Nov 25, 2009

كلود سوتيه | ثيسالونيكي | شو صار | إدغار ألان بو

SECTION 1 | حاليّــات
سنوات ضوئية | لغة نقدية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضـا 

في السبعينات، حين بدأت الحرفة فعلياً، كان التوجّه المسيطر على الحركة النقدية هو ايديولوجيّة وجهة النظر تبعاً لاعتبارات فكرية وسياسية مسبقة تتعلّق بتطبيع كل شيء بتلك الإيديولوجية. اعتبرت نفسي على يسار خط الوسط لكني لم انتم الى أي من تلك الممارسات التي تطرح الفيلم من وجهة معنا او علينا، او من زاوية ايديولوجية مُعيّنة. اعتبرت نفسي ولم يعتبرني معظم الآخرين لأني لم أكن أشترك في المناقشات السياسية وكنت لا أحكم على الفيلم أنه تقدّمي لمجرد أنه يتمتع بحس اجتماعي ليبرالي او يساري او رجعي لأنه لا يتمتّع بذلك الحس٠
هذا وحده نفاني من الحلقات المنتشرة آنذاك لتبرهن الأيام (ولا أقول ذلك للتباهي) على أن الأيديولوجية مثل السياسة التي تتّبعها تذهب وتعود لكن اللغة السينمائية هي التي تبقى وحري، بالتالي، الإبقاء على وجهة نظر تتعامل وشروط الفيلم ومضامينه وقواعد تنفيذه من مفهوم سينمائي غالب، إن لم يكن مفهوماً سينمائياً بحتاً٠
التفسير الأيديولوجي للفيلم (ولكل مسائل الحياة الأخرى) خلق منظّرين كثيرين، لكنه لم يكن التفسير الوحيد الشائع. كان هناك أيضاً النقد الإنطباعي (الأسهل تحقيقاً لدى الناقد غير المتخصص) والنقد المستند الى خلفية أدبية. وهذا الأخير على نوعين. نوع لا يمانع استناده الى الخلفية الأبدية من استخدام الناقد للغة سينمائية جيّدة، ونوع يكتب الإنشائيات الطويلة التي تلتقي ولغة الخطابة لدى الفريق الأيديولوجي المذكور٠
أكثر من ذلك، ملاحظة أنه في الوقت الذي كان فيه النقد الأكثر إنتشاراً هو النقد ذا المنطلق اليساري عموماً، كان لليمين نقّاده لكن أصواتهم لم تكن تلتق ومعظم المشاهدين. الحال ذاته الذي نلحظه في هوليوود اليوم حيث صوت مايكل مور مرتفع أكثر بكثير من صوت مخرج وثائقي يميني يعارضه وحيث الأفلام التي خرجت حول حرب العراق كانت، في معظمها، يسارية التوجّه منتقدة الحرب، بينما تلك التي أيّدتها عبر تعزيز اللغة العسكرية فيها هي أقليّة٠
لكني الآن أعلم أن كوني رفضت أي لغة مختلفة عن لغة الفيلم نفسه وضعني على المحك: النقاد اليساريون اعتبروني يمينياً، طالما أنني أتحدّث عن جون فورد وألفرد هيتشكوك وسام بكنباه والسينما الأميركية ككل، واليمينيين اعتبروني يسارياً طالما أنني في نهاية الأمر أتحدّث مؤيّداً، حين يصل الأمر الى رسالة الفيلم، النظرة التقدّمية للأشياء منتقداً العنصرية وإبادة الهنود الحمر وحرب فييتنام ومصفّقاً للبطل الأسود حتى في الأفلام التجارية الصرف التي استمتعت بما لم يكن أبلهاً منهاً٠
في نظري أن تجارية الفيلم ليست ذات قضيّة. هل كان المخرج الكوبي مانويل أوكتافييو غوميز سيزعل لو أن مشاهدي فيلمه »أيام الماء« سنة 1971 زادوا عن عشرين ألف مشاهد؟ او أن توماس غوتييرز لاندريان كان سيتضايق لو أن أي من أفلامه الوثائقية (وبينها فيلم بعنوان »قهوة عربية«) جمع مليون دولار من عروض عالمية؟
النظرة الجامدة للأمور أثّرت على تثقيف المشاهد آنذاك (وتستطيع أن تفعل هذا اليوم أيضاً) وهناك دلائل كثيرة من بينها، على سبيل المثال، النظر الى أفلام ألفرد هيتشكوك وتقديرها. طويلاً ما اعتبر هيتشكوك مخرجاً »ترفيهياً« وبالتالي »غير ذي مكانة« لكونه لم يتحدّث لغة فيلليني او برغمَن او كينجي ميزوغوتشي. لكن ذلك الإعتبار، في واقعه، مغلوطاً لكونه -على الأقل- يتعامل مع لغة فنيّة على أساس غير فني. هذه اللغة موجودة عند فيلليني وبرغمن وميزغوتشي وانطونيوني وكوروساوا وتاركوفسكي والآخرون جميعاً كما عند هيتشكوك لكن كل بأسلوبه ومن ضمن عالمه ومقتضياته. الحكم على الفيلم، من قبل المُشاهد او المشاهد-الناقد، من زاوية او زاويتين محدّدتين هي تماماً مثل القول أن المخرج المصري الوحيد الجيّد هو يوسف شاهين لأنه (في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حياته على الأقل) تعامل ومنطلقات ذاتية، بينما صلاح أبوسيف لم يفعل ذلك او كمال الشيخ ليس بمستوى توفيق صالح لأن توفيق صالح تحدّث في السياسة غالباً وأفلام الشيخ تحدّثت في السياسة نادراً٠
وكما هيتشكوك، كلينت ايستوود. قبل الإعتراف به مخرجاً كبيراً اليوم، اعتبره العديد من النقاد مجرّد سوبر هيرو أميركي يمثّل أفلاماً بوليسية ورعاة بقر. وهذا ما يجرّنا الى النوع أيضاً كما لو أن السينما الجيّدة عليها أن تكون نوعاً دون آخر فقط
أنا لا أقول أن هذا النوع من النقد أفضل من ذاك او أن الثاني أفضل من هذا. الجمهور وحده هو الذي يقرر ذلك وهذا بدوره سينقسم بين محبّذ لهذا الإتجاه وآخر يحبّذ الإتجاه المضاد. لكن ما يبدو لي أن الفاصل بين الرأيين هو إذا ما كانت السينما هي سينما أوّلاً وسياسة ثانياً او العكس٠

مهرجانات | ثيسالونيكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  سمير فريد
حضر الزميل سمير فريد الدورة الخمسين من مهرجان »ثيسالونيكي« اليوناني ونشر تقاريره التالية عن نشاط المهرجان وانطباعات الناقد خلاله٠


1
فيلم »هليوبوليس» الفيلم العربى- المصرى الوحيد فى مهرجان ثيسالونيكيي الدولى الـخمسين
بغض النظر عن تصنيف الاتحاد الدولى للمنتجين فى باريس لمهرجانات السينما فى العالم، فإن المهرجانات الكبرى فى العالم هى برلين فى فبراير وكان فى مايو وفينسيا فى أغسطس، وكلها فى أوروبا
وفى أوروبا أيضًا سبعة مهرجانات أخرى مهمة، وإن لم تكن فى حجم الثلاثة الكبار، وهى روتردام فى هولندا ولوكارنو فى سويسرا وسان سباستيان فى إسبانيا وموسكو فى روسيا وكارلو فى فارى فى الجمهورية التشيكية وتورينو فى إيطاليا وثيسالونيكي فى اليونان

وهذا إلى جانب المهرجانات النوعية وأهمها كليرمون فيران للأفلام القصيرة وأنسى لأفلام التحريك فى فرنسا وامستردام للأفلام التسجيلية فى هولندا٠
ثيسالونيكي الذى تنعقد دورته الـخمسين من 13 إلى 23 نوفمبر الحالى (دورة اليوبيل الذهبى) يتميز بالتركيز على البرامج الثقافية والتأكيد على العلاقات بين السينما والفنون الأخرى أكثر من أى مهرجان، وبمناسبة اليوبيل الذهبى ارتفعت القيمة المالية لجائزتيه الذهبية والفضية فى المسابقة المخصصة للأفلام الطويلة الأولى أو الثانية لمخرجيها إلى 40 ألف يورو و25 ألف يورو
ويتولى رئاسة لجنة التحكيم فنان السينما اليونانى العالمى الكبير ثيو انجلوبولوس، وهو أحد أعمدة المثلث الذهبى الذى وضع السينما اليونانية على خريطة السينما العالمية مع ميشيل كاكويانس وجول داسان، ولا ننسى الموسيقار نيودراكيس، والممثلتين ميلينا ميركورى وإيرين باباس
افتُتح المهرجان بالفيلم الألمانى «مطبخ الروح» إخراج فاتح أكين الذى عرض فى مسابقة مهرجان فينسيا وفاز، ويختتم بالفيلم الفرنسى «العشب البرى» إخراج آلان رينيه الذى عرض فى مسابقة مهرجان كان، ولم يفز رغم استحقاقه للفوز بالسعفة الذهبية
وفى المسابقة خمسة عشر فيلمًا من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا ورومانيا والمجر واليونان (فيلمان)، ومن آسيا ٣ أفلام من كوريا الجنوبية والفلبين وإسرائيل، ومن أمريكا اللاتينية ٣ أفلام من الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، ومن أفريقيا والعالم العربى الفيلم المصرى «هليوبوليس» إخراج أحمد عبدالله السيد، وهو الفيلم العربى الوحيد فى كل المهرجان٠
هذا هو أول فيلم مصرى يعرض فى مسابقة المهرجان منذ عام ١٩٩٩ حين عرض «الأبواب المغلقة» إخراج عاطف حتاتة وفاز بجائزتى أحسن سيناريو لمخرجه وأحسن ممثلة (سوسن بدر)، وكان رئيس لجنة التحكيم كاتب السيناريو الإيطالى العالمى الكبير تونينو جويرا٠
ولم يكن اشتراك «هليوبوليس» سهلاً مع غياب أفلام من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليابان والبرازيل والصين وغيرها من صناعات السينما الكبرى فى أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية

2
الإحتفاء بالمخرج ڤرنر هرتزوغ في ثيسالونيكي: هكذا يكون الإحتفاء الحقيقي
يتكون برنامج مهرجان ثيسالونيكي فى دورة اليوبيل الذهبى التى تنعقد فى المدينة اليونانية التاريخية الشهيرة من البرنامج الرسمى (المسابقة- خارج المسابقة- عروض خاصة ) والبرنامج اليونانى (عروض خاصة- أفلام الديجيتال- أفلام الطلبة) وبرنامج أيام السينما المستقلة (البرنامج الرسمى- عروض خاصة- أفلام للأطفال- برنامج صعود السينما فى الفلبين- برنامج أفلام أبينك اليابانية- أفلام شباب أمريكا- اسم للترقب: الألمانية الشابة مارين آدى) وبرنامج نظرة على البلقان (البرنامج الرسمى- تكريم جوران باسكاليفيتش من صربيا بعرض كل أفلامه) وبرنامج ما بعد الحكاية أو أفلام عن الحب، وبرنامج ملتقى الأفلام التجريبية، وأغلبه أفلام قصيرة٠
يبلغ عدد أفلام المهرجان الطويلة والقصيرة ٢٤٠ فيلمًا من مختلف دول العالم مع التركيز على السينما اليونانية وسينما البلقان والسينما الأوروبية ثم السينما فى قارات العالم الأخرى، وهكذا تكون الاستراتيجية الصحيحة لأى مهرجان دولى، حيث يعنى بالسينما المحلية (اليونان) وسينما الإقليم (البلقان) وسينما القارة (أوروبا) ووضعها بين سينمات الدول والأقاليم والقارات الأخرى، وإلى جانب تكريم باسكاليفيتش، يكرم المهرجان فنان السينما الألمانى العالمى الكبير ورنر هرتزوغ بعرض كل أفلامه الطويلة والقصيرة من كل الأطوال والأنواع، وعددها ٥٢ فيلمًا، فى نسخ جديدة مرممة بالتعاون مع معهد جوتة فى أثينا٠
وهكذا يكون التكريم الحقيقى فى أى مهرجان: تكريم شخصية دولية من الإقليم، وأخرى دولية من القارة، وليس من الضرورى تكريم شخصية من بلد المهرجان لأنه مهرجان دولى، أى تكريم اثنين أو ثلاثة فقط حتى لا يفقد التكريم قيمته، وإلى جانب كل أفلام الشخصية المكرمة يتم منحها الإسكندر الذهبى التذكارى رمز المهرجان، وإصدار كتاب شامل عنها بلغة البلد (اليونانية) وبالإنجليزية، وإقامة حوار خاص معها
ويبتكر «ثيسالونيكي» فى الحوار مع الضيوف، حيث لا يخصص مؤتمرًا صحفيًا بعد كل عرض، وإنما يخصص ساعة يوميًا باسم «ساعة الحوار» من الرابعة إلى الخامسة بعد الظهر، وهو حوار مفتوح من دون موضوع محدد، أى عن الأفلام وغيرها من الموضوعات
وليس هناك معرض واحد عن هرتزوغ، وإنما معرضان، الأول شامل بالتعاون مع متحف تورينو للسينما، أى وثائق وصور وملصقات، والثانى يقتصر على الفوتوغرافيا فقط للمصور السويسرى بيت برسير، الذى صور أغلب أفلام هرتزوغ فوتوغرافيا، كما صوره أثناء العمل خلف الكاميرا٠

3
اليوم تعلن جوائز مهرجان ثيسالونيكي والأمل كبير فى فوز «هليوبوليس»٠


تعلن اليوم جوائز مهرجان ثيسالونيكي الدولى الـ ٥٠، ثم يعرض فيلم آلان رينيه «العشب البرى»، وهو مسك الختام بكل معنى هذه العبارة، مرة أخرى هذا العام يعرض فى مسابقة مهرجان دولى فيلم من مصر وآخر من إسرائيل، بعد عرض فيلم «المسافر» إخراج أحمد ماهر فى مسابقة مهرجان فينسيا مع «لبنان» إخراج شامويل ماوز٠
ولكن بينما كان «لبنان» إحدى روائع مسابقة فينسيا واستحق الفوز بالأسد الذهبى، فإن الفيلم الإسرائيلى، الذى يشترك مع «هليوبوليس» فى مسابقة مهرجان ثيسالونيكي «عجمى» إخراج إسكندر قبطى ويوران شانى، لا يستحق الفوز بأى جائزة، بل لا يستحق العرض فى مهرجان دولى، ولا حتى فى أحد البرامج الموازية٠
نعم، عرض الفيلم فى ختام برنامج «نصف شهر المخرجين» فى مهرجان «كان»، وفاز بالجائزة الذهبية فى مهرجان مونبلييه لأفلام البحر المتوسط، بل ليس من المستبعد أن يفوز بجائزة فى ثيسالونيكي اليوم، ولكن ليس لأسباب فنية، فلا يزيد مستواه على مستوى الأفلام المصرية التجارية العادية فى الخمسينيات، وأنما لتوق الجميع إلى السلام فى فلسطين بعد الحرب التى لم تتوقف منذ ستين سنة رسمياً، ومنذ مائة سنة فعلياً، واستغلال إسرائيل هذا التوق بإنتاج فيلم يشترك فى إخراجه مخرج عربى من إسرائيل، وآخر يهودى، ورغم المنافسة الشديدة، فالأمل كبير فى فوز «هليوبوليس».٠
موضوع المنافسة بين المهرجانات هو العروض العالمية الأولى لأفلام منتظرة، أو اكتشافات جديدة، والمهرجانات الكبرى الثلاثة فى «برلين» و«كان» و«فينسيا»، تحصل على ٧٥ فى المائة من العروض العالمية الأولى لهذه الأفلام، وتتنافس المهرجانات الأخرى للحصول على الـ٢٥ فى المائة الباقية٠
ولذلك يستمر العمل طوال العام، لأن إنتاج الأفلام لا يتوقف طوال العام وكل عام، ودعك من الذين يقولون إن مهرجانات نهاية العام لا تجد أفلاماً، وبرلين يغلق باب التقدم للاختيار يوم ٣٠ أكتوبر٠
ولكن العروض العالمية الأولى إذا لم تتيسر فى أى مهرجان، فإن إدارته توفر لجمهورها من السينمائيين والنقاد وعشاق السينما، وهم غير جمهور دور العرض العادية بالطبع، العديد من روائع الأفلام التى عرضت فى المهرجانات الأخرى٠
ويعرض ثيسالونيكي من هذه الأفلام العشرات من الأفلام التى فازت فى «برلين» و«كان» و«فينسيا» و«لوكارنو» و«روتردام»، أو التى لفتت الأنظار فى هذه المهرجانات وغيرها، وهى الأفلام التى لم يعرض منها فى مهرجان القاهرة غير بعض أفلام المخرجين العرب٠

4
العناق العظيم بين الفنون وحتى لا تكون السينما فى «حارة يهود»٠
لم يُعلن فنان السينما اليونانى الكبير ثيو أنجلوبولوس فى ساعة متأخرة من مساء الأحد جوائز مهرجان ثيسالونيكي السينمائي الدولي الخمسون فقط، وإنما أُعلنت أيضاً جوائز ملتقى الإنتاج المشترك حيث تتم المنافسة بين سبعة عشر سيناريو جرى اختيارها في سنة كاملة، ويشترك فيها من العالم العربى الأردنى حازم بيطار «سيناريو ماراجوه» مشروع فيلمه الطويل الأول، والسوريتان رنا قزقز وإيناس خلف «سيناريو مناظر دمشقية» وهو أيضاً مشروع فيلمهما الطويل الأول٠
وكما أن من أهداف أى مهرجان دولى، ومن فكرة الدولية أساساً التفاعل بين المحلى والإقليمى والعالمى، فإن من أهداف المهرجانات أيضاً أياً كان تخصصها «سينما أو مسرح أو كتاب إلى آخره» التفاعل بين الفنون والفنون والآداب، أو هذا ما يجب حتى لا يكون أى فن فى «حارة يهود»، وهو التعبير المستمد من عزل اليهود فى حارة، سواء بإرادتهم أو دون إرادتهم، والسينما هى أكثر الفنون تعبيراً عن العناق بين الآداب والفنون، فالأدب مصدر رئيسى لإلهام فنانى السينما، وتكوين الكادر السينمائى على علاقة وثيقة بالرسم والنحت، والتمثيل عنصر مشترك بين السينما والمسرح، وكذلك الموسيقى من حيث إن الفيلم عمل فنى فى الزمان مثل العمل الموسيقى، وفى أغلب الأفلام موسيقى مؤلفة وديكور وأزياء تشكيلية، وفى كل الأفلام مصور فوتوغرافى وراء كاميرا السينما٠
ويتراوح اهتمام مهرجانات السينما بذلك العناق العظيم بين الفنون والآداب، ويعتبر مهرجان ثيسالونيكي نموذجياً فى التعبير عن ذلك، هناك دروس السينما، وكان عددها هذا العام ثمانية: أربعة عن الإنتاج الكبير والمحدود والدولى وتصميم الإنتاج، ودرس عن الموسيقى، وسادس عن السيناريو، وسابع عن الفيديو والسينما، وثامن عن الروائى والتسجيلى، وهذه الدروس ٥٠لأساتذة ومبدعين كبار من هوليود إلى صربيا، وهناك خمس ندوات عن السينما المستقلة والسينما والبيئة والمهرجان فى سنة، والفنون فى مقدونيا وجوائز السينما٠
وإلى جانب المحاضرات والندوات هناك ثمانية معارض صور ووثائق وفيديو عن «هرتزوغ والسينما»، و«هرتزوغ: السينما تجسيد»، و«أسرار المخرج المكسيكى جوليرمو ديل تورو»، و«فيديو آرت من النمسا»، و«مدير الإنتاج اليونانى العالمى فوتوبولوس، ومعرض للمصور الفوتوغرافى اليونانى العالمى تسيراس، وسابع فيديو يونانى لإثني عشر رجلاً وإثني عشر امرأة، وثامن لطلبة معاهد السينما فى اليونان٠
كما أقيمت أثناء المهرجان ست حفلات موسيقية، وأصدر المهرجان عشرة كتب عن السينما٠

5
فيلمان من إسرائيل يفوزان بـ٤ جوائز منها الذهبية الثالثة هذا العام!٠
أعلنت جوائز دورة اليوبيل الذهبى لمهرجان ثيسالونيكي السينمائى الدولى، الذى يخصص مسابقته للأفلام الطويلة الأولى أو الثانية لمخرجها. فاز الفيلم الإسرائيلى »عجمى» إخراج إسكندر قبطى ويارون شانى بالجائزة الكبرى «الإسكندر الذهبى» و٤٠ ألف يورو
كما فاز الفيلم نفسه بجائزة أحسن سيناريو لمخرجيه، وبجائزة الجمهور التى تمنح بناءً على استفتاء جمهور المهرجان (4 آلاف يورو). وفاز الفيلم الإسرائيلى «لبنان» إخراج شامويل ماوز الذى عرض خارج المسابقة بجائزة أحسن فيلم يعبر عن القيم الإنسانية (١٥ ألف يورو)٠
هذه هى الجائزة الذهبية الثالثة التى تفوز بها السينما الإسرائيلية، هذا العام، بعد فوز «لبنان» بالأسد الذهبى فى مهرجان فينسيا، وهى أول جائزة ذهبية حصلت عليها السينما الإسرائيلية فى تاريخها، وفوز «عجمى» بالجائزة الذهبية فى مهرجان مونبلييه لأفلام دول البحر المتوسط الذى ينعقد فى المدينة الفرنسية٠
توقعنا، أو لم نستبعد فوز «عجمى» لأسباب سياسية لأنه أول فيلم يشترك فى إخراجه عربى ويهودى من إسرائيل، ولتوق العالم إلى السلام فى فلسطين، ولكن لم نتوقع أن يفوز بالجائزة الذهبية لأنه ليس فيلماً ذهبياً من الناحية الفنية. ولاشك أن جائزة السيناريو محاولة من لجنة التحكيم لإثبات أن فوز الفيلم بالجائزة الذهبية لم يكن لأسباب سياسية فقط ولكنه يظل فيلماً متواضعاً حتى لو فاز بأوسكار أحسن فيلم أجنبى حيث يمثل إسرائيل فى الأوسكار، العام المقبل٠
فاز الفيلم الرومانى «ميدالية الشرف» إخراج كالين نيتزير بجائزة لجنة التحكيم الخاصة «الإسكندر الفضى» و٢٥ ألف يورو، وكان أحق بالفوز بالإسكندر الذهبى، خاصة أنه الفيلم الوحيد فى المهرجان الذى فاز بأربع جوائز هى بالإضافة إلى الإسكندر الفضى أحسن سيناريو لكاتبه تيودور فوكان «مناصفة مع (عجمى)»، وأحسن ممثل «فيكتور ريبينجوك» وجائزة الاتحاد الدولى للصحافة السينمائية «فيبريس» لأحسن فيلم فى المسابقة، وجائزة الاتحاد اليونانى للحرف السمعية البصرية «إتيكا»٠
وقد شهد المهرجان العرض العالمى الأول للفيلم الرومانى الذى يؤكد النهضة التى تشهدها السينما الرومانية فى العقد الأول من القرن الميلادى الجديد، وبعد عقدين من سقوط ديكتاتورية شاوشيسكو «الشيوعية»٠
ويعبر الفيلم عن تحولات رومانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية من خلال بطله «٧٥ سنة» بعد أن أخبرته وزارة الدفاع بأنه حصل على ميدالية الشرف لاشتراكه فى الحرب العالمية الثانية عن طريق الخطأ، وتم استردادها منه٠
وفاز روبرتو بيريز كاتو بجائزة أحسن إخراج عن الفيلم المكسيكى «لا اتجاه للشمال»، وبجائزة أحسن ممثلة روث نيريرى عن دورها فى الفيلم البلجيكى «يوم اللعنة» إخراج فيليب فان ليو، وبجائزة أحسن إسهام فنى فيلم كوريا الجنوبية «شخص مفقود» إخراج لى سيو٠

ينشر سمير فريد عموداً يومياً في
صحيفة »المصري اليوم« القاهرية٠

SECTION 2 | سينما عربية


ثلاثون عاماً ولم ينطفأ السؤال ... شو صار؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  بشّار إبراهيم 

ينضم الزميل الناقد الفلسطيني بشّار إبراهيم الى المساهمين في مجلة »ظلال وأشباح« طارحاً للقراءة فيلماً وثائقيّـاً لبنانياً/ فلسطينياً من إنتاج رشيد مشهراوي وإخراج ديغول عيد. شكراً للزميل٠



ليس الجديد، أو الغريب، في الفيلم التسجيلي اللبناني الطويل «شو صار؟»، أنه إنتاج لبناني/ فلسطيني، بدعم فرنسي، وذلك على الرغم من أن المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي سيتحول في هذا الفيلم، من موقع المخرج إلى موقع المنتج، الداعم لهذا المشروع الاستثنائي، الذي سيخرجه هذه المرة مخرج لبناني اسمه: ديغول عيد، في أول أعماله٠
كما ليس الجديد، أو الغريب، أن يختار مخرج الفيلم نَحْتَ اسم الفيلم بالعربية والأجنبية، وبالأحرف ذاتها، لنجد أنفسنا أمام فيلم اسمه بالعربية «شو صار؟»، ولنقرأ على تيتراته عنوان الفيلم «Chou sar?»، وكأنما المخرج أراد الاحتفاظ بهذه النبرة اللفظية، النابعة من روح اللهجة اللبنانية الدارجة، والدالة على توق عميق لمعرفة الحقيقة، يختزله هذا السؤال: «شو صار؟»٠
الجميع سيسأل: «شو صار؟».. سواء أكانوا راغبين بمعرفة الحقيقة، لذاتها، أم لأنفسهم، أم للعدالة، أم ربما للتطهّر.. وسنكتشف أن الفيلم ما هو في النهاية إلا رحلة لمعرفة الحقيقة، مهما كانت موجعة، ومؤلمة، وفاجعة!٠
في معرفة الحقيقة تتماهى أوجه عدة، يصحُّ أن نتملاها جميعها. نبحث عن الحقيقة لنعرف، وفي المعرفة تتحقق الذات، تتطهر، تتسامى.. نبحث عن الحقيقة لنلتقطها، لنمجدها، ولنمنحها صفة الخلود، ولتغدو سمة ماض انتهى، وركيزة مستقبل يأتي. ونبحث عن الحقيقة حتى لا تتكرر، وحتى لا تغدو بتغييبها حدثاً عادياً يمكن ممارسته وتكراره بتجاهله ونكرانه.. نبحث عن الحقيقة، لأنها بوابة الولوج إلى العدالة. العدالة مع أنفسنا، مع ما حدث، والذاكرة، وكذلك العدالة مع الآثم الجاني٠
قرابة ثلاثين سنة مرت، ولم ينطفئ سؤال: «شو صار؟» ومن تراه كان يتوهم للحظة أن السؤال يمكن له أن ينطفئ، على الأقل قبل أن يقع على جواب حاسم، وقبل معرفة «شو صار؟»٠
رحلة طويلة من البحث والغوص في عمق الجرح، وفي عمق الألم والفاجعة، وعودة طويلة مضنية، محفوفة بالمخاطر، ليصل الرجل في النهاية، ويقف أمام القاتل، ويقول له: «إنت اللي قتلت أمي»!.. فقط ليقول له هذا، ويقفل عائداً في دروب المكان الذي مازال محتقناً بآثار النار والحرائق، وآثار الدمار والقتل، وبالفراغ الذي يلفّ الدروب التي كانت ذات يوم ملعب طفولة وبراءة، فصارت مكمن ذاكرة مجرزة وموت، ومبعث ألم، ومطوى أحزان، ووجوه غابت بقسوة لا نظير لها٠
هناك، على عتبة بيته في الريف الفرنسي، وقبل أن ينطلق في رحلة العودة إلى قريته في الشمال اللبناني، سيقول ديغول لطفلته ذات السنوات الأربع، وهو يودّعها: «راجع بابا راجع»!.. وربما ما كان يدري أنه لن يعود بعد معرفة الحقيقة، كما كان قبلها. ربما سينجو. وربما لا!.. ولكنه في كل حال لن يرجع كما كان٠
بانحياز بارد إلى منطق السينما وفنها وأصولها، وعلى الرغم من أن الموضوع يكوي الروح، يمكننا الانتباه إلى أن الفيلم سيعتني بتقديم حكايته بطريقة فنية لائقة؛ ببناء فني يليق بهول الفاجعة، ووجوب تقديمها بشكل راق، لا ينال من هيبتها، وحضورها الكامن في أعماق ضحاياها، الذين تناثروا في دروب الحياة حاملين ندوباً في النفس، ندوباً لا تندمل، وليس سوى الحقيقة يمكن أن تهدهدها، وتجعلهم يتساكنون معها، ويمضون ما تبقى لهم مألومين مكلومين٠
لقطة افتتاحية لقطار يمخر عباب نفق مظلم، قبل أن ينتهي إلى نهاية النفق، حيث الفتحة التي تطل على الضوء. لقطة سوف تتكرر في الفيلم أكثر من مرة، بتنويعات ذكية عليها. تارة أولى في فرنسا، وثانية في بيروت، وثالثة في طرابلس، في اقتراب متتال من الحدث، من المكان والذاكرة.. المرور من نفق مظلم، إلى فسحة الضوء، هو المعادل الفني للخروج من ظلمة اللا أدري، إلى ضوء معرفة الحقيقة، تماماً كما سنكتشف أن الفيلم هو ذاته هذه الرحلة٠
من فرنسا، وبهدوء أنيق، نتعرف إلى الشخصية الرئيسة في الفيلم، المخرج ذاته «ديغول عيد». هل نقول بطل الفيلم، وهو في الحقيقة الضحية الصارخة، كما سنعرف!.. سنعرف أنه لن يقصّ علينا حكايته، بل سيحاول أمامنا معرفة حكايته التي انطوت ثلاثين سنة في أعماقه، وبقيت تنبض بكل وجعها في داخله. هدوء تام في الملامح، لشاب لبناني في نهايات الثلاثينات من عمره. هدوء في الكلام، والتحرك، والتصرف.. لكن كل ما فيه ينبئ عن غليان وضجيج، يتوقد في الداخل، ويمكن لعين نافذة ذكية أن تراه٠

الحزب الفاشي
على الرغم من البيت الأليف، والزوجة المتفهمة، والطفلة الرائعة، وكل ما يحثه على النسيان، والبقاء، إلا أن «ديغول»، يقرر العودة إلى لبنان. كل من حوله كأنما يحاول ثنيه، لكن لا سبيل إلى ذلك. حتى أن شقيقه الأصغر «جان»، يرفض فكرة العودة تماماً، ويطردها حتى من مخيلته.
«كل العائلة ساكتة، ينبغي على أحد أن يتحدث.. هذه مأساة بلد، وليست مأساة شخص، أو شخصين».. يقول ديغول لشقيقه، في حوار يبدو أن لا رجعة لكل منهما عنه. جان لن يعود، فربما أراد خيار الفرار من الحقيقة، بينما ديغول كان قد انخرط في الرحلة فعلاً٠
احتفال ودود مع أصدقاء. رقص وغناء، لا يستطيع محو نبرات الوداع القلق، وترقب الغامض المجهول!. سنعرف فيما بعد أنها لم تكن رحلة عودة إلى لبنان، بل رحلة عودة إلى الذاكرة، إلى الحدث، لمعرفة الحقيقة، حتى وإن كان ثمة من تواطأ مع نفسه، وأخذ موقف من لا يريد معرفة الحقيقة، ولا معرفة «شو صار؟»، والاكتفاء بأن الذي حدث قد حدث٠
سيتضح لنا، من قراءة بناء الفيلم، أنه سينقسم إلى خمس حركات أساسية، تتقاسم وبالتساوي تقريباً مدة الفيلم البالغة قرابة ساعة وربع. تتشظى الحكاية، وتتناثر المعلومات، في النصف الأول من الفيلم، لتتجمع وتنجدل في النصف الثاني، وتنعقد قبيل النهاية، لتظهر الحقيقة بينة



في بيروت، ومع لقطة شبيهة باللقطة الافتتاحية. سيارة تمخر عباب النفق، لتنتهي إلى الضوء. إنها بيروت تطل من نهاية النفق، وتنفتح على المشهد مكاناً قلقاً يفيض بنور غامر. ينتهي ديغول إلى منزل أخته روز، التي سنعرف أنها الناجية مثله من المجزرة التي انعقدت ذات مساء، وما مشاهدة بهض صور العائلة، والتقاط التشابه بين ملامح طفلته و«المرحومة أمي»، سوى مداخل تشي عن حكاية تلملم تفاصيلها شيئاً بعد شيء٠
يذهب ديغول إلى عمه حنا، الذي صنع على سطح منزله حديقة كما في الضيعة.. يسأل عمه عن الدعاوى التي رفعت في الضيعة، عندما حدثت القصة. العم لا يعرف شيئاً، أو لعلعه يدعي بعدم معرفة أي شيء.. والكلام المغمغم عن المجزرة التي صارت بالضيعة.. المجزرة التي صارت عام 1980، وعن أميل الذي لا يرغب بتحريك الدعوة.. مفاتيح أخرى ينثرها الفيلم أمامنا، دون أي ميل للتشويق أو الإثارة٠
الشاب ينتقل إلى طرابلس.. يلتقي المحامي بشارة، فرد آخر من العائلة.. المحامي يكشف جانباً من الموضوع.. بشارة يتحدث، ويرى أن الجريمة اعتبرت قضية سياسية.. وهي بالأساس موضوع إرهاب.. الطرف الثاني قتل 13 رب أسرة في وقت واحد.. والعائلات فرّت من الموت.. بشارة يفصح عن اسم الطرف الثاني «الحزب السوري القومي الاجتماعي» ناعتاً إياه بالحزب الفاشي!٠
سنعرف من التفاصيل المتناثرة أن شقيق أحد المسؤولين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، من آل دياب، قد قُتل في بيروت الغربية حينها، وأن أميل عيد، العضو في حزب الكتائب اللبنانية، قد اتُّهم بأنه من فعل ذلك. يعود التنضيد إلى طابعه العائلي أو القبلي: آل دياب، وآل عيد. ذاك المساء تمَّ شن الهجوم الذي أفضى عن قتل 13 رب أسرة من آل عيد كان بينهم والد فتى فيلمنا ديغول، ووالدته، وأعمامه.٠

مآسي المجزرة
أين العدالة؟.. لا يوجد عدالة؟.. من قتل أبي ما يزال طليقاً حراً .. يقول ديغول وهو يمعن في رحلته لمعرفة الحقيقة. ينتقل إلى بيت الكتائب، حيث اجتماع موسع لكوادر من الحزب. يلتقط عمه إميل الذي يحاول شرح ملابسات الحادثة، وفق ما يعرف: لقد جرى اغتيال أحد أشقاء الأمين خليل دياب في طرابلس. تم اتهام ضمني لإميل. بعد أربعين يوم اغتيل أخ آخر له في بيروت الغربية. تم منع الجثمان من المرور على حاجز المتحف، كونه ملفوف بالزوبعة. زوجة المقتول تعلن أنها شاهدت أميل على الحاجز. وأميل يشكك برواية الزوجة، على أنها لا تعرفه، ولا يعرفها.٠
سيدفع أهالي قرية «عدبل» من آل عيد ثمن هذه المشكلة، قتلاً جماعياً منظماً. أميل يرى أن لا علاقة لهؤلاء بما حصل، كونهم أصلاً ليسوا على علاقة بالحزب.. «أبوك وأمك لم يكونا على علاقة بالاحزاب على الإطلاق»!.. يقول إميل، ويردف بأسى: «رد فعل غرائزي».
في الحروب تشتعل الغرائز، فلا تبقي ولا تذر، وسيكون الأبرياء، الذين لا علاقة لهم، هم الوقود لتلك النار الغبية التي تلتهم كل ما ومن تطاله. ولكن من يعيد للأبرياء آخر شهقاتهم التي سحقتها اللابراءة٠

شتات الحكايات
أميل يرى أن المجزرة فتحت للناجين فرصة أن ينطلقوا إلى الآفاق بعد أن كانوا يعتقدون أن الدنيا هي القرية التي كانوا فيها.. كأنما هو يريد استخلاص إيجابية واحدة من فيض مآسي المجزرة وويلاتها. وديغول سوف يتحول إلى التحقيق بمدى علاقة أميل بالقصة. يلتقي بسام، ابن عمه، الذي يقول إنه سمع روايتين: له علاقة.. ولا علاقة له.. هناك من قال إن إميل له علاقة.. وإميل قال لا علاقة له.. والد أميل لم يقتل.. أباؤنا وأعمامنا هم من قتلوا.. وأميل هو الذي جنى ثمار القصة.. إذا ربطنا الأمور نجد أن أميل هو السبب٠
وديغول يسأل: لماذا لا نجلس كلنا مع أميل ونعرف منه شو صار؟.. لكنه سيواجه بالصمت٠
ينتقل ديغول إلى اللقاء مع عزت، ابن عمه الآخر، الذي يبدو أكثر اقترباً من الحديث عن المسكوت عنه: هذه الصور لا تنسى.. اللحظات والدقائق تستعيدها كأنك تعيشها الآن.. من كان في قلب المجزرة ليس كم سمع عنها..
لقطة سيارة تعبر النفق إلى الضوء، مرة أخرى، والانتقال للقاء الأخت هلا التي يبدو أنها أفرغت شحنتها من خلال أطروحة جامعية عن الموضوع.. قبل ذلك كان الأمر يأتيها على هيئة كوابيس.. دم وجثث وقتلى.. طلبت من زوجها أن يوصلها إلى القرية.. فذهبت.. اكتشفت الفرق بين ذاكرتها الطفلية، وما كانت ترسمه من اتساع في المكان، وما تراه الآن من صغر المكان وضيقه ومحدوديته.. تمنت لو أنها لم تذهب.. لأن القرية في ذاكرتها كانت أجمل٠



بعد شظايا الحكاية.. نستمع للحكاية كاملة من العم بسام: في 9 كانون أول 1980، كنا ساكنين في عدبل. الساعة الثانية بعد الظهر، قام المسلحون القوميون بمحاصرة القرية، وتحديداً بيوتنا. حاصروا الحارة حتى لايغادرها أحد. وفي الليل بدأ الهجوم على بيوت آل عيد. إطلاق نار غزير. وتفاصيل قتل يسمعها أفراد العائلة أول مرة.. من قتل الأهل ما زالوا في عدبل.. الأفضل ننسى عدبل لأنها لا تجلب سوى المواجع٠
كانت هذه هي المرة الأولى التي نسمع شتات الحكايت يتلملم أمامنا، وأمام البعض من أفرد الأسرة. ولا يجد ديغول سوى العودة إلى شقيقته روز التي ستسأله: بعد أن تكلمت مع أفراد الأسرة.. شو صار؟.. يجيب: خبروني.. منهم من يفكر بالانتقام.. منهم من لا يريد الحديث في الموضوع لأنه موجع٠
روز تحكي عن شعورها يوم أن زارت القرية. الحيطان السوداء تصرخ. هذا الصراخ في دواخلنا جميعنا أبناء المجزرة. الحيطان تبكي.. وروز تعترف: كل يوم تعيش المأساة في داخلي.. في كل لحظة.. أنا أصبر على أمل أن تأتي اللحظة لتتبين الحقيقة.
يعود ديغول إلى العم أميل، ويبدو كأنه يحاكمه: قلت إن للمجزرة جوانب إيجابية.. هل تعرف شو صار مع كل واحد، كل ليلة؟.. شو عاشوا في قلب المجزرة؟.. وكيف عاشوا بعد المجزرة؟.. إنها غلطة الكبار.. مش غلطة الصغار.. والصغار دفعوا ثمن كبير. ويرمقه بنظرات قوية، فيما أميل لا يحير جواباً٠
بعد قول الحكاية يبدو أن الشاب بات أمام خطوة أخيرة هي الذهاب إلى القرية.. والجميع سوف ينصحه يعدم الذهاب إلى القرية لما ستتركه من أسى.. إنت تجازف بإحساسك.. ولكنه يمضي. بعد أن كان يقود السيارة بهدوء.. هنا قيادة متوترة مهتزة.. كاميرا محمولة في شوارع خاوية وخطى قلقة إلى مقابر متهالكة.. وبيوت محترقة.. الشاب يبكي بحرقة أمام مدافن آل عيد.. ويمضي إلى البيت المدمر المحترق.. إلى غرفه.. وحتى المطبخ والحمام.. ويبكي
هنا كانت لنا حياة.. هنا كنا نعيش.. وهنا كانت لنا ذاكرة.. يخرج من البيت ليجوس في شوراع القرية حيث كان يلهو في مدارجها.. يذهب إلى أحد بيوت آل خليل.. يسمع صوتاً طفولياً ينادي أمه.. هذا صوت طفولي لازال تتاح له فرصة مناداة ومناجاته أمه.. ويستمر في حواري القرية.. في بيت آخر يرى حبل الغسيل طازجاً.. الحياة تستمر كأنما لم تمر على مجزرته٠
نشرة الأخبار تمر على مواجع لبنان الراهنة.. اغتيال الشهيد رفيق الحريري.. والكاميرا التي أخذت وضعية عيني الشاب تمر على تفاصيل القرية.. وجه ربما شارك في المجزرة يطل من خلف سور.. أطفال يلهون، ربما لم يسمعوا بالمجزرة التي كانت هنا ذات يوم.. شوارع فارغة من أن طاردتهم رصاصات المجزرة.. يصل إلى رجل.. يسأله: غريب إنو ما بتتذكرني؟.. إنت اللي قتلت أمي!٠
يبدو الرجل حائراً لائباً.. يفرك سالفه بيده.. يفرك يديه ببعضهما البعض.. يعقد ذراعيه خلف ظهره.. لا شيء يوحي أنه مجرم.. إنه واحد من تلك الوجوه التي يمكن أن تصادفها في كل مكان٠
يعود الشاب للتجول في القرية، عائداً إلى بيته.. يغلق باب البيت أهله، ويمضي.. ولكن هل أغلق باب الحكاية؟٠
«شو صار؟».. فيلم مدهش لفتى لبناني نجا ذات يوم من مجزرة ساطته بلهيبها.. فيلم يعرف تماماً ماذا يقول، وكيف.. فيمضي إلى حافة الحقيقة، متسائلاً: «شو صار»؟!.. لعلنا نملك ذات يوم قدراً من الشجاعة لنقول الحقيقة. على الأقل لأنها حقيقة٠

نشرت مقالة الزميل إبراهيم بشّار في
صحيفة »المستقبل« اللبنانية٠

SECTION 3 | شخصيــات


كلود سوتيه ......... شاعر الحزن العذِب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ميسّر مسكي
يلقي الصديق والزميل ميسر مسكي في تناوله شخصية المخرج الفرنسي كلود سوتيه (1924-2000) نظرة شاملة على حياة المخرج الفرنسي الرائع والمنسي ليتبع ذلك بنقد وتقديم ثلاثة من أبرز أفلامه




رغم الإهتمام الذي ناله كلود سوتيه في سنواته الأخيرة و التي عَبّرَ عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تأبينه للرجل بأنه" الفنان الذي حَمَلَ مرآة زماننا"، فإن البعض (ومنهم كاتب السطور هذه) لا زالَ يعتقد أن أعماله لم تنل ما تستحق من تقدير. فالرجل طاردَ حلمه بالفن والسينما حتى رمقه الأخير. فقـَبَضَ على بعضه وراوغه البعض الآخر ٠
منذ طفولته إكتشفَ سوتيه ولعهُ بالفن، فمارس النحت لفترة قبل أن يغادره إلى العمل العام إثر إنضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي الذي لم يلبث أن تركه عام 1952. رغبته الأكيدة للعمل في السينما واتته حين "داهمه" فيلم مارسيل كارنييه "شروق النهار". إلتحق سوتيه بمهعد الإيديك الباريسي الشهير للدراسات السينمائية أيام تأسيسه الأولى. و إثر تخرجه عملَ مُساعداً لعدد من الأسماء الشهيرة في السينما الفرنسية قبل أن يُخرج فيلمه الأول "إبتسامة الصباح" و الذي مضى دون أن يلفت نظر النقاد أو الجمهور. بعد خمسة سنوات و في عام 1960 صَنعَ سوتيه "طبقة خطرة"، الفيلم الذي نـَقـَلَ إسمه من الغموض إلى الشهرة. فيلم بوليسي لعب دوري البطولة فيه لينو فنتورا، الذي أصبح الصديق المُقرّب لسوتيه، و جان بول بلموندو الآتي لتوه من نجاحه الكبير في "اللاهث" تحت إدارة جان لوك غودار
في الوقت الذي بدا فيه أن حلم كلود سوتيه السينمائي على وشك التحقق، عَصَفت "الموجة الجديدة" الآتية من صفحات مجلة دفاتر السينما بالحال السينمائي في فرنسا والعالم. أسماء مثل غودار، تروفو، شابرول، ديراي... كانت ترسم رؤيا جديدة للسينما جعلت النقاد يُعرضون عن إسلوب كلود سوتيه الذي بدا لهم و كأنه خارج الزمن. و رغم أن سوتيه بقي لسنوات على مقاعد الإحتياط ينتظر فرصته الثانية، لكنه لم يكن بلا عمل. فالعديد من مخرجي الموجة الجديدة إستعانوا بخبرته في إنقاذ سيناريوهات كان يمكن أن تقضي لولا جهد سوتيه في إحيائها من جديد. ربما لهذا كان فرانسوا تروفو يُطلق عليه لقب "طبيب السيناريو". ورغم أن أغلب جهده هذا كان يتم دون أن يُذكر إسمه في مقدمة الفيلم، لكن أولئك الذين كتبوا عن تلك المرحلة قالوا أن بصمات سوتيه في صياغة الحوار ونظرته التأملية في الشخصيات الموزعة بين عواطفها المتناقضة لم تكن خافية على أحد ٠
عام 1969 جاءت فرصة سوتيه الثانية مع فيلم "أشياء الحياة" (نتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل) حيث كان في الدور الأول ميشيل بيكولي و رومي شنايدر التي أيضاً وجدت الفرصة لإعادة الدفق إلى سيرتها المهنية التي كانت تخبو. سوتيه، بيكولي، شنايدر شكلوا ثلاثياً ( يُضاف إليه فيليب سارد في الموسيقى و جان- لو دابادي في السيناريو و جان بوفيتي في التصوير) تعاوَنَ في أغلب أفلام سوتيه القادمة. و لم يأت هذا التعاون إلى نهايته إلاّ مع إنتحار رومي شنايدر المأساوي ٠
في تلك المرحلة الأكثر خصوبة في سيرة كلود سوتيه السينمائية جاءت بعض أهم أفلامه: "ماكس وبائعي الخردة" و الفيلم الجميل و العذب "سيزار و روزالي"٠
في الثمانينات و التسعينات وجَدَ سوتيه في دانييل أوتوي وإيمانويل بيار شيئاً يستعيد عبره طيف شنايدر وبيكولي، فصنع "قلب في الشتاء" الذي يجادل البعض أنه أهم أفلامه، و "نيللي والسيد أرنو". عن الفيلم الأول حازَ سوتيه الجائزة الثانية في مهرجان البندقية عام 1992، كما نالَ عن الثاني سيزار السينما الفرنسية عام 1995
توفي كلود سوتيه عام 2000 بعد معاناة من سرطان الكبد‘ و كان يبلغ من العمر ستة و سبعين عاماً ٠
على مدى سيرته في عالم السينما وقـَفَ النقاد على تضاد تجاه رؤية سوتيه الفكرية و السينمائية. فالبعض كان يرى أن سوتيه يصنع سينما أنيقة، لبقة تشبه شخصياته البورجوازية التي كانت دائماً تلبس بأناقة و تأكل بذوق وتتصرف بتحفظ و إنضباط حتى في عزّ إنكسارها. فيما رأى آخرون أن سوتيه كان يلامس روح شخصياته بعذوبة و رقة و شاعرية فيما هي تتمزق بين رغباتها و واقعها.
في السطور التالية سنعرض لثلاثة من أعمال كلود سوتيه: "أشياء الحياة"(1969) "ماكس و بائعي الخردة" (1971) و "سيزار و روزالي" (1972) و لن يكون غريباً أن نجد أسماء مثل ميشيل بيكولي و رومي شنايدر في الأدوار الرئيسية تتكرر في بعضها و كذلك كاتب الموسيقى و السيناريو. سوتيه كان دائماً، حسَبَ من عرفه، شديد الإلتصاق بأصدقائه ٠

ثلاثة أفلام

Les Choses de La Vie | أشياء الحياة
1969



كما أن الذاكرة لا تعود إلينا بسياق زمني متتابع، كذلك فإن كلود سوتيه يعيد تكوين حياة بيير (ميشيل بيكولي) عبر مشاهد غير مسلسلة زمنياً. هي مَشاهد تتدفق في رأس رجل مرمي على قارعة الطريق إثر حادث سير فادح. حياته تترنح على خيط دقيق فيما يستعيد (ونحن معه) صور وحالات شغفه و لوعته و تردده و تمزقه بين عالمين لم يكن له أن يدرك أي منهما٠
من شاهد الفيلم قبل أربعين عاماً تقريباً ليس له أن ينسى تلك المشاهد الأولى و تقطيعها الفريد و موسيقى فيليب سارد التي تضيف بُعداً إلى حالة تـُحفـّز العين بقلق الآتي من صور تعيد تركيب الماضي٠
بيير، مهندس، حياته موزعة بين برود حالة عائلية في طور الغياب و بين دفء علاقة مع هيلين (رومي شنايدر) إمرأة شابة تنتظر من بيير أن يحسم خيار عواطفه. لكن الأخير يبدو غير قادر على إنتزاع ذاته من ذاكرة ماضيه و لا التخلي عن لهفة حاضره٠
هي أشياء الحياة تلك، الصغيرة و الكبيرة (و أحياناً الصغيرة قبل الكبيرة) هي التي تجعلنا ما نحن عليه. فحين يسمع بيير من زوجته أن عمال الترميم قد حطموا منضدة في المنزل الريفي، لا يجد نفسه قادراً على التوقف عن سؤال زوجته عن كيف وقع الأمر و ما مدى الضرر الذي لحق بالمنضدة. هي العلاقة مع أشياء الحياة تلك التي تأخذه في دوامة من التردد تقوده إلى إستعجال النهاية غير المتوقعة٠
في مرحلة مبكرة من الفيلم يروي كلود سوتيه حالة بيير من خلال مشهد نرى فيه بيير يدخل غرفة إبنه الشاب فيجده غارقاً بين أجهزة و أسلاك كهربائية، يسأله عما الذي يفعله، فيجيبه الإبن أنه يصنع و يسّوق أجهزة كهربائية تـُصدر أصواتاً تشبه أصوات العصافير المنزلية. و حين يلاحظ بيير إبتذال المُنتـَج و زيف الصوت الصادر عنه، يسأل إبنه إن كان هناك مشترين لهذا الجهاز، يقول الإبن أن هناك سوقاً يتنامى لإن الناس تريد وتحب أن تسمع صوت العصافير و أن تصدق أن هناك عصفوراً في البيت لكنهم في الوقت ذاته غير مستعدين لبذل الجهد اللازم لرعاية عصفور حقيقي ، خصوصاً أن هذا العصفور الصناعي يزقزق فقط حين يضغط المرء على زرّ التشغيل٠
قبل نهاية الفيلم تبرز دلالة هذا المشهد حين تطلب هيلين من بيير أن يبدي إلتزاماً أكبر تجاه علاقتهما، يبقى بيير صامتاً فهو لا يريد أن يبذل أي جهد للتشبث بعلاقة أصبحت تتطلب منه حسم خياراته. الجهاز الكهربائي والعصفور الحقيقي و هيلين، هي أشياء الحياة التي نريدها أن تنتمي إلينا دون نحن إلى شيء٠
مشهد حادث السيارة، و الذي يأخذ حوالي العشرين دقيقة بتفاصيله و لواحقه، ينفذه سوتيه بإيقاع بصري شديد التركيب و سلس في آن يساعده في ذلك مونتاج خلاق. مشهد لا يمكن لك أن تنسى حتى تفاصيله بالحركة البطيئة أو بالسرعة العادية٠
سوتيه في فيلمه عن مثلث الحب الأبدي هذا، لا يأخذ مواقف أخلاقية.لا يُحاكم. لا يُدين. و لا يُبرر. هو فقط يقترب بعذوبة من روح شخصياته و يراقبها في لوعتها كما في شغفها. لا الشخصيات تنفجر إنفعالاً و لا كاميرا سوتيه تلهث وراء الحدث. حتى سيرة الموت عند النهاية إنما تـُُروى صمتاً و من وراء الحواجز الزجاجية٠
في التسعينات من القرن الماضي، و على عادة كانت هوليوود قد درجت عليها، تمّت "أمركة" الفيلم حيث لعب الأدوار الرئيسية كلٍ من ريتشارد غير، شارون ستون و ميلينا جوجوفتش. وأيضاً على عادة هوليوود جاءت النتيجة مسخاً مصطنعاً بالكاد يستحق المشاهدة٠

Max et les Ferrailleurs | ماكس وتجّار الخردة
 1971



إذا كان الفيلم السابق، والذي وضع كلود سوتيه تحت أضواء الشهرة، يميل إلى عالم فرانسوا تروفو حيث لوعة الشخصيات الممزقة بين بين مثلث الحب المستحيل، فإن سوتيه في فيلمه التالي يأخذ ذاته و شخصياته إلى عوالم جان – بيير ملفيل (سبق أن قدمت هذه المجلة إطلالة موسعة على سيرته وأعماله) حيث الشخصيات تدور في مناخ داكن، قلق، تختفي فيه الخطوط الواضحة بين رفعة القيَم و إنحطاطها٠
ماكس (ميشيل بيكولي) قاض ٍ سابق، يترك سلك القضاء بعد أن أضطرَ إلى إطلاق سراح مجرم لم يستطع النظام القضائي الفرنسي إدانته لـ "نقص الأدلة". ينضم ماكس إلى حقل التحقيق الجنائي مدفوعاً بهوس ضبط المجرمين بالأدلـّة الدامغة. هوس لا يلبث أن يجعله يتغاضى عن الجانب الأخلاقي حين ينصب فخـّاً (بموافقة رؤوسائه) لمجموعة من الشباب العاطلين عن العمل و يدفعهم لسرقة مصرف عبر تمرير معلومات لهم عن تحركات الأموال في المصرف و ذلك عن طريق مومس تُدعى ليلي (رومي شنايدر)٠
سوتيه هنا ينفذ إلى عدة قضايا في آن. هناك سلطة الفرد و قدرته على إستغلالها للتحكم بمصائر الآخرين. فرغم أن ماكس يعلم أن مجموعة الشباب العاطلين و المتكسّبين من تجارة غير ثابتة في الخردة، لم يسرقوا مصرفاً من قبل و لا علاقة لهم بسلسلة السرقات التي حصلت سابقاً، لكنه يمعن في إستدراجهم إلى مصير محتوم يرسمه وينفذه ببرود و صلابة و الأغرب أن ذلك يتمّ...بالقانون!
أيضاً تحضر قضية الفساد الإنساني و سقوط المرء أمام سطوة المال. فالمومس ليلي، التي يغريها المال السهل الذي تحصل عليه من ماكس، تندفع و دون علمها في تنفيذ مخطط ماكس الذي قَدّمَ لها نفسه على أنه مدير مصرف و ذلك بتمرير المعلومات عن المصرف إلى أصدقائها. الكلّ هنا يحركه الجشع و المال السهل فيما السلطة (مُمثلة بماكس) تستغل ذلك في رسم المصائر و إستغلال الضعف البشري أمام مغريات الحياة و المال٠
لا بدّ هنا أن نذكر أن الفيلم جاء في سنوات كانت فيها فرنسا لا تخرج من فضيحة فساد و إستغلال سلطة حتى تدخل في فضيحة ثانية٠
على هذه الخلفية السياسية غير المباشرة و المرسومة بخيال بوليسي طالما أجادته السينما الفرنسية بإمتياز وخصوصية نادرة، لا ينسى سوتيه أن يُدخل خيطاً رفيعاً و أثيراً لديه، ألا وهو علاقة عاطفية غامضة، غير محكية، و محكومة بالمأساة بين ماكس و ليلي٠
ماكس و ليلي هناك ما يجمعهما بقدر ما يفرق واقعهما الحياتي و المهني. كلاهما متوحد، لا عائلة ولا إستقرار و لا إرتباط راسخ إلاّ بما هو هاجس مختلف لكل ٍ منهما. هو القانون و الدليل الدامغ دون هوادة، و هي المال و الحياة السهلة حتى الثمالة. حين يلتقيان في الشقة الصغيرة يشتعل الجو برغبة مكبوتة ولهفة تقولها النظرات و يسكت عنها اللسان. لهفة تقود الأمور في النهاية إلى منعطف خطر حين تصبح اللعبة أكبر من قدرة ماكس على السيطرة عليها. فالسلطة (يمثلها هنا المحقق الجنائي) لا تريد الوقوف عند الحدود التي رسمها ماكس لخطته. بل هي تريد الذهاب نحو النهاية في تطبيق القانون الذي طالما تغافلت عنه هذه السلطة ذاتها حين سمحت لماكس بإستغلال الضعف الإنساني في نفوس مجموعة تجار الخردة الصغار و إستدراجهم نحو جريمة يتركنا سوتيه إثرها متسائلين عما إذا كان ماكس و رؤوسائه شركاء في الجريمة أم حُماة القانون٠
ميشيل بيكولي يقدم هنا أداء مدهش في إنضباطه العاطفي و السلوكي مما يُضفي على الشخصية غموضاً و قوة تبدو متوارية خلف هدوء و برود يثيران القلق. رومي شنايدر حضورها لافت كالعادة. لكن في فيلمنا التالي سيتحول هذا الحضور طاغياً و آخاذاً٠

César and Rosalie | سيزار وروزالي
1972



كل شيء في هذا الفيلم يجعله يبدو أقرب إلى الحلم رغم واقعيته. شخصيات ساحرة الحضور تدور في عالم عواطفها المضطربة و المتقدة. إمرأة ممزقة بين رجلين من عالمين متناقضين، لكنهما يكملان بعضهما في آن. ثلاثة يبحثون عن "آخر" ليتكاملوا معه و فيه، لكنهم لا ينجزون غير تمزيقه٠
هو الشغف حين تنهكه اللوعة. هي الروح حين تؤرقها الوحدة. هي الحياة حين يضنيها البحث عن السعادة في الآخر٠
روزالي (رومي شنايدر في ذروة تألقها الفني و سحرها الإنثوي) إمرأة مُطلقة، إختارت العيش مع سيزار وإستكانت لكل ما يفرقهما بحثاً عن إستقرار منشود. سيزار (إيف مونتان عظيم ولا يُنسى) تاجر سيارات و آليات مستعملة، ثري، إنفعالي، تعوزه اللباقة الإجتماعية من حيث السلوك و المظهر، لكنه يعشق روزالي إلى حد الهوس٠
حياتهما الهادئة يقلقها ظهور دافيد، الرجل الذي إرتبط بعلاقة مع روزالي قبل سنوات و ها هو يعود ليجدد الماضي الذي إنقضى. رجلان و إمرأة و علاقة مستحيلة تبدو فيها الشخصيات مهووسة بشغفها كما برغبتها المحمومة في البحث عن سعادة لا تبلغها. كاميرا سوتيه تلتقط بكادرات قريبة و متوسطة علاقات و أحاسيس تراوح بين الذلّ و الهيام و الإنتقام. ثم عند النهاية يأتي مشهد بديع، آخاذ في هدوئه ليعود بالرواية إلى بدئها لكن مع إيحاء أنه ليس بالضرورة أن يكون مثلث الحب مستحيلاً٠
هناك سحر خفي لكنه شديد الحضور في صورة الفيلم كما في صياغته البصرية. سوتيه يرسم فيلمه بأناقة لا تأخذ من عمق نظرته إلى دواخل شخصياته المأزومة بعشقها و لهفتها. كما أن الصورة غالباً ما تختصر تقديم الشخصية و إنفعالها. ففي أغلب اللقطات التي نرى فيها سيزار يقود سيارته، تأخذ الكاميرا السيارة من الأمام بحيث يبرز في مقدمة الكادر التصميم الصارم و القاسي أو حتى العدواني لمصابيح السيارة مُضافاً إليه السرعة والإندفاع نحو الكاميرا مما يوحي بشخصية سيزار الإنفعالية و المندفعة و حتى العنيفة لو شاءت العاطفة ذلك٠
نادر من يستطيع تجسيد دور سيزار كما إيف مونتان. رجل عصامي، صنع ثروته بنفسه لكنه يشعر بالنقص حين الحديث عن الفن فيداري نقصه باللامبالاة أو ...المال. رجل تعصف في دواخله عواطفه فيداريها بإبتسامة قلقة تشي بالعنف القادم٠
رومي شنايدر و ببساطة ، ما كان لغيرها أبداً أن تكون روزالي. حضور يسرق العين و الكاميرا و القلب والروح٠
وإذا كان ميشيل بيكولي، صديق سوتيه، ليس له دور على الشاشة لفإن صوته لا يغيب عن الشريط الصوتي حيث يروي من خارج الكادر بعض التفاصيل عن الحكاية٠
السيناريو أيضاً و كما الفيلمين السابقين من وضع دابادي و كذلك فيليب سارد في الموسيقى. هو فريق سوتيه الذي ما تنازل عنه في أغلب أفلامه٠

الزميل الناقد ميسر مسكي كتب هذه المقالة
النقدية خصيصاً لـ »ظلال وأشباح«٠

SECTION 4نافذة  خلفية

إدغار ألان بو: حبيب الغربان وأول من كتب الرعب والتحرّي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـا
كنت كتبتُ مقالة قصيرة عن الروائي إدغار ألان بو، لكن هذه هي الدراسة الموسّعة عن أعماله٠



أول مرّة سمعت فيها بإسم إدغار ألان بو كانت حين طالعت مجموعة روايات قصيرة تم ترجمتها عن الإنكليزية. المرّة الثانية هي حين عزمنا، وكنّا مجموعة من الطامحين المتجاوزين ملامح بداية حرب أهلية في منتصف السبعينات، كتابة مجموعة سيناريوهات رعب من تأليف بعض أفضل من هم في »بزنس« هذا النوع من الأدب. صديقي إدغار نجّار، وكان مثلي ناقداً سينمائياً لكنه توقّف بعد ذلك، اختار رواية »أورلا« لغي دو موباسان، وأنا اخترت قصّة لا أذكر أسمها الآن لإدغار ألان بو. لا أذكر أسمها لكني أذكر أنها كانت عن ذلك الرجل المنعزل في بيته الوضيع. ذات يوم تئن ذبابة بالقرب منه. يهشّها مراراً وتكراراً لكنها لا تبتعد الا لتعود إليه بإلحاح أكثر في كل مرّة حتى استطاعت التسبب في سقوطه بينما كان يحاول النيل منها. ها هو الآن مقعداً ورأسه ملفوف بضمامة تجعله أشبه بالمومياء. يعتقد لحين إنه -على الأقل- ارتاح منها، هذا قبل أن يسمع أزيزها المزعج من جديد.... هذه المرّة تحت الضمادات!٠
بعد ذلك كانت السينما. عشرات الأفلام التي تم اقتباسها عن أعماله وواحد فقط (الى الآن) عن حياته او بعضها على الأقل. أنجزه أردني بإسم محيي الدين قندور بعنوان »شبح إدغار ألان بو« وقام بمونتاجه واحد بإسم عبّاس أمين، وكلاهما كان يعيش في الولايات المتحدة في مطلع السبعينات، لكن في حين أن المخرج لم يحقق فيلماً أميركيا آخر (لديه أعمالاً روسية بعدما انتقل الى موسكو) فإن عبّاس أمين قام بتوليف فيلم آخر من نوع البورنو الخفيف عنوانه
Flesh Gordon
والعنوان، بالطبع، لعب على إسم البطل القادم من حبر روايات الكوميكس
Flash Gordon بإسم
دعا المخرج قندور بعض أهل مهنة النقد في لبنان لحضور الفيلم الذي كان من بين أبطاله روبرت ووكر في دور المؤلّف الكبير وسيزار روميرو وتوم دريك. لم يكن فيلماً مهمّاً بقدر ما كان فيلماً مثيراً للإهتمام، لكن المثير أيضاً أنه كان من بين حفنة أفلام عنيت بالحديث عن الشخصية وحياتها المتعَبة التي انتهت باكراً قبل مئتي سنة٠
وُلد في هذا العالم في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير سنة 1809 في مدينة بوسطن، تلك التي آل إليها جبران خليل جبران في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. والدة إدغار هي إليزا ووالده هو ديفيد وكلاهما كان ممثلاً مسرحياً. لكن الأب ترك الأم وأولادها الثلاث قبل ثلاث سنوات من موتها وحين كان إدغار وأخيه وشقيقته لا زالوا صغاراً. هذا ما أدّى بهم الى التشتت. كل في بيت لا ينتمي اليه. مصير إدغار كان في بيت ثري أسمه جون ألان تبنّاه لأن زوجته كانت مريضة لا تستطيع الخلفة. منحه السقف والطعام والتعليم لكنه ضن عليه بالحنان وحين تم طرد إدغار من الجامعة بسبب شربه وإدمانه القمار لم يهب متبنّيه بالمساعدة ولم يحاول أن يجد له عملاً. في العام 1827 عاد إدغار الى بوسطن وهو العام الذي انضم فيه الى الجيش لكنه سرّح بعد سنتين في الوقت الذي تعاظمت فيه ديونه بسبب القمار. في ذلك العام نفسه وضع أول كتاب وكان كتاباً شعرياً بعنوان
Tamerlane and Other Poems
الذي طُبع منه خمسين نسخة فقط
مناخ الوحدة
لجانب القلم كان الكأس والخيال الداكن وحياته حتى وفاته عن أربعين سنة، العام 1849 متأثراً بمرض السل (ماتت به والدته) وباعتلال صحّته نتيجة الإدمان، لم تكن سوى سلسلة من الآلام والإحباطات ومشاعر اليأس. لا. كانت أكثر من ذلك. كانت ذلك النوع من الإبداع المتّصل بالمعاناة. المثمر منها والناتج عن ألوانها الداكنة. قبل بو، لم يكن هناك أي كاتب في التاريخ وضع الرواية المرعبة. إذا كان هناك فرد ما فهو لم ينشر والعالم القديم لم يعرفه. ليس هذا فقط، بل هو أوّل من كتب روايات التحري البوليسية قبل البريطانيين آرثر كونان دويل وأغاثا كريستي والفرنسي جورج سيمنون والأميركيين إيرل ستانلي غاردنر وإيرل در بيغرز وهم من جيل واحد وُلد بعد وفاة بو بسنوات٠
لم يكن إدمان بو على الشرب سوى نتيجة تأثره بمناخ الوحدة وفقدان العطف والغاية الكبرى، وحين أحب لم يحب طبيعياً. فقد أحب إبنة عمّه فرجينيا كلم وتزوّج منها سرّاً وهي في الثالثة عشر من العمر سنة 1825 وحين ماتت سنة 1847 تصدّع ما كان بقي منه وتوغّل في المزيد من الدمار الذاتي حتى وُجد متشرّداً يعاني حشرات الموت ذات يوم فنقل الى المستشفى حيث مات فيه في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر سنتين فقط بعد رحيلها٠
في ثيابه وجد أحدهم كلمته الأخيرة: "مؤمن بأن الله أودعني عبقرية متوهّجة، لكنها موهبة تمرّغت بالتعاسة"٠
العبقرية التي أودعها الله فيه عُرفت سنة 1839 لأوّل مرّة حين وضع قصّته المعروفة، والتي انتقلت الى
The Fall of the House of Asher السينما مراراً: سقوط منزل آل آشر
ليتبعها بروايات عدّة من أهمّها وأشهرها في الوقت ذاته »قناع الموت الأحمر« و»القلب الراوي« و»الخنفسة الذهبية« و»الحفرة ورقّاص الساعة« والعقاب« من بين أخرى. لكن ما هو جدير بالملاحظة أنها بالتأكيد لم تكن مجرد هواجس في كني أساليب مستعجلة وإثارية وهّاجة، بل يكتشف من يقرأها اليوم كم كان مُعنى بها أدباً ولغة وأسلوباً. كم هي عاكسة لاختيار الكلمات بدقّة ولزواج مُباح بين صنف من الروايات لم يسبقه إليه أحد وبين أدب اللغة بالإضافة الى الموقف الأخلاقي والفكرة النيّرة في إطار الحدث الغريب الذي أوجده بظروف وطقوس تختلف بين كل رواية وأخرى مهما بدتا متشابهتين٠


The House of Usher

ما يُثير الإنتباه أيضاً الجدل الذي استمر طويلاً حول كيف كتب بو أعماله تلك. هل كتبها تحت الإدمان؟ لسنوات عديدة كان هذا ما انتشر بين الذين كتبوا عنه او حاولوا تأريخه، لكن السؤال الذي لم يقدروا الإجابة عليه هو إنه إذا ما كتب ما كتبه تحت تأثير الشرب او المخدّرات (كما يدّعي البعض أنه لازمه لحين) كيف استطاع امتلك ناصية الكتابة الدقيقة التي عُرفت أعماله بها؟ من ناحية، لا ريب أنه كان صريع المأساة، من ناحية ثانية لابد أنه خلق فاصلاً بينه وبينها على الأقل حين كان يجلس ليضع قصصه

الغراب والقط



The Raven

كما أنجز المؤلف مكانة بالغة الأهمية في الأدب الغربي (من حيث لم يدر؟) فإنه أنجز للسينما مكانة مناسبة وذلك عبر عشرات الأفلام التي تم استيحاؤها عن أعماله. وهذا الإهتمام بدأ قبل 101 سنة عندما قام مجهول باقتباس رواية بو »جرائم قتل في شارع المشرحة«، إحدى أكثر رواياته ظهوراً على الشاشة في زمن الأبيض والأسود وحتى مطلع السبعينات. في العام 1909 تم إقتباس فيلمين عن أعماله. الأول فرنسي لهنري دسفونتان عن رواية »الحفرة ورقّاص الساعة« والآخر أميركي بعنوان »الغرفة المختومة« للمخرج ديفيد و. غريفيث ولو أن هذا الثاني يحمل بعض الإلتباس فالمخرج يذكر في مقدّمة فيلمه أنه اقتبس قصّته عن الفرنسي أونوري دي بلزاك. شاهدت ذلك الفيلم القصير (12 دقيقة) وراجعت مؤلّفات بلزاك فلم أجد عملاً له يحمل ذلك العنوان كما لو أن الأمر التبس على المخرج الأميركي فوضع إسم بلزاك عوض إسم إدغار ألان بو او أنه قانونياً لم يحصل على ترخيص- لكن في الوقت ذاته، فإن الفيلم لا يحمل معالم بو على الإطلاق، ولا زالت الأحجية قائمة٠
وأحد أوائل الأفلام المتعاملة مع أدب بو كان فيلماً مجهول المخرج أنتجته شركة بإسم إكلير أميركان وأدّى فيه غي أوليفر دور الكاتب المذكور وذلك سنة 1912. ومن الطبيعي أن يقوم ممثل هنا بإداء شخصية بو في عمل له، ذلك أن الفيلم، وعنوانه »الغراب«، كان شعراً ذاتياً وضعه بو سنة 1845 كمرثاة عاطفية يناجي فيها غراباً زاره في غرفته هارباً من عاصفة عاتية. في الرواية ينطق الغراب بكلمة واحدة في أعقاب كل بوح او فقرة فيقول
Nevermore: او فقرة فيقول "كفى" او بالأصل
هناك غراب ناطق في رواية غير متداولة كثيراً للمؤلّف البريطاني تشارلز ديكنز عنوانها
Bamaby Rudge
لكن من غير المؤكد أن بو استوحى غرابه من عالم ديكنز لاختلاف الإستخدام اختلافاً عميقاً ولو أن كلاهما يستند الى الموروث من الإعتقاد بأن الغراب، أسود اللون ولا يملك صوتاً يغرّد به، هو أبعد أنواع الطيور عن اعجاب الآدميين، وفي الأساطير حمل الغراب رمز الموت (في الكتب السماوية) والشؤم عموماً. لا عجب أن بو اختاره ليبث له لوعته فنظرته الى الحياة كانت موتاً وشؤماً وكان يحتاج الى طير يلائم المقام٠
ولا عجب أيضاً أن السينما بقيت بعيدة من العام 1912 الى العام 1963 عن هذه القصيدة لأنه من الصعب -طبعاً- بناء فيلم قائم على قصيدة ذات منوال واحد وبلا أحداث. لكن المنتج والمخرج روجر كورمان عالج الصعوبة بإضافة أحداث من عند كاتبه رتشارد ماثيسون (لاحقاً من كتّاب أفلام ستيفن سبيلبرغ الأولى) في فيلم يحمل ذات العنوان ويقوم ببطولته فنسنت برايس وبيتر لوري وبوريس كارلوف، مع دور صغير لجاك نيكولسون٠ الثلاثة الأول من شخصيات السينما التشويق على ناحيتيه المخيف والتشويقي، والقصّة هنا أصبحت حول ذلك الطبيب الغارق في حزنه لفراق زوجته (برايس) الذي يفاجأ ذات يوم بزيارة غراب هو في الأصل ساحر انقلب عليه سحره حين نجح عالم آخر (كارلوف) في تحويله الى غراب. كل من الطبيب والغراب سيزوران ذلك العالم. الأول لكي يسترجع »روح« زوجته والثاني لكي يسترجع شكله الآدمي الأول٠
إقتباس آخر من حقبة أولى بعنوان »القط الأسود«٠

إقتباسات أمينة
هنا النص ساحر من مطلعه إذ يقول
نسبة للرواية الأليفة التي سأخطّها، أنا لا أتوقع ولا ألتمس تصديقاً، سأكون مجنوناً لو أني توقّعت ذلك في قضية ترفض فيها أحاسيسي براهينها. رغم ذلك، أنا لست مجنوناً وبالتأكيد أنا لست حالما"٠
بالإنكليزية لملامسة روح النص
For the most wild, yet most homely narrative which I am about to pen, I neither expect nor solicit belief. Mad indeed would I be to expect it, in a case where my very senses reject their own evidence. Yet, mad am I not- and very surely do I not dream

لا يمكن قراءة هذه المقدّمة لما سيلج اليه الكاتب واصفاً أحداث روايته اللاحقة الا ويندفع القاريء في محاولة الوقوف على باقي النص لنواحية الأدبية والجمالية كما القصصية. وفي بعض أفلام مخرج أفلام الرعب وليام كاسل في الخمسينات عمْدٌ الى تقديم الأحداث بمونولوج شبيه بهذا ما يسمح بيقين شبه كامل من أنه استوحى ذلك من طريقة بو في مقدّمته. كذلك قد لا يكون الأمر بعيداً عن خاطر المخرج الألمع ألفريد هيتشكوك (الذي لم ينجز فيلماً من أعمال بو مطلقاً) حين اختار تقديم حلقات برنامجه المعروف »ألفرد هيتشكوك يقدّم« في الستينات


The Black Cat

السينما الألمانية كانت أول من انتبه الى قصّة بو مع ذلك القط (الذكر) الأسود السمين الذي كان يتواصل مع صاحبه صمتاً. يقول في قصّته: "صداقتنا استمرّت سنوات عديدة" رابطاً تغييرات في حياته بما يرقبه القط بعينيه الفاحصتين كما لو أنه، وأسمه بلوتو، يعلم ما يمر به صاحبه. الفيلم الألماني الذي كان أوّل من تناول هذه القصّة (المنتقلة لاحقاً الى مفارقات مخيفة) هو »الحكايات الخارقة للطبيعة« والذي تأّلف من خمسة قصص لخمسة كتّاب (من بينهم مخرج الفيلم نفسه رتشارد أوزوولد وروبرت لويس ستيفنسون) ثالثها هي »القط الأسود« التي وضعها بو سنة 1943. هذه الرواية القصيرة ورواية بو الأخرى »القلب الحاكي« يقومان على فعل الشعور بالذنب حيال قيام الراوي في كليهما بارتكاب جريمة قتل واعترافه في النهاية بذلك بعدما اعتقد أن أحداً (سوى القط في الرواية الأولى وقلبه في الثانية) قد شاهده. الفيلم فُقد طويلاً قبل أن تُكتشف نسخة منه في معمل باريسي سنة 2001 ويُصار الى ترميمه وهو الآن يجول عروض معهد غوتة الألماني. نسخة أوزوولد تتميّز بمنحاها التجريبي كعدد من الأفلام الأخرى التي تم إنتاجها في العقد الأول والثاني من القرن الماضي٠
في هوليوود تم للمخرج (الرخيص إذ كان يستطيع إنجاز أفلام جيّدة بميزانيات ضحلة) إدغار ج. ألمر تحقيق فيلم ثان عن »القط الأسود« سنة 1934 مستوحاة بتصرّف كبير عن الأصل ومن بطولة إثنين من مشاهير مشخّصي الرعب بوريس كارلوف وبيلا لاغوسي

بعد ثماني سنوات قامت شركة يونيفرسال بإنتاج اقتباس جديد (أكثر أمانة للأصل) من إخراج ألبرت روغل وبطولة البريطاني باسيل راثبورن وهيو هربرت وبيلا لاغوسي أيضاً. لكن أكثر الإقتباسات أمانة وردت من مخرج آخر غير معروف هو هارولد هوفمان والفيلم اختفى من حين انتاجه سنة 1966

شعر ورسم ومؤثرات
واحدة من أكثر رواياته انتشاراً على الشاشة »سقوط منزل آل أشر« التي وضعها سنة 1838 وفيها معلّق يروي سبب زيارة يقوم بها المعلّق الى منزل صديق له يعيش منعزلاً في الريف. صديقه، وأسمه رودريك أشر، يعاني من حالات عصبية ونفسية صعبة وهنا لابد من الذكر أن الروائي بو يصفها على نحو محدد وواضح علماً بأن علم النفس لم يحددها (وفي بعض الحالات يكتشفها) الا سنوات طويلة لاحقة. صديقه يخبره أنه يعتقد أن المنزل الكبير الذي يشغله مأهول بأحاسيس تخص البيت وأشيائه ونقرأ، بعد أحداث تشمل دفن شقيقة صاحب البيت التي كانت ماتت قبل وصول المعلّق، كيف أنه في أوج عاصفة عاتية يلحظ المعلّق كيف أن محيط القصر مُضاء على نحو غير مبرر او معروف (طبعاً لم يكن هناك كهرباء أساساً)، كذلك اللوحات التي في القصر هي مضاءة بوهج غريب ما يؤكد ما ذهب اليه صديقه من أن للأشياء أحاسيسها٠ وفي النهاية، وبعد عودة شقيقته الى الحياة، يموت رودريك من شدّة الخوف بينما يهرب المعلّق ناجياً بنفسه. نظرة الى الوراء ويرى انشطار القصر الى نصفين وتهاويه غارقاً في يم من الرمال٠


بطبيعة الحال، فإن السينما لن تبق بعيداً عن رواية فيها كل الخيال الجانح والمرعب . والقصّة ذاتها دائما ما اعتبرت (من قِبل الوسط الأدبي) تلخيصا نموذجياً لعالم الموّلف. وهي بالفعل نُقلت الى الشاشة ثلاثة عشر مرّة (معروفة) أولاها سنة 1928 في فيلمين، واحد فرنسي للمخرج جان إبستين، والثاني أميركي لمخرج بإسم جيمس سيبلي. لكن أشهر الإقتباسات بريطاني سنة 1949 ثم ذاك الأميركي الذي قام روجر كورمان بإخراجه وجمعه -أيضاً- مع فنسنت برايس وذلك في العام 1960
على الشاشة، وفي أي من هذه الأفلام، لم يستطع المخرج، ولأسباب معذورة، أن يمد جسوراً صوب عالم المؤلف ذاته خارج نطاق القصّة التي يتعامل معها مباشرة. إنها أفلام رعب بالتأكيد لكن روايات بو هي أكثر من ذلك كونها تحمل خيوطاً متعددة من التشريح العلمي الى النفسي الى الفلسفي وتعني كثيراً بالموت ورمزياته وبعقدة الذنب وتوابعها كما بالأوهام
كذلك فإن عوالم الموّلّف تشمل مراجع أوروبية مختلفة لمن سبقه على صعيد الشعر والرسم (قصر آل أشر يشبه، كما لاحظ مؤرخون، القصر الذي ورد في لوحة الرسّام البريطاني هنري فوسيلي الذي توفّي سنة 1825)٠
معظم الأفلام اللاحقة تم اقتباسها من أعمال بو الأكثر تداولاً وشهرة ومن بينها »الخنفوسة الذهبية«، التي كانت من أوائل رواياته التحريّة و»قناع الموت الأحمر« ثم »جرائم شارع المشرحية« و»الحفرة ورقاص الساعة« و»القلب الحاكي« (او »الواشي« كما يُقصد بالمضمون)٠
ويبقي روجر كورمان أكثر سينمائيي هوليوود إغارة على أعمال الكاتب. من بعد »منزل آل آشر« الذي رصّعه فنسنت برايس بتمثيل دور رودريك قام الإثنين بالتعاون مجدداً سنة 1961 بعد عام واحد على الفيلم السابق على اقتباس »الحفرة ورقّاص الساعة« الذي تقع أحداثه في أسبانيا. المادّة كما هي مكتوبة إنعكاسات الراوي في ظلمة سجنه الأسباني. أمر آخر لم يكن في مقدور الفيلم أن يقوم به من دون أن ينتج عن ذلك فيلماً حبيس المكان بدوره. ما فعله السيناريست رتشارد ماثيسون هو استغلال ما ورد في القصّة من أحداث يرددها الراوي من خلال هواجسه وأفكاره وتقديم فيلم مبني عليها وعلى ملحقات لابد منها لأجل ملء الساعة والنصف من الأحداث كما وسّع من دور المرأة في الفيلم ولعبتها الممثلة الإنكليزية المعروفة آنذاك باربرا ستيل. والنتيجة ليست سيئة رغم أن صيت كورمان مخرجاً تعلو في نواحي عدّة حقيقته وقدرته في هذا المجال٠
الفيلم الثالث معاً ضمن إطار قصص بو (لأنهما عملا معاً في أفلام رعب كثيرة أخرى خارج هذا الإطار) هو، كما مر هنا، »الغراب« سنة 1963 وصولاً الى »قناع الموت الأحمر« (1965). وهذه الرواية عمل رائع آخر من أعمال بو تدور حول امير أوروبي (برايس في الفيلم) يتحصّن في قصره خوفاً من إنتشار الوباء الذي يعم القرية ويفتك بالفلاحين فيها. لكن فجأة يظهر له الموت في غرفته في شخص رجل مقنّع ويقضي عليه. لجانب أن النقاد الأدبيين اعتبروا الرواية واحدة من أعمال المؤلّف التي تتحدّث عن الموت كرمز، فإن الواضح هو خلافهم على تحديد ما هو »الموت الأحمر« ورمزه. بما أن الرواية نشرت سنة 1842، أي قبل الفكر الماركسي، فإنه لا يمكن إرجاعها الى شعور بالخطر من ايديولوجية معيّنة. الأرجح هو أن مرض السل هو المقصود خصوصاً وأن وصف المؤلف لما يعتري القرويين المصابين ليس بعيداً عن وصف الأطبّاء للمصابين بمرض السل٠
في شتّى الأحوال، فإن بو لا ينفك يثير، بعد مئتي عام من رحيله، عالمنا الأدبي والسينمائي وهناك المزيد من الكتب للمناسبة. أما السينما فهي تواصل الزحف على أعمال بو مرّة تلو المرّة، وفي كثير من الأحيان، فإن ما توفّره من أفلام رعب يبقى قريباً من الأسس التي وضعها بو أدركت ذلك او لم تدرك٠

نُشرت في ملحق صحيفة »النهار« اللبنانية
بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Nov 17, 2009

مقابلة أوليڤر ستون | أخبار من دبي | أسبوع الفيلم الفلسطيني في بيروت | سينما التحري الخاص - مجرد بداية

سنوات ضوئية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــ
Do the Right Thing

كل ما عَنته لي مباراة كرة القدم التي وقعت قبل ثلاثة أيام هو كم تتواءم مع الفصل النهائي من فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر«. في الحالتين مباراة كبيرة تقع يفوز بها الفريق المصري فينتشر المحتفون في الشوارع في ابتهاج شديد يرفعون الحناجر والأبواق بحب مصر و تعم تلك الفرحة التي ستهضم الممتاعب الصغيرة والكبيرة للناس ليوم او نحوه قبل أن تستمر الحياة على النحو التي تسير فيه كل يوم٠
في فيلم كاملة أبو ذكرى، تغمر السعادة حتى تلك الأرواح المنتفضة من جراء مشاكلها العاطفية والمادية والإجتماعية فالمصري يحب مصر ولا أحد يستطيع لومه على ذلك، وحين يتحقق سبب للفرح فإن هذا الحب يطفو والقلوب تشتعل بحب الوطن. طبعاً هذا الحب موجود بآلام الوطن او من دونها ولو أن المسألة تبدو، ربما لغير المصري أكثر من المصري، كما لو كان التعبير العاطفي الكبير عنه هو نوع من »فشّة خلق« وتعويض لوضع ليس بالمتاح تغييره٠
ما يتمنّاه المرء هو إنحسار العاطفة وإحلال العقل. لا أطلب كل العاطفة ولا حتى كل العقل. مثلاً، حين توفي يوسف شاهين انطلق الإعلام يكتب المقالات الإنشائية والتهم الحزن قطاعاً كبيراً من الناس ثم .. باي، باي ... حين تم اختيار بضعة أفلام مصرية في سياق الدورة الأخيرة من مهرجان فنيسيا عمّت الفرحة ثم ولّت مع النتائج. وحتى لو كانت النتيجة فوز الفيلم المصري المنافس لا أعتقد أن المسار القائم على عاطفة الفرح والحزن كانت ستتغيّر٠
هذا كلّه من دون الإكتراث بتخليد يوسف شاهين (او سواه من قبل او من بعد) ولا الإكتراث لدعم السينما المصرية بحيث لا يبدو ما حدث في فنيسيا هذا العام فلتة زمن وانتهى الأمر. لست ضد الفرح ولا حتى ضد الحزن، لكن كل شيء يجب أن ينجب شيئاً آخر أفضل منه والبحيرة الراكدة ليست جميلة. تلك المتحرّكة التي تحمل أمواجاً دافئة تجدد الحياة على البر وتغري الطيور بالتغريد والإنسان بالتواصل مع خالقه ومخلوقاته. تحرّك فيه بواعث الإستمرار والنقد وطرح الاسئلة: لم لا يكون هذا الإنتصار الرياضي دائماً؟ لم لا تنتشر السينما المصرية في كل المهرجانات؟ لم لا ينهض مهرجان القاهرة من عثراته؟ لم لا يفعل الواحد منا (كل واحد منّا) الشيء الصحيح؟ ودعونا نتصارح: معظمنا كل في بيته ووقته وشارعه وبيئته يعرف ما هو الشيء الصحيح. لكن قليلون منّا يكترثون لفعل هذا الشيء الصحيح. وصدّقوني، لا عذر لنا على الإطلاق إذا لم نفعل وهناك عشرات وبل مئات الأشياء الصحيحة التي في مقدورنا القيام بها لنساهم في تحسين العلاقات بين بعضنا البعض انتابتنا الأفراح او الأحزان. توالت علينا الإنتصارات او الهزائم. لنساهم في رأب الصدع ورفع قيمة الإنسان وايقاف الهدر في الوقت والجهد والمواهب والمال٠


 SECTION 1 |  حاليّــات
مهرجان دبي يعلن برنامج قسم »سينما عالمية«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


متروبيا لطارق  صالح 

استلمت نشرة صحافية صادرة من مكتب مهرجان دبي السينمائي الدولي وفيها إعلان عن الأفلام التي ستشترك في قسم »سينما العالم« في هذه الدورة السادسة (من 9 الى 16 ديسمبر) من المهرجان وكتبت مقالتي للمجلة الأسبوعية »سكرين انترناشنال« مستوحى من هذه المعلومات ومبتعداً عن المنحى الترويجي لها معتمداً على معلوماتي حول الأفلام الواردة٠

قسم سينما العالم هو انتخابات للأفلام النوعية التي انتجتها السينمات الغربية حول العالم وعددها هذه المرّة 20 فيلماً خمسة منها يتمحور حول الموسيقا. وكان المهرجان في سنواته السابقة عزز حب الجمهور للحفلات الموسيقية باستقدام فرق غنائية، لكنه هذا العام يتجاوز ذلك باستقدام أفلام تدور عن الموسيقا والغناء وثائقية وروائية٠
من هذه الأفلام »صُنع في هنغاريا« حول شاب عاد من الولايات المتحدة في الستينات متأثراً بالروك أند رول وهو فيلم للمجري غيرغيلي فونيو. بينما »نادي زنزبار الموسيقي« وثائقي حول الإرث الموسيقي الثري لتلك الدولة وهو من إخراج باتريس نيزان. البريطاني جوليان تمبل يقدّم وثائقياً آخر عن فرقة
Dr. Feelgood
واحدة من الفرق البريطانية الأهم في تاريخ الروك أند رول (والمزيد عنها على موقعي

فيلم الأنيماشن »متروبيا«، الذي أخرجه المصري طارق صالح جنباً الى جنب الفيلم الأميركي
Fantastic Mr. Fox
من النوع ذاته. هذا الثاني للأميركي وز أندرسن مع أصوات جورج كلوني وميريل ستريب وبيل موراي. وربما تم ضم أفلام أنيماشن إضافية في أقسام المهرجان الأخرى
السينما الأميركية ممثلة أيضاً بفيلم درو باريمور (الأول لها كمخرجة) وعنوانه
Whip it
كما بفيلم لرودريغو غارسيا بعنوان »أم وطفلة« مع أنيت بانينغ وناوومي واتس وكيري واشنطن وسامويل ل. جاكسون في البطولة. أيضاً »شقيقان« وهو فيلم لجيم شاريدان إعادة صنع لفيلم غير قديم إذ حققته الدنماركية سوزان برايير سنة 2004. النسخة الأميركية من بطولة توبي ماغواير وجايك جيلنهول ونتالي بورتمن: واحد من هذين الرجلين يذهب للحرب في أفغانستان، خبر موته يصل. يبدأ الشقيق برعاية الأسرة ثم يتزوّج من الأرملة ... هذا طبعاً قبل أن يعود الزوج حيّاً معافى. لابد أنه كان يشاهد فيلما قديماً ذي موضوع مشابه٠
بإنتظار إعلان الأفلام الرسمية في المسابقات المختلفة، هناك فيلم عن تجارة البشر في »الجندي الصغير« لأنيت أولسن وآخر عن مأساة شعب الصحراء (مستمرّة ولا أحد يسأل) بعنوان »حمادة« لمخرجته آنا بوفارول٠
م. ر

SECTION 2 | تقارير
أسبوع السينما الفلسطينية في بيروت: مفيد وجيّد وبلا جمهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة ـــــــــ

ما هتفت لغيرها للزميل محمد سويد


الخطوة مفيدة. العودة إلى زمن مضى لاستعادة تجربة، أمرٌ مرغوبٌ فيه إذا شاء المرء التنبّه إلى جذور الآنيّ، أو بعض أسبابه، أو إلى الاطّلاع عليه. نبشُ فصول من الذاكرة مسألةٌ حيوية، إذا تحرّر النبش من النصّ البكائي، بسعيه إلى معاينة حالة وتبدّلات. الخطوة مفيدة. إنها دافعٌ إلى إجراء مقارنة نقدية بين نتاج قديم وأعمال حديثة. تحريضٌ على قراءة المسار التاريخي، بأبعاده المتفرّقة، وعلى مشاهدة آلية العمل، سابقاً وراهناً. ما فعلته «وزارة الثقافة اللبنانية» عاديّ. لكنه مثير لنشوة الاقتراب من الحدّ الفاصل هل أقول القاطع) بين جماعتين مقيمتين في أرض ( واحدة، بل بين أسلوبين في التعامل مع موضوع واحد. تنظيم الوزارة أسبوعاً سينمائياً بعنوان «فلسطين والقضية الفلسطينية في السينما اللبنانية»، دعوةٌ مبطّنة (هل أقول لاواعية؟) إلى منح هذه العلاقة نَفَساً جديداً من النقاش السليم. عنوان الأسبوع نفسه لافتٌ للانتباه: لا وجود للفرد ومشاغله. القضية أهمّ. الجماعة أولوية مطلقة. حسناً. لكن، أين هي السينما اللبنانية؟ أليست المبادرة الفردية اللبنانية ركيزة دائمة للإنتاج الفيلمي؟ هذا تناقض: الفرد اللبناني صنع أفلاماً، لكن فلسطين حاضرة جماعياً، أرضاً وقضية وتاريخاً وذاكرة٠

الخطوة مفيدة. لكن المأزق كامنٌ في غياب المتلقّي. هذا نوع من الاحتفالات السينمائية لا جمهور له. هؤلاء منفضّون عن السينما. عن عناوين أساسية في الحياة اليومية. عن شؤون العيش وكيفية تحصينه وسط الانهيارات الكثيرة. لم تعد فلسطين مغرية، إلاّ لماماً. أو فقط بالنسبة إلى سياسيين يستخدمونها لمزيد من الشتم والعنصرية. هناك مؤمنون بها وبناسها، ومناضلون حقيقيون من أجلها ومن أجل شعبها. غير أن النار التهمت المحيط كلّه. الجمهور اللبناني يطلب أموراً أخرى، أو ربما لا يطلب شيئا. صالة سينما «أريسكو بالاس» فارغة. هناك عددٌ قليل من المشاهدين. لعلّه الموضوع. لعلّها الأفلام وكيفية صنعها. لعلّها الصالة وموقعها الجغرافي، إذ بدت بعيدة عن الحساسية الجماهيرية. ما سبق جميلٌ. لكن القراءة مقتصرة على أفراد قلائل مهتمّين بالفن والسينما والقضايا الثقافية. معظمهم مُدركٌ سلفاً معنى التحوّلات ومساراتها. مُدركٌ شيئاً كبيراً من الذاكرة والتفاصيل. هناك مأزق آخر: أفلام قديمة مختارة للأسبوع هذا معروضةٌ بنسخ سيئة. لم تعد النسخ «النظيفة» موجودة. هذا يطرح سؤال البحث عن القديم وترميمه. الوزارة مطالبة بعمل جدّي في هذا المجال، بالتعاون مع مؤسّسات لا تدّعي حرصاً على التراث، ولا تُرمِّم» القديم على نسخ «دي في دي» ٠

تنويعات
انتهى، يوم السبت الماضي، الأسبوع المذكور بعرض أربعة أفلام (بدءاً من السابعة والنصف مساء، وهو موعد بدء الحفلات اليومية كلّها): «براميل صبرا» لشيرين أبو شقرا و«أرض النساء» لجان شمعون» و«رسالة إلى صديق فلسطيني» لرنا عيد و«أحلام المنفى» لمي المصري. المخضرمان شمعون والمصري حاضران في التاريخ السينمائي اللبناني/ الفلسطيني. أبو شقرا وعيد مقبلتان حديثاً على صناعة الصورة في لبنان. رنا عيد اختارت العمل في مجال الصوت. باتت بارعةٌ فيه. اختصاص نادر في بلد مليء بالمشاريع السينمائية والبصرية المتفرّقة. الهمّ الفلسطيني جامعٌ بينهم جميعهم. لكن العمل الإبداعي مختلف٠
يوم الجمعة الماضي، تمكّن المهتمّون من مشاهدة أربعة أفلام أيضاً: «سفر» للميا جريج و«كل واحد وفلسطينو» لنادين نعوس و«يا سلام» لفؤاد عليوان و«ما هتفت لغيرها» لمحمد سويد. آخر هؤلاء منتم إلى جيل التسعينيات الفائتة. بدأ الباقون تقديم أعمالهم إما في نهاية القرن الماضي، وإما في الأعوام الأولى من القرن الجديد. الأمر نفسه في عروض اليوم الخميس: فيلمان لهادي زكّاك هما «ألف ليلة ويا ليالي» و«لاجئون مدى الحياة»، وثالت لنبيهة لطفي بعنوان «لأن الجذور لا تموت»٠

هذه صورة عامّة للتحوّل الفكري والثقافي والإبداعي في التعاطي مع المسائل العامّة. إن مشاهدة الأفلام تلك قادرة على منح المهتمّ، الذي لم يُشاهدها، قدرة البحث النقدي في المآل التي بلغها تحقيق الأفلام اللبنانية، الروائية والوثائقية على حدّ سواء. نبيهة لطفي مثلاً منتمية إلى جيل لبناني مشبع بالغليان الفكري والثقافي الذي عرفته بيروت قبل اندلاع حربها الأهلية، وفي بداياتها. جيل اعتبر «السينما» أداة نضال ومواجهة. جعل الأفلام منابر خطابية من أجل القضية والأفكار الكبيرة. كانت لحظة تاريخية أولت اهتماماً كبيراً للمضمون، من دون اكتراث فعلي بالشكل. الآخرون مختلفون. جاءوا السينما في زمن الصورة. لم يبرعوا جميعهم في صناعتها إبداعياً. لكنهم بدوا أقرب إلى الفن منه إلى الخطاب. شغلتهم فلسطين، شعباً وأرضاً وقضية؟
هذا صحيح. حثّتهم قضايا إنسانية عامّة على إنجاز أعمال بصرية؟ هذا صحيح أيضاً. لكن قلّة منهم تمرّدت على التقليد، ووازنت بين طرفي المعادلة الإبداعية المطلوبة (المضمون والشكل)، وأدخلت التجديد الغربي في صناعة الأفلام الوثائقية على نتاجاتها. محمد سويد أحد أبرز المخرجين الوثائقيين اللبنانيين والعرب في هذا المجال. تماماً كنبيهة لطفي، لكن في النمط الآخر. أي النمط الكلاسيكي التقليدي. المخضرمان شمعون والمصري قريبان إلى أسلوب الاشتغال الخاصّ، مع أنهما مستمران في تحقيق أفلام وثائقية لغاية اليوم. ميزة أفلامهما: اهتمامها بالفرد. شخصيات مستلّة من الواقعين اللبناني والفلسطيني. لكن المعالجة تقليدية. زكّاك ابن التسعينيات. بارعٌ في إنجاز أكاديمي متقن للأفلام الوثائقية. «ألف ليلة ويا ليالي» روائي مبتكر. استند إلى المناخ العام لـ «ألف ليلة وليلة»، مسقطاً المضمون على فلسطين. «لاجئون مدى الحياة» وثائقي يشبه الطريقة المعتمدة في صناعة أفلامه. لا ادّعاء ولا فذلكة. مواضيع إنسانية مشغولة بتقنيات عادية. لكن أفلامه انعكاس واضح لغليان إنساني من نوع آخر. إنه الغليان المشوب بالبؤس والشقاء٠
أفلام
لم يبلغ الفيلم الوثائقي «فلسطين والقضية الفلسطينية في السينما اللبنانية» مرتبة سوية، تليق بالموضوع. أنتجته «وزارة الثقافة اللبنانية» بإمكانيات متواضعة. نفّذه «نادي لكل الناس». كان يُمكن الاستفادة من الأرشيف الغني أكثر من ذلك. اعتُمد في تحقيقه على الأفلام المختارة للأسبوع المذكور، وبعض العناوين الأخرى. العنوان نفسه. عرضُه في افتتاح الأسبوع مساء الاثنين الفائت مدخلٌ جميلٌ لمن لا يعرف شيئاً عن الذاكرة السينمائية اللبنانية والمسألة الفلسطينية والعلاقة بينهما. مشكلته: اختياره النمط التقليدي العادي جداً في تقديم فصول من التاريخ السينمائي المشترك بين لبنان وفلسطين. إدخاله الشخصيّ (موقف كريستيان غازي مثلاً من غاري غارابتيان أثناء تصويرهما في وقت واحد فيلميهما فدائيون» للأول و«كلنا فدائيون» للثاني؛ صُوَر عائلية للثنائي شمعون والمصري وردت في السياق بشكل متصنّع... إلخ)٠

من "أحلام في المنفى" للمخرجة مي المصري 

مع هذا، لا بأس. الوثائقي نفسه مرآة بسيطة لواقع ملتبس ومرتبك ومُنتِج ومفتوح على الأسئلة كلّها. وزارة الثقافة لا تملك إمكانيات مالية كبيرة. لا تشارك في إنتاج الأفلام اللبنانية. لكنها أقدمت على هذه الخطوة احتفاء بـ «القدس عاصمة للثقافة العربية للعام ». «نادي لكل الناس» نشيط سينمائياً في هذه المرحلة. أصدر مؤخّراً اسطوانة مدمّجة خاصّة بفيلمي «مئة وجه ليوم واحد» (عُرض أمس الأربعاء) و«نعش الذاكرة» لغازي. أنجز فيلماً عن المخرج نفسه أيضاً. له نشاطات سابقة متعلّقة بشمعون والمصري وبرهان علوية. اختير كفر قاسم» لعلوية في افتتاح الأسبوع اللبناني الفلسطيني أيضاً. هذا مخرج ساهم بفعالية في تأسيس ما عُرف بـ «السينما اللبنانية البديلة»، « تلك التي تحدّت السيطرة الإنتاجية المسطّحة، المتأثّرة بالنمط المصري، دافعةً سينمائيين عديدين إلى جعل الكاميرا مرآة الواقع والناس وقضاياهم. كفر قاسم» مزج الوثائقي بالمتخيّل. كان أشبه بإعلان مبكر عمّا بات سائداً اليوم في الإنتاج السينمائي العام: «الوثائقي الإبداعي». اختار المجزرة« التي ارتكبها جنود إسرائيليون عمداً بحق فلسطينيي القرية المعروفة هذه (كفر قاسم) مادة لفيلم/ شهادة. تعامل مع الفلسطينيين كبشر. نزع عنهم الأرقام في لائحة الضحايا. أعاد إليهم الصورة الحقيقية للإنسان. تعامل معهم كشهداء٠
في الإطار العام، هناك مشهد مزعج: غياب شبه كامل لجمهور مفقود. مع أن الاحتفاء اللبناني بفلسطين ممتد على سنين عدّة، ومنسحبٌ على سينمائيين منتمين إلى أجيال متفرّقة. مع أن فلسطين حاضرة بقوّة في الوجدان اللبناني، سلباً وإيجاباً٠

نديم جرجورة ناقد صحيفة »السفير« اللبنانية

SECTION 3 | مقابلات

أوليفر ستون يقصد التعريف بالوجه الآخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضاـــــــــــ
في رابع المقابلات التي أجريت خلال مهرجان
فنيسيا السينمائي الماضي، يطرح محمد رُضا
اسئلة حول اتجاهات أوليڤر ستون السياسيـة
وعما إذا كان هذا المخرج يعمل على كل الجبهات٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يجلس أوليڤر ستون بين المخرجين مايكل مور وانطوان فوكوا والثلاثة يتحدّثون في موضوع لا ينبغي سماعه. على الأقل ليست تلك الفقرة من الحديث التي بدأت بـ "لا يمكن اعتبار السينما مسؤولة عن السياسة، نحن .." وخفت صوت ستون وهو يقول لصاحبيه٠
كل هذا قبل أن يتدخّل آخرون، وأنا بينهم، لإحساسهم بأنهم في مكان عام
قابلت المخرج المعروف ثلاث مرّات الى الآن. المرّة الأولى في فندق فور سيزنز في لوس أنجيليس بعد إنجازه فيلمه الكوارثي »الإسكندر« سنة 2004. الثانية حين تمّت استضافته لمهرجان دبي السينمائي حيث كنت أرأس المسابقة وهذه المرّة عبارة عن »هالو ... هاو آر يو؟« مرّتين وفي الثالثة حاولت إرشاده الى أين يتّجه لكي يصعد المسرح في الحفلة الختامية ثم كيف يخرج، لكنه بدا غير مستوعب ولو أنه نفّذ التعليمات على نحو صحيح. الثالثة هي هذه المرّة في أعقاب عرض فيلمه الأخير »جنوب الحدود«. لم أكن شاهدت الفيلم بعد لذلك وَجُب الحذر. ووجب الحذر أكثر لأنه عُرِف عنه سرعة دفاعه عن نفسه، ربما لكثرة الإتهامات التي وُجّهت إليه سابقاً٠
مرّة هو يُشيع لنظريات المؤامرة. مرّة هو يحقق أفلاماً تبدو كهلوسات فنية. مرّة أخرى هو من اليسار المعادي لأميركا ومرّة أخرى هو متذبذب في موقفه. يبدو عليه أنه يريد أن ينتقد لكنه لا يفعل. أين هو من أوليڤر ستون الثمانينات؟ سأله أحد النقاد ذات مرّة٠

وُلد أوليڤر ستون قبل 63 سنة في مدينة نيويورك ورحل الى فييتنام حيث حضر بعض مواقع الحرب لكنه أمضى معظم الوقت مدرّساً في موقع آمن نسبياً. حين ترك الخدمة وعاد الى نيويورك دخل مدرسة للسينما. في العام 1974 كتب وأنجز فيلم رعب بعنوان »نوبة« وبعد أربع سنوات كتب »مدنايت أكسبرس« الذي أخرجه البريطاني ألان باركر والذي أثار غضب الأتراك والعديد من المسلمين كونه صوّر الأميركي الذي هرّب المخدّرات هو الضحية ووصف السجّانين بالإنصاف كما القمع والوحشية٠
كتب أيضاً »كونان البربري« لجون ميليوس (1982) الذي وُصِف حينها باليميني كونه اعتد بالقوّة الإسكندنافية البيضاء على ما عداها، ثم كتب »الوجه ذو العلامة« او
Scarface
الذي أخرجه برايان دي بالما سنة 1983 وهذا لم يخل من منتقدين كونه أظهر العصابة العاتية ورئيسها الشرير (آل باتشينو) لاتينيين، ثم وضع سيناريو »ثمانمائة طريقة للموت« آخر أفلام المخرج الرائع هال آشبي وذلك سنة 1986
في هذه الأثناء كان انتقل الى الإخراج فأنجز فيلم رعب آخر بعنوان »اليد« (1981) ثم عاد للوقوف وراء الكاميرا بمواضيع أكثر أهمية كما الحال في »السلفادور« (1986) الذي كان بداية أعماله المتوغّلة في السياسة. بعد »فيلق« (1987) عن ذكرياته في الحرب الفييتنامية، ثم فيلمه المعادي لوول ستريت (وتحت ذات الإسم) سنة 1988 وتبعه بفيلم عن العنصرية في
Talk Radio
سنة 1988 أيضا قبل أن يخط لنفسه وسينماه منحى أكبر مع
Born on the Fourth of July
سنة 1989 عن مصير المجنّدين الذين عادوا معاقين من الحرب الفييتنامية وموقف الإدارة الأميركية اللاهي لمصابهم٠ وفيلميه عن »جون ف. كندي« (1991) و»نيكسون« (1995) كانا من ذات الهوية بالإضافة الى ما عكساه من توسيع إطار الإتهامات في اغتيال الأول ومؤامرات الثاني بحيث تنادى النقاد الغربيون على تسميته بمخرج نظريات المؤامرة
خلال ذلك مر في فترة هلوسة فنية شملت »مولودون قتلة طبيعياً و»استدارة كاملة« ولو أنه قبل ذلك خاص غمار الروك اند رول بفيلمه عن فرقة »ذ دورز« ورئيس الفرقة جيم موريسون كما أدّاه فال كيلمر. هذا الفيلم، كما »نيكسون« و»جون ف. كندي« من بين الأفلام التي تعاطت مع شخصيات واقعية. كذلك أفلامه الوثائقية الثلاثة: واحد عن الراحل ياسر عرفات بعنوان »شخصية غير مرغوبة« (2003) وواحد عن فيدل كاسترو بعنوان »البحث عن فيدل« (2004) والأخير عن الزعيم الفنزويللي أوغو شافيز بعنوان »جنوب الحدود« هذا العام٠
وفي طيّات هذه الأعمال عاد للتنوّع: »أي يوم أحد« رياضي، »الإسكندر« تاريخي، » مبنى التجارة الدولي« عن كارثة 2001 ليعود الى الحياة الشخصية في فيلم روائي في فيلم
W.
الذي تمحور حول الرئيس السابق جورج و. بوش٠
حالياً هو مشغول في تصوير الجزء الثاني من »وول ستريت« تحت عنوان: "المال لا ينام« الذي يُنتظر له أن يعالج العلاقة بين المؤسسات المالية الكبرى والوضع الذي آل إليه الإقتصاد الأميركي بسببها٠

شخصيات سياسية
ما هو المقصود من تحقيق أفلام وثائقية عن زعماء لا يلتقون -
والسياسة الأميركية الخارجية؟
ستون: نعم. كل واحد من الحالات الثلاثة له علاقة، او كانت له علاقة، صعبة مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن الغاية أعتقد أنها واحدة: تعريف الآخر الى الأميركي وتقديم وجهة نظره ليستمع إليها وإذا أحب يتّفق معها او يحتفظ بموقفه منها٠


South of Border

تترك القرار للمشاهد الأميركي٠ -
ستون: صحيح. لكن ليس للأميركي وحده. لكل من يشاهد الفيلم، لكن للأميركي أوّلاً. صحيح. المشكلة في بلادنا أن الإعلام يتبع السياسة حتى حين يعارضها في بعض الأحيان. لا أعتقد أن المحطات التلفزيونية الرئيسية تولي الإهتمام الكافي لتقديم وجهات النظر الأخري. أنا أفعل وبتمويل من بعض المحطّات الفضائية الأميركية أحياناً ولجمهور يريد أن يعرف الحقائق او على الأقل وجهات النظر الأخرى ليقيّمها وله أن يرفض او يقبل بها٠

هذا الفيلم وُصف بأنه أكثر أفلامك احتفاءاً بالآخر. هناك -
الكثير من المدح بشخصية وسياسة أوغو شافيز
ستون: لا أعتقد أن غايتي من الفيلم هي احتفائية. بالتأكيد أوغو شافيز لا يحتاجني لكي يحتفي. فيلمي هو رحلة في سبر غور الرجل وكيف ينظر اليه آخرون في الولايات المتحدة كما في أركان أخرى من أميركا اللاتينية وهو دعوة لفهم أفضل للدول الجارة جنوباً لنا٠

وهو ما يبدو في حسبان الرئيس باراك أوباما٠ -
ستون: صحيح

هل ستحقق فيلما عن أوباما كما حققت أفلاماً عن -
كندي ونيكسون وبوش؟
ستون: هذا وارد لكن ليس الآن. لا أستطيع الجزم بأني سأفعل او لا. كل فيلم من هذه الأفلام الشخصية، الوثائقية او الروائية، كان نتيجة ظروفه ولم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق. تريد أن تلتزم بالحقيقة في الوقت الذي لديك فيه اسئلة مهمّة تريد طرحها، ما يجعل طلب الحقيقة أصعب منالاً٠

وإنتاجياً؟ هل كان ايجاد التمويل لهذه الأفلام سهلاً؟ -
ستون: سهلاً بحدود وبتفاوت. لا تنسى أن نجاح »جون ف. كندي« مهّد لفيلم »نيكسون« ونجاح هذا مهّد لأفلامي الأخرى٠

من فييتنام الى العراق
شاهدت »شخصية غير مرغوبة« حول ياسر عرفات وفي -
بدايته تدخل مجلسه الذي يضم عدداً كبيراً من المستشارين
والزائرين. هل شعرت أنك استقبلت بتقدير خاص؟
ستون: (ضاحكا): في البداية فوجئت بأن الزيارة ليست خاصّة، لكن لاحقاً ما تحدّثنا وسنحت له الفرصة لكي يعرفني أكثر. لا أعتقد أن التقديم كان وافياً على كل حال٠

هذه كانت أول مرّة تزور فيها فلسطين. أليس كذلك؟ -
ستون: نعم. لكني لم أكن غريباً عن الوضع بصورة إجمالية٠

إلى ماذا يعود اهتمامك بالسياسة؟ هل يمكن أن نجد اشتراكك -
في حرب فييتنام سبباً لذلك؟
ستون: هذا محتمل. تعود من حرب كهذه وفي رأسك اسئلة حول أسبابها ودعواها ولماذا بدأت وكيف انتهت. وماذنب الذين سقطوا قتلى من الأبرياء كما من الجنود٠


ستون مع ڤال كيلمر خلال تصوير: ذ دورز 

في هذا الصدد، يترك »مولود في الرابع من يوليو« تأثيراً -
عميقاً كونه يبحث في هذا الوضع، لكن »فيلق« يبدو أكثر
اهتماماً بما كان يحدث هناك٠
ستون: كلاهما صورة مختلفة لحرب واحدة. وكل منهما يسير في خط معاكس عن الآخر. »مولود« عن خلفية محارب عاد من فييتنام، هو الآن في وطنه بعدما أصيب برصاصة في ظهرة أقعدته ولم يكن مضى على وجوده في فييتنام سوى فترة قصيرة. »فيلق« هم جنود في رحى الحرب ذاتها والوطن بعيد لكنهم في الحقيقة يحاربون على جبهتين واحدة مع العدو وواحدة بين أنفسهم٠

لماذا في رأيك نجحت معظم الأفلام التي تم تحقيقها عن حرب -
فييتنام ولم تنجح معظم الأفلام التي دارت عن حرب العراق؟
ستون: سؤال صعب في الواقع لكن الظروف تختلف من حيث أن البلاد خلال الحرب الفييتنامية كانت منقسمة على نفسها منذ البداية. فريق محافظ مع وفريق معظمه من الشباب ضد. الحرب في العراق تمّت بعد عدوان على الولايات المتحدة ومعظم الناس أحسّوا أنهم مستهدفون لذلك ربما طلبوا أفلاماً تؤيد تلك الحرب أكثر مما أرادوا مشاهدة أفلام تنتقدها ومعظم الأفلام التي خرجت عن الحرب العراقية كانت انتقادية٠

أيضاً هناك التلفزيون. اليوم ينقل لك ما يقع في كل الأوقات -
بينما خلال الستينات كانت الأخبار تصل متأخرة
ستون: هذا ربما يكون سبباً جوهرياً حين البحث في صياغة الرأي العام ومحاولة حشد الموقف المؤيد للحرب٠ أعتقد٠

أكثر ليونة؟
كيف تفسّر فيلمك عن بوش؟ الكثيرون توقّعوا عملاً انتقادياً -
للرئيس الذي لم يتمتّع خصوصاً مع نهاية ولايته الثانية بأي دعم
شعبي حقيقي، لكن الفيلم كان ... هل أستطيع أن أقول مهادناً؟
ستون: سمعت هذا الرأي من قبل وردّي هو أنني في الأصل لم أجد من الدوافع ما يجعلني أدخل في سجال حول حقبة بوش في الحكم لأنه حين بدأنا الإعداد للعمل، وبل حين بوشر بعرض الفيلم، كان بوش لا يزال رئيساً لأميركا. أردت الإبتعاد عن صيد سهل والحديث عن خلفيّته وشخصيته٠

هل توافق على أن هذا الإختيار لم يكن ما طلبه العديدون منك؟ -
ستون: نعم أوافق لكن الفيلم هو ما يريد المخرج تقديمه. حين أخرجت فيلميّ السابقين عن نيكسون وكندي كان هناك من لم يرغب في أن أطرح ما طرحته لكني فعلت. المسألة هي نسبية في حد ذاتها لأن هناك آخرون وافقوا على اختياراتي وعلى الرأي الذي بثثته٠

لكن هل أنت أكثر ليونة اليوم مما كنت عليه؟
ستون: (يضحك): هذا عليك أنت أن تعتقده او لا. أنا أجد أنني لم أتغيّر. ربما تطوّر عندي أسلوب التقديم. ربما أصبحت أكثر رغبة في أن أحيط بالشخصية المواجهة لي. في الثمانينات، وأنت تبدو لي على علم بذلك، كانوا يطلقون عليّ لقب مخرج نظرية المؤامرة. اليوم لديهم أوصافاً أخرى٠

ستبدأ قريباً إخراج فيلم يعتبر الجزء الثاني من »وول -
ستريت«. حينها هاجمت الجشع الذي في هذا البزنس
وهذا قبل سنوات ضوئية من الحالة الإقتصادية التــي
وقعت هذا العام. عما سيتحدّث الجزء الجديد؟
ستون: النتائج التي حصدناها بسبب جشع ذلك القطاع من الأعمال الإقتصادية هي التي -كما قلت- تمثّلت فيما حدث هذا العام. أعتقد أن البذرة كانت موجودة وهناك من زرعها وسقاها فنبتت الى حيث أثمرت عن الحال الذي وصلنا اليه. في الفيلم الجديد سأواصل البحث في هذا الصدد. في مفهوم أن »الجشع جيّد« للبعض وسيء لمعظم الناس

في أي مرحلة من العمل هو الآن؟ -
ستون: سأبدأ التصوير خلال أسابيع. عليّ أن أنجز بعض التعديلات الطفيفة على السيناريو وأقوم بذلك الآن بالفعل٠

نُشرت في »الشرق الأوسط« بتاريخ 13/11/09



SECTION 4 | نافذة خلفية
المهنة: رجل لا مستقبل له
سينما التحرّي الخاص على الشاشة | مجرد تمهيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـاـــــــــــ



أحب المشهد الذي يقف فيه روبرت ميتشوم عند النافذة ناظراً الى المدينة خارج الغرفة الصغيرة التي يعيش فيها. يقف هناك ناظراً الى حياة تبدو خارج حياته ويعترف إنه تَعِب: "أنا تعب. ربما لأن هذه القضية أتعبتني، ربما لأن هذا العالم بات متعباً، او ببساطة ربما لأني تقدّمت في العمر"٠
هذا المشهد ورد في فيلم دِك رتشاردس
Farewell, My Lovely
سنة 1970. رتشاردس كان مدير تصوير في الأصل وهو حقق حفنة أفلام إثنين منهما من مستوى قل إنجازه اليوم. »وداعا، يا حبّي« أحدهما. الثاني وسترن بعنوان
Culpepper Cattle Company

روبرت ميتشوم كان ممثلاً عادي المزايا في مطلع سنوات مهنته (الثلاثينات) أزداد نضجاً في الأربعينات والخمسينات وصار كالخمر المعتّق في السبعينات. من أفضل ممثلي الشاشة كونه لم يكترث لأن يلعب شخصية لا يرى أنه بحاجة إليها او لا يجد فيها نفسه. لذلك ابتعد، غالباً، عن التنوّع وركّز على أفلام الوسترن والفيلم نوار والبوليسي. بالنسبة لدوره في »وداعا، يا حبي« لم يكن أحد أفضل، بل كان أفضل من لعب شخصية التحري فيليب مارلو كما كتبها الروائي البارع رايموند تشاندلر٠

التاريخ مختلط والأفضل الحفاظ عليه على هذا الشكل٠
انطلقت روايات التحري الخاص في مجلات البالب فيكشن (سٌميت كذلك كونها مطبوعة على ورق خشن وتباع بأسعار شعبية جدّاً) وعززها داشيل هاميت فنقلها الى حيّز الكتابة الجادّة ثم جاء تشاندلر فخلق منها أدباً٠
مختلط التاريخ أيضاً من حيث أنها تُعرف بسينما الشخصيات الصعبة، وبالإنكليزية
Hard Boiled
كما بأفلام التحري الخاص، وقسم كبير منها تنتمي الى أسلوب الفيلم نوار، ودائماً ما ستجد البطل وحيداً يجابه كل الناس وكل المجتمع وكل نفسه. المشكلة أن لا أحد يحبّه. حتى نفسه٠

من أين أبدأ؟
لم أعاصر البدايات ولا حتى الفترة الثرية في الخمسينات. لم أتعرّف على المدن الحبلى بالإحتمالات. لم التق بنساء كاللواتي تترصّع بها تلك القصص. لم أمسك مسدّساً ولم أرتدي قبّعة. وحين تدثّرت بالمعطف الواقي من المطر ومشيت في لندن أوّل مرّة كان خيالي سبقني ومن بين حي سوهو ومستديرة البيكاديللي كنت ألّفت قصّة أنا فيها البطل. لو لا الناس لمثّلتها على الطريق. لتحدّثت لنفسي. لخرجت من هذه الدنيا ودلفت الى السينما من داخلها٠
لم أعش. لم أعاصر. لم ألتق. لم أمسك. لم أرتدي. لكني قرأت الكتب وشاهدت الأفلام. الى اليوم أعتقد أنه لو كان لديّ خيار لكنت شخصية من تلك الشخصيات الهارد بويلد دتكتيڤز. لم أكون أي شيء آخر؟
في العشرينات انطلقت في شكل البالب فيكشن كما ذكرت. في الثلاثينات كانت من أكثر أنواع القصص إنتشاراً. في ذلك الحين أدرك الناس ما يعنيه المؤلف بتلك الشخصية. إنه رجل يخدم القانون من خارجه. تتم الإستعانة به لأن القانون لا يمكن استئجاره، وأحياناً لا ينصف. هذا يريده ان يبحث عن إمرأته، وتلك عن زوجها. وأخرى تخشى أن هناك من يريد أن يقتلها، ورجل يريده أن يكشف له عما إذا كانت زوجته تخونه. هذه القضية تضعه ضد رجال البوليس، وتلك ضد العصابة، والثالثة ضد قاتل لا يرحم ودائماً تضعه ضد نفسه. ولا أحد يشكره. لقد استأجروه. لماذا يشكرونه؟

إنه مثل بيضة مسلوقة أكثر مما يجب. تصبح عسيرة الهضم. شخص لا مستقبل حيث هو ذاهب، وماضيه يضيع كلما عاش يوماً آخر. إبن الشارع وشغبه ولا أخلاقيّاته. يجد نفسه مواجهاً لرجال خشنين ونساء خادعات ويواجه رجال بوليس فاسدين. فقير مثل تلك الأحياء. أرعن مثل تلك السيارات. يعيش حياة خشنة. يُضرب ويُحقن ثم يُضرب ثانية. حين يريدون تسديد معروف له يطلقون عليه النار ليقتلوه. لكن كل ذلك يزيده عناداً وخشونة٠
في البداية كانت تلك القصص قائمة على تطوير معيّن لأبطال وأشرار الغرب الأميركي. المبدأ نفسه بالنسبة لكيفية حل المواجهة بين الخير والشر: على الأول قتل الثاني لأن الثاني لن يمهل الأول إذا ما استطاع إليه سبيلاً. انتشار الجريمة في العشرينات سبب آخر لانتشار هذه الروايات. متنفّس خيالي يتم فيه تحقيق البطولة. القاريء يصير بطلاً بما أن رجل البوليس الحقيقي إما عاجز وإما مشترك في الفساد٠


لكن لاحقاً ما تم تهذيب كل هذه المسائل من الشوائب المتطايرة. المؤلّف داشل هاميت ابتدع شخصية سام سبايد وكارول جون دايلي قدّم رايس وليامز. رايموند تشاندلر ابتدع فيليب مارلو، وتوالى الكتّاب بعد ذلك وتوالى أبطالهم. التالي لائحة ببعض المؤلّفين الأميركيين في هذا المجال من الذين تم نقل شخصياتهم الى الشاشة. تبدأ بإسم الكاتب وتليه إسم الشخصية التي ابتدعها

Raymond Chandler: Philip Marlowe
John D. MacDonald: Travis McGee
Ross Macdonald: Lew Archer
Brett Haliday: Michael Shayne
Dashiell Hammett: Sam Spade
Ellery Queen: Ellery Queen
Micky Spillane: Mike Hammer
Rex Stout: Nero Wolfe

موقع ويكيبيديا (الإنكليزي على الأقل) يذكر أن البذرة الأولى كانت عربية (كما كانت بذرة السينما على يدي إبن الهيثم لكن ذلك موضوع آخر) وهي موجودة في كتاب »ألف ليلة وليلة« من خلال قصّة عنوانها »التفاحات الثلاث«. وبالفعل هناك قصّة بهذا الإسم وتحتوي على فعل التحرّي حين يطلب الخليفة هارون الرشيد من وزيره جعفر معرفة جثّة من هي تلك التي وجدها الخليفة في الصندوق المهدى إليه. لقد حدث أني الآن في الليلة السابعة والستون من حكايات الف ليلة وليلة و»قصّة التفاحات الثلاث« تبدأ من الليلة السبعين. قريباً سأرى. لكن حتى ولو كانت القصّة بوليسية فهي بالطبع تختلف. روايات ألف ليلة وليلة إعجاز أدبي بكل المقاييس ومنعها حضيض حضاري بكل المقاييس أيضاً- لكن ما يهتف له قلبي هو ذلك التحري كما وصفته. الذي هو أنا الذي لم يحدث٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Nov 11, 2009

التحرير: رائعة يوري أوزيروف | كرستيان غازي: المهنة سينمائي مضطهد | فيلم ضخم جديد عن الإسلام | ألمادوفار وبينيلوبي كروز: تكامل | السينما المغربية الصامتة: هل كانت استعمارية؟



Year 3 | Issue 469
Section 1 | حاليّات

سنوات ضوئية | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مما هو مفقود

المسألة ليس أن هذا الناقد في منتصف الطريق بين الخمسين والستين من عمره، بل المسألة لا علاقة لها بالعمر على الإطلاق. كل ما في الأمر أن هناك الكثير من الأشياء الجيّدة والجميلة والمفيدة والمبتسمة.... لكن معظمها في الماضي
العادات السينمائية تغيّرت. في السابق مثلاً كنت تترقّب في الأفلام الأميركية كلها البدء بكتابة عنوان الفيلم والعاملين الأساسيين إما على لقطة ثابتة او على مشاهد مصوّرة ومتحركة. الآن قد تختار شركة الإنتاج البدء بلا عناوين على الإطلاق- لماذا؟ لأنها تتوسّم أن ذلك أسرع جذباً للمشاهدين
في السينما العربية، كان المتداول ذلك الصوت الرخيم الذي يقدّم الأحداث والمشاهد في المقدّمات الدعائية عن الأفلام. صوته الجهوري كان يحرّك العديد من المشاعر. كان هناك شيئاً موجّهاً من الفيلم اليك عبر ذلك الصوت الذي يصدح قائلاً: "أفلام حلمي رفلة تقدّم الفيلم الرائع" وتدرك أنت أنها الدعاية، لكن الصوت يتجاوز ذلك الإدراك لأنه لن يتوقّف هنا بل يمضي ليقول: "ماذا يصنع الحبيبان إذا ما كان القدر تدخّل للفصل بينهما؟" ويلي ذلك بضع مشاهد عاصفة قبل أن يُضيف: " ولكن من المسؤول؟ " ويكمل ليذكر عنوان الفيلم ويضيف: "الدراما الإجتماعية العاطفية التي تضافرت جهود مجموعة كبيرة من الفنانين على إنجازها: عماد حمدي، شادية، شكري سرحان، أحمد رمزي، رقية ابراهيم، عبد المنعم إبراهيم وشرير الشاشة الموهوب محمود المليجي"٠
الآن يدقّون لك الموسيقا ويغنّون لك ويقدمون المشاهد ويتحدّثون اليك باللهجة المحكية -إذا ما فعلوا- ولا شيء يعلق في البال٠
أفلام اليوم من نوع »هشّك بشّك« ولا أحد يريد أن يقتنع أن هذا هو إنحدار يتساوى ويتلازم مع إنحدارات أخرى تنتشر من الكتابة الى التمثيل الى الإخراج الى الإنتاج الى كل ما له علاقة بالصوت والصورة
نعم المسألة ليست أن بعضنا عاصر زمناً ذهبياً مضى، والبعض الآخر لم. المسألة هي أن من عاصر تلك الفترة مُبعد، قبل الأوان، عن العمل ومنح السينما اليوم بعض عناصرها الجيّدة. لم يكن صدفة أنها كانت أفضل مما هي عليه الآن، ولم يكن بالصدفة أن الجمهور كان بأضعاف أعداد الجمهور اليوم، كذلك لم تكن صدفة ان الأفلام كانت مدروسة وقاعات السينما كانت قصوراً. لو رجع أهل السينما الى الأمس لوجدوه قابلاً للتطبيق مرّة أخرى٠

تقارير

فيلم ضخم عن الإسلام والرسول
هل يتغلّب الإنتاج على المصاعب المتوقّعة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الرسالة: مصطفى العقّاد
--------------------------
في اليوم الأخير من مهرجان الدوحة السينمائي الأول الذي انتهى في الأول من هذا الشهر، قامت شركة قطرية بإسم »النور« بالإعلان عن قرارها إنتاج فيلم اسلامي ضخم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلّم بميزانية 150 مليون دولار
والإعلان جاء في مؤتمر صحافي تم حشد مجموعة كبيرة من الإعلاميين والسينمائيين وضيوف المهرجان إليه وترأسه مدير عام الشركة أحمد الهاشمي وضمّ فضيلة شيخ الأزهر يوسف القرضاوي والمنتج الأميركي باري أوسبورن
والفكرة بسيطة ولو أن تنفيذها لن يكون كذلك
فالشركة تسعى لتقديم عمل اسلامي كبير لائق بالشخصية وبالمناسبة وبالدين الإسلامي ولديها أكثر من حافز على ذلك، من حاجة العالم الى فيلم يُظهر حقيقة الإسلام الى الرغبة في تقديم حياة وجهاد النبي محمد، الى اعتبار أن هذا الفيلم هو فاتحة أعمال ومشاريع سينمائية كثيرة لاحقة على المستويين العربي والعالمي٠
والفكرة الى الآن هي البدء بتعيين المنتج الصحيح لهذا المشروع وقد تم اختيار المنتج الأميركي باري أسبورن الذي لديه خبرة كمّية ونوعية مشهود لها، فمن بين أعماله النوعية »العرّاب 2« و»سفر الرؤيا ... الآن«، ومن تلك الجماهيرية ذات القيمة الفنية أيضاً »ماتريكس« و(على الأخص) »سيد الخواتم«٠
وحين سأله هذا الناقد عن معلوماته حول الموضوع الذي سينهمك فيه قال له أنه إلى حين قريب لم يكن يعلم شيئاً بإستثناء ما تورده وكالات الأنباء. مضيفاً: "أعتبر هذه المناسبة فرصة كبيرة للتعمّق في الدين الإسلامي ومعرفة ما يقترحه على العالم من رسالات. وأعتقد أن الوقت ملائم جدّاً الآن لأن الملايين لا تزال تستقي معلوماتها من الأخبار وهي كما تعلم ليست ما يجب أن يبني عليه المرء معلوماته"٠

وكان المنتج شاهد فيلم »الرسالة« للراحل مصطفى العقّاد ما جاز السؤال عنه: "أعتقد أنه فيلم نجح في محاولته الصعبة تقديم حياة محمد من دون القدرة على تصويره. وأنا لا أعرف أن هناك وسائل كثيرة لتقديم مثل هذا العمل مع المحافظة على مبدأ عدم ظهور النبي على الشاشة. لذلك، وفي هذا الإطار فإن المخرج نجح في عمله. لكن علينا نحن الآن أن نفكّر في وسائل جديدة تتيح لنا تحقيق فيلم ناجح كرسالة وناجح كدراما، من دون التفريط في المباديء"٠
بالتالي، يستنتج المرء سريعاً، كنه الصعوبة الكامنة في مثل هذا العمل. مشكلة فيلم »الرسالة« كانت درامية. لقد التزم بالأعراف وتحاشى إظهار النبي والخلفاء المسلمين وكبار الصحابة لكن على حساب السياق الدرامي نفسه لأنه حين تحرر من هذه القيود وحقق بعد ذلك »عمر المختار« (او »أسد الصحراء« كما عنوانه الآخر) برهن عن تلك القدرات الدرامية وصنع عملاً جيّداً في شتّى نواحيه٠

ومع أن الشيخ القرضاوي أكد ترحيبه متفهّماً الحاجة الماسّة لفيلم يعيد تقديم رسالة النبي محمّداً صلى الله عليه وسلّم، إلا أنه، وجواباً على سؤال وجهه له هذا الناقد، اعترف بأنه جهاتاً إسلامية أخرى قد لا ترى رأيه. قال: "الحاجة الى هذا الفيلم ماسّة لأن على العالم بأسره أن يعرف الإسلام على حقيقته وأفضل وسيلة للتعريف هي الفيلم لما له من تأثير وشيوع حول العالم" ثم قال: "نعم. هناك جهات قد تعارض الفكرة وبل أن هناك من الأطراف الإسلامية من يرى أن التمثيل أساساً حرام لأنه كذب، لكني أعتقد أن هذا المنظور غير صحيح وأن علينا أن نستخدم أدوات العصر لنشر الإسلام لأن الإسلام هو السلام والسلام أجدى من التقوقع والحرب"٠

المدير العام للشركة، أحمد الهاشمي، على علم بالرحلة الطويلة التي سيخوضها هذا الفيلم من الكتابة الى العرض على الشاشات العالمية، وحين سئل لماذا لا يتوجّه الفيلم الى السوق العربية أجاب بما يدل على إيمانه بما يحاول إنجازه مذكّراً السائل أن السوق العربية لا تكفي مطلقاً لجلب إيرادات جيّدة، ناهيك عن الأرباح ذاتها: "لذلك يجب الإعتماد على السوق العالمية لمثل هذا الإنتاج. كما أننا نريد أن نتوجّه بهذه الرسالة الى العالم. المسلمون والعرب يعرفونها لكن العالم هو من بحاجة إليها"٠

م .ر

 عبر الشاشة
تعاون ألمادوڤار وبينيلوبي كروز تحت المجهر


كلاهما يكمل الآخر؟
---------------------

على الرغم من اشتراك المخرج الأسباني بدرو ألمادوڤار في أكثر من دورة من دورات مهرجان كان السينمائي المعروف، الا أن لجان التحكيم المتعاقبة ضنّت عليه بجائزة ذهبية الى اليوم. ففي السنوات العشر الأخيرة عرض على تلك الشاشة ثلاثة أفلام أوّلها »كل شيء عن أمّي« (1999) الذي نال عنه جائزة أفضل مخرج، و»فولفر« (2006) الذي حصد عنه جائزة أفضل سيناريو، وثالثها فيلمه الأخير، والرابع مع الممثلة بينلوبي كروز وهو »عناقات مكسورة« (2009) الذي خرج من دون أي جائزة على الإطلاق٠
لكن، وفي كل مرّة، يطبع ألمادوڤار إثر العرض ذكرى خاصّة للمشاهد بصرف النظر عما إذا كان استبعاد الفيلم عن السعفة الذهبية كان صائباً اومحقّاً أم لا
لجانب أن »عناقات مكسورة« يحمل النَفَس الميلودرامي العاطفي الخاص الذي يميّز أعماله مانحاً كلمة الميلودراما بُعداً جديداً لها، فإن العمل على الفيلم كان صعباً على الممثلة كروز وهي التي تقول اليوم أنه الفيلم الذي بكيت بين لقطاته (خلال التصوير) أكثر من سواه. ويمكن معرفة السبب حين مشاهدة الفيلم الذي يتحدّث عن متاعب ممثلة (كروز نفسها) مع الحياة الأخرى التي تتقمّصها على الشاشة وتلك التي تحاول تحقيقها في الحياة. فجأة هي إمرأة ضائعة بين الهويّات كما بين العواطف، فمن ناحية تعيش مع شخص وتقع في حب رجل آخر٠
إنه فيلم حزين، بل ربما أكثر أفلام ألمادوڤار حزناً. ليس أنه في السابق كان يصنع الكوميديا ويؤلّف الضحك، لكن في أحيان كثيرة كان الضحك الممتزج بالهم الشخصي يتسلل الى المشاهد لغاية هنا او هناك. هذه المرّة الفيلم خامة من المشاعر التي تربط بطلته الى واقع مفقود. ماض تحاول أن تنساه وحاضر يبدو مبهماً لا وجه له٠


Volver  من
----------------
بالنسبة الى بينيلوبي كروز، فإن مشاعرها الخاصّة خلال التصوير ربما كانت مفهومة، فالفيلم يتحدّث عنها ولو من دون أن يكون مبنياً عليها. هذا يأتي موازياً ومنسجماً مع العلاقة الخاصّة التي تربط المخرج بالممثلة المعروفة. ليست علاقة حب جسدي (المخرج  مثلي) لكنها علاقة حب عاطفي نابع من تقدير متبادل ومثمر عن أعمال عادت على بينيلوبي دائماً بالتقدير و-أحياناً- بالجوائز٠
في العام 1997 ظهرت في مطلع فيلم لألمادوڤار عنوانه »لحم حي«. ظهورها لم يتجاوز الدقائق العشر الأولى من الفيلم لاعبة دور إمرأة متعة تضع في حافلة عامّة في مدينة مدريد
اللقاء الثاني ورد سنة 1999 عندما لعبت بطولة »كل شيء عن أمّي« الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي . هذا قبل أن تلتقي بالمخرج من جديد قبل ثلاثة أعوام مؤدية دور إمرأة قويّة تواجه بضع معضلات من بينها قيام إبنتها بقتل زوجها بعدما حاول التحرّش بها. الفيلم كان »فولفر وهو وجد إعجاباً كبيراً بين نقاد دورة 2006 في مهرجان كان لم ينتقل فعلياً الى النتائج النهائية٠
بينيلوبي كروز في الخامسة والثلاثين من عمرها (ألمادوڤار في الستين) ولقاؤها الأول معه تم حين كانت في السابعة عشر، بذلك يمكن -والى حد بعيد- القول أنه كان من بين من صاغ لها معالم شخصيّتها السينمائية التي لا زالت تظهر بها الى اليوم٠
نتيجة هذا التعاون بالنسبة إليها جائزة واحدة من كان (كأفضل ممثلة عن دورها في »فولفر«) وأخرى من مؤسسة الفيلم الأوروبي عن ذات الفيلم . أما باقي جوائزها فكانت عن أفلام أخرى ومن بينها أوسكار أفضل ممثلة مساندة عن دورها في فيلم وودي ألن ما قبل الأخير »فيكي كرستينا برشلونة«٠
وعلى صعيد عالمي، يحتفظ كل منهما بناصيته من الشهرة. هو معروف كمخرج أسباني (وقد رفض العمل في هوليوود مدركاً سطوتها على المخرجين وقراراتهم) وهي معروفة كممثلة انتقلت ما بين أسبانيا وهوليوود وعدد آخر من مراكز الإنتاج في العالم. طبعاً مساحة شهرتها أوسع كونها نجمة، لكن لقائهما معاً دائماً ما يبدو بمثابة العودة الى الجذور٠

Section 2 | شخصيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كرستيان غازي: مهنته سينمائي مضطهد | هوڤيك حبشيان


كرستيان غازي (اليمين) مع المخرج جان شمعون
    -------------------------------------------
القلق كان ولا يزال هو الشيء الذي يهجس به كريستيان غازي ويحضّ عليه محرّكاً وحافزاً. لا أعرف ما اذا كان لفنان أو لسينمائي أن يصمد هذا الصمود كله، لو تعرّض لربع ما تعرّض له غازي خلال سنوات حياته المأسوية، إن على المستوى الشخصي أو المهني. باستثناء فيلم واحد ، فأفلامه لاقت 1969هو "مئة وجه ليوم واحد" مصيراً استثنائياً غير مسبوق: الحرق. لم يحصل الحرق بقذيفة طائشة بل كان مقصوداً ومخطَّطاً له على يد السلطة والميليشيات التي كانت تضع في مرصادها كل من يملك رأياً مخالفاً لرأيها فيلماً، 45ومعتقداتها. غازي يقول انه صنع طوال مساره ما يقارب الـ ولا يملك اجازة لعرض أيٍّ من هذه الأفلام.
احد فصول الصدام الاول كان عندما ألقى غازي نظرة مختلفة على الواقع اللبناني، بعيداً من النظام الترويجي البدائي الذي كانت الدولة تسعى خلفه من خلال "تلفزيون لبنان والمشرق" لجذب السياح الى بلاد الأرز. وتلقى العقاب لكونه طرح نظرته المستهجنة عن واقع فقراء المزارعين في لبنان مجابهاً اياهم بأثرياء يرتادون الكازينو لتبذير أموالهم. وزارة السياحة لم تتقبل فكرة ان يضع المخرج صوت الابقار مع صورة مرتادي الكازينو والعكس. النتيجة: اثنا عشر فيلماً وثائقياً عن السياحة في لبنان كان نصيبها ان تتحول رماداً بأمر من "المكتب الثاني"٠
اما الفصل الثاني من مأساته، فكان اقتحام احدى الميليشيات (لن نسميها لكنها معروفة، وهي اليوم في ما يسمّى "المعارضة")، مكان اقامته وتدمير كل اعماله، بما فيها مقتنياته الشخصية. "كانوا يبحثون عن تدفئة. فاحتلوا منزلي وحرقوا نيغاتيف أفلامي وتدفأوا بها". وعندما رفع غازي دعوى ضد اعضاء التنظيم الميليشيوي، رد عليه المسؤول القضائي، قائلاً "هل تريد الشكوى ضد هذين الشخصين؟"، قبل ان يسارع الى تمزيق طلب الدعوى٠
ما نجا من تلك المأساة ("مئة وجه ليوم واحد") تحوّل بياناً تأسيسياً للسينما البديلة اللبنانية، في أواخر الستينات من القرن الماضي. الهدف الاساسي منه كان توجيه السهام الى الكوادر البورجوازية الصغيرة في المنظمات الحزبية. "في هذا الفيلم أهاجم طبقة المفكرين البورجوازيين وخطر هذه الطبقة لأنها تتخذ قرارات ومبادرات تذهب بحياة الكثيرين بينما هم في بيوتهم مرتاحون. يقررون حياة الآخرين بحسب مزاجهم. وُجِّهت إليّ الانتقادات بعد عرض الفيلم بأني لا أصنع الوثائقي المتعارف عليه، وهذا أمر يحزنني. اعمالي تشبهني وليس لها ان تشبه الآخرين. لكن الحوار في لبنان ليس موجوداً على كل المستويات وفي كل الميادين. الناس هنا في مونولوغات دائمة ثم يصمتون ولا يسمعون البتة الطرف الآخر. لم يتعلم اللبنانيون بعد ماهية الحوار. الحوار في مئة وجه ليوم واحد" هو مع المشاهد. حاولت ان أكون في تفاعل دائم مع " المشاهد من خلال الموسيقى والشريط الصوتي كي لا يرتاح وكي يبقى يقظاً٠
ما كان يهمني هو الشكل الذي يخدم المضمون وينسجم معه، إن في لغة الصوت او في لغة الصورة. اردت قول شيء، وخصوصاً حول علاقة الصوت بالصورة. تعمدت ان يكون الشريط الصوتي مزعجاً والعنف الذي يحويه الفيلم موجوداً في الحوارات"٠
حمل غازي شهادة دكتوراه في الموسيقى. لكن الكتاب والشعر المكتوب بالفرنسية كان مدخله الى السينما التي لم يدرسها أكاديمياً. اعتنق هذا الفن حينما ادرك انه في حاجة الى لغة تعبير اكثر كمالاً. حتى المسرح لم يره كافياً لمخزونه الفكري والثقافي. كانت ظروف صنع الفيلم اللبناني انذاك لا تختلف في شيء عن ظروف صناعته اليوم. على رغم تأثيرات شتى من هنا وهناك، بدا غازي فاقداً للمرجعية السينمائية، علماً انه كان يقدّر عدداً من المخرجين المعروفين آنذاك، في مقدمهم كريس ماركر الذي ربطته به صداقة ونظرة متقاربة الى السينما.
كان غازي سينمائياً طليعياً وسابقاً لزمنه، لكن مع تراكم الخيبات، انسحب هذا المضطهَد من الحياة المهنية، فظلّت مقاهي شارع الحمراء هامش تحركه الضيق وملاذه ("لا أدعها تعتب عليّ، الفّ الحمراء بأكملها يومياً عشرات المرات الى أن أتعب"). انسحب "ناسك الحمراء" اذاً الى الصمت والتأمل، وكان من يحادثه يلمس عنده قرفاً واحتجاجاً واضحين حيال الجهل والتصنع والسطحية التي آل اليها عصره. هو المنخرط في الستينات والأفكار النضالية التي سعت الى تغيير العالم، أجبر على "معاشرة" زمن الأفكار الاستهلاكية والرأسمالية وكل ما حارب ضده في أفلامه التي لم يبق منها شيء. انه من جيل كانت الأفكار محركه. ولم يكن رواد تلك المرحلة تهمّهم حركة الترافيلينغ ونسيج الصورة بقدر ما كانوا يعتنون بالخطاب الضمني الذي ينوون إمراره في اعمالهم والملتصق دائماً بالقضايا الكبرى، وغالباً ما كانت متمحورة على حلم استرجاع فلسطين٠
ظلّ غازي يشعر بالغربة في بلده وبين ناسه. وعلى رغم انه كان مصنفاً، الا ان سينماه هي أبعد ما تكون من لعبة التصنيفات. يكفي مشاهدة "مئة وجه ليوم واحد" لإدراك تأثير "الموجة الجديدة" في وجدانه السينمائي، وأوجه الشبه بين أفلام تلك المرحلة وهذه الجوهرة السينمائية التي لم تُفهم انذاك، ولا تزال الى اليوم تتضمن قدراً من الغموض. أما تأثير "الموجة" فملحوظ بدءاً من استخدام هذا الوسيط الفني كلغة تخاطب بين ذات المخرج وذات الفيلم، وصولاً الى التقنية المستحدثة في استخدام الصوت بمعزل عن الصورة أو بالتفاوت بينهما. للأسف، شأنه شأن معظم السينمائيين اللبنانيين (بغدادي، الشهال، علوية...)، ظلت تجربته غير مكتملة. مع هذا كله، ظل يؤمن بأن الاحساس أهم عنصر للقيام بأي شيء٠

Section 3 | نافذة خلفية

Liberation | السينما والحروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو أكبر فيلم حربي عرفه التاريخ؟ الجواب لابد أن يكون »التحرير« ليوري أوزيروف
 محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


‮»‬التحرير‮«‬،‮ ‬حسب الناقد الروسي‮ ‬سيرغي‮ ‬راكين،‮ ‬كان الرد الروسي‮ ‬على الفيلم الأميركي‮ »‬أطول‮ ‬يوم في‮ ‬التاريخ‮« [‬كن أناكن‮- ‬1962‮] ‬على أساس‮ »‬لم تعتبر الحكومة أن الفيلم الأميركي‮ ‬ذكر الحكاية كاملة ولا كان منصفا لدور الجيش السوفياتي‮ ‬في‮ ‬تحرير أوروبا من النازية‮. ‬أعتبرت العمل ناقصا وعليه كان لابد من تنفيذ رؤيتهم‮«.‬
وكانت رؤية ضخمة‮... »التحرير« (6691) كان ‬أضخم من أي‮ ‬فيلم حربي‮ ‬في‮ ‬التاريخ حينها ‬وبالنظر الى الجحافل التي اشتركت فيه وخلوّه من المؤثرات والخدع البصرية الحاضرة، هو أضخم إنتاج لفيلم حربي الى اليوم. ‬على ضخامته وموسوعيته هو فيلم منسي‮. ‬وسيتطلب الأمر عقد إتفاق استثنائي‮ ‬مع أرشيف السينما الروسية اليوم لمشاهدته كاملا‮: ‬خمسة أفلام مدة كل منها ساعتين بنظام‮ ‬70‮ ‬مم الأصعب تنفيذا على صعيد تصميم‮ ‬المناظر وفعل التصوير نفسه‮. ‬
يوري‮ ‬أوزيروف برّر إهتمامه بإنجاز هذا الفيلم بذلك الحجم قائلا‮:‬
‮»‬في‮ ‬السنوات الأخيرة ظهرت العديد من الإنتاجات الكبيرة حول العالم تزوّر وقائع الحرب العالمية الثانية‮. ‬في‮ ‬تلك الإنتاجات تم التغاضي‮ ‬عن التضحية الكبيرة للشعب السوفياتي‮ ‬الذي‮ ‬تحمّل أعباء الحرب وكسر العمود الفقري‮ ‬للقوات الفاشية‮«. ‬
‮»‬لا شيء‮ ‬يساويه في‮ ‬عالم السينما حجما او معرفة من حيث إحتوائه‮ ‬أهم المواقع التاريخية خلال الحرب العالمية الثانية‮« ‬قالت النشرة الخاصة به آنذاك‮. ‬وفي‮ ‬الحقيقة لم تشهد السينما معدّات عسكرية وأعداد جنود وضعت تحت تصرّف فيلم بهذا القدر او العدد من قبل‮. ‬
بعض المشاهد احتوت على‮ ‬500‮ ‬وحدة عسكرية وفي‮ ‬أخرى‮ ‬يمكن ملاحظة ما لا‮ ‬يقل عن ألف جندي‮ ‬يملأوون المشاهد العامة مع أرطال‮ ‬غير محصورة من الدبّابات والآليات العسكرية‮.‬
يوري‮ ‬أوزيروف كان جنديا حين إندلاع تلك الحرب ثم أصبح مخرجا بعدها وحقق عددا كبيرا من الأفلام المعروفة بينها بضعة أفلام حربية أخرى‮. ‬وهو استند الى خبرته في‮ ‬العمل بدءا من فعل الكتابة الذي‮ ‬شاركه فيها‮ ‬يوري‮ ‬بونداريف،‮ ‬وهو مؤلف روايات حربية بدوره شارك في‮ ‬تلك الحرب،‮ ‬وأوسكار كورغانوف الذي‮ ‬كان مراسلا لصحيفة‮ »‬برافدا‮« ‬خلال الأربعينات وغطى الجبهة‮.‬
إذ‮ ‬ينتقل الفيلم بين مراحل الحرب من خلال وجهة السلطة الشيوعية فإن أبسط ما‮ ‬يمكن قوله إنه كان بروباغاندا دعائية‮ ‬يتفق اليوم على ذلك أصدقاء وأعداء النظام الشيوعي‮ ‬في‮ ‬زمن إنتاج الفيلم‮. ‬لكن الملاحظ بنفس القدر من الحيادية النقدية،‮ ‬أن الفيلم تميّز بعاملين مهمّين‮: ‬كان فيلما‮ ‬يعتمد الوقائع المسجلة من دون أن‮ ‬يكون تسجيليا،‮ ‬وكان فيلما‮ ‬يصر على عدم معاملة الألمان معاملة نمطية‮- ‬كاريكاتورية وهي‮ ‬عادة درجت عليها الكثير من الأفلام الحربية الهوليوودية‮. ‬وكان ذلك مدروسا وضروريا وربما بقرار،‮ ‬ذلك لأن‮ ‬غاية الفيلم‮ ‬‭ ‬إظهار مشقة النصر الذي‮ ‬حققه الروس حينها‮ (‬ولو أن الناقد الليبرالي‮ ‬راكين‮ ‬يصر بدوره على أن الروس في‮ ‬معظم الوقائع التي‮ ‬خاضوها لم‮ ‬يكونوا بذلك التنظيم والشدّة التي‮ ‬عكستها أفلام تلك الفترة‮) ‬وهذا لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم جيدا الا إذا تمت معاملة الجندي‮ ‬الألماني‮ ‬بإحترام وإظهار حنكته وخبرته وقوّته‮. ‬
‮»‬التحرير‮« ‬فيلم‮ ‬إعلامي‮ ‬موجه بلا ريب وستالين‮ (‬قام به شبيه مثّل‮ ‬غالبا على خشبة المسرح هو بوخوتي‮ ‬زكريادزه‮) ‬يظهر فيه بطلاً‮ ‬سياسيا وعسكريا مغوارا‮ (‬ولو من مكمنه بعيدا عن الجبهة في‮ ‬معظم الوقت‮)‬،‮ ‬لكن هذا لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يغيّب عن المرء الجهد الكبير المبذول في‮ ‬إنجاز فيلم بهذا الحجم وتشكيل عمل‮ ‬يدعو للإعجاب بمنأى عن سياسته‮. ‬وإذ‮ ‬غطّى الفيلم أحداث الحرب ما بين‮ ‬1943‮ ‬و‮ ‬1945‮ ‬تم تقسيمه الى خمسة أفلام طويلة هي،‮ ‬حسب تواليها‮:‬

الفيلم الأول‮: »‬نتوء النار‮« ‬The Bulge of Fire
‮- ‬يتناول هذا الفيلم خلفيات والتحضيرات التي‮ ‬أدّت الى موقعة كورزك التاريخية الشهيرة‮ (‬معروفة الى اليوم بأنها أكبر معركة دبابات في‮ ‬التاريخ‮) ‬سنة‮ ‬1943‮. ‬تلك الموقعة كانت محكا فاصلا‮. ‬بداية التحرير الفعلي‮ ‬للأراضي‮ ‬الروسية وأول خسارة تواجهها ألمانيا بهذا الحجم في‮ ‬تاريخها العسكري‮. ‬

الفيلم الثاني‮: »‬الإختراق‮« ‬The Break-through
‮- ‬موقعة نهر دنيبر عندما أدركت القوات الألمانية أن الخطة التالية للقوات السوفياتية هي‮ ‬نقل الحرب الى‮ ‬غربي‮ ‬النهر لكنها لم تكن تعلم أين الموقع الذي‮ ‬سيتم فيه الإنزال‮. ‬الخطة السوفياتية قضت بعدة تحرّكات لإيهام العدو بأكثر من عملية هجوم علما بأن واحدة منها فقط هي‮ ‬الصحيحة‮. ‬الفصل الأخير من الفيلم‮ ‬يظهر لقاء ستالين بتشرشل وروزفلت وبحثهم خطط فتح جبهات أخرى‮.‬

الفيلم الثالث‮: »‬إتجاه الهجوم الرئيسي‮« ‬The Direction of the Main Attack
‮- ‬في‮ ‬العام ‮٤٤٩١ ‬تقدمت القوات السوفياتية عبر‮ ‬غابات بولندا الكثيفة بعدما اختارت الإبتعاد عن خوض الحروب في‮ ‬الأماكن ذات الطبيعة الجغرافية السهلة‮. ‬والفيلم‮ ‬يروي‮ ‬الحملة،‮ ‬السياسية أولا ثم العسكرية،‮ ‬وصولا لتحرير أولى القرى‮ ‬البولندية‮.‬

الفيلم الرابع‮: »‬معركة برلين‮« ‬Battle of Berlin
‮- ‬كما‮ ‬يشير عنوانه هو حول التوجه الى برلين لحصارها ثم اقتحامها واحتلالها‮. ‬وكما في‮ ‬الأجزاء السابقة‮ ‬يتيح الفيلم فسحة للحديث عن الأوضاع السياسية والخلفيات العسكرية بعيدا عن الجبهة قبل وخلال المواقع الكبيرة‮. ‬ولا‮ ‬يفوت الفيلم هنا الإشارة الى أن ستالين‮ ‬إنما‮ »‬هب لنجدة‮« ‬قوات الحلفاء التي‮ ‬كانت تستعد لردء هجوم قرره هتلر في‮ ‬منطقة الآندراس‮. ‬

الفيلم الخامس‮: »‬الهجوم الأخير‮« ‬The Last Assault
‮- ‬ينتقل الفيلم هنا الى إقتحام برلين والمعارك التي‮ ‬دارت في‮ ‬الشوارع بين الجيش السوفياتي‮ ‬والجيش الألماني‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يدفع بآخر إحتياطاته‮. ‬الى ذلك،‮ ‬يتناول الفيلم الأيام الأخيرة من حياة هتلر في‮ ‬موقعه الحصين تحت الأرض‮... ‬لكن ليس من‮ ‬قبل أن‮ ‬يتزوّج من عشيقته إيفا براون في‮ ‬إحتفال‮ ‬يعكسه الفيلم بكل سورياليته السوداء‮.‬

في‮ ‬وقت تصوير الفيلم،‮ ‬أعتبر أوزيروف أن الزمن لن‮ ‬يمحُ فيلمه‮:‬
‮»‬موضوع فيلمنا لن‮ ‬يعلوه‮ ‬غبار الرفوف الأرشيفية‮«. ‬المؤسف بالطبع هو أن الغبار علا فعلا هذا الفيلم لكن ليس من بعد أن شاهد كل فصوله‮ ٠٠٣ ‬مليون مشاهد‮ ‬ولفت إنتباه جون فورد،‮ ‬كينغ‮ ‬فيدور وويليام وايلر فمدحوه‮.‬

يوري‮ ‬أوزيروف
ولد في‮ ‬1926/1/26‮ ‬إبنا لنيكولاي‮ ‬أوزيروف،‮ ‬مغني‮ ‬الأوبرا الشهير في‮ ‬مسرح بولشوي‮. ‬المحيط الذي‮ ‬ترعرع فيه كان فنيا صرفا إذ أمّ‮ ‬المسرح التمثيلي‮ ‬والغنائي‮ ‬منذ الصغر‮ ‬وكان دائما‮ ‬ينوي‮ ‬العمل في‮ ‬المسرح لكنه أنخرط في‮ ‬الجيش سنة‮ ‬1939‮ ‬وأمضى فيه ست سنوات‮. ‬وكان من ضمن الذين خاضوا حرب تحرير أوكرانيا وبيلوروسيا وهو لا‮ ‬يزال في‮ ‬الحادية والعشرين‮. ‬بعد ثلاث سنوات كان أصبح ضابطا‮ (‬برتبة مايجور‮). ‬بعد الحرب قرر العودة الى حبه للمسرح حيث شارك في‮ ‬عدد من الأعمال المختلفة‮. ‬هذا كله قبل أن‮ ‬ينخرط في‮ ‬فريق سينمائي‮ ‬بقيادة المخرج إيغور سافشنكو ويتخرج في‮ ‬مطلع الخمسينات‮. ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1952‮ ‬بدأ العمل في‮ ‬ستديو موسفيلم وأنجز أفلاما تسجيلية قصيرة ومتوسطة قبل تحقيق أول فيلم له وهو‮ »‬إبن‮« ‬سنة‮ ‬1956‮. »‬التحرير‮« ‬لم‮ ‬يكن سوى الأول من سلسلة أفلام حربية تناولت تلك الفترة بينها‮ »‬ستالينغراد‮« ‬الذي‮ ‬أخرجه سنة ‮٩٨٩١. ‬فيلمه الأخير‮ »‬جيورجي‮ ‬زوخوف‮« ‬حققه العام 1995 ‬كتابة وإخراجا‮.‬

Section 4 | وثائق

ماقبل تاريخ السينما المغربية (1919-  1956) | مصطفى المسناوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يطرح البحث في بدايات السينما المغربية قدراً من الاسئلة يتعدّى بكثير مقدار ما يمكن التوصل اليه من خلاصات ونتائج. ذلك أننا نجد أنفسنا أمام بدايات كُتب حولها القليل، أولا، ومن طرف الغربيين وحدهم، ثانياً، وتعددت، مع ذلك وجهات النظر حولها رغم قلّة الكتابات المذكورة ورغم انطلاقها من مركز واحد هو الغرب، ثالثاً٠
فبينما يرى البعض أن بدايات السينما في المغرب تعود الى ما قبل الظهور الرسمي في عام 1896، وبالضبط الى الفيلم المخبري »الفارس البربري« الذي أنجزه جول إتيان ما عام 1885 بالطريقة الكرونوفوتوغرافية (اي القائمة على تحليل الحركة تصويرياً) يرى البعض الآخر أن ظهور السينما في هذا القطر العربي يعود الى فترة تتراوح بين 1895 و1905، وهي الفترة التي يجمع فيها »كاتالوغ المشَاهِد« الخاص بشركة لوميير الفرنسية حوالي 1800 فيلم قصير من الأفلام التي أنجزتها الشركة في ذلك الوقت، من بينها حوالي 60 فيلم عن أفريقيا الشمالية، تضم فيلماً وحيداً عن المغرب يحمل الرقم 1394 تحت إسم »راعي الماعز المغربي« (لعل النيغاتيف الخاص به مازال موجوداً حتى الان بخزانة الأفلام الوطنية الفرنسية- السينماتيك- التي نُقل إليها بُعيد الحرب العالمية الثانية)٠
الا أن الرأيين معاً لا يمكن الأخذ بهما لسبب بسيط هو أن الأمر لا يتعلّق فيهما بفيلم مغربي، وإنما بفيلم أنجزه أجانب عن المغرب. أي أن النظرة التي يعبّر عنها هنا هي نظرة خارجية مترفّعة، تنظر الى الآخر (الذي هو نحن والحالة هذه) كأنه شيء جامد من أشياء طبيعية: فالفارس لا يختلف عن فرسه، مثلما لا يختلف الراعي عن معيزه، والكل ينتمي الى عصر خاله الأورربيون انتهى واقنضى، فإذا بهم يكتشفون أنه ما زال حاضراً حياً، على أبوابهم!!٠

ولعل بإمكاننا قول الشيء نفسه بخصوص مئات الأمتار التسجيلية التي صوّرها فيليسك ميغيش، المصوّر والصحفي الفرنسي، عام 1907 بمدينة الدار البيضاء، أثناء مهاجمة القوات الفرنسية لها بحراً وشروعها في احتلالها. لقد كتب هذا المصوّر يقول: ".... حين وصلنا الى الدار البيضاء عن طريق البحر، كان الدخان يتصاعد من المدينة بفعل القصف. وقادتنا مفرزة من البحارة قنصلية فرنسا حيث تمترسنا. وقد صوّرت بعض المشاهد للجند في الشوارع المقفرة والمغطّاة بالجثث، والتي تتصاعد منها رائحة نتنة وغيوم من الذباب، كما صوّرت مشاهد للمعسكر، بما فيه من قنّاصة جزائريين إضافة الى اللفيف الأجنبي"٠
ومن الواضح، من خلال هذا الوصف، أن النظرة التي يعبّر عنها ميغيش هي النظرة الكولونيالية، فالمدينة التي تحترق لا تثير لديه إحساساً بالإستنكار، مثلها مثل جثث المواطنين المغاربة »النتنة«، بل بالعكس يحس بالزهو والفخار لأنه صور الجند ومعسكرهم وتحركهم وسط »الشوارع المقفرة« وهو تحت حماية القنصلية الفرنسية. بعبارة أخرى، إن النظرة التى الإحتلال الفرنسية للدار البيضاء كانت ستختلف بالتأكيد لو أن الذي أمسك بالكاميرا كان مواطناً مغربياً يصوّر ما حصل من طرف المغاربة باعتباره مقاومة مشروعة، لا مجرد عمل همجي يقوم به رعاع متخلّفون عن ركب الحضارة، ولعل من المثير، بهذا الصدد، ملاحظة الإهتمام البالغ الذي أولي في فرنسا، وقتها، لصور ميغيش المتحركة، ذلك أنها كانت المشاهد السينمائية الأولى عن اللقاء الصدامي الدموي بين القوّة الإستعمارية الفرنسية والمقاومة الشبعية المغربية العربية الرافضة لك سيطرة أجنبية، ما دامت السينما، هذا الفن الجديد، لم تكن حاضرة أثناء الإصطدامات التي حصلت إبان بدايات الإحتلال الفرنسي للجزائر (1830) او لتونس (1870). ويمكننا، في السياق نفسه، أن ننعت ما اعتبره بعض نقاد السينما الفرنسيين أول فيلم روائي مغربي بأنه (وكل الأفلام التي تلته) مجرد نقل للعين الفرنسية (او الغربية عامة) الى مكان آخر، هو المغرب، مع احتفاظها بجميع رؤاها وأحكامها المسبقة عن البلد وأهله بحيث أنها كانت ترى على أرض الواقع ما كانت تتخيّله أصلاً، من دون أن تبذل ولو أدنى مجهود للنظر الى المكان الجديد وأهله والعلاقات القائمة بينهم، وبين المكان، كما هي بالفعل، مع السعي لفهم كل ذلك واكتساب نظرة جديدة من خلاله الى الذات والعالم٠

يتعلّق الأمر هنا بفيلم »مكتوب« أول فيلم روائي غربي يُصوّر في المغرب، سنة 1919، من قبل المخرجين ج. بانشون ودانيال كانتان. ومن الملاحظ أن هذه السنة (وي السنة ذاتها التي صٌور فيها أول فيلم روائي فرنسي في تونس، وذلك بعد 8 سنوات على تصوير أول فيلم روائي فرنسي في الجزائر العام 1911) تشير الى مرور 12 سنة على احتلال الدار البيضاء، لكنها تشير، على الخصوص، الى مرور سبع سنوات على إعلان الحمايتين الفرنسية والأسبانية على المغرب في 30 مارس و27 نوفمبر سنة 1912 على التوالي. أي أن الأمور قد هدأت نسبياً في البلاد واستقرت السلطة في يد قوات الإحتلال، مما مكّن من تصوير الفيلم دون أي مشكل في مدن الدار البيضاء وطنجة ومراكش؛ ومعنى أن الأمور لم تهدأ الا نسبياً كون القوّات الإستعمارية ستضطر الى خوض المزيد من المعارك ضد المقاومة المغربية، وذلك حتى أواسط العشرينات في جبال الريف، وبداية الثلاثينات في جبال الأطلس. بحيث أنه إذا كان الإستعمار الفرنسي قد واصل احتلاله للمغرب، عموماً، طيلة 44 سنة ( من 1912
الى 1956)، وهو الرقم الذي استغلّه، بالمناسبة، مخرج مغربي هو مومن السميحي في فيلمه التاريخي الذي يحمل العنوان نفسه، فإن المناطق الجبلية التي لم تخضع الا بين عامي 1932 و1934 لم تعرف الإستعمار الا لمدّة 22 سنة، ظلت مالكة خلالها -مع ذلك- لقدر كبير من حرية التحرك والمواجهة، بل وشكّلت خلفية مهمة لإنطلاق جيش التحرير المغربي فيما بعد. والنتيجة هي أن مجمل الأفلام التي صُوّرت في المغرب صوّرت في المناطق "الآمنة"، وأن الكاميرا الغربية لم تغامر بالتغلغل في مناطق المقاومة المسلّحة، وإن فعلت ذلك فتحت الحماية المشددة من طرف قوات الإحتلال الفرنسية٠
لا يكفي إذاً، تصوير الفيلم في المغرب، من طرف مخرج فرنسي، إبان احتلال فرنسا للمغرب، لكي يكون مغربياً، كما لا يكفي أن يشارك فيه »كومبارس« او »ممثلون« مغاربة، لأن يعتبر كذلك. فقد شارك كومبارس مغاربة بالمئات وبالآلاف أحياناً، في أفلام من هذا النوع، كما شارك فيها أفراد مغاربة بوصفهم ممثلين، لا نعرف عنهم غير أسمائهم: إبراهيم الحاجب، يعلي، زهرة بن بلبا، عبد السلام بلكبير، لحبيب بلغالية، ليلى عطونة، توفيق الفيلافي، ليلي وهبي، ليلى فريدة، الخ الا أن مشاركتهم كانت من الدرجة الثانية او الثالثة، حيث كان المطلوب منهم هو فقط أن يعطوا تعبيراً خارجياً ينسجم مع الديكور ومع طباعهم المتراوحة بين السذاجة والخبث، التي حددها السيناريست والمخرج الأجنبيان. ما يؤكد ذلك أكثر أن مقدّامات الأفلام غالباً ما كانت تحمل أسماء هؤلاء الممثلين دون ألقاب: الطاهر، مولاي، عائشة، سي سعيد، جلول٠
وقد حاولت فرنسا، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولأسباب سيرد تفصيلها لاحقاً، إقامة سينما مغربية يشرف عليها ويخرجها مخرجون فرنسيون، هذا حق، الا أنها ناطقة باللغة العربية الدارجة وتتناول قصصاً مغربية بمشاركة ممثلين مغاربة. وهنا أيضاً لا يمكن أن نتحدّث عن سينما مغربية، ما دام الأمر يتعلّق، في العمق، بمجرد تنويع على الإتجاه الكولونيالي في السينما بالمغرب، حيث اعتبرت هذه »السينما المغربية« (تحت الإحتلال) مرادفاً لنقل الحكايات الشعبية المحلية او حكايات »ألف ليلة وليلة« او مسرحيات موليير الى السينما في إطار مغربي٠
يبقى أمامنا في النهاية احتمال واحد هو أن نطلق إسم »فيلم مغربي« على كل فيلم أنجزه مخرج مغربي انطلاقاً من نظرة داخلية، غير متعالية، تنطلق من الواقع المعيش لا الواقع الأسطوري او الخرافي وتنظر الى الواقع، بصفة عامة- نظرة تقترب منه قدر الإمكان، مع النظر الى الأداة المستخدمة (السينما) بإعتبارها وسيلة تعبير ومعرفة٠
وهنا يمكن القول أن أول فيلم مغربي يستحق هذا الإسم حقاً هو الفيلم التربوي القصير »صديقتنا المدرسة« (11 دقيقة، أبيض وأسود) الذي أخرجه المغربي العربي بنشقرون عام 1956



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

هذا العدد: "التحرير" رائعة أوزيروف | كرستيان غازي | ألمادوڤار وبينيلوبي كروز | فيلم جديد عن النبي محمد | السينما المغربية الصامتة

جديد تشارلي تشابلن!٠
كشفت صحيفة »ذ غارديان« عن أن بريطانياً كان يبحث عن صفائح معدنية خفيفة على موقع إيباي ليقوم بشرائها، عثر -وبطريق الصدفة وحدها- على فيلم مفقود (وبل لم يكن معلوماً) للممثل-المخرج- المنتج تشارلي تشابلن. في الحقيقة لم يكترث الشاري، وأسمه موراس بارك، للفيلم وموقع إيباي لم يأت على ذكره، بل هو اشترى العلبة التي تحوي بكرة الفيلم بثلاثة جنيهات و20 سنتاً (اي نحو خمس دولارات لا غير) وحين وصلت الى عنوانه وفتح العلبة وجد فيها الفيلم الذي تبلغ مدّته تسع دقائق ويظهر تشارلي تشابلن في مقاطع مختلفة تبدو ولو كانت مقاطع من فيلم أكبر. التاريخ التقريبي لهذا الإكتشاف هو العام 1914 وهو يحتوي على مادة معادية لألمانيا في غمار الحرب العالمية الأولى ما يعزز الإعتقاد بأنه قد يكون أول فيلم بروباغاندا في التاريخ. عنوان الفيلم
Charlie Chaplin in Zepped.



Year 3 | Issue 469


Section 1 | حاليات
======================================================
سنوات ضوئية | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مما هو مفقود

المسألة ليس أن هذا الناقد في منتصف الطريق بين الخمسين والستين من عمره، بل المسألة لا علاقة لها بالعمر على الإطلاق. كل ما في الأمر أن هناك الكثير من الأشياء الجيّدة والجميلة والمفيدة والمبتسمة.... لكن معظمها في الماضي
العادات السينمائية تغيّرت. في السابق مثلاً كنت تترقّب في الأفلام الأميركية كلها البدء بكتابة عنوان الفيلم والعاملين الأساسيين إما على لقطة ثابتة او على مشاهد مصوّرة ومتحركة. الآن قد تختار شركة الإنتاج البدء بلا عناوين على الإطلاق- لماذا؟ لأنها تتوسّم أن ذلك أسرع جذباً للمشاهدين
في السينما العربية، كان المتداول ذلك الصوت الرخيم الذي يقدّم الأحداث والمشاهد في المقدّمات الدعائية عن الأفلام. صوته الجهوري كان يحرّك العديد من المشاعر. كان هناك شيئاً موجّهاً من الفيلم اليك عبر ذلك الصوت الذي يصدح قائلاً: "أفلام حلمي رفلة تقدّم الفيلم الرائع" وتدرك أنت أنها الدعاية، لكن الصوت يتجاوز ذلك الإدراك لأنه لن يتوقّف هنا بل يمضي ليقول: "ماذا يصنع الحبيبان إذا ما كان القدر تدخّل للفصل بينهما؟" ويلي ذلك بضع مشاهد عاصفة قبل أن يُضيف: " ولكن من المسؤول؟ " ويكمل ليذكر عنوان الفيلم ويضيف: "الدراما الإجتماعية العاطفية التي تضافرت جهود مجموعة كبيرة من الفنانين على إنجازها: عماد حمدي، شادية، شكري سرحان، أحمد رمزي، رقية ابراهيم، عبد المنعم إبراهيم وشرير الشاشة الموهوب محمود المليجي"٠
الآن يدقّون لك الموسيقا ويغنّون لك ويقدمون المشاهد ويتحدّثون اليك باللهجة المحكية -إذا ما فعلوا- ولا شيء يعلق في البال٠
أفلام اليوم من نوع »هشّك بشّك« ولا أحد يريد أن يقتنع أن هذا هو إنحدار يتساوى ويتلازم مع إنحدارات أخرى تنتشر من الكتابة الى التمثيل الى الإخراج الى الإنتاج الى كل ما له علاقة بالصوت والصورة
نعم المسألة ليست أن بعضنا عاصر زمناً ذهبياً مضى، والبعض الآخر لم. المسألة هي أن من عاصر تلك الفترة مُبعد، قبل الأوان، عن العمل ومنح السينما اليوم بعض عناصرها الجيّدة. لم يكن صدفة أنها كانت أفضل مما هي عليه الآن، ولم يكن بالصدفة أن الجمهور كان بأضعاف أعداد الجمهور اليوم، كذلك لم تكن صدفة ان الأفلام كانت مدروسة وقاعات السينما كانت قصوراً. لو رجع أهل السينما الى الأمس لوجدوه قابلاً للتطبيق مرّة أخرى٠


فيلم ضخم عن الإسلام والرسول
هل يتغلّب الإنتاج على المصاعب المتوقّعة؟
.............................................................................
في اليوم الأخير من مهرجان الدوحة السينمائي الأول الذي انتهى في الأول من هذا الشهر، قامت شركة قطرية بإسم »النور« بالإعلان عن قرارها إنتاج فيلم اسلامي ضخم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلّم بميزانية 150 مليون دولار
والإعلان جاء في مؤتمر صحافي تم حشد مجموعة كبيرة من الإعلاميين والسينمائيين وضيوف المهرجان إليه وترأسه مدير عام الشركة أحمد الهاشمي وضمّ فضيلة شيخ الأزهر يوسف القرضاوي والمنتج الأميركي باري أوسبورن
والفكرة بسيطة ولو أن تنفيذها لن يكون كذلك
فالشركة تسعى لتقديم عمل اسلامي كبير لائق بالشخصية وبالمناسبة وبالدين الإسلامي ولديها أكثر من حافز على ذلك، من حاجة العالم الى فيلم يُظهر حقيقة الإسلام الى الرغبة في تقديم حياة وجهاد النبي محمد، الى اعتبار أن هذا الفيلم هو فاتحة أعمال ومشاريع سينمائية كثيرة لاحقة على المستويين العربي والعالمي٠
والفكرة الى الآن هي البدء بتعيين المنتج الصحيح لهذا المشروع وقد تم اختيار المنتج الأميركي باري أسبورن الذي لديه خبرة كمّية ونوعية مشهود لها، فمن بين أعماله النوعية »العرّاب 2« و»سفر الرؤيا ... الآن«، ومن تلك الجماهيرية ذات القيمة الفنية أيضاً »ماتريكس« و(على الأخص) »سيد الخواتم«٠
وحين سأله هذا الناقد عن معلوماته حول الموضوع الذي سينهمك فيه قال له أنه إلى حين قريب لم يكن يعلم شيئاً بإستثناء ما تورده وكالات الأنباء. مضيفاً: "أعتبر هذه المناسبة فرصة كبيرة للتعمّق في الدين الإسلامي ومعرفة ما يقترحه على العالم من رسالات. وأعتقد أن الوقت ملائم جدّاً الآن لأن الملايين لا تزال تستقي معلوماتها من الأخبار وهي كما تعلم ليست ما يجب أن يبني عليه المرء معلوماته"٠

وكان المنتج شاهد فيلم »الرسالة« للراحل مصطفى العقّاد ما جاز السؤال عنه: "أعتقد أنه فيلم نجح في محاولته الصعبة تقديم حياة محمد من دون القدرة على تصويره. وأنا لا أعرف أن هناك وسائل كثيرة لتقديم مثل هذا العمل مع المحافظة على مبدأ عدم ظهور النبي على الشاشة. لذلك، وفي هذا الإطار فإن المخرج نجح في عمله. لكن علينا نحن الآن أن نفكّر في وسائل جديدة تتيح لنا تحقيق فيلم ناجح كرسالة وناجح كدراما، من دون التفريط في المباديء"٠
بالتالي، يستنتج المرء سريعاً، كنه الصعوبة الكامنة في مثل هذا العمل. مشكلة فيلم »الرسالة« كانت درامية. لقد التزم بالأعراف وتحاشى إظهار النبي والخلفاء المسلمين وكبار الصحابة لكن على حساب السياق الدرامي نفسه لأنه حين تحرر من هذه القيود وحقق بعد ذلك »عمر المختار« (او »أسد الصحراء« كما عنوانه الآخر) برهن عن تلك القدرات الدرامية وصنع عملاً جيّداً في شتّى نواحيه٠

ومع أن الشيخ القرضاوي أكد ترحيبه متفهّماً الحاجة الماسّة لفيلم يعيد تقديم رسالة النبي محمّداً صلى الله عليه وسلّم، إلا أنه، وجواباً على سؤال وجهه له هذا الناقد، اعترف بأنه جهاتاً إسلامية أخرى قد لا ترى رأيه. قال: "الحاجة الى هذا الفيلم ماسّة لأن على العالم بأسره أن يعرف الإسلام على حقيقته وأفضل وسيلة للتعريف هي الفيلم لما له من تأثير وشيوع حول العالم" ثم قال: "نعم. هناك جهات قد تعارض الفكرة وبل أن هناك من الأطراف الإسلامية من يرى أن التمثيل أساساً حرام لأنه كذب، لكني أعتقد أن هذا المنظور غير صحيح وأن علينا أن نستخدم أدوات العصر لنشر الإسلام لأن الإسلام هو السلام والسلام أجدى من التقوقع والحرب"٠

المدير العام للشركة، أحمد الهاشمي، على علم بالرحلة الطويلة التي سيخوضها هذا الفيلم من الكتابة الى العرض على الشاشات العالمية، وحين سئل لماذا لا يتوجّه الفيلم الى السوق العربية أجاب بما يدل على إيمانه بما يحاول إنجازه مذكّراً السائل أن السوق العربية لا تكفي مطلقاً لجلب إيرادات جيّدة، ناهيك عن الأرباح ذاتها: "لذلك يجب الإعتماد على السوق العالمية لمثل هذا الإنتاج. كما أننا نريد أن نتوجّه بهذه الرسالة الى العالم. المسلمون والعرب يعرفونها لكن العالم هو من بحاجة إليها"٠

.........................................................................
موضوع‮ ‬2 ‮| تعاون ألمادوڤار وبينيلوبي كروز تحت المجهر

على الرغم من اشتراك المخرج الأسباني بدرو ألمادوڤار في أكثر من دورة من دورات مهرجان كان السينمائي المعروف، الا أن لجان التحكيم المتعاقبة ضنّت عليه بجائزة ذهبية الى اليوم. ففي السنوات العشر الأخيرة عرض على تلك الشاشة ثلاثة أفلام أوّلها »كل شيء عن أمّي« (1999) الذي نال عنه جائزة أفضل مخرج، و»فولفر« (2006) الذي حصد عنه جائزة أفضل سيناريو، وثالثها فيلمه الأخير، والرابع مع الممثلة بينلوبي كروز وهو »عناقات مكسورة« (2009) الذي خرج من دون أي جائزة على الإطلاق٠
لكن، وفي كل مرّة، يطبع ألمادوڤار إثر العرض ذكرى خاصّة للمشاهد بصرف النظر عما إذا كان استبعاد الفيلم عن السعفة الذهبية كان صائباً اومحقّاً أم لا

لجانب أن »عناقات مكسورة« يحمل النَفَس الميلودرامي العاطفي الخاص الذي يميّز أعماله مانحاً كلمة الميلودراما بُعداً جديداً لها، فإن العمل على الفيلم كان صعباً على الممثلة كروز وهي التي تقول اليوم أنه الفيلم الذي بكيت بين لقطاته (خلال التصوير) أكثر من سواه. ويمكن معرفة السبب حين مشاهدة الفيلم الذي يتحدّث عن متاعب ممثلة (كروز نفسها) مع الحياة الأخرى التي تتقمّصها على الشاشة وتلك التي تحاول تحقيقها في الحياة. فجأة هي إمرأة ضائعة بين الهويّات كما بين العواطف، فمن ناحية تعيش مع شخص وتقع في حب رجل آخر٠
إنه فيلم حزين، بل ربما أكثر أفلام ألمادوڤار حزناً. ليس أنه في السابق كان يصنع الكوميديا ويؤلّف الضحك، لكن في أحيان كثيرة كان الضحك الممتزج بالهم الشخصي يتسلل الى المشاهد لغاية هنا او هناك. هذه المرّة الفيلم خامة من المشاعر التي تربط بطلته الى واقع مفقود. ماض تحاول أن تنساه وحاضر يبدو مبهماً لا وجه له٠
بالنسبة الى بينيلوبي كروز، فإن مشاعرها الخاصّة خلال التصوير ربما كانت مفهومة، فالفيلم يتحدّث عنها ولو من دون أن يكون مبنياً عليها. هذا يأتي موازياً ومنسجماً مع العلاقة الخاصّة التي تربط المخرج بالممثلة المعروفة. ليست علاقة حب جسدي (المخرج شاذ) لكنها علاقة حب عاطفي نابع من تقدير متبادل ومثمر عن أعمال عادت على بينيلوبي دائماً بالتقدير و-أحياناً- بالجوائز٠
في العام 1997 ظهرت في مطلع فيلم لألمادوڤار عنوانه »لحم حي«. ظهورها لم يتجاوز الدقائق العشر الأولى من الفيلم لاعبة دور إمرأة متعة تضع في حافلة عامّة في مدينة مدريد
اللقاء الثاني ورد سنة 1999 عندما لعبت بطولة »كل شيء عن أمّي« الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي . هذا قبل أن تلتقي بالمخرج من جديد قبل ثلاثة أعوام مؤدية دور إمرأة قويّة تواجه بضع معضلات من بينها قيام إبنتها بقتل زوجها بعدما حاول التحرّش بها. الفيلم كان »فولفر وهو وجد إعجاباً كبيراً بين نقاد دورة 2006 في مهرجان كان لم ينتقل فعلياً الى النتائج النهائية٠
بينيلوبي كروز في الخامسة والثلاثين من عمرها (ألمادوڤار في الستين) ولقاؤها الأول معه تم حين كانت في السابعة عشر، بذلك يمكن -والى حد بعيد- القول أنه كان من بين من صاغ لها معالم شخصيّتها السينمائية التي لا زالت تظهر بها الى اليوم٠
نتيجة هذا التعاون بالنسبة إليها جائزة واحدة من كان (كأفضل ممثلة عن دورها في »فولفر«) وأخرى من مؤسسة الفيلم الأوروبي عن ذات الفيلم . أما باقي جوائزها فكانت عن أفلام أخرى ومن بينها أوسكار أفضل ممثلة مساندة عن دورها في فيلم وودي ألن ما قبل الأخير »فيكي كرستينا برشلونة«٠
وعلى صعيد عالمي، يحتفظ كل منهما بناصيته من الشهرة. هو معروف كمخرج أسباني (وقد رفض العمل في هوليوود مدركاً سطوتها على المخرجين وقراراتهم) وهي معروفة كممثلة انتقلت ما بين أسبانيا وهوليوود وعدد آخر من مراكز الإنتاج في العالم. طبعاً مساحة شهرتها أوسع كونها نجمة، لكن لقائهما معاً دائماً ما يبدو بمثابة العودة الى الجذور٠

====================================================

Section 2 | شخصيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كرستيان غازي: مهنته سينمائي مضطهد | نص: هوڤيك حبشيان

القلق كان ولا يزال هو الشيء الذي يهجس به كريستيان غازي ويحضّ عليه محرّكاً وحافزاً. لا أعرف ما اذا كان لفنان أو لسينمائي أن يصمد هذا الصمود كله، لو تعرّض لربع ما تعرّض له غازي خلال سنوات حياته المأسوية، إن على المستوى الشخصي أو المهني. باستثناء فيلم واحد ، فأفلامه لاقت 1969هو "مئة وجه ليوم واحد" مصيراً استثنائياً غير مسبوق: الحرق. لم يحصل الحرق بقذيفة طائشة بل كان مقصوداً ومخطَّطاً له على يد السلطة والميليشيات التي كانت تضع في مرصادها كل من يملك رأياً مخالفاً لرأيها فيلماً، 45ومعتقداتها. غازي يقول انه صنع طوال مساره ما يقارب الـ ولا يملك اجازة لعرض أيٍّ من هذه الأفلام.  
احد فصول الصدام الاول كان عندما ألقى غازي نظرة مختلفة على الواقع اللبناني، بعيداً من النظام الترويجي البدائي الذي كانت الدولة تسعى خلفه من خلال "تلفزيون لبنان والمشرق" لجذب السياح الى بلاد الأرز. وتلقى العقاب لكونه طرح نظرته المستهجنة عن واقع فقراء المزارعين في لبنان مجابهاً اياهم بأثرياء يرتادون الكازينو لتبذير أموالهم. وزارة السياحة لم تتقبل فكرة ان يضع المخرج صوت الابقار مع صورة مرتادي الكازينو والعكس. النتيجة: اثنا عشر فيلماً وثائقياً عن السياحة في لبنان كان نصيبها ان تتحول رماداً بأمر من "المكتب الثاني"٠
اما الفصل الثاني من مأساته، فكان اقتحام احدى الميليشيات (لن نسميها لكنها معروفة، وهي اليوم في ما يسمّى "المعارضة")، مكان اقامته وتدمير كل اعماله، بما فيها مقتنياته الشخصية. "كانوا يبحثون عن تدفئة. فاحتلوا منزلي وحرقوا نيغاتيف أفلامي وتدفأوا بها". وعندما رفع غازي دعوى ضد اعضاء التنظيم الميليشيوي، رد عليه المسؤول القضائي، قائلاً "هل تريد الشكوى ضد هذين الشخصين؟"، قبل ان يسارع الى تمزيق طلب الدعوى٠
ما نجا من تلك المأساة ("مئة وجه ليوم واحد") تحوّل بياناً تأسيسياً للسينما البديلة اللبنانية، في أواخر الستينات من القرن الماضي. الهدف الاساسي منه كان توجيه السهام الى الكوادر البورجوازية الصغيرة في المنظمات الحزبية. "في هذا الفيلم أهاجم طبقة المفكرين البورجوازيين وخطر هذه الطبقة لأنها تتخذ قرارات ومبادرات تذهب بحياة الكثيرين بينما هم في بيوتهم مرتاحون. يقررون حياة الآخرين بحسب مزاجهم. وُجِّهت إليّ الانتقادات بعد عرض الفيلم بأني لا أصنع الوثائقي المتعارف عليه، وهذا أمر يحزنني. اعمالي تشبهني وليس لها ان تشبه الآخرين. لكن الحوار في لبنان ليس موجوداً على كل المستويات وفي كل الميادين. الناس هنا في مونولوغات دائمة ثم يصمتون ولا يسمعون البتة الطرف الآخر. لم يتعلم اللبنانيون بعد ماهية الحوار. الحوار في مئة وجه ليوم واحد" هو مع المشاهد. حاولت ان أكون في تفاعل دائم مع " المشاهد من خلال الموسيقى والشريط الصوتي كي لا يرتاح وكي يبقى يقظاً٠
ما كان يهمني هو الشكل الذي يخدم المضمون وينسجم معه، إن في لغة الصوت او في لغة الصورة. اردت قول شيء، وخصوصاً حول علاقة الصوت بالصورة. تعمدت ان يكون الشريط الصوتي مزعجاً والعنف الذي يحويه الفيلم موجوداً في الحوارات".
حمل غازي شهادة دكتوراه في الموسيقى. لكن الكتاب والشعر المكتوب بالفرنسية كان مدخله الى السينما التي لم يدرسها أكاديمياً. اعتنق هذا الفن حينما ادرك انه في حاجة الى لغة تعبير اكثر كمالاً. حتى المسرح لم يره كافياً لمخزونه الفكري والثقافي. كانت ظروف صنع الفيلم اللبناني انذاك لا تختلف في شيء عن ظروف صناعته اليوم. على رغم تأثيرات شتى من هنا وهناك، بدا غازي فاقداً للمرجعية السينمائية، علماً انه كان يقدّر عدداً من المخرجين المعروفين آنذاك، في مقدمهم كريس ماركر الذي ربطته به صداقة ونظرة متقاربة الى السينما.
كان غازي سينمائياً طليعياً وسابقاً لزمنه، لكن مع تراكم الخيبات، انسحب هذا المضطهَد من الحياة المهنية، فظلّت مقاهي شارع الحمراء هامش تحركه الضيق وملاذه ("لا أدعها تعتب عليّ، الفّ الحمراء بأكملها يومياً عشرات المرات الى أن أتعب"). انسحب "ناسك الحمراء" اذاً الى الصمت والتأمل، وكان من يحادثه يلمس عنده قرفاً واحتجاجاً واضحين حيال الجهل والتصنع والسطحية التي آل اليها عصره. هو المنخرط في الستينات والأفكار النضالية التي سعت الى تغيير العالم، أجبر على "معاشرة" زمن الأفكار الاستهلاكية والرأسمالية وكل ما حارب ضده في أفلامه التي لم يبق منها شيء. انه من جيل كانت الأفكار محركه. ولم يكن رواد تلك المرحلة تهمّهم حركة الترافيلينغ ونسيج الصورة بقدر ما كانوا يعتنون بالخطاب الضمني الذي ينوون إمراره في اعمالهم والملتصق دائماً بالقضايا الكبرى، وغالباً ما كانت متمحورة على حلم استرجاع فلسطين٠
ظلّ غازي يشعر بالغربة في بلده وبين ناسه. وعلى رغم انه كان مصنفاً، الا ان سينماه هي أبعد ما تكون من لعبة التصنيفات. يكفي مشاهدة "مئة وجه ليوم واحد" لإدراك تأثير "الموجة الجديدة" في وجدانه السينمائي، وأوجه الشبه بين أفلام تلك المرحلة وهذه الجوهرة السينمائية التي لم تُفهم انذاك، ولا تزال الى اليوم تتضمن قدراً من الغموض. أما تأثير "الموجة" فملحوظ بدءاً من استخدام هذا الوسيط الفني كلغة تخاطب بين ذات المخرج وذات الفيلم، وصولاً الى التقنية المستحدثة في استخدام الصوت بمعزل عن الصورة أو بالتفاوت بينهما. للأسف، شأنه شأن معظم السينمائيين اللبنانيين (بغدادي، الشهال، علوية...)، ظلت تجربته غير مكتملة. مع هذا كله، ظل يؤمن بأن الاحساس أهم عنصر للقيام بأي شيء٠



Section 3 | نافذة خلفية

Liberation | السينما والحروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو أكبر فيلم حربي عرفه التاريخ؟ الجواب لابد أن يكون »التحرير« ليوري أوزيروف

‮»‬التحرير‮«‬،‮ ‬حسب الناقد الروسي‮ ‬سيرغي‮ ‬راكين،‮ ‬كان الرد الروسي‮ ‬على الفيلم الأميركي‮ »‬أطول‮ ‬يوم في‮ ‬التاريخ‮« [‬كن أناكن‮- ‬1962‮] ‬على أساس‮ »‬لم تعتبر الحكومة أن الفيلم الأميركي‮ ‬ذكر الحكاية كاملة ولا كان منصفا لدور الجيش السوفياتي‮ ‬في‮ ‬تحرير أوروبا من النازية‮. ‬أعتبرت العمل ناقصا وعليه كان لابد من تنفيذ رؤيتهم‮«.‬
وكانت رؤية ضخمة‮... »التحرير« (6691) كان ‬أضخم من أي‮ ‬فيلم حربي‮ ‬في‮ ‬التاريخ حينها ‬وبالنظر الى الجحافل التي اشتركت فيه وخلوّه من المؤثرات والخدع البصرية الحاضرة، هو أضخم إنتاج لفيلم حربي الى اليوم. ‬على ضخامته وموسوعيته هو فيلم منسي‮. ‬وسيتطلب الأمر عقد إتفاق استثنائي‮ ‬مع أرشيف السينما الروسية اليوم لمشاهدته كاملا‮: ‬خمسة أفلام مدة كل منها ساعتين بنظام‮ ‬70‮ ‬مم الأصعب تنفيذا على صعيد تصميم‮ ‬المناظر وفعل التصوير نفسه‮. ‬
يوري‮ ‬أوزيروف برّر إهتمامه بإنجاز هذا الفيلم بذلك الحجم قائلا‮:‬
‮»‬في‮ ‬السنوات الأخيرة ظهرت العديد من الإنتاجات الكبيرة حول العالم تزوّر وقائع الحرب العالمية الثانية‮. ‬في‮ ‬تلك الإنتاجات تم التغاضي‮ ‬عن التضحية الكبيرة للشعب السوفياتي‮ ‬الذي‮ ‬تحمّل أعباء الحرب وكسر العمود الفقري‮ ‬للقوات الفاشية‮«. ‬
‮»‬لا شيء‮ ‬يساويه في‮ ‬عالم السينما حجما او معرفة من حيث إحتوائه‮ ‬أهم المواقع التاريخية خلال الحرب العالمية الثانية‮« ‬قالت النشرة الخاصة به آنذاك‮. ‬وفي‮ ‬الحقيقة لم تشهد السينما معدّات عسكرية وأعداد جنود وضعت تحت تصرّف فيلم بهذا القدر او العدد من قبل‮. ‬
بعض المشاهد احتوت على‮ ‬500‮ ‬وحدة عسكرية وفي‮ ‬أخرى‮ ‬يمكن ملاحظة ما لا‮ ‬يقل عن ألف جندي‮ ‬يملأوون المشاهد العامة مع أرطال‮ ‬غير محصورة من الدبّابات والآليات العسكرية‮.‬
يوري‮ ‬أوزيروف كان جنديا حين إندلاع تلك الحرب ثم أصبح مخرجا بعدها وحقق عددا كبيرا من الأفلام المعروفة بينها بضعة أفلام حربية أخرى‮. ‬وهو استند الى خبرته في‮ ‬العمل بدءا من فعل الكتابة الذي‮ ‬شاركه فيها‮ ‬يوري‮ ‬بونداريف،‮ ‬وهو مؤلف روايات حربية بدوره شارك في‮ ‬تلك الحرب،‮ ‬وأوسكار كورغانوف الذي‮ ‬كان مراسلا لصحيفة‮ »‬برافدا‮« ‬خلال الأربعينات وغطى الجبهة‮.‬
إذ‮ ‬ينتقل الفيلم بين مراحل الحرب من خلال وجهة السلطة الشيوعية فإن أبسط ما‮ ‬يمكن قوله إنه كان بروباغاندا دعائية‮ ‬يتفق اليوم على ذلك أصدقاء وأعداء النظام الشيوعي‮ ‬في‮ ‬زمن إنتاج الفيلم‮. ‬لكن الملاحظ بنفس القدر من الحيادية النقدية،‮ ‬أن الفيلم تميّز بعاملين مهمّين‮: ‬كان فيلما‮ ‬يعتمد الوقائع المسجلة من دون أن‮ ‬يكون تسجيليا،‮ ‬وكان فيلما‮ ‬يصر على عدم معاملة الألمان معاملة نمطية‮- ‬كاريكاتورية وهي‮ ‬عادة درجت عليها الكثير من الأفلام الحربية الهوليوودية‮. ‬وكان ذلك مدروسا وضروريا وربما بقرار،‮ ‬ذلك لأن‮ ‬غاية الفيلم‮ ‬‭ ‬إظهار مشقة النصر الذي‮ ‬حققه الروس حينها‮ (‬ولو أن الناقد الليبرالي‮ ‬راكين‮ ‬يصر بدوره على أن الروس في‮ ‬معظم الوقائع التي‮ ‬خاضوها لم‮ ‬يكونوا بذلك التنظيم والشدّة التي‮ ‬عكستها أفلام تلك الفترة‮) ‬وهذا لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم جيدا الا إذا تمت معاملة الجندي‮ ‬الألماني‮ ‬بإحترام وإظهار حنكته وخبرته وقوّته‮. ‬
‮»‬التحرير‮« ‬فيلم‮ ‬إعلامي‮ ‬موجه بلا ريب وستالين‮ (‬قام به شبيه مثّل‮ ‬غالبا على خشبة المسرح هو بوخوتي‮ ‬زكريادزه‮) ‬يظهر فيه بطلاً‮ ‬سياسيا وعسكريا مغوارا‮ (‬ولو من مكمنه بعيدا عن الجبهة في‮ ‬معظم الوقت‮)‬،‮ ‬لكن هذا لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يغيّب عن المرء الجهد الكبير المبذول في‮ ‬إنجاز فيلم بهذا الحجم وتشكيل عمل‮ ‬يدعو للإعجاب بمنأى عن سياسته‮. ‬وإذ‮ ‬غطّى الفيلم أحداث الحرب ما بين‮ ‬1943‮ ‬و‮ ‬1945‮ ‬تم تقسيمه الى خمسة أفلام طويلة هي،‮ ‬حسب تواليها‮:‬

الفيلم الأول‮: »‬نتوء النار‮« ‬The Bulge of Fire
‮- ‬يتناول هذا الفيلم خلفيات والتحضيرات التي‮ ‬أدّت الى موقعة كورزك التاريخية الشهيرة‮ (‬معروفة الى اليوم بأنها أكبر معركة دبابات في‮ ‬التاريخ‮) ‬سنة‮ ‬1943‮. ‬تلك الموقعة كانت محكا فاصلا‮. ‬بداية التحرير الفعلي‮ ‬للأراضي‮ ‬الروسية وأول خسارة تواجهها ألمانيا بهذا الحجم في‮ ‬تاريخها العسكري‮. ‬

الفيلم الثاني‮: »‬الإختراق‮« ‬The Break-through
‮- ‬موقعة نهر دنيبر عندما أدركت القوات الألمانية أن الخطة التالية للقوات السوفياتية هي‮ ‬نقل الحرب الى‮ ‬غربي‮ ‬النهر لكنها لم تكن تعلم أين الموقع الذي‮ ‬سيتم فيه الإنزال‮. ‬الخطة السوفياتية قضت بعدة تحرّكات لإيهام العدو بأكثر من عملية هجوم علما بأن واحدة منها فقط هي‮ ‬الصحيحة‮. ‬الفصل الأخير من الفيلم‮ ‬يظهر لقاء ستالين بتشرشل وروزفلت وبحثهم خطط فتح جبهات أخرى‮.‬

الفيلم الثالث‮: »‬إتجاه الهجوم الرئيسي‮« ‬The Direction of the Main Attack
‮- ‬في‮ ‬العام ‮٤٤٩١ ‬تقدمت القوات السوفياتية عبر‮ ‬غابات بولندا الكثيفة بعدما اختارت الإبتعاد عن خوض الحروب في‮ ‬الأماكن ذات الطبيعة الجغرافية السهلة‮. ‬والفيلم‮ ‬يروي‮ ‬الحملة،‮ ‬السياسية أولا ثم العسكرية،‮ ‬وصولا لتحرير أولى القرى‮ ‬البولندية‮.‬

الفيلم الرابع‮: »‬معركة برلين‮« ‬Battle of Berlin
‮- ‬كما‮ ‬يشير عنوانه هو حول التوجه الى برلين لحصارها ثم اقتحامها واحتلالها‮. ‬وكما في‮ ‬الأجزاء السابقة‮ ‬يتيح الفيلم فسحة للحديث عن الأوضاع السياسية والخلفيات العسكرية بعيدا عن الجبهة قبل وخلال المواقع الكبيرة‮. ‬ولا‮ ‬يفوت الفيلم هنا الإشارة الى أن ستالين‮ ‬إنما‮ »‬هب لنجدة‮« ‬قوات الحلفاء التي‮ ‬كانت تستعد لردء هجوم قرره هتلر في‮ ‬منطقة الآندراس‮. ‬

الفيلم الخامس‮: »‬الهجوم الأخير‮« ‬The Last Assault
‮- ‬ينتقل الفيلم هنا الى إقتحام برلين والمعارك التي‮ ‬دارت في‮ ‬الشوارع بين الجيش السوفياتي‮ ‬والجيش الألماني‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يدفع بآخر إحتياطاته‮. ‬الى ذلك،‮ ‬يتناول الفيلم الأيام الأخيرة من حياة هتلر في‮ ‬موقعه الحصين تحت الأرض‮... ‬لكن ليس من‮ ‬قبل أن‮ ‬يتزوّج من عشيقته إيفا براون في‮ ‬إحتفال‮ ‬يعكسه الفيلم بكل سورياليته السوداء‮.‬

في‮ ‬وقت تصوير الفيلم،‮ ‬أعتبر أوزيروف أن الزمن لن‮ ‬يمحُ فيلمه‮:‬
‮»‬موضوع فيلمنا لن‮ ‬يعلوه‮ ‬غبار الرفوف الأرشيفية‮«. ‬المؤسف بالطبع هو أن الغبار علا فعلا هذا الفيلم لكن ليس من بعد أن شاهد كل فصوله‮ ٠٠٣ ‬مليون مشاهد‮ ‬ولفت إنتباه جون فورد،‮ ‬كينغ‮ ‬فيدور وويليام وايلر فمدحوه‮.‬

يوري‮ ‬أوزيروف
ولد في‮ ‬1926/1/26‮ ‬إبنا لنيكولاي‮ ‬أوزيروف،‮ ‬مغني‮ ‬الأوبرا الشهير في‮ ‬مسرح بولشوي‮. ‬المحيط الذي‮ ‬ترعرع فيه كان فنيا صرفا إذ أمّ‮ ‬المسرح التمثيلي‮ ‬والغنائي‮ ‬منذ الصغر‮ ‬وكان دائما‮ ‬ينوي‮ ‬العمل في‮ ‬المسرح لكنه أنخرط في‮ ‬الجيش سنة‮ ‬1939‮ ‬وأمضى فيه ست سنوات‮. ‬وكان من ضمن الذين خاضوا حرب تحرير أوكرانيا وبيلوروسيا وهو لا‮ ‬يزال في‮ ‬الحادية والعشرين‮. ‬بعد ثلاث سنوات كان أصبح ضابطا‮ (‬برتبة مايجور‮). ‬بعد الحرب قرر العودة الى حبه للمسرح حيث شارك في‮ ‬عدد من الأعمال المختلفة‮. ‬هذا كله قبل أن‮ ‬ينخرط في‮ ‬فريق سينمائي‮ ‬بقيادة المخرج إيغور سافشنكو ويتخرج في‮ ‬مطلع الخمسينات‮. ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1952‮ ‬بدأ العمل في‮ ‬ستديو موسفيلم وأنجز أفلاما تسجيلية قصيرة ومتوسطة قبل تحقيق أول فيلم له وهو‮ »‬إبن‮« ‬سنة‮ ‬1956‮. »‬التحرير‮« ‬لم‮ ‬يكن سوى الأول من سلسلة أفلام حربية تناولت تلك الفترة بينها‮ »‬ستالينغراد‮« ‬الذي‮ ‬أخرجه سنة ‮٩٨٩١. ‬فيلمه الأخير‮ »‬جيورجي‮ ‬زوخوف‮« ‬حققه العام 1995 ‬كتابة وإخراجا‮.‬

======================================================
Section | وثائق

الزمن لا يعيد نفسه.... نحن الذين نتوقّف

أنا في بيروت بين أوراقي القديمة وذكرياتي ومجلاتي وكتبي وحمام الجيران. وجدت بين الأوراق توصيات مرفوعة من اجتماع لجمعية نقاد السينما في لبنان (التي كنت عضواً فيها لحين وجيز ثم تقوّفت بعد عام او نحوه) عقد في بيروت في السادس من أيلول/ سبتمبر سنة 1974، تذكرني بما يصيبنا في كل التوصيات والقرارات وما شابهها: تندثر. ليس لأنها على خطأ، بل لأنها فورات وتمنيّات وطموحات تنطلق اليوم لتخبو غداً
هذه هي المقترحات التي تقدّم بها المجتمعون الى جهة مجهولة

على الصعيد الداخلي
الإتصال بنقابتي الموزّعين وأصحاب دور العرض للتعامل معهم على أساس مهنية سليمة، والحصول -
على بطاقة تخوّل الناقد الدخول الى كل صالات العرض أسبوعياً وبصورة مجانية٠

تخويل النقاد حق مشاهدة كافة الأفلام التي تمر عندنا سواء منعتها الرقابة أم لا -

إيجاد صالة لعرض كافة الأفلام التي يرغب النقاد في مشاهدتها -

الإتصال بكافة رؤساء تحرير الصحف والمجلات اللبنانية للفتها الى أهمية النقد وضرورة تخصيص -
زوايا خاصة به٠

الإتصال بنقابة السينمائيين اللبنانيين والرطلاع منها على المشاكل المهنية التي تعترض السينمائيين -
ودراسة وتحليل هذه المشاكل بغية المساهمة في الحركة السينمائية اللبنانية

إبلاغ نقابة المحررين ونقابة أصحاب الصحف بقيام الإتحاد وطلب المساعدة٠ -

إبلاغ مركز السينما (وزارة الإعلام) وطلب مساعدة مالية -

العمل على تنشيط حركة نوادي السينما والمساهمة فيها بشكل جدي ومباشر -

إصدار نشرة يعبّر فيها الإتحاد عن آرائه في القضايا السينمائية المطروحة في لبنان وفي العالم -
العربي بشكل خاص، وفي العالم بشكل عام٠

إقامة الأسابيع الثقافية السينمائية -

الطلب الى وزارة التربية تخصيص منح سنوية لدراسة النقد السينمائي في الخارج -

الطلب من الجامعة اللبنانية (معهد الصحافة) الإهتمام بجعل النقد الفني بشكل عام والسينمائي -
بشكل خاص من المواد المدرّسة في البرنامج

الطلب من الإذاعة اللبنانية تخصيص برنامج أسبوعي جدّي حول السينما يشترك في إعداده -
إتحاد النقاد٠

على الصعيد الخارجي

الإنتماء الى الإتحاد العربي -
الإنتماء الى الإتحاد الدولي -
التواجد في كافة التظاهرات السينمائية العربية والدولية -

أنتهى٠
-=====================================================


فرنسا و»مكتوب«: أول فيلم تم تصويره في المغرب | مصطفى المسناوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما قبل تاريخ السينما المغربية (1919- 1956)٠

يطرح البحث في بدايات السينما المغربية قدراً من الاسئلة يتعدّى بكثير مقدار ما يمكن التوصل اليه من خلاصات ونتائج. ذلك أننا نجد أنفسنا أمام بدايات كُتب حولها القليل، أولا، ومن طرف الغربيين وحدهم، ثانياً، وتعددت، مع ذلك وجهات النظر حولها رغم قلّة الكتابات المذكورة ورغم انطلاقها من مركز واحد هو الغرب، ثالثاً٠
فبينما يرى البعض أن بدايات السينما في المغرب تعود الى ما قبل الظهور الرسمي في عام 1896، وبالضبط الى الفيلم المخبري »الفارس البربري« الذي أنجزه جول إتيان ما عام 1885 بالطريقة الكرونوفوتوغرافية (اي القائمة على تحليل الحركة تصويرياً) يرى البعض الآخر أن ظهور السينما في هذا القطر العربي يعود الى فترة تتراوح بين 1895 و1905، وهي الفترة التي يجمع فيها »كاتالوغ المشَاهِد« الخاص بشركة لوميير الفرنسية حوالي 1800 فيلم قصير من الأفلام التي أنجزتها الشركة في ذلك الوقت، من بينها حوالي 60 فيلم عن أفريقيا الشمالية، تضم فيلماً وحيداً عن المغرب يحمل الرقم 1394 تحت إسم »راعي الماعز المغربي« (لعل النيغاتيف الخاص به مازال موجوداً حتى الان بخزانة الأفلام الوطنية الفرنسية- السينماتيك- التي نُقل إليها بُعيد الحرب العالمية الثانية)٠
الا أن الرأيين معاً لا يمكن الأخذ بهما لسبب بسيط هو أن الأمر لا يتعلّق فيهما بفيلم مغربي، وإنما بفيلم أنجزه أجانب عن المغرب. أي أن النظرة التي يعبّر عنها هنا هي نظرة خارجية مترفّعة، تنظر الى الآخر (الذي هو نحن والحالة هذه) كأنه شيء جامد من أشياء طبيعية: فالفارس لا يختلف عن فرسه، مثلما لا يختلف الراعي عن معيزه، والكل ينتمي الى عصر خاله الأورربيون انتهى واقنضى، فإذا بهم يكتشفون أنه ما زال حاضراً حياً، على أبوابهم!!٠

ولعل بإمكاننا قول الشيء نفسه بخصوص مئات الأمتار التسجيلية التي صوّرها فيليسك ميغيش، المصوّر والصحفي الفرنسي، عام 1907 بمدينة الدار البيضاء، أثناء مهاجمة القوات الفرنسية لها بحراً وشروعها في احتلالها. لقد كتب هذا المصوّر يقول: ".... حين وصلنا الى الدار البيضاء عن طريق البحر، كان الدخان يتصاعد من المدينة بفعل القصف. وقادتنا مفرزة من البحارة قنصلية فرنسا حيث تمترسنا. وقد صوّرت بعض المشاهد للجند في الشوارع المقفرة والمغطّاة بالجثث، والتي تتصاعد منها رائحة نتنة وغيوم من الذباب، كما صوّرت مشاهد للمعسكر، بما فيه من قنّاصة جزائريين إضافة الى اللفيف الأجنبي"٠
ومن الواضح، من خلال هذا الوصف، أن النظرة التي يعبّر عنها ميغيش هي النظرة الكولونيالية، فالمدينة التي تحترق لا تثير لديه إحساساً بالإستنكار، مثلها مثل جثث المواطنين المغاربة »النتنة«، بل بالعكس يحس بالزهو والفخار لأنه صور الجند ومعسكرهم وتحركهم وسط »الشوارع المقفرة« وهو تحت حماية القنصلية الفرنسية. بعبارة أخرى، إن النظرة التى الإحتلال الفرنسية للدار البيضاء كانت ستختلف بالتأكيد لو أن الذي أمسك بالكاميرا كان مواطناً مغربياً يصوّر ما حصل من طرف المغاربة باعتباره مقاومة مشروعة، لا مجرد عمل همجي يقوم به رعاع متخلّفون عن ركب الحضارة، ولعل من المثير، بهذا الصدد، ملاحظة الإهتمام البالغ الذي أولي في فرنسا، وقتها، لصور ميغيش المتحركة، ذلك أنها كانت المشاهد السينمائية الأولى عن اللقاء الصدامي الدموي بين القوّة الإستعمارية الفرنسية والمقاومة الشبعية المغربية العربية الرافضة لك سيطرة أجنبية، ما دامت السينما، هذا الفن الجديد، لم تكن حاضرة أثناء الإصطدامات التي حصلت إبان بدايات الإحتلال الفرنسي للجزائر (1830) او لتونس (1870). ويمكننا، في السياق نفسه، أن ننعت ما اعتبره بعض نقاد السينما الفرنسيين أول فيلم روائي مغربي بأنه (وكل الأفلام التي تلته) مجرد نقل للعين الفرنسية (او الغربية عامة) الى مكان آخر، هو المغرب، مع احتفاظها بجميع رؤاها وأحكامها المسبقة عن البلد وأهله بحيث أنها كانت ترى على أرض الواقع ما كانت تتخيّله أصلاً، من دون أن تبذل ولو أدنى مجهود للنظر الى المكان الجديد وأهله والعلاقات القائمة بينهم، وبين المكان، كما هي بالفعل، مع السعي لفهم كل ذلك واكتساب نظرة جديدة من خلاله الى الذات والعالم٠

يتعلّق الأمر هنا بفيلم »مكتوب« أول فيلم روائي غربي يُصوّر في المغرب، سنة 1919، من قبل المخرجين ج. بانشون ودانيال كانتان. ومن الملاحظ أن هذه السنة (وي السنة ذاتها التي صٌور فيها أول فيلم روائي فرنسي في تونس، وذلك بعد 8 سنوات على تصوير أول فيلم روائي فرنسي في الجزائر العام 1911) تشير الى مرور 12 سنة على احتلال الدار البيضاء، لكنها تشير، على الخصوص، الى مرور سبع سنوات على إعلان الحمايتين الفرنسية والأسبانية على المغرب في 30 مارس و27 نوفمبر سنة 1912 على التوالي. أي أن الأمور قد هدأت نسبياً في البلاد واستقرت السلطة في يد قوات الإحتلال، مما مكّن من تصوير الفيلم دون أي مشكل في مدن الدار البيضاء وطنجة ومراكش؛ ومعنى أن الأمور لم تهدأ الا نسبياً كون القوّات الإستعمارية ستضطر الى خوض المزيد من المعارك ضد المقاومة المغربية، وذلك حتى أواسط العشرينات في جبال الريف، وبداية الثلاثينات في جبال الأطلس. بحيث أنه إذا كان الإستعمار الفرنسي قد واصل احتلاله للمغرب، عموماً، طيلة 44 سنة ( من 1912
الى 1956)، وهو الرقم الذي استغلّه، بالمناسبة، مخرج مغربي هو مومن السميحي في فيلمه التاريخي الذي يحمل العنوان نفسه، فإن المناطق الجبلية التي لم تخضع الا بين عامي 1932 و1934 لم تعرف الإستعمار الا لمدّة 22 سنة، ظلت مالكة خلالها -مع ذلك- لقدر كبير من حرية التحرك والمواجهة، بل وشكّلت خلفية مهمة لإنطلاق جيش التحرير المغربي فيما بعد. والنتيجة هي أن مجمل الأفلام التي صُوّرت في المغرب صوّرت في المناطق "الآمنة"، وأن الكاميرا الغربية لم تغامر بالتغلغل في مناطق المقاومة المسلّحة، وإن فعلت ذلك فتحت الحماية المشددة من طرف قوات الإحتلال الفرنسية٠
لا يكفي إذاً، تصوير الفيلم في المغرب، من طرف مخرج فرنسي، إبان احتلال فرنسا للمغرب، لكي يكون مغربياً، كما لا يكفي أن يشارك فيه »كومبارس« او »ممثلون« مغاربة، لأن يعتبر كذلك. فقد شارك كومبارس مغاربة بالمئات وبالآلاف أحياناً، في أفلام من هذا النوع، كما شارك فيها أفراد مغاربة بوصفهم ممثلين، لا نعرف عنهم غير أسمائهم: إبراهيم الحاجب، يعلي، زهرة بن بلبا، عبد السلام بلكبير، لحبيب بلغالية، ليلى عطونة، توفيق الفيلافي، ليلي وهبي، ليلى فريدة، الخ الا أن مشاركتهم كانت من الدرجة الثانية او الثالثة، حيث كان المطلوب منهم هو فقط أن يعطوا تعبيراً خارجياً ينسجم مع الديكور ومع طباعهم المتراوحة بين السذاجة والخبث، التي حددها السيناريست والمخرج الأجنبيان. ما يؤكد ذلك أكثر أن مقدّامات الأفلام غالباً ما كانت تحمل أسماء هؤلاء الممثلين دون ألقاب: الطاهر، مولاي، عائشة، سي سعيد، جلول٠
وقد حاولت فرنسا، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولأسباب سيرد تفصيلها لاحقاً، إقامة سينما مغربية يشرف عليها ويخرجها مخرجون فرنسيون، هذا حق، الا أنها ناطقة باللغة العربية الدارجة وتتناول قصصاً مغربية بمشاركة ممثلين مغاربة. وهنا أيضاً لا يمكن أن نتحدّث عن سينما مغربية، ما دام الأمر يتعلّق، في العمق، بمجرد تنويع على الإتجاه الكولونيالي في السينما بالمغرب، حيث اعتبرت هذه »السينما المغربية« (تحت الإحتلال) مرادفاً لنقل الحكايات الشعبية المحلية او حكايات »ألف ليلة وليلة« او مسرحيات موليير الى السينما في إطار مغربي٠
يبقى أمامنا في النهاية احتمال واحد هو أن نطلق إسم »فيلم مغربي« على كل فيلم أنجزه مخرج مغربي انطلاقاً من نظرة داخلية، غير متعالية، تنطلق من الواقع المعيش لا الواقع الأسطوري او الخرافي وتنظر الى الواقع، بصفة عامة- نظرة تقترب منه قدر الإمكان، مع النظر الى الأداة المستخدمة (السينما) بإعتبارها وسيلة تعبير ومعرفة٠
وهنا يمكن القول أن أول فيلم مغربي يستحق هذا الإسم حقاً هو الفيلم التربوي القصير »صديقتنا المدرسة« (11 دقيقة، أبيض وأسود) الذي أخرجه المغربي العربي بنشقرون عام 1956


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Nov 7, 2009

مقابلة مع مات دامون أجراها محمد رُضا | الكوميديون الكبار: هارولد لويد | في ذكرى رحيل مصطفى العقّاد

Year 3 | Issue 468

COVER STORY
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
StreetDance 3D


مشاهد من الفيلم البريطاني الجديد »رقص شوارع« من المخرجين ماكس ودانيا معرووض حالياً في إطار »سوق الفيلم الأميركي« في لوس أنجيليس. الفيلم لا يزال قيد التصوير وأبطاله مجموعة من المواهب التلفزيونية في برامج الرقص الشبابي الرائج٠



في هذا العدد
1
إفتتاحية | تقترب ذكرى وفاة المخرج  مصطفى العقاد الذي قضى بعملية إرهابية في الوقت الذي لا يزال هناك من يؤاثر صرف النظر عما أنجزه٠
2
لديك بريد | سؤال حول اللطش والسرقة ومواقع لأفلام عربية قصيرة وتعليق حول ما كُتب سابقاً حول المخرج التاجر
3
مقابلة | الممثل مات دامون يتحدّث  لمحمد رُضا عن دوره في »المخبر!« وعن وأفلامه السابقة وسلسلتي »بورن« و»جيمس بوند«٠
4
الكوميديون الكبار | هارولد لويد كان الثالث بعد كيتون وتشابلن وأفضل ما في أعماله الجيّدة إقحام المشاهدين في مشاهد خطر تُعالج كوميديا | محمد رُضا


ـــــ 1 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إفتتاحية
............................................................................................
 الذكرى الرابعة لرحيله : مصطفى العقّاد وقيمته



في أيام تمر الذكرى الرابعة لرحيل المنتج والمخرج مصطفى العقّاد في حادثة إرهابية دموية وقعت في عمّان الأردن وراح ضحيّتها مئات الأشخاص
العقاد، الذي توفّي عن 75 سنة، وأربعة عشر فيلماً إثنان منها روائيان عربيان، بقي مثيراً للجدل طوال حياته. البعض رآه مخرجاً كبيراً كوّن نفسه بنفسه واستطاع تحقيق عمليَن تاريخيين لم ينجح العالم العربي في إنجاز ما يوازيهما حجماً وجودة، والبعض يشك تماماً في هذا الإنجاز وقيمته ويرى أن العقاد لم يكن سوى رجل أعمال أتيحت له الفرصة فوثب عليها وأن فيلميه الكبيرين ليسا سوى إنتاجين خاليين من الهم الذاتي والجدّية وتنفيذ رغبات غير رغباته٠

ومع الإدراك أن كل شيء وكل واحد في العالم كان ولا يزال وسيبقى موضع خلاف، فإن الفيلمين المذكورين، وهما »الرسالة« و»عمر المختار« يتحدّثان عن نفسيهما جيّداً وباستطاعتهما تحديد أي نوع من المواهب تحلّى بها المخرج- المنتج. هل كانت مواهب مادية؟ هل كان أكثر من رجل أعمال؟ هل كان فنّاناً او مديراً؟ هل الحق عليه إذا ما اختلفت أفلامه عن رغبات النقاد والمعارضين لمبدأ الفيلم غير الذاتي في كل الأحوال؟

واحد من مشاكل النقد السينمائي في العالم العربي هو أنه ارتبط، ربما أكثر مما يجب، بظروف الحياة السياسية في هذا الجزء من العالم. وعى معظمنا والقضية الفلسطينية قائمة يتقاتل على أطرافها وبسببها ليس العرب والإسرائيليين فقط، بل العرب فيما بينهم أيضاً. وعايش جميعنا الظروف الإقتصادية والسياسية الداخلية المتقلّبة، من اتجاه الى آخر ومن قمع وكبت ودكتاتورية الى أحلام مجهضة. وكلنا تقريباً عاش الحرب اللبنانية او عايشها بعيداً، وبعضنا -على الأقل- وقف على حالات النزاع بين كل دولة عربية وأخرى، مثل الجيران المتنازعين على موقف للسيارات. وكلنا طبعاً عاصرنا الحرب العراقية في مراحلها والتي لا تزال مستعرة وفوقها الآن حروباً أخرى٠

الحقيقة أن حروبنا لا تنتهي لأننا عالم يعيش في كوكب مختلف عن باقي الكواكب حوله. هل لاحظت أن كل مشكلة تنشأ في العالم العربي لا يُمكن أن تُحل؟
بناءاً على ذلك، امتزج حب التصدّي للأعمال الفنية بحب رصد توجّهاتها الخطابية. كيف هي. مع من تقف. هل تؤيد او تعارض الإنتماء الشخصي للكاتب؟ بذلك، لم يكن من الممكن، في معظم الأحيان، من تقدير فيلم لذاته الفني، بل يتم هذا التقدير لرسالته او خطابه. من السبعينات: برغمَن ترف برجوازي للبعض وغودار ماركسي متطرّف عند البعض الآخر. السينما الأميركية إمبريالية وهدّامة والسوفياتية إما فاشية او سينما خالدة حسب موقع الكاتب من الدولة والموقع السياسي لهذه السينما او تلك. لهذا السبب، فقدنا البوصلة الصحيحة طويلاً. باتت أفضل الإنتاجات الفنية محكوم عليها بالإعدام النقدي لأنها لا تتماشى وفكر الكاتب الذي هو، بشكل منتشر وإن لم يكن كاملاً، من على الفيلم الصعود الى مستوى قناعاته وأفكاره٠

ضمن هذا المفهوم، تم النظر الى »الرسالة« و»عمر المختار« خصوصاً وأنه المنظور ذاته الذي يربط أفضل النتائج الفيلمية بما إذا كان الفيلم ذاتياً وصغيراً ومستقلاً ام لا، كما لو أن حجم الفيلم، صغيراً كان او كبيراً، هو ما يمنحه المكانة٠
مشاهدة الفيلمين اليوم، كما في الأمس، تعكسان موهبة مخرج تلاقت وتلاءمت مع طموحاته. إذا كانت هذه الطموحات أن يُصبح ديفيد لين او غريفيث السينما العربية فلا حكم لنا عليها. إنها ذات الطموحات المشروعة التي تعتري بعضنا ليكون أكبر شاعر حديث او أفضل رسّام او كاتب او حتى حلاّق، لذلك لم يكن معلوماً عندي أي سبب منطقي يدعو لأن يتم نقد مخرج بسبب أن طموحاته هي أن يحقق أفلاماً على منوال لين او سيسيل ب. دميل. هذا ليس منطقياً. الحكم عليه أن يكون إذا ما أنجز فيلماً »صحيحاً« او لا٠
وهما ليسا فيلمين متساويين. الأول أضعف من الثاني درامياً والسبب معروف: عدم تمكّن المخرج من إظهار النبي محمد (صلى الله عليه وسلّم) في الفيلم لأسباب ودواعي معروفة. بالتالي، واجه ذلك الظرف الصعب الذي عليه فيه أن يحكي قصّة شخصية لا يستطيع تصويرها ما جعل من السرد محطّ مطبّات درامية تودع الفيلم في خانة العاطفة أكثر مما تستطيع أن تتعامل مع ضروب النفس البشرية٠
حين انتقل العقاد لشخصية مُباح تصويرها (المناضل الليبي عمر المختار) لاحظنا كيف أن فيلمه، كتنفيذ درامي وفني، ارتقى. هذا من دون أن يعني أن »الرسالة« كان فيلماً رديئاً. أعتقد أنه كان أفضل نتيجة يمكن الوصول اليها ضمن الشرط الصعب بعدم إظهار »بطله« وللكلام بقية٠

م.ر



ــــــ 2 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لديك بريد | اسئلة وتعليقات وردود

كلمة | يتضمن الإشتراك ببريد »ياهو« حتمية استلام العديد من خطابات النصب. كل يوم أربح ما لا يقل عن مليون دولار عدا تلك الإستثمارات التي تطلب مني أن أدفع نصف مليون لقاء الحصول على عشرة ملايين دولار هي مودوعة في المصرف وبحاجة الى مالي لكي يتم صرفها. يا سلام. المهم أنني تجاهلت كل هذه الترهات حتى بدأت الرسائل الحقيقية تضيع وسط ركام تلك الزبالة خصوصاً وأن خدمة "ياهو" لا تبدو قادرة على تنفيذ عملية منعها عبر خدمة الـ
Spam
لذلك قررت الاستغناء عن تلك الخدمة بأسرها وإلغاء الموقع والإكتفاء بخدمة أخرى أنا مشترك فيها لقاء مبلغ شهري (ياهو طبعاً خدمة مجانيّة) منذ سنوات بعيدة. العنوان الجديد (المنشور أعلاه) هو
.........................................................................
مشاهدات | المخرج الكويتي داوود شعيل بعث بموقع فيلمه »القنّاص« وهو شريط قصير جيّد التنفيذ لمن يرغب في مشاهدته. اللينك هو
كذلك بعث المخرج الإماراتي نوّاف الجناحي بموقع مشاهدة فيلمه »مرايا الصمت« وهو
وهو فيلم جدير جدّاً بالمشاهدة جال مهرجانات عدّة وتبلغ مدّته ستة عشر دقيقة بالأبيض والأسود٠
شكرا للمخرجين والتمنيات لهما بالتوفيق٠

..................................................................................
رسائل | الأخ عبد الرحمن عيتاني بعث قائلاً
شكراً على كلماتك الرقيقة وشكراً أكثر لموقفك الثابت في موضوع مسؤولية الناقد حيال جمهوره كما كتبت. هذا ما يجب أن يفعله كل النقاد: الوقوف الى جانب القراء والكتابة الى القراء. حسناً فعلت٠

جواب | شكراً بالمقابل، لكن ألا تعتقد أن القرّاء هم أيضاً مسؤولين عن منح النقاد الشعور بأنهم لا ينفخون في الهواء؟
*****************
من الصديق عاصم هنداوي
للأسف يا أستاذي العزيز، المحيط السينمائي في مصر مليء بحفنة من الأفّاقين.. المحتالين.. الذين لا يفقهون شيئاً عن البطيخ .. فماذا هم عالمون عن الفن والثقافة؟ بالنسبة لمسألة المخرجين الذين يقبضون والمهرجانات التي تدفع فهي مهزلة من الطرفين ويجب أن تتوقّف| وأقول لمن يظن أنك تهاجم مهرجان أبو ظبي لأنك لم تدع إليه إنك أكبر من هذا بمراحل- شكراً
*****************
جواب | أنا برضه بقول كده. شكرا لمداخلتك يا أخ عاصم والمسألة يجب أن لا تتمدد وتنتفخ بسعي مخرجين آخرين لبيع أعمالهم لمن يدفع. وسأتصدّى وغيري في كل مرّة٠
*****************
من الأخت  نوال الشاعر رسالة أولى تقول فيها
أنا وشقيقي نتابع قراءة ما تكتبه ومن المعجبين جدّاً بكتابتك الراقية. وبعثت لك برسالة أخرى لموقع فيلم ريدر بخصوص فيلم »الزمن الباقي«. أريد أن أعرف رأيك بخصوص سرقة المقالات النقدية التي يشكو منها عدد من زملائك النقّاد وهل هناك طريقة لمعالجتها خصوصاً وأن تكرار المسألة باتت تتطلب في رأيي قانوناً رادعاً مثل القوانين المعمول بها في السرقات الأخرى٠

جواب | حضّرنا أنا وصديقاي أمير العمري وصلاح سرميني رسالة تدعو لإلتفاف النقاد الجادّين في عمل موحّد للتحذير من مغبّة ما يحدث لبعضنا من سطو. وآمل أن نتابع الموضوع لأهميّته. لكن الحقيقة يا أخت نوال أن المسألة لها علاقة بانتشار آفّة الجهل والضحالة الفكرية وغرق الثقافة في برك الوحول. لا أحد عاد يهتم ولا يوجد من يكترث. وحين يكون لدى المرء منا مشروعاً مفيداً فهيهات يصل الى من يؤازره من القادرين على تنفيذه. السينما في العالم العربي تشبه مصانع تعليب اللحم ، الكثير من الدهن والقليل من الضاني٠


ـــــ 3 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقابلة | محمد رُضا


مات دامون: العائد في فيلم رابع من سلسلة »بورن« الجاسوسية
جيمس بوند إمبريالي يرتشف المارتيني ويقتل الناس



هذا العام كان عاماً صعباً على نجوم السينما الأميركيين٠
لقد استولت الآلة على السينما وامتلأت الشاشة بالحيوانات المرسومة والوحوش المصممة الكترونيا وبشخصيات من خيال البشر الجانح والآلات الكبيرة التي تستعمر الأرض وتبيد الرنسان وتدمّر المدن. نظرة الى مستقبل حالك؟ بالتأكيد، لكن الأحلك هو الحاضر
نتيجة هذا العدد من الأفلام الكرتونية والفانتازية والخيال-علمية، زحفت شخصيات غير آدمية على الشاشة واحتلّت المقدّمة في الإيرادات. فجأة الجمهور توجّه الى الدببة والقنافذ والكلاب والمخلوقات غير القابلة للوصف وترك الممثلين البشر الذين وجدوا أنفسهم يواجهون وضعاً جديداً هم فيه من الكماليات فإذا بأدوارهم تترنّح تحت ضربات السوبر هيرو ومخلوقات الأنيماشن غرافيك وإذا بالجمهور يكشف عن أن الإسم الكبير لا يعني كل ذلك الحجم الذي كان عليه سابقاً٠
واحد تلو آخر اكتشف نجوم السينما الأميركية معنى السقوط: جيم كاري سقط تحت خفّة فيلمه الأخير» رجل النعم«، توم كروز لم يجد اهتماماً كبيراً بين المشاهدين على فيلمه الأكشن الأخير »فالكيري«، وأفلام ايدي مورفي، جون ترافولتا، جوليا روبرتس، ول سميث، دنزل واشنطن، ول فارل، أدام ساندلر، نيكول كيدمَن وسواهم سقطت على نحو متوال . فقط ساندرا بولوك، من بين الممثلات وتوم هانكس من بين الرجال، نفذوا من هذا الإنحسار المتزامن مع إطلاق هوليوود تساؤلات حول إذا كان كل واحد من هؤلاء النجوم لا يزال يستحق العشرين مليون دولار وما فوق التي يتقاضاها نظير تمثيله فيلمه٠ بولوك أنجزت نجاحاً لا بأس بها، وإن لم يكن خارقاً، في »العرض« و»كل شيء عن ستيف« وتوم هانكس لعب دوره في فيلم باع التذاكر على قوّة روايته أكثر من أي شيء آخر وهو »ملائكة وشياطين«، المصنوع على منوال سابقه »شيفرة دافنشي« وبقلم ذات الكاتب دان براون٠



مات دامون واجه الموقف الصعب ذاته. في مهرجان فنيسيا حيث افتتح فيلمه الأخير »المخبر« بنجاح، بدا أن النكهة الكوميدية من ناحية والتعليق الواضح على الوضع الإقتصادي المتأزم من ناحية أخرى لا يمكن أن يخطآ التوجّه. الجمهور الأميركي سوف يقبل على الفيلم إن لم يكن لهذين العنصرين، فعلى الأقل لأن مات دامون، الذي حقق معظم نجاحاته في سلسلة أكشن لعب فيها شخصية عميل المخابرات الذي فقد ذاكرته جاسون بورن في ثلاثية
The Bourne Identity, The Bourne Supremcacy
The Bourne Ultimatum و
نجم محبوب وناجح وليس بحاجة الى جمهور معيّن لكسب النجاح فهو يتوجّه تلقائياً الى فئات كثيرة من الجمهور٠
The Informant! لكن هذا لم يحدث وفيلمه الجديد »المخبر« او
استمد بعض الإهتمام أول ما حط على الشاشات الأميركية ثم فقد ذلك الإهتمام سريعاً ليدخل الفيلم في نفق ما يحدث للأفلام عموماً بعد أسابيع عرضها الأولى: تتحوّل الى تاريخ٠

حين قابلته لم يكن مصير »المخبر!« وارداً بعد، لكن بعض الحديث تطرّق الى ظواهر النجاح والفشل الحالية من خلال أعمال أخرى. معظم الحوار تركّز على فيلمه الجديد وعلى عدد من أفلامه السابقة وما إذا كان الممثل يشعر بأنه محارب لأجل رسالة خاصّة به وما هي هذه الرسالة٠
وُلد مات دامون قبل 39 سنة في بوسطن وبعد ثلاث سنوات من ولادته تطلّق والديه وبقي هو مع والدته وشقيقه الأكبر سناً بقليل لينتقل الثلاثة للعيش في مدينة أسمها كامبردج وليتعرّف على بن أفلك. كلاهما ترعرع محبّاً للتمثيل ولا يزالان صديقان عملاً معاً على مشاريع أوّلها
Good Will Hunting صيد طيب النية
الذي منحهما أوسكار أفضل كاتبي سيناريو وتسبب في نيل الممثل روبين ويليامز أوسكاراً آخر كأفضل ممثل مساعد سنة 1998
لكن مهنة مات دامون بدأت قبل ذلك. الفيلم الأول له، سنة 1988 كان أيضاً أوّل بطولة تؤديها جوليا روبرتس (وثالث فيلم لها) وهو »ميستيك بيتزا«. دوره فيه كان صغيراً كذلك الحال في »حقل الأحلام« وراء كَڤن كوستنر ولو أن الظهور في الخلفية لم يدم طويلاً فهاهو يظهر في بطولة »روابط مدرسية« سنة 1992 وفي »جيرونيمو: أسطورة أميركية« في العام التالي، وكأحد الممثلين الرئيسيين في »شجاعة تحت النار« ثم في بطولة فيلم فرنسيس فورد كوبولا »صانع المطر« سنة 1997 وصولاً الى »صيد طيّب النية« الذي فتح له المزيد من النجاحح
مات دامون سعى لأدوار متناقضة وحصل عليها. عوض البقاء في نطاق الفتى المتعجّب مما يحدث حوله كما في »صانع المطر« و»صيد طيّب النية« دلف سريعاً الى الدور المركّب الداكن في »مستر ريبلي الموهوب« ثم الى البيوغرافي في »اسطورة باغر فانس« ثم الى طيّات فيلم الوسترن الحديث مع الأكشن في »كل الجياد الجميلة« ومنه الى الكوميدي حينا والداكن مرّات أخرى والدراما المتنوّعة في غالب المرّات٠
تحلّق الجمهور حوله في سلسلة العميل بورن المذكورة كما في سلسلة »أوشن« التي خرج منها ثلاثة أفلام تجمعه لجانب صف من النجوم الآخرين بينهم جورج كلوني، جوليا روبرتس، براد بت، كايسي أفلك (شقيق بن أفلك) ودون شيدل٠
فيلم »المخبر!« جمعه مجدداً مع جورج كلوني الذي قام بالإنتاج والمخرج ستيفن سودربيرغ الذي أخرج سلسلة »أوشن«٠ وجديده المزيد من »بورن« وفيلم آخر بينه وبين بن أفلك، ومشروع يجمعه مع الأخوين كووَن اللذين يريدان إعادة تحقيق فيلم كان جون واين قام ببطولته في السبعينات الأولى بعنوان »جرأة نادرة« او
True Grit

المغامرة ذاتها
نبدأ من المستقبل؟ -
من حيث تشاء

ستعود الى مجموعة أفلام الجاسوس بورن في مشروع رابع -
لا يزال بلا عنوان. هل معروف متى؟
السيناريو لا يزال قيد الكتابة للمرّة الثالثة. نريد أن نرى جاسون بورن ينتقل الى مرحلة جديدة من دون أن يخسر ملامحه. النجاح الذي تحقق له كان بسبب أنه أول عميل يبحث عن هويّته بعدما فقد ذاكرته، وكما لابد شاهدت، نجاح السلسلة قائم على محاولته الإتيان بإجابات ليس فقط حول هويّته بل لماذا تحاول السي آي أيه تصفيته. ولا نريد أن نخسر هذه الوجهة محاولين في ذات الوقت تجنّب التكرار٠

بما أننا في سيرة »بورن«. تلك المعركة التي تقع بينك وبين الشاب -
المغربي من التصميم والإدارة بحيث تضمن الواقعية وتضمن الإثارة
في ذات الوقت. لم يكن المشاهد واثقاً من أنك ستنتصر فيها وذلك لأن
الشاب الآخر كان قويّاً ومُنح شخصيّته حتى في تلك الحدود على عكس
أفلام أخرى نرى فيها الشرير بلا ملامح٠
صحيح. كان لابد من ذلك. كان ضروريا أن تكون المواجهة بين متكافئين لكي تمنح الفيلم قدراً مما ذكرت. الواقعية والإثارة وعادة ما تغلب الإثارة على واقعية التناول في أفلام الأكشن. لكن هذا واحد من حسنات المخرج بول غرينغراس الذي عالج الفيلم بأسره بهذا الأسلوب٠

طبعاً تعلم أن كل سياسة إنتاج سلسلة جيمس بوند تغيّرت تبعاً -
لسلسلة بورن. لقد بحثوا عن بطل جديد أصغر سنّاً من سابقيه وعن
معالجة تتواصل مع الجمهور الحاضر٠
لابد. إذا قدّمت المغامرة ذاتها مرّة وراء مرّة كما الحال في »بورن« عليك أن تتواصل دائماً مع الجمهور الذي تتوجّه اليه. الصعوبة أن تبقى كما أنت من دون أن تتكرر. أفلام جيمس بوند ثروة سينمائية ممتازة وهي مرّت بنجاح وسط عدد مختلف من الأجيال. من الستينات والى اليوم. أعتقد أن التغيير كان قادماً بسبب بورن او لأي سبب آخر على أي حال٠

تسلّق مناصب
لكن الأمور تتغيّر بالنسبة للممثلين أنفسهم على ما يبدو. كنت -
أراجع إيرادات افلام الصيف وأدركت كغيري كيف أن الأفلام التي
لا تعتمد على ممثلين بشر هي التي حققت أعلى الإيرادات. كيف تجد
أثر ذلك على مهنتك؟
لم يكن لدي أفلاماً في هذا الصيف، لكن ما تقوله حقيقي. هناك فترة حالية يبدو لي أن الجمهور الغالب فيها متوجّه الى الأفلام الأكبر من الواقع او الى تلك غير الواقعية على الإطلاق. حين يحين الوقت لممثل ما تقديم فيلمه الذي يقول للمشاهدين "هذا فيلم مختلف يريد أن يتحدّث بلغة واقعية معكم" فإن القلّة، ظاهرياً على الأقل، هي التي تستجيب. ولا أعرف سبباً لذلك ولا أعرف، إذا سألتني عن هذه الظاهرة، ما إذا كانت فعلاً ظاهرة عابرة او أنها ستدوم. لكني لست قلقاً. هناك مساحة لكل أنواع الأفلام وما قد يبدو غير لافت اليوم يعود غداً قوياً. هذا ما أعتقد٠

في »المخبر!« تقدّم شخصية جديدة أخرى من شخصياتك. هل -
أنت بصدد التجريب؟
تستهويني الشخصيات وأعتقد أن الممثل هو من يؤدي الشخصيات وليس من يلعب نفسه في كل مرّة. هذا رأيي٠

هل صحيح أنك اتصلت بروبرت دي نيرو وسألته كيف زاد -
وزنه حين لعب »الثور الهائج« لكي تستمع الى نصيحته؟

كنا نتحدّث في بضعة شؤون ثم سألته حول ذلك الموضوع. صحيح٠

القصّة حقيقية والشخصية حقيقية وهي تطرح مسألة الجشع الذي -
تسبب في انهيار الإقتصاد الأميركي، إنما على نحو غير مباشر. هل
توافق؟
يقدم الفيلم حكاية لها علاقة بما تقول، لكن الرغبة الأساسية كانت تقديم هذه الحادثة تحديداً والإنعكاسات أعتقد أنها كانت طبيعية جدّاً. لم يكن هناك سبيلاً لمنعها. هذا رجل أراد أن يتسلّق المناصب عبر وضع مدرائه في السجن لكنه خلال ذلك كان يضع نفسه أيضاً في المأزق ذاته. هو لم ير هذا حين بدأ. لم يعرف أن عليه من المآخذ ما يكفي لقيام الأف بي آي القبض عليه وتقديمه الى المحكمة وإيداعه السجن٠

ما يجعل كل شيء جديداً وساخراً الى حد بعيد أن هذا الرجل -
إنما كان يحاول تغطية كل أزمة يتعرّض إليها بكذبة جديدة. بل كل
كذبة بكذبة أخرى٠
صحيح. لقد كان مؤمنا بما يقوم به ومؤمنا بأنه سينجح في الكذب على المحققين . هذه لم تكن مشكلة بالنسبة إليه. كان حضّر في بعض الأحيان تلك الأكاذيب تبعاً لخطّته، وفي أحيان أخرى كان يأتي بها على نحو مفاجيء تثير استعجاب المحققين٠

أنت لم تؤد دوراً كهذا من قبل، لكنك مثّلت شخصيات داكنة من -
من قبل. أحياناً داكنة من دون كوميديا مثل حال »موهبة المستر
ريبلي«٠
أعتقد أن هناك قدراً من السخرية في ذلك الفيلم. لكن المعالجة أكثر جدّية مما هي هنا٠

وأنت ظهرت مع جورج كلوني في فيلم »سيريانا« قبل سنوات قليلة -
كما في سلسلة »أوشن« لجانب براد بت. هل تعتقد أنكم أنتم الثلاثة
تشكّلون نوعاً من النادي؟
يبتسم ثم يطلق ضحكة قصيرة
نعم ولا. هما صديقان حليفان ونحن دائماً ما نجد أنفسنا في مشاريع تلتقي او تسير موازية ونراقب بعضنا البعض في رغبة أن يرى كل منّا الاخر ناجحا. لكن معظم اللقاءات على الشاشة تتحوّل في اعتقادي الى استجابة لحتميات تنفيذية. طبعاً نفرح أن نلتقي دائماً وجورج كلوني هو منتج »مخبر!« كما تعلم، لكن هناك مسؤولية النجاح التي علينا أن نستجيب لدواعيها. لا أدري إذا كنت واضحاً في هذه النقطة



بسبب جورج وستيفن
هل تقصد أن سلسلة »أوشن« تعتمد على ظهوركم المعيّن -
في أدوار خفيفة. هذا هو نمط هذه الأفلام وأنتم تقومون
بتأدية المطلوب؟
نعم. هذا حقيقي. السلسلة ساعدتنا أن نصيغ ظهوراً مشتركاً متجانساً في فيلم لا يحتمل أن يكون أكثر مما هو عليه٠

كان يمكن أن يُلغي الخفّة ويستبدلها بمعالجة جادّة. أليس كذلك؟ -
طبعاً لكن النتيجة هي فيلم آخر تماماً٠

ما رأيك بالمخرج ستيفن سودربيرغ؟ لقد تعاملت معه أكثر من -
مرّة
سودربيرغ مخرج غريب من حيث أنه لا يتوقّف عن العمل. إنه دائماً ما يفعل شيئاً. يكتب. يخطط. يصوّر. ينتج ويخرج طبعاً احياناً ما تراه منصرفاً على توليف الأفلام ليلاً ويصوّر مشاهد جديدة في اليوم التالي. وأنا دائماً أتساءل كيف يمكن له أن يفعل ذلك٠

هل قبلت »المخبر!« بسبب جورج كلوني وستيفن سودربيرغ او -
بسبب الدور في الأساس؟
في الأساس... نعم... السيناريو. أعني أن الشخصية مشروحة جيّداً. مكتوبة تماماً كما ظهرت. واضحة وفي الوقت ذاته مثيرة. أليس كذلك؟ أعني أنه في أحيان كثيرة يجد الممثل نفسه يحاول إقناع نفسه بأن الشخصية مكتوبة له او أنه يستطيع القيام به بحب والحب أساسي في النجاح. الممثل الذي يقبل دوراً لا يعنيه كثيراً لن يستطع إيصال رسالة الدور ولا تجسيد الفيلم الذي عليه تجسيده٠
طبعاً هناك من ذكرت. كل من كلوني وسودربيرغ يعرفان ما يريدانه تماماً وهذا يمنح الممثل الثقة. هذا هو جانب آخر من جوانب الصداقة التي أسسناها عبر سنوات من العمل. حين ترى كلوني ملتزماً ومتحمّسا وترى سودربيرغ سعيداً بالمشروع الذي يعرضه عليه تدرك إنك في أيد أمينة. هذا حدث أيضاً في »سيريانا«. كثيراً سألوني آنذاك كيف وجدت الممثل كلوني معك في الفيلم. أقول أنه هو السبب الآخر لدخولي الى هذا العمل. لقد شاهدت مدى التزامه وحماسه ومع هذا الإلتزام لا يمكن الا وأن تشعر بالراحة٠

حين سألتك عن رسالة الفيلم الجديد... هل حاولت القول -
أن الفيلم وليس الرسالة هو العنصر الأهم؟
حسناً. أعتقد أن الفيلم -أي فيلم- أن يحتل الدرجة الأولى من الأهمية. هكذا. هو بحد ذاته. أعني أن الفيلم عليه أن يكون نتاجاً سينمائياً جيّداً بالدرجة الأولى. الآن الرسالة هي جزء من هذه الجودة. حين تتحدّث عن هذا الفيلم او عن فيلم »سيريانا« او الكثير من الأفلام التي مثّلتها فإنك تتحدّث عنه بصفة شاملة بما في ذلك رسالته٠

رسالة هذا الفيلم مثل رسالة »سيريانا«... إنه عن فساد -
ما ... أليس كذلك؟
الى حد بعيد. طبعاً الموضوع في »سيريانا« كان يختلف كليّا والفساد هو إداري وسياسي. هنا يمس المشكلة القائمة من الإنفلات الحاصل على صعيد المؤسسات الإقتصادية الكبيرة٠

وفي »المغادر« مع ليوناردو دي كابريو وتحت إدارة مارتن -
سكورسيزي هو فساد البوليس.... او بعضه على الأقل. أنت٠
صحيح. ذلك الفيلم كان متعة خاصّة بالنسبة لي. وأعتقد أنه من أكثر الأفلام اختلافاً بالنسبة لي. وجدّته الفرصة لكي أعمل مع مخرج أحترمه ومع ممثلين التقي بهم لأول مرّة على الشاشة. دي كابريو وجاك نيكولسون وأليك بولدوين٠

سياسات جيمس بوند
تحدثت عن جيمس بوند بإعجاب. لكن في لقاء سابق معك -
أتذكّر أنك كنت أقل إعجاباً. ذكرت شيئاً من نوع أن جيمس
بوند هو شخصية إمبريالية متعالية ترتشف المارتيني ويقتل
الناس٠
يضحك: أنا قلت ذلك؟ لابد أنني كنت أنا من يرشف المارتيني. لا أذكر أنني ذكرت ذلك في أحاديث صحافية دارت حول حول »إنذار بورن« (الجزء الثالث- 2007) وما عنيته هو أن الشكل السابق لجيمس بوند مضى وأصبح غير عصري. في هذا الإطار وأعتقد أنك توافق، كان بوند أكثر اهتماماً بتطبيق سياسات غربية من معايشة أوضاع أكثر موضوعية. هل هناك صح وخطأ في السياسة؟ لا أدري، لكن سلسلة »بورن« لا تقدّم ذلك العميل الأميركي الذي يلوك السيغار ويقتل الناس كالذباب. ليس أن السينما الأميركية لم تفعل ذلك، لكن سلسلة »بورن« لم تفعل ذلك، ومن حينها تغيّرت، كما لاحظت أنت، لغة بوند وأنا رحّبت بهذا التغيير٠

من دون جدال كثير، السينما تعبّر عما يدور هذه الأيام -
أكثر مما كانت تفعل سابقاً٠ لكن هل هناك قيمة تراها في
أفلام الأمس... أفلام الستينات وما قبل مثلاً، تحب لو أنها
لا زالت متواصلة او موجودة اليوم؟
سؤال جيّد والجواب عليه نعم. هناك التعددية في المواضيع وفي الأنواع وهناك وفرة الأدوار المضمونة او الأفلام التي كانت دائماً تنجح تجارياً ومن دون الضغوط الممارسة على الأفلام اليوم. هذا ما أعتقد أن هوليوود تفتقده. لكن السينما اليوم أكثر تعبيراً عما يدور حول العالم او حتى في دولها او داخلياً، كما الحال في »المخبر!«. هل ترى ما أقصده؟ هناك قيمة كبيرة في سينما اليوم تجعلنا أكثر قدرة على التواصل ومعرفة كل بالآخر. أنا أعرف عنك الكثير الآن كمصدر ثقافي في حين أن الممثلون السابقون كانوا يعيشون في شرنقة الا إذا اختاروا الخروج منها ولم تكن أفلامهم تسمح لهم بالتعرّف الى الثقافات والفنون والمجتمعات الأخرى٠

نشرت في صحيفة »الشرق الأوسط« في عدد الجمعة الماضي٠



ــــ 4 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكوميديون الكبار | هارولد لويد



هارولد لويد كان أقل شهرة من تشارلي شابلن وباستر
كيتون لكن كذلك كل الكوميديين الآخرين الذين انتقلوا
من الفترة الصامتة الى الناطقة- م. ر
..............................
أعتقد أن كلمة الفنان خليقة فقط بأولئك الذين يضيفون الى الفن. بالتالي، استخدام الكلمة يجب أن يتوخّى الحذر على نحو أن باستر كيتون وتشارلي تشابلن كانا فنّانين بينما الأخوة ماركس وبد أبوت ولو كوستيللو كانوا ممثلين كوميديين٠
في مكان ما بين هذين الفريقين كمنت أفلام هارولد لويد. في أفضلها (مثل »السلامة أخيراً« و»الخرّيج«) كان يقترب من الموقع الذي احتلّه كيتون وتشابلن ، أما حين لا ينجح في إنجاز ذلك المصاف، فإن عمله، على أي حال، لم يكن هابطاً او مثرثراً، بل دائماً ما كان فيه أشياء تجذب المشاهدين وتبرهن عن طينته ككوميدي مقبول إن لم يكن جيّداً٠

وُلد في بلدة في ولاية نبراسكان في 20/4/1893 ومات في 8/3/ 1971. خلال حياته ظهر في أكثر من 200 فيلم صامت وناطق والعديد منها نجح أميركياً وعالمياً. حين كان جمهور ذلك الحين ينسى أسمه كان يقول "ذاك الممثل الكوميدي بنظّارة" نسبة للنظارة الطبّية التي كان يعتمرها دائماً٠
في سن الثامنة عشر انخرط في عداد الممثلين الكومبارس في شركة أديسون في لوس أنجيليس وفي العام 1915 تعرّف الى المنتج المتخصص بالكوميديا هال روتش الذي كان أسس ستديو خاص به وأنجز حتى العام 1919 نحو مئة فيلم إن لم يكن أكثر. كلها قصيرة كما كان المنتشر بين العديد من أترابه وفي الإنتاجات السينمائية بشكل عام٠
باعترافه تأثّر بتشارلي تشابلن من حيث مظهره وصنف حركاته وهذا واضح في أفلامه
Bughouse Bellhoops- 1915, Great While It Lasted- 1915, Luke's Washful Waiting- 1916, Luke and the Mermaids -1916, Birds of a Feather- 1917, Lonsome Luke from Laramie to London- 1917, We Never Sleep- 1917
وكلها من جملة أفلام بدأها في ذلك الحين مشخّصاً شابّاً وسيماً يقع في المتاعب العاطفية بإستمرار. لكن إن كان التماثل بشخصية تشابلن واضحة في هذه الأفلام، فإن لويد خط لنفسه شخصية منفصلة فيما بعد ولو أنها دائما، في رأيي، وقعت بين شخصيّتي تشابلن وباستر كيتون. ما افتقده لويد في الواقع هو القضايا الإجتماعية التي درج تشابلن على إثارتها، كما الفن في الإخراج الذي امتلك ناصيته باستر كيتون وروح كيتون التراجيدية التي حين امتزاجها بقدراته على صياغة الفيلم نتج عنها ذلك التعليق الصامت (بإختيار) عن الشخص والحياة٠
شخصية هاندسوم لوك كانت في كل شأنها مستوحاة من شخصية المتشرد تشابلن بثياب كبيرة فوق جسد صغير وبهندام فقير واستكانة تتخللها الإنتقام من الأقوى والأكبر في أي لحظة. قلب أبيض في وضع معيشي محدود تماما كشخصية تشارلو

أفلام لويد الأبرز كانت في العشرينات. حينها تمددت الى فترة زمنية أطول (من ثلث ساعة وما فوق) كذلك فإن درايته بشخصيّته وامكانياتها وكيفية تمييز نفسه عن الثنائي المذكور اكتملت بالمزيد من الإنصراف الى تنفيذ مشاهد خطر وتخصيص فصولها بالفترة الزمنية الأطول في فيلمه. وهو، سواء معلّقاً بعقرب الساعة او متدلّياً من حبل على علو شاهق او داخل سيارة او حافلة ترام منطلقة بأقصى سرعتها، أنجز ذلك بنجاح٠
The Chaplin look ما بين الفترتين كان تخلّص من
ووجد شخصية أنجح كشاب نظيف المظهر. معتدل القدرات. يرتدي سترة غير مرقوعة ونظارة طبّية. الغاية، كما يقول في مذكّراته، كانت "التشبّه بطالب نجيب ثم ترك الكوميديا تتأّلف من الأوضاع الواردة وحدها". ما أضافه ذلك المظهر قدراً من البراءة. أفضل أفلامه في هذا الخصوص هي التي ميّزته مرّة واحدة والى الأبد عن الشخصيات الأخرى وأهمّها في مطلع العشرينات
Get Under (1920), High and Dizzy (1920), I Do (1921), Never Weaken (1921).
هذه الأفلام كانت قصيرة (حينها كانت تُقاس الأفلام بالبكرات: بكرة، بكرتان، ثلاث الخ...) لكن لويد انتقل الى الأفلام الطويلة في فيلم كان كُتب لأن يكون قصيراً (من بكرتين ) قبل أن يتمدد. الفيلم هو
A Sailor-Made Man
فكرة جيّدة لكن انتقالها من موضوع قصير الى موضوع طويل أضر بها. فيلمه اللاحق
Grandma' Boy فتى جدّته
كان أيضاً عملاً قصير المدّة تم تمديده، لكن النتيجة أفضل بكثير. لكن أعماله لم تكن بعد ذلك متساوية في إجادتها. »دكتور جاك« (1922) كان مفككاً ومملاً في حين أن الفيلم الطويل التالي »السلامة أخيراً« (في العام التالي) أصبح أحد أفضل وأشهر أعماله٠

المخرجون الذين تعامل لويد معهم تعددوا، لكن ثلاثة منهم عملوا معه في أكثر من فيلم واحد هم فرد نيوماير الذي أخرج للويد آخر مجموعة من أفلامه القصيرة وحين افترقا لم يكمل ماير درباً ناجحاً في السينما رغم تعدد وتنوّع أعماله حتى منتصف الستينات. وسام تايلور الذي أخرج خمسة من أفلام لويد الطويلة وهو أكمل العمل في نحو أربعين فيلم من بعد شراكته تلك من بينها أحد آخر أفلام أفضل ثنائي كوميدي لليوم وهما ستان لوريل وأوليڤر هاردي وهو فيلم
Nothing But Trouble لا شيء سوى المتاعب
سنة 1944. المخرج الثالث هو تد وايلد وهو أخرج آخر فيلمين صامتين للويد وهما
The Kid Brother (1927) و Speedy (1928)
لكنه لم ينجح في مهنته هذه ولم ينجز كتابة او إخراجاً أكثر من 14 فيلماً إذ مات سنة 1929
تستحق أفلام هارولد لويد إعادة اكتشافها ليس لأنها جميعاً في مستوى واحد من الإجادة، بل لأنها تثير الإهتمام لدى الباحث عن ولادة الكوميديا وكيف كانت رأس الحربة في ابتعاد السينما عن المسرح نظراً لحاجة أفلام الأمس الى قدر كبير من الحركة وابتداع المواقف المعتمدة على المهارة البدنية والمواقف الحرجة او الخطرة والتي كان لويد، بلا ريب أحد أركانها. ما يُعيبه في نظرة اليوم إليه أنه كان بقوّة مواضيعه ومواقفه وهذه لم تكن دائماً قويّة. هذا الى جانب تحامله على السود في أفلامه مظهراً إياهم بلهاء وعرضة للسخرية. أمر تحاشاه معظم الكوميديين الآخرين آنذاك٠



Safety Last (1923) ***1/2 | نموذج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

واحد من بين أكثر البدايات الكوميدية في أفلام ذلك الحين التمويه: في »أضواء المدينة« (1930) محافظ المدينة يحتفي بإقامة تمثال وحين يكشف الغطاء عنه نكتشف وجود تشابلن نائماً في حضن ذلك التمثال من ليلة البارحة. باستر كيتون في »ضيافتنا« (1923) يبدو في إحدى لقطات الفيلم الأولى كما لو كان راكباً الحمار الذي معه. لقطة قريبة نكتشف أن كيتون إنما يمشي لجانبه٠ في فيلم »السلامة أخيراً« (والعنوان فيه سخرية من تعبير »السلامة أوّلاً«) تطالعنا إحدى لقطات الفيلم الأول بهارولد لويد وراء القضبان. نخالها قضبان السجن لنكتشف إنها قضبان في نافذة في عربة قطار٠
إنه هارولد لويد في الفيلم أيضاً وهو في طريقه المدينة الكبيرة لأنه وعد فتاته في القرية (ملدريد دافيز التي تزوّج منها فعلاً) بالثراء. لكن بدايته في المدينة متواضعة إذ وجد عملاً في محل ملابس نسائية ولو أنه يكذب على صديقته بالإدعاء بأنه موظّف كبير وحين تزوره فجأة يدّعي أنه مدير المحل. الفصل الرئيسي من الفيلم يقع حين يسمع هارولد من مدير المحل الذي يحتل بناية من إثني عشر طابقاً أنه سيدفع ألف دولار لمن يستطيع جذب الناس الى المحل. يتصدّى هارولد للعملية باتفاق مدبّر مع صبي على أن يتسلّقاً الدور الأول من المحل من خارجه. لكن الأمور تسير عكس المتوقّع ويجد هارولد لويد نفسه في الطابق الأخير ممسكاً بعقرب الساعة الكبيرة لكي يقي نفسه السقوط. في أسفل البناية هناك جمهور كبير محتشد يعتقد أن كل هذا لا يزال لعبة مثيرة للإهتمام٠
إنها دقائق مشوّقة من الفيلم صنعت شيئاً لافتاً وجديراً لفيلم ذي فكرة متداولة حينها وليست جديدة، وباستثناء مشهد يحاول فيه هارولد تلبية عدد كبير من الزبائن، لا يحتوي على تميّز قصصي او حتى كوميدي. هذا الى أن يبدأ الممثل تسلّق الجدار ويرتفع كلّما أراد أن يهرب من ملاحقة شرطي له، وكلّما ارتفع زاد خطر سقوطه. الى سنوات بعيدة تم الإعتقاد أن لويد تسلّق فعلاً حائط المبنى بأكمله (إثنا عشر دوراً كما ذكرت) لكن هناك اليوم من يشك في أنه لم يفعل. في كل الأحوال المشاهد جيّدة التنفيذ والخطر الجاثم ليس بعيداً مطلقاً عن الوقوع والفكرة المتمثّلة بالتعلّق بعقارب الساعة تزيد الوضع خطورة وإثارة وضحكاً٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Nov 3, 2009

مهرجان الدوحة السينمائي | المخرج انطوان مشحور

Year 3 | Issue 467
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cover Story


Lucky Luke
الفيلم الأول في العروض الأوروبية هذا الأسبوع هو »لاكي لوك« المأخوذ عن الكوميكس الفرنسي الشهير والمتحوّل الى وسترن كوميدي من إخراج جيمس هوث وتمثيل جان دوجوردان

هذا العدد
أيام في مهرجان الدوحة | محمد رُضا
أصغر أكبر مهرجان في العالم | محمد رُضا
أنطوان مشحور: أفضل أفلامه تلك التي لم يحققها | هوڤيك حبشيان

    -1-
    أيام في مهرجان الدوحة
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    محمد رُضا


    قبل أن أدلف الى الموضوع المنشور أدناه حول مهرجان الدوحة السينمائي، قابلت من سألني من غير المسؤولين عنه كم نجمة أعطي هذا المهرجان من عشرة. قلت له ستّة. قال هذا جيّد. قلت له ليس تماماً لكنه بداية لا بأس بها تستطيع أن تتجاوز العثرات لأنها نوع من العثرات الممكن تجاوزها
    وأضيف هنا بضعة من هذه العثرات، وفي المقابل بضع حسنات

    المهرجان يبدو نتاجاً لمجموعة متجانسة وفي ذات الوقت يبدو كما لو كان نادياً خاصّاً حين التدقيق في الطريقة التي تم بها إنشاء إدارته المباشرة. لا اعتراض على أحد حتى على أماندا بالمر، لأنها في النهاية بذلت وكلّنا نتعلّم ونحن نمشي خطواتنا من المهد الى اللحد. لكن الإعتراض على النتائج التي خرجت من كمّ مسؤوليه: ليس هناك معنى لمهرجان من أربعة أيام، وليس هناك تنظيماً داخلياً جيّداً. سأنقل ما صرّح به اليّ أحد المخرجين المشتركين
    قال: "حين انتهى عرض الفيلم أراد مسؤولي الصالة إنارة الأضواء وإيقاف تمرير الأسماء الأخيرة حتى يبدأ النقاش قبل أن يتسلل الناس في العتمة. قلت لهم لا. هذا حق للعاملين في الفيلم لا يجب أن نمسّه. اقترحت إنارة بسيطة ووقفت في مكان ظاهر وبالفعل بقي أناس كثيرون حتى انتهاء الأسماء وبوشر النقاش لكي أكتشف أنه لا وجود لمقدّم او مترجم فكان عليّ القيام بالعمليّتين معاً، ولا وجود الا لميكروفون واحد، فكنت انتقل بنفسي لكي أمنح السائل فرصة الحديث بالمايك"٠
    آخرون قالوا لي أن الشروط التقنية للعروض لم تكن جيّدة. كان هناك أفضل منها في مهرجانات أخرى محيطة. وحقاً صالات المول التي تم اختيارها كانت من تلك التي لا تريد أن تشاهد فيها فيلماً تجارياً، فما البال بفيلم فني؟ ليس أنها عتيقة او أن الصوت معطوب، لكن لا تشعر أن إدارة الصالات فعلت شيئاً يُذكر لتجديد وتنظيف وإعداد الصالات ومنح المهرجان أفضل صالاتها
    للشركة ذاتها (قطرية/ بحرينية) صالات أحدث في مول أحدث لكن المشكلة أن المسافة بين الفندق الذي تم إنزال الضيوف والذي يحتوي أيضاً على مركز المهرجان بعيد عن تلك الصالات او عن سواها. بالتالي كان لابد من الإستعانة بالصالات التي تمّت الإستعانة بها- إنما كان يمكن جلب خبير تقني يفحص المسائل التقنية ويساعد في اختيار أفضل صالات هذا المجمّع٠

    أيضاً كان يمكن الإستغناء عن تلك المقدّمة البشعة التي تصوّر فتاة اشترت بطاقة لدخول الأفلام بعشرة دراهم والمخنّث الذي يرتدي ثياباً غير عصرية ويتلوّى ويزرغد ويقول لها باللكنة المصرية "أنا تعبان وقرفان وعيّان وزهقان" (ربما ليس بهذا الترتيب لكن السوء واحد). لا المقدّمة منفّذة جيّداً، ولا تمثيلها جيّد ولا هي بقادرة على أن تنفصل عن تنميط سخيف كان الأجدر بالمهرجان حين شاهد النسخة أن يفتح صندوق القمامة ويرميها فيه

    النقاط الإيجابية التي غطّت او كادت على هذه الأوجاع تجلّت في التنظيم العام للعلاقة بين المهرجان وضيوفه (رغم أن حقيبتي ضاعت ليومين لكن هذا لم يكن خطأ المهرجان) والجهد المبذول للنجاح الذي جعل المهرجان يتبلور كبداية واعدة على الرغم من أيامه القليلة. كذلك السلاسة التي كان يتم بها كل شيء (او كل شيء أنا خبرته على الأقل) من حين الوصول الى حين المغادرة والترحيب الجيّد٠
    النقطة الأعلى في هذا الشأن، حفلتا الإفتتاح والإختتام التي تم تقديمهما على أكبر شاشة عرض عربية وفي الهواء الطلق وأمام أكثر من 3000 مشاهد في كل مرّة. طبعاً كان هناك ثرثرة على المسرح بين المقدّمين اللذين تمتّعا بالعفوية والقدرة على الحديث بالعربية والإنكليزية بطلاقة، لكنهما قدّما في النهاية عرضاً مسلّيا، للأسف لابد منه حين يكون المعظم الكاسح من الحضور من المواطنين غير العاملين في الشؤون السينمائية٠

    هذا ينقلنا الى الأفلام. فيلم الإفتتاح («أميليا«) لم يكن على نوعية جيّدة (ميرا نير تقدّم دائماً ما يطلبه المشاهدون ببعض التفنن) وهذا عائد لعدم وجود مبرمج له خلفية نقدية او ثقافية بعد أن تم صرف المنشّط محمد مخلوف عن العمل في أقل من شهرين بعد تعيينه. وفيلم الإختتام («كايرون تايم«) كان عُرض ضمن عروض المهرجان خلال أيامه الأربعة ثم أعيد عرضه في الختام ما جعل المسألة تبدو ناشزة. وهو لم يكن فيلماً يستحق العرض أوّل مرّة، فما البال حين يُعاد عرضه مرّة أخرى؟

    التغطية الإعلامية كانت ناجحة بالعربية والأجنبية. طبعاً ليست كبيرة والنجاح والحجم أمران مختلفان، لكنها كانت ناجحة بمعنى جيّدة ومبذول عليها الجهد. كما أن الصحافة المحليّة عرفت كيف تتابعه وتخصّه بالمقالات الجادّة والملتزمة وليس الترفيهية او تلك التي تصفّق قبل العرض وبعده٠

    مبروك يا دوحة والى دورة ثانية أفضل إن شاء الله٠


    -2-
    افتتاح كبير لمهرجان الأيام الأربعة٠
    الدوحة ترايبيكا على خطوات ثابتة

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    محمد رُضا
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ايليا سليمان في »الزمن الباقي«٠
    على الشاشة الكبيرة المنصوبة في الهواء الطلق أمام أكثر من 2500 فرد فيلم عن إميليا إرهارت، أوّل ملاحة فضاء أميركية تكابد تكنولوجيا العشرينات والثلاثينات في سبيل الإثبات على أن المرأة تستطيع أن تتصدّى للمصاعب وتحقيقها. ليس بعيداً عن المشاهدين تحلّق الطائرات المدنية الحديثة وهي في طريق هبوطها الى المطار كما لو كانت تذكّر الموجودين بكم تقدّم الطيران منذ ذلك الحين وكم من صعاب تم تذليلها من أيام إرهارت التي ماتت حين قررت الطيران فوق المحيط الباسيفيكي فهوت إليه حين تعطّلت الإتصالات بينها وبين مراكز المراقبة ونفذ الوقود وما بقي أمام الطائرة سوى أن ترتطم بصفحة الماء ثم تغرق فيه الى الأبد
    إفتتاح الدورة الأولى من مهرجان الدوحة/ ترايبيكا السينمائي (من دون كلمة دولي الى الان، رغم أنه يحتوي على أفلام عالمية) أعلن انضمام قطر رسمياً الى الدول العربية التي لديها مهرجان سينمائي (او أكثر من مهرجان واحد أحياناً) والتي بالضرورة تدخل في منافسات حادّة فيما بينها اعترفت بذلك او لم تعترف
    إنه آخر رقم في سلسلة المهرجانات الكبيرة والثرية بعد مراكش في المغرب، ودبي وأبو ظبي في الإمارات العربية المتّحدة. وإذا ما أضفت الى هذه السلسلة تلك المنتشرة فوق سطح الكُرة العربية من المحيط الى المحيط، لوجدت أنك تتعامل مع عشرات المهرجانات الموزّعة بين القديمة والحديثة، الكبيرة والصغيرة، الدولية والأقليمية، الروائية والوثائقية، المتخصصة وتلك التي تستمد من عدم تخصصها تخصصها. من قرطاج والقاهرة ودمشق، وهي من بين المهرجانات العربية العريقة الى مهرجان وهران المتخصص بالسينما العربية ومهرجان الإسكندرية المتخصص بالسينما المتوسّطية ومهرجان بيروت دي سي المتخصص بالسينما الوثائقية الى مهرجان الخليج في دبي المعبّر عن السينما الخليجية في تكويناتها الروائية والوثائقية والقصيرة. هذا عدا عن كل تلك المهرجانات التي إما تظهر مرّة كل عامين (كما الحال مع مهرجان مسقط في عُمان) الى تلك التي ظهرت ذات مرّة او ذات مرّتين ثم اختفت بعد ذلك (كما حال مهرجان السينما العربية في البحرين)٠

    الدوحة يعني »بزنس«٠
    لكن مهرجان الدوحة ينوي، رغم كل هذا العدد والتعدد، التميّز عن الموجود ومن حقه ذلك. في البداية، حين تم الإعلان عن الرغبة في تأسيسه بالتعاون مع مهرجان ترايبيكا، سادت التكّهنات المختلفة عن جدواه أوّلاً، ثم عن أنه لن يكون سوى إعادة عرض للأفلام التي سبق عرضها في المهرجان النيويوركي الذي يُقام في الشهر الرابع من كل عام. لكن الحقيقة تبلورت بعيداً عن هذا التوقّع. الدوحة وترايبيكا أسستا في الواقع مظلّة جديدة فيها مصلحة متبادلة. فالدوحة هي التي تقيمه فعليا ولديها جهاز منفصل لهذه الغاية، وترايبيكا تساعد وتتعاون ولديها إشراف إداري لتأمين صياغة المهرجان والتأكد من إصابته الأهداف التي سعى إليها٠
    مع اقتراب موعد إطلاقه تأكد للمهرجانات القريبة الأخرى، أن المسألة هي أكثر جدّية مما كان في بالها. لكن بعض هذه المهرجانات بقي على ارتيابه من أن الدوحة تعني »بزنس«، كما يقولون، بل انتشر في هذا البعض تعليقات ساخرة وتنبؤات مفادها أن المهرجان الصغير سيخفق من دورته الأولى، وأن مديرته التنفيذية أماندا بالمر ليس لديها من الخبرة ما يمكّنها من النجاح وبالتالي فإن الفشل هو وجهة هذه المحاولة الجديدة٠

    الفيلم الإيراني: عن إيلي

    يوم الخميس، في التاسع والعشرين من الشهر، إنطلق مهرجان الدوحة فعلاً وبدا أبعد من أن يكون زبداً يرغي. طبعاً هو لا يزال -قياساً- مهرجاناً صغير الحجم على الرغم من بذخ الإنفاق عليه: أربعة أيام و36 فيلماً وأقسام إدارية جديدة تتشابك أعمالها وكاتالوغ جيب لا يُغري بالإحتفاظ به، لكنه أيضاً مهرجان بأفلام جيّدة وبرغبة حثيثة للتواصل مع القطريين والمقيمين فوق أرضها بتقديم أفلام من تلك التي لا يمكن لهم مشاهدتها في أي وسيلة أخرى (بغياب الصالة المتخصصة والموزّع الذي يؤمن مثلها طوال أيام السنة) كما بتصميم على أن يكبر وينمو وبل أن يعدو المهرجان الأول في المنطقة٠
    إنها رغبات مشروعة، لكنها ليست أحلاماً. لقد فات الذين ينبرون عادة الى الريبة كسلاح هجومي الى حقيقة أن الدولة القادرة تمويلياً والمتمتّعة بالغاية والتصميم على تنفيذها، لن ترضى الا أن تبذل قصارى الجهد لإنجاح مبادراتها. والسينما هي مبادرة تتميّز بتعدد الغايات. فهي فن وإعلام وثقافة وحضور وأرضية لما يمكن له أن يقع في مراحل قريبة لاحقة٠

    حب وخيانة وطيران
    حفل الإفتتاح احتوى على رقص تراثي كان متعة للأجانب الى أن استثمر وقته، وعلى اوركسترا عزفت مقطوعات موسيقية من أفلام هوليوودية معروفة كما على تقديم سلس وإن كان بعيداً عن الفن بين مقدّم فتاة وآخر شاب يجيدان الإنكليزية ويتحدّثان بها ويلغيان، بعد قليل، العربية تماماً. لا شكوى هنا فالجميع يفهم المقتضيات ولو أن البعض تساءل متى ستختفي اللغة العربية من المهرجانات الخليجية وقد ازداد الإعتماد على الإنكليزية وتغليبها٠
    والفيلم المختار للإفتتاح لم يكن سوى »إميليا وهو فيلم أميركي جديد للمخرجة الهندية ميرا نير يحمل على عاتقه سرد حكاية الملاحة الأميركية المذكورة. لكن إذا ما كانت طائرة الملاحة ارتفعت بها عدّة مرّات فإن طائرة الفيلم لم تحلّق عالياً. فعلي الرغم من كون الموضوع سيرة ذاتية تعود الى رحى العشرينات والأربعينات وما يترتّب على تلك العودة من تصاميم فنية وإنتاجية دقيقة، الا أنه إنتاج محدود الكلفة يبدو كما لو كان ثمرة الرغبة في الإحتفاء بالشخصية من دون أن تحتوي هذه الشخصية على الكثير من العمق أساساً. الفيلم يروي السنوات الأخيرة من حياة الملاحة التي أحبّت الطيران منذ الصغر وحققت طموحها بأن تقود الطائرات بنفسها. قطعت المحيط الأطلسي الى أوروبا مرّتين. الأولى راكبة والثانية كملاحة منفردة وحققت شهرة عالمية قبل أن تخفق في الوصول الى الطرف الآخر من المحيط الباسيفيكي وتموت. لجانب ذلك تم تقديم دراما عاطفية لإضافة حاشية إضافية للقصّة الباهتة التي يتعامل معها مفادها قصّة الحب مع زوجها (رتشارد غير) التي لم تمنعها من ممارسة الغرام مع طيّار تعرّفت عليه (إوان مكروغر) . لكن كل ما يرد محسوب ولمّاع رغم اعتناء المخرجة بلحظات عاطفية جيّدة وتمثيل هيلاري سوانك الجيد. وفي النهاية أنت تشاهد واحداً من تلك الأفلام التي ربما كان غياب المعلومات سبباً في إدخال مشاهد لا تعرف إذا كانت حقيقية الوقوع او مؤلّفة٠

    خان وخيري وسكورسيزي
    بعض الأفلام المشاركة هنا خرجت من مهرجان الشرق الأوسط الذي انتهى قبل نحو أسبوعين من بينها فيلم إيليا سليمان »الزمن المتبقّي« وفيلم مايكل مور »الرأسمالية: قصّة حب« وفيلم أشقر فرهادي الذي يقول عنه المخرج محمد خان، الذي كان عضو لجنة تحكيم مهرجان الشرق الأوسط، بأنه لو اشترك في مسابقة مهرجان الشرق الأوسط لنال الجائزة، لكن هذا الفيلم الإيراني المتأثّر بفيلم الإيطالي مايكأنجلو أنطونيوني »المغامرة«، سبق له وأن عرض بدوره في أكثر من مهرجان أوروبي مما حال دون اشتراكه في المهرجان الإماراتي
    لكن بعض الأفلام المعروضة في هذا المهرجان القطري هي جديدة تماماً على عروض المنطقة كحال فيلم ميرا نير »أميليا« وكحال فيلم الأخوين إيثان وجووَل كووَن »رجل جاد« ذي الثيمة اليهودية. طبعاً استقباله، كما استقبال عدد من الضيوف اليهود، يضفي حقيقة ارتفاع المهرجان القطري عن الحساسيات القومية او الدينية والمرء يشعر، من ناحية أخرى، أن الرسالة القطرية في هذا الشأن تصل جيّداً الى نيويورك وهوليوود والمجتمع السينمائي بأسره في الوقت الذي تبحث فيه هوليوود عن شركاء جدد ذوي جيوب كبيرة للمشاركة في تمويل مشاريعها
    مارتن سكورسيزي والمخرج محمد خان لديهما مؤتمراً مشتركاً يتحدّثان فيه عن مجموعة من الأفلام التي أخرجها شبّان ضمن تظاهرة »أفلام دقيقة« وهي، كما يفصح العنوان، اعمالاً مدّة عرض كل منها دقيقة واحدة. سألت المخرج المصري ونحن في الليموزين المتوجّه الى حفلة الإفتتاح فنوّه بواحد منها فقط، لكنه أثنى على جهود معظم الأفلام الأخرى أيضاً
    ليلاً، في الحفلة الساهرة التي تلت عرض الفيلم، التقى محمد خان ومارتن سكورسيزي وبادر الأول الثاني قائلاً له: "نلتقي في أكثر من جانب: أنا أكبر منك بعشرين يوم فقط، لذلك نحن تحت برج واحد، والدة كل منا إيطالية وكل منا يعمل مخرجاً" ثم كرر: "أنا أكبر منك بعشرين يوم"٠
    على مقربة وقف المخرج خيري بشارة (الموجود في قطر الآن لتحقيق أفلام بمناسبة العيد القومي المقبل) طالباً من رفيق دربه خان تقديمه الى سكورسيزي وحين فعل مازح بشارة المخرج الأميركي قائلاً له: "لكني أفضل من محمد خان"٠

    الأخوان جوويل وإيتان كووَن

    المنتج التونسي طارق بن عمّار وصل مع كل عائلته في زيارة (نادرة؟) الى بلد عربي (بخلاف تونس والمغرب) ويُقال أنه سيلتقي مسؤولين بخصوص مشاريع سينمائية. المنتج باري أوسبورن (سلسلتي »سيد الخاتم« و»ماتريكس« وأكثر من عشرين فيلم آخر) جلس وهذا الناقد وبدت عليه ايضاً الرغبة على التعرّف على ما يحدث في هذه المنطقة على صعيد السينما وما إذا كانت الشركات والمؤسسات الخليجية وصلت الى حد معرفة اللغة الإنتاجية العالمية وشيفراتها. وكشف خلال الحديث أن هوليوود أكثر اهتماماً بالتطوّرات السينمائية في هذا الركن من العالم مما يعتقد المرء في الوهلة الأولى٠
    في مقابل هذه الشخصيات السينمائية الكبيرة وذات الوزن الدولي، فإن هناك سينمائيون عرب كُثر فرض عليهم أن يكونوا مستقلّين وغير مدعومين يعيشون على هامش كل شيء ويجهدون في سبيل إيجاد سبل لتمويل أفلامهم التي، إذا ما جمعت ميزانيّاتهم، تجدها لا تشكّل الا جزءاً بسيطاً جدّاً مما يُنثر حالياً على المشاريع الكبيرة لإنتاج أفلام تهدف لأن تكون عالمية. هؤلاء لا يزالون ينتظرون من المؤسسات العربية القائمة حديثاً والمتمتّعة بمعين كبير من القدرات الإستثمارية وسيلة دعم تستفيد منها لا الطاقات والمواهب العربية فقط، بل أيضاً كل المؤسسات والدول المساهمة في دعمها- إذا ما فعلت٠

    نُشرت في جريدة »الشرق الأوسط«٠



    -3-
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    أنطوان مشحور، أفضل أفلامه لم ينجزها البتة
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    هوفيك حبشيان

    ليست هناك من صورة للمخرج اللبناني
    أنطوان مشحور لنشرها، لكن هذا ليـس
    مانعاً لنشر هذا المقال عنه - م. ر
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    للجيل الجديد من اللبنانيين، لا يعني اسم انطوان مشحور الكثير! على رغم ذلك، فإن هذا الشاعر والكاتب والمخرج والرسام الذي انتحر وهو في التاسعة والثلاثين، بعدما غرق في الإحباط والاكتئاب، يمتلك من نشاطه عدداً لا بأس به من الأفلام والمسرحيات والأفلام القصيرة الروائية والوثائقية ودواوين الشعر، وساعات لا تحصى من البث التلفزيوني. الأفلام الخمسة التي أخرجها مشحور بين العامين 1962 و 1970 أصبحت ملك المكتبة السينمائية الوطنية. انه رائد منسيّ لفت، من خلال "نوادره السينمائية" الخمس هذه، الى مهارة تقنية، واتقان للسرد، ولغة سينمائية ينبغي ان تجعل، حتى اليوم، عدداً من المخرجين يحمرّون خجلاً، على رغم شح الموازنة. ذلك ان أفلامه الأربعة: "عنجر، المسيرة على الأرض"، "بعلبك، من الجانب الآخر للمرآة"، "الطب عند العرب" و"شهادة الماء"، كنوز من التراث السينمائي اللبناني، ليس فقط بسبب مآثرها التقنية (مونتاج، صورة) التي تنظر بنظرة قبيحة الى البدائية، بل بسبب رفضها ان تقدّم عن لبنان في تلك الحقبة صورة سياحية. رائعته تظل فيلم "ألماسة الماء" الذي تسبب لدى عرضه، بجدل كبير. وتتلخص قصته في علاقة غرامية بين ابنة الوجيه والراعي. لكن والدها يرغب بتزويجها الى مهاجر غني عاد الى القرية. ليلة الزفاف، حبيبها المبعد يقتل منافسه، أما العروس فتُتهم بالجريمة، في حين انها سنة، يعود الراعي الى20في غضون ذلك قد سمّمت نفسها! بعد مرور القرية، ويذهب للبكاء على قبر حبيبته قبل ان يسلّم نفسه الى العدالة٠

    الفيلم المقتبس من قصة لكرم ملحم كرم، منعته الرقابة بحجة انه يضر بلبنان لدى المهاجرين وبسمعته السياحية، لأنه يعرض فيه مهاجراً غنياً عائداً الى مسقطه، ويتزوج شابة ترفض ان تسلّمه نفسها في ليلة الزفاف، وينتهي مقتولاً على يد الراعي، بل أيضاً لا نرى فيه قرية لبنانية محرومة ونائية، وزواجاً لبنانياً، كما كان يُحتفل به في بداية القرن الماضي. كان هناك أيضاً احتجاجات ضد حقيقة ان الفيلم كان يتناول في أحداثه الجريمة، وكان يخشى ان يلطخ" صورة لبنان، هذا "البلد السلمي للغاية والمضياف"، عبر " إظهاره بمظهر المشاغب والعنيف. كانت الرقابة ترغب بأن يُعرَض اللبناني بمظهر الحمل الوديع والرائف، وتعتبر أنه بدلاً من تصوير قرية منكوبة، بلا كهرباء، ولا ماء، وبطرق محفّرة ومتعرجة، كان ينبغي تقديم مظاهر التطور: الروشة، ستاركو، ساحة البرج. هذا الاحتجاج أفضى في النهاية الى تسوية مخصصة لعدم تثبيط همة المهاجرين حيال العودة. ولكي يقدموا علاجاً للأمر، اقترح الرقباء حذف صورة وصول المهاجر واستبداله برجل غني مجهول، يقيم في القرية، وإضافة مشاهد حيث نرى فيها مباني جميلة في بيروت وحفل زواج باذخاً. لم يرض المخرج والممثل الراحل اندره جدعون بهذا القرار فكتب آنذاك: "ان تشويه فيلم لبناني، هو تشويه للإدراك الحسي الذي كان لدى المنتج والمخرج عن لبنان، لأن مطلق أي فيلم ليس في الواقع سوى عبارة عن الإحساس الذاتي مطبوع موضوعياً على شريط سينمائي. الحال ان منع ما يشكله من إحساس بحرية، يعني منع ان يتم التعبير عنه وتطبيق حرية أساسية واقعياً"٠

    انطوان مشحور الذي صعقته هذه الرؤية التعسفية لدى السلطات عن السينما، كان يرى ان مأساة السينما في لبنان ان "لا أحد يؤمن بها"، وشرح رأيه ذات يوم في أثناء مؤتمر، معتبراً أن "السبب الذي من أجله كان بعض التقنيين وعلى الأرجح بعض المخرجين يغادرون لبنان، من أجل الذهاب وتجربة حظهم في فرنسا أو البلاد العربية، كان الفقر المادي لاستوديو وحيد ومحتكر أقل من الشقاق الموجود بين مختلف النقابات، مثلما هو عجز الموزعين اللبنانيين عن بيع الأفلام اللبنانية، خلافاً لزملائهم المصريين، وبخاصة بسبب فقدان وجود كتّاب سيناريو جيدين". ففي رأي انطوان مشحور ان من واجب "المركز الوطني للسينما" ان يأخذ على عاتقه مسؤولية المخرجين وان يمنح من وقت الى آخر جائزة تشجيعية. هذه الجائزة، قال، منحت التجديد والنهضة للسينما المكسيكية في ما مضى. مع ذلك، وعلى رغم ذلك المنع، لم يفقد مشحور الأمل. كانت الضغوط الى درجة ان الفيلم لم يحصل على أي تنويه في مهرجان الاسكندرية، لكنه عُرض في "مهرجان كان"٠
    يحكى ان انطوان مشحور كان خلال طفولته شديد الارتباط بجدته، والدة أمه، الفارسة الخيّرة الطليعية وصاحبة الأفكار. كان يمضي فصول الصيف في قريته الجنوبية حيث عاش كشاب سيد في منزل جميل يقع على هضبة وكان يجول ممتطياً الحصان في الأملاك الشاسعة وسط القرويين الذين كانوا يعملون جميعاً لدى عائلته. كان سعيداً بالاستسلام لشغفه بالمطالعة والكتابة والعيش في حال من الذوبان مع الطبيعة. بعد مضي بضع سنوات، خسرت عائلة مشحور المنزل والأملاك وأُبعدت عن القرية: لم تكن أم انطوان سيدة أعمال ولم يكن رئيس العمال لديها رجلاً فاضلاً جديراً بالاحترام. لدى عودته من المدرسة، كان انطوان يلتقي أصدقاءه ويهتدي خصوصاً الى الطريق المؤدية الى صالات السينما.
    بالإضافة الى مساهمته في إغناء مكتبة السينما والتلفزيون بأفلام يظهر فيها لبنان بصورة بلد يبدو اليوم بعيداً جداً ترك مشحور أيضاً أثراً لا يمحى في الشعر، ويندرج اسمه في مكان بارز . أعلن 1945في كتاب "الشعر المعاصر باللغة الفرنسية" منذ عام آراءه بلا تحفظ زائف. ففي رأيه، أن الشاعر الأصيل ليس ذاك الذي يسعى الى إثارة الإعجاب، بل الذي لا يسعى في الضرورة الى ان يفهمه قراؤه. كانت الكتابة علة وجوده ولم يكن الكتّاب المفضلون لديه أقل أهمية من ارثور كرافان، غارثيا لوركا ونوفاليس. قال أيضاً ان قصيدته المفضلة هي تلك التي لم يكتبها بعد. في إحدى قصائده يقول: "ربما طلبت الكثير من الحياة، وآمل بأن الموت لن يخيب أملي". ديوانه "أعشاب الليل الطويلة" يعتبر صرخة قلق، ومرارة وتمرد، وقد كُتب بدم نفس ملتهبة، ومن قريحة بودلير وكامو، ممهورة بحدة وحشية مرعبة! نعثر فيه على أبيات شعر تدخل بعلاقة مباشرة مع الموت، هذا الموت الذي سيتواعد معه مشحور في ما بعد! ٠


    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠