اخرى لا علاقة لنا بها هنا، الاتحاد السوفياتي من ناحية والصين من الناحية الأخرى. من المكان الأول يطرد في ذلك الحين واحد من اكبر شعراء الروسية، جوزف برودسكي ليسلك طريق المنفى الى الولايات المتحدة، حيث لن يلبث أن يفوز بجائزة نوبل للآداب. ومن المكان الثاني يسافر شاب بالكاد تجاوز سن المراهقة ليتدرب شهوراً في فرقة باليه بن ستيفنسون في مدينة هوستون الاميركية ويصبح خلال فترة واحداً من أشهر راقصي الباليه في العالم. الأول كان شاعراً مشاكساً وصار واحداً من أوائل المنشقين. أما الثاني فكان مجرد فنان لا علاقة له بالسياسة. ومن هنا حين سينشق عن سياسة بلده، لن تكون لانشقاقه خلفيات سياسية. ومع هذا، على عكس ما حدث للسوفياتي برودسكي الذي ظلت حكاية انشقاقه حكاية خاصة لا علاقة لها بالسياسة، أدى انشقاق الصيني الى أزمة ديبلوماسية حادة بين موسكو وبكين... مع أن سفره أصلاً الى الولايات المتحدة كان ضمن تبادل ودّي بين البلدين٠

 الحكايتان حقيقيتان وتزامنتا حدثياً. والسؤال هنا هو الآتي: حين سار المبدعان السوفياتي والصيني على درب مصيرهما الذي كاد يكون مشتركاً، هل كان ليخيل اليهما انهما، كل على حدة، سيكونان يوماً موضوعين لفيلمين سينمائيين كبيرين أولهما روسي - حيث بات وصف سوفياتي خارج التاريخ - والثاني أميركي؟ هل كان ليخيل اليهما انهما سيلتقيان عبر الفيلمين في عرضين متزامنين، يوماً، في مراكش بالتحديد، ليكون فيلماهما من أبرز ما يعرض في الدورة الأخيرة لمهرجان هذه المدينة السينمائي... والاثنان خارج المسابقة الرسمية؟ وهل كان سيخطر في بالهما، معاً، أن الفيلمين سيتحدثان عن نفيهما، ثم عن عودتهما الى الوطن بعدما زالت أسباب النفي؟

 أبداً بالتأكيد. كما ان العودة نفسها، والتي صورها كل من الفيلمين في ما يخص شخصيته الاساسية، لم تكن متساوية. إذ، فيما كانت عودة الراقص الصيني الى دياره، حقيقية، أعادت كاميرا فيلم «راقص ماو الأخير» تصويرها في شكل أخاذ واحتفالي صاخب يكاد يكون واقعياً مئة في المئة. كانت عودة الشاعر الروسي الى دياره متخيلة جملة وتفصيلاً، تخيلتها كاميرا فيلم «غرفة ونصف الغرفة» في شكل حلمي مدهش. بل لنقل منذ الآن إن «رحلة العودة» هذه لجوزف برودسكي الى دياره تشكل كل الفيلم، حيث اختار مخرجه أن يجعل من الرحلة المتخيلة سلسلة مشاهد ومواقف تعود زمنياً الى الوراء لترسم ليس فقط حياة صاحب قصيدة «جون دان نام» الشهيرة، بل حياة والديه وموتهما، وحياة جزء من الساحة الثقافية في موسكو ولينينغراد خلال سنوات الستين والسبعين من القرن العشرين٠

 رحلة ما بعد الموت
 نحن هنا إذاً أمام فيلمين عن «منشقين» من النوع الذي كان يشغل أعمدة الصحف وصفحات التعليقات في شكل وافر، يوم كان الانشقاق نفسه سلاحاً في الحرب الإيديولوجية الباردة بين «الشرق» و «الغرب». ونعرف اليوم أن هذا النوع من الاهتمام قد تضاءل، بل، نكاد نقول انه اختفى ولا سيما في السينما، ليصبح مجرد جزء من الماضي... ذكريات يفضل أصحاب العلاقة أن ينسوها. ومن هنا حين تشاء صدفة ما أن يُحقق فيلمان كبيران يطاولان هذا الموضوع في وقت واحد، من الصعب أن نتصور ان الغاية منهما اليوم فتح ملفات ايديولوجية، أو حتى أن يكونا جزءاً من استحضار ذكرى معينة لمناسبة تاريخية ما. بشيء من حسن النية نقول، إذاً، اننا أمام فيلمين غايتهما الأولى سينمائية، يأتيان في زمن يكثر فيه انتاج أفلام السير الذاتية. ونكاد نشدد على هذا الجانب بخاصة لأن نهاية فيلم راقص ماو الأخير» تكاد تثني على التحولات الهائلة في صين اليوم، الصين التي عادت « وغفرت لبطلها الراقص واستقبلته بأذرع مفتوحة حين عاد أخيراً ليزور الديار. وهو أمر لا ينطبق طبعاً على حكاية برودسكي، الذي نعرف أنه رحل عن عالمنا قبل حدوث تلك التغيرات الجذرية في وطنه السوفياتي، الذي كان قد ظل على حنينه اليه والى لغته وهو في منفاه... وهذا، طبعاً، ما يشكل الموضوع الأساس لـ «غرفة ونصف الغرفة»، الذي بُني أصلاً على شكل قصيدة شعرية، واستخدم مخرجه فيه الكثير من عناصر اللغة السينمائية في «كولاج» ينتمي حقاًَ الى سينما - ما - بعد الحداثة، تيمناً بشعر برودسكي نفسه٠


   فيلم «غرفة ونصف الغرفة» (الصورة جانباً) هو الفيلم «الروائي» الطويل الأول لمخرجه، مخرج التوثيق الروسي المخضرم أندريه خرجانوفسكي، الذي حين قرر وهو في التاسعة والستين من عمره، أن ينتقل من سينما التوثيق وسينما التحريك، فضل أن يبقي على هاتين كجزء أساس من لغته السينمائية. ومن هنا نراه يستخدم المشاهد التمثيلية المصورة، ومشاهد التحريك والوثائق التاريخية المؤفلمة، والسرد الشعري ومشاهد الطبيعة الصامتة والريبورتاج الصحافي، ليصنع ساعتين سينمائيتين حالمتين تتابعان حياة برودسكي من قبل بدء تلك الحياة: منذ شباب والديه ولقائهما وعيشهما معاً، ثم انجابه وتربيته حتى أيامه الأخيرة، وصولاً الى ما بعد تلك الأيام، أي بعد موته حين يتخيل المخرج تلك «الرحلة» المدهشة التي يقوم بها الشاعر عائداً الى مدينته، لينينغراد - وقد عاد اسمها سانت بطرسبرغ - هو الذي أصلاً لم يبرحها أبداً في خياله تيمناً بقول سابقه في المنفى فلاديمير نابوكوف، صاحب «لوليتا» بين أعمال رائعة أخرى، حين كتب وقد أضحى أميركياً عجوزاً، انه على رغم كل شيء يعرف أنه حين يأتي مساء كل يوم، يرحل في روحه وقلبه الى روسيا الحبيبة محلّقاً فيها. الشيء نفسه يقوله الفيلم عن برودسكي الذي نراه وهو على سفينة العودة، عجوزاً مكللاً بمجد نوبل الأدبي، يعيش ماضيه، وفي شكل خاص ماضي أبيه، الذي يبدو أنه كان الشخصية الأساسية المؤثرة في حياته. لكنه في الوقت نفسه يعيش مدينته وتحديداً من خلال كاميرا خرجانوفسكي المتمرسة في هذا النوع من التوثيق الساحر للمكان٠

 راقص الصين العظيم
 فيلم «غرفة ونصف الغرفة» ينتمي الى سينما شاعرية، تليق بأعمال جوزف برودسكي الشعرية وبحياته التي كادت أن تكون رتيبة من دون أحداث كبيرة، وكادت أن تتواصل في موسكو أو في لينينغراد، لولا انه ورفاقه في الستينات، اكتشفوا الحرية من خلال فترة سماح خروتشفية - نسبة الى الرئيس نيكيتا خروتشيف، ناقد ستالين الأول ومحرر الأذهان في الخمسينات، الذي فتح آفاقاً سرعان ما أغلقها الحزبيون الجامدون، من دون أن يعرفوا كيف يطفئوا جذوتها لدى مبدعين من طينة برودسكي٠
 هذا الكلام من الصعب أن يقال عن الراقص الصيني لي خونكين، الذي كان في السابعة عشرة من عمره، حين سمع به الأميركيون خلال زيارة وفد فني منهم الى الصين يضم، في من يضم، مدرب الرقص بن ستيفنسون، فاختاروه في اتفاق تبادل فني كي يدرس رقص الباليه الحديث في هوستون لمدة ثلاثة أشهر. هذه الحكاية يصل اليها الفيلم بعد أن يكون قد قدم  الينا طفولة لي وترعرعه في قرية فلاحين بائسين، حيث ولد العام 1961
 وفي هذا الشريط الكلاسيكي الذي حققه الاسترالي بروس برسفورد، ليس ثمة حداثة، إذ نحن هنا أمام فيلم كلاسيكي يصور لنا نمو لي وتألقه، على رغم كل الصعوبات، حتى يصبح راقصاً مراهقاً لافتاً للنظر، ما يسهل ارساله الى أميركا، حيث إثر مشاهد في غاية الطرافة تتناول «اكتشافه أميركا» و «اكتشاف أميركا له»، وإثر حكاية حب يجمعه براقصة ناشئة، يبدأ صاحبنا تساؤلاته حول بلده والشيوعية والحكم الشيوعي، حتى اللحظة التي، إذ يكون قد أصبح واحداً من أشهر الراقصين في أميركا، يستدعيه الحزب الشيوعي للعودة الى الديار. هنا - وكما تروي لنا سيرة خونكين التي كتبها بنفسه في نصه الذي صار كلاسيكياً بعد ذلك وأُخذ عنه الفيلم وعنوانه - تصل حكاية هذا الراقص النجم الى ذروتها ويعيش أزمة حياته الكبرى، وهي الأزمة التي تمخضت عنها حكاية الصراع الديبلوماسي الذي ثار بين بكين وواشنطن. والحكاية، طبعاً، حقيقية يذكرها بالطبع أولئك الذين كانوا في سنوات السبعين من القرن الماضي مهتمين بمتابعة الصراعات في الحروب الباردة. فلي، إذ تزوج من حبيبته الفتية اليزابيت ماكي، ما يجعل طرده من أميركا مستحيلاً، حتى ولو شاءت الحكومة الأميركية ذلك، يختطف ويعتقل داخل القنصلية الصينية في هوستون. ومن هنا تندلع تلك الأزمة الديبلوماسية الشهيرة، التي تنتهي بصفقة مهينة للصينيين تنص على تركه يعيش في أميركا. فيطلق سراحه، ليعيش حياته ونجوميته بعد ذلك... ويغير زوجته ويظل على حنينه الطاغي الى مسقطه في بلدة كينغداو الصينية. وهي القرية التي يزورها في المشهد الاخير في الفيلم بعدما كانت التبدلات الإيديولوجية - ولو الجزئية - في الصين، قد تركته يعيش بسلام، بل سمحت حتى بإيصال أبيه وأمه اليه في أميركا نفسها، حيث كان لدى وصولهما يؤدي دور البطولة في استعراض رائع٠

 كل هذا صوره فيلم «راقص ماو الأخير» بكلاسيكية طيبة، ما يجعل منه فيلماً لا يخلو من نزاهة في سياقه الخطي المعتدل... ولعل هذا ما يفرق بينه، جذرياً، وبين فيلم «غرفة ونصف الغرفة» حيث يبدو هذا الأخير وكأنه - اضافة الى سرد «سيرة» برودسكي - محاولة مدهشة للتجديد في فن السينما. أما القاسم المشترك بين الفيلمين، ويكمن في كونهما معاً عملين عن بعض التاريخ الانشقاقي الإيديولوجي، فإن مشاهدة الفيلمين في وقت واحد تكاد تقول لنا ان الصدفة وحدها هي المسؤولة، لتذكرنا بالقول الشهير: لعل صدفة واحدة خير من ألف ميعاد٠
2
حصاد العام 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1
أحمد يوسف عن السينما المصرية وبعض ظواهرها
السينما المصرية في الألفية الثالثة قبل الميلاد 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


هل تذكر حكاية "الألفية الثالثة" والحديث المزعوم عن دخول مصر إليها "برجلها اليمين"؟ لقد مضى العقد الأول من هذه الألفية، واتضح أن مصر، فى كل المجالات دون استثناء، كانت لا تدخل إليها، بل تخرج منها مولية الأدبار، بفضل مجموعة الشطار" والعيارين التى تحكمنا الآن، ليس فى ذهن أحد منهم مصلحة الوطن " بالمعنى الحقيقى للكلمة، بل هدفهم جميعا هو تحويل مصر إلى سوق و"سويقة"، وكل واحد وشطارته وصوته العالى وقدرته على إلباس الحق بالباطل، وإنكار وجود الشمس فى عز الظُهْر، ومن يستطيع منهم أن ينتزع "حتة" من الوطن ليأكلها لحما ويرميها عظما فهنيئا له ومريئا، وكله باسم الفكر الجديد وحماية الأمن القومى على طريقة الجدار الفولاذى ومصر فوق الجميع، والمصيبة أننا _ نحن المنتمين إلى ما يفترض أنها المعارضة _ نكتفى بأن نقوم بدور الموسيقى التصويرية لهذه الميلودراما، بالكثير من الكلام والقليل من الفعل، تأتى إلينا فرص اتخاذ مواقف سياسية فنأبى استثمارها، فحين يتحدث البرادعى عن الأوضاع المقلوبة نتوقف عند الدفاع عن شخصه، بينما كان الأجدر بنا أن ندافع باستماتة عن أفكاره بتعديل الدستور وإصلاح أوضاع الحياة الحزبية فى مصر، وحين فكّرنا يوما فيما أطلقنا عليه "العصيان المدنى السلمي" فات علينا أن نجمع الشعب المصرى على هذا الموقف بسبب "شبه" قانون الضريبة العقارية، الذى يصممون به على عَقْرنا فى عُقْر دورنا وديارنا٠


وإذا كان الحال كذلك، حكومة ومعارضة، فقل لى بالله عليك كيف يحق لنا ولو للحظة واحدة أن نتحدث عن ألفية ثالثة، حتى لو كانت قبل الميلاد؟ وعندما نتناول أحوال السينما فى مصر فلن نجدها منفصلة أبدا عن هذه الفوضى الضاربة أطنابها فى كل شيء، الخالق الناطق هى نفس العشوائية والاضطراب، سواء فى الكثير من الأفلام التى تتم صناعتها دون أن تعرف بالضبط لماذا ولمن صُنعت، أو فى بعض الأحكام النقدية التى يحكمها الهوى أحيانا والجهل أحيانا أخري، وأخيرا الأرقام المغلوطة وغير الدقيقة التى تطالعنا هنا وهناك، بينما لا نعير التفاتا للأرقام الموثوق بها. ليست "شطارة" أبدا من كاتب هذه السطور أن يراجع هذه الأرقام والمعلومات أو تلك، بل هو الحزن الحقيقى والأسى العميق من أنك لن تجد الكثيرين من النقاد يعانون من الأرق بسبب الحال الذى وصلت إليه صناعتنا السينمائية، فنحن ننقد الأفلام: هذا فيلم جيد وياسلام عليه، وهذا فيلم رديء و"وِحِش"، ثم ننام ملء جفوننا. إننا نتعامل مع السينما، كما نتعامل الآن مع كل شيء فى حياتنا، بالقطعة، كجزئيات لا نخرج منها بصورة للكل، هذا الكل الذى وصل إلى حالة مزرية من التردى والتدهور والانحدار٠


سوف أحاول معك فى هذا المقال أن نقف عند بعض النقاط، التى أرجو أن تفى بالغرض من إلقاء بعض الضوء على أوضاع صناعة السينما فى بلادنا. ولأبدأ معك بما نشره موقع "ميتاكريتيك" منذ أيام قليلة، عن أفضل مائة فيلم خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، وذلك طبقا لمتوسط آراء أشهر النقاد الأمريكيين، ومع ذلك فإن المركز الأول فى القائمة احتله فيلم أسبانى مكسيكي، والثانى روماني، وتوالت أفلام من اليابان واستراليا والصين وفرنسا وبريطانيا والبرازيل و"إسرائيل" وألمانيا وكندا وإيطاليا وكولومبيا وإكوادور وروسيا وإيران. لن أسألك أين مصر فى هذه القائمة، لا وجود بالطبع لأفلام مثل "ابراهيم الأبيض" أو "جنينة الأسماك"، لا فرق)، لكن ( أرجو أن تلاحظ أن ثلاثة أرباع هذه الأفلام لم يعرض فى مصر عرضا عاما أو خاصا، وحتى الرُبع الذى أتيح له العرض لم يتناول معظمه أية مقالة نقدية جادة فى مصر، وهو مايشير فى واقع الأمر إلى غيابنا، جمهورا ونقادا، عما يحدث فى السينما فى العالم، بينما نهتم ونتجادل ونتشاجر ونمسك فى خناق بعضنا البعض حول أفلام مصرية تتلعثم _ بالمعنى الحرفى للكلمة _ فى أبجديات السينما وبديهيات الفن. إن هذا يحدث فى عصر الإنترنيت، حيث يمكن للنقاد المصريين الاطلاع على مايكتبه النقاد فى العالم كله، وتحميل ومشاهدة الأفلام التى لا تُعرض للجمهور المصري، والكتابة عنها لضخ دماء جديدة متدفقة ودافئة فى الثقافة السينمائية، لأن من المفترض أن النقد لا يكتفى بالتهليل أو التنديد بتلك الأفلام المتواضعة المفروضة علينا، وتُفسد ذوقنا النقدى والجماهيرى حتى إن لم نكن نشعر بذلك بشكل واعٍ، لكن يجب على النقد أن يفتح آفاقا جديدة أمام صانع الفيلم والمتلقى معا



وعند هذه النقطة أود الإشارة إلى حقيقة مفزعة لا تحدث أبدا فى أى وسط ثقافى ينبض بالحياة (وسطنا الثقافى السينمائى ينبض بالموت إن جاز التعبير)، وهى غياب أية مطبوعة سينمائية جادة ومنتظمة الصدور، وكان الأجدر وجود العديد من المطبوعات التى تعبر كل منها عن اتجاه أو منهج نقدى بعينه، لذلك وقع النقد فى هوة الصحافة السينمائية مدفوعة الأجر، ماديا أو معنويا، والتى تتحدث عن نجومية فلان، و"البطولة المطلقة" لعلان، وترتان الذى "تفوق على نفسه"، ناهيك عن الأحكام المتعسفة والمتسرعة التى لا تساعد المتلقى بأية حال على التذوق الحقيقى للأعمال السينمائية٠
أريد أن أكون منصفا فأقول أن في مصر الكثيرين من النقاد الجادين، لكنهم لا يقومون بواجبهم كما ينبغى لهم، ربما بسبب المناخ العام الذى أصابته الشيخوخة فى كل شيء، أو لأنهم لا يجدون لهم منبرا ثابتا، أو لأنهم مشغولون بالبحث عن لقمة العيش فى نشاطات تبعدهم عن ممارستهم النقد بشكل مستقر مستمر، أو لكل هذه الأسباب جميعا. من جانب آخر فسوف تجد بعض "كهنة" النقد السينمائي، وأتباعهم من أنصاف النقاد الذين يرددون العبارات خلفهم كالببغاوات، هؤلاء لهم منابرهم التى يطرحون فيها قضايا وأحكاما قاطعة مانعة ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يغيرون هذه الآراء على حسب المصلحة، فالرائد الأول فى الدعاية لتحويل الثقافة السينمائية إلى استثمار أصبح الآن يهاجم هذا الاتجاه، والله وحده يعلم السبب وراء "إيمانه" بالرأى ونقيضه على هذا النحو الذى يضفى الشك على ما يدعو إليه فى الحالتين٠
إن هذا النوع من "النقد" لا يبغى فى الحقيقة إلا المصالح الشخصية، أما القضايا الموضوعية فقل عليها السلام. أعطيك مثالا صارخا: هل قرأت لأى من النقاد ولو بضع سطور عن البيانات التى أصدرها الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، حول أن عدد دور العرض السينمائي الآن 300 دار، وأن عدد  رواد هذه الدور في العام  2008  لم يتجاوز 300 ألف مواطن وهي أرقام هزيلة الى حد مفزع فهي تعني  أن هناك داراً واحدة لكل  18 مليون مواطن٠ وأن  المتفرّج المصري يدخل السينما مرّة واحدة كل أربع سنوات؟ وفي ظل هذه الأرقام   يجب أن نسأل أنفسنا: لمن نصنع الأفلام إذن؟ ولماذا نصنعها؟ وهل السينما _ باعتبارها فنا _ تمارس دورها المفترض فى صناعة وصياغة وجدان الجماهير، أم أنها حتى كتجارة تتجاهل الاحتياجات الحقيقية لهذه الجماهير، وتترك عقولهم وأفكارهم نهبا لكل الأفكار والتيارات المتطرفة يمينا أو يسارا؟ وكيف يمكن لنا كنقاد أن نتناول بالنقد المتحمس أفلامنا المصرية، التى تزداد للأسف الشديد تدهورا وتحللا فى الشكل والمضمون، بينما نحن نعلم أن الأفلام لم تعد إلا سلعة لجمهور عابر يعتبرها وسيلة للتسلية من الدرجة العاشرة؟! ألسنا بذلك نساهم فى تدنى السينما المصرية ونظرة الجمهور لها؟! ٠
إن ذلك يقودنا إلى الغالبية العظمى ممن يقومون بالإنتاج والتوزيع السينمائي، الذين لا ينظرون إلى السينما إلا كمجرد "سبوبة" يستكملون بها أرباحهم المادية والمعنوية، إنها وسيلة للكسب السريع السهل، الذى يتماشى تماما مع كل السياسات الاقتصادية المتبعة فى مصر الآن، والقائمة على النهب والخطف، "إخطف وإجرِ"، وأضف إلى ذلك الوجاهة الاجتماعية بالاقتراب من عالم الأضواء، ومع ذلك فهؤلاء المنتجون الموزعون، بهذا الفكر القاصر، هم الذين يصوغون القيم الأخلاقية والسياسية لمن يتفرج على أفلامهم. لم يقف فى طريق هؤلاء أحد عندما يرتكبون الخطيئة الجوهرية فى أية صناعة سينما، فى جمعهم للإنتاج والتوزيع والعرض، فهذا الاحتكار لن يؤدى بعد سنوات قليلة إلا للانهيار، هذا الانهيار الذى يمكن أن تلحظ بوادره فى تراجع متزايد فى عدد الأفلام وتدني مستوها.



إلى جانب ذلك
 أرجو أن تتأمل فقط أفلام إحدى هذه الشركات، التى جاءت بأموالها من عالم القرى السياحية، لتصنع أفلاما تسخر فى وقاحة من شهداء حرب أكتوبر، وتهزأ بـ"كل" التاريخ النضالى فى مصر، وبعد ذلك يتصور (أو الحقيقة: يزعم) البعض أنه يمكن أن يصنع من خلالها أفلاما "ناصرية" أو تنادى بالحرية الفكرية، أو تدعى أنها كذلك!! (لعلك تفهم لماذا يعمل الناقد الكبير إياه كبوق دعاية لأفلام هذه الشركة، لكن هل تستطيع أن تفهم لماذا يسير بعض الحواريين "الغلابة" خلفه؟)٠
 أن يختلف مع هذه القائمة، لكن تلك هى رؤيتى الشخصية للإنجاز الإبداعى للسينما المصرية فى أعوامها الأخيرة، والذى يشير _ كما أتصور _ إلى أنه ما يزال للتيار الجاد من جيل الثمانينات، ممثلا فى داود ومحمد خان، حلمه وإصراره على صنع سينما حقيقية كلغة ورسالة بالمعنى الأعمق للكلمتين، وإن كانت الظروف تعانده بقوة، فداود على سبيل المثال قضى عشر سنوات لكى ينجز فيلمه الذى لم يعرض بعد رسائل البحر"، وما يزال بعض من فرسان هذه الكتيبة لا يجدون الفرصة للعودة " إلى السينما مثل خيرى بشارة. من جانب آخر فإن فرسانا جددا مثل عاطف حتاتة أو هانى خليفة لم يجدوا الفرصة إلا لصنع فيلم واحد، بينما بدأ محمد أمين طموحا وانتهى إلى السينما التى ترقص على السلم بمغازلة النقاد و"زغزغة" المتفرجين بأفلام مشوهة الشكل والمضمون، فى الوقت الذى تملك فيه مخرجة شابة مثل كاملة أبو ذكرى رهافة التعبير وعمقه، دون أن تقع (كما يحدث لمخرجات أخريات) فى إغراء البهلوانيات السينمائية الفارغة، وإن كانت تلجأ بين الحين والآخر إلى "تقفيل" فيلم تجارى متواضع٠
لعلك لاحظت أبها القارئ العزيز أننى لم أتوقف عند أى فيلم لأى من النجوم أو النجمات الذين يحتلون السينما المصرية الآن، فاعتقادى الذى أؤمن به كل الإيمان أنهم نجوم مصطنعون، فإن غاب أحدهم أو إحداهن عن الشاشة (كما حدث بالفعل) فلن يشعر أحد منا بافتقاد شيء ما، وهو ما يتناقض مع مفهوم "النجومية" بمعناها الحقيقي، التى لا تعنى كما يتصور البعض أنها "البضاعة الأكثر مبيعا"، لكن النجم أو النجمة هما جزء من واقعنا وجزء آخر من أحلامنا، والنجومية ليست ظاهرة فنية فقط، بل إنها فى جوهرها ظاهرة اجتماعية وسياسية، إن النجم الحقيقى يظهر على الشاشة بالنيابة عنى لكى يقول ما أريد أن أقوله لكننى أعجز عن قوله، وهو الذى يفعل فى الأفلام ما لا أستطيع أن أفعله فى الحياة وإن كنت أتمناه٠
 ولأن السياق الذى نعيش فيه يتضمن واقعا بائسا يائسا بلا أحلام، فلا وجود لنجوم حقيقيين فى السينما والسياسة على السواء... ليس هناك قادة ثقافيون أو سياسيون بالمعنى الحقيقى للكلمة، ولم يكن ذلك إلا سببا ونتيجة فى وقت واحد لثلاثة عقود من التراجع والتدهور المادى والمعنوي، وربما لو ظهر ابن إياس فى زماننا لوجده يضاهى أكثر العصور ظلاما فى تاريخ مصر، ومصر يا من تتحدثون عنها بوصفها "فوق الجميع" ليست كتلة مصمتة أو صنما معبودا، وهى ليست النظام الحاكم فى أى من العصور، إنها الآن أنا وأنت كما نعيش هذه اللحظة من التاريخ، وبقدر ما ننجز تكون "مصر"، لأنها كائن حى تتفاعل فيه ومعه كل المؤثرات الإيجابية والسلبية، إنها تصح وتمرض، وهى الآن فى طور متأخر من المرض، ولعلها يوما تسترد صحتها وعافيتها، لكى تدخل العقد الثانى من الألفية الثالثة، وتنسى العقود الثلاثة المظلمة التى لن تستحق من التاريخ سوى نظرة الشفقة الممتزجة بالازدراء تجاهنا، لأننا لم نؤدِ واجبنا البديهى ليس فقط تجاه مصر، بل تجاه ما يعبر عن أبسط شروط الكرامة والثقافة الإنسانيين

أحمد يوسف ناقد سينمائي مصري ومقاله هذا نُشر أولاً في صحيفة "العربي" في القاهرة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2    إحصاء السنة الماضية

محمد رُضا عن الوضع الإقتصادي للسينما ونتائجه
هل هربت السينما الصينية من الواقع الى .... الفانتازيا؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Red Cliff

ربما أحد نتاجات الأزمة المالية الحالية أن يجد المخرج الصيني جون وو ملاذه في  الصين وليس في هوليوود
إنه أحد المخرجين الصينيي الأصل الذين يعملون في المؤسسة السينمائية الأميركية منذ عقود. وُلد في الصين قبل 62 سنة وانتقل الى هوليوود في منتصف التسعينات حيث مزج رؤيته الخاصّة الشاملة إعادة تركيب التنفيذ حسب معطيات بصرية مبتكرة بالمواضيع الأميركية  وبالكثير من المال الذي كان متوفّراً في ذلك الحين . بعد فيلم أكشن، وهي النوعية التي سبق له وأن أنجزها في هونغ كونغ،  بعنوان »هدف صعب« مع جان- كلود فان دام، انتقل الى أعمال أكبر وأكثر إثارة عبر »السهم المكسور« مع جون ترافولتا وكرستيان سلاتر (1996) ونجاح هذا الفيلم مكّنه من ميزانية أكبر لفيلمه اللاحق
Face/ Off
مع ترافولتا (مرّة ثانية في دور الشرير) ونيكولاس كايج٠
هوليوود فتحت ذراعيها وهو لم يتوقّف عن العمل  لا مخرجاً فحسب، بل منتجاً كذلك. في العام  2000 أخرج »المهمّة مستحيلة 2« مع توم كروز في البطولة ومن بعده انتج بضعة أفلام ولو أن أياً منها لم ينجز ذات النجاح السابق٠
في مطلع العام 2008 انتقل جون وو عائداً الى الصين وباشر تصوير »الصخرة الحمراء« بميزانية 80 مليون دولار. ظاهرياً، ليس هناك من شيء غريب في الموضوع: مخرج وعاد الى بلاده لينجز فيها فيلماً جديداً. ربما بداعي النوستالجيا، ربما بداعي التواصل من حيث ترك او .... ربما لأن الصين تستطيع أن تصرف على ملاحم تاريخية من دون نجوم معروفين، وهوليوود توفّر ما في خزينتها هذه الأيام للإنفاق على أفلام من بطولة لعب وحيوانات ومخلوقات من الكومبيوتر غرافيكس- ليس تماماً ما في بال جون وو


مليون محارب
الفيلم الذي اختاره المخرج مقتبس عن  رواية ضخمة (800 ألف كلمة وتحتوي على 120 فصلاً) للكاتب كوانجونغ ليو بعنوان »غرام الممالك الثلاث« والميزانية المذكورة هي أعلى ميزانية فيلم تم إنتاجه في الصين وبأموال صينية. رواية تاريخية تقع أحداثها في العام 208 بعد الميلاد حين انطلقت جيوش الملك كاو كاو، من سلالة عائلة هان الشهيرة في التاريخ الصيني،  لتقهر ما أمامها من جيوش في الجانب الشمالي من البلاد ما دفع بعدد من كبار المحاربين المعارضين للهرب الى الجنوب والتخطيط مع مملكتها لمواجهة الغزاة المرتقبون. في ذلك الحين، كان الملك كاو كاو قد جهّز مليون محارب وعشرة آلاف سفينة لاجتياز النهر الكبير (نهر يانغتزي)  وضرب المملكة الجنوبية وقتل معارضيه في الوقت ذاته. تبعاً لذلك، بات واضحاً أن أراضي الجنوب الصيني ستقع تحت احتلاله أيضاً الا إذا استطاع بعض هؤلاء المحاربين الإتفاق على خطّة  كبيرة. هذه الخطّة مفادها مهاجمة السفن مجتمعة اعتماداً على قلّة خبرة محاربي كاو كاو بالسلاح البحري. المواجهة تحتدم والمخرج يعمد الى تفنيد ذلك بالإعتماد على مراجع تاريخية في نحو خمس ساعات. النتيجة فيلم ملحمي كبير في جزأين، تم عرضهما متواليين في الصين قبل توفيرهما حالياً كفيلم واحد من نحو ثلاث ساعات يجوب بعض الدول الغربية وينطلق على الأسطوانات قريباً٠
هذا الجهد الإنتاجي ليس منفصلاً عن صناعة سينما صينية متنامية في الأساس وتعود الى أواخر العقد الأول من القرن التاسع عشر حيث مرّت منذ ذلك الحين بعدة عصور ومراحل يمكن تقسيمها الى ثلاثة رئيسية: قبل الحكم الشيوعي (العصر الذهبي كما يراه بعض المؤرخين)  والعصر الشيوعي (عصر السٌلطات المتوالية بمستويات مختلفة من الهيمنة الرقابية)، والعصر الذي بدأ في الثمانينات بقيادة الجيل الخامس الذي لا زال يعمل جنباً الى جنب مع جيل جديد (السادس) من المخرجين٠
في كل هذه المراحل، احتل الفيلم التاريخي جانباً مهمّاً من صناعة الفيلم الصيني. أوّلاً لغزارة ذلك التاريخ وسعته واندماجه بفني الأسطورة والفانتازيا،  وثانياً لحب الصينيين مشاهدة أفلام ملحمية مليئة بمشاهد المعارك وصليل السيوف وصهيل الجياد، وثالثاً- وبعد أن آل الحكم الى الحزب الشيوعي سنة 1949، لأسباب تتعلّق بتوفير أفلام ذات مضامين تخلّد عظمة الصينيين من ناحية وتنتقد الإقطاع والمؤسسات التي حكمت جميعاً من زاوية ايديولوجية متوقّعة٠
حين انطلق الجيل الخامس من السينمائيين الصينيين الى العمل في مطلع الثمانينات عمد الى معاينة التاريخ على نحو غير مطروق من قبل. نحو يتضمّن الإيحاء بنقد اجتماعي للحكم الشيوعي خصوصاً لتلك الفترة المعروفة بإسم "الثورة الثقافية" والتي لم يكن منها ما هو ثقافي متاح، الا ما تصفه المؤسسة الحاكمة لمواطنيها تحت هذا العنوان. فترة كالحة نتج عنها الكثير من المآسي الإجتماعية من تهجير فردي او جماعي ومعارضة لكل منحى لتفكير فردي ضمن ما كان بقي مُتاحاً على قلّته، والكثير من العقوبات التي تراوحت بين السجن والنفي والقتل٠
مخرجو الجيل الخامس، مثل تيان زوانغزوانغ وزانغ جونشاو وتشن كايجي وزانغ ييمو تعاملوا مع تلك الحقبة بالنقد وشكّلوا بداية تغيير. أفلامهم، مثل »واحد وثمانية« لزانغ جونشاو والأرض الصفراء« لتشن كايجي و»أرفعوا المصابيح الحمراء« لزانغ ييمو، وصلت الى الشاشات العالمية بترحاب نقدي وجماهيري واسع وحملت الرغبة في طرح اسئلة محقّة حول الحياة الإجتماعية في ركاب المتغيّرات المتعددة للصين. بعض تلك الأفلام ساوم وبعضها عاند لكن الرقابة لم تمنحها اكثر من عشر سنوات قبل أن تشد قبضتها من جديد فيلجأ الأشهر من بين أبناء هذا الجيل الى الفيلم التاريخي- الفانتازي هرباً من أفلام الواقع التاريخي والرسالة الإجتماعية٠
 
 ضبط النفس
زانغ ييمو،  على سبيل المثال، كان أوّل المتراجعين عن خطابه. أنجز سنة 1990 »جو دو« الذي رمز فيه الى الحكم المجحف للزعيم ماو والحرس الأحمر، مع أن قصّته تقع في عشرينات القرن الماضي، وبعده أرخى الحبل قليلاً في »أرفعوا المصابيح الحمر« من حيث عدم تعرّضه، مجازاً او رمزاً، لحياة ما بعد الثورة الشيوعية وإبقاء موضوعه في كنف الفترة ذاتها من القرن عينه٠
في العام 1994 عاد لمشاغباته فأنجز »لكي أعيش« الذي نقل أحداثه لما بين فترة بداية الحكم الشيوعي الى فترة بداية الثورة الثقافية. الرقابة لم يعجبها الفيلم وحكمت بمنع مخرجه عن العمل لعامين متواليين٠
حين عاد المخرج الى العمل واصل  التطرّق الى مواضيع تدور في رحي السنوات السابقة للثورة الشيوعية ممارساً ضبط نفس ملحوظ باستثناء مرّة واحدة سمح لآلام الحياة بالخروج الى السطح نوعاً وذلك في فيلمه الدرامي الجيد »الطريق الى الوطن« حول الأستاذ المٌبعد من قريته وعودته اليها ليجد فيها الحب والذكرى٠
لكن المخرج فيما بعد قرر أن يترك وراءه كل وجع الرأس المتأتّي من الرغبة في التطرّق الى المواضيع مواربة ومواجهة الرقابة حتى في هذا النطاق فاستدار الى الفانتازيات التاريخية بدءاً من »بطل« (2002) و»منزل الخناجر الطائرة« (2004)، وصولاً الى »لعنة الزهرة الذهبية« (2006). أكثر من ذلك، بدا أهلاً لثقة الحكم فتم إسناد إخراج الفيلم الإحتفائي بألعاب الأولمبياد في السنة الماضية اليه٠
مثله في هذه الرحلة تشن كايجي الذي اضطر للإنتقال ايضاً الى رحاب الفانتازيا التاريخية عبر أفلام آخرها الى الآن »الوعد« (2006). أما المخرج تيان زوانغزوانغ فكان أكثر المتضررين من موقفه النقدي للحياة الإجتماعية الصينية تحت إمرة الحكم الحالي.  فهو كان أخرج، في سنة  1993 الدراما الإجتماعية القوية ببساطتها »الطائرة الزرقاء« وتبعه، بعد ثماني سنوات، بفيلم إنساني عميق وعاطفي آخر هو »ربيع في بلدة صغيرة«. وفي كلا الحالتين تعرّض للمنع من العمل والسفر عقاباً عليهما،  لنراه هذا العام وقد أنجز فيلم معارك تاريخية موازية لما أخرجه زميلاه كايجي وييمو هو »المحارب والذئب«٠



The Blue Kite
الخزينة الصينية مفتوحة على وسعها هذه الأيام للإحتفال بكل ما هو تاريخي من دون خطوط سياسية تمضي الى الزمن الحاضر. كايجي وييمو لديهما مشاريع في هذا الإتجاه، كذلك تم إنجاز »تأسيس جمهورية« للمخرجين سانبينغ هان وجيانكشن هوانغ، المصنوع احتفاءاً بولادة الثورة الشيوعية قبل ستين سنة والذي وصلت تكاليفه الى نحو 60  مليون دولار٠
وفي أسابيع قليلة قادمة سنرى »مولان« للمخرج جينغل ما  حول المحاربة الصينية هوا مولان التي عاشت وحاربت الأعداء في القرن الثاني عشر. أيضاً يعود زانغ ييمو في فيلم »ثلاث مسدّسات«  ليقتبس من الفيلم الأميركي »جريمة بسيطة« (للأخوين كووَن) حكايته ناقلاً إياها الى صين مطلع القرن العشرين٠
والى مطلع القرن أيضاً انجز تيدي تشن »الحرس والقتلة« ليروي أحداثاً تقع في الزمن السابق للثورة من دون طموحات تخرج عن نطاق سينما الأكشن والفانتازيا التاريخية٠
لا عجب أن جون وو، في نهاية المطاف، وجد لزاماً عليه أن يعود الى الشرق لإخراج فيلمه الجديد الصخرة الحمراء«، طالما أن كلمة الحمراء لن تصف اللون المفضّل لدى أصحاب البلاد٠

النقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
تكملة للدراسة التي نشرت الجزء الأول
منها في العدد 478

في الأساس، كان نقد الفترة الذهبية (الستينات والسبعينات) قد بدأ يتراجع في مطلع الثمانينات مع تحوّلات مهمّة أصابت السينما ذاتها٠
إنها الفترة ذاتها التي قرر فيها السياسيون والإقتصاديون أن العالم بحاجة الى أن يصبح قرية صغيرة او دولة واحدة برؤساء عدّة. مع تهاوي النظم الشيوعية في أوروبا والتحاقها بدرب الحياة الإقتصادية الحرّة، وبتحوّل الصين من الشيوعية الحمراء الى الرأسمالية الصفراء وقيام البنك الدولي بالمهام ذاتها التي كانت الدول الإستعمارية في العشرينات والثلاثينات وحتى الخمسينات تقوم بها عسكرياً، تم بالفعل تأليف سياسة عامّة تختصر الكثير من الثقافات والمشارب والإتجاهات وتصبّها في مجرى حياتي واحد على الجميع أن ينهلوا منه٠
الذي حدث تبعاً لذلك كان فادحاً على الصعد الثقافية بأسرها (وعلى غيرها من الصعد لكن لغيري الحديث فيه أفضل) تم تعييم المؤسسات الثقافية في معظم الدول بدلا الإستمرار في دعمها، وخاضت الحياة الفنية والأدبية عصراً تتراجع فيه الأعمال الجادّة وتنحصر في المراكز المستميتة في البقاء. ليس أن السينما الجادة، كواحدة من هذه الفنون والثقافات، كانت تحتل النصيب الأكبر من اهتمام المشاهدين، لكن نصيبها ذاك في الستينات والسبعينات كان أعلى عشرات المرّات مما آلت اليه في السنوات الثلاثين الأخيرة تقريباً. حجم الإقبال على متاحف السينما (خارج إطار الرحلات السياحية التي تقوم بها، مشكورة، المدارس والمعاهد من سنوات الطفولة وما فوق) ونواديها قل كثيراً عما كان عليه. صالات السينما المتخصصة التي كانت منتشرة على نحو رائع من بيروت الى القاهرة ومنهما الى لندن وباريس وأثينا وڤيينا وصولاً الى ريو دي جنيرو وبوينس آيرس ونيويورك وشيكاغو، تم تحويل معظمها الى دكاكين وكارجات والمجلات السينمائية اختفت ما عدا قلّة نعرف كم تكابد للبقاء على قيد الحياة٠
ومع هذه المطبوعات النقدية والمعلوماتية المهمّة، اختفت العديد من السلاسل الكُتبية التي كانت تصدر في أكثر من عاصمة لتضع أمام القاريء الهاوي الذي لا يريد أن يكتفي بمشاهدة أفلام برغمن ودراير وغودار او فاسبيندر السينما (كل السينما) مقروءة٠
بعض هذه النشاطات انتقلت الى المواقع الإنترنتية بفضل اختيار نقاد ما قبل نظام العالم الجديد التحوّل الى هذه الوسيلة للتواصل وإداء الرسالة، لكننا نتحدّث هنا عن انتقال فرضته الظروف السلبية وليس التطوّر الإيجابي للحياة الثقافية. وهذا اللا تطوّر الذي دفع ببعض الكتابات النقدية الجادّة الى عرين الشاشة المتوّهج في المكتب او في البيت، هو التعبير المثالي عن سلبيات اللقاء الكبير الثاني بين النقد والعلم، فإذا كان الأول فتح باب العملية النقدية وأرساها وجعلها، بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، تحمل قضايا اجتماعية وسياسية من دون التخلّي عن اللغة السينمائية والعناصر الفنية في التعبير، فإن اللقاء الثاني نتج عن تحوّلات لاستغلال كل القدرات العلمية لأجل تعزيز حياة استهلاكية كما الحال مع ما حدث للعلم في كل مجابهة مع الإنسان: تم استغلال الثاني لثراء الأول٠

إن التطوّر الإيجابي للحياة الثقافية (والسينمائية خصوصاً بما أنها موضوع هذا الحديث) كان يعني التوسّع في نشر الثقافة عوض انسحابها من النوادي والصالات المتخصصة والصحف والمجلات المعنية الى وسيط واحد أكثر انتشاراً ويشمل على ملايين المواقع بحيث يصبح من الصعب جدّاً البحث عنها او اعتمادها كمرجعيات كما كان الحال مع الوسائط السابقة طوال الوقت. فإذا أضفنا الى ذلك أن جمهور الإنترنت ليس ذاته جمهور البحث عن أصول الفن وأساليب التعبير ومصادر الثقافة السينمائية، فإن النتيجة وبالاً كبيراً على العمل النقدي الحقيقي بأسره٠
كبيرا ولكن ليس شاملاً٠
من يفتح صفحات السينما في جريدة » نيويورك تايمز« على الإنترنت سيجد عدداً كبيراً من النقاد والكتاب يتداولون السينما. كذلك »لوس أنجيليس تايمز« و»اللوموند« و»الغارديان« وأمّهات الصحف الغربية المختلفة٠ لكن هذا الإهتمام يتم على نحو لا يخلو من الفرض اللا اختياري. هؤلاء النقاد والكتّاب الجادّين ينشرون في الصحف الورقية ومقالاتهم هي التي تنتقل الى الإنترنت في الوقت الذي تخسر فيه الصحف بإنتظام سنوي قراءها المستعدّين لدفع دولاراً او دولارين لكل صحيفة٠
وفي حين أن هؤلاء النقاد كانوا أكثر شيوعاً بين المتلقّين، هم الآن جزءاً من بحر من الكتابات ومعظم المتابعين من الناشئين لا يعبأون بهم. كيف وكتابات النقاد المؤسسين على الخبرة والقدرة على الرؤية عمقاً وأفقياً لا تستهوي القاريء الجديد؟
من ناحية أخرى، تكرر تسريح نقاد السينما من بعض تلك الصحف نتيجة خساراتها المادية المتوالية. وفي التسريح مفادان: اضطرار لتقليص الوجود الثقافي وبالتالي دوره الفاعل في المجتمع، واعتبار مجحف بأن النقد السينمائي ليس مهمّاً في عملية استمرار الصحيفة او في العملية اليومية للحياة بأسرها٠
وهناك من الدلالات ما يُفيد بأن هذا المفاد الثاني له حضوره فعلياً٠

الفيلم الأوّل
في عدد شهر أيار (مايو) 1965 من المجلة البريطانية المتوارية »فيلمز أند فيلمنغ« كتب الناقد الإنكليزي بيتر باركر مقالة بعنوان "أعرف عدوّك" بدأها بالأسطر التالية: "أنا أقل الناس فائدة. دائما ما يقوله لي أصدقائي كما أعدائي. يقوله لي قرّائي (...) كما بصانعي الأفلام وعلماء الذرّة. بل أن هذا الكلام يوّجه اليّ من قِبل اولئك الذين يوظفونني كما من قِبل أولئك الذين سيمتنعون عن انقاذي لو وجدوني مجمّدا وطاعناً في السن يقف عند باب صالة سينما"٠
وأضاف: "عزائي أنني لست وحيداً في هذا الوجود غير ذي قيمة، بل كل من يُسمّي نفسه ناقداً سينمائياً في بريطانيا يشاركني الحياة كمتشرّد"٠
ما بدا نوعاً من النيل من الذات بقسوة، ناتج ربّما عن كرهها، يتبدّى خلال المقالة المؤلّفة من نحو ألفين وخمسئة كلمة، كأحد أفضل المقالات الإنتقادية ضد الوسط الإعلامي الذي ينتمي اليه النقّاد. وكلماته ليست بحاجة لأن تترجم من الخمسينات الى اليوم بل هي حاضرة ومتلائمة لوصف حالة النقد السينمائي وقد بات الجاد منه يحتل مساحة أضيق، بينما الكتابات المنسوخة منه هي الأكثر إنتشاراً. من بين ما يجده الناقد ليس فقط أن الناقد السينمائي أقل أهمية من معظم عناصر العمل السينمائي (إن لم يكن جميعها حسب وصفه) بل أيضاً أن الناقد السينمائي ينصاع في الحقيقة الى متطلّبات الصحيفة التي يكتب لها. وأن شخصيته تتأثر تبعاً لطبيعتها ولنوعية علاقتها مع القاريء، ثم -وأساساً- حسب القاريء نفسه. فإذا كتب لصحيفة شعبية مثل »ذ صن« مثلاً، كان عليه أن ينزل الى مستوى قرائها وإذا كتب لصحيفة مثل »التايمز« عليه أن يرتفع الى مستوى قرائها، وفي الحالتين (وحالات الوسط جميعها) هو مُجبر على أن يكون ما يُرغب منه أن يكون٠
بيتر باركر لم يكن يعلم، حين كتب ما كتب، أو ربما كان يتجاهل، أن الحياة النقدية آنذاك كانت أفضل مما سيأتي بعد عشرين سنة او نحوها٠
في الثمانينات ارتفعت النزعة في الصحف الغربية لاعتبار كل فعل ثقافي (في السينما أساساً) فعل مرتبط بالنافذة الإقتصادية للصحيفة. نعم كل الصحف من أوّل ظهور السينما قبل 120 سنة تتوجّه الى القاريء لتلبّي حاجياته، لكنها كانت تختلف وتتميّز حسب اختياراتها فتؤمّن المادة التي يطلبها القاريء الذي يقبل عليها بسبب نوعيّتها. بذلك، كان من الممكن دائماً قراءة مقالات نقدية قيّمة وذات رسل ثقافية وثقل أدبي وفني في الصحف الكبرى. كان ذلك، وكما يقول باركر، مطلوباً من الناقد شاء او أبى. لكن اليوم، ومنذ أن أصبح العالم "قرية كونية صغيرة" كما يحلو للبعض تسميته، صار المطلوب من الناقد أن يكتب بخفّة متوجّهاً الى جمهور يطلب الأفلام المناسبة في خفّتها لكونها هي الأفلام الأكثر انتشاراً٠
وكما في باريس، كذلك في لندن وروما وميونخ وسواها: معظم الصحف الكبرى حدّت من المساحات التي كانت تُفرد للنقد السينمائي (بعض المجلات الأسبوعية مثل »تايم« و»نيوزويك«، ما عادت تنشر نقداً على نحو أسبوعي) وفي أوروبا، على وجه التحديد، طلبت من نقادها الإلتزام بتخصيص الحيّز الأكبر من نقدها لا للفيلم الجيّد، بل للفيلم الأكثر رواجاً٠
على هذا الأساس، فإن ظهور فيلم تجاري المنحى مثل "ليلة في المتحف« مع بن ستيلر يتحدّث والتماثيل يواكبه احتلال الكتابة عن هذا الفيلم المساحة الأولى والأكبر في صفحات النقد السينمائي في معظم الصحف النوعية (غارديان، لوموند، فرانكفورتر، تايمز الخ ٠٠٠) في حين كانت هذه الممارسة، أيام باركر وما بعد، حكراً على الصحف الشعبية وحدها٠
المساحات الأقل، التي قد تصل في بعض الأحيان الى كبسولة كتابية من خمسين كلمة او أقل، تُمنح للأفلام التي لا يُنتظر منها أي نجاح تجاري. صحيح أن الناقد لا يزال يعكس وجهة نظره، لكن وجهة النظر هذه باتت ملزمة بالتناقض مع الرسالة الأم للنقد السينمائي وهي الثقافة وحصر المهام في التعريف العام بالفيلم مع إبداء الرأي فيه٠

الصوت المنفرد
هذا التراجع تم طبعاً قبل خروج الإنترنت الى الحياة والنتيجة أن النقد بات يواجه حالتي تدجين. واحدة على الورق المطبوع، والثانية، ولأسباب ليست بعيدة ولو على نحو مختلف أشرنا إليه أعلاه، على تلك الشاشة الصناعية التي نحملها أينما ذهبنا ونعتمد عليها كيفما اتجهنا هذه الأيام٠
الناتج في نهاية المطاف هو وحدة الناقد الحقيقي حين يجد أن السدود تقفز أمامه من دون اعتبار وإدراكه أنه يكتب لجمهور محدود ليخبرهم أشياءاً قليلون منه يكترثون لها بالفعل٠
إنه، أكرر، إدراك وليس شعور. أي أنه ليس تابعاً لاعتبارات غير موثوقة، بل لواقع مستجد يجعله يتساءل عن جدواه٠
طبعاً في عالمنا العربي، ونسبة لأننا متأخرين في كل شيء، فإن هذا الإدراك ليس شاملاً والكثير من النقاد الجديرين بالكلمة لا يعتبرون أن الحال بمثل هذا السوء. لكن الحقيقة أن الحال غالباً أسوأ من ذلك إذا ما حسبنا، فوق ما سبق، أن العلاقة بين الناقد وبين صانعي السينما أنفسهم باتت مبتورة وأن تلك بين الناقد والجمهور العام ممحية لم يبق منها سوى نخبة متشبّثة من القراء. كما أن سعي المثقّفين اليساريين واليمينيين (فئة الثورة والتغيير وفئة المحافظين والبرجوازيين) لقراءة النقد مُدمّرة منذ سنوات٠
لذلك كلّه صار الناقد صوتاً وحيداً منفرداً وعملة نادرة بفارق أن أحداً لا يجمعها. بالنسبة للبعض هو متطفّل وبالنسبة للبعض الآخر كاتب ينحت في الصخر ويعيش في ماض يتجاوزه الآن بأميال ضوئية٠
لكن هذا الناقد هو ذاته الذي كان دوماً السينمائي الذي في الظل ذي المهام التي كانت دوماً وما تزال أكثر بكثير من الحكم على العمل معه او ضده. الناقد الذي حمل رسالة مفادها حب السينما وتثقيف الناس عبر الكتابة عنها كما يفعل الناقد الأدبي والناقد المسرحي وباقي النقّاد الجادّين الخائضين في مجالاتهم المتخصصة٠ إنه ليس جزءاً من نظام مدرسي يقف عنده بل مشروعاً متواصلاً من المعرفة الشاملة والجادّة وهو يصحو كل يوم وفي باله الإستزادة ثم التواصل مع إنسان آخر لديه ذات الوله بالصورة المتحركة على الشاشة الكبيرة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007- 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular