Dec 31, 2009

ٌYear 3, Issue 478 | في النقد وفلسفة الفيلم | عصافير النيل| جيم جارموش

صدر العدد الجديد من "فيلم ريدر" وفيه مقالات نقدية لخمسة أفلام مهمّة <<< 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ***** ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
6.1.2010
سنوات ضوئية   | محمد رُضا
   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جديد يُقال في موضوع  المهرجانات العربية
في القاهرة، يأمل المشاركون في اجتماع لمديري مهرجانات السينما العربية الذي أعتقد إنه منعقد حالياً الوصول الى صيغة تعايش بين المهرجانات المتكاثرة التي انضم إليها في نهايات العام الماضي مهرجان الدوحة/ ترايبيكا
وثمّة مصاعب وكنت أتمنّى لو أكون حالياً في القاهرة لأتفرّج على كيف سيتم الخوض في مشكلتين محددتين هما
كيف سيتم توزيع الكعكة بالنسبة للأفلام العربية الجديدة التي تتسابق هذه المهرجانات -
على استحواذها
كيف سيتم توزيع المهرجانات على اثني عشر شهراً عوض حشدها جميعاً في الأشهر الثلاثة  -
الأخيرة من العام٠
وكان المجتمعون قد ناقشوا الوضع الثاني على الأقل قبل ثلاث سنوات ولم يتم الإتفاق على حل فبقي كل مهرجان ينافس بطريقته ويُقام في الموعد الذي يحلو له. ومع أنني دائماً مع المنافسة الا أن هناك شروطاً لها كأن يكون هناك قدراً كافياً من الوقت يستطيع فيها المرء التقاط أنفاسه بين مهرجان وآخر كما الحال بين دبي وأبو ظبي، فالأول في ديسمبر والثاني قبله بنحو شهرين. لكن ليس كما هو الحال بينهما وبين القاهرة ومراكش ودمشق والدوحة وكلها على بعد أيام وأحياناً ساعات بين بعضها البعض٠
والمسألة تؤخذ أيضاً على نحو لا يخلو من التعنّت. كل مهرجان يعتبر نفسه الأفضل، فكيف له أن يتنازل عن مطلبه او موعد إقامته؟
مؤخراً، وعلى سبيل المثال، صرّح رأفت شركس، وهو مدير مهرجان دمشق السينمائي، بأن تنظيم مهرجان في مدينة عريقة يمنحه أفضلية تلقائية على المهرجانات الأحدث، فهل يتوقّع أن توافق المهرجانات الأحدث على هذا الرأي؟ وأضاف أن ما يميّز مهرجان دمشق ومهرجان القاهرة هو "التاريخ وعراقة التاريخ"  فهل هذا هو التميّز الذي يُطعم خبزاً ويفيد ثقافة؟ أقصد أنه إذا لم يكن التميّز شاملاً إدارة صحيحة وخطّة تصاعدية وفعل ثقافي شامل ودور يلعبه المهرجان في دفع عجلة السينما العربية، وعجلة العروض الدولية للأفلام المختلفة في صالات السينما، فهو تميّز جامد لا أهمية فعلية له٠
ومن الآن يستطيع المرء أن يرصد خلافات وجهات النظر عوض النقاط التي سيتم الإتفاق عليها، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الإعتبار مهزلة اصطياد الأفلام بالطعم والصنّارة كما حدث مع "إبن بابل" لمحمد الدرّاجي الذي اقتنص من أبو ظبي معونة ودار لمهرجان الدوحة طالباً معونة مماثلة بعدما كان بدأ مشواره هذا بطلب دفعة على الحساب من مهرجان دبي الذي رفض الإنسياق في مثل هذا النوع من التعامل٠

وهناك رأيان وردا في مقالة وزّعتها رويتر مؤخراً. الأول من انتشال التميمي يقول فيه أنه يعتقد أن ما حقق النجاح لمهرجاني أبو ظبي ودبي هو انهما وضعا أمامهما هدفاً أساسياً "هو استقطاب الأفلام حديثة التصوير" لكني لا أري أن سياسة مهرجان القاهرة هي -مثلاً- استقطاب الأفلام قديمة٠ الأصح، في رأيي، هو أن الإمكانيات الكبيرة المتاحة للمهرجانين المذكورين ليس ماديّاً فقط، بل إدارياً جعلهما يخرجان من الصندوق المغلق للمهرجانات التقليدية القديمة التي تنتمي اليها مهرجانات دمشق والقاهرة وقرطاج، وانتشال، وهو مبرمج القسم العربي في مهرجان أبو ظبي، يصيب حين يذكر أن توفير الخبرات والجوائز المالية الكبيرة عامل مشجع للمخرجين والمنتجين تجعلهم قادرين على وضع استراتيجية عمل لهذه المهرجانات بحيث تستقطب السينمائيين العرب أكثر من سواها٠
ويعترف  الناقد المغربي نور الدين كاشتي  بأن هناك منافسة بين مهرجاني مراكش ودبي، لكن وسيلته في التمييز بين المهرجانين هو أن مهرجان مرّاكش أفضل لأنه يُقام في بلد منتج للأفلام، على عكس دبي ومهرجانات الخليج الأخرى التي تقام في بلاد تخلو من صناعة سينمائية (ولو أنها باتت تنتج أفلاماً)٠
شخصياً لم أحضر مهرجان مرّاكش بعد لكني متأكد من حسن تنظيمه، ومتأكد أيضاً من شكاوى السينمائيين المغاربة من أنه لا يوليهم ما يستحقّونه من اهتمام، فما قيمة هذا التميّز إذا ما كانت الشكوى صحيحة؟ وها هو مهرجان القاهرة يُقام في عاصمة الصناعة السينمائية الأولى في العالم العربي، لكنه إدارياً وتمويلياً ما زال يعاني من أزمات تمنعه من أن يتبلور كمهرجان قيادي بين المهرجانات العربية (ودعونا من العواطف رجاءاً) فهل يعني ذلك أنه أفضل من سواه؟

كل مهرجان عربي ذا صبغة دولية او مشتركة بين أكثر من قارّة لديه جانب خاص به يميّزه عن سواه، لكنه قد لا يكون جانباً كافياً لكي يتبوّأ المركز الأول بينها. والمسألة كما يبدو أنها مطروحة بين المجتمعين تشبّه هذه المهرجانات بفرق كرة القدم وبمثل هذه الطروحات التي جاءت على لسان بعض المشتركين لا يمكن الأمل بنجاح المجتمعين الذين قد يغفلون عن مسألة جوهرية بالغة الأهمية وهي: ما هي الفوائد الحقيقية التي يحصدها كل مهرجان في موقعه على صعيد الجمهور وعلى صعيد الثقافة السينمائية؟


جيمس كاميرون صاحب  الفيلمين  الأعلى  إيراداً حول العالم



بعد أسبوع واحد سيستطيع المخرج جيمس كاميرون الإدّعاء بأنه صاحب أعلى إيرادات في تاريخ السينما، ليس مرّة واحدة بل مرّتين. فبينما أنجز فيلمه السابق "تايتانك" بليوناً و840 مليون دولار سنة  حول العالم حين عُرض سنة 1997، يحصد فيلمه الجديد "أڤاتار" نجاحاً مماثلاً هذه الأيام مخترقاً سقف البليون دولار حالياً٠
إذا ما استمر المد التجاري على هذا النحو،  وهو سيستمر تبعاً لقوّة الإقبال عليه حالياً والفيلم لا يزال في شهره الأول، فإن الفيلم بالتأكيد سيتجاوز فيلمين آخرين حققا إيرادات فاقت لكل منهما المليون وهما "قرصان الكاريبي: كنز الرجل الميّت" او
Pirates of the Caribbean: Dead Man's Chest
وهو الجزء الثالث من تلك السلسلة، الذي كان أنجز بليوناً و70 مليون دولار سنة 2006 و"سيّد الخواتم: عودة الملك" الذي جمع بليوناً و120 مليون دولار علماً بأن "أڤاتار" جمع للآن بليوناً و22 مليون دولار٠
وكما حدث مع "تايتانك" فإن معظم هذا الإيراد آت من الأسواق العالمية فحصيلة الفيلم أميركياً حتى نهاية العام الفائت تبلغ  352,114,898 دولار والباقي من الأسواق الكبيرة حول العالم٠
ما سبق هو حقيقة الوضع بالنسبة للفيلم وهو أكثر تحديداً عن التحقيق الذي وزّعته يوم أمس وكالة الأنباء الفرنسية  ونشر في عدد من الصحف والمواقع٠



ـــــ 1   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في النقد وفلسفة الفيلم | الناقد صاحب صوت فريد ضاعت 
بصماته حين انتقل من الورق الى الشاشة 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا - الجزء الأول٠

مفاتيح: النقد، السينما، الإنترنت، مجلات
قديمة، صالات السينما، جمهور ٠٠٠٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ارتبط ظهور النقد السينمائي بتطوّرات  تقنية نقلت الصورة من مفهوم »البصبصة« الى مفهوم "المشاهدة" وبعد ذلك من مفهوم الأشرطة التي لا تروي أكثر مما تصوّر، الى تلك التي بات فيها التأليف، على صعيديه الدرامي والإبداعي البصري، عنصراً رئيسياً. المسألة الواضحة اليوم هو أن هذا الإنتقال، الذي حدث على سنوات طويلة من العام 1888 الى منتصف العقد الأول من القرن العشرين، لم يكن ليثمر عن اهتمام أدبي يلد كتابة نقدية لو أن التقنية، ذلك الجانب الصناعي من الإبداع، توقّف عند اختراع الفيلم الأول واختراع الكاميرا الأولى وجهاز العرض البدائي٠

إذاً، هناك رابط، يستنتج المرء، بين تقدّم العلم في صناعة كانت لا تزال تستنبط من مكوّناتها البدهية اسئلة حضورها وأهميّته، وبين تشكيل الفيلم الذي كان يستحق أن يوازيه كتابة عنه.  مثل صناعة السيّارات، كان لابد لهذه الصناعة أن تنتقل من أساس استبدال قوائم الحصان بعجلات والسرج بالكرسي واستخدام الوقود للتسيير قبل أن يحشر شخص ما عنقه بين المشاهدين ليحاول كتابة ملاحظاته عما يراه، ثم نشرها٠

هذا الإرتباط يبدو اليوم ناشزاً وغير طبيعي حين يتم النظر الى العلاقة بين النقد والوسائل الحديثة للنشر التي تخلف اليوم تلك التقليدية ولابد أن هناك من سبب. تلك الوسائل الحديثة هي الوسيط التكنوإلكتروني الذي نستخدمه اليوم للكتابة وللحصول على المعلومات. بعض الكتابات تنتهي منشورة في الصحف والمجلات او الكتب، وبعضها يُنشر عبر المواقع المختلفة التي هي البديل الأسهل للأولى. هذا البعض الثاني بات أكثر  انتشاراً  اليوم تبعاً لانتشار الإقبال على الإنترنت كبديل معلوماتي وثقافي ومعرفي لكل ما نُشر وينشر مطبوعاً في الوسائل التقليدية. عدد الصحف التي تواجه أزمات مادية ازداد حول العالم. عدد النقاد العاملين  فيها تقلّص والكثير من المجلات، حتى خارج إطار العمل الإخباري، انتهى عهده بينما المجلات الأسبوعية وصلت الى سقف من الإنتشار لا تستطيع اختراقه، وبعضها ينحسر عن مكانته عاماً بعد عام٠

في خضم كل ذلك، يزداد عدد الذين يختارون الإنترنت كمكان للتسلية الفكرية والإطلاع الثقافي او الترفيهي ما يجعل الصحف والمجلات المطبوعة تواجه أزمتان في واحدة: هي في مأزق إذا ما شاركت الحياة على أثير هذا الوسط الجديد وفي مأزق إذا لم تشارك. في الأوّل ستساهم في توفير المادّة التي كان القرّاء يدفعون لمطالعتها مطبوعة على الشاشات الصغيرة وبذلك تبقي جمهورهاً (او نصيباً منه على الأقل) معها، وفي الثاني ستخسر من صلب عمادها على الجمهور الشاري للصحيفة وتخسر، بالتالي، دعم المعلنين٠

إذاً، العلاقة الإبداعية بين النقد والعلم التي سادت من العصور الأولى لفن الفيلم، ليست هي ذاتها القائمة اليوم بين الطرفين. في الأولى أثمرت عن ولادة النقد السينمائي، ولو أنها لم تكن السبب الوحيد لتلك الولادة، وفي الثانية أثمرت عن تفشّي عوارض سلبية نابعة من طبيعة الوسيط المستخدم للتعبير٠
طبعاً، ثمّة مدافعون عن وسائل النشر الجديدة على أساس أنها طالما تؤدي الى تعزيز فعل النقد السينمائي، وفعل أي نقد آخر أيضاً، فإن هذه الوسائل ضرورية وماسّة. كما أن البعض يؤيّدها من باب تأييده للمتغيّرات والتطوّرات التكنولوجية التي تشمل، فيما تشمل، تقنيات الفيلم الحديث وتصاميمه وعروضه، وعلى أساس أننا أمام عهد جديد يجب أن ننضم إليه بكل ما لدينا من طاقة، وبل بكل ما لدينا أياً كان هذا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٠"ربما بعض ما آلت اليه الحياة الحديثة سياسياً
واقتصادياً واجتماعياً و-بالتالي- حضارياً وإبداعياً
هي من سيئات وسلبيات هذا العهد الجديد"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكن في كلا الدفاعين ثغرات أساسية لم يتم أخذها بعين الإعتبار حين تم دفعنا الى الوسيط الجديد كبوّابة للتعبير والنشر. فتعزيز دور النقد لم يكن النتيجة الخالية من الشوائب التي يمكن توجيه الثناء الى العلم الحديث بسببها، والقبول بكل تغيير تقني على أساس أنه جزء من عهد جديد علينا، كتّاباً وقراءاً ومشاهدين، الإنضمام إليه أشبه بالطلب من الجميع الإسراع بركوب القطار قبل مغادرته المحطّة لأن الباقين لن يكونوا من الصفوة او النخبة التي ستتاح لها الوصول الى حيث يمضي هذا القطار. هذا بالطبع من دون أن نعرف حقّاً الوجهة التي يمضي هذا القطار صوبها، ومن دون دراسة التبعات الناتجة عن الإشتراك في الإنضمام الى قطيع الناس. من يدري؟ ربما البقاء على المحطّة يكون أجدى مما نعتقد. ربما بعض ما آلت اليه الحياة الحديثة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً و-بالتالي- حضارياً وإبداعياً هي من سيئات وسلبيات هذا العهد الجديد، وبناءاً عليه يكون عدم الإنضمام اليه (قدر الإمكان) خلاصاً او على الأقل موقفاً إنسانياً وفكرياً صحيحاً٠

قرارات ومواقف
في النظر الى العلاقة بين النقد السينمائي ووسائل نشره تكمن مسألة هي في عمق نسيج تلك العلاقة شاملة الناقد والقاريء والصحيفة (او الموقع) ومستوى الكتابة ونوعية المشاهدة، ثم الرسالة التي على الناقد أن يحويها لأجل إطلاقها صوب القاريء٠
 ينطلق فعل الكتابة قبل الكتابة ذاتها. هناك عمل سينمائي عليه أن يُعرض أمام الكاتب أوّلاً، وهو لا يُعرض من دون قصد الكاتب له. الآن، هذا القصد بدوره ليس عملية انتقائية. الناقد الذي يستحق الصفة لا يعمل بميزان هذا أراه وهذا أغض الطرف عنه الا إذا تخصص في نوعية محددة من الأفلام وذلك بدوره لن يعفيه تماماً، خصوصاً وأن بين ما تخصص فيه مستويات ونوعيّات لا يستطيع حيالها الإنتقال الى درجة أخرى من الإختيار الا على حساب جدّيته٠
يخرج الناقد من الفيلم بأربعة عناصر رئيسية ستشكّل كتابته
ملاحظاته *
اسئلته *
قراراته ومواقفه *
وحاجاته لترتيب أفكاره المعتمدة على العناصر المذكورة لأجل تأليف نقده *
وفي بعض الأحيان، هو بحاجة الى معلومات أكثر استفاضة مما قرأه على صفحة الفيلم. لعلها معلومات تاريخية او بيوغرافية او لها علاقة بنص أصلي او بمحاولة ربط مشهد بآخر في فيلم سابق. ما يهم أن نسيج الكتابة تشكّل خلال العرض بصرف النظر عن الرأي  الذي هو في واقعه لا يعدو سوى وجهة نظر. فالحقيقة هنا هي أن الناقد ليس صاحب رأي وكفى. فكل الناس لديها رأي او تستطيع تكوين رأي. كذلك فإن الرأي بحد ذاته ليس صائباً، ولا حتى صلباً، الا بالمعرفة المكدّسة من المعلومات  وهذه المعرفة هي التي تميّز لا الناقد عن المشاهد الجاد فقط، بل الناقد عن الناقد الآخر٠
من دونها هو صاحب رأي أتيحت له الكتابة ومن غير عملية الإلمام والبحث في الجوانب الفنية والتقنية والموضوعية التي صاغت الفيلم عملاً معروضاً، فإن هذا الرأي قد يُصيب وقد يُخطيء وهو حتى لو أصاب سيكون عرضة للنقاش أكثر بكثير من رأي مستند الى حقائق ومعلومات ومَعين من المشاهدات والثقافات الفنية٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٠"سهولة الوصول الى القاريء اليوم أسس اختصاراً
لكل الأسس التي عرفها النقد السينمائي السليم في
السابق. لَغاها لأنها تأخذ وقتاً وتتطلب دراسة"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الذي يحدث هو أن الصحافة الإلكترونية تُتيح للعديدين اجتياز المعبر الذي سيوصلهم الى عملية إبداء الرأي على أساس أنه النقد وبالتالي إشاعة نسخة مشوّهة من العملية الإبداعية الأساسية التي هي النقد فعلاً. هذا لا يحدث مع السينما وحدها فقط، بل مع كل مجالات الحياة الثقافية. ما كان سائداً من قبل سرعة التمييز بين النقد والعرض القائم على الإنطباعية او الرأي، لكن التمييز يصبح أكثر صعوبة حين تسود النسخ المشوّهة من النقد بحيث لا يصل الى ملايين الناس أكثر من كتابات في الفيلم يُصطلح على تسميتها بالنقد السينمائي بينما هي في الواقع ليست كذلك٠
مرد هذا هو أن التكنوإلكترونيّات انجاز حديث يجذب إليه، كإي ابتداع، جمهوراً حديثاً من القراء كما من الكتّاب. هذه الحداثة ليست على صعيد الخبرة وحدها، بل هي حداثة جيلية. معظم مستخدمي الإنترنت حول العالم من جيل السنوات العشرين الأخيرة. كثيرون منهم وعى والكومبيوتر في البيت او كان صغيراً حين اشترى والداه له هذا التكوين الصناعي الجاذب٠
على صعيد الكتّاب المتعاملين مع المادّة السينمائية نقداً (وأعتقد أن هذا التصنيف هو الصحيح بين تعريفات أخرى) فإن معظمهم أيضاً من الجيل نفسه او من جيل يعلوه بعقد او نحوه. المشكلة ليست في العمر بل في الخبرة، وبل إذا ما محصنا ذلك لا نجدها في الخبرة بحد ذاتها، لأننا جميعاً كنقاد بدأنا بلا خبرة، بل في سهولة الوصول الى القاريء اليوم أسس اختصاراً لكل الأسس التي عرفها النقد السينمائي السليم في السابق. لَغاها لأنها تأخذ وقتاً وتتطلب دراسة واستعداداً نفسياً وعملياً يتجاوز مسألة الدخول والخروج من فيلم. وأم في المقابل، صرح علاقة تنطلق من مبدأ: "أنا كاتب وأنت قاريء وهذا كل ما في الأمر". وبعد أن كان النقد السينمائي إسهام ثقافي يستمد من الحياة السينمائية كلّها أسباب وجوده كما طروحاته ورسالاته، بات، والأمثلة بالمئات، يتحدّث عن العلاقة الفردية بين الكاتب المتعامل مع المادة السينمائية وبين المتلقّي٠
وهناك دلالات تصلح لكي تملأ كتباً في هذا الشأن في مقدّمتها أن وجهة النظر تغيّرت تبعاً لحلول هذا النوع من الكتابة محل الكتابة النقدية السليمة٠
في كتابات نقاد الفترة الذهبية من السينما المعاصرة (أواخر الخمسينات مروراً بالستينات وحتى نهاية السبعينات) سنجد توجّه النقّاد بكل ما لديهم صوب القاريء بغاية المشاركة في تأسيس هذا الصرح الثقافي التي تشكّل الأفلام نصفه الأول. ضمن هذا التوجّه، قلّما استخدم النقّاد في ذلك الحين مرجعية ذاتية للحكم او للتداول. أقرأ لليوم كتابات رتشارد كومس، روبين وود، ديفيد روبنسون، رايموند دورنات، مرغريت تارات، جيمس آجي، مولي هاسكل، ديفيد دنبي، اندرو ساريس ، غوردون غاو، توم مايل،  روجر مانڤل ويؤسرني كم  قدر التواضع المنساب بين كلمات وأسطر المقالات النقدية وكم هي بعيدة عن تجيير المادة النقدية لخدمة الذات و"الأنا". هذا نقيض صارخ للمنتشر على الإنترنت اليوم من كتّاب يسارعون الى توظيف أنفسهم من دون رؤى للحديث عن ذواتهم واعتبارها مادة رئيسية من مواد الكتابة ووسيلة مرجعية. فتجد الرغبة في إثبات هوية الكاتب تعلو على المادّة ذاتها وباستخدام صفة المتكلّم على نحو واضح ومتكرر يصبح التركيز على الفعل الخاص له في عملية المشاهدة والتقييم٠

خلطة فوضوية
ففي عبارات مثل "وقْع الفيلم عليّ" و"أنا مع هذه الشخصية التي تعني لي الكثير" و"شعرت وأنا جالس في مقعدي بأني مشترك فعلي في الفيلم إذ نجح المخرج في تقريبي من حبكته" الخ.... في مثل هذه العبارات الكثير من عملية إدماج غير نقدية وغير علمية ثم غير ضرورية يقدم عليها الكاتب من دون إذن، وفي باله طبعاً التواصل مع القاريء كما لو أن كليهما مشترك في حديث صالونات٠
ليس فقط أن الرأي هنا يسود (في مقابل تراجع النقد) بل أيضاً ترتفع وتيرة اعتبارات خاصّة لا مكان لها في عملية قراءة وتداول الفيلم. فوقع الفيلم ليس عليه وحده، والشخصية ليست مصنوعة لكي تعني الكثير له بمفرده (إن فعلت) ومسألة نجاح المخرج في تقريب الكاتب من حبكته ليست حكماً لأنه، في هذا المنوال، قد يكون فشل في تقريب الآخر الجالس بجانبه٠
كتابات الأمس لم تكن تخلو من استخدام الأنا لوصف وضع معيّن، لكن هذا الإستخدام كان قليلاً ومتباعداً وأحياناً كثيرة لم يكن موجوداً على الإطلاق. الغاية حينها كانت البحث عن حقيقة الفيلم كما يراها الناقد شاملة الجمهور العام وهو من بينه وليس بمنأى عنه. إنه لم يكن تواضعاً او تواضعاً كاذباً بل كان الوسيلة الصحيحة لإداء رسالة الناقد المرجوّة والناتجة عن قراءة الفيلم من دون انطباعيات او مرجعيات خاصّة تجعل الكاتب، بكلماته هو، محور المادة وليس الفيلم٠
وحجم الإلمام والمعرفة أساسي في هذا الإختلاف القائم بين النوعين المذكورين. الأول، ذلك المطبوع في تلك الفترة الذهبية والتي لا زال منه الكثير لمن يعرف أين يجده، كان أساسياً للكتابة. الثاني، ليس كذلك. معظم الكتاب المتعاملين  مع المادّة السينمائية اليوم لا يستطيعون إرجاع الفيلم الحديث الى تياراته او ربطه بنوعيته الا إذا كانت تيارات آنية. بذلك فإن فيلم رلاند إيميريك "2012"  مثلاً، يعود الى مرجع او إثنين فقط. أوّلهما سلسلة أفلام كوارث حديثة (العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين) وثانيهما، الى أفلام المخرج الأخرى التي تعاملت مع موضوع نهاية العالم الكوارثية، في حين أن نهاية العالم على الشاشة موجود في السينما منذ الخمسينات كتيّار (وقبل ذلك كأفلام قليلة فالتة من دون رابط)٠
كذلك فإن المبهر في أفلام الدمار الحالية، وهذا شأن يتطلّب موضوعاً منفصلاً، يُصبح نقطة ارتكاز وحكم على فنيّة الفيلم، وذلك في خلط فوضوي واضح ومشوّه، لما هو فن وما هو صنعة تقنية٠
في ذات السياق، فإن الكتاب المعنيين بالنقد هنا لا يستطيعون تقييم الفيلم الا من خلال مشاعرهم العفوية حياله، تماماً كما نفعل كمشاهدين مجرّدين، وبالتالي فإن صياغة رابط بين فيلم جاد والرسالة التي يوفّرها او المعالجة الفنية التي يتولّاها أمر غير متعارف عليه او متداول بين هؤلاء٠

يتبع

ـــــ 2   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصافير النيل: في لعنة الجغرافيا، لا أحد بطلاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشّار إبراهيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفاتيح:  نقد | المدينة والريف | جمال
عبد الناصر والقومية العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لعل ليس من المغالاة، في شيء، القول إن فن الرواية هو، بين الفنون النثرية، والإبداعات الكتابية، جميعها، أكثر ما يستطيع أن يقدِّم معرفة بالواقع.. بل إن جورج لوكاتش ذهب إلى الدرجة التي رأى فيها أن ما تقدمه الرواية، إنما هو نمط من «المعرفة الموضوعية»، بما يعني أن الرواية هي الأكثر قدرة على إدراك الواقع، وقراءته، وتحليله، وإعادة بنائه.. في مسعى لتفسيره وتحليله٠
الرواية في فهم من هذا الطراز هي كتابة في الذات والموضوع. كتابة تدرك الماهيات بتحوِّلها، وتحرّكها في الشرط التاريخي، بتفاصيله الدقيقة، والفاعلة في آن، وفي مصائر البشر العاديين.. عند ذاك لا تعود الكتابة في الرواية نزقاً، ولا ردَّ فعل، بل محاولة جادة وواعية للغوص في عمق الظاهرة، بمعزل عن إرادة الروائي، ورغباته.. وربما نزواته٠
الرواية أولاً هي ذاك الفعل الإبداعي الذي يتجاوز حكايته، دون أن يفقدها أو ينكرها، ليكون بيان وجود عن ثقافة معبرة عن ذاتها، بكلمات مهمتها صنع العالم. إنها كلمات.. نعم.. ولكنها تحاول إعادة صياغة العالم في مسعى لفهم أدق، ووعي أعمق، وفض الالتباسات، وكشف الغوامض..
وعندما يختار المخرج مجدي أحمد علي، في فيلمه الجديد، الاتكاء على نص روائي للروائي إبراهيم أصلان، وبالعنوان ذاته: عصافير النيل»، فهو دون أدنى شك يدرك ذلك كله، ويعرف ما الذي يقتضيه القيام بأفلمة رواية، على هذا المستوى من « العمق، ومن التشابك، فضلاً عن الروعة والشاعرية٠

تحطيم السرد.. تعدد مستوياته
يبدأ فيلم «عصافير النيل»، انطلاقاً من لحظة زمانية محددة؛ هي لحظة اللقاء بين عبد الرحيم وبسيمة، في رواق مشفى ما!.. وإذا كان من المتعذر العثور بوضوح، وفي المشاهدة الأولى، على دلالة تلك اللحظة، إلا أن الفيلم سرعان ما يعود بالخطف خلفاً، إلى لحظة اللقاء الأولى للعاشقين الآفلين.
وسيمضي الفيلم، منذ تلك اللحظة، في سرد صاعد مع الزمن، تخترقه حضورات متكررة للراهن، مع استرجاعات للماضي، ينجزه صوتُ راوٍ، يبدي معرفة ورؤية كلية منجزة، تجاه الزمان والمكان والشخصيات وتفاصيلها.. ويراوغنا في حديثه، ليغوينا بالمضيِّ معه حيث يريد، ويورِّطنا في لعبته الروائية. ولا يترك الصوت الراوي وسيلة، إلا ويستخدمها؛ بدءاً من الوصف، إلى الحوار، إلى التداعي، والتأمل، والاستعادة عبر الذاكرة، وإرسال الحكمة، وصولاً إلى التوغُّل في جوانية الشخصيات، وفضح دواخلها، وما يعتورها، من مشاعر وأفكار، أو هواجس وأوهام٠
ينتهج الفيلم طرائق سرد متعددة، تتراكب وتتكامل فيما بينها، مع تعدد الأصوات، وتتالي الاعترافات، والانتقالات المتبادلة والمتتالية، بين الآن وهنا، أي الحاضر الراهن بأساه، وبين هناك وما مضى، بتعرجاته وتحولاته التي أسست لمصائر الشخصيات٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٠"على الرغم من أن المكان في فيلم «عصافير
النيل» هو المدينة، إلا أن الفيلم لم يقدم أيَّ شخصية
تنتمي إلى المدينة!.. جميع الشخصيات ضيوف
على المدينة، أو وافدون عليها"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن المُدرك أن طريقة تعدُّد الأصوات الروائية، تقوم بكسر السرد، والتخفيف من حدَّته، وتصاعده.. كما تنجو من رتابته، وتحقِّق إفلاته من أيِّ إملال يمكن أن يصيبه، وتنجو من مطب إيراد الفيلم سياقات متوقَّعة ومفضوحة سلفاً، من قبل المتلقي.. بل هي طريقة تقوم أيضاً وأولاً بتفتيت الحدث، وتشظيته، وإعادة إنتاجه مرة وأخرى، منظوراً إليه في كل مرَّة، من زاوية، ومن خلال وجهة نظر المتذكر، أو الصوت المتكلم، بتعدده، واختلافه.. كما أن تعدد مستويات السرد يمكن له أن يضفي شاعرية ما على أجواء العمل، وهو ما تحقق محفوفاً بحرفية التصوير، لرمسيس مزروق، وحركة الكاميرا التي لم تهدأ في استعراض (بان، وتيليت)، صاعدة نازلة وذات اليمين وذات الشمال، وكأنما تمسح بكفّها الوجوه والأمكنة والتفاصيل٠

ثنائية الريف/ المدينة
يعود فيلم «عصافير النيل»، كما الرواية، إلى الموضوع الأثير في الأدب العربي خلال القرن العشرين، وهو موضوع ثنائية الريف/ المدينة. وهنا نؤكد أنه وعلى الرغم من اقتراب الفيلم من موجة «سينما العشوائيات»، إن صحَّت هذه التسمية، إلا أنه لا علاقة له بها أبداً. إنه أبعد وأكثر عمقاً وأغزر دلالة من ذلك. الموضوع هنا هو تلك الإشكالية الهائلة التي عاشها العالم العربي، ثنائية الريف/ المدينة، والتي نعتقد أنها قوَّضت المشروع العربي برمته، تماماً كما انتهت بالريفيين إلى مصائر دامية على حافة المدينة٠

وهكذا، فعلى الرغم من أن المكان في فيلم «عصافير النيل» هو المدينة، إلا أن الفيلم لم يقدم أيَّ شخصية تنتمي إلى المدينة!.. جميع الشخصيات في الفيلم هي من أبناء الريف.. إنهم ضيوف على المدينة، أو وافدون عليها. ورغم أن الجزء الهام من أعمارهم أمضوه في المدينة، وأن بعضهم جاء إلى المدينة محملاً بأحلامه، والتدرج على السلم الاجتماعي والحياتي.. إلا أن الأمر المثير هو أن لا علاقة حقيقية نشأت بين الشخصيات الريفية والمدينة٠
كأنما هم غرباء فيها، وكأنما هي تبدي الصدود تجاههم.. كأن المدينة انغلقت على ذاتها، واحتفظت بأسرارها، التي لن يدركها الريفيون، ولن يخترقوا الجدران الكتيمة التي سوَّرت نفسها بها.. فبقيت المدينة ميداناً/ مكاناً، يتحركون فيه، يفعلون ويتفاعلون (في ما بينهم كريفيين) فيه، دون أن يصلوا، أو يتصلوا بالمدينة!٠
المثير في الفيلم أن الجميع هم من أبناء الريف، الإيجابيون منهم والسلبيون، الجلادون والضحايا، الفاعلون والمنفعلون.. إذ لا نرى أياً منهم كجزء من البنية الاجتماعية في المدينة، بل لا يتواصل أي منهم مع أيٍّ من تعبيرات المدينة، يتفرجون عليها، ولكن لا يعيشونها.. إن المدينة على اتساعها تنغلق في وجوه شخصيات الفيلم، فيلوبون في شوارعها، ويتوزعون في أركانها، ويتصادمون في ما بينهم، هذا في الوقت ذاته الذي تبدو المدينة سادرة في هدوئها، تنظر (وربما تنتظر) إلى أية هاوية ستؤول أحوال أولئك الريفيين!٠
وإن كان للفيلم أن يلامس موضوعة «الريفي إذ يفد المدينة»، من ناحية ما تحتمله من طرائف، «كأن لا يعرف طعم التفاح، مثلاً»، وهو متوفر في العديد من الأفلام العربية، فهو لم يبتعد أيضاً عن موضوع الهوس الجنسي الموسوم به الريفيون، وبشبقهم العالي حتى للنساء اللواتي لا يتمتعن بالجمال. وسيمنح الفيلم وقتاً فائضاً لعبد الرحيم وهو يتمرغ في أحضان نساء لسن فاتنات، ولا ممتلكات لمقادير من الجمال، بل هن محض مغويات٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٠"ليس السؤال هنا حول قدرة الريف على
حمل مهام المشروع الوطني والقومي، لكن
السؤال هو عما تجلَّت عنه التجربة في شكلها
الذي تمّ، والنتائج التي انتهت إليها"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الذكاء أن المخرج مجدي أحمد علي حاذر الاقتراب من أي أقنوم جمالي في السينما المصرية، فبدت جميع الشخصيات النسوية في الفيلم موضوعاً جنسياً مباشراً، فاقدات للكثير من المواصفات الجمالية، وهو ما يكاد يتسق مع فكرة أن الجمال والأناقة والرقة، هي من صفات النساء المدينيات، بينما الريفيات يقفن على حافة الجمال، وإن امتلكن شيئاً منه، فإنهن سرعان ما يقمن بتشويهه بالماكياجات الصارخة٠
وبالاعتقاد أن الأهم في الشخصيات الفيلمية، هو ما يمثله الفتى عبد الله، ذو النزوع السياسي، والمنتمي كما يبدو إلى المشروع التغييري، الذي التحق عبره الكثير من أبناء الريف وانتسبوا من خلاله إلى شوارع السياسة المدينية!.. إن الفيلم يتوافق هنا تماماً مع واقع الحال ومجريات الأمور التي بدأت تقريباً مع النصف الثاني من القرن العشرين.. أي أنه ينطلق من معرفة وإدراك وملاحظة ذكية لما حصل منذ مطلع الخمسينيات، على الأقل، إذ في لحظة تاريخية ما أعقبت فترة الاستقلالات الوطنية، ورحيل جيوش الانتداب، بدأ الريف العربي بالتعبير عن ذاته، من خلال انخراط الكثير من أبنائه في السياسة، سواء الأحزاب، أو الجيوش (الوطنية)، التي كانت قد بدأت بالتشكّل عندما كان الانتداب يشهق آخر لحظاته، ويكاد يلفظ أنفاسه٠

لن يذهب الفيلم كثيراً مع عبد الله، ولم يكشف لنا عن أي مصير يلاقيه، على الرغم من أن الواقع قال قوله الحاسم في هذا الإطار، فلم تتوقف المصائر التراجيدية عند أمثال عبد الرحيم  وبهي والرشيدي، بل لعلها طالت المشرع السياسي الذي قاده الريفيون، واقتحموا به المدينة. وإذا كان جمال عبد الناصر (كما الأسد، وصدام، والقذافي) الريفي القادم من أقاصي الصعيد المصري، قاد وأسَّس لمرحلة كاملة من مشروع وطني وقومي، فإنما ذلك كان، في الوقت نفسه، إعلاناً عن انقلاب حقيقي على النخب السياسية المدينية، وتراجعها وعزلها، والشروع بالدور الذي سيتولاه ويقوده أبناء الريف، عسكرياً، وسياسياً، ومشروعاً اجتماعياً ثقافياً.. فمن الضروري القول إن هذا المشروع انتهى في أغلبه الأعمّ إلى الفشل!.. فلم يكن بالمستطاع «ترييف المدينة»، رغم كارثة الهجرة الداخلية، من الأرياف إلى المدن، التي كانت إحدى أدنى نتائجها، الإخلال بالتوازن الاجتماعي، وضرب تناسقه، وتخريب لياقته، ونشوء مناطق السكن العشوائي، وما تحفل به من مفاسد ومخاطر، وانحرافات اجتماعية وتربوية وأخلاقية.. وإفساد التطور الاجتماعي، في مجتمع من المفترض أنه كان يقف على عتبة تحولات كبرى في حياته الراهنة، وتحديد اتجاهاته المستقبلية٠
كما كان من أدنى نتائجها الإخلال بالتوازن البيئي، لناحية استنزاف الموارد الطبيعية، من حيث نضوب الثروة المائية، وتحول المدن إلى مناطق مهددة بالجفاف، وتصحير المناطق الخضراء باقتلاع الشجر، وزرع غابات الإسمنت، وما أدى إلى تلويث البيئة، وإفساد المناخ.. كل هذا فضلاً عن إفراغ الريف من الطاقات الشابة، القادرة على تطويره وتنميته.. وتحول الريف جراء ذلك إلى هامش عاجز عن المساهمة الفعالة بدوره الحقيقي.. الأمر الذي جعل البلدان العربية، الزراعية، أصلاً وأولاً، تستورد المنتوجات الزراعية من خلف البحار، أو تشهد فقراً فيها، تبدي عوزاً، وغلاء أسعار، ونقص مواد، وصل إلى حدّ الجوع الحقيقي٠٠
ليس السؤال هنا حول قدرة الريف على حمل مهام المشروع الوطني والقومي، أي المشروع الحلم.. فهذا أمر آخر.. لكن السؤال هو عما تجلَّت عنه التجربة في شكلها الذي تمّ، والنتائج التي انتهت إليها.. وهي تجربة بحاجة إلى قراءة وتحليل وتدقيق، ومراجعة تاريخية، دون أدنى تجنٍّ!٠
فيلم «عصافير النيل»، لم يكلِّف نفسه عناء الخوض في هذا الغمار، واعتقد أنها ليست مهمته، بل إنه اكتفى بتبيان مآلات الخسران، وتهافت التجربة. وعلى هذا لم يتردد الفيلم كثيراً في الذهاب إلى قول الحقيقة، مهما كانت موجعة، وكشف المصائر مهما كانت فاجعة.. وسيستكمل الفيلم قولته تلك بالتأكيد على أن العودة إلى الريف هي سبيل الخلاص!.. فلا يتوانى عن الوشاية دائماً بأن على الريفيين العودة إلى الريف، ولو جثثاً!.. وإن ستتلاشى في الفضاء توسلات الأم «حدّ ياخدني البلد»٠

خاتمة.. ما
فيلم «عصافير النيل»، للمخرج مجدي أحمد علي، نص إبداعي متماسك، ونسيج بارع، وأداء راق ينساب هادئاً رائقاً، دون أن يفقد توتره، وانشداده كخيط حرير، ذاك الذي يفوق أعتى المعادن قدرة وصلابة وتماسكاً.. خيط ينسل من أرواحنا وأحلامنا، يأتي من نور، ليضيء تلك الزوايا المعتمة في التجربة..
لم نقل «اللهم نجنا من التجربة»!.. إذ إننا انخرطنا فيها.. فولغت في دمنا.٠
وكان صباح.. وكان مساء.. وكان ما كان.. والفيلم يتجرأ على قول بعضه٠

نشر هذا المقال أولاً في صحيفة "المستقبل" اللبنانية



ـــــ 3   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جيم جارموش | "يجب أولاً تحديد ما هي السينما
الأوروبية وما هي السينما الأميركية وأين تختل
ف الواحدة عن الأخرى"٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقابلة | هوڤيك حبشيان


سينمائي أميركي متمرد على السائد ومستقل عن هوليوود يعمل في تصميم وتأنٍّ منذ أكثر من ثلاثة عقود. كلما أتى بجديد تكون الرؤية مناهضة لكل ما تنتجه المصانع الهوليوودية، وهو في كل حال يرى في "عاصمة الأنترتنمنت" مدينة سلطة ومال ومافيات لا مدينة فنّ وتجريب. هكذا كان جيم جارموش منذ فيلمه الأول ("عطلة دائمة" - 1980)، مخرباً اريستوقراطياً، وهكذا من المرجح ان يبقى لفترة من الزمن اذا صدّقنا اجتهادات فيلمه الجديد "حدود التحكم" (2009)  المنفلت من كل تحكم وسيطرة!٠

سينمائي جليل لا نظير له في السينما الاميركية، نجح عبر اناقة اخراجه وقوته في جعل نصوصه حساسة، جميلة، لينة، متحركة، وتكاد تكون تجريدية في أحايين كثيرة. فجارموش، هذا الهاوي الأبدي للموسيقى، وللكتب، وللسينما الأوروبية واليابانية (من غودار الى ميزوغوشي)، هو من الذين لا يبطل اسلوبهم، لأنه لا ينتمي الى زمن واحد وبقعة محددة. معه تستعيد عبارة "سينمائي مؤلف" معناها الاصلي، ألقها، وقيمتها٠
رأيناه أكثر من مرة يتسلى بتصوير ايقونات سينمائية مرة اخيرة قبل اختفائها أو سقوطها، مسنوداً بالموسيقى التي تكوّن حالة مطلقة عنده، وهي شكل مثالي ينزع اليه باستمرار اسلوبه في الاخراج، ويتيح تعرية الحداثة والتجريب، دفاعاً عن العودة الى الاصول٠
أفلامه تأتيك لقطةً لقطة: دائماً هناك انتظار طويل قبل بلوغ الذروة. فالافتتاح لا يستمد اهميته ودلالاته الا بما نراه في نصف الفيلم، وهذا النصف ايضاً لا تسوّغ وجوده الا التتمة المنتظرة. هذه هي البنية الدرامية التي يعتمدها جارموش: يهندس فيلمه كما لو كان يشيّد كاتدرائية، قطعةً قطعة، الى ان تلتقي اجزاء التحفة في صورتها النهائية المبهرة٠
دعونا لا ننسى أن رياح الشؤم تهبّ على مجمل أعماله التي ترسم بورتريهاً لأميركا في دهاليزها ومتاهاتها وعوالمها المتضاربة. قلائل هم، مثل جارموش، يتحسسون دفء الناس، ويلتقطون - ايحاء -  صوراً تختزل وجودهم وارباكهم حيال ما يخفي لهم المستقبل. قد تجري تلك اللحظات في غابة غلّفتها رطوبة صباح ماطر، او في طائرة او على الطريق، او في غرفة فندق نشتمّ منها رائحة الوحدة الشبيهة برائحة المقابر. لا احد مثله، يجرؤ على اخذنا من مدينة الى مدينة، مبرهناً ان ثمة رحلات لا تغيّر المرء انما تضعه قبالة شريط الحياة والذكريات واحتمالات السعادة المتأخرة٠
واذا كان جارموش رمزاً للفنان الهامشي، فإن القدر كان قاسياً على شخصياته ايضاً، فنالت نصيبها من الاستبعاد والاقصاء عن  الدنيا ونعمها. من "قطار غامض" (1989)  الى "رجل ميت" (1995) مروراً بـ "غوست دوغ" (1999 )شقّت مسألة البحث عن الهوية طريقها في سينما هذا الخلاّق المنهمك بتفكيك خفايا الطبيعة الآدمية. فشل التواصل، هو ما تتفق عليه شخوصه، على رغم اختلافها الظاهري وتنوع حوافزها. حتى بعضها يخاطب بعضها الآخر، كلٌّ بلغته، ومع ذلك يصل الطرفان الى تفاهم مشترك. الإنسان، بالنسبة الى جارموش، غير قابل للاصلاح، ومع ذلك، لا يغسل منه يديه. "أجمل شيء عندي هو ان تصاب بالملل وانت في صحبة الشخص الذي تحبه"، قال لي خلال حديثنا هذا المبدع الطويل القامة وذو الاخلاق الحسنة، قبل أن "تسحبه" منا ملحقته الاعلامية المستعجلة، ألكسيس دولاج تورييل، والتي، مع ذلك نشكرها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عودتنا التكرار الجميل في أفلامك والذي يجيء
كلازمة في السيرورة الدرامية. لكن هنا، تذهب
أبعد في هذا التجريب، إذ يتحول التكرار جزءاً
  لا يتجزأ من العمل
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــ اعتقد انه تنويعة أكثر منه تكراراً. هذا تكرار طاغ وجميل في مجال عمل التشكيليين والمهندسين المعماريين والموسيقيين. فكرة التنويعة تستهويني كثيراً، لذا سعيت الى تشييد الفيلم على قاعدة شكلية موسيقية أكثر منها أدبية أو سينمائية. أحب الأشياء التي تتكرر والتي يحصل فيها تبديل مع كل تكرار جديد. بالنسبة الى الفيلم هذا، كانت المواقف والأمكنة تتغير تدريجاً. الفيلم برمته يأتي بهذا المزاج.
منذ زمن بعيد وكانت تطيب لي فكرة اقتباس قصص "السلسلة السوداء" التي ألّفها دونالد ويستلايك وشكلت مصدر وحي لكلٍّ من جون بورمان وجان - لوك غودار. ويستلايك كتب أيضاً مغامرات باركر، نصاب بارد الاعصاب لا تغويه الفتيات ولا الحشيشة. "حدود التحكم" صوّر في اسبانيا. أفدت من اقامتي هناك لأستقل القطار ذهاباً واياباً من مدريد الى أشبيلية، لكن لم أرد أن اتعمق أكثر في انغماسي في الواقع الاسباني. اردت أن ابقى هذا الدخيل الذي كنته ولا أزال في بلادي أميركا. هذا التفاوت الخلاق بيني وبين الآخرين يطلق العنان لمخيلتي. لطالما كررت مقولة: "من الصعب أن تتيه عندما لا تعرف اين تذهب"٠

Limiats of Control
  بالنسبة الى دور الرجل الغامض الذي يضطلع
به ايساك دو  بانكوليه، في رأيك هل نستطيع
التكلم عن شخصية ما بعد حداثية، أكثر من
اعتبارها بطلاً مضاداً؟
ـــ يصعب عليّ التحليل. عديدون سبقوني الى هذا الطرح، اي الى مقاربة غير تقليدية للشخصية الرئيسية. سواء أكان ذلك في افلام ملفيل أم تاركوفسكي أم أنطونيوني. لا املك جواباً محدداً وواضحاً عن هذا السؤال، لكوني لا أعرف التحليل كما سبق أن قلت. لكني كنت مأخوذاً بتقديم نموذج جديد ومبتكر لشخصية رئيسية، اي الرجل الهادئ الذي تصعب محادثته والذي أجاد تجسيده بتفوق ايساك، مستخدماً القليل فقط٠

٠" خيالك هو ضميرك، وضميرك
الاوحد، انه لك، انه موهبتك الربانية، انه
"انت
ما هو جميل في الفن، انه يحاول أن يأتيك بشيء لم تفكر فيه من قبل. هذه حال أفلام كيارستمي أو لوحات فرنسيس بيكون. أكبر هدية بالنسبة اليَّ هي التي تهزّك في الصميم. لا أحب أن يعامل المشاهد كغبي على قاعدة "تفضل، اليك ما تريد!". هذا ما يثير سخطي. لم ,اعد اتذكر في اي فيلم لغودار، تقول البطلة: . [خميس بعد الظهر، فتاة شابة، ساحة  كليشي]. والفيلم يبدأ هكذا. ربما كان ذلك في "المرأة هي المرأة"، ولست متأكداً اصلاً اذا كانت هذه العبارة الصحيحة لتلك الافتتاحية. شيء ساحر أن تفتتح فيلماً على هذا النحو، بلقطة لساحة كليشي، ثم فتاة. هذا شيء حقاً مؤثر٠
أحب عندما يقول عني الناس إنني مصمم على انجاز الأشياء التي تحلو لي والمضي فيها قدماً. هذا يشعرني بالفخر. طوال حياتي سعيت الى أن ابقى كما أنا ولا أنجرّ خلف الاغراءات٠

Dead Man

ثمة صراع في فيلمك بين نهجين في التعاطي، النهج 
الاستهلاكي الحديث من جانب والانساني العريق
من جانب آخر، وترينا كذلك الى اي مستوى وصلت
اليه حال الثقافة في عالمنا الحالي، وهذا كله على
طريقتك الهادئة٠

ـــ لم أرد أن أقدم جردة حساب لانحطاط الثقافة بقدر ما كنت اريد أن اري كيف ان الناس يسيرون كقطيع من الغنم خلف ما يعتقدون انه الحقيقة.  خيالك هو ضميرك، وضميرك الاوحد، انه لك، انه موهبتك الربانية، انه انت. لا اعرف ماذا يريد الفيلم أن يقول، ولا اريد أن اعرف. هذا فيلم احتمالاته واسعة وهو مفتوح وتفسيراته متعددة. الفيلم يحكي عن حرية الفكر، الى درجة انه يتيح لك تفسير حتى هذا الفيلم. لا يوجد أحد سيخرج من هذا الفيلم قائلاً: أنا أعرف ماذا يعني هذا الفيلم. اريد أن يخرج من هذا الفيلم خمسة أشخاص، ولكل واحد منهم رأي مختلف عن رأي الآخر٠

  في نهاية الفيلم تصور الشخصية التي يلعبها
بيل موراي وكأنه  الشيطان٠٠٠
ـــ شئنا أو أبينا، سواء في أميركا أو في باقي أنحاء العالم، فالديانة الحقيقية التي تحكم العالم هي المال والاستغلال المادي. أما أنا فديانتي هي الخيال والادراك. واحد من مثلي العليا، الشاعر الانكليزي وليم بلايك قال ان تقدير اي شيء بالمال يجب أن يعتبر خطيئة. هذا بالنسبة اليَّ هو الشيطان. كل شيء يقوَّم بلغة المال. هذا الشيء الأكثر تراجيدياً في زمننا الحاضر. بكم تثّمن مثلاً كل هذه الطيور التي نسمعها حولنا الآن، في هذه اللحظة؟ ومن يستطيع أن يقول لي كم ثمن اشعة الشمس؟ وبكم تقدّر لحظة حوار مع عزيز وأنت تحتسي معه كوباً من الشاي؟

  كمخرج خلفيته الثقافية معروفة، هل تتوحد مع شخصية
ايساك دو  بانكوليه؟
ـــ نعم، لأنه اختار وعيه الخاص. هو وحده يختار ماذا يريد أن ينظر، وماذا يعني أن يجلس المرء ويتأمل. ولا يقول لأي شخص آخر ما الذي يجب أن يفعله أو كيف عليه أن يفكر. يستمع اليهم ويقدّر أفكارهم ولكن له أفكاره الخاصة. ما أطرحه هنا في هذا الفيلم مخالف لتعاليم الديانات السموية التي تقوم على املاء نظريات على الآخر عبر القول للآخرين "يجب أن تؤمن بهذا". بالنسبة اليَّ هذه جريمة. يجب أن تشجع الانسان على أن يؤمن بما يراه مناسباً له. أحترم معتقدات الآخرين وأحترم خياراتهم. لكن من الغباء أن اقول لهم "يجب أن تؤمنوا بما أؤمن به". هذه طريقتي في التفكير. للمناسبة، هناك ناقد سينمائي أميركي اسمه ريكس ريد، وهو واسع الانتشار عندنا، وهو بالنسبة اليَّ الأفضل والاسوأ في آن واحد. لطالما قرأته، واذا لفتني انه اعجب كثيراً بفيلم ما، فإنني اتفادى مشاهدته. أما عندما يقول عن الفيلم الفلاني انه سيئ جداً فأسارع الى مشاهدته. انه مرجع نوعاً ما. وهو نقيضي٠

  دائماً تتعامل مع شخصيات تعاني الوحدة والعزلة الاجتماعية٠
ـــ كلٌّ منا وحيد. الوحدة شيء يسمح لك بالانتباه الى أنك وحيد. حتى مع وجود أشخاص من حولك يهتمون بك ويهتمون بمصيرك، فأنت كائن منعزل ولك وجهة نظرك الخاصة في الحياة والوجود. لا أجد أن الوحدة شيء سلبي تماماً. قد تكون العزلة أحياناً مرادفة للكآبة لكن هذه سنّة الحياة اذ اننا نولد وحيدين ونموت كذلك. وكلما ادركت وحدتك، قدّرت قيمة أن تكون محاطاً بأناس تعزّهم. احبّ المفارقات. منذ صغري وأنا في عداد الخارجين على مجتمعاتهم. كان هذا اساس صراعي مع والدي لسنوات خلت. هو كان يريدني تاجراً وأنا لم أكن أفهم كيف يمكن المرء أن يبني حياته حول النجاح الاقتصادي. على رغم ذلك، فهمت بعد حين انني ورثت منه بعض القيم، لأنه كان تاجراً نزيهاً، وهذا مما يندر وجوده في عالم التجارة في أميركا حيث الغش والكذب هما السائدان. ما ان ندخل في ما يسمى الـ"مينستريم" الأميركي حتى يصيبني الاحباط (ضحك)٠
 
  سينماك قريبة جداً من سينما المؤلف الأوروبية. لكن
في الحين  نفسه تبدي ميلاً واضحاً الى السينما
الأميركية المستقلة٠
ـــ يجب أولاً تحديد ما هي السينما الأوروبية وما هي السينما الأميركية وأين تختلف الواحدة عن الأخرى. ما أؤمن به هو ان الفيلم يستمد هويته من الناس الذين صنعوه. لا اريد من يعطيني المال أن يقول لي كيف انجز فيلماً. لا اقول لهم كيف يجنون المال، لذا انتظر منهم في المقابل أن يعاملوني بالمثل. القاعدة الاولى في السينما المستقلة هي أن يختار المخرج كل العناصر التي سيتشكل منها العمل. ليس على أطراف آخرين أن يتدخلوا ويقولوا لي "افعل هكذا، فسيكون أكثر افادة". أنا الذي يجب أن أختار المعاونين الذين سيشاركونني في هذه الرحلة، علماً ان السفينة لن تبحر الا بجهود فريق كامل متكامل (...)٠
أيا يكن، لست متأكداً من أن مهنة السينمائي كانت خياري. اعتقد ان السينما هي التي اختارتني. لكن، رغبتي في انجاز الأفلام متأتية من حبي للشعر. اذ كنت أنظم قصائد نثر احوّلها قصصاً صغيرة، ومعظمها مستقى من قصائد لرامبو وبليز سندرارز وماكس جاكوب. لطالما شكّل الشعر دليلي الى الوجود، ولا سيما وليام بوروز٠

  عندما شاهدت "حدود التحكم"، قلت لنفسي "لا شك
ان هذا فيلم • لمخرج يصعب عليه ايجاد تمويل"، هل
أصبت؟
ـــ ايجاد المال لفيلم يزداد صعوبة. حتى بالنسبة اليَّ الأمر بات مختلفاً. حالفني الحظ بأن تموّل فيلمي هذا شركة أميركية اسمها فوكوس فيتشرز، لكنهم تركوني وشأني ولم يزوروا موقع   التصوير ولا غرفة المونتاج. كل ما قالوه لي "سنعطيك المال، واصنع لنا الفيلم الذي تريده". هذا شيء غير مألوف، وخصوصاً اذا كان المال أميركيّاً. أكرر انني كنت محظوظاً، وقد لا يتجدد هذا الحظ في فيلم آخر، بيد أنني استطيع دائماً ان اعتمد على كاميرا رقمية، فهذا كله ليس الا أدوات التعبير٠
  انجاز فيلم أمر في غاية الصعوبة. هناك كثير من المحتالين  في السينما الأميركية. معظمهم لا يفي الوعد الذي يقطعه عليك. في ايطاليا، في بعض الأوساط السينمائية مثلاً، عليك اشهار المسدس لقبض مستحقاتك المالية. لذلك، أفضل العمل في فرنسا حيث للكلمة قيمتها. كل ما هو مغاير ويخرج من منظومة الفكر الأوحد لا يجد صدى في قلوب المنتجين. هؤلاء تجننهم فكرة أن يخسروا المال. المخرجة كلير دوني هددت منتجها الذي كان يريد تحريف فيلمها عن مساره، بالتخلي عن العمل. قالوا لها: "سيسجنك اذا لم تتعاوني". فردّت: "هيا، ليأت، يسرني الذهاب الى السجن". لكل هذه الأسباب مجتمعة أردت أن أكتب في نهاية "حدود التحكم"، وبالخط العريض: لا حدود، لا تحكم. فأنا لا أؤمن بالحتمية٠

هوڤيك حبشيان ناقد صحيفة "النهار" اللبنانية، ونشرت المقابلة هناك٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2010٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular