Oct 31, 2009

إدغار ألان بو | مهرجان الدوحة- ترايبيكا | المسافر، هيلوبوليس، أحكي يا شهرزاد | مقابلة مع مايكل مور | السينما التركية- الجزء الثالث

Year 3 | Issue 466

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Cover Story


London River

بينما يعرض فيلم »لندن ريڤر« في مهرجان دوحة/ ترايبيكا هذه الأيام، تتم الإستعدادات لإطلاقه في عروض أميركية في المدن الكبيرة (لوس أنجيليس، نيويورك الخ...)٠
هو الفيلم الأخير للمخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب ويدور حول صداقة بين مهاجر مسلم أسمه عثمان (الأفريقي سوتيكوي كوياتي) وإمرأة إنكليزية أسمها إليزابث (برندا بليثن) يتعرّضان لمحنة المجزرة الإرهابية التي وقعت في العاصمة اللندنية قبل سنوات٠



هذا العدد

هناك تحيّات لأوجه متعددة للسينما العربية في هذا العدد: محمد رُضا يكتب مادّة أولى عن مهرجان الدوحة | نديم جرجورة يحتفي بالفيلمين المصريين »المسافر« و»هيليوبوليس« بينما يرفع هوڤيك حبشيان قبّعته لفيلم يسري نصر الله. الى ذلك، يختم ميسر مسكي ملفّه عن السينما التركية بنماذج مثيرة للإهتمام لبعض الإنتاجات والأسماء الحديثة، بينما يُجري محمد رُضا مقابلة مع مايكل مور ويكتب عن المؤلّف إدغار ألان بو بمناسبة 200 سنة على موته٠

مهرجان الدوحة ترايبيكا آخر المهرجانات الخليجية

محمد رُضا



انطلق مهرجان الدوحة/ ترايبيكا السينمائي (من دون كلمة الدولي في عنوانه رغم أنه دولي في برمجته) يوم الخميس التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم واستمر حتى الأول من الشهر الحالي كما لو كان في رحلة قصيرة ما أن تبدأ حتى تنتهي ولو على نحو مقصود

مهرجان الدوحة السينمائي هو آخر مهرجانات السينما في منطقة الخليج . هذه المهرجانات كانت بدأت في مطلع الثمانينات عندما أطلق المنتج الكويتي محمد السنعوسي مهرجاناً خاصّا بالتلفزيونات العربية فأقيم لسنةين ثم فُض شمله حين احتج المحافظون على ما سمّوه بتصرّفات بعض الممثلين الضيوف. ما حاول المنتج والإعلامي تأسيسه تمّت التضحية به والمنطقة بقيت خالية من المهرجانات الى أن انطلق في مطلع العقد الأول من هذا القرن مهرجان البحرين للسينما العربية بإدارة المخرج بسّام الذوادي الذي عرف حاجة المنطقة والسينما العربية في آن الى مهرجان سينمائي ونفّذ فكرته، ولو أنه نفّذها لسنة واحد فقط

بعد ذلك انطلق مهرجان في مسقط، عُمان، وجاء زاخراً بالوعود في الأول ثم أخذت أهميّته تتقلّص سنةاً بعد آخر مع بعد المسافة بين الدورة والأخرى، إذ يُقام مرّة كل سنةين. في هذه الأثناء أطلق مسعود أمر الله مهرجان أفلام من الإمارات الذي كان أوّل نجاح مهرجاناتي يصيب هذه المنطقة من العالم على الرغم من محلّيته وبل بسبب محليّته تلك. وحين تم إطلاق مهرجان دبي السينمائي الدولي وجد هذا الحدث نفسه مُحاطاً بكل ما يلزم لأن يحقق غايات إعلامية وفنية كبيرة ونجح في هذا التحدّي كأول مهرجان سينمائي دولي كبير. تبعه، كما نعلم، مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي، الذي بدأ متعثّراً لكنه أنجز نجاحاً ملحوظاً في دورته الثالثة التي انتهت قبل أسابيع قليلة٠

دوحة ترايبيكا ينشد الإختلاف ووسيلته الى ذلك هو الإرتباط بهيكل مهرجاني سينمائي عالمي (هو مهرجان ترايبيكا الذي انطلق في نيويورك في 2002 كرد فعل على كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) وإقامة جسر تعاون بين مهرجانين هما في الواقع مختلفين وذلك على عكس الإعتقاد الذي ساد بأن المهرجان الحالي سيجمع مجمل ما تم عرضه في المهرجان النيويوركي ويعرضه وينتهي الأمر. على العكس من ذلك، أمضى المهرجان أشهره القليلة السابقة وهو يحاول الحصول على العدد الكافي من الأفلام الجديدة، وفي هذا السبيل واجه العديد من المعوقات معظمها كامنة في أنه مهرجان جديد يكمن في منتصف الطريق بين مهرجانين خليجيين مؤسسين، وفي فترة لا تزيد عن أربعة أيام. الى ذلك، فإن اختيار إدارة تتعلّم وهي تمشي ليس أمراً واعداً وبناءاً عليه فإن بضعة معيقات وإحباطات إدارية وعدد من القرارات أدّت الى غير ما أرادت ومن بينها الحصول على أفلام بعضها أقدم من بعض. عربياً ، على سبيل المثال، هناك فيلم الأردني أمين مطالقة »كابتن أبو رائد« الذي عرض قبل سنةين في مهرجان دبي وشبع بعد ذلك دوراناً في المهرجانات، وفيلم الفلسطينية نجوي نجّار »المر والرمّان« الذي سبق له وأن عُرض في مهرجان دبي في الماضي
الى ذلك، هناك بضعة أفلام عُرضت في مهرجان الشرق الأوسط المنصرم من بينها »الزمن المتبقّي« لإيليا سليمان (فلسطين) و»الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور و»لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية« لبهمان قوبادي (إيران)٠

وقت للتقييم
لكن للأمانة، لم ينطلق المهرجان القطري وهو غائب عن فرضية حاجته لتأسيس وجوده في هذا الأول ولو بعرض أفلام سبق عرضها في المنطقة. منذ البداية، كما قالت لهذا الناقد، مديرته المباشرة أماندا بالمر، لم يمانع المهرجان عرض أفلام تتوجّه الى المهرجانات المحيطة. قالت: "ما زلنا جدداً في المنطقة وهمّنا الأوّل هو اختيار الجيّد من ناحية وإتاحة الفرصة لمشاهدته داخل قطر من قبل المواطنين والمقيمين الذين لا تتاح لهم فرصة مشاهدة أفلام فنية وثقافية طوال "٠



  إيليا سليمان في »الزمن الباقي«٠

بالطبع هذه الغاية وحدها تستحق التقدير، فوجود مهرجانين كبيرين آخرين لا يبعدان أكثر من ساعة ونصف بالطائرة (او أقل) عن مهرجان الدوحة لا يعني أن كل قطري ومقيم يستطيع أن يسافر الى دبي او أبو ظبي لمشاهدة الأفلام. الي ذلك، هناك أفلام عديدة (من بينها فيلم الإفتتاح »أميليا« للهندية ميرا نير) لم يسبق له عرضه في أي من هذين المهرجانين
أيضاً يجب الأخذ بعين الإعتبار أن النيّة لإنشاء مهرجان سينمائي قطري وُضُحت، ولو أنها لم تعلن رسمياً، قبل أربع سنوات أي حين تم الإتصال ببعض السينمائيين الأميركيين في هوليوود للغاية، ثم تم ايقاف التباحث حين أدرك المعنيّون هنا أنهم أنفسهم بحاجة الى وقت لتقييم أشمل وأدق للمسائل. خلال هذه الفترة انطلق مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي وواصل مهرجان دبي تقدّمه ما جعل انطلاقة هذا المهرجان تبدو كما لو كانت متأخرة٠
ما يؤخذ على مهرجان الدوحة/ ترايبيكا هو عدم إستعانته بخبرة عربية لتأمين ما يحتاجه كل مهرجان من دعم من قبل سينما المنطقة التي ينتمي اليها أوّلاً (لحين استعان بخبرة المنشّط محمد مخلوف لكن تعاونهما توقّف)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، قراره بأن يولد صغيراً بعدد من الأيام لا تتجاوز الأربعة أيام. طبعاً الهدف في المقبل هو أن ينجز أضعاف منجزاته الأولى هذه السنة وأن يطرح نفسه منافساً ليس فقط على صعيد المنطقة الخليجية، بل على صعيد العالم العربي وعلى مستوى الخارطة العالمية أيضاً وهو يستطيع إذا ما عالج القصور التنظيمية والإدارية التي واكبت دورته الأولى٠


أفلام عربية حديثة: أحمد ماهر وعبد الله يجددان السينما المصرية

 نديم جرجورة


المسافر  

على الرغم من غيابها الواضح عن لائحة الأفلام الفائزة بجوائز الدورة الثالثة لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، أبو ظبي»، التي أُعلنت في السابع عشر من تشرين الأول الجاري، كشف فيلمان مصريان حديثا الإنتاج نمطاً جديداً في مقاربة المسائل الإنسانية الراهنة. وعلى الرغم من تفوّق النجوم السوريين على زملائهم المصريين في الدورة هذه، خصوصاً في حفلة الافتتاح في الثامن من الشهر نفسه، وفي أروقة الأيام العشرة كلّها تقريباً؛ بدت مشاركة سينمائيين مصريين في لجان التحكيم الخاصّة بالمسابقات الرسمية الثلاث تأكيداً على أولوية النوعية، وانسجام إدارة المهرجان، المعقودة على المدير الفني الأميركي بيتر سكارليت، مع أهمية السينما وإعلاء شأنها، في مهرجان أقيم سابقاً على ثنائية النجومية والاستعراض الإعلامي. ذلك أن اختيار المخرج يُسري نصر الله رئيساً للجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، التي ضمّت إليه الممثلة الشابّة منّة شلبي؛ ومشاركة المخرج محمد خان في عضوية لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة (التي ترأّسها الإيراني عباس كياروستامي)؛ شكّلا حظوة للمصريين في واحدة من فرق العمل الخاصّة بمهرجان يُفترض به أن يقترب، أكثر فأكثر، من العمل السينمائي السليم، حيث يُمكن للنقاش الجدّي أن يعثر على مكان أوسع وأرحب. يُمكن إضافة اسم الممثلة هند صبري، المنضمّة إلى لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الوثائقية، مع أنها تونسية الأصل والهوية، ومصرية العمل التمثيلي
شعوران متناقضان 
وقد اشترك فيلمان مصريان في المسابقة هما «المسافر» لأحمد ماهر و«هليوبوليس» لأحمد العبد الله؛ بالإضافة إلى الفيلمين الوثائقيين «كاريوكا» لنبيهة لطفي و«جيران» لتهاني راشد. علماً بأن فيلماً روائياً طويلاً ثالثاً كان يُفترض به أن يُعرض في المسابقة الرسمية أيضاً، وهو «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي، غير أن النسخة الأولى الخارجة توّاً من مسنةل الطبع كانت سيئة، إلى درجة أن فوزي قرّر سحب فيلمه هذا من المسابقة الرسمية نهائياً، بموافقة إدارة المهرجان. وإذا بدا الروائيان الطويلان أكثر تماسكاً درامياً، وأقوى جماليات فنية، وأفعل تأثيراً سينمائياً وإنسانياً؛ فإن الفيلمين الوثائقيين انطلقا من حالة جغرافية (غاردن سيتي)، بعوالمها الاجتماعية والثقافية والمناطقية والحياتية، وجدت نفسها في مرحلة متناقضة تماماً وذاكرتها الموغلة في الوجدان والحساسية والتاريخ البعيد (جيران)؛ أو من شخصية فاعلة ومؤثّرة في المشهد الفني المصري والعربي، ومن فنانة (تحية كاريوكا) تحوّلت سيرتها في الفيلم (كاريوكا) إلى معاينة شفّافة لتاريخ مصري جماعي منفتح على أسئلة الانتماء والإبداع والتحوّلات. أرادت تهاني راشد استعادة الزمن الجميل للحيّ الشهير في القاهرة، على ضوء المستجدات الأمنية المفروضة عليه بسبب وجود الحراسة الأمنية المشدّدة على السفارة الاميركية، وما أحدثه التشدّد (بالإضافة إلى عوامل أخرى، كاكتساح الفقراء شوارع المدينة والحي مثلاً) من تبدلّ فظيع في أحوال المكان وناسه. وسعت نبيهة لطفي إلى إعادة رسم الصورة الأنقى عن الفنانة الأجمل، معتمدة البناء الكلاسيكي في ترجمة الصُوَر الوثائقية واللقاءات التي أجرتها مع عدد من المثقفين والفنانين المصريين. لم يخرج «جيران» و«كاريوكا» من القالب التقليدي البحت في صناعة الفيلم الوثائقي، ولم يندرجا في السياق الإبداعي المتجدّد في دمج الوثائقي بالمتخيّل، ولم يذهبا إلى أبعد من كونهما شهادة» جميلة وعادية عن زمن مضى. «٠

غياب الزمن الجميل
هذه العودة البصرية إلى زمن مضى ماثلةٌ أيضاً في المناخ للفيلمين الروائيين الطويلين، اللذين امتلكا قواسم مشتركة عدّة: فهما الفيلم الروائي الطويل الأول لصاحبيهما، وهما من إنجاز مخرجين شابين، بحثا في التحوّلات المدينية والثقافية والإنسانية والتاريخية لبيئة ومجتمع وناس، ورسما معالم الاغتراب الفردي، من خلال شخصيات محطّمة وخائبة ومنزلقة إلى عزلاتها القاتلة. في المقابل، هناك اختلاف واضح في أسلوب المعالجة وإدارة الممثلين والأمكنة الجغرافية، بامتداداتها المجتمعية والحياتية والتاريخية المتعلّقة بالذاكرة، كما في اختيار الممثلين أيضاً، إذ تعاون أحمد ماهر مع «نجوم»، أمثال خالد النبوي وعمر الشريف، بالإضافة إلى سيرين عبد النور؛ بينما تسنةل أحمد العبد الله مع ممثلين شباب، انتقى من بينهم خالد أبو النجا لتأدية دور أساسي قد يكون امتداداً شخصياً له، من حيث العين اللاقطة ملامح التغيير والتبدّل في المستويات كلّها، ومن حيث التلصّص على مآزق الناس المهمَّشين، والتحدّيات التي يواجهونها يومياً. بينما ظلّ أحمد ماهر بعيداً عن مفهوم التلصّص والمعاينة المباشرة للحدث والتحوّل والواقع، على الرغم من أن «المسافر» برمّته شكّل مرآة سينمائية له جعلته يلتقط النبض الإنساني في لحظات تاريخية مصيرية، محرّراً خطابه الثقافي من الحشو السياسي والتحليل المجتمعي والثقافي الفجّ، ومحافظاً على حيوية السينما في مقاربتها الأحاسيس المتفجّرة إزاء مواقف وحالات ولحظات. والتلصّص، كأداة سينمائية بامتياز، غاص في متاهة الفرد داخل الجماعة، جاعلاً آلة الكاميرا نافذة على العالم الذاوي في عزلاته القاتلة، بل على ذاكرة لم تعد قادرة على الصمود طويلاً أمام الوحش المتغلغل في ثنايا المجتمع والعمران والفضاء الإنساني، في قاهرة المعزّ، في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين٠

اختار أحمد ماهر ثلاث محطات أساسية لمقاربة المسار التاريخي للتحولات الحاصلة في القاهرة مرتكزاً على تحديد واضح وصرح للحالة . فهو بدأ سيرة بطله (خالد النبوي/ عمر الشريف) في خريف 1948 قبل أن يتوقف ثانية معه في خريف 1973 قبل أن يصل الى خريف 2001
. لكن الإشارات لا تتسلّط على النصّ السينمائي، ولا تفرض حضوراً سياسياً/ تاريخياً قسرياً على المعالجة الدرامية، وإن وزّعت إشارات متواضعة لها في طيّات الحبكة، كدلالات على المضمون الأساسي للحكاية المتعلّقة ببطل يعاني خريفاً دائماً في حياته، » إشارة ما إلى نكبة فلسطين منذ اللحظة التي وجد نفسه فيها منتحلاً شخصية ليست له. وإذا بدا مشهد الاغتصاب الملتبس في خريف على أيدي اليهود المهاجرين إليها بالقوّة؛ فإن الفصل الأول هذا كلّه نجا من ورطة السياسي والنضالي، لأنه ذهب إلى شجون البطل وانفعالاته وبحثه المستمرّ عمّا يؤكّد وجوده داخل الارتباكات الحاصلة. وإذا أفضى الفصل الثاني إلى نهاية متلائمة و«رعشة» الانتصار المصري/ السوري في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، غلّفها ماهر بصورة انتقادية قاسية (انتصار الغبي على الآخرين، وانتزاع هذا الغبي للمرأة الجميلة الوحيدة (خريف الجماعة من الرجال كلّهم)؛ فإن الأحداث السابقة للنهاية أمعنت في تغريب البطل عن محيطه، وفي دفعه إلى مزيد من العزلة والوحدة والابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يمكن أن يكشف حقيقته. وإذا انطلق الفصل الثالث من سقوط دشمتين كادتا تقتلان البطل، فإن انعكاسٌ حاد للمأزق الفردي في مقاربة التحوّل القاتل داخل القاهرة، وارتباك العيش اليومي فيها.
من جهته، فضّل أحمد العبد الله التزام لحظة واحدة محدّدة، تجعله أقدر على الغوص في تداعيات الأزمنة المتلاحقة، التي أفضت إلى العزلات والاغتراب الاجتماعي والثقافي في قاهرة اليوم. فهو، باختياره «مصر الجديدة» (أو بالأحرى منطقة محدّدة فيها)، أراد معاينة الأشياء والهوامش والتفاصيل الصغيرة، التي بدت جداراً فاصلاً ليس بين ذاكرة عتيقة وراهن موحش، بل بين أناس متشابهين لا يعثرون على خلاص لهم من جحيم الأرض. وهو، باستعادته الاسم القديم لتلك المنطقة عنواناً لفيلمه (هليوبوليس)، بدا كأنه يحيل المُشاهد، منذ اللحظة الأولى، إلى مراقب ومشارك في آن واحد: مراقب يُسرف في التلصّص على المدينة وناسها، وعلى الذاكرة وبقاياها، وعلى الراهن وتشعبّاته القاتلة؛ ومشارك يعيد كتابة الآنيّ مع المخرج الشاب نفسه، بدلاً من أن يبقى محايداً في مشاهدته٠
أما الشخصيات المرسومة بدقّة درامية جميلة، فقد عكست جوانب متفرّقة من الحياة الآنيّة في القاهرة اليوم: شخصيات مضطربة وقلقة، وشخصيات هامشية معزولة ومهانة، وشخصيات محاصرة بتاريخها الفردي ومحصّنة بتغييب قاس لحقيقتها، وشخصيات مسحوقة أمام قوة التغيير الحاصل، ومستسلمة لمشيئة التحوّل القاتل. لكن خللاً ما أصاب الفيلم، عندما أدخل في سياقه الروائي مفردات العمل الوثائقي، من دون أن يدمجهما معاً في سياق سينمائي واحد. فعندما قرّر الباحث في شؤون الأقليات الباقية في قلب القاهرة، تصوير نتائج التحوّلات التي أصابت العمارة والشوارع والناس، كي تستطيع السيدة اليهودية (أوهمت جيرانها جميعهم بأنها مسيحية) المقيمة في منزلها منذ سنين طويلة معاينة ما يجري خارج جدران بيتها وعزلتها، اهتزّ البناء الدرامي، لأن العلاقة بين النوعين لم تُترجم كما يجب. وهذا لم يؤثّر كثيراً على البنية الدرامية كلّها، لأن إيجابيات عدّة منحت «هليوبوليس» حضوراً متميّزاً في المشهد السينمائي المصري، الخاصّ بجيل سينمائي شاب جديد، لعلّه يؤشّر إلى إمكانية ولادة نمط سينمائي متجدّد ومنقلب على المساوئ الدرامية والفكرية والجمالية للغالبية الساحقة من الإنتاج السينمائي الحالي

مايكل مور: فكرت في فيلم »الرأسمالية« منذ فيلمي الأول قبل عشرين سنة


مقابلة: محمد رُضا



تقول الملحقة الصحافية لي  قبيل وصول المخرج الى مأدبة الغذاء التي أقيمت على شرفه وشرف المخرجين أوليفر ستون وأنطوان فوكوا: أتصل ليقول آسف على التأخير، لكنه في الطريق الينا وسيكون هنا بعد خمس دقائق٠
ثم تضيف: "إنه لا يذهب الى مكان من دون مرافق؟"٠
حين وصل مايكل مور وتقدّم من مكانه المحجوز اعتذر للتأخير لكني لم ألحظ معه أي مرافق. نظرت الى الملحقة الصحافية فأعطتني إشارة تفيد بأنها لا تعرف الجواب٠
المهم مايكل مور وصل والغذاء سيبدأ وبعده الحوار٠
كونه يظهر في الأفلام التي يحققها يجعله معروفاً على صعيد عالمي، لكن حتى ولو لم يظهر في أفلامه الوثائقية المختلفة التي يقوم بإخراجها، فإن أعماله كانت ستشهره كونها شهدت نجاحات حول العالم. وعلى أساسها عُرف بالمخرج المشاغب حيناً والمخرج المعادي لأميركا حيناً آخر و»كاره أميركا« كما يحب اليمين الأميركي أن يطلق عليه٠

لكن من وجهة نظر غير أميركية، على الأقل، وسينمائية في الوقت ذاته، فإن مايكل مور في أفلامه لا يأتي بنظريات وأيديولوجيّات بقدر ما يبحث في كوامن إجتماعية تؤدي، بالضرورة، الى طروحات سياسية. إنه السينمائي الأميركي الوحيد حالياً الذي يواصل تحريك قضايا تعبّر عن مشاكل المواطنين الآنية. غيره من السينمائيين لين في الحقل الروائي يختارون قضايا تهم الأميركيين لكنها ليس بالضرورة من وجهة نظر المواطن٠
هذا هو بعض الخاص في سينما مايكل مور. البعض الآخر قدرته على أن يصنع فيلمه الوثائقي بعين ريبورتاجية وبصيغة المقال الممهور بقلم وأسلوب كاتبه. وهو دائماً، حين يفعل ذلك، يجعل المنطلق محاولة الإجابة على اسئلة تتردد في باله وفي بال الكثيرين وتراه يحمل الاسئلة لا في شكل الفيلم الوثائقي فقط، بل مباشرة الى أهل الحكم او السُلطة او المعنيين٠
في »روجر وأنا« (1989) قصد أصحاب مصانع السيارات »جنرال موتورز« ليسألهم تفسيراً لإغلاق مصنعهم في مدينة فلينت، ولاية ميتشغَن، ما تسبب في طرد ألوف العمّال
في »باولينغ لكولمباين« (2002) أراد معرفة ما الذي يدفع الأميركيين لحمل السلاح ولماذا تجارة المسدّسات والبنادق مزدهرة في الحياة العامّة في اميركا أكثر منها في كندا. لهذا الغرض ذهب لمقابلة الممثل الراحل تشارلتون هستون، الذي كان، ومنذ سنوات عدّة، يرأس »الجمعية الأميركية للبنادق« لا مدافعاً عن حق الأميركيين في حمل السلاح فقط، بل نشطاً في سبيل هذه الدعوة. تشارلتون استقبل مور وبدا عليه كمخرج يريد إجراء حديث معه. وكيف لا يكون حديثاً للتعريف بالجمعية او مسؤولياته رئيساً، او ربما بأدواره التاريخية. حين فوجيء بأن المخرج مور يحاوره من مبدأ مناهض لمبدأه طلب إنهاء المقابلة. مور وجد نفسه خارج البيت مكتفياً بما استطاع تصويره٠
في فيلمه الثالث »فهرنهايت 9/11« (2004) استوقف أعضاء من الكونغرس ليسألهم سبب تأييدهم للحرب على العراق أولاً، و»هل سترسل إبنك ليدافع عن أميركا في تلك الحرب؟« ثانياً. لا عجب أن معظمهم لم يرد الحديث إليه وهم الذين سمعوا به من قبل٠
ثم جاء »سيكو« (2007) الذي تجرأ فيه على المقارنة بين الطبابة في اميركا والطبابة لا في فرنسا وبعض الدول الاسكندنافية وكندا فقط، بل في كوبا أيضاً. هذا الفيلم نهى علاقته الودّية، او ما بقي منها، لدي اليمين الأميركي الذين كانوا بدأوا يتحرّكون ضدّه اعلامياً وسينمائياً فإنجزوا بضعة أفلام وثائقية مضاده وفيلماً روائياً واحداً بعنوان »إنشودة أميركية« دار حول مخرج بدين أسمه مايكل مالوني (قام به كَڤن فارلي) يحقق أفلاماً معادية لأميركا ما يستوجب فتح عينيه على الحقائق الغائبة عنه. مناسبة ليلتقي بملك الموت الذي يأخذه في رحلة عبر التاريخ يلتقي فيها والجنرال الأميركي باتون والرئيس السابق جون ف. كندي ومقدّم البرامج التلفزيونية اليميني بيل اورايلي كما أول رئيس جمهورية أميركي وهو جورج واشنطن (قام به الممثل جون فويت الذي عمل في حملة انتخابية مناوئة لباراك أوباما كما آخرين منهم أرنولد شوارتزنيغر وتشاك نوريس)٠

لكن لا هذا الفيلم ولا سواه، ولا الهجوم الإعلامي المركّز عليه يمنعه من المواصلة. وها هو »رأسمالية: قصّة حب« (الذي عُرض في مسابقة مهرجان فنيسيا، حيث تمّت هذه المقابلة، قبل توجهه الى مهرجانات أخرى من بينها تورنتو والشرق الأوسط في أبو ظبي) يطرق ذات الباب بأسئلة صعبة مستمدّة مما حدث لأميركا من أزمة اقتصادية كادت أن تشل الحياة المالية بأسرها٠

الى جانب أنك الآن أنجح مخرج وثائقي حول العالم، فإنك أحد أكثر
المخرجين الأميركيين إصراراً على التسنةل مع المواضيع السياسية. هل
ينتابك أحيانا إحساس بأنك تريد تحقيق فيلم لا علاقة له بالسياسة؟

وهل هناك فيلم لا علاقة له بالسياسة؟ اسألك٠
لا طبعاً

إذاً حتى ولو رغبت في عدم طرح موضوع لا علاقة له بالسياسة، إفتراضاً أن ذلك ممكناً، فإن السياسة
فيه بلا ريب

كيف تطوّر مشروع هذا الفيلم؟ هل يتطوّر كل فيلم على نحو مختلف؟
حملت هذا الموضوع في بالي لنحو عشرين سنة. كلما جلست لأكتب فيلماً وحين المباشرة في تصويره
أفكّر فيه . فكّرت فيه منذ فيلمي الأول »روجر وأنا« قبل عشرين سنة، ثم حين بدأت تنفيذ »بولينغ لكولمباين« وبعد ذلك حين أخرجت »فهرنهايت 9/11«. المسألة أن الوضع الإقتصادي يقف وراء كل هذه القضايا الأخرى. لم أتوقّف وأقول لنفسي أن عليّ الآن تحقيق هذا الفيلم لكنه كان دائماً في مؤخرة رأسي

فيلم »روجر وأنا« دار حول الوضع الإقتصادي في بلدة
فلينت، متشيغَن٠
صحيح، وفي ذات الوقت ليس فيلماً عن فلينت وحدها. او عن مؤسسة »جنرال موتورز« بالتحديد. بل
عن النظام الإقتصادي غير العادل الذي تعانيه أميركا

ما الذي، إذاً، يجعل »الرأسمالية: قصّة حب« مختلفاً في رأيك؟
عن »روجر وأنا«؟

نعم
أعتقد أنني قبل عشرين سنة لم أقرأ الوضع الإقتصادي على نحو شامل. وحين ووجهت بما يعارض
معلوماتي الأوّلية لم أسع الى توسيع رقعة المعرفة وتصرّفت على نحو مختلف تماماً عما تصرّفت عليه هنا حيث أصبح من غير الممكن غض النظر عن مسؤولية هذا الوضع بالنسبة للأزمات المختلفة التي نعاني منها٠

إذاً كيف تطوّر هذا المشروع؟
حينما كنت أحضر لفيلم »سيكو« خطر لي أنه لم يعد بالإمكان التغاضي عن مواجهة هذا الموضوع
الذي يقف وراء كل المشاكل التي نعاني منها في أميركا. كما تعلم »سيكو« هو فيلم عن شركات التأمين الصحّي وهو في النهاية يصب في ذات الخط العريض لهذا الفيلم. كلاهما، مثلاً، يتحدّثان عن الجشع الذي يمتلك النظام الإقتصادي الذي نعيشه. طبعاً في ذلك الفيلم هو في حدود مؤسسات التأمين الصحّي نفسها وما تقوم به من ممارسات تجعل طلب الإستشفاء شبه مستحيل لمئات الملايين من الأميركيين. كل ذلك لأن تلك المؤسسات تريد تحقيق أرباح وهي ليست في وارد السؤال عن اخلاقية ممارساتها طالما أن الغاية المادية هي الأهم. ماذا ستفعل؟ ستكون عادلة او مهتمّة بالمواطن فعلاً على حساب ما تجنيه حالياً من أرباح؟ مستحيل. للإجابة تحديداً على سؤالك: هذا ما أقوم به. أفكر في المشروع. أنتقل الى تنفيذه٠




الا تضع سيناريو؟
أضع أفكاراً لكنها تعيش في بالي على أي حال. معظم المخرجين يكتبون السيناريو سلفاً لأنهم بذلك يضمنون مرجعية ما يقومون به. لكنهم بذلك يربطون عملهم بما وضعوه على الورق. يصير لزاما تصوير ما يتّفق مع السيناريو. أعتقد أن السبب الذي تبدو فيه أفلامي مختلفة هي أنني أقبل التحدّي وانطلق للعمل باحثاً ومتسائلاً تماماً كما تشاهدني في الفيلم٠

الأصبع على الجرح

مثل أفلامك السابقة، هناك، في »رأسمالية« دعوة للتغيير. تغيير
شيء ما. ما الذي تطلبه من المشاهدين في هذا الفيلم او
في أي من أفلامك السابقة؟
أطلب منهم في البداية أن يفكّروا بما شاهدوه. في الحقيقة ربما هذا كل ما أطلبه منهم. أنا واثق من
معظم المشاهدين يخرج من الفيلم مختلفاً عن دخوله إياه. حتى اولئك الذين يعرفون المشكلة وسواهم من الذين يعرفون ما أطرحه في أفلامي. هؤلاء يأتون لكل فيلم لأنهم يريدون معرفة الجواب على عدد من المواضيع المثارة. لدينا شبكة إعلامية واسعة لكن القليل جدّاً مما يُبث مفيد ويضع الأصبع على الجرح تماماً. بل لا أدري إذا كان هناك أحد غيري يطرح الأمور على هذا النحو٠

لماذا أنت بالذات؟ ما الذي يجعلك مهتمّاً أكثر من سواك؟
بكلمة واحدة أستطيع أن أقول لك: إسأل غيري لماذا لا يتحدّثون اللغة ذاتها. لماذا ليس هناك نقاشاً جادا
حول هذا الموضوع؟ لماذا على مايكل مور وحده أن يكون ذلك السينمائي الذي يواصل التحرّش بمثل هذه المواضيع؟ بالنسبة إلي إذا أردت جواباً مني فأنا أقوم بما أؤمن بأنه رسالتي وهذا كاف لدي٠

لكن هناك نقاشات حول هذا الموضوع في الكونغرس بين
المؤيدين لمحاولات باراك أوباما الإصلاحية والمناهضين لها
حين بدأت التفكير في هذا الفيلم لم تكن مسألة النظام الصحي في الولايات المتحدة مطروحة هذا
أولاً. ثانياً أنت ربما تنسى أن الفيلم ليس عن مؤسسات التأمين الصحي فقط. إنه عن كل الأزمة المالية التي انفجرت في وجهنا٠

صحيح. هل تعتبر أن المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي
إذاً؟ ماذا عن النظم الأخرى؟ هل هناك نظام متكامل؟

المشكلة بالنسبة إلينا نحن في أميركا لها علاقة بكيف مارسنا النظام وليست بالنظام وحده. إنها مشكلة تمتد عميقاً في صلب البناء الأساسي. أعتقد أننا غالينا فيه كثيراً. تسألني عن النظم الأخرى. كما بيّنت في »سيكو« وفي »الرأسمالية«، أوروبا من بين تلك التي تعيش نظاماً رأسماليا تزاوج مع مقتضيات التحكّم في الأرباح غير المشروعة وبالجشع كمحرّك فردي. في »باولينغ لكولومباين«« حين تحدّثت عن العنف في أميركا، التي تجاورنا لا يموت فيها قتلاً أكثر من مئتي ضحية في كله. هل تعلم كم جريمة قتل تُرتكب كل يوم في أميركا؟ أربعون. المسألة هي أن ممارستنا للنظام الرأسمالي فاقت المباديء الأساسية التي بنيت أميركا عليها. أصبحنا دولة سينظر اليها العالم في المستقبل على أساس أننا كنّا مغفلين. وفي الأساس، وكما في فيلمي لابد من القول أن
المسألة في نهاية المطاف هي أن هذا النوع من الرأسمالية يتنافى والديمقراطية ونحن علينا أن نكون ديمقراطيين أوّلاً٠

الإنتساب لهوليوود
ما هي علاقتك مع هوليوود؟ هل تعتبر نفسك واحداً
من أبنائها؟
يضحك: أنا سينمائي انتمي الى السينما الأميركية وليست كلّها هوليوودية .... أنت تعرف ذلك٠

نعم. حين أخرجت فيلمك الروائي الوحيد »كناديان بايكون« هل
كان ذلك محاولة منك للتوسّع في طروحاتك السياسية؟
ربما. كانت لديّ فكرة كتابة هذا الفيلم الإفتراضي من نوع »ماذا يحدث لو ...« والإفتراض هنا
كان الرئيس الأميركي لكي يرفع من شعبيّته بحاجة الى حرب ولو أنه لا يريدها فعلاً وكندا، التي تقع على الحدود وتتميّز بنظام رأسمالي »عادل« بدت البلد المناسب لإشاعة حرب باردة. طبعاً ليست هناك من فكرة لفيلم وثائقي في هذا الموضوع وطرحه روائياً كان السبيل الوحيد٠

هل عني لك عدم نجاحه التجاري شيئاً مثل لم أقدمت
على فيلم روائي؟
تساءلت، إذا أردتني أن أكون صريحاً معك، عما لو أنني كنت بحاجة الى فيلم روائي لكن هذا
طبعاً بعد أن حققت الفيلم. ثم مرّة ثانية بعد أن عُرض. لم يفشل الفيلم تماماً. ليس أقل إيرادا من العديد من الأفلام التي يتم إنتاجها. لكني مرّة ثانية لابد أن أذكر أن قول ما أردت قوله لم يكن ليتم الا بواسطة الفيلم الروائي. هل لو نجح كنت سأستمر في الروائي؟ تستطيع أن تقلب السؤال. لا أعتقد لأن ذلك الفيلم لم يكن مقدّمة للعمل في هذا النوع من الأفلام او لكي انتسب الى هوليوود. لو نجح أكثر؟ لا أدري. أعتقد أنني الآن في المكان الصحيح في الوقت الصحيح وفي الإطار الصحيح أيضاً لكي أتحدّث عما أريد الحديث فيه حول المسائل التي تهم المواطنين

في حين أن مخرجين آخرين في هوليوود يتناولون الموضوع
السياسي، الا أنك تتناوله من زاوية المواطنين. دائما في بالك٠
شكرا. هذه تحيّة. لكن الحقيقة أن شعوري هو التالي: لم يكن من المفترض بي أن أكون في هذا الموقع لولا أنني واحد من ملايين الناس العاديين. أنا انتمي الى معظم الأميركيين. نحن لا نملك أجهزة إعلامية نعمل من خلالها ولا محطات تلفزيون ولا صحف. يوماً ما تفاعلت مع صرف الموظّفين في مصنع جنرال موتورز للسيارات فنقلت هذا التفاعل الى السينما. ثم وجدت أنها وسيلة صحيحة ومنتشرة لنقل آرائي وآراء الأميركيين العاديين الى اميركا والعالم فاستمرّيت٠

المسألة ليست بهذه السهولة على ما أظن. هناك الإتهام الذي
يوجّه اليك بأنك معاد لأميركا، ثم هناك حقيقة أخرى: الفيلم
الوثائقي لم يسبق له أن أنجز نجاحات كما يفعل كلما قدّمت
أنت فيلماً. ما تفسيرك؟
كلاهما متّصل بالآخر. حين أخرجت فيلم »باولينغ لكولومباين« لم يكن هناك اهتماماً كبيراً به. من
كان سيصدّق أنه سينجح؟ أولاً كتبت عنه الصحف الأوروبية بأنه فيلم معاد لأميركا وثانياً موضوعه العنف والمدارس وما حدث في كلية في بلدة صغيرة أسمها كولمباين حين فتح شابّان النار على باقي الطلاّب. لكن المفاجأة كانت أن أمثالي من الأميركيين كانوا يريدون معرفة الحقيقة. مصدر ما حدث. دافعه. ولم يكن هناك من سيتولّى الكشف عن هذه الحقائق لأنها مرتبطة بالنظام الذي يُتيح لتجارة السلاح أن تترعرع، ولها أيضاً جوانب أخرى تتعلّق بالحياة السياسية والإقتصادية برمّتها. من سيهتم في هذا الموضوع؟ أقصد خارج النطاق الإخباري؟ محطات التلفزيون والصحف؟ هي فعلت ذلك كحدث ثم أعقبته أحداثاً أخرى والجديد يطغى على القديم٠

تصرّف كوميدي
في كل فيلم نراك تحاول إحراج الطرف الآخر. ضحكت كثيراً
حين بدأت توقف رجال الكونغرس في »فهرنهايت 9/11« لكي
تطرح عليهم اسئلتك حول رأيهم في الحرب العراقية. وفي هذا
الفيلم تستأجر سيارة نقل أموال مصفّحة وتعلن أنك تريد أن
تستعيد البلايين الثمانية التي حصلت عليها المؤسسات المصرفية
لتجاوز أزمتها .... بعض النقاد يقولون أن هذا تصرّف كوميدي منك
وهم لا يقولون ذلك مدحاً، والبعض الآخر يقول إنك تعاني من
حب الظهور. وهذا بالتأكيد ليس مدحاً

يقولون أيضاً أنني مثير للمشاكل ومعادي لأميركا ولا أحب وطني وأفضل عليه كوبا. وهناك أفلاماً ضدي. لكني في النهاية أنظر الى الموضوع على هذا النحو: ما هي الطريقة الأفضل التي أستطيع فيها الوصول الى الأميركيين؟ إذا كان الأمر يستدعي أن أظهر في بعض المشاهد .... هل تعتقد حقيقة أنني أفعل ذلك كدعاية لنفسي؟ على الأفلام أن تصل. ذلك المشهد الذي تتحدّث عنه في »رأسمالية: قصّة حب« آت من ضرورة تقديم هؤلاء المسؤولين عن الأزمة الإقتصادية في أميركا والعالم الى الرأي على حقيقتهم. تراهم يتحاشونني وفي بعض الأحيان يتحاشاني كثيرون غيرهم كما لو أني سأحمل أخباراً غير سارّة٠

من أين ستمضي من هنا؟ ما هو فيلمك المقبل؟
هذه أول مرّة أنتهي من تحقيق فيلم دون أن يكون لدي فكرة عما سيكون عليه فيلمي المقبل. ليس
عندي إتفاق جاهز مع أحد. الجميع الآن ينتظر من أوباما أن ينقذنا من هذا الوضع الذي نحن فيه وأنا معهم. لن أفكّر في فيلمي المقبل الآن، لكني أفكر في الخطوة التي سيتّخذها أوباما لأنه جاء من طبقة اجتماعية مختلفة تماماً عن تلك التي يأتي منها عادة السياسيون الآخرون، وهذا مطمئن جدّاً٠

نشرت هذه المقابلة في صحيفة »الشرق الأوسط«٠


السينما التركية في التسعينات واليوم
ميسر مسكي





مَلفـّات ساخنة
منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، نشطت حركة ثقافية مستجدّة في تركيا تناولت الكثير مما كان محظوراً الخوض في شؤونه قبل سنوات. و لم تتأخر السينما في إلتقاط اللحظة لطرح رؤية مخرجيها في قضايا و ملفات لم تـُناقـَش منذ سقوط الدولة العثمانية قبل ثمانين سنةاً.

سنورد هنا بعض هذه الملفات في عجالة على أن نعود إليها بالتفصيل إلى بعض منها في الجزء الثاني٠

لعلَ أهم هذه الملفات هي أزمة الإنسان – الفرد في مجتمع شَهَدَ تحولات جذرية، عنيفة و قسرية في تعريف إنتماؤه كما في توجيه مساراته في حياته اليومية العادية. و من تلك الأفلام عمل المخرج فاتح أكين "عبور الجسر"، و فيلم نوري بيلج جيلان "مسافة بعيدة".
لكن السينما في تركيا إلتفتت أيضاً إلى ملفات موروثة من صراعات الإمبراطورية القديمة و لا زالت تلعب دوراً في تحديد علاقة الأمة – الدولة مع جوارها الإقليمي كما مع الداخل في تنوع إثنياته٠

الملفّ الأول: اليونان، جار...أم عدو؟
منذ أن اُعلنـَت الدولة التركية الحديثة بعد حرب ضروس و دامية إنتهت بهزيمة الجيش اليوناني سنة 1923، وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين شخص من الطرفين، بقيت السينما التركية تتناول هذا الصراع من باب البطولة والنضال و ريادة أتاتورك، زعيم الأمة، في تكريس إنتصار تركيا الحديثة. أما اليونانيون فيتناولون تلك المرحلة بشيء يشبه حنين العرب إلى الأندلس٠
سنوات طويلة من سطوة الجيش على الحياة ة في تركيا، رَعَت و دَعمَت هذا التوجه في الرؤية السينمائية لمرحلة مصيرية من تكوين الأمة و تعززت هذه الرؤية سنة 1974 بغزو الجيش التركي لقبرص لإنقاذ الأقلية التركية هناك من بطش الأكثرية اليونانية حسب التوصيف الرسمي التركي للأحداث٠
لكن التحولات الكبيرة و المُستجدة منذ أوائل التسعينات في المجتمع و السياسة و طموحات تركيا بالتقارب مع جوارها الأوروبي فتحَ باب الجدل الثقافي و السينمائي نحو نظرة جديدة و بعيدة عن البطولة و شيطنة العدو. فكان فيلم "الوحل" للمخرج درويش زعيم سنة 2003، عن العلاقة المُضطربة بين الجاليتين التركية و اليونانية في الجزيرة المُقسّمة و محاولة الطرفين الوصول للآخر. و في سنة 2004 كان فيلم "في إنتظار الغيوم" للمخرج وسيم أوسطا أوغلو. دراما إنسانية عن إمرأة يونانية أخفت هويتها حين أنقذتها عائلة تركية أيام الحرب مع اليونان سنة 1923. و حين تحاول هذه المرأة البوح بسرّها تنشأ أزمة مع عائلتها اليونانية و تستفيق الجروح التي ما أندملت٠

الملفّ الثاني: أكراد...أم أتراك الجبال؟
تُشكل المسألة الكردية المعضلة الإثنية الأهمّ و الأكثر دموية في تاريخ الدولة التركية الأتاتوركية الحديثة. فحملة "التتريك" التي قادتها النخبة السياسية الحديثة في أنقرة أرادت إنفصالاً كاملاً مع الماضي العثماني الجامع لقوميات مختلفة تحت ظلّ الباب العالي. لذلك ذهبت هذه النخبة إلى حدّ نفي وجود أي عرق آخر غير التركي ضمن حدود الدولة. و من هنا نشأت أزمة الهوية القومية الكردية التي لا زالت مستمرة إلى هذا اليوم٠
هذه المُعضلة كان محرّماً الإشارة إليها في كل نواح الحياة الثقافية التركية حتى سنوات قليلة مضت. أما اليوم وضمن المناخ الأكثر إنفتاحاً، تشهد السينما في تركيا أكثر من إطلالة تتناول الجوانب الإنسانية لهذا الصراع المفتوح مثل فيلم "رجل كبير، حُبّ صغير" سنة 2001 لـ وسيم أوسطا أوغلو، و الذي حُظر عرضه لمدة ستة أشهر قبل السماح له بالظهور على الشاشات التركية و ذلك بسبب ما أعترضت عليه السلطات من طريقة تناول الشرطة التركية فيه. و قبله فيلم "رحلة إلى الشمس" سنة 1999 للمخرج هندان إيبكجي، و هو الفيلم الذي نالَ أكبر تغطية في الغرب منذ فيلم "الطريق"٠

الملفّ الثالث: مذبحة...أم مآساة حرب عالمية؟
قضية تهجير ملايين الأرمن سنة 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى، و ما تعرضوا له من مصاعب مروعة أثناء هجرتهم، لا تزال قضية شديدة الحساسية في الوعي التركي الرسمي كما في و اللاوعي الجمعي الشعبي. فما يقول الأرمن أنه مذابح إبادة جماعية دبرتها و نفذتها الدولة التركية، تردّ عليه الحكومات التركية المُتعاقبة منذ الإستقلال أنه واحد من مآسي الحرب التي عانى منها كل الأتراك نتيجة المجاعة و إنفلات الأمن و أنه لم يكن عملاً مخططاً له أو مُدبر. كما أن الأتراك يجادلون في الأرقام التي يطرحها الأرمن عن عدد القتلى منهم
السينما لا زالت غير قادرة على طرح هذه القضية على الشاشة لحساسيتها الشديدة التي جعلت أديباً تركياً عالمي السمعة مثل أورهان باموك، و الحائز على جائزة نوبل للآداب، يتعرض لملاحقة قضائية حين تفوه بما رآه الكثير من الأتراك خيانة قومية عندما تناول هذه القضية في مقال موسع٠

نماذج
على مسافة بعيدة
Uzak – Distant 2002
المخرج: نوري بيلج سيلان



تفتح الكاميرا في مشهد البداية على صورة يتناوب فيها الأبيض مع الأخضر الباهت و الأزرق الرمادي لتعطي إحساساً بإفتقاد حرارة اللون و حرارة الحس الإنساني. في مقدمة الصورة سهل ممتد يغطيه الثلج، يعلوه هضبة بهتَ لونها الأخضر حيث تتناثر بيوت القرية، و ما تبقى من الصورة يحتله شريط ضيق هو سماء ألتبسَ لونها بين الأزرق الباهت و الرمادي. من عمق الكادر و على المساحة البيضاء يتحرك رجل من عمق الكادر بإتجاه مقدمته. إنه يوسف، الشاب الذي يقرر ترك القرية بحثاً عن عمل في إسطنبول إثر إغلاق المعمل الوحيد في المنطقة و الذي طالما شكلَ مصدر العمل اليتيم لإهل القرية. يوسف يأمل أن يحصل على عمل على متن سفينة تقله إلى العالم الواسع بعيداً عن الموت البطيء في قريته. عمل يعرّفه إلى العالم و يملأ جيوبه بالدولاارات.
حين يصل يوسف إلى مقدمة الكادر، يلتفت إلى القرية، و من ثمّ يخرج من الكادر. هو خروجه (أو محاولة خروجه) من سكون الأشياء و إحتضار الأمل في ريف ناءٍ بدا و كأن العالم قد نسيه خارج الحياة و الزمن
في إسطنبول، يقصد يوسف شقة قريبه محمود الذي سبق و أن غادر القرية قبل عقود حاملاً حلمه بالخلاص في مدينة كانت في يوم عزّ الإمبراطورية. حلم محمود بالفن و التصوير الفوتوغرافي إنتهى به إلى خيبة أن يعمل مصوراً لصالح شركة تنتج السيراميك٠
في الشقة الصغيرة، كما في إسطنبول الواسعة، إبتعدت المسافة بين الرجلين. كلٍ له عالمه و مفهومه للحياة والجنس و الحب و التوق. لوهلة يبدو أن الرجلين هما تجسيد لحال مكونات المجتمع في تركيا المعاصرة. مجتمع موزع بين تقاليد الأسرة و النسب و الإلتزام بالآخر و بين إرهاص الحياة اليومية في مدينة معاصرة تنوء بذاكرة عزّها المندحر و هموم أيامها الراهنة٠
أختار المخرج سيلان أن يصور إسطنبول الرازحة تحت ثلج ثقيل ليحولها إلى جزء عضوي من الحكاية والرؤية. فالمدينة هنا ليست مجرد مكان، بل هي عنصر أساسي في عملية التغريب التي تقود الرجلين في رحلة إبتعادهما المتواصل. تحت طبقة الثلج الكثيفة البيضاء تختفي التفاصيل و تزداد المسافة إتساعاً و وحشة ً. إسطنبول هنا هي أقرب ما تكون إلى بورتريه بالأبيض و الأسود. حتى الشخصيات ترتدي ألبسة سوداء أو رمادية لتزيد من ترسيخ إلتباس العلاقات و إغترابها٠

و تبدو قدرة المخرج لافتة للغاية في خلق كل تلك التفاصيل البصرية و الإنسانية في حكاية لا يحدث فيها شيء، لو جاز التعبير. في خلال بحثه عن عمل يقصد يوسف الميناء على البوسفور و نراه يمرّ أمام سفينة تجارية ضخمة و قد إنقلبت على طرفها و يبدو نصفها غارقاً في مياه البوسفور فيما نصفها الآخر راسياً على البرّ المكسو بالثلج. ندرك هنا، حتى قبل أن يدرك ربما يوسف، أن حلمه بالعمل و السفر على متن باخرة تجارية إنما قد جَنـَحَ أو غرق قبل أن يولد. في تكوين هذا المشهد و البعض غيره، لا تستطيع إلاّ أن يراودك طيف تاركوفسكي. فضآلة الفرد أمام هزيمته المحتومة، و الصمت الذي يروي إنكساره يجمعان بين بيلج سيلان و تاركوفسكي و لو "على مسافة بعيدة."٠
تبدو المسافة بين الرجلين (بيلج سيلان و تاركوفسكي) أقرب في فيلم سيلان القصير "الشرنقة" بالأبيض والأسود.
حاز فيلم "على مسافة بعيدة" على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي سنة 2002 و كانت تلك أول جائزة أساسية للسينما التركية عالمياً منذ فيلم يلماز غوناي "الطريق" سنة 1982.
كما نالَ الممثلان الرئيسيان في الفيلم: مظفر أوزدمير (في دور محمود) و هو دوره الأول سينمائياً و الشاب محمد أمين توبراك جائزة أفضل ممثل في نفس المهرجان. توبراك لم يحضر لإستلام الجائزة لإنه قضى في حادث سيارة قبل إعلان فوزه بأسابيع قليلة. كان حينها في الثامنة و العشرين من عمره٠

Nuri Bilge Ceylan
نوري بيلج سيلان...في لمحة


ولد سنة 1959 في إسطنبول. إثر تخرجه من كلية الهندسة الكهربائية، عادَ إلى معهد "المعمار سنان" الشهير حيث درسَ السينما. فيلمه القصير الأول "شرنقة" سنة 1995 عُرض في مهرجان كان لذلك . فيلمه الطويل الأول كان "مدينة صغيرة". أما فيلمه الثالث "على مسافة بعيدة" هو الذي وضعه على خارطة المهرجانات العالمية حين حاز على جائزة التحكيم الكبرى. أما فيلمه "مناخات" سنة 2006 فقد منحه نقاد مهرجان كان جائزتهم لإفضل فيلم لذلك . نوري بيلج سيلان كان ضمن لجنة تحكيم مهرجان كان للمسابقة الرسمية سنة 2009

رحلة إلى الشمس
Journey to the Sun 1999
المخرجة: يشيم أوسطا أوغلو



إذا كان نوري بيلج سيلان قد أختارَ أن يسبر أزمة مجتمعه من خلال سيرة فردية وجودية، فإن المخرجة يشيم أوسطا أوغلو تذهب مباشرة إلى ملف سياسي بإمتياز. ملف طالما بقي حبيساً بأمر قلم الرقيب: أزمة الأقلية الكردية في تركيا!
أوسطا أوغلو لا تدين ممارسات الجيش و لا عمليات إرهاب الجماعات الكردية المسلحة. هي لا تبحث عن تحليل سياسي أو أيديولوجي لصراع إستنزف أرواح ثلاثين ألف شخص على مدى سنواته التي زادت عن الثلاثين، بل هي تروي حكاية إنسانية بشاعرية تلامس القلب و الروح. أوسطا أوغلو تترك كاميرتها أحياناً تدور في خواء وصمت قرية نائية هجرها سكانها و حملت جدرانها إشارات حمراء وضعها الجيش لتمييز بيوت المخربين حسب التوصيف الرسمي التركي. الصورة توحي بالموقف دون صراخ و لا شعارات.
محمد، شاب تركي داكن السحنة يكافح لكسب قوته في إسطنبول، يجد نفسه يوماً متورطاً في قضية أمنية لا علاقة له بها. فتنشأ بينه و بين شاب كردي (برزان) صداقة لا تلبث أن تضع محمد على طريق إكتشاف ذاته و الآخر الذي طالما أراده المجتمع (أم أن ذلك الآخر أراد لنفسه) أن يكون عدواً
عبر محمد و برزان ذو النشاط المشبوه أمنياً تـُطلّ أوسطا أوغلو على الجانب المظلم من مدينة إسطنبول ذات الحزن الساحر. هي ككل المدن الكبيرة في الدنيا، لها أكثر من وجه و حال. لكن المخرجة تحمل عدستها إلى حيث يتواطؤ البؤس و الفاقة و الحاجة و الظلم و القمع ليؤسسوا عالماً آخر و بلداً ثانياً و أزمة إنتماء لا تكفي الهوية القومية لحلها
"رحلة إلى الشمس" مقسوم إلى نصفين: الأول تتدافع فيه الأحداث و الشخصيات المهرولة من( أو إلى) مصيرها. أما النصف الثاني فهو رحلة محمد و معه جثمان صديقه برزان الذي سقط في صدام مع البوليس إثر مظاهرة. محمد يريد أن يعيد صديقه (و لو ميتاً) إلى مسقط رأسه زوردوش، و هي قريته التي طالما تمنى أن يعود إليها ولم يستطع و هو على قيد الحياة. و حين يصل أخيراً إلى "زوردوش" القرية المنسية على الحدود العراقية، يكتشف محمد أن القرية إنما تغرق تحت مياه بحيرة سدّ جديد، فيدفع الجثمان إلى مثواه الأخير طافياً على مياه....الذاكرة!
محمد، الذي صبغ شعره أشقراً لتمييز ذاته عن الأكراد الداكنـيّ السحنة و الشعر، يُغطس رأسه في حوض ماء لإزالة الصباغ. فقد إكتشفَ ذاته و عاد إليها. بل هو الآن أكثر وفاءً و ولاءً لصديقه السابح على سطح ماء البحيرة نحو وطن و مثوى يبقى مراوغاً كماء البحيرة
لسبب ما لا يندمج قسما الرحلة إلى الشمس رغم (أو ربما بسبب) خصوصية كل ٍ منهما. في النصف الأول تشعر أن كوستا غافراس وراء الكاميرا، أما في النصف الثاني فتشعر بنـَفـَس الإيطالي المضرم فرانشيسكو روزي. المقارنة هنا ليست للتقليل من أصالة عمل أوسطا أوغلو. فالفيلم يبدو أصيلاً في سبره لعلاقات شخصياته و المدينة التي تغمرهم بالأسى كما بالأمل. كما أن شاعرية يشيم أوغلو في رحلة عودة الجثمان تدغدغ الدمع في مخبئه

نالَ الفيلم سنة 1999 جائزة الملاك الأزرق كأفضل فيلم أوروبي في مهرجان برلين لذلك . كما حازَ جائزة أفضل إخراج في مهرجان إسطنبول. و رغم أن الفيلم قد حصلَ على موافقة الرقيب التركي حين إنجازه، فإن العديد من نقاد السينما الأتراك فضـّلوا تجاهله لفترة غير قصيرة. الفيلم يتمّ إستعادته الآن في صالات الفن و التجربة و يتوفر على أقراص مدمجة. و الحقيقة هي أنه مجرد وجود هذا الفيلم يدلّ على المسافة التي قطعتها الثقافة (والسياسة) التركية نحو التصالح و مواجهة ذاتها و الآخر

Yeşim Ustaoğlu
يشيم أوسطا أوغلو ... في لمحة


ولدت يشيم أوسطا أوغلو سنة 1960 في شرق البلاد قرب الحدود الأرمينية. تخرجت و عملت كمهندسة معمارية لمدة عشرة سنوات قبل أن تنحاز إلى السينما حيث صنعت حفنة من الأفلام القصيرة التي تحب أن تصورها: "...لإنها تشعرك بالحرية. أما مع الفيلم الطويل فأنت تدخل في مشاكل المال و التمويل"
حققت أول فيلم طويل لها سنة 1994 بعنوان "الأثر" عن رجل بوليس سابق مارس التعذيب و قررَ أن يغيرمعالم وجهه بعمليات تجميل كي يستطيع الإستمرار في حياته٠
فيلم أوسطا أوغلو التالي عالجَ أيضاً و احداً من الملفات الحساسة في الميراث الثقافي و الإجتماعي التركي: العلاقات مع اليونان و التاريخ الدامي بين الشعبين. الفيلم كان »بإنتظار الغيوم« سنة 2204

يسري نصر الله وحكاية البنات الثلاث
هوڤيك حبشيان



بعيداً من التصنيفات الجاهزة، لا يسعنا الا ان نرفع القبعة لنصرالله على هذه الميلودراما الساحرة التي أدخلته الى مرحلة أنضج من مساره السينمائي. نضر، ديناميكي، ممسوك بقدرة قادر، يقظ...، هذه هي بضع صفات عمل يعيد رسم بورتريه لقهر المرأة في مجتمع يحكمه الفساد السياسي والوصولية. النصّ الذي ألّفه القدير وحيد حامد، يتضمن تيمات ومحاور عدة، تبناها صاحب مرسيدس" وفسّرها على سجيته، مانحاً فيلم المؤلف بعداً آخر، " ومذكّراً كل لبيب بأنه ليس بالتأليف وحده يصبح السينمائي محاور تشكل منها "احكي يا شهرزاد"، يغوص فيها مؤلّفاً. هنا، إجابات المخرج يسري نصرالله، على عشرة اسئلة ضمن مقابلة أجريت معه في الدورة الأخيرة من مهرجان أبوظبي السينمائي

وحيد حامد
لوحيد حامد موهبة كبيرة. اهميته في قدرته على الاصطدام وفي " التوفيق بين ما ينتمي الى العقلية السائدة وما يتيح التمرد على هذه العقلية. ثمة شيء عند هذا الجيل مرتبط بعصاميته: هؤلاء لم يصلوا الى ما هم عليه بسهولة. كشخص، كنت أخاف منه! لم اتخيل يوماً انني سألتقيه. كان له عالمه الخاص، والسينمائيون الذين يتعاون واياهم. أما أنا فكنت في طور تحديد أهدافي السينمائية. خوفي كان مرتبطاً بفكرة انني كنت أحتاج لأقول مَن هو يسري نصرالله. ويبدو أنه كان هناك اعجاب متبادل بيننا، لكن حامد هو الذي بادر بالخطوة الاولى، فطلب اليّ أن أقرأ نصاً. "يا تصيب يا تخيب"، قال لي
منذ الصفحة الاولى، شعرت أن النصّ سيعجبني. ففكرة الحدوتة داخل الحدوتة تستهويني. كان في هذا السيناريو ما يمس طرحي في أفلامي السابقة، وقوامه ان الشخصيات التي أقدمها لا تطرح ذاتها كضحايا. ما لفتني ايضاً ان أفلامي كلها تبدأ حيث ينتهي هذا الفيلم، مما يفسر لماذا كان هذا الفيلم "اسهل" بالنسبة الى المتفرجين من أفلامي الأخرى. تنطلق أفلامي عادة من شخصيات حسمت علاقتها بمنظومة الأخلاق والسياسة السائدة، بمعنى انها همّشت نفسها لترى كيف يمكن خلق علاقة جديدة بالمجتمع، لكن بشروط يتقدمها منطق "أنا هنا!". يتضمن "احكي يا شهرزاد" شخصيات ممتثلة تماماً، تتملق المنظومة السائدة ولا تشعر باغتراب عنها. فيلمي يُري تدريجاً كيف تولد هذه الشخصيات من رحم المنظومة! تالياً، كيف تضطر الى الانسلاخ عنها فقط للبقاء على قيد الحياة. انطلاقاً من هنا، تابع المتفرج "العادي" الفيلم. كأنك تأخذ بيده لتريه كيف أن كل ما تربّى عليه من قيم ومن فصل بين الصح والخطأ، ينتمي الى منظومة متخاذلة. والناس انفعلوا جداً مع هذا الطرح. وكأنك تأخذ بيد طفل وترافقه لتريه العالم وتقول له لماذا هذا العالم "مش ماشي" (...)٠
هناك أشياء أردت تعديلها مع وحيد قبل بدء التصوير، وبدا مرناً ومنفتحاً. كان العمل بيننا أشبه بلعبة بينغ بونغ. تسنةلتُ مع النصّ كما لو أنني أتسنةل مع نصّ لشكسبير، بحيث أردت أن اضيف اليه تفسيري الخاص. وهنا كانت لي حرية مطلقة. كان وحيد حامد حريصاً على عدم التدخل فتركني حراً، سواء في اختيار الممثلين أو في نمط المعالجة"٠



الحوار
لم أرد التسنةل مع هذه الشخصيات باعتبارها ابواقاً. كان عليّ أن " آخذها على محمل الجدّ، وتفادي جعلها مجرد متحدثة باسمي أو باسم وحيد حامد بغية إمرار آرائنا في مسائل عدة. كان عليها أن تمعن باستقلالية وتعبّر عن نفسها بنفسها. فكان لي سؤال: اذاً، لماذا يتكلم هؤلاء على النحو الذي يتكلمون فيه؟ (...)٠
أول شيء صدمني هو الحوار الذي كان قوياً، وكان يبدو للوهلة الاولى مباشراً. ثمة أشياء أعاد حامد صوغها بعدما جلسنا معاً. هو الذي تولى عملية تعديلها، ذلك أنني كنت حريصاً في تعاوننا معاً على الا يشعر أحد منا اننا في مصارعة. كنت احاول ان ادنو برفقته الى شيء يتفق عليه كلانا، بعيداً من التنازلات. أشياء، لا نشعر بغربة عنها، لا أنا ولا هو"٠

الميلودراما
عندما أمسكت النصّ، تساءلت عن الفورما التي كنت اريدها " للفيلم. فكان قراري أن أعزز من الطابع الميلودرامي. فعلت ذلك لأنني أجد أن الميلودراما، سواء في السينما المصرية أو الأميركية، هي التي، أكثر من غيرها، في إمكانك أن تعبر من خلالها الى معانٍ سياسية متمردة وانقلابية، يقبلها الجميع. وهذه هي حال أفلام دوغلاس سرك وفيرنر فاسبيندر وحسن الامام. فذهبت في هذا وهو على كل حال شيء أحبه وموجود Mise en scèneالاتجاه، اتجاه الـ
في كل أفلامي: اللقطة الطويلة المتضمنة حركات كاميرا مستمرة. كنت اريد شريطاً سلساً ومؤسلباً، لا تشعر انه غريب ولكن في الحين نفسه لا يكون نصير المدرسة الطبيعية
Naturalisme

الشاشة
ما علاقة مقدمة التلفزيون هبة بضيفتها أماني؟ بالنسبة الى المذيعة فهذا استعراض، كونها اعتادت محاورة سياسيين، وفي اعتقادها انها تستطيع أن تتعاطى بالطريقة نفسها مع أماني، أي بأقل قدر من الشخصنة للموضوع الذي تطرحه. لكن سرعان ما تكتشف انها استغلت فتاة رقيقة. لذلك ينتهي المشهد مع المرأتين في الظلمة، فتتوجه هبة الى أماني بالسؤال: "لماذا قبلت أن تظهري في برنامجي؟". انتقال هذا الشيء بين الشخصيات كلها يجعلك تشعر ان كلا الجنسين، رجالاً أكانوا أم نساء، هما ضحية عقلية ما. لذا، فالصورة التي تراها في شاشة البرنامج هي بالأبيض والأسود، اذ ترى جانباً من شفتي هبة، والى ما هنالك من تفاصيل (...). الضيفة الثالثة في البرنامج الدكتورة ناهد، هي بمنزلة شبح هبة، كونهما من طبقة اجتماعية واحدة، مما اتاح لهذا الفصل من الفيلم أن يكون لعبة مرايا بين شخصيتين. وهنا شهدنا انهيار هبة. فعندما تقول ناهد انها لم ترد طفلاً من شريكها، تدرك هبة بدورها أنها لا تريد طفلاً من زوجها، على رغم انها كانت حتى الأمس تحاول اقناعه بضرورة الانجاب. وعندما تدرك هذه الواقعة تجهش بالبكاء وتفقد مهنيتها والسيطرة على نفسها، لتدرك في موازاة ذلك ان قصص هؤلاء النسوة اللواتي ينتمين الى طبقات اجتماعية مختلفة لا
تختلف عن قصصها وحكاياتها. المساحة التي أتاحتها كانت لانهائية. لذا، كنت سعيداً جداً وأنا أصنع هذا الفيلم"٠

سمير بهزان
كان "جنينة الأسماك" فيلماً عن النور والظلمة. هنا كنت أتكلم عن " شيء فيه نوع من تنوير. اشتغل سمير بهزان شغلاً "خرافياً" على هذا الفيلم. عندما اخترت المكان الذي صوّرنا فيه شقة البنات الثلاث، قال لي انه سواء أكنا في الليل أم في النهار، فالشيء الوحيد الذي يؤكد وجودنا في الليل أو في النهار هو النور الذي في الخارج. أما في داخل الشقة، فهناك احساس دائم بأننا في الليل، واحساس بالاختناق والانغلاق. بطريقة مختلفة تماماً، تمت اضاءة شقة هبة الكبيرة، وهي نقيض شقة البنات الثلاث، لكن في خاتمة الأمر تبقى سجناً على رغم مساحتها. احساس السجن هذا يأتي من ان لا مكان تختبئ فيه. لا تستطيع هبة أن تجد مكاناً حميمياً لها بعيداً من أنظار زوجها. وكأن هذه الشقة غرفة فندق او بيت دمية. صارحت سمير بهزان برغبتي في أن اعمل وفق تقنية اللقطات الطويلة. أولاً لأنني أشعر بأن هذا الشيء يساعد الممثلين. كانت لقطات معقدة جداً ولكن لا تبدو كذلك. لم نقصد يوماً أن تكون حركات الكاميرا ظاهرة وكأنها موجودة بذاتها، وكان مبررها بسيطاً وهو الرغبة في تصوير حالة من التوتر من دون اللجوء الى المونتاج. عندما تعمل مع الممثلين على هذا النحو، يفقد الحوار خطابيته وليس أهميته، فلا ترى أمامك ناساً يتكلمون إنما ترى ناساً يفكرون. وهذا شي من صميم السينما. هذا يتعلق بمدى أخذك للشخصيات على محمل الجد"٠

الضحايا
عندما تقرأ السيناريو تعتقد أن الرجال كلهم أشرار والنساء " طيبات. لنفترض ان هذا حقيقي، يبقى أن هؤلاء الرجال على قدر عال من الجاذبية. لم اتقبل يوماً، شريراً يفتقر الى الكاريزما والسحر. اذا كان شريراً وثقيل الظلّ، فمن السهل التخلص منه، اما اذا كان شريراً وساحراً، فهذا أصعب. ثم انني كنت اريد القول من خلال هذا، إن هؤلاء النساء لسن غبيات. لو كانت هبة متزوجة من عبيط لكنت ستعتبرها عبيطة! لذا، كان يجب أن يشعر المُشاهد بأنه يحق له أن يفتتن بهؤلاء الأشخاص. هم جميعهم يتحركون ضمن منظومة أخلاق واحدة. لو لم يدخل الحبّ في الحكاية، ولو ان العلاقة بقيت صفقة تجارية كما هو سائد اليوم، لكانت الحكاية على ما يرام. الهنة انه لديك شخصيات رجالية مبرمجة لتكون مسيطرة على الدوام، وسرعان ما تقع ضحية هذا الشيء. ولأن النساء الأربع ينقذن أنفسهن، فالضحايا الحقيقية لهذه العقلية، في الأخير، هم الرجال الذين لم يستطيعوا التخلص من تربية تفرض عليهم أن يبقوا اصحاب سلطة وسيطرة"٠

منى زكي
فكرت في منى زكي، منذ اللحظة التي قرأتُ فيها النصّ. أولاً " لكونها ممثلة بديعة. شاهدتها على المسرح وهي كانت لا تزال مراهقة. ثم، منى زكي صغيرة الحجم. وأنا عملت كثيراً في هذا الفيلم على أجسام الممثلين. انطلاقاً من الاحساس الدائم بأن المرأة ضعيفة ويمكن كسرها. وعندما ترى منى الى جانب زوجها، تجدها كالطفلة الصغيرة، وهو يبدو خائفاً عليها من كسرها. فعلاً، هناك لحظة، حين يضربها، يخاف المُشاهد عليها من أن تتكسر. عندما يقول لها زوجها في آخر الفيلم إنها عروسة من بلاستيك وبغبغان ملوّن، فالواقع أنها كانت كذلك طوال الفيلم، وهذا هو الانطباع الذي ارادته لنفسها. تدريجاً، تتحول الى بني آدم، وبني آدم قوي. فهو تزوجها لأنها عروسة بلاستيك وبغبغان ملون لكنها تمردت على وضعها. وعندما اخترت الممثلة المغربية سناء عكرود، فإن جزءاً حاسماً من اختياري لها، تجسد في أنها في حجم منى زكي، وهي كانت مرآة لها. هي الأخرى عندما يمسكها رجل (حميدة هذه المرة)، نخاف عليها من أن تُكسر، لكنها في الأخير، هي التي تكسره.
الجدال الذي دار حول الفيلم انطلق منذ ظهور الاعلان. لم يكن جدالاً بقدر ما كان شتيمة. استعملوا مفردات دينية في هجومهم. الاعلان كان واضحاً: هذا فيلم عن قهر المرأة وعن وضعها الحالي في مجتمعنا. وعندما تشارك منى زكي في فيلم عن قهر المرأة كتبه وحيد حامد وأخرجه يسري نصرالله، فهذا يعني ان المسألة جدية وليست تهريجاً. هذا ادى الى عداء حقيقي. ثمة أفلام فيها عري وأشياء أخرى لم تتعرض لما تعرضنا له. الهجوم هنا كان منبعه الذعر. كانوا مقتنعين بأن الفيلم سيحدث مشكلة، وهو أحدث مشكلة. أحدهم مثلاً استخدم الانترنت على نحو تحريضي جداً ليكتب فيه كلاماً فظيعاً وشتائم وآيات قرآنية عكست الطابع الاصولي والمتزمت لهذا الخطاب، بحيث تداخلت فيه مسألتا الحلال والحرام. كان هذا كلاماً ايديولوجياً مبرمجاً. الآن انتقل هذا الموضوع الى المغرب وضد سناء عكرود. فسناء ممثلة كبيرة والناس جميعهم يعلمون ذلك، ويعلمون انها ليست ممثلة اغراء خفيفة تريد اظهار طرف صدرها (هؤلاء لا يأتي أحد على ذكرهم). وأنا اخترتها لقدرتها ولم أخترها لأنها مغربية. وهنا أسأل مهاجميها: هل شعر أيٌّ منهم في أيّ لحظة، أنني استخدم جسد المرأة؟ فعندما تتكلم عن موضوع قهر المرأة، فأحد أشكال هذا القهر هو اعتبار الانثى لعبة جنسية، أي اعتبارها "شيئاً". لكن، ما أحبه في الفيلم أن الرجل هو اللعبة الجنسية٠
ما هذا المجتمع الغريب الذي يعتبر ان المرأة مصدر غواية، ويتغاضى عن كون الرجل بالنسبة الى المرأة هو أيضاً مصدر غواية؟ لا يسعك التكلم عن قهر المرأة من دون أن تتكلم عن قهر الرجل أيضاً. في الأخير، نحن في مواجهة وضع يسمم العلاقات ويسمم القدرة على الحبّ. وهذه كارثة بالنسبة الى الجنسين. كرجل، انت مبرمج منذ الصغر لتسيطر، واذا فقدت سيطرتك تفقد ذكوريتك. عليك أن تفرض الشروط، وعلى المرأة أن تمشي خلفك. والمرأة تقبل بهذا الأمر. المنظومة هذه، يا للغرابة، مقبولة من كلا الطرفين"٠



تمرّد
الشخصيات جميعها تتمرّد في الفيلم. واحدة تتمرد من خلال " رفضها الزواج، وواحدة ثانية من خلال القتل، وواحدة ثالثة تشارك في تظاهرة، وواحدة رابعة تظهر على التلفزيون لتقول "انظروا اليَّ انا التي أبدو عروسة وسطحية، انظروا ما حصل لي وسأحكي لكم حكايتي مع انني لم اتصور يوماً انني سأتحول من مخبرة لحكايات الناس الى حكاية". التمرد مصدره البوح. وهو الاطروحة النقيض لـ"جنينة الاسماك"، حيث القمع كان باطنياً ويعوق الكلام. هنا أسأل: لماذا الفتيات الثلاث يتمكنَّ من التمرد أكثر من غيرهن؟ ذلك لأنهن لا يمتلكن سلطة، لذا فمن السهل جداً أن يتنازلن عن شيء لا يملكنه، وهذا الشيء هو أقوى ما فيهن. لن تتمرد ما دام ثمة فكرة تسيطر عليك، مفادها أن الحبّ ليس مهماً وأن السيطرة هي أهم شيء. أما حين تلغي السلطة من قائمة اهتماماتك وتتعقب الحبّ، فلا أحد سيقوى عليك"٠

الفساد السياسي
ليشغل منصب رئيس تحرير صحيفة، لماذا على شخص موهوب " وساحر مثل كريم أن يُنتخب انطلاقاً من قدرته على أن يكون ذليلاً، بدلاً من أن يُنتخب استناداً الى مواصفاته الحسنة. في الظرف الذي هو فيه، من الطبيعي أن تختفي ميزاته، وهذا ما تقوله له زوجته في لحظة معينة: "النجاح هو أن يقرأ لك الناس ويحترموك ويحبوك". لكن كلمة "يحبونك" لا يطيقها، وعنده أن الناس جميعهم يلهثون خلف المناصب. يقول عن النجاح انه لمبة صغيرة، لأيٍّ كان القدرة على اطفائها...
لا نعرف مَن يحكم مصر مستقبلاً وكيف. لدينا في مصر حكومة لم تتغير منذ ثلاثين سنةاً. مؤسسات الدولة تنهار واحدة تلو الاخرى. بدلاً من ان تكون لنا دولة، لدينا سلطة. ما الحلّ؟ ليس لديَّ حلّ. لست سياسياً وليس من شأني أن أطرح الحلول (ضحك). لكن أعرف أن قضية مثل قضية طلعت مصطفى وسوزان تميم كان يمكن أن تلفلف بسهولة لكن الرأي حسم موقفه وطالب بالاقتصاص منه… لا، لا، لا نستطيع ان نبقى صامتين الى الأبد على كل ما يجري من حولنا!"٠

الجمهور
لم يكن التقرب من الجمهور الدافع خلف انجازي هذا الفيلم. انجزته " لأنني أحببته. أخذهم الفيلم خطوة خطوة الى حيث أخذتهم أفلامي السابقة منذ زمن بعيد. بعد "شهرزاد" سيتفرج المشاهدون على باقي أفلامي بطريقة أخرى. بالنسبة اليَّ كان هذا الفيلم بمنزلة مذكرة تشرح سبب انجازي لأفلامي الأخرى، ولماذا شخصياتي هي على النحو التي هي عليه؟ . كثر سألوني "ترى كيف ستعيش هبة حياتها، بعدما ظهرت على التلفزيون وروت حكايتها أمام الجميع؟". فكان ردّي: "اذهبوا وشاهدوا أفلامي الأخرى". الأجدر انها ستحاول خلق علاقة جديدة بالمجتمع، علاقة مبنية على الصدق وليس على الكذب والتمثيل٠
باستثناء "جنينة الأسماك"، لا أعتبر أفلامي ذات لغة سينمائية صعبة، وخصوصاً "المدينة" و"باب الشمس". لكن محسوب عليّ أشياء كثيرة، منها انني أعمل مع ممثلين جدد وأنني بدلاً من إنجاز "باب الشمس" باللهجة المصرية أنجزته باللهجة الفلسطينية (!)، وانني اختار باسم سمرا في "المدينة" بدلاً من نجم كبير، على رغم انه فيلم شعبي جداً (...). جزء من الناس الذين شاهدوا "احكي يا شهرزاد" شاهدوه من أجل وحيد حامد ومنى زكي ويسري نصرالله. وكلّ واحد منهم فوجئ بما جاء به واحد من هؤلاء الثلاثة. على المستوى التقني البحت، هذا من أصعب افلامي"٠


الرعب وُلد على يديه: مئتا سنة على وفاة إدغار ألان بو

محمد رُضا



لا أحد، منذ وفاة المؤلّف الأميركي إدغار ألان بو في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر سنة 1849 يعرف طبيعة تلك الخلايا الذهنية التي كان يتمتّع بها والتي تفتقت دوماً عن رصف بعض أغرب وأوحش صور الخيال آنذاك والى اليوم
إدغار ألان بو الذي وُلد في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير سنة 1809 كان كاتباً روائياً وشاعراً وناقداً أدبياً. واحد من أوّل من كتب الرواية المرعبة بالإنكليزية (إن لم يكن أوّلهم) وأحد أوّل كاتبي القصص القصيرة في اميركا، على الأقل، وبالتأكيد أول من كتب روايات التحري البوليسية. بعده جاء آرثر كونان دويل وفرانك أرنو وإيرل در بيغرز ولي براكيت وإيرل ستانلي غادرنر وصولاً الى أغاثا كريستي ورايموند تشاندلر وكولين دكستر وجورج سيمنون وجيمس م كاين وميكي سبيلاين وجون مكدونالد وروس مكدونالد ثم تجاوزاً الى من يحفل بهم الأدب البوليسي اليوم٠
إدغار لم يكتب الخيال العلمي، لأنه لم يكن هناك صفة لهذا الخيال، لكن بعض ما كتبه من غرائبيّاته تعتبره المراجع تمهيداً لذلك النوع من الروايات٠

قصّة حياته كانت عبئاً عليه طوال عمره الذي لم يتجاوز الأربعين سنة حين مات. وُلد إبنا لممثلين مسرحيين لكن والدته توفّيت حين كان في الثانية من عمره ووالده كان هجرها قبل ذلك بنحو سنة. حين ماتت تيتّم إدغار وشقيقه وشقيقته وما لبثوا أن توزّعوا. ثري من الجنوب الأميركي أسمه جون ألان تبنّاه إرضاءاً لزوجته التي لا تنجب. لم يحبّه كما لو كان إبنه لكنه صرف على تعليمه. مشاكل إدغار بدأت من سنوات الشباب إذ كان في العشرين من عمره حين أخذ يقارع الخمر والقمار فتم طرده من الكليّة التي كان يدرس فيها وما لبث والده بالتبنّي أن طرده من حياته حين امتنع عن تزويده بالمال٠
كان وضع كتاباً من الأشعار سنة 1827 (حين كان في الثامنة عشر من عمره) ووجد أن ميوله تكمن في الصحافة والكتابة فانتقل في العمل في الصحف من دون أن يستطيع التغلّب على إدمانه الشرب. في ثلاثينات القرن التاسع عشر وأربعيناته كتب معظم رواياته القصيرة (لديه رواية طويلة واحدة هي »حكاية آرثر غوردون بين«). في 1847 ماتت زوجته التي أحب، وقبل يومين من وفاته عُثر عليه متشرّداً في الدروب وهو في حالة إعياء. وكان أصيب بمرض السل من 1843 الذي عانى منه حتى موته٠
بعد وفاته وُجدت في حوزته رسالة كتب فيها: "مؤمن بأن الله أودعني عبقرية متوهّجة، لكنها تمرمغت بالتعاسة"٠


باربرا ستيل في
The Pit and the Pandulum
-------------------------------------------------------------
أردني صنع فيلماً عنه
هو أيضاً كتب ذات مرّة: "لا أتوقّع ولا التمس التصديق حيال ما سأكتبه من خيال مفرط وفي الوقت ذاته أليف"٠ ومن هذا المنطلق وضع بو عشرات القصص القصيرة التي وجدتها السينما نموذجية في سعيها لتقديم قصص الرعب الكلاسيكي على الشاشة. وهذا بدأ قبل 101 سنة عندما قام مجهول باقتباس رواية بو »جرائم قتل في شارع المشرحة«. في التالي، كان هناك فيلمان مأخوذان عن بعض أعماله واحد فرنسي لهنري دسفونتين هو »الحفرة ورقّاص الساعة« والآخر أميركي بعنوان» الغرفة المختومة« أخرجه ديفيد و. غريفيث٠
بعد ذلك تكاثرت الأفلام المقتبسة عن روايات المؤلّف طوال المئة سنة السابقة ووصولاً الى مطلع هذا عندما تم إعادة تحقيق قصّة »الحفرة ورقّاص الساعة« (وحدها اقتبست أكثر من عشر مرّات) في فيلم أخرجه الجديد ديفيد ديكوتيو من بطولة لوريل نيو وستيفن هانسن وآخرين من شبّاب السينما الجدد غير المعروفين. الفيلم ذاته صغير ولا يوازي اقتباس المخرج ستيوارت غوردون سنة 1991 الذي قام ببطولته ممثل أدوار الشر (عادة) لانس هنريكسن. كذلك فإن نسخة 2009 المذكورة لا تصل الى جودة فيلم روجر كورمان الذي قام فنسنت برايس (وكان أحد أهم ممثلي أفلام الرعب والشر) ببطولته لجانب الممثلة البريطانية باربرا ستيل التي كان لها حضور في مثل هذه الأفلام في ذلك الحين٠
هذه النسخة تم تصويرها سنة 1961 وبعدها بثلاث سنوات قام ثنائي كورمان وبرايس بتقديم رواية أخرى من أعمال إدغار ألان بو الجيّدة هو »قناع الموت الأحمر« التي نشرها المؤلّف سنة 1842 ولاقت من حينها اهتماماً أدبياً كبيراً٠
على أن كورمان وبرايس سبق لهما أن قدّما رواية أخرى لبو هي »سقوط منزل آشر« التي انتقلت الى الشاشة أكثر من مرّة من بينها ثلاثة أفلام فرنسية (بدءاً من 1928). كما استوحى منها المخرج البريطاني كن راسل مادّة فيلمه ذي القصّة المعاصرة سنة 2002 فيه حوّل المخرج الذي كانت له صولاته في السبعينات فيلماً موسيقياً من الروك أند رول ولو أن أحداثه بقيت مستوحاة من الأصل٠
على كثرة الأفلام التي اقتبست عن رواياته (والتي لا مجال لإيرادها هنا) فإن أفلاماً قليلة تحدّثت عن حياته. أحد هذه الأفلام أخرجه في أميركا عربي من الأردن أسمه محيي الدين قندور قام سنة 1974 بزيارة لبنان ومعه نسخة من فيلم سمّاه »شبح إدغار ألان بو«. عرضه على الحفنة من النقاد الذين أمّوا العرض الخاص. بعد ذلك عرض الفيلم، الذي قام بدور الكاتب فيه روبرت ووكر، تجاريا وتم سحبه بعد أسبوعين. لم يختف الفيلم فقط، بل اختفى أيضاً مخرجه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Oct 23, 2009

النقد والمهرجانات والمخرجون | الأفلام العربية في مهرجان الشرق الأوسط | السينما التركية- الحلقة الثانية | نساء هوليوود اليوم | سينما ميشيل هنيكه

Year 3 | Issue 465
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cover Story



تقوم "حلقة نقاد نيويورك" بعرض مجموعة من الأفلام التي تم إنتاجها في مطلع الستينات وشكّلت من أوانها مكانة كبيرة في عالم هذا الفن. من بين الأفلام المعروضة
لجاك ديمي Lola
لسام بكنباه Ride the High Country
لروبرت ألدريتش Whatever Happened to Baby Jane?
لفرنسوا تروفو Shoot the Piano Player
لأغنيه فاردا Cleo From 5 to 7
Lawrence of Arabia كما فيلم ديفيد لين الكبير
مع عمر الشريف وبيتر أوتول٠



هذا العدد
1
إفتتاحية | في النقد والمهرجانات وبزنس المخرجين الجدد | محمد رُضا
2
ملف | يستعرض زياد عبد الله سبعة أفلام عربية من تلك التي عرضها مهرجان »الشرق الأوسط« في أبوظبي كما ينقل صورة عن حفل الإختتام٠
3
مسلسل | يواصل ميسر مسكي  الكتابة عن السينما التركية عارضاً لبعض علامات تلك السينما في الستينات والسبعينات ثم يعرض لبعض الأرقام القياسية التي حُققت فيما بعد٠
4
هوليوود | ينقل محمد رُضا صورة سريعة عن وضع المرأة في الأفلام الأميركية الحالية ولماذا أفلامها لا تنجح تجارياً الا لُماماً٠
5
ومخرج وفيلم | سينما ميشيل هنيكه، مخرج »مخبوء« تعامل مع عالم موحش وبارد وعنيف منذ أفلامه الأولى | محمد رُضا





إفتتاحية | محمد رُضــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في النقد والمهرجانات وبزنس المخرجين الجدد




مما كتبه الزميل أمير العمري مشكوراً، وما وصل للآن من رسائل القرّاء، ومما سمعته على الهاتف في أحاديث جانبية أرى أنه من الواجب صياغة الموقف الذي يعيد الشيخ الى صباه او الأمور الى نصابها٠

قبل كل شيء هناك من ذكر لي هاتفياً، وبود، أن أي كلام عن مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي قد يعتبره البعض ناتج عن أني لم أدع إليه. وهناك بين رسائل القراء واحدة تسألني لماذا لم أدع الى المهرجان وهناك ردّ على ذلك في تلك الزاوية. لكن دُعيت او لم أدع الى مهرجان الشرق الأوسط او الى أي مهرجان آخر، جئت من خلفية لم تعرف يوماً تقلّب المواقف ومعارضتي لمبدأ الدفع مقابل الفيلم كانت ستكون إياها ولو دُعيت وسوف تكون ذاتها لو أن مهرجاناً آخر هو الذي قام بذلك.
وكوني لم أدع لم يحجب عني حقيقة أن مهرجان الشرق الأوسط حقق قفزة نوعية رئيسية الى الأمام لم يحققها في العامين الماضيين ولم يكن ليحققها لو أستمر المنوال على ما كان عليه في هذين العامين الماضيين. في الحركة بركة وقد تحرّك مهرجان أبو ظبي وانتج ثماراً واعدة بدورة أفضل من هذه الدورة في العام المقبل. الى ذلك، فإن الزميل بعث (مشكوراً أيضاً) ببلاغ إعلامي (او ربما مجرّد توضيح) تم نشره في »كاتالوغ« مهرجان الشرق الأوسط يذكر بعض ما سيرد في هذا التعليق٠

دعيت او لم أدع، سيكون موقفي واحد حيال نجاح هذه الدورة، وموقفي سيكون واحداً حيال علاقة غير نافعة، على المدى المتوسّط والطويل، تبلورت قبل انطلاق هذه الدورة، بين المهرجان وبين بعض المخرجين الذين وجدوا سبيلاً للحصول على المال عن طريق توظيف حاجة المهرجان الى أفلام مهمّة٠

مبدأ الدفع مقابل الفيلم لا علاقة له بمستوى المهرجان. بل له علاقة بمستويين آخرين: هل نحن النقاد مسمار مدقوق بالباب يُُستخدم وقت الحاجة؟ فيؤخذ بالرأي حين يوافق المهرجان ولا يؤخذ به حين لا يُوافق؟ والمستوى الثاني: هل جدّية الفيلم السينمائي تبدأ وتنتهي في أنه لم يحكِ قصّة حب رومانسية او كوميديا ظريفة او يقدّم أغاني ورقصات، او هو مبدأ عام على المخرج أن يعيشه بضميره خلال المراحل كلّها٠
أقول ذلك وفي بالي التفريق بين فيلم ينال دعماً مبرمجاً برمجة صحيحة (وهو ما سأذهب اليه في بعض التفصيل هنا) وبين عملية فردية مظّلتها من نوع تعطيني مالاً أعطيك فيلماً٠

رسالة الناقد بموازاة رسالة المخرج

في الناحية الأولى هناك كلمة منشورة هنا للزميل هوڤيك حبشيان يمكن أن تُضاف الى ما كتبته في سلسلة طويلة سابقاً حول النقد السينمائي. كلانا ذكر أن الناقد ليس حسب الطلب وليس نباتاً فطرياً يعيش كالطحالب على جانب الفيلم او ملحقاً للفيلم او لمخرجه او منتجه ولا أريد أن أزيد علي ذلك الا لأقول أن رسالة الناقد هي بموازاة رسالة المخرج أعجبه ذلك او لم يعجبه. الفارق أن المخرج يستخدم أدوات كثيرة لايصال رسالته (من السيناريو الى المونتاج وكل العناصر بينهما) والناقد لديه أداة واحدة هي الكتابة٠

في الناحية الثانية فإن المنطلق ليس فقط الغيرة على مصلحة المهرجانات التي لا تدفع صغيرة كانت او كبيرة، ومن بينها ما يتردد أن القاهرة يعانيه، بل أيضاً على ازدواجية المعايير أيضاً: لم يفز فيلم محمد الدرّاجي بجائزة. لماذا؟ هل رأت لجنة التحكيم أنه قبض قبل الوصول فمن الأجدر البحث عن أفلام لم تقبض؟ ربما وإذا كان ذلك صحيحاً، كيف خدم التعاون الذي تم على هذا النحو الفيلم ومخرجه؟ هل لأنه فيلم رديء؟ ربما وهذا ليس موضوعنا في هذه الحالة. في كل الحالات المسألة هي أنه إذا لم يفز (وهو لم يفز) فقد نال تعويضاً ولو فاز لكان فاز مرّتين. كلاهما أمر خطأ٠
الخطأ الآخر هو أنه قبض ليس من صندوق دعم منفصل كما الحال في سندانس وبرلين وروتردام، بل من المهرجان الذي يقول أنه خصص من ميزانية الجوائز نسبة للأفلام التي أرادها ولم يكن ليحصل عليها الا إذا ساعد في تمويلها- وهذا مختلف جدّاً عن موضوع الدعم الناتج من صندوق خاص والذي قد يقدم عليه المهرجان في العام المقبل
في تلك الحالة، يوفّر الصندوق للمخرج قبل البدء بالتصوير غالباً (وأحياناً خلاله او بعده)، وبناءاً على السيناريو وبضع عناصر أخرى، موافقته على دعمه بمبلغ معيّن على أن يكون المهرجان هو الإختيار الأول للفيلم حين انتهائه. لجنة الإختيار التي عليها أن تعمل تحت إشراف رئيس المهرجان، وليس لها علاقة بالصندوق، تشاهد الفيلم، في نسخة زيرو إن لم تكن نهائية، كي تقرر إذا ما كان يصلح او لا يصلح لها، ولو اختارته بعد ذلك لما كان هناك مشكلة على الإطلاق٠
أما وأن يطلب المهرجان فيلماً فيُقال له "والله أنا بحاجة الى دولار او مليون دولار لإنجازه" فيقوم بدفع المبلغ والحصول على الفيلم فإن هذا خطأ وهذا -حسب معلوماتي- منهج ما حدث ولم يدحض معلوماتي أحد بعد. او أن يتعلّق الأمر برغبة فردية او علاقة ثنائية بين طرفين فإن ذلك أيضاً ليس منهجاً صحيحاً لمهرجان ينوي أن يصبح الأول في المنطقة وأحد المهرجانات الأولى حول العالم وأتمنّى له أن يصير٠

في هذه الحالة (حالة الدفع لقاء نيل الفيلم من دون وجود صندوق دعم او هيئة دعم او سمّها ما تشاء) على المهرجان (ولا يهمّني إذا كان الشرق الأوسط او مهرجان بورا بورا) أن يعامل كل الأفلام المشتركة في المسابقة معاملة واحدة: أما أن يدفع لها جميعاً او لا يدفع لها جميعاً٠

حصّة من الجائزة؟

ويجب الإنتباه أنني لست في حالة خصام مع محمد الدرّاجي ولا في حالة عداء مع أحد. المسألة ليست غراما او انتقاماً او صراعاً او بكلمة واحدة، »فانديتا«. على أحد في هذه الدنيا أن يعترف أن الناقد قد يكون على حق أحياناً٠ وحين أشاهد فيلم محمد الدرّاجي قد يعجبني جدّاً وسأكتب ذلك- فليس من عمل الناقد أن يناصب الأفلام العداء لمجرد أن وجهة نظره تختلف. المخرج الذي يعتقد ذلك لا يزال يعيش في عالم من المفاهيم المغلوطة٠

المهرجان لنشر الوعي
الآن هناك نقطة حوار مرتبطة-منفصلة: ما هو المطلوب من المهرجانات العربية؟ الزميل أمير يطرح مسألة مهمة جداً. وكان كتب، كما أشار، مقالا قبل أكثر من عام حول هذه النقطة وحسناً فعل أنه ذكّرنا به. في صلب الموضوع مطالبته بأن تقوم مهرجانات السينما بواجب دعم السينما العربية والإسهام في تطويرها. ويكمل الزميل فيضرب المثل في مهرجان روتردام لينتقل الى القول: "النقطة الأخرى المهمة هنا أنه إذا كان المهرجان يعتبر نفسه طرفاً إنتاجياً في الفيلم (وهو ما أرى أنه من حقه تماماً في هذه الحالة) فهل يصبح من حقّه أيضاً أن يشترط ضرورة عرضه لديه قبل غيره؟ وهل هذا ما يفرضه أيضاً مهرجان روتردام السينمائي؟ المؤكد أن »الإحتكار«، (والكلام لا يزال للزميل) مرفوض ومدان لأنه يتناقض مع مبدأ المنافسة الحرّة أساساً وأن سلاح المال يمكن أن يُساء استخدامه ايضاً مما قد يؤدي الي كوارث على أصحابه وعلى الآخرين"٠
جيّد. لكن بالنسبة لروتردام بيّنت طريقته (وسندانس وبرلين ومهرجانات أخرى) في العمل وكيف أن الصندوق هيئة مستقلّة تطلب بالفعل عرض الفيلم في المهرجان الذي تنتمي اليه لكنها تقرر صلاحية المشروع قبل العمل وليس لأن المخرج مزنوق وعليه إخراج الفيلم من المعمل. بالتالي، من حق المهرجان أن يطلب من المخرج أن يكون المقابل عرضه- لكن في حالة إذا ما شاهده ورآه يصلح لذلك. بكلمات أخرى، ليس من حقّ المهرجان أن يحتكر، هذا صحيح، لكن العملية تتم بإتفاق على أن يحظى المهرجان الذي قام صندوق دعمه بالإنفاق على هذا الفيلم حين كان لا يزال مشروعاً على الورق، بالمشاهدة الأولى، وإذا لم يعجبه هذا شأن آخر
على أن هناك خرقاً للقاعدة لا يضر بالمبدأ: حين تقدّم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد الى مهرجان سندانس بحثاً عن دعم لمشروعه الناجح »الجنّة الآن« تلقّاه. حين حقق الفيلم عرضه أوّلاً في مهرجان برلين (سنة 2005)٠

ثانياً والأهم هنا: المهرجانات لديها بالفعل دور في عملية تشجيع الإنتاج العربي الجيّد هذا صحيح مئة بالمئة. لكني لا أعتقد أن تمويل الأفلام خارج نطاق دعم محدد، ليس من شأنها. المهرجان هو لنشر الوعي بين الجمهور ومساعدتهم على مشاهدة »هيليوبوليس« و»المسافر« و»الليل« و»صمت القصور« و»قلوب محترقة« عوض أن يشاهد »فول الصين العظيم« او»»البلد دي فيها حكومة« او »عبدو في بلاد الموحّدين« او »حب في باريس«. هذا دعم. أن يمنح المهرجان المخرج الجاد تقديراً ويفه بالإحترام ويخلق له جوّاً يجده مواتياً ومناسباً لموهبته وبداية فصل آخر من حياة ما بعد التصوير حيث يدخل الفيلم في منافسات متساوية مع أفلام أخرى قد يحصل في نهايتها على جائزة هي أيضاً تقدير إضافي. هذا دعم. تفاصيل الجو المواتي والمناسب، من كتب ولقاءات وندوات. هذا دعم. لكن الإسهام في الإنتاج؟ منذ متى كان ذلك عملاً من أعمال المهرجان؟ وهل سنقسّم المهرجانات العربية على أساس أن هذا المهرجان، على حسناته، لا يدعم والمهرجان الآخر يدعم فليذهب المخرج الى من يدعمه؟

مع القاريء أولاًً
اسئلة لا أطرحها من باب عدم الموافقة على دور داعم للمهرجان، بل برغبة الإتفاق على ما هو هذا الدعم٠
في حديث بيني وبين إنتشال التميمي قبل بدء المهرجان الذي يعمل فيه مبرمجاً قال أن واجبنا أن نقف لجانب المخرجين وليس لجانب المهرجانات وإذا كانت هذه مستعدة لأن تدفع فلماذا لا؟ أخالفك الرأي يا أستاذ إنتشال. لأن المسألة ليست من يدفع بل كيف يدفع وتأثير منوال الدفع والقبض على سلسلة طويلة من النتائج تبدأ بالمخرج نفسه وتنتهي بالمهرجانات المختلفة وبمستقبل الفيلم الجاد حسبما بيّنت سابقاً حين كتبت عن هذا الموضوع.
الى ذلك، فإن ما يقوله القاريء عبد الرحمن عيتاني في رسالته المنشورة في هذا العدد صحيح. مسؤولية الناقد الوحيدة هي للقاريء. حين يقع مخرج ما في أزمة نحن معه. ولو اشتكى المخرج أحمد ماهر من أن فيلمه سيُبتر (ولو أني لم أعجب بالفيلم) فنحن معه. ولو مُنع المخرج من دخول بلد ما (فنحن معه). لو تشاجر مع المنتج الذي يريد منه إخراج الفيلم على ذوقه نحن معه. ولو نال، يا أخ إنتشال، جائزة في مهرجان ما لكنه لم يقبض قيمتها، فنحن معه. لكن هل نحن معه إذا ما حاول أن يبيع فيلمه الى مهرجان ما بطريقة او بأخرى؟ وصلني أن صديقاً أحترمه جدّاً قال لصديق آخر: لم لا ينال المخرج مالاً بينما النجوم يتقاضون لقاء حضورهم؟ هذا أيضاً ليس تبريراً ولا علاقة. هو مخرج لأنه يقيّم الأمور على نحو مختلف. المخرج ليس مانيكان ولا يجب أن يكون- في هذا الموقف نحن معه٠

المنافسة
في موضوع المنافسة بين المهرجانات، هي بالضرورة ضرورية وبالضرورة لابد أن تحدث. هناك منافسة بين كل مهرجانين إثنين في العالم العربي القاصي منها والداني وهي مشكلة لا علاقة لمهرجان الشرق الأوسط بها إذا ما كان مهرجان آخر لا يملك الميزانية ذاتها، او إذا ما اختار المخرجون عرض أفلامهم فيه وليس في سواه. نعم هذه ليست مسؤولية مهرجان الشرق الأوسط او مسؤولية مهرجان »كان« حيال برلين او فنيسيا الخ٠٠٠٠ مسؤوليته أن ينجح ويكبر ويساعد السينما ويساعد المشاهدين متيحاً لهم أفلاماً كبيرة وثقافة متنوّعة وهذا ما يبدو أن مهرجان الشرق الأوسط حققه، وقد يحققه او لا يحققه مهرجان عربي آخر هذا العام. المنافسة مشروعة وهي قائمة تلقائياً ولا غُبار عليها٠
ما آمل أن يكون القاريء قد أدركه في هذا الموضوع الصعب هو أن نظرة الناقد الى المهرجانات هي مثل نظرته الى الأفلام. لا تحبيذ مهرجان على آخر بحكم صداقة لي تربطني بهذا المهرجان او لا. عملت رئيس مسابقة مهرجان دبي السينمائي واستقلت أنا بمحض خاطري، عن خطأ او صواب هذا أمر خاص، لكن هذا لا يجعلني منحازاً له ولا تجعلني صداقتي لرئيسه عبد الحميد جمعة او لمديره الفني مسعود أمر الله تابعاً. حين يفعل مهرجان دبي شيئاً صحيحاً أقول ذلك براحة ضمير، وإذا ارتكب خطأ أقول ذلك من دون خشية من العواقب. هذا المهرجان تحديداً لا يُقيّم المسائل على نحو من كتب ماذا. أنت (اي ناقد او صحافي) حر أن تكتب ما تريد- طالما أنك جئت لتكتب. ومن الآن أقول أن هذا وحده تميّز لمهرجان عن سواه٠

الناقد والمهرجانات
هناك مهرجانات تطلب من الناقد أن يكون صديقاً لكي تدعوه وإن لم يكن فلن تفعل لأنها لا تهتم للنصيحة ولا تهتم لأن يكتب الناقد من زاوية انتقادية، لثلاثة عوامل: الأول: لا دراية لها بقيمة النقد ووضعه وكيانه الثقافي العام وبالتالي ضرورته٠

Make or Break الثاني: لأنها لا تعتبر الناقد »يصنع او يكسر«، حسب التعبير الإنكليزي
بالتالي النقاد هم مصابيح ملوّنة تستخدم كأسماء٠
ثالثاً: لأنها على حق فيما تقوم به وإن لم تكن فإن الغاية تبرر كل الوسائل٠

بعض الصحافيين يذهب الى المهرجان موافقاً على أن يكون صديقاً، هذا شأنه وهو يحرص على أن يكون له وجود في المهرجان يمكّنه من تغطيته إعلامياً على نحو يرضى عنها رئيس التحرير ويرضى عنها المهرجان في آن. لكن الناقد ليس بوق دعاية ولو أن بعض المهرجانات تعتبره ذلك او تطلب منه أن يكون ذلك٠

لا أقول أن ما ذكرته هو الصحيح او هو الصحيح وحده. لكنه وجهة نظري الخاصّة المنسوجة من تاريخ أمضيته في عمل لا ينال شكراً من أحد ولا يهم أن ينال شكراً من أحد. نحن النقاد الجادّون والقليلون جدّاً في العالم العربي، وكما يقول الزميل هوڤيك، لسنا ضحايا. إنه قرار الواحد منّا أن يكون صعب المراس حين يأتي الأمر الى ما يراه مسألة تمس الفيلم العربي او حتى الفيلم المنغولي. مصلحته هي مصلحة القاريء الذي يحب السينما ونحن جنود لهؤلاء القرّاء (هذا مفهومي الخاص). نحن مسؤولون حياله وكل هدفنا هو أن نردأ خطر الموت عن حبّه للسينما عن طريق ردء خطر الموت عن السينما ذاتها. حين نكتب، أمير العمري وعدنان مدانات وصلاح سرميني وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة وسمير فريد ومحسن ويفي وزياد عبد الله ومصطفى مسناوي وصلاح هاشم وخميّس خياطي ومحمد رضا وآخرين، عن السينما نكتب عنها من هذا الحب وهذه الغيرة مهما اختلفت اراؤنا وتباينت. ما هي قيمة نقد الفيلم ونقد العمل السينمائي (مهرجان، كتاب، إنتاج او أي عنصر آخر) إذا لم تكن نابعة من هذا الحب؟ لماذا نحن في هذه الصنعة إذا لم نكن غاياتنا في نهاية كل مطاف هو نشر الثقافة السينمائية ليس بين القراء وحدهم بل بين المسؤولين والمخرجين والمنتجين وكتاب السيناريو والممثلين وباقي من يعمل في السينما؟
نحن نقاد سينما بفخر. فاعلون ثقافيون بالغو الأهمية. ومستقلّون. فقط تصوّر يا أخى القاريء، ما حال السينما لو كانت بلا نقد سينمائي٠




ملف | أفلام مهرجان الشرق الأوسط

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زياد عبد الله

الزميل زياد عبد الله حضر نشاط مهرجان الشرق الأوسط ونشر في صحيفة »الإمارات اليوم« سلسلة  من المقالات النقدية حول أفلامه- ظلال وأشباح يسرّها نقل انطباعه في ختام الدورة، وآرائه في بعض الأفلام العربية التي شاهدها هناك، مرتّبة هنا حسب أبجديّتها- م. ر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ختام الدورة الثالثة من «مهرجان الشرق الأوسط السينمائي» كان من نصيب الماعز! ليس لأنّ فيلم الختام «الرجال الذين يحدقون بالماعز» يستخلص الكوميديا من احتلال العراق، بل لأنّ نجوم الشريط لم يحضروا العرض بدءاً من جورج كلوني وبول ليستر، وصولاً إلى المخرج غرانت هسلوف. وبحركة استعراضية، جلب مدير المهرجان بيتر سكارليت أربع عنزات على الخشبة بعدما وُضعت حول أعناقها شرائط حملت أسماء المشاركين في الفيلم. وقال سكارليت إنّ غياب نجوم الفيلم دفعه إلى القيام بذلك٠

خلال أيام المهرجان، صعد سكارليت يومياً على الخشبة وقدّم الأفلام بنفسه، فيما بقي كل من حوله بمثابة كومبارس لا تتجاوز مهمته الترجمة، كما هي حال المبرمجين العرب الذين جاء وجودهم ضمن طاقم المهرجان لضرورات فولكلورية٠

توزيع الجوائز مساء السبت استدعى هبوطاً سريعاً في «قصر الإمارات» لنعومي واتس التي جاءت تسلِّم الروسي فاليري تودوروفسكي جائزة اللؤلؤة السوداء (قيمتها مئة ألف دولار) عن فيلمه «عشّاق الصرعات» كأفضل فيلم روائي طويل، وهو فيلم يعود إلى المرحلة السوفياتية، وتحديداً الخمسينيات مستعيداً ـــ ضمن قالب موسيقي هيمن عليه الجاز. قصّة أصدقاء كانوا يجدون في الثقافة الأميركية شكلاً من أشكال مقاومة الحكم الشيوعي٠

المشاركة اللبنانية اقتصرت على الأعمال الوثائقية مع محمد سويد وماهر أبي سمرا وغسان سلهب
هبوط واتس ترافق مع أورلندو بلوم الذي سلّم إيليا سليمان ثاني أهم جائزة، وهي «جائزة اللؤلؤة السوداء» عن أفضل فيلم روائي من الشرق الأوسط، شارك إلى جانب «عشّاق« علماً بأنّ «الزمن الباقي» وسبعة عشر فيلماً آخر في المسابقة الرسميّة التي جاءت منقسمة على ذاتها. هذا الانقسام جعل من الجوائز قضيّة شائكة. حُيّدت الأفلام العربية و«الشرق أوسطية» عن متن الجائزة، وأتيح لها هامش كي تتنافس مع أعمال لا ترقى أصلاً إلى المنافسة. بناءً على ذلك، يحقّ لفيلم إيليا سليمان أن يكون متفوقاً على «الليل الطويل» لحاتم علي و«دواحة» للتونسية رجاء عماري، لكن من أين له التنافس مع الفرنسي «المادة البيضاء» والصيني «المحارب والذئب» وغيرهما من أفلام غير «الشرق أوسطية»؟ هذا التمييز هو عنصر أساسي في سياسة مدير المهرجان؟

فيلم »أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية« لبهمان غوبادي خرج بجائزتين: « الأولى جائزة أفضل ممثل لحامد بهداد، وجائزة الجمهور التي استحدثت هذا العام. بينما تقاسمت جائزة أفضل ممثلة المكسيكيتان أليسيا لاغونا وصونيا عن دوريهما في فيلم »بلاشمال« او
Northless
الشريط يسلّط الضوء على المساعي المتكررة لشاب يحاول عبور الحدود إلى أميركا، وفشله الذي يضعه في قرية حدودية بين غرام امرأتيين
جائزة الإخراج كانت أوسترالية من نصيب غليندين ايفن عن «الجولة الأخيرة»، بينما نالت التركية بيلين إسمير جائزة » الذي يمضي خلف هوس عجوز ارستقراطي في تجميع كل 11 حتى 10أفضل فيلم جديد من الشرق الأوسط عن « شيء بهدف توثيق حياته، وانعكاس ذلك على حياة بوّاب عمارته٠

جائزة أفضل فيلم قصير من الشرق الأوسط كانت لبنانية من نصيب فيلم «طرابلس عالهدا» لرانية عطية ودانييل غارسيا. عدا هذا الفيلم، اقتصرت المشاركة اللبنانية في المهرجان على الأعمال الوثائقية عبر شريط محمد سويد المميز ما هتفتُ لغيرها» الذي يتنقل بين بيروت ودبي وهانوي في تعقّب لأحلام وخيارات ثورية اصطدمت بواقع مغاير. بينما « قدّم ماهر أبي سمرا مقتطفات من شريطه «كنّا شيوعيين» في استجابة لإصرار إدارة المهرجان على عرضه، وإن بنسخة أوّلية، لكونه مساهماً في تمويله، إضافة الى فيلم غسان سلهب الجديد وعنوانه 1958
وقد شارك في المسابقة الوثائقية 15 فيلما من بينها جديد المصرية تهاني راشد »جيران« الذي ينبش ماضي »غاردن سيتي« وحاضرها بوصفها بؤرة تتكاثف فيها المتغيرات التي طرأت على المجتمع المصري٠

إلا أنّ جائزة أفضل فيلم وثائقي كانت من نصيب «غاندي الحدود: بادشاه خان، شعلة من أجل السلام» لتي. سي ماكلوهان. يتناول العمل حياة المناضل البشتوني بادشاه خان الذي أصبح النظير الباكستاني للمهاتما غاندي. فيلم »زرزيس» للتونسي محمد زرن استحق بجدارة جائزة أفضل إخراج لفيلم وثائقي من الشرق الأوسط. يقدم العمل رجلاً يتحول محله لبيع الخرضوات إلى نقطة التقاء لأفكار سياسية واجتماعية ومساحة لتدوال قصص تختزل مرحلة من تاريخ تونس. أسدل الستار من دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل: ما هي سينما الشرق الأوسط؟ ماذا يبقى أن نقول؟ وداعاً أبو ظبي... أهلاً دبي!

الخاسر الأكبر
مصر كانت الخاسر الأكبر في مهرجان أبو ظبي. لم تحظ الأعمال الروائية الطويلة «المسافر» لأحمد ماهر و«هليوبوليس» للمصري أحمد العبدالله بأي جائزة. كذلك فإن فيلم أسامة فوزي «بالألوان الطبيعية» انسحب من المهرجان في اللحظة الأخيرة لأسباب تتعلّق بعدم جهوزية الشريط للعرض، وهو الأمر الذي كان يعرفه منظّمو المهرجان منذ البداية.
والخيبة المصرية نفسها تشمل المشاركة الوثائقية أيضاً، من خلال «جيران» لتهاني راشد و«كاريوكا» لنبيهة لطفي الذي رصد فصولاً من مسيرة تحيّة كاريوكا. إلا أنّ ليلة الختام كانت مصرية على صعيد النجوم: هكذا، تتابع كل من محمود حميدة وسوسن بدر وخالد أبو النجا على تسليم الجوائز في ظل غياب تام للنجوم السوريين الذين كانوا نجوم الافتتاح٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأفلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إبن بابل | محمد الدراجي (الإمارات/ فرنسا/ العراق)٠
رهان على المأساوي
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




إن كان المخرج العراقي محمد الدراجي قد قدم في فيلمه «أحلام» أحداثاً لها أن تغطي مرحلة زمنية سـابقة للغزو الأمـيركي للعـراق وصولاً إلى لحظة احتلال بغداد وسقوط نظام صدام حسين، فإنه وفي جديده ابن بابل» المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان « الشرق الأوسط، يبدأ من لحظة الاحتلال، وعبر فيلم له أن يكون على شيء من «فيلم طريق» كونه يمضي من مدينة إلى مدينة من دون أية انعطافات أو تغيرات درامية تطرأ على رحلة امرأة كردية وحفيدها في بحثها عن ابنها المعتقل في سجون النظام السابق، على أمل ملاقاته على قيد الحياة بعد 12 سنة أمضاها خلف القضبان٠

وعلى الرغم من أن الفترة الزمنية هي ما بعد الاحتلال مباشرة، فإن الجيش الأميركي غائب تماماً عن المشهد، وعليه تمضي رحلة أحمد الصغير (ياسر طالب) وجدته من شمال العراق إلى بغداد ومن ثم إلى الناصرية حيث السجن الذي من المفترض أن يكون والده فيه. الجدة لا تعرف إلا الكردية، بينما الولد يتكلم الكردية والعربية. يؤسس كل شيء لبناء جرعات عاطفية تجعل من المشاهد على تفاعل مع ما يراه، فتكفي إمكانية افتراق الولد عن جدته عند ركوب الباص وملابسات لحاقها به، أو اصرار الجدة على تغيير ملابس حفيدها في الناصرية ليلاقي والده بثياب جديدة، وغسل وجهه من مياه النهر، الأمر الذي لن يتحقق، بمعنى أن وصولهما السجن لن يقودهما إلى معرفة مصير الأب الغائب، وهنا يمضي الفيلم في جميع أرجاء العراق بحثاً في المقابر الجماعية، وليمضي برفقتهما هذه المرة شاب كان في الماضي من قوات الحرس الجمهوري التي شاركت في «الأنفال»، ترفضه الجدة في البداية، إلا أن اصراره على مساعدتهما وتفانيه في ذلك سيمنحه غفران تلك الجدة الكردية٠

يمكن تقسيم الفيلم حسب تدرجات اللون الأسود، بمعنى أنه أسود بالكامل، لكنه عرضة لزياد حلكة هذا السواد كلما توالت المشاهد التي تشكل البنية الحدثية للفيلم، مع تأكيد على التجاور الطائفي والعرقي بين العراقيين، ولعل في ذلك شيئاً من مقولة الفيلم أو كما ليقول إنه الشعب العراقي بكامله كان ضحية نظام صدام حسين وهو لم يفرق في هذا الخصوص بين طائفة أو مذهب أو جنسية، وليكون حضور الاحتلال الأميركي للعراق بمثابة الخلفية للأحداث، أو المتسبب في فتح المقابر الجماعية، وما نشهده في الفيلم سيمضي بالفجائعية إلى آخرها، وصولاً إلى موت الجدة في اللحظة التي يقع فيها الولد بناظريه على حدائق بابل المعلقة٠
يقدم الدراجي في «ابن بابل» مشهدية خاصة، ولكن يبقى الرهان الأول والأخير للفيلم مأساوياً يحاول بكل المتاح محاكاة مأساة بحجم العراق، ولعل نهاية الفيلم هي الذروة الدرامية للفيلم، لكنها ذروة دون حل، وعلى شيء من واقع مازال ينتقل من ذروة إلى أخرى وما من حلول٠

إننا محكومون بالأمل | قيس الزبيدي (الإمارات)٠
جولة وثائقية بين الفنون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



" يخافون الحب، وهو أجمل شيء في الحياة؟ لأن الأرواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال بل عن النظام"، من هذه العبارة المأخوذة من مسرحية »بلاد أضيق من الحب«، يبدأ فيلم »إننا محكومون بالأمل«، ولعل هذا العنوان سيحيلنا مباشرة إلى الكاتب السوري الراحل سعد الله ونّوس، ليصير الحديث هنا عن توثيق سينمائي جديد لحياته، وفعل جمالي استعادي يقدمه المخرج العراقي الألماني قيس الزبيدي عبر شريط فرغ منه أخيراً، من إنتاج شركة «الليث للإنتاج المرئي والمسموع»، حيث يحكم فيه قبضته حول عوالم هذا المسرحي، في تمازج بين مادة أرشيفية خاصة وشهادات لمن كانوا حول ونوس، ستتبع على الدوام بتجسيد مسرحي أو سينمائي أو فوتوغرافي٠

إن كانت السينما التسجيلية فن إعادة بناء الواقع، فإن الزبيدي يعيد البناء بما يشكل واقع ونوس الجمالي، ويمنح خشبة المسرح فعلاً مجاوراً لحياته، وعلى قدر متوازٍ ومتداخل، لا لشيء، إلا لأن المسرح هو حياة ونوس، والعكس صحيح٠

يتعقب قيس الزبيدي حياة سعد الله ونوس، بعد أن فعل ذلك مع الرسام جبر علوان العام الماضي، في فيلم «جبر ألوان» الذي نال الجائزة الأولى في الدورة الثانية من مهرجان الخليج السينمائي. ولعل غواية أن تمضي السينما خلف فنون أخرى سيمنح للوثائقي فرصة جمالية، تجعله استثماراً إبداعياً في تلك الفنون، عدا استثنائية الشخوص، كما هو ونوس الذي يبدأ الفيلم من قريته «حصين البحر» على الساحل السوري، وطلبة في طريقهم إلى المدرسة، فإذا بنا نسمع شهادة مدرس ونوس متري عرنوق، وهو يتحدث عنه طالباً مميزاً، ومن ثم أخته التي تروي كيف كانت تعذبه الأمور التي لا يكتشفها، بينما تخبرنا أمه عن رسائل كان يرسلها إليها من القاهرة وباريس
لن يشعر مشاهد الفيلم بأنه في صدد تسلسل زمني صارم لحياة ونوس، فباريس لن يكمل فيها دراسته، لأن نكسة 1967 وقعت، كما سيقول لنا المخرج السوري عمر أميرلاي، وهو يروي رؤيته المشتركة معه، وكيف فكرا بمقاربة المواطن السوري، كون الهزيمة لم تكن بسبب قوة إسرائيل، بل لضعفنا، وهكذا تولدت فكرة مجموعة أفلام عن الحياة اليومية في قرية ومن ثم معمل ومدرسة وغيرها، فكان الحياة اليومية في قرية سورية». ولعل النكسة ستعود وتظهر « بوصفها نقطة مفصلية في حياة ونوس، وهو يتحدث في فيلم أميرالاي، «وهناك أشياء كثيرة، كان يمكن أن يتحدث عنها المرء»، حين بدت تماماً أنها النهاية بالنسبة لونوس٠
سنكون دائماً في فيلم ضمن فيلم، ومسرحية داخل فيلم، فمع الحديث عن «رأس المملوك جابر» واحتفاء الجمهور الألماني بها، سنشاهد مقطعاً من فيلم «المغامرة» المأخوذ عن المسرحية، وليتبع بها مجسدة على الخشبة، ومعها أيضاً مشاهد خاصة لونّوس في لايبزغ، وبالتأكيد، لن يغيب برتولد بريخت، وتأثر ونوس به طالما أننا في ألمانيا. سيحضر الشخصي عبر سرد زوجته فايزة شاويش، وتحديداً في فترة مرضه، وفي بُعد معرفي ونقدي في الفيلم، فإن الممثل غسان مسعود سيتحدث عن شراكة سعد الله ونوس مع فواز الساجر، ويقول إن تقديس ونوس النص المسرحي فهم بطريقة خاطئة، وأنه أبدا لم يكن يعتبره صياغة نهائية لا تتأثر بالبروفة والعرض. طبعاً، هكذا كلام لا يترك من دون أن يحضر مشهد من «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة»، ومعها لقطة لمسعود في الكواليس٠
سيحضر آخرون، سنتجول بين لوحات أحمد معلا وتحيته لونّوس، وهو يقرأ عما دفعه لهذه التجربة، سنشاهد ملصق «طقوس الإشارات والتحولات» سيتكلم ابن قريته الروائي حيدر حيدر، وستكون مقاربة ماري إلياس أكاديمية بامتياز، وليكون الكلام دائماً موجزاً ومكثفاً لا يترك من دون سند، وهو الصورة التي تتكلم بإسهاب٠
تصلح نهاية الفيلم كمثال نسرده للتدليل على الآلية التي اتبعها الزبيدي في سرده البصري، فبعد كلمة ونوس الشهيرة في «يوم المسرح العالمي»، نشاهد لقطة من مسرحية «أبو خليل القباني»، ثم شموعا مضاءة، فقبر سعد الله ونوس، بعدئذ طاولته وقد حملت نظاراته، وإلى جانبها كرسيه الهزاز فارغاً، ولقطة للبحر من بين نباتات الصبار، لقطة لأم سعدالله، مشهد لغروب الشمس، بعد أن بدأ الفيلم بإشراقها، ولنعود مجدداً إلى غرفته وصورته، بينما يطالعنا جهاز الرد الإلكتروني "هنا بيت سعد الله ونّوس، نأسف لعدم وجود من يرد على الهاتف، نرجو أن تتركوا رسالة، بعد سماع الإشارة وشكراً"٠


جيران | تهاني راشد (مصر)٠
مقاربة جديدة مع الواقع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



جديد تهاني راشد »جيران« هو مقاربة جديدة للواقع المصري، والتغيرات التي طرأت عليه، وفي مواصلة لما بدأته مع «البنات دول»، لكن هذه المرة من «غاردن سيتي»، وما آل إليه هذا الحي الشهير في العاصمة المصرية، كما لو أنها تسرد تاريخ مصر ومتغيراته انطلاقاً من هذا الحي٠
ما إن يرد اسم «غاردن سيتي» حتى تستيقظ طبقة مصرية أو غير مصرية كانت تشكل ارستقراطية باذخة وعريقة، عاشت في هذا الحي بعيد عن كل شيء، وجدت فيه قبل ثورة يوليو ملاذاً يجعلها تعيش في حي ليس فيه من القاهرة إلا وجوده فيها٠
فيلم «جيران» يمضي خلف استعراض ما طرأ على هذا الحي، كيف كان في الماضي عبر سرد عدد كبير من سكانه حياتهم الماضية، وهم يستعيدون قصورهم المهجورة، وإلى جانب ذلك ما صار إليه هذا الحي والطبقات الجديدة التي تجاوره أو دخلت نسيجه، ومربع الأمن والرعب الذي تشكله السفارة الأميركية فيه٠
شخوص كثر سيستعيدون ذكرياتهم في هذا الحي، معظمهم لا يعرفون العربية، وغالباً ما يتكلمون بالفرنسية، هربوا من مصر بعد قوانين التأميم التي سنها جمال عبدالناصر، وعادوا مع الانفتاح الاقتصادي في فترة حكم أنور السادات وقانون استعادة الأملاك المؤممة. في الفيلم ما يرصد مصائر الطبقة الارستقراطية التي لا علاقة لها لا من قريب أو بعيد بالمواطن المصري العادي، وهي كما سيظهر من أحاديث كثيرة تعيش في غربة خانقة الآن، بعد أن تغير كل شيء، وأصبح منسوب التسامح في انخفاض، وتسيدت الأفكار ذات البعد الواحد، التي تؤطر الإنسان في إطار واحد متشابه ومتكرر. جيران تلك الطبقة هم السفارة الأميركية والفقراء والمتزمتون دينياً، وما يسرد أمامنا ما يدفع بعضهم إلى ممارسة نقد للذات أيضاً، فبعد أن نعود بالزمن مع كل شخصية على حدة، ونرى قصورهم وكيف تحولت إلى أبنية متآكلة، بعد أن كانت أفلام فاتن حمامة وعمر الشريف تصور فيها، تدور الكاميرا باتجاه الضفة الأخرى، حيث الفقراء والناس العاديون المجاورون للارستقراطيين، فما كان يشكل لعنة على الارستقراطيين سيكون بمثابة نعمة على الفقراء والبسطاء، ولعل عبدالناصر سيكون هو النقطة الرئيسة في هذا الخلاف٠
تقدم تهاني راشد «بورتريهات» لأناس كل ما في حياتهم من أحداث، ثري ومليء بالمفارقات، وبالتأكيد مع قدرة هؤلاء الأشخاص على تقديم سرد وتحليل جيد لحياتهم، ومع انتهاء الفيلم سنكون أمام اختلافات وتباينات وتواريخ وأحداث تجتمع على أن كل شيء قد تغير وإلى الأسوأ، وكأمثلة على ذلك نسمع من يقول «أنا شامي في مصر، ومصري في لبنان وفرنسي في ألمانيا»، وشيئاً مثل تحولت الأوبرا إلى كراج» أو «إنهم يريدوننا مسلمين على « طريقتهم»، أو توصيف «غاردن سيتي» بقلعة الملل البرجوازي كما يقول الشاعر ألبير قصير، ودائماً السفارة الأميركية وظلها الثقيل على كل ما حولها، إلى أن نصل النهاية مع المفكر الراحل محمود أمين العالم وهو يشحننا بجرعة تفاؤل، وهو يتكلم عن مآس كثيرة مثل سجنه، وليقول عند سرد قصة قيام سجانيه بضربه وكل من في الزانزانة معه ضرباً مبرحاً «هلكناهم وهم يضربونا» ويضحك

الدوّاحة | رجاء عمّاري (تونس)٠
أسرار النساء المشوّقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



يتيح لك الفيلم أن تقدم كل شيء ولا شيء في آن معاً، كما أن المغريات التي يقدمها في زمنه الافتراضي قد تدفع إلى أن يكون الأمر خلطة فنية من الصعب تباين ملامحها، وإن كانت البداية خادعة، وتمتلك إمكانات سرعان ما يتم الانزياح عنها، ونحن نتعقب انقلاب الفيلم وتوجهه إلى مساحة تشويقية تتحول إلى الرهان الأكبر لدى التخلي عن أي رهان آخر٠
تمنحنا المخرجة التونسية رجاء عمّاري فرصة البحث في ما تقدم، والذي يأتي مسلحاً بكل ما له أن يكون نسوياً بالمعنى النقدي للكلمة وهو يقدم قصته وفق رؤية نساء عدة وصراعاتهن المحتدمة المنسجمة مع زاوية رؤية كل واحدة منهن للحياة ونمط العيش وغير ذلك٠
عنوان الفيلم الذي يعني باللهجة التونسية «المهد» كما تم التوضيح لنا، لن يكون نفسه في العنوان الإنجليزي للفيلم الذي يصير إلى «أسرار دفينة»، ويمكننا بعد مشاهدة الفيلم اقتراح عناوين أخرى مثل أن يكون «نساء لهن ماضٍ» أو «أموات على قيد الحياة» أو «قصر النساء المنسيات» وغيرها في تعقب لتنقل الفيلم بين أشياء كثيرة٠
مع بداية الفيلم نحن أمام ثلاث نساء أشبه بالأشباح، البنت الصغرى تتسلل إلى طابق علوي وتقوم بحلاقة ساقيها فإذا بها تجرح نفسها تحت وطأة الخبط القوي على باب الحمام. تؤخذ غصباً الى الطابق الأسفل، حيث تعيش مع أختها الكبرى وأمها. ومن ثم نكتشف أنهن يعشن في قصر هائل الحجم لكنه مهجور، ويشغلن طوابقه السفلية حيث كان بيت الخدم، ولنعرف بعد ذلك أن الأم كانت من خدم هذا القصر٠
البنت الصغرى كما تقدم لنا مسكونة بأنوثتها المحرمة، تتوق لأن تتبرج وأن تعيش حياتها من دون محرمات كثيرة تمارسها أختها وأمها عليها وبشيء من التطرف الذي يحرمها كل شيء، بينما تعيش الأم والأخت الكبرى الهواجس نفسها، لكنهما تستتران خلف قسوة ظاهرية وعلى شيء من الازدواجية، تضعان أقنعة تخفي ما تخفي تحتها وتمارسان كل أنواع التسلط على البنت الصغرى في قمع لكل رغباتها وأحلامها التي لها أن تكتمل عند الرجل. حدث طارئ يضاف إلى حياة النساء الثلاث، ألا وهو عودة واحد من أبناء مالكي القصر إليه، وسكنه فيه برفقة امرأة، بحيث تتحول قصة الفيلم إلى مجاورة ما يحدث في الطوابق العلوية مع السفلية حيث الأغنياء يمرحون ويمارسون الحب ويستمتعون بأوقاتهم، بينما من في الأسفل يعيشون في خوف اكتشاف أمرهم، ويتلقون الفضلات التي يرمون بها، ومع تجرأ البنت الصغرى وصعودها إلى الطابق الأعلى تقع على كل ما يخفى عنها، تشاهد رجلا وامرأة في جماع محموم، ومن ثم تسرق حذاء المرأة الثرية ذا الكعب العالي، كما أنها تتسرب إلى حفلة يقيمونها٠

كل ما تقدم يخدم مجاورة الغنى للفقر، الانفتاح والتنعم بالحياة إلى جانب قمع الرغبات والاستقرار على حياة متقشفة في كل شيء، إلا أن هذه القراءة سرعان ما يكتشف بطلانها، مع التقاء الفتاة الثرية في الأعلى مع البنت الصغرى في الأسفل، ومن ثم اعتقال تلك الفتاة وإبقاؤها رهينة حجز النساء الثلاث، وعليه يمضي الفيلم نحو شيء آخر تماماً، ويصبح مسكوناً باكتشاف ماضي النساء الثلاث، وعلى شيء من أفلام الرعب والتشويق، حيث نكتشف ـ ياللهول ـ أن الأم قامت بقتل زوجها الذي اعتدى على ابنته جنسيا وأنجبت منه ابنا مدفوناً في حديقة القصر٠
طبعاً يطمح الفيلم إلى تقديم وطأة الماضي على المرأة من خلال البنت الصغرى التي تحرم من كل شيء لا لشيء إلا لأن الماضي الذي لا يد لها فيه قد حصل فيه ما حصل، ولا أعرف إن كانت النهاية المتمثلة في قيامها بقتل أمها وأختها ومشيها في الشوارع بثوب أبيض مخضب بالدماء قد يعني أنها انتصرت على ماضيها٠
تداخل الحياة بين من يسكن طوابق القصر العليا مع السفلى سيكون بمثابة النقطة التي أخرجت الفيلم عن سياقه، لا بل إن ما تبع ذلك سيقودنا إلى فيلم «غوثيك» يمنح هالة من الرعب البسـيط الـذي تحمله القصور الفارهة، مع تذكيرنا في كل مرة عبر مشاهد خاصة أننا أمام نساء يصارعن الشهوات والحرمان٠

كاريوكا | نبيلة لطفي (مصر)٠
راقصة، ممثلة، مناضلة، معارضة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



يمكن مواصلة الحنين مع فيلم وثائقي حمل عنوان «كاريوكا» الذي يحيلنا إلى الراقصة والممثلة تحية كاريوكا وما تشكله من عودة إلى «الأبيض والأسود» وزمن ثمة اصرار هائل على أن يكون سحرياً طالما أنه مضى وانقضى٠
مخرجة الفيلم نبيهة لطفي قدمت ما اعتبرته تحية إلى «تحية» ومضت في تقديم مادة أرشيفية كبيرة برفقة شهادات كثيرة ممن عاصروا تلك الفنانة، أو من وثقوا تجربتها سواء في الكتابة أو التشكيل في مسعى للبحث عن ملامح الأسطورة التي تشكلها، وذلك في خط زمني واحد، امتد من الطفولة إلى الممات، ابتداء من قصة هربها من قريتها إلى القاهرة، مروراً بزواجها والأدوار التي قدمتها، وصولاً إلى مبادئها والتزاماتها الأخلاقية والسياسية حتى مماتها٠

الفيلم مصنوع في تسلسل رتيب، كما أن توظيف المادة الأرشيفية الكبيرة التي حملها تم بقصدية سابقة جاء الفيلم ليؤكدها، والمصر على أن يقول لنا إن تحية كاريوكا لم تكن راقصة وممثلة فقط بل مناضلة ومعارضة وغير ذلك مما قدم في خدمة هذه المقولة، واستعراض ما يؤكد ذلك يتم بواسطة قصاصات الصحف أو الصور أو المشاهد لتأتي الشهادات كتعليق في اتجاه واحد دائم يصادق على ما عرض أمامنا، وعلى مستوى واحد. لا شك أن تحية كاريوكا تستحق كثيراً من الثناء والاحتفاء، لكن الإصرار على أسطورتها من دون أي شيء آخر أعاق الفيلم عن تقديمها كفنانة من لحم ودم٠


الليل الطويل | حاتم علي (سوريا)٠
نحن والفقر جيران
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



السجين السياسي سيحيلنا مباشرة إلى عتمة ما، نجدها مباشرة في زنازين أو أقبية تعذيب، وحيوات محتجزة خلف القضبان لا لشيء، إلا أنها تعارض سلطة أو نظاماً، تخالفه الرأي، والثمن سيكون باهظاً ومؤلماً وظالماً. «الليل الطويل» فيلم السوري حاتم علي، الذي عرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية يأتي تماماً من تلك العتمة والبحث عن فجر يشتتها، لكنه ليل طويل لا ينجلي، كما سيطالعنا الفيلم، الذي اتخذ من الليل زمناً لأحداثه، وحاملاً لكل ما قدمه. وعليه يمكن اعتبار العنوان مفتاح الفيلم الذي كتبه وأنتجه المخرج هيثم حقي، وضم عدداً من نجوم التمثيل في سورية، فما إن يتم إطلاق سراح المعتقلين الذين نقع عليهم في البداية داخل الزنزانة، حتى نمضي خلف مصائرهم، بما فيهم وحيد الشخصية التي قدمها نجاح سفكوني الذي يبقى مسجوناً، كما لو أن وقته لم يحن بعد، ولم تطله يد العفو٠

يشكل السجين السياسي الذي جسد شخصيته خالد تاجا محور العمل، وبالتالي البؤرة الدرامية التي تفضي إلى ما آلت إليه مصائر أبنائه الأربعة، وتبادل أربعتهم لمصائر متبانية، لها أن تكون متصارعة وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي وجدوا أنفسهم تحت رحمتها، من جراء سجن والدهم الطويل لعشرين سنة، والتي يتم استعادتها في حوارات تظهر عمق الخلاف، فالابن الأكبر (زهير عبدالكريم) يمضي مع ما طرأ من مستجدات، لا بل يضع يده بيد من كان سبب اعتقال والده (رفيق السبيعي) الذي نعرف بأنه من أصحاب السلطة، وهو من يحمل إليهم خبر خروج والدهم من السجن، وليكون ابنه زوج ابنة السجين أيضاً (جسدت دورها أمل عرفة)، وفي المقابل هناك ابن السجين الأصغر الذي لعب دوره باسل خياط، المصر على المبادئ ومعارضة أخيه الأكبر واخته، والذي نتعرف إليه ناشطاً وصحافياً٠
كل ذلك يتضح ليلة خروج الأب وعبر الحوار والنقاش، الذي ينأى بنفسه عن تسمية الأشياء بأسمائها، بل المضي خلف ما يمكن أن يتيح لنا الاستنتاج وفق توصيفات عامة، ولينضم إليهم الأخ الرابع (حاتم علي)، الذي يعيش في فرنسا، والذي يحيلنا إلى الهرب من كل ما تقدم، لكنه هرب افتراضي بالنهاية، خصوصاً أنه متزوج بابنة سجين سياسي أيضاً، يخرج مع خروج والده٠

نحن أمام مصائر عائلة كاملة، ولكل فرد منها قصته ومسار حياته، القادم من وطأة سجن الأب الطويل، هذا الأب الذي لن يفارق ليله، فمع خروجه لا يذهب لملاقاة أولاده، بل يمضي إلى قريته حيث يموت هناك وفي الليلة نفسها٠

فيلم حاتم علي مبني وفق خطوط درامية حدثت وانقضت بينما الأب في السجن. يستعيدها عبر الشخصيات المحيطة به، التي نتعرف إليها مسرودة أمامنا عبر الحوار، ولعل السجن وما يمليه من إيقاف للزمن سيقف على النقيض مع من خارجه، حيث الزمن يمشي معهم وهو يحمل ما يحمل من تغيرات، وعليه تصنف الشخصيات إما متأقلمة أو متمردة أو هاربة، وليكون فعلها في الفيلم هو الكيفية التي تتلقى به خروج الأب من السجن بناء على رؤية كل شخصية للحياة٠
وعليه يبنى الفيلم على مستويين، الأول مشغول بتعقب مصائر ثلاثة سجناء أطلق سراحهم، وهنا تكون اللغة السينمائية حاضرة، وثمة فرصة لتقديم سرد بصري، يتم استثمارها في الحد الأدنى، مثلما هو الحال مع تتبع مراحل إطلاق سراحهم، قص الشعر، ظل الرشاش على الجدار، كأس «المتة» التي يشربها عنصر المخابرات، لقطة الفاكهة التي يعاينها السجين بعينين متشوقتين لألوانها، أو قيام المفرج عنه (حسن عويتي) بالركض في شوارع دمشق، وضياع الثالث الذي لا يجد مكاناً يؤويه فيلجأ إلى فندق٠

أما المستوى الثاني، فكلامي، وما تقدم مفتقد تماماً، فهنا الاستسلام تام للحوارات، التي عليها استعادة ما حصل، وأن تقول لنا ها هي مصائر من تركوا دون أب، لا لشيء إلا لمواقفه السياسية، وها هو ما ستكون عليه حياته دون الخوض في أي شيء سياسي، ولتنعدم في هذا المستوى اللغة السينمائية ومفرداتها البصرية القليلة أصلاً في المستوى الأول، الأمر الذي يحيلنا إلى السيناريو المستسلم للحوار٠

قد تقول لنا نهاية الفيلم شيئين، الأول يدفع لأمل ما ونحن نرى واحداً من السجناء مع حفيدته في مرج أخضر، بينما يبقى رابع السجناء حبيس الجدران، ليقول لنا إنه لايزال هناك سجناء سياسيون في سورية


هليوبوليس | أحمد العبد الله (مصر)٠
الحنين المصري إلى ما قبل الثورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



تعيش السينما المصرية حنيناً إلى فترة ما قبل ثورة يوليو، وعلى شيء يستدعي التوقف مطولاً أمام واقع يملي هذه العودة، والتركيز على الراهن بوصفه حمل ما حمل من تشويه وتخريب، وعليه يأتي الماضي بمثابة فسحة أمل تتسع لصرخة تقول: مصر لم تكن كذلك، لقد تغير كل شيء الآن ونحو الأسوأ الذي يزداد تفاقماً، ولتكون هكذا مقولة على شيء من الإنتظام بين الأفلام المصرية التي عرضت حتى الآن في الدورة الثالثة من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي

الماضي وردي في «المسافر» فيلم أحمد ماهر الذي افتتح فيه المهرجان عروضه، مليء بالموسيقى والرقص والرومانسية، بينما يمسي الحاضر مليئاً بالتزمت الديني والعنف والرداءة مع تآكل كل شيء، بينما قدمت تهاني راشد في فيلمها الوثائقي «جيران» واقع مصر الحالي من خلال حي «جاردن سيتي» والذي تبني عليه بوصفه بؤرة حقيقية للعودة بالزمن والمضي خلف الراهن في آن معاً، واضعة أمامنا آراء ووجهات نظر مختلفة، لكن بما يجعل من قصور الباشاوات والارستقراطية المصرية التي نال منها الزمن معلماً زمنياً للتغيرات التي عصفت في مصر وصولاً إلى الواقع الحالي٠

فيلم أحمد العبدالله «هليوبوليس» في أولى تجاربه الإخراجية ليس ببعيد عما تقدم، وبما يشكل رصداً للواقع المصري وفي مسعى للتركيز على قيمة التعددية، عبر سرد يستدعي الثناء والاحتفاء، وشخصيات كثيرة معطلة لا تنجح بالقيام بأي شيء، يتبدد اليوم الذي يشكل زمن الفيلم ولا شيء يحصل مع أي منها، لا بل إن مصائرها لا تتشابك إلا قليلاً، وكل غارق في وحدته ومآزقه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولتحضر «هليوبوليس» مصر الجديدة) بوصفها حاملاً للحنين أمام فداحة الحاضر، ومعلماً ( مسكوناً بجماليات مفتقدة سرعان ما تمنع العودة إليها، طالما أن الضابط يقف حائلاً بين تصوير مبانيها القديمة، كما ولو أن الحنين ممنوع أيضاً وبالقوة٠

يرمي فيلم أحمد العبدالله بخيوط درامية كثيرة، ما من دراما فيها إلا عجز تلك الشخصيات وعدم تمكنها من إنجاز ما تسعى إليه، كما يقول لنا الفيلم، كل شيء يقف ضدهم. نقع أولاً على صحافي شاب (خالد أبوالنجا) يشرب الشاي مع ناطور عمارة، وسرعان ما نراه يقوم بمقابلة امرأة عجوز نكتشف أنها يهودية، ربما آخر يهود مصر، وليمضي هذا الشاب حديثه معها وهو متلعثم ومرتبك. إضافة لعدم نجاح الشاب في تصويرها، وليكون الحوار الوحيد الناجح بينهما هو استعادة تلك السيدة لأمكنة في «هليوبوليس» أو غيرها من أحياء مصر كما عاصرتها، وتوقفت عن ذلك كونها لا تستطيع الخروج من البيت لمرضها وعليه يقرر الشاب أن يصور لها تلك الأمكنة وما صارت إليه، وهذا ما يفعله إلا أن ضابط الشرطة سرعان ما يمنعه٠

وبالتوازي والتناوب هناك المجند في الأمن المركزي الذي لا ينطق حرفاً واحداً من أول الفيلم إلى آخره، وهو جالس في كشك الحراسة في شارع لا يمر به أحد، يسمع الراديو الذي لا يتوقف عن بث أغاني عبدالوهاب، إلى أن يعثر على كلب يصير شغله الشاغل ومؤنس وحدته القاتلة، وإلى جانبه هناك طبيب نراه يتقدم بطلب للهجرة إلى كندا، لكن أوراقه غير كاملة، وعندما يحاول استخلاص صور شخصية له جديدة غير التي معه فإنها تظهر طبق الأصل عن السابقة، بينما يتصل به شاب وامرأة يبحثان عن بيت كونه يكون قد وضع إعلان لبيع بيته، الشاب والمرأة في طريقهما إلى الزواج، وثمة مهمتان عليهما القيام بهما، الأولى شراء ثلاجة والثانية الوصول إلى بيت الطبيب ومعاينته، وهما يفشلان في تحقيق المهمة الأولى لأسباب متعلقة بأشياء تفصيلية تافهة، بينما يكون فشلهما في الوصول إلى بيت الطبيب بسبب مرور موكب الرئيس وإغلاق الطرقات أمامهما٠
هناك أيضاً الفتاة التي تعمل موظفة استقبال في فندق قذر، وهي تحلم بالسفر إلى باريس، لا بل إنها ترسل رسالة لأهلها في طنطا تتكلم فيها عن ما تعيشه من سعادة في باريس، وهي تشاهد طيلة الوقت القناة الخامسة الفرنسية، وترمق بحسد وغيرة عاشقين فرنسيين من نزلاء الفندق يتبادلان القبل٠
تتاشبك تلك الشخصيات ولا تفعل، تتجاور من دون أن يعرف بعضهم بعضا، تتشارك أغاني الراديو، والشيء الوحيد الذي يربط مصير شخصية بأخرى، هو الشاب الذي يصور «مصر الجديدة» والفتاة التي تكون في طريقها إلى الزواج وشراء الثلاجة، إذ نكتشف بأنهما كانا على علاقة حب انتهت، كما أن القداس والتراتيل التي تخرج من الكنيسة تجعل جميع الشخصيات وهي تتحرك في محيط «هليوبوليس»، تتشارك سماعها، لا بل إن مجند الأمن المركزي يطفئ الراديو، المجند المواظب على صلواته الخمس٠

فيلم «هليوبوليس» ترسيخ لما له أن يكون «سينما مصرية مستقلة» غير خاضعة لمزاج شباك التذاكر، وفي انحياز لقيم جمالية، وبحث عن المغاير والمختلف عن الانتاجات التي لا تتخطى في اسباب وجودها ذلك الشباك. إنه شريط مشغول بأسئلة كثيرة لها أن تمر وتتردد في سياق بصري مشغول بعناية، وإيقاع بطيء على خلاف مع البنية التي اختاره المخرج لسرد أحداثه، والتي سرعان ما يتم تطويعها في خدمة ما يقدمه الفيلم، وهو يقول لنا: لا شيء يتغير، وتلك الخيبات اليومية لها ما يقابلها من خيبة عامة ما من شيء يجابهها إلا الهرب وكل على طريقته٠




دراسة | ميسر مسكي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما التركية... وفرة تلاشت و عودة روح واعدة
(الجزء الثاني)



من »وادي الذئاب«٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يواصل الناقد الزميل ميسر مسكي بحثه في
تاريخ السينما التركية الحديث وموقعها علـى
خارطة الإنتاجات في العقود الأخيرة- م. ر


في السبعينات والثمانينات، إستمرّ الإنتاج التركي في التضاؤل إلى أن بلغَ فيلمين أو ثلاثة فقط في السنة. وحتى حين حازَ فيلم يلماز غوناي "الطريق" سعفة مهرجان الذهبية عام 1982، لم يكن ذلك إختراقاً بقدر ما كان شذوذاً عن القاعدة٠
و لم تبدأ ملامح التحسن في الإنتاج السينمائي التركي إلا مع تبدل الحال في المحيط الإقليمي و إنعكاساته الداخلية. فسقوط الإتحاد السوفيتي غَيّرَ من مفهوم الدور التركي في المنطقة مما أعادَ إحياء الفكرة القديمة-الجديدة و هي إنضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية مما إستدعى، بالتالي، تغيرات عميقة طالت الحياة السياسية و الفكرية في تركيا. فقد خَفّت قبضة الجيش على شؤون البلد وتراجَعَ الفساد السياسي مما سَمَحَ بمساحة أكبر من حرية التعبير. و جاء ذلك مترافقاً مع إنتعاش إقتصادي لافت أعَادَ للطبقة الوسطى في تركيا الروح و النشاط. كما أن وصول الإسلام المُعتدل والواقعي (أمر لم يكن بالإمكان تخيله قبل حفنة من السنوات) إلى سدّة الحكم كان الإشارة الأهمّ منذ تكوين الدولة التركية الحديثة إلى بدء إعادة تعريف إنتماء الأمة إلى تاريخها و جغرافيتها الطبيعية
مناخ الإنفتاح الجديد سَمَحَ للقليل من مكاتب الإنتاج في شارع "الصنوبرة الخضراء" أن تعيد فتح أبوابها لتأمين التمويل لأفلام تركية جديدة بدت أفضل تقنياً و فنياً من أخواتها التي كانت تنتجها نفس المكاتب قبل أكثر من عشرين عاماً. لكن الشارع بحدّ ذاته لم يعد مركز الإنتاج السينمائي التركي اليوم. فمن يزوره بالكاد يُلاحظ أثراً لمكاتب الإنتاج القديمة. فالشارع المتداع تحول إلى حانات و مقاهي رصيفية خلفية لشارع الإستقلال الشهير. وحتى صالات السينما التي عادت إلى عروضها السينمائية تبدو و كأنها ترثي زماناً إنقضى دون رجعة (الصورة)٠

الأفلام الجديدة في الإنتاج السينمائي التركي توزعت على نوعين، واحد حظي بترحيب في أوساط المُثقفين الأتراك والنقاد في أوروبا‘ حتى أن أحدها "بعيد" ( "أوزاك" بالتركية) لـ نوري بيلج جيلان نالَ السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي عام 2002. أما النوع الثاني فقد تدافع إليه المشاهدين الأتراك الذين إستعادوا عادة التردد على صالات السينما التي نبتت كالفطر في ضواحي المدن التركية الكبرى مع تكاثر مراكز التسوق الكبيرة التي ضمّت في مبانيها مجمعات من صالات العرض السينمائي التي تنوعت في طاقتها الإستيعابية. من تلك الأفلام الجماهيرية "قاطع الطريق" ("إيسكيا" بالتركية) و فيلم يلماز إردوغان "فيزيونتل". أما فيلم "غورا" لـ عمر فاروق سوكرا عام 2004، فقد حقق رقماً قياسياً في عدد مشاهديه (أربعة ملايين) دفعوا ما يقارب التسعة عشر مليون دولار. و لم يلبث فيلم "عراق: وادي الذئاب" (2006) أن كَسَرَ الرقم القياسي ذلك بـ 4،2 مليون مُشاهد٠
هذه الأرقام التي بدت يوماً حُلماً مستحيل التحقق للمنتجين، شجعتهم على المزيد من الإستثمار في سينما بدا أنها قادرة على تجاوز حدود الدولة نحو سوق واسعة في المَهجر التركي في ألمانيا (حوالي ثلاثة ملايين مُهاجر) وحيث حَصَدَ فيلم "غورا"، مثلاً، أكثر من ثلاثة ملايين دولار من عروضه هناك. كما أن عدد من المخرجين الألمان ذوي الأصل التركي مثل فاتح أكين قد صنعوا لنفسهم إسماً ذي علامة من خلال أفلامهم الألمانية التي غالباً ما تناولت مواضيع الجالية التركية و علاقتها مع الوطن٠
سعي السينما التركية لإستثمار إنتشار الجاليات التركية في العالم وَصَلَ إلى أستراليا حيث يقام هناك كل سنة و في مدينة سيدني مهرجاناً للسينما التركية.
اليوم، لا تجد السينما التركية تمويلاً مباشراً من الدولة إلاّ بالحدود الدنيا، فكل فيلم يمكن أن يحصل على قرض إنتاجي يقارب الـثلاثمئة ألف دولار من وزارة الثقافة التي أستثمرت حوالي الخمسة عشر مليون دولار في إنتاج الأفلام عام 2004. و يُلاحظ هنا أمر لافت و هو أن الفيلم الذي يحوز جائزة هامة في مهرجان سينمائي عالمي رئيسي لا يكون على منتجه أن يسدد قيمة القرض إلى وزارة الثقافة٠
المصدر الآخر المُعين للإنتاج التركي هي الهيئة الأوروبية – التركية للسينما التي تأسست عام 1988 و قد ساهمت في تمويل حوالي أربعين فيلماً منذ ذلك العام
وما يساعد الفيلم التركي على تحقيق إيرادات أكبر في الداخل هذه الأيام، هو أن مشكلة إيجاد صالة في أسطنبول أم أي مدينة رئيسية في تركيا لعرض فيلم محلي قد تلاشت. فحين صَدَرَ قانون الرأسمال الخارجي عام 1988 والذي فتح باب الإستثمار الأجنبي في تركيا، سارعت شركات التوزيع الأميركية الرئيسية إلى السيطرة على سوق توزيع الفيلم في تركيا و بات من شبه المستحيل تأمين عرض نظامي لفيلم من إنتاج محلي. هذه الأزمة دفعت بالمخرج التركي كورهان يورتسيفير عام 2008 إلى حرق فيلمه "الجنزير" أمام صالة السينما التي سحبت الفيلم من العرض بعد ثلاثة أيام فقط من بدء عرضه
اليوم، و بعد أن حققت بعض الأفلام المحلية أرقاماً قياسية في شباك التذاكر أصبح من العادي أن تشاهد أفيشات العديد من الأفلام التركية في أكثر من صالة عرض أول٠



هوليوود | محمد رُضا
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما المرأة تعاني من إخفاقات تجارية آخرها
Jennifer's Body و Whip it


Jennifer's Body

تغيب المرأة عن الحضور في سينما اليوم ليس كممثلة بل كشخصية واقعية او حقيقية. وفي هذا الأسبوع بالتحديد، لا تصلنا المرأة في الأفلام الأميركية الجديدة محلاة بالأنثوية٠
فمن بين الأفلام العشرة الأولى المعروضة هذا الأسبوع في صالات العرض حول العالم، نجد أنها متواجدة في أدوار رئيسية يقوم الفيلم عليها في فيلم واحد هو »الجلّد« او
Whip it
الذي تقود بطولته كل من إلين بايج ومارسيا غاي هاردن و، مخرجة الفيلم، درو باريمور٠ أما غالبية الأفلام الأخرى فتضمن عليها حتى بالتواجد العابر في بعض الأحيان: فهي غائبة (الا من أدوار خلفية وثانوية) من »زومبيلاندر« ومنزوية في فيلم »المخبر« و لا وجود لها في »الرأسمالية: قصّة حب« كونه فيلم وثائقي سياسي ليس لديه وقت للحديث عن الجنسين البشريين بالتحديد. ومع أن الأفلام الكرتونية المتوفّرة حالياً في العروض التجارية، مثل »سحاب مع فرص مطر من اللحم« و»توي ستوري« فيها أصواتاً نسائية الا أنه ليس الدور النسائي الذي كانت المرأة تشهد كل أسبوع أكثر من مرّة حتى وقت ليس بالبعيد٠

من حين لآخر تتضلع ببطولة سينمائية كما الحال في فيلم درو باريمور، لكن -وكما الحال في الفيلم ذاته أيضاً- يسقط الفيلم تجارياً كون الجمهور النسائي المأمول له يختار الإبتعاد عنه قبل سواه. والحال ذاته توالى منذ أسابيع قليلة وبشكل ملحوظ٠
والحق ليس دائماً على الجمهور، في أحيان كثيرة فإن الأفلام التي تُكتب وتُنتج من بطولة نسائية ضعيفة لا تملك الا أن تتساقط كأوراق الخريف في عروضها التجارية. خذ مثلاً فيلم
Jennifer's Body
وهو فيلم دخل سباق الإيرادات لأسبوعين وخرج مهزوماً في أسبوعه الثالث. فيلم كان مفترضاً به أن يأتي
تشويقياً مع شيء من الرعب والجريمة لكنه ينبري عملاً سخيفاً في الأساس. مخرجته هي كارين كوساما التي كانت لفتت الأنظار إليها حين قدّمت قبل نحو عشر سنوات فيلماً عن الملاكمة النسائية من بطولة ميشيل رودريغيز عنوانه
Girlfight
Eon Flux ثم أتبعته بفيلم مغامرات نسائية (أيضاً) ومن بطولة تشارليز ثيرون هو
أما هذا الفيلم الجديد فتقود بطولته ميغان فوكس التي حشد لها الإعلام مؤخراً الكثير من الدعم غير المجدي كون موهبتها لا تتعدّى جمالاً فاتناً تحاول استغلاله حسب ما يتيحه العنوان من إيحاء
إنها جنيفر المرأة الغامضة التي لديها مبررات (غير مقنعة) لقتل الرجال. ميغان فوكس (23 سنة) لديها جسد إمرأة في الثلاثينات من عمرها ما يجعلها تبدو أكبر من أن تؤدي دور طالبة في الكليّة لكنها ليست المشكلة الرئيسية على أي حال ليست هنا، بل في أن الأحداث لا تلتقي في سياق مقبول، بل تنضوي تحت قصّة يُراد لها أن تنتقل قُدُماً على الرغم من أنها لا تملك مؤهلات درامية مقبولة٠
تظهر فوكس كقاتلة شرسة لكن في المقابل هناك أماندا سيفرايد، صديقتها التي لا تعلم عن حقيقة عدوّتها شيئاً في البداية، ثم ترتاب في وسط الفيلم، وتدرك كل شيء قبل النهاية فتنجح، قبل فوات الأوان، في إنقاذ من تبقّى من رجال الفيلم وشبّانه قبل انتهاء الفيلم بقليل٠


Whip it

لم يكن غريباً سقوط فيلم »جسد جنيفر« كونه ليس أكثر من معرض صور لبطلته الجميلة التي كنا تعرّفنا عليها حين تتعطّل سيارتها في فيلم »ترانسفورمرز« الأول. لكن الغريب هو سقوط فيلم »الجلد« إذ ليس هناك عذراً لفشله. الرجل في هذا الفيلم هو العملة النادرة، اما تلك المنتشرة فهي النساء اللواتي يسعين لربح الجولات الرياضية وفي ذات الوقت الذي يحاولن حل مشكلاتهن العاطفية وعلاقاتهن بالمحيط الإجتماعي في تلك البلدة التكساسية الصغيرة. إنه فيلم مسل وفيه شخصيات مثيرة وواقعية كان يمكن لها أن تُثير حماس الجمهور النسائي ، بل وتوقّع لها الجميع أن تفعل لكنها أخفقت في هذا المطلب٠
وقد جمعت باريمور من حولها بضعة ممثلات جيّدات من بينهن أيضاً، لجانب ايلين بايج (التي شوهدت قبل عام في فيلم »جونو«) ومارسيا غاي هاردن، الممثلة جولييت لويس التي تزداد موهبة فيلماً بعد آخر. أما السبب في أن الجمهور النسائي كان بارداً حيال مشاهدة بطلات في حلبة الرياضة فهو السؤال الذي سيتكرر الى أن تنجح ممثلة ما في قلب الطاولة على الرجال٠




مخرج وفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميشيل هنَيكه
حالات من العنف وافتقاد الإنسانية



في العدد الحالي من »فيلم ريدر« إستعادة
لفيلم ميشيل هنيكه »مخبوء«. للمناسبة هذا
المقال حول سينما المخرج حتى ذلك الفيلم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن تقسيم مهنة ميشيل هانيكي‮ ‬الى نوعين‮:‬‮ ‬الأول من بدايته سنة ‮٩٨٩١ ‬الى آخر القرن الماضي،‮ ‬والثاني‮ ‬من العام ‮١٠٠٢ ‬الى اليوم‮. ‬ستة أفلام في‮ ‬المرحلة الأولى وثلاثة في‮ ‬الأخيرة بدأت بفيلم‮ »‬أستاذة البيانو‮« ‬وتواصلت عبر‮ »‬زمن الذئاب‮« ‬وصولاً‮ ‬الى‭ ‬فيلمه الجديد‮ »‬مخبوء‮«. ‬لكن المرحلتين ليستا مجرد تتابعات زمنية‮. ‬في‮ ‬الحقية هما‮ -‬نموذجياً‮- ‬إنطلاق وتأسيس في‮ ‬الأولى،‮ ‬وبلورة في‮ ‬الثانية‮. ‬المرحلة الأولى وجّه فيها نقداً‮ ‬لاذعاً‮ ‬للمجتمع النمساوي‮. ‬في‮ ‬الثانية نقل نقده الى اوروبا وما حافظ عليه في‮ ‬المرحلتين،‮ ‬لجانب النقد اللاذع،‮ ‬هو برودة النظرة الى المجتمع الذي‮ ‬يتعرّض إليه‮. ‬مثل تلك الصور التي‮ ‬يلتقطها لباريس في‮ »‬مخبوء‮« ‬وتلك التي‮ ‬تعكسها شخصية دانيال أوتوييل في‮ ‬ذات الفيلم،‮ ‬هناك العديد منها في‮ ‬أفلامه السابقة‮ (‬تلك التي‮ ‬شوهدت على الأقل‮). ‬في‮ »‬أستاذة البيانو‮« ‬برودة المشاعر وإخفاق الإنسانية في‮ ‬إيجاد مواطن صلح بين الشخصيات التي‮ ‬تحتاج بعضها لبعض من دون أن تلتقي،‮ ‬يصدم المشاهد حتى من قبل لجوء الفيلم الى نهايته العنيفة‮. ‬بل أن العنف في‮ ‬أفلامه نتيجة طبيعية لحياة‮ ‬يحاول أبطالها الحفاظ على ذواتهم مهما كانت على خطأ‮. ‬أبطاله‮ ‬يتقدمون خطوة واحدة تجاه إصلاح الذات لكنهم‮ ‬يقررون التراجع خطوات فيما بعد خوفاً‮ ‬من خسارتهم لأنفسهم وخشية من المجهول إذا ما فعلوا‮.‬


القارّة السابعة


بلا مبرر ظاهر
أفلامه الثلاث الأولى تلتقي‮ ‬في‮ ‬نقدها فقدان العلاقات الإنسانية وتطرح موضوع الموت الناتج عن العنف‮ ‬كحصال‮ ‬لذلك‮. ‬في‮ ‬أول أفلامه،‮ »‬القارة السابعة‮« (٩٨٩١)‬،‮ ‬عائلة تكاد تكون هي‮ ‬ذاتها العائلة التي‮ ‬في‮ »‬مخبوء‮«. ‬جورج وزوجته آنا وإبنتهما الشابة عائلة تعيش على ثمار نجاح إجتماعي‮ ‬وضع فاصلاً‮ ‬بينها وبين التواصل مع باقي‮ ‬المجتمع‮. ‬هذا الإنقطاع‮ ‬ينتقل فيما بعد الى تفكك وحدتها وتداعي‮ ‬التواصل فيما بينها‮. ‬ولحين في‮ ‬الفيلم‮ ‬يمتنع كل من أفرادها الحديث مع الآخر وفي‮ ‬النهاية‮ ‬يقدم الثلاثة على الإنتحار‮. ‬وضع المخرج أحداثه في‮ ‬مدينة لينز الصناعية وترك الشخصيات عملياً‮ ‬بلا وجوه عامداً،‮ ‬كما الحال في‮ ‬أفلام الفرنسي‮ ‬روبير بريسون،‮ ‬الى تركيز الكاميرا على تصرّفات الشخصيات‮ (‬حركة الأيدي،‮ ‬الأبدان،‮ ‬القدمين‮) ‬وعلى الأشياء التي‮ ‬تعكس عالماً‮ ‬بلا شخصيات‮ (‬بالمعنى الهوية الفردية‮). ‬مثل تلك اللقطات للبطاقات المصرفية المتداولة حيث كل بطاقة هي‮ ‬عنوان لذات وكل ذات تعتقد إن خصوصيّتها في‮ ‬هذه البطاقة التي‮ ‬عليها أسمه‮. ‬في‮ ‬ذات الوقت،‮ ‬وبما أن الجميع‮ ‬يملك بطاقات مصرفية،‮ ‬فإن التهميش الحاصل‮ ‬يتناقض وفكرة الذاتية او الخصوصية‮. ‬فجأة كل فرد مدان لاعتقاده بأنه محسوب بينما هو أبعد من أن‮ ‬يكون‮. ‬
في‮ ‬فيلمه الثاني‮ »‬فيديو بَني‮« (٢٩٩١) ‬ينتقل هانيكي‮ ‬من تقديم عائلة الى تقديم الفرد‮. ‬العالم الموحش والبارد لا‮ ‬يزال كما هو مضافاً‮ ‬إليه صياغة نفسية أقوى من تلك التي‮ ‬في‮ ‬فيلمه الأول‮ (‬أساساً‮ ‬يمكن وصف معظم أفلام هانيكي‮ ‬بالمضاد‮- ‬للنفس كونه لا‮ ‬يحاول تقديم مبررات نفسية ودرامية لشخصياته بل‮ ‬يترك للمشاهد تحليل هذه المبررات على النحو الذي‮ ‬يريد‮). ‬هنا نتابع شاباً‮ ‬صغيراً‮ ‬يعيش وحيداً‮ ‬في‮ ‬عالمه المؤلف من كاميرات وأشرطة فيديو وشاشات‮. ‬إنه إبن عائلة ثرية لكنه انقطع عنها كما انقطعت هي‮ ‬عنه‮. ‬يعيش لهواً‮ ‬غير مجدياً‮ ‬فهو‮ ‬يراقب العالم القريب من حوله عبر ما‮ ‬يصوّره من أفلام،‮ ‬وأحياناً‮ ‬يصله العالم الأبعد من خلال نشرات الأخبار‮ (‬تتحدث إحدى النشرات عن مذابح بوسنيا‮). ‬أحد أكثر المشاهد التي‮ ‬صوّرها والتي‮ ‬لا‮ ‬ينفك‮ ‬يعرضها على نفسها تظهر عملية قتل خنزير بمسدس صاعق‮. ‬لاحقاً‮ ‬يتعرف على فتاة في‮ ‬محل فيديو ويقنعها بالعودة معه الى منزله‮. ‬بعد حين،‮ ‬وبعد أن‮ ‬يعرض لها مشهد قتل الخنزير،‮ ‬يقدم على قتلها بمسدس مماثل للمسدس في‮ ‬الفيلم‮. ‬‮ ‬يتوقع المشاهد كل شيء ما عدا إقدام ذلك الشاب على جريمته،‮ ‬فهو في‮ ‬سن شابّة،‮ ‬وسعيه للتعرّف على الفتاة‮ ‬يعكس اهتماماً‮ ‬بها وبالرغبة في‮ ‬ولوج عالم الرجال منعتقاً‮ ‬من عذريّته‮. ‬لذلك فإن تجربة جنسية أولى تنتظر المشاهد قبل أن‮ ‬يصعقه القتل كما‮ ‬يصعق الفتاة‮. ‬بقتلها‮ ‬يقطع الشاب باقي‮ ‬الصلة بآلية الحياة ذاتها‮. ‬في‮ ‬تصرّف لاحق‮ ‬يتعرّى ويلطّخ نفسه بدم ضحيّته ثم‮ ‬يقف أمام المرآة سعيداً‮ ‬بما فعل‮. ‬بذلك‮ ‬يكون دخوله الى الجنس بدأ وانتهى‮ (‬من دون علاقة مع الآخر‮) ‬ويكون نأى بنفسه،‮ ‬مرّة وللأبد،‮ ‬عن رغبات الحياة‮. ‬يصبح شكلاً‮ ‬من الخيالات داخل الفيديو‮.‬
في‮ ‬الفيلم الثالث‮ »١٧ ‬شظية من جدول الحظ الزمني‮« ‬هناك أكثر من حالة عنف لأكثر من شخصية،‮ ‬نمساوية وغير نمساوية‮. ‬ما‮ ‬يفعله هنا هو الإنتقال من صرح العائلة الى صرح المجتمع مختاراً‮ ‬نموذجاً‮ ‬محورياً‮ ‬واقعياً‮. ‬هانيكي‮ ‬يستعرض التتابعات الزمنية لحادثة أقدم فيها طالب في‮ ‬الجامعة على جرائم قتل متوالية وخلال إهتمامه بهذا الرصد‮ ‬يحصد المراحل الزمنية السابقة لحياة بعض الضحايا‮. ‬يخصص هانيكي‮ ‬كاميرته التي‮ ‬تكتفي‮ ‬بالمراقبة وتجمع ذخيرة من المشاهد تدين مجتمعاً‮ ‬بكامله او-على الأقل‮- ‬تربطه بالجريمة التي‮ ‬وقعت ربطاً‮ ‬محكماً‮ ‬ومسؤولا‮.‬

ألعاب غريبة 



برمجة العنف
مع فيلمه الرابع‮ »‬ألعاب‮ ‬غريبة‮« (‬الذي‮ ‬عرض في‮ ‬مهرجان‮ »‬كان‮« ‬كشأن معظم أعماله الأخرى‮) ‬يسرد،‮ ‬لأول مرة،‮ ‬قصة بالمفهوم الجماهيري،‮ ‬لكنه‮ ‬يحافظ على كيفية تشكيل الوعي‮ ‬بالعنف وردّات الفعل عليه‮. ‬هناك عائلة من ثلاثة شخصيات‮ (‬أيضاً‮) ‬تمضي‮ ‬عطلة في‮ ‬منتجع جبلي‮ ‬الى أن‮ ‬يدخل حياتها شابان‮ ‬يبدوان مسالمين،‮ ‬لكنهما سريعاً‮ -‬ومن دون مبررات مفهومة‮- ‬يقدمان على قتل أفراد العائلة واحداً‮ ‬تلو الآخر‮. ‬على الرغم من أسلوب عمل‮ ‬يختلف قليلاً‮ ‬عن أساليبه السابقة الا أن هانيكي‮ ‬ينتقل من فيلمه الى الجمهور وبالعكس كما كان بطل فيلمه الثاني‮ »‬ڤيديو بَني‮« ‬ينتقل بين حياته والصور التي‮ ‬يعرضها على نفسه‮. ‬في‮ ‬حالة‮ »‬ألعاب‮ ‬غريبة‮« ‬يترك لأحد المجرمين إمكانية التدخل في‮ ‬الحكاية لاوياً‮ ‬الفيلم بأسره حسب المنهج الذي‮ ‬يرتأيه‮. ‬هذا المجرم‮ (‬والتعريف للناقد‮) ‬ينظر الى الكاميرا ويسألها في‮ ‬أحد المشاهد‮: »‬أتعتقد أن هذه العائلة ستبقى حيّة في‮ ‬التاسعة من صباح‮ ‬يوم الغد‮«. ‬بذلك‮ ‬يعلّق هانيكي‮ ‬على العادة المكتسبة من قبل جمهور السينما السائد الذي‮ ‬مارس مشاهدة العنف على الطريقة الهوليوودية‮. ‬ما‮ ‬ينتقده هنا هو‮ »‬برمجة العنف‮« ‬في‮ ‬الأذهان كتوقعات حاصلة تبعاً‮ ‬لشخصيات مُعدّة سلفاً‮ ‬لكي‮ ‬ترتكب جريمة او لتسقط تبعاً‮ ‬لها‮. ‬
هذا النوع من التعليق‮ ‬يعادي‮ ‬اللغة السينمائية في‮ ‬عرف هذا الناقد‮. ‬مع إدراكه بالغاية فإن ما كان على هانيكي‮ ‬فعله هو تقديم خطابه الإجتماعي‮ ‬والسينمائي‮ ‬من دون خرق الشاشة بإتجاه المشاهد للحديث مباشرة إليه او لمنح إحدى شخصياته القدرة على التحكم بمسار الفيلم نفسه‮ (‬مشهد‮ ‬يقوم به ذلك القاتل بإعادة لف الفيلم التي‮ ‬من المفترض أننا نشاهده لأجل تغيير نهايته‮). ‬
‮»‬استاذة البيانو‮« ‬تلا فيلمين هما‮ »‬القلعة‮« ‬و»شيفرة‮ ‬غير معروفة‮: ‬حكايات‮ ‬غير مكتملة لعدة رحلات‮«‬،‮ ‬واختلف عملياً‮ ‬عن أفلام هانيكي‮ ‬السابقة في‮ ‬أنه مقتبس عن رواية موضوعه‮ (‬من تأليف ألفرد‮ ‬يلنِك‮) ‬وعن معظمها في‮ ‬إنه من تمويل فرنسي‮ (‬كان اتجه الى هذا التمويل مع فيلم‮ »‬شيفرة‮ ‬غير معروفة‮«) ‬ولو أن الأحداث لا زالت تقع في‮ ‬ڤيينا‮. ‬إنه عن مدرسة بيانو‮ (‬أيزابيل أوبير‮) ‬تعيش حياة مُشرّبة بالوحشة النفسية‮. ‬مرة أخرى معظم تصرّفات المدرّسة‮ ‬غير مبرمجة لتوفير مرجعيات نفسية لما تقوم به‮. ‬لكن هانيكي‮ ‬يلج بنا عالمها الموحش بلا تمهيد‮. ‬تعيش مع أمها‮ (‬آني‮ ‬جيراردو‮) ‬في‮ ‬بيت صغير‮. ‬ينامان على سرير واحد‮. ‬وتتبادلان كماً‮ ‬كبيراً‮ ‬من العدائية في‮ ‬كل مرة تفتح إحداهما فمها لتتحدث للأخرى‮. ‬إنها مدرّسة تحت ضغط إرهاب‮ ‬يومي‮ ‬ناتج من علاقة‮ -‬نفسياً‮- ‬غير سوية و-عاطفياً‮- ‬غير متصالحة مع الذات ومع الآخر‮. ‬وفيما‮ ‬يبدو هروباً‮ ‬من الواقع،‮ ‬تقدم الأستاذة على مشاهدة أفلام البورنو وفعل البصبصة على تصرّفات الناس الجنسية‮. ‬الحياة المزدوجة بين ما هو واقع وبين ما هو مصوّر على أشرطة نراه في‮ ‬أكثر أفلام هانيكي،‮ ‬لكنه هنا مستخدم لتأكيد هويّة على نحو مباشر‮. ‬حين‮ ‬يدخل حياة الأستاذة طالب‮ (‬بنوا باجيمل‮) ‬يغويها فإن قفزتها طلباً‮ ‬لعلاقة حب هي‮ ‬أشبه بقفزة في‮ ‬الهواء‮. ‬بطلة الفيلم لم تمنح نفسها حياة عادية تمكنها من الفوز بفرصة ثمينة كهذه وبالتأكيد لابد أنها ستخسرها‮. ‬في‮ ‬أحد مشاهد الفيلم تتبادل والطالب الحديث عن موسيقى شومان من خلال كتابة نثرية وضعها في‮ ‬الفترة التي‮ ‬أخذ‮ ‬يخسر فيها رجاحة عقله‮ (‬نُشرت بعنوان‮ »‬غسق‮«) ‬واعتبرت آخر‮ »‬قبضة ممسكة بحافة الحقيقة والعقل‮« ‬قبل أن‮ ‬يفقد عقله تماماً‮ ‬في‮ ‬حوالي‮ ‬العام ‮٤٥٨١ (‬قبل عامين من وفاته‮) . ‬لا عجب أن هانيكي‮ ‬استخدم شومان لوصف حالة‮ ‬يعتبرها دالة‮: ‬إريكا تتأرجح بدورها بين عالمين ولو أنهما‮ ‬غير متساويين‮: ‬العالم المنطقي‮ ‬بدوره ليس طبيعياً‮ ‬او صحيّاً‮ ‬لكي‮ ‬تعرف كيف تحط فيه سالمة والعالم المنحرف الذي‮ ‬تستسلم إليه بعد الدوام هو الملجأ الوحيد أمامها‮. ‬
المُدان هنا هو كل شيء‮. ‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Oct 18, 2009

مهرجان القاهرة الدولي | حوار مع جورج كلوني | السينما التركية- الحلقة الأولى | كلمة إعجاب بفيلم »المسافر«٠

Year 3 | Issue 464
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cover Story
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Stilyagi/ Hipsters.


أختتم مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي دورة ناجحة (هي الثالثة) بحفل توزيع الجوائز التي شملت الأفلام الروائي الطويلة والأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة. واختطف الفيلم الروسي »مجانين صرعات« الجائزة الأولى بين الأفلام الروائية الطويلة. الفيلم كوميديا موسيقية تقع أحداثها في مطلع الخمسينات أخرجتها فاليري تودروفسكي، وهو أحد أفلام موجة روسية من الأفلام الشبابية الحديثة٠


هذا العدد
1
ماذا عن مهرجان القاهرة؟ محمد رُضا يقترح مديراً يتمتّع بوجهة نظر في الحياة الثقافية يتقدّم بالمهرجان عوض أن يستمر فيه
2
ميسر مسكي يكتب عن السينما التركية باحثاً في جذور الهوية الثقافية ومتواصلاً مع تطوّراتها الأولى
3
في سلسلة المقالات التي تتناول فيلم »المسافر« ، والتي بدأت منذ تمّت مشاهدته في مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي، نقدم رأي الناقد زياد عبد الله الذي يجده عملًا جديراً بالإحتفاء٠
4
حديث مفعم مع جورج كلوني الذي قابله محمد رُضا خلال مهرجان فنيسيا وحاوره حول أفلامه وآخرها »الرجال المحدقون بالماعز«٠


إفتتاحية | محمد رُضــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مطلوب مدير لمهرجان القاهرة لديه وجهة نظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمة الصائبة التي كتبها سمير فريد بخصوص مهرجان القاهرة السينمائي والمنشورة في العمود الأول من هذا العدد، تتطلّب تعليقاً كنت أود القيام به منذ مدّة والمناسبة الآن، مع تعليق الأستاذ سمير ومع اقتراب موعد انطلاق مهرجان القاهرة في دورته الجديدة، باتت مواتية٠

حسب قوانين الإتحاد الدولي لابد أن يحتوي المهرجان المنتسب الى الإتحاد، حسب معلوماتي، على فيلم محلّي جديد لم يُعرض في أي مناسبة خارج وطنه. في العام الماضي تم إختيار فيلم ضعيف للمناسبة كان لابد منه، وهذا العام هناك بحث عن فيلم ما يسد هذه الثغرة. لن يكون »المسافر« لأنه عُرض خارج بلد المنشأ، كما يوضّح الزميل، مع اضافة أن أحد المهرجانين اللذين استقبلاه (فنيسيا) عضو أيضاً في ذات الإتحاد. إذاً لابد من البحث عن فيلم آخر. إذاً المسألة ليست إنه إذا لم يتم عرض فيلم مصري جيّد لا يمكن القبول بفيلم ضعيف، لأن المسألة ليست فيها حريّة الإختيار٠

قبل أسابيع تحدّث المخرج مجدي أحمد علي عن أن فيلمه الجديد انتهى لكنه سيختار له المهرجان المناسب. المناسب لأي شيء؟ لا أدري، لكني أربط هذا الكلام بالمنتشر هذا العام ولسان حاله هو: ما الذي سيمنحه لي المهرجان من فائدة؟ إذا كان مهرجاناً عربياً فأسنتظر من يطلبه وحين يطلبه سأفرض شروطي- إذا كان مهرجاناً دولياً فإن لا شروط مسبقة لأن دوليّة هذا المهرجان وحدها هي شهادة كافية٠

وأعتقد أن هناك منتجين ومخرجين في مصر يفكّرون في هذه الطريقة. وأن هناك منتجون ومخرجون خارج مصر يفكّرون أيضاً بهذه الطريقة. ما يقودنا الى ما كتبته هنا (ولم يؤازرني فيه أحد من الزملاء الى الآن) ومفاده هو التالي: إذا ما فتحت المهرجانات العربية محفظتها لكي تدفع لقاء قبول الأفلام، وهذا ما بوشر بإتباعه منذ عامين، فإننا أمام سينما- سلعة قابلة للمساومة. السينما- السلعة كانت من أسس عمل المخرجين والمنتجين التجاريين (سينما المقاولات هو أسمها الآخر) لكن لومهم كان مثل رمي الحصى في البحر لأنهم موجودون في السينما لهذه الغاية ولأن أفلامهم لها مفهوم لا يختلف عن مفهوم بيع الرز واللحم والخضروات٠

كتبت هذا سابقاً وحذّرت متنبّئاً بأنه إذا ما كان الحال كذلك فإن مهرجانا مثل القاهرة سوف لن يقدر على عرض فيلم جديد واحد. وها نحن وصلنا الى هذه الحقيقة: المهرجان المصري العريق يبحث عن فيلم مصري يضمّه الى مسابقته الرئيسية٠

الذي قد يحدث الآن، وقد فشل فيلم أسامة فوزي »بالألوان الطبيعية« في أن يُعرض في مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي بسبب رداءة النسخة الآتية من أحد المعامل، هو أن يُختار للعرض في مهرجان القاهرة، وبذلك ينقذ الموقف- لكن هذا فقط إذا ما وافق صانعوه. ربما باتوا الآن ينظرون الى مهرجان دبي كبديل لأن قيمة جائزة مهرجان دبي أعلى من قيمة مهرجان القاهرة٠

الزميل سمير فريد يتعرّض في كلمته الى موضوع آخر مهم في ذات السياق: من يتولّى مهرجان القاهرة؟ هل السيد عزت أبو عوف هو خير من يفعل؟
الى الآن فإن أفضل فترات المهرجان كانت تلك التي أدارها المرحوم سعد الدين وهبة. هناك أكثر من سبب لذلك أهمها هي أنه كانت لديه وجهة نظر. وجهة نظر في الثقافة ووجهة نظر في الفن ووجهة نظر في كيف يمكن لمهرجان القاهرة أن يُفيد الثقافة والفن. وهو أوصل المهرجان من حالة مضطربة الى وضع جيّد ولو أن المهرجان لم يكن قد استكمل كل الإنجازات والمستويات التي كان يطمح اليها حينما توفي رحمه الله٠
منذ الثمانينات والى اليوم، لم يستلم إدارة مهرجان القاهرة شخصية نموذجية. بعض المدراء كانوا أفضل من بعض، لكن المهرجان كان في أفضل حالاته مسألة استمرار وليس مسألة تقدّم. الآن يكاد يصطدم بالجدار، إن لم يكن قد اصطدم به ولا أرى إنقاذاً له سوى البحث عن رجل مناسب للمهمّة ومن الضروري جدّاً أن لا يكون ممثلاً او مخرجاً سينمائياً. بل شخصية إعلامية من صفاتها أنها تتمتّع بوجهة النظر تلك مع باقي الصفات الرئيسية الأخرى: المعرفة، الثقافة، الحزم، العلاقات ولو على نحو غير متساو -إن كان هناك بد٠
لم لا يستلمه سمير فريد نفسه؟ لديه معظم هذه الصفات او ربما كلّها٠
أنا لست هنا في وارد التحبيذ والترشيح لكن يبدو لي أن سمير فريد هو أحد المنقذين القلائل الممكنين وأكثرهم معرفة سينمائية أيضاً٠
زملاء آخرون قد يرشّحون أسماءاً أخرى، وربما الحق معهم. المهم هو أن من سيلعب هذا الدور عليه أن يعرف أن مستقبل المهرجان بأسره متوقّف على قدراتهم احتلال المنصب للبناء وليس لمجرد التنفيذ حسب اللوائح. لا بأس إذا ما عادوا الى الماضي ودرسوا كيف تصرّف كل مدير سابق وما هي الأخطاء ولماذا تقع. ولا بأس إذا ما واجهوا الوضع من حيث تفضيل السينمائيين المصريين عدم الإشتراك بأفلامهم في مهرجان القاهرة وبحثوا في مسبباته ورسموا خطّة عمل من شأنها أن تقضي على تلك الموانع. لابد من خطّة ولابد من وجهة نظر تشمل الوضعين الثقافي والسينمائي كاملاً. المهرجان، أي مهرجان، لا يُقام وحده هكذا. إنه ليس مسلّة يُقام ببنائها في أحد الميادين لا تعني شيئاً لأحد. إنه علاقة عضوية مع كل ما يمكن أن يمثّله في السينما والثقافة من شأن: في الصناعة وفي التجارة وفي الفن وفي الفكر وفي الإبداع. والمهرجانات اليوم لا تتم بمعزل عن خطّة عمل تمارسها الوزارات جميعاً وتتفق عليها الحكومات والمؤسسات. ترايبيكا نيويورك أقيم لإعادة رد الإعتبار الى المدينة بعد حادثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. القرار فردي لكن العمل جماعي. مهرجان سان فرانسيسكو العتيد أقيم تعبيراً عن وضع المدينة في الحركة الشبابية في الستينات وربطاً لأميركا مع الموجات السينمائية في تلك الفترة. سندانس لتشجيع السينما المستقلّة. "كان" ليكون عيداً شاملاً ومهرجاناً للمخرجين، دبي لكي يشارك في النهضة الإقتصادية للمدينة وأبو ظبي ليكون تعبيراً عن النهضة الثقافية والفنية للمؤسسة الراعية وهكذا٠٠٠٠
المدير الجديد لمهرجان القاهرة (او حتّى الحالي إذا ما أريد له أن يستمر) عليه أن يتحرّك على هذه الصعد جميعاً رابطاً المهرجان بمناخ القاهرة. بكونها عاصمة عربية أولى ومركزاً كان له إشعاعه التاريخي والثقافي والفني ويستطيع أن يعيد هذا الإشعات لنفسه بخطوات من بينها إنجاز المهرجان الصحيح٠
آمل ذلك، فحبي لهذا المهرجان ولتاريخه ولشأنه، وحبي لمصر بصرف النظر عن اختلاف وضعها السياسي اليوم عما كان عليه بالأمس، يجعلني متحمّساً لمشاهدة مهرجان مُنافس ومتقدّم وليس مجرد مناسبة تجر نفسها من عام الى عام٠


دراسة | ميسر مسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما التركية... وفرة تلاشت و عودة روح واعدة (الجزء الأول)٠
موت الصنوبر الأخضر


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسرور بالغ استلمت »ظلال وأشباح« هذه الدراسة من الناقد الزميل ميسر مسكي تفتح ملف السينما التركية لكنها، كأي دراسة جادّة، تتناول في الوقت ذاته جوانب وتأثيرات مختلفة، منها السياسي والثقافي والإجتماعي خلال بحثها ذاك. هذه الدراسة كُتبت خصيصاً، ومع
جزيل الشكر، لهذا الموقع- م. ر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تاريخ و أزمة هوية ثقافية
في عشرينات القرن الماضي أسّسَ كمال أتاتورك الدولة التركية المُعاصرة على ما تبقى من أنقاض الإمبراطورية العثمانية التي كانت في زمن غابر مترامية الأطراف٠
و منذ اليوم الأول لتأسيسها لعبَ التاريخ و الجغرافيا و مفاهيم الحداثة أدوراً رئيسية في تعميق أزمة الهوية القومية والثقافية للأمة التركية. فالعثمانية كانت مفهوماً يجمع مكونات الإمبراطورية من شعوب و أعراق وديانات، لكن مع ظهور الفكر القومي في نهايات القرن التاسع عشر، تمّ إستبدال "العثمانية" الجامعة بالقومية التركية بخصوصيتها التي اُريدَ لها أن تنفصل عن كل ماضيها الشرقي و الإسلامي و أن تبحث عن إنتماء جديد أساسه المفاهيم الغربية الأوروبية. هذا الإنتماء المُستجدّ تجلى في كل مظاهر الحياة في الدولة التركية الحديثة. فالخط العربي اُستبدل باللاتيني. الإشتقاق القواعدي أصبح فرنسي الأساس. القبعة الغربية أزاحت، و بمرسوم رئاسي، الطربوش. مُنعَ الحجاب. و تركيا أتاتورك أصبحت جزءاً من منظومة الأحلاف السياسية و العسكرية الغربية. حتى التاريخ الطويل لإسطنبول كعاصمة للإمبراطورية العثمانية (وقبلها للبيزنطية) لم يشفع لها فاستعُيضَ عنها بـ أنقرة الحديثة التاريخ. رغم هذا لا تزال أسطنبول اليوم العاصمة المالية و الإقتصادية و الثقافية للبلاد.
تركيا المُعاصرة الخارجة لتوها من عزّ الإمبراطورية المتداعية ومآسيها و المودّعة للخلافة الإسلامية و جدت نفسها و من اليوم الأول في بحث دؤوب، لم يُحسَم بعد، عن هويتها و إنتمائها. و هو البحث الذي لا زال إلى يومنا هذا مكوناً أساسياً في الثقافة و الفن و المجتمع في تركيا، و عاملاً في تحريض الإبداع كما في تحريض الشقاق.
الأديب التركي الفائز بجائزة نوبل للآداب كتبَ عن هذا في عمله الشهير "إستانبول": "غرف
الجلوس و الإستقبال في البيوت التركية في الخمسينات كانت متاحف صغيرة صُممت لتبيّن للزائر المُفترض أن أصحاب البيت قد أصبحوا غربيين(...) لكن لا أحد كان متأكداً ما فائدة أن يكون المرء غربياً (...) فقط مع وصول التلفزيون في السبعينات بدأت هذه العروض الغربية الصغيرة في التلاشي. فقد أكتشف الناس متعة الجلوس سوياً بحرّية لمشاهدة فيلم على التلفزيون. لقد تحولت غرف الجلوس من متاحف صغيرة إلى صالات سينما صغيرة."٠

بعد أكثر من ثمانين عاماً على إصلاحات أتاتورك الجذرية لا زال السؤال قائماً في الثقافة التركية كما في صحافتها و توجهات مجتمعها: أين قلب تركيا و عقلها؟ هل هما في الإمتداد شرقاً نحو أعالي القوقاز حتى حدود الصين حيث يشكل التركمان أغلبية ترى في تركيا مرجعيتها التاريخية والقومية؟ أم هما في الإنفتاح نحو العالم الإسلامي الأوسع؟ أم أن أوروبا الغربية تبقى الحلم الذي راوغَ و تمنّعَ على الأتراك لما ينوف عن خمسين عاماً؟

السينما في تركيا كواحدة من تجليات الثقافة المُعاصرة عانت و تأثرت بهذا التاريخ القلق. فواقع الدولة العثمانية كان شديد الإضطراب منذ نهايات القرن التاسع عشر فقد خاضَ "الباب العالي" حربان مدمرتان في البلقان في أقل من عام، ثمّ جاءت الحرب العالمية الأولى بويلاتها و إنهيار الدولة العثمانية و من ثمّ حرب التحرير من الإحتلال الغربي و تلى ذلك الحرب العالمية الثانية التي بقيت فيها تركيا على الحياد لكنها تأثرت عميقاً بنتائجها.
لذلك فإن أرشيف السينما التركية و على مدى خمس و خمسين عاماً (1896-1945) لم يحمل إلاّ خمسين فيلماً من إنتاج تركي، أي بالكاد فيلم واحد في العام.
الأحوال بدأت في التغير عام 1952 حين اُنتج في ذلك العام وحده حوالي خمسين فيلماً تركياً. و قد ترافقت هذه الطفرة الأولى للإنتاج السينمائي التركي مع رخاء إقتصادي نسبي عمّ العالم إثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور النتائج الإقتصادية لتطبيق "خطة مارشال" التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية لإنعاش الإقتصاد الأوروبي المُدمّر بعد الحرب.
الطفرة السينمائية الثانية في الإنتاج السينمائي التركي جاءت مع بداية الستينات حيث أطلت ما دُعيت بعد ذلك بمرحلة "الصنوبرة الخضراء" و دامت حتى نهاية السبعينات تقريباً. في تلك الفترة بلغَ متوسط عدد الأفلام التركية المُنتجة حوالي ثلاثمئة فيلم في كل عام، و جعل ذلك من السينما التركية الثالثة في الكمّ الإنتاجي عالمياً، بعد السينما الهندية و الأميركية

Yeşilçam (The Green Pine) أيام الوفرة... و سنوات الجفاف!٠

٠"الصنوبرة الخضراء" (بالتركية "يشيل تشام") هو شارع قصير نسبياً في منطقة بويغلو النشطة إقتصادياً في قلب الطرف الأوروبي من مدينة أسطنبول. في هذا الشارع تركزت مكاتب الإنتاج السينمائي في أول الستينات كما إزدهرت صالات العرض السينمائي. في تلك المكاتب كان يتمّ تركيب توليفات سينمائية تستند في أغلبيتها إلى أفلام أميركية رائجة حينها، مع فارق أن الأفلام التركية جاءت رديئة الإنتاج فنياً و تقنياً لكنها كانت تلقى رواجاً كبيراً لدى شرائح واسعة من الطيف الإجتماعي التركي. بعض هذه الأفلام كان يُنتج في أقل من ثلاثة أسابيع، ويُقال أن بعضها كان يصل شاشات العرض في أيام لا تتجاوز السبعة من بدء عملية الإنتاج و التصوير الفعلي
أغلب هذه الأفلام قامت على حبكة ميلودرامية فاقعة وعلاقات ذات رؤى شديدة التقليدية عن المرأة و عذريتها وجرائم الشرف و غسل العار. و الرجولة بمفهوم الذكورة الجنسية. و أخلاق القرية النبيلة مقابل المدينة التي جسدت الإنحلال الأخلاقي. والبطولة الفردية الخارقة. و الخير المُطلق في مواجهة الشرّ المُطلق
ذلك التبسيط الساذج للحياة وجَدَ له جمهوراً واسعاً في الصالات الشعبية (و لا زالَ له جمهوره حتى اليوم و حتى في البلاد المجاورة، سوريا و العراق مثلاً، ممن يفهمون اللغة التركية، و ذلك عبر الإستعادات التلفزيونية لتلك الأفلام) ومن يتابع من سنوات القنوات التركية التلفزيونية الكثيرة لا بدّ أنه شاهدَ العشرات بل المئات من هذه الأفلام التي تُشكلّ اليوم العمود الفقري لساعات البثّ المخصصة للإنتاج التركي على تلك القنوات.
إن الجمهور، الذي حلم أتاتورك أن يصبح أوروبي الهوى بمراسيم رئاسية، كان لا يزال شرقي الهوى في أعماقه و لا وعيه المنتمي إلى مرجعية أجتماعية و أخلاقية و دينية عمرها من عمر الإمبراطورية العثمانية التي دامت خمسمئة عام بين عزّ و إنحطاط٠

شارع الصنوبرة الخضراء

في سنوات الستينات تلك إلتقى الإنتاج السينمائي العربي و التركي في إنتاجات مشتركة عديدة. فهزيمة عام 1967 كان لها مفاعيلها على الإنتاج القاهري الذي هَاجَرَ إلى بيروت حيث فيها كان يتم "تطبيق" حدوته سينمائية تقوم على الأكشن و ممثلات بمايوهات البحر و رهط من ممثلين أتراك و مصريين ولبنانيين و أحياناً سوريين. أفلام تعسة، صبيانية التنفيذ، ركيكة زعمت أنها تنتمي إلى نوع المغامرات. هذه الأفلام المشتركة الإنتاج لم تصل يوماً إلى شاشات العرض الأول لا في بيروت و لا في أسطنبول. فصالات شارع الحمرا كانت تقصر عروضها على الإنتاج الأميركي و الأوروبي. و صالات العرض الأول في أسطنبول كانت في الأصل محتكرة لشركات إنتاج و توزيع أميركية. لذلك إنتهت هذه الإنتاجات التركية-العربية المشتركة إلى صالات الشوارع الخلفية لساحة البرج في بيروت و صالات الأزقة في أسطنبول٠
رغم كل مساوئها بقيت أفلام مرحلة "الصنوبرة الخضراء" ترفد السينما التركية بمئات الأفلام سنوياً و بقي أمل بأن تتحسن نوعية هذه الأفلام. لكن في منتصف السبعينات جاءت الضربة القاضية للسينما التركية من التلفزيون الذي وَطدّ إنتشاره في المدن و الأرياف. كما أن البلاد عانت في تلك السنوات من قلاقل داخلية خطرة كادت أن تفرط عقد البلد. فقد تصادم اليمين و اليسار في شوارع المدن التركية و جامعاتها و استشرى العنف الدامي إلى درجة دفعت الجيش إلى التدخل و بسط السيطرة بقبضة حديدية. كل ذلك ترافق مع تضخم إقتصادي هوى بالعملة التركية إلى أدنى مستوياتها مما أفقـَرَ الكثيرين ممن كانوا يشكلون جمهور إنتاج مكاتب الصنوبرة الخضراء
جلس الناس إلى شاشة التلفزيون في منازلهم ففرغت صالات العرض السينمائي من جمهورها. و أغلقت مكاتب الإنتاج في شارع "الصنوبرة الخضراء" أبوابها و تحولت الصالات لعروض أفلام البورنو. و تلاشى عزّ أيام الإنتاج الكبير تلك و لم يبقَ منه إلا تلك الأفلام الباهتة الصورة و المضمون، التي تعرضها الفضائيات التركية اليوم.
أورهان باموك يضيف، في مقطع آخر من كتابه ذاته، عن ذلك الزمن: " في الخمسينات والستينات
كنتُ، مثل غيري، أحب أن أشاهد فرق الأفلام و العاملين فيها و الذين كانوا منتشرين في كل المدينة. كنتُ أحب مراقبة الباصات الصغيرة و عليها شعارات شركات الإنتاج، والمولدات الحرارية الضخمة التي تزود الموقع بالكهرباء، و أولئك القائمين على التصوير الذين كانوا يصرخون بأعلى من صوت المحركات الصاخب كلما نَسيَت ممثلة مُـثقلة بالمكياج أو ممثل رومانتيكي حوارهما، و أولئك العمال الذين كانوا يحاولون إبعاد الناس و الأطفال من موقع التصوير. بعد أربعين عاماً من ذلك الوقت إختفت السينما التركية لكنهم لا زالوا يعرضون تلك الأفلام بالأبيض و الأسود. و حين أشاهد على الشاشة الصغيرة مشاهد البوسفور والبيوت المتداعية و الحدائق تأخذني الكآبة و انسى أني أشاهد فيلماً، بل و أحس أحياناً أني أشاهد ماضيّ الشخصي."٠


فيلم | زياد عبد الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسافر لأحمد ماهر: قصّة حب في ثلاثة فصول




إلى أين مضى «المسافر»؟ وكيف لسفر هذا المسافر أن يقع في ثلاثة أيام، ولنقل ثلاثة تواريخ فاقعة وراسخة، وما إلى هنالك من صفات. تأتي الإجابة عاجلة في فيلم المصري أحمد ماهر وهو يقدم تجربته الإخراجية الأولى، وفي إنتاج جاء من وزارة الثقافة المصرية. وعلى شيء من الرهان، جعل الفيلم تحت رحمة وابل من النيران الصديقة وغير الصديقة، مع حالة استنفار كاملة حمّلته وزر فوز الفيلم الإسرائيلي «لبنان» في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي، كون «المسافر» من الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية ولم يستطع سرقتها منه! الأمر الذي لا يدفع إلا إلى توصيف هكذا مقاربة بالمضحكة حقيقة، وبما يدفع للرثاء والضحك في آن معاً٠

يطمح فيلم أحمد ماهر إلى تقديم ما يمكن أن يتبدى بداية فانتازيا بصرية، وحكاية مسكونة برهافتها وانفتاحها على جماليات بصرية، تتناغم فيها اللقطة مع الديكورات التي سنعثر عليها في سفينة يحوم فيها طيف فيدريكو فيلليني، وعلى شيء من «وتبحر السفينة» (1983) ولعل تقسيم الفيلم إلى ثلاث مراحل، مرتبطة بتواريخ مفصلية في تاريخ مصر والوطن العربي، يحيل إلى فعل مجاور، طالما أننا لسنا حيال تداخل بين الأحداث والتواريخ، فالسفر زمني وليس تاريخياً، والحكاية التي يرويها تدافع عن جمالياتها بمنطقها الخاص، بسحريتها، وانحيازها أولاً إلى اللقطة والسرد البصري المتناغم مع السيناريو٠

نعود إلى التواريخ الثلاثة، والتي تعني في الوقت نفسه أقسام الفيلم، 1948 : نحن أمام حسن (خالد النبوي)، وهو موظف في بريد قناة السويس، ينتحل شخصية فؤاد الذي تراسله فتاة أرمنية اسمها نور (نسرين عبدالنور) ععمرأجمل جميلات السويس، والتي وقع بغرامها كل الرجال، ويمضي إلى ملاقاتها على سطح السفينة التي عادت بها إلى مصر. وهنا يمضي الفيلم خلف كل ما له أن ينتمي إلى تلك المرحلة، من حيث الموسيقى والغناء والأزياء، وحسن يبحث عن نور إلى أن يقع عليها، فإذا بها تصدق بأنه فؤاد الذي مضى وقت طويل لم تره، لكنه سرعان ما يمضي إلى فظاظة ذكورية، تحت إملاءات إثباته رجولته، ومؤثرات قبطان السفينة ويمارس الحب معها كفعل اغتصاب، لكن سرعان ما يظهر فؤاد الحقيقي (عمر واكد)، وليتزوج من نور في الليلة نفسها٠

لا تتوقفوا عند منطقية الأحداث، دعوا الأمر للكاميرا وتنقلاتها أن تقودكم برشاقة وخفة، والتعاطي المكثف مع الزمن الافتراضي للفيلم، ومعها الأغاني التي توظف كعامل رئيس في ما نشاهده، فكل حدث يقع في لقطة، وعلى الأكثر في مشهد، والحكاية تمضي وفية لسحريتها، كأن يكون رد فعل حسن الوحيد على زواج نور هو في إجبار فؤاد على خلع البدلة التي استأجرها حسن في الأصل، ولتمضي زفة العرس وفؤاد في الثياب الداخلية. هذا مثال عن منطق السرد، ولن يمنع مخرج وكاتب الفيلم من جعل حسن يحرق حظيرة السفينة، لنمضي خلف لقطة ترمى فيها الخيول في البحر.

حسن هو بطل الفيلم والراوي، ونور ستبقى حب حياته الأوحد، لكن، وفي الجزء الثاني، أي في 1973 والذي تدلل عليه الأزياء وقصات الشعر والسيارات، وأغنية «والله زمان يا سلاحي» كإشارة سريعة إلى حرب أكتوبر، الأمر الذي لن يكون حاضراً بحال من الأحوال في الجزء الأول، بمعنى أن نكبة فلسطين تاريخ حاضر في خلفية الأحداث. عودة إلى الجزء الثاني، إذ يكفي اتصال هاتفي لأن تتغير حياة حسن، حيث سيقع على ابنته طبق الأصل عن أمها (نسرين عبدالنور مرة أخرى) التي تكون قد فقدت أخاها الذي رمى نفسه في بحر متلاطم بالأمواج أو ما تسميه «البير»٠

في هذا الجزء ما يمتع أيضاً، هناك ما يربط بين العرس والمأتم، مأتم الأخ الذي ينقلب إلى عرس تتزوج فيه أخته من صديقه المختل عقلياً، هناك ما يجعل من تنجيد الفراش طريقاً إلى حريق، وثمة ديكة تتصارع، وقبر يفتح، وآخر يكون قد نهب، وتجاور لصيق بين الحياة والموت.

مع دخولنا الجزء الثالث، يظهر عمر الشريف، وهو يهيمن على الشاشة بحضوره الطاغي وقد صرنا أمام حسن العجوز، والتاريخ 11 سبتمبر 2001 ، وهنا يلتقي حسن حفيده، وتتوقف الموسيقى والأغاني التي تلعب دوراً رئيساً في سردية الفيلم ومراحله التاريخية، ويستعاض عنها بالقرآن والأذان، والتركيز على الصلاة، ولعل كل ما نشاهده يكون في شهر رمضان، كما ليقول لنا الفيلم إن التديّن هو السمة الأساسية لهذه المرحلة. وإلى جانب ذلك، يأتي حفيد حسن بوصفه شخصية مهزومة، كل طموحه أن يكون مثل خاله الذي غرق في البحر، وجده حسن يدفعه إلى جرأة هو نفسه يفتقدها، لكن ما سيواجهه بعد الألفية الثانية سيكون مختلفاً، الناس أكثر شراسة ويمكن أن يتم الرد عليه بواسطة السيف، ثم سرعان ما تظهر طبيبة تجميل (بسمة) تهيمن الإنجليزية على حديثها. إنها الطبقة الثانية الطافية على سطح المشهد في مصر وربما في دول العالم الثالث، فإما أصولية متزمتة أو الانسلاخ التام عن المجتمع وما من خيار ثالث، ولعل جانباً مهماً يتبدى في هذا الجزء ألا وهو حالة الرثاء، تآكل كل شيء وتفسخه الذي تضيئه مشاهد كثيرة، وعليه، يبدو الفيلم في هذه المرحلة على شيء من الحنين، بحيث يلتصق الجزء الثالث بالواقع أكثر، كما لو أن يقظة واقعية سرت في شرايينه، من دون أن يمنع ذلك حسن من الخروج بحفيده من المستشفى، وهو لم يستيقظ من المخدر جاراً سريره، أو أن نكتشف بأن ولدي نور من صلب حسن وفؤاد سوية، بينما الطبيبة تحلل صورهم تحت وطأة بحث حسن عن سبب كون أنف حفيده كبيراً٠


مقابلة | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جورج كلوني يتحدّث عن فيلمه الجديد "الرجال الذين يحدّقون في الماعز"٠ ٠
"ما يبدو غريباً أكثر من سواه في هذا الفيلم هو ما حدث بالفعل"٠


في فيلمه الجديد »الرجال الذين يحدّقون في الماعز« نجد جورج كلوني يواجه وضعاً حرجاً للغاية: إنه يؤدي شخصية واحد من المتمتّعين بموهبة خارقة للعادة. في الأفلام الأخرى، هذا ما يحوّل البطل عادة الى »سوبر هيرو« في هذا الفيلم، لا تستطيع هذه الموهبة أن تساعده في الخلاص من الأسر اذا ما وقع فيه .... الا إذا حدث أن الآسرين كانوا قطيعاً من الماعز.... في هذه الحالة ما عليه الا أن يستخدم تلك الموهبة الخارقة للعادة: النظر الى الحيوانات (كل بدوره) الى أن تسقط ميّتة. القيادة التي انتمى إليها ذات مرة، في هذه الكوميديا الخارقة للعادة بدورها، تساءلت: إذا ما كان هذا الرجل قادراً على قتل الماعز بالتحديق فيها، الا يمكن له أن يقتل الجنود الأعداء بالطريقة نفسها وبذلك يكون بالإمكان ربح المعارك من دون سلاح؟
تصوّرَت، حسب أحداث هذا الفيلم، إنه بالإمكان ربح حروب بأسرها بطريقة قتل سلمية ولهذا الغرض أنشأت وحدة من الجنود الذين يتمتّعون بأشكال وأنواع مختلفة من القدرات٠

هناك شيء آخر يفعله جورج كلوني في هذا الفيلم الكوميدي الذي تقع بعض أحداثه في الكويت وعلى الطريق الصحراوي الى العراق. هناك ذلك المشهد الذي يتعرّف فيه والصحافي الذي معه (إوان مكروغر) الى عربي أسمه محمود (يؤديه اللبناني وحيد زعيتر) ويعتذر له. اللقطة بعيدة متوسّطة لكنها لا تحجب صدق انفعال جورج كلوني وهو يعتذر لذلك العربي عن موقف بلاده وعما حدث في وطن محمود من خراب. العقل، العربي على الأقل، قد يشطح بعيداً فإذا بالإعتذار يبدو كما لو كان متجذّراً في كل العلاقة غير المتعادلة التي تعرّض فيها العربي، في أكثر من مكان، الى معاملة مجحفة، لكنه على الأقل إعتذار من أميركي الى عراقي في وضع معيّن. لحظة لا كوميدية في كوميديا ساخرة (والي حد ما مجنونة وهاذية) حول مفهوم الحرب ونتاجات ذلك المفهوم في الواقع٠

وهذا الفيلم هو ما يعرضه في أيام مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي بعدما تم انتخابه مباشرة إثر عرضه في مهرجان فنيسيا، وبحضور جورج كلوني ولو أن هذه المقابلة لم تتم في أبو ظبي، بل في مقهى خال من الروّاد بعد ظهر يوم كسول فوق جزيرة صغيرة (جدّاً) في مقاطعة فنيسيا قبل أسابيع٠
فيها سيتحدّث كلوني مليّاً عن هذا الفيلم وعن نفسه وهذه المرحلة من حياته الفنية وعن تلك اليد التي كسرها والسؤال الذي لم يخطر له على بال٠

وصل في الوقت المحدد. لا تأخير ولا انشغالات، ولا أحاديث جانبية مع معاونين (لم يكن هناك الا السائق الذي انتظر بعيداً) ولا حتى استخدام الهاتف متى حلا له رغم انشغاله. هذا باستثناء مرّة واحدة حين رن له فيها مخرج ليعتذر عن أنه لن يلاقيه في الموعد المحدد لأنه لا يزال ينتظر وسيلة نقل تقلّه الى موعده الأول. هذا في الحقيقة ما منحنا وقتاً أطول من المعتاد لنتحدّث في أمور شتّى داخل وخارج السينما٠
هذه رابع جلسة مع جورج كلوني في خمس سنوات، والمنطلق دائماً هو الفيلم الذي انتهى منه. هذه المرّة فيلمه يتطرّق الى موضوع الحرب الأميركية في العراق. والسؤال الأول كان لابد أن يكون حول هذا الموضوع أيضاً


هل توافق على أن موضوع الحرب العراقية وموضوع العلاقات
العربية- الأميركية متوفّر في ثلاثة من أفلامك الى اليوم بدءاً
من »ثلاثة ملوك« ولاحقاً »سيريانا« والآن »الرجال الذين يحدقون
بالماعز«؟

نعم ولا أعتقد أن هذا أمراً سلبياً والشيء الطريف فيه هو أنك لو قرأت كتاب جون رونسن [مؤلف »الرجال الذين يحدّقون بالماعز"] ستجد أنه مبني على قصّة حقيقية. الأطرف من ذلك هو أن ما قد يبدو غريباً للمشاهد أكثر من سواه في هذا الفيلم هو الجزء الحقيقي من الأحداث٠ أي ما حدث بالفعل. أليس هذا شيء مجنون؟ الأكثر غرابة هو ما حدث بالفعل والأحداث التي قد تبدو معقولة هي تلك التي تم تأليفها٠

تقصد أنه كانت هناك وِحدة خاصّة مهمّتها استخدام الظواهر غير
الطبيعية لإنجاز انتصارات عسكرية؟

صحيح. هذا جزء من التاريخ العسكري الأميركي وكانت الغاية هي الإستعداد لاستخدام هذه الظواهر ضد وحدات مماثلة في جيوش الأعداء. ... أمر كاف لأن تضحك طويلاً لكن هذا ما حدث٠

البعض قد يتساءل ما علاقة ذلك بالحرب العراقية٠ هل هو موضوع
مهم مثلاً؟

بوضوح وبجدّية، يمكن اعتبار الماعز رمزاً لما فعلناه بالبشر في غواتانامو. هناك ناحية مهمّة وهي أن بعض أغراض اللجوء الى الظواهر غير الطبيعية كانت البحث عن كيفية تجنّب خوض المعارك بالأسلحة التقليدية والإستعاضة عنها باعتماد تلك الظواهر وبالتالي الإستغناء عن الحرب بأسرها. للأسف السعي الى السلام قاد لتعذيب الناس في غوانتانامو٠

الأفلام السابقة التي تناولت الحرب العراقية لم تحقق نجاحاً يُذكر٠
هل تعتقد أن الأمر سيختلف تجاه هذا الفيلم؟ لماذا قد يختلف؟

تلك الأفلام التي خرجت عن الحرب العراقية لم تكن لتنجح على أي حال. كلنا شاهدناها ونعرف كيف عالجت المواضيع التي أقدمت عليها. المشكلة هي أنك لا تستطيع أن تخطب في الناس حول هذا الموضوع... حتى ولو أردت أن تعكس ما يدور من دون وجهة نظر معيّنة فإن المسألة صعبة. بالتالي الكوميديا الساخرة هي أفضل طريقة لمعالجة هذا الموضوع. ذكرت »الملوك الثلاث« ذلك الفيلم نجح الى حد معيّن وأعتقد أن الفيلم الجديد لديه ذات النوع من السخرية. إنه عن لا عقلانية بعض الأمور التي قمنا بها كدولة وبالتأكيد كقوّة عسكرية٠


من فيلمه المقبل "في السماء«٠

لقد قمت بتمثيل أنواع مختلفة من الكوميديات. هذا الفيلم يختلف مثلاِ
Leatherheads عن فيلمك السابق
وأعتقد أنه يختلف عن فيلمك الكوميدي المقبل
Up in the Air
الذي لم أشاهده بعد، ما يجعلني أتساءل عن كيفية التطرّق الى أنواع
مختلفة من الكوميديا

Up in the Air
ليس فيلماً كوميدياً في الحقيقة. إنه دراما إنما م أشياء طريفة عديدة تحدث فيه، لكنه ليس كوميديا. »الرجال الذي يحدّقون بالماعز« صُمّم ليكون كوميديا منذ البداية على نسق فيلم »كاتش 22« [كوميديا عسكرية ساخرة أخرجها سنة 1970 مايك نيكولز- المحرر]. ساخر بالتأكيد لكن في صلب الموضوع هو قضيّة جادّة جداً٠

هل يسرّك تمثيل أفلام كوميدية؟
نعم. أستمتع بها وبالتأكيد نجحت في عدد كبير منها وفشلت في عدد آخر. لا أعتقد أن هذا له علاقة بنوعية الكوميديات التي مثّلتها ... او ربما له علاقة لا أعرف. لكني أريد ايضاً الرجوع الى شيء آخر ذكرته حول افلام العراق. هذا الفيلم ليس واحداً منها. بعض أحداثه تدور في الطريق الى العراق كما لابد تعرف، لكنه ليس عن الحرب العراقية وليس عن العراق مطلقاً. إنه عن سخافة الحرب وسخافة بعض ما قمنا به من أعمال او تصرّفات٠

بدأ كل شيء في عهد الرئيس ريغَن. أليس كذلك؟
أعتقد بدأ قبل ذلك العهد. كنت شاباً صغيراً حين عانى الجيش الأميركي من جرّاء الحرب في فييتنام. عانى من نظرة المدنيين اليه ومن عدم قدرته على إنجاز إنتصار ومن السمعة التي علقت به جرّاء القوّة العسكرية التي سقط مدنيون بسببها.... كل شيء. كان البعض يحاول أن يُعيد تأسيس وجهة نظره في اميركا. البعض شعر أن علينا أن نقيّم ما حدث ونستفيد منه. أن نتجنّب تكراره ... لكن هذا لم يحدث. ليس بالصورة الكاملة٠

أنا معك بالطبع. ليس »الرجال الذين يحدّقون في الماعزش عن الحرب
العراقية بل عن مفهوم الحرب في كل مكان، لكني حاولت أن أعرف
رأيك بالأفلام التي تناولت الحرب العراقية ولم تحقق أي نجاح

سأخبرك. هذا ما أعتقده. كوني جاهرت بموقفي طوال سنوات وأنجزت أفلاماً مثل
"Good Night, Good Luck" و "Syriana"
فإنني لا أجد جديداً الحديث في هذا الموضوع مرّة أخرى: أعتقد أن الفشل جاء نتيجة عاملين. مشكلة تكمن عند كل طرف من المسألة. ذلك الطرف الذي مع الحرب وذلك الطرف المعادي للحرب. هذه المشكلة هي أنا على حق وأنت غبي إذا لم تكن تؤمن بما أؤمن به. هذا المبدأ يتولاّه كل طرف ويواجه به الآخر، لذلك لم نصل الى نتيجة. لذلك بقيت الحرب العراقية سجالاً من دون نتيجة حاسمة عند الرأي العام الأميركي. حين تم تحقيق أفلام عن الحرب الفييتنامية حدث ذلك بعد سنوات من نهاية تلك الحرب. لكن من الصعب أن تحقق أفلاماً عن حرب لا زالت دائرة. لذلك كان قرارنا فيما يخص هذا الفيلم هو أنه إذا ما تحدّثنا عنها، فسنتحدّث عنها جزئياً٠

هل ضرب كلوني براد بت؟

سمعت أن السيناريو كان مرمياً منذ سنوات في الأدراج
هذا صحيح. كان أحد تلك السيناريوهات التي ترد في لائحة "أفضل السيناريوهات التي لم تُنجز أفلاماً". كان ذلك من العام 2006 او نحوها. اشتريت حقوقه قبل عامين بعدما اعجبني وأخذنا، المخرج غرانت هسلوف وأنا أدركنا أن المشروع لا يخلو من الصعاب. ليس النوع الذي تبحث عنه هوليوود لكننا حضّرناه جيّدا وأعتقد أن غرانت أنجز فيلماً جيّداً

لقطة من »المحدّقون في الماعز«٠

تعرّض السيناريو لإعادة كتابة؟
سؤال جيد. عملنا مع (كاتب السيناريو) بيتر ستراغون وهو كتب نسخاً مختلفة من دون أن يغيب عنها جوهر العمل في نظري وهو: كم أن الحرب سخيفة٠لكن طوال الوقت كنا أشبه بالباحثين عن سبب للمشروع وسبب لما يحدث فيه. كان كل شيء في الحقيقة جاهزاً بإستثناء أننا كنا نبحث عن وسيلة او لون معيّن نستطيع أن نبني عليه كل شيء. لكن كل ذلك لم يدفعنا لتغيير الكاتب. في أحيان كثيرة، وأنا واثق من أنك تعرف ذلك، يقومون بتغيير الكاتب ويستعينون بثلاثين كاتب كل واحد يضع قدراً من منهجه او فكره في السيناريو وفي رأيي أن تأثير ذلك سيء فعلاً٠

كيف تتعامل مع الإعلام والإعلاميين والصحافيين والمصوّرين؟
ذلك الجو الإحتفائي الذي شهدته حين وصلت الى فنيسيا مثلاً

كنت محظوظاً جدّاً إذ وصلت بعد أربع دقائق من وصول هوغو شافيز الى مطار فنيسيا. لم أكن أريد أن أظهر جنباً الى جنب معه (يضحك) يكفيني ما يُقال عنّي. حين وصلت وجدت أن معظم المصوّرين انشغلوا ما ساعدني على التسلل الى التاكسي من دون أن يلاحظنا كثر٠

المهرجان بأسره كان حفلاً سياسياً: فيلم مايكل مور، فيلم أوليفر
ستون، فيلمك، وصول هوغو شافيز... الفيلم الإسرائيلي... هل
شاهدته؟

ليس بعد ... ولا تنس فيلم الإفتتاح [»الريح« لجوزيبي تورناتوري]٠

ما الذي حدث ليدك المضمّدة؟

أنغلق عليها باب السيّارة. أعرف هذا ليس منظراً لنجم سينمائي. لكن لنشع أنني كسرت يدي حين كنت أضرب براد بت.... لقد نشر هو هذه الشائعة (يضحك)٠

من هو المخرج غرانت هسلوف؟

نحن أصدقاء منذ فترة. تعرّفت عليه في صف دراسة التمثيل واستدنت منه مئة دولار حينها لكي أستأجر مصوّراً لأني كنت مفلسا. المهم أن غرانت كان الوحيد بين طلاب الصف الذي لم ينقطع عن العمل. كنا جميعاً نبحث عن الفرص وكان هو الذي يتلقاها. كان يمثل بينما كان لا يزال يدرس. لكنه بعد سنوات لاحظت أنه ترك التمثيل وانصرف الى الكتابة والإنتاج والإخراج وحينما بدأت شركتي اتصلت به وعرضت عليه أن يعمل على مشاريع تلفزيونية وحققنا مشروعين أنا فخور بهما٠

قرأت أسمه منتجاً لفيلمك »تصبحون على خير، وحظاً سعيداً« الذي أخرجته
أنت٠٠٠

نعم، لكن هناك حكاية. هذا الفيلم من إنتاج الشركة التي أسستها مع المخرج ستيفن سودربيرغ وغرانت هسلوف شارك معنا في إنتاج هذا الفيلم لكنك لا تقرأ سوى أسمه كمنتج وهذا لأنني اتصلت بستيفن ذات يوم وقلت له: أنت لم تنتج هذا الفيلم. اليس كذلك؟ قال: لا ولا أنت أنتجته. واتفقنا أن نلغي أسمينا كمنتجين. والحقيقة أن غرانت قام أكثر منا بمهام الإنتاج وكان يستحق البقاء وحيداً في هذه الصفة٠

هذا غريب الى حد لأني أعلم أنه لولاك لما تم هذا الفيلم أساساً٠
إنه فيلم خاص تطلّب نجماً لتبنّيه٠

صحيح، لكن المنتج في نظري هو الذي يهتم بالعمل الذي ينتجه كل يوم. لقد أخرجت الفيلم وكنت حاضراً كل يوم تصوير. لكن غرانت هو الذي كان حاضراً كذلك وهو الذي اهتم بكل شؤون الإنتاج على نحو يومي. بالفعل لا أنا ولا ستيفن سودربيرغ غطّينا هذا المجال كما فعل هو٠

رومسفيلد في فيلمه المقبل
تقريباً كل أفلامك الأخيرة، تلك التي أخرجتها او تلك التي اكتفيت
بإنتاجها وتمثيلها مأخوذة من وقائع حقيقية: "تصبحون على
خير"، »رؤوس جلدية"، "سيريانا" من قبل و فيلمك الأول كمخرج
وهو »اعترافات عقل خطير«، وهذا الفيلم الجديد، والفيلم الذي
انتجته من بطولة مات دامون، »المخبر«، كلها مأخوذة عن وقائع
حقيقية. لماذا؟

بصراحة، لم أفكر في ذلك الى أن طرحت أنت هذا السؤال. لم يواجهني أحد بسؤال حول هذا الموضوع. أعتقد هذا يأتي مع الإستقرار والنمو في هذا البزنس. كمنتج في البداية تريد أن تشتري المشاريع من آخرين. حين تثبت قدميك وتنمو تبدأ بطرح مشاريعك التي تريد فعلاً أن تحققها وتقوم بكتابتها او بالإشتراك إبداعياً فيها. لكني لم أفكّر في الموضوع على النحو الذي أشرت إليه. هذا مثير (يصمت لحظات مفكّراً). ربما ستتعجّب أكثر حين تعلم أن المشاريع التي أعمل عليها الآن هي أيضاً مقتبسة عن وقائع. هناك فيلم سأدخل تصويره مخرجاً حول حياة وزير الدفاع رومسفيلد. ونطوّر مشروعاً حول الرهائن الأميركية في طهران... وهذا آيضا قصّة واقعية. ربما لأننا نحقق الآن ما نريد تحقيقه فنختار من عناوين الصحف ومن الأحداث ما يثيرنا. لكن ربما عليّ أن أبحث من باب التغيير عن فانتازيا... فانتازيا عجيبة

ما هي المشاريع التي تقوم بالعمل عليها الآن؟ ما هي أنواعها؟

هناك فيلم »أرغو« الذي أخبرتك عنه حول الرهائن في ايران، لكنه كوميدي.... كوميديا كبيرة بالفعل... هذا يعيدني لما بدأنا الحديث به... نحن في مرحلة علينا أن نتحدّث عما يدور لكن من الأفضل أن نعالجه كوميدياً٠

أي رهائن تحديداً تتحدّث عنها؟

قبل سنوات لجأ خمسة أميركيين يعملون في السفارة الأميركية في طهران الى السفارة الكندية واختبأوا فيها لستة أشهر، وذلك حين تم أخذ رهائن أميركيين بالفعل. الطريق الوحيدة لنجاة هؤلاء كانت اللجوء الى السفارة الكندية والبقاء فيها. لكي يضمنوا خروجهم وضعوا اعلاناً في مجلة »فاراياتي« يقولون فيه أنهم يصوّرون فيلماً كندياً وطلبوا فريق عمل كندي وحين وصل الفريق تسللوا معه الى الخارج... أليس هذا طريفاً؟ السيناريو ذكي جدّاً٠
ولدي فيلم عن الوضع في بوليفيا مأخوذ أيضاً عن وقائع وهو كوميدي. ثم »حمدان ضد رومسفيلد« وهو عن محاكمات غواتانامو٠

ولديك فيلم تريد تصويره في ايطاليا ... صحيح؟
نعم

ولا زلت تعيش على ضفاف بحيرة كومو قرب سويسرا٠
نعم

كيف تستطيع أن تكون نشطاً في هوليوود بينما
تعيش في ايطاليا. كثيرون حاولوا العيش خارجها
والنجاح داخلها في الوقت نفسه وفشلوا

أدعو أصدقائي ورجال الأعمال لزيارتي في الكثير من الأحيان. أفضل شيء فعلته في حياتي هو شراء ذلك البيت على البحيرة. أصدقائي يزورونني هناك وهو نوع من الحياة القديمة. آل غور نزل عندي. كثيرون٠

مع منزل كهذا ... هل تحتاج الي عطل؟

يضحك: لا أعتقد٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Oct 13, 2009

السيناريو وفلسفة الفيلم- الأخيرة | الإسكندرية ليه... ليه؟ | مهرجان الشرق الأوسط

Year 3 | Issue 463

إضافة: يوميات | لديك بريد

Cover Story


ينطلق اليوم (الخامس عشر من تشرين الأول/ أكتوبر) مهرجان روما في دورته الثالثة بقائمة من الأفلام الرئيسية. ومثلما فعل مهرجان فنيسيا قبله، فإن التركيز على السينما الإيطالية التي تُبدي نشاطاً ملحوظاً هذا العام٠ أحد هذه الأفلام هو
L'Uomo Che Verra | الرجل الذي سيأتي
للمخرج الجديد جيورجو ديريتّي والذي تقوم ببطولته مايا سانسا (الصورة)٠



يوميات | 16/10/09
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زحمة مهرجانات

قراءة اللائحة التي وضعها الناقد سمير فريد حول المهرجانات العربية السبعة التي انطلقت خلال الأسابيع الأربعة الماضية، تكشف عن أن ما يُصيب المهرجانات الصغيرة والمتوسّطة من تلاطم في مواعيدها هو مماثل لما يُصيب تلك الكبيرة: سبعة مهرجانات للسينما ما بين الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر الى الثاني عشر من تشرين الأول/ أكتوبر من بينها مهرجان تونس الدولي الثالث ومهرجان الجزائر الدولي الأول، ومهرجان الشرق الأوسط في بيروت ومهرجان طنجة السابع في المغرب وتحتوي كذلك على مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي الذي تنتهي أعماله يوم غداً٠

كل واحد من هذه المهرجانات لديه جمهور مؤلّف في أضعف الحالات من هواة السينما المحليين، وفي أفضلها ممن تمت دعوتهم للحضور من خارج المنطقة المحلّية. وفي حين أن المرء لا يسعه الا النظر الى الجوانب الإيجابية في هذا الإنتشار، الا أن الجوانب السلبية هي أيضاً موجودة وفي ملامحها أن الإكثار من المهرجانات العربية في شهر واحد (ثم في موسم واحد إذ لا يزال هناك كم منها للشهرين اللاحقين) يشبه ذلك الحلاق الذي كان أوّل من فتح دكانه في الشارع فإذا بحلاقين منافسين يفتحون دكاكينهم وفي الشارع ذاته٠
هناك ميزة أن يأتي مهرجان ما في هذا الجزء الأخير من العام وهي أنه يأتي مع نهاية السنة ما يُتيح للمهرجان الواحد جمع كل ما يمكن جمعه من أعمال تم إنتاجها للعام. إقامة مهرجان في الربع الأول من كل سنة يعني أنه سيعرض أفلام العام الماضي. في الربع الثاني، يعني أنه سيعرض أفلام العام الماضي وربما ما لم يكن جاهزاً لنهاية العام الماضي، والصيف عدو المهرجانات، فلا يبقى سوى هذا الجزء ما بين الخريف والشتاء مع نهاية السنة٠
لكن لكل مشكلة حل بالنسبة لهذا الموضوع. وإقامة مهرجان ربيعي يجب أن يكون أمراً منشوداً إن لم يكن لشيء فبغاية الإبتعاد عن هذا الحشد المزدحم من مهرجانات الفترة الحالية٠

واليوم الذي انتبه فيه العديد من المخرجين العرب الى قيمة التحوّل الى أصحاب دكاكين بداعي أن المخرجين لهم حق في الإستفادة من المهرجانات عن طريق تأجيل أعمالهم واللف بها على من يدفع فيها لعرضها، فإن المهرجانات الصغيرة مدعوّة، وهي لا تستطيع بالطبع تلبية شروط المخرجين الباحثين عن الخلود المادّي، الى التمدد عبر أيام السنة كلّها وربما مع إدارة ذات منظور ثاقب وثقة بالنفس يستطيع بعضها الرحيل الى أي من الأشهر الخالية او شبه الخالية٠


لديك بريد

...........................................................................................
السيناريو ورومان بولانسكي

من: سمير عوض

سلمت يداك يا أخ محمد على هذه السلسلة من الكتابات بخصوص كتابة السيناريو وهي بالفعل مختلفة ولا تعمد الى صيغة التعليم والإرشاد بل تتحدّث بلغة مفهومة وقريبة ومن يريد المباديء الأساسية فهناك كتب منشورة يمكن الرجوع اليها

عندي سؤال بالنسبة لموضوع رومان بولانسكي. لقد لاحظت اختلاف وجهات النظر بين ما كتبته أنت عن هذا الموضوع وما كتبه الناقد هوفيك حبشيان. فأنت تدعو لتطبيق القانون وهو يدعو للعفو عن المخرج لقيمته ومكانته الخ... لكن مقالتك لا تذكر شيئاً عن هذه المكانة التي حصل عليها المخرج بأعماله الفنية الكبيرة. هل تستطيع أن تتحفنا بمقال حول سينما هذا المخرج ٠خصوصاً وأنني حسب علمي ليس هناك مقالات عربية كثيرة حوله

جواب | شكراً للتحية أخ سمير أرجو أن تكون الحلقة الرابعة أعجبتك أيضاً. موضوع رومان بولانسكي فيه وجهتان للنظر عبّرت أنا عن واحدة والزميل هوفيك عبّر عن أخرى. ونعم لا تذكر مقالتي شيئاً عن هذه المكانة لأنها لم تكن تقصد أن تفعل ذلك وسيكون لي مقال حول سينما بولانسكي في خلال الأيام القليلة المقبلة إن شاء الله. مع العلم أن هذه القيمة فنيّة بينما وضعه الحالي وضعاً قانونياً وعليه، من وجهة نظري، أن يتحمّله وإن كنت أدعو الى النظر الى سنوات عمره ببعض الرأفة وأعتقد بأن هذا هو ما سيحدث بالفعل٠

روكي والسينما الآسيوية
من: إبراهيم ملهم (عدن)٠

أشكرك على قبولك لي وتشجيعك لي. أريد أن أذكر أن ما قلته بخصوص الفيلمين »غلوريا« و»سيدة الإنتقام« أن الوالد يتّفق معك وهو كان يقصد التشابه بشكل عام بالأجواء وبطولة إمرأة. ثانياً، أشكرك على قبول طلبي بشأن »روكي« وأنا بإنتظار المراجعة على أحر من الجمر
أخيراً أريد منك رأيك في أفضل مخرجي آسيا في الوقت الحالي، مع ذكر أفلامهم. أنا برأيي أن زانغ ييمو الذي أريد مراجعة له (وأعتقد إنني زودتها حبتين هههه) وشكراً جزيلاً

جواب | سعيد أن الموضوع أعجبك وقريباً ستجد مراجعة لأفلام »روكي« وأرجو أن لا يصدمك تقييم بعضها٠ بالنسبة للموضوع المقترح سيتطلّب الأمر بعض الوقت كون الجدول الزمني للمواضيع يتم إرساءه شهر قبل النشر الا في حالات مستعجلة او بالنسبة لمثل هذه الزاوية التي لا يمكن التخطيط لها٠
شكراً للتواصل وتستطيع أن تزوّدها قدر ما تستطيع٠

القٌبلة في السينما العربية
من: عشاق السينما
مدوّنة متميزة للغاية، ملحوظة الفيلم الذي جمع برلنتي عبد الحميد وشكري سرحان ومن إخراج يوسف شاهين هو »نداء العشاق«٠

جواب | شكراً للتصويب وأهلاً وسهلاً بك في هذا النادي٠

من: صالح الديري
أنت لا تكتب كثيراً عن السينما العربية او المصرية لذلك فإن كتابتك عن موضوع القبلة في السينما العربية هام. من خلال أن الموضوع هام لوحده ومن خلال أنه عن السينما العربية. المطلوب الإكثار من هذه المواضيع وشكرا٠

جواب | بعدي عن المنطقة يضطرّني الى التقليل من الكتابة في شأن التيارات السينمائية العربية بلا شك. لكن هناك فوائد عديدة في الوقت ذاته من بينها أنه حين أكتب عنها فإنني أمنحها كل ما عندي من جهد ودراية لعلمي بقيمتها. شكراً للتحية ولنا وقفات أخرى جديدة على هذه السينما٠


هذا العدد

يختم محمد رُضا سلسلة مقالاته عن السيناريو بواقعة خاصّة | يستعيد الناقد أحمد فايق فيلم يوسف شاهين »الإسكندرية ... ليه؟« بقراءة نقدية جديدة | يعرض زياد عبد الله في مراجعته الأولى وقائع الأيام المبكرة من مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي |٠


السيناريو وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
..............................................................................................
الحلقة 4

حدث ذات كوميديا ٠٠٠٠

إذا كنت تعرف السينما قبل معرفتك الكتابة، فإنت أفضل ناقد للسيناريو الذي كتبته٠
إذا كنت تعرف السينما بمعنى المعرفة الثقافية العامّة كما في معناها التقني والتنفيذي فإن أول من يجب أن يقرأ وينتقد السيناريو الذي كتبته هو أنت. ولا تخشى أن تنتقد نفسك حتى ولو شعرت أن السيناريو الذي ألّفته لا يصلح لما كان في بالك او أنك بحاجة لتعدّل فيه٠
بعد ذلك أعرضه على من تعلم أنه يعلم شيئاً مماثلاً عن السينما من الأصدقاء واعرضه على شخص واحد لا يعرف الكثير. حاول أن تكون النخبة التي تقرأ السيناريو متنوّعة مع غلبة لمن هم قادرون فعلاً على النقاش سينمائياً، وكل هذا قبل أن تبعث به الى المنتجين. وحين تبعث به الى المنتجين لا تتوقّع الكثير. في هذه الأيام السيناريوهات الرديئة هي أكثر عدداً من السيناريوهات الجيّدة والمنتجين المنتشرين يختارونها لأنها تلبّي نداء الجيب وليس نداء القلب٠
هل تذكرون ما قلناه هنا في المرّة الماضية: أختر أي نوع من السينما تريد وادفع الثمن: إما أن يكون الثمن هو تأخر وصولك مع محافظتك على كبرياء الموضوع وأفكارك او إتجه تجارياً فيكون الثمن ذلك الكبرياء وتلك الموهبة والأفكار وكل ما اعتقدت نفسك أهل له في البداية٠

في العام 2006 طلب منتج عربي من كاتب سيناريو زميل بأن يضع له سيناريو فيلم ما. وضعه ذلك الزميل المعروف عنه أنه جد أباتو الشرق الأوسط ولم يعجب المنتج فأحاله لي وطلب مني تصليحه. قرأته وأخبرت المنتج أن السيناريو بأسره بحاجة لإعادة كتابة وإذا ما قمت بذلك فسيكون مفهوم الفيلم (وهو من النوع الكوميدي) جديداً كما أن العديد من الأحداث ستتغير. بكلمة واحدة: السيناريو المكتوب لن غير قابل للتصليح. الأفضل إلغاءه والكتابة من جديد. وافق. كتبت. بعد شهر عرضت عليه السيناريو، بعث به الى مخرج أعرفه. أعجب المخرج (مع تحفّظات) فطلب مني المنتج السفر الى حيث يُقيم المخرج وإنجاز نسخة نهائية٠
المخرج هو سينمائي جيّد ونحن معاً إنتهينا من وضع سيناريو قائم على السيناريو الذي كتبته يجعلك تضحك وأنت تقرأه. طريف وذكي وفيه لمسات جديدة من دون أن تكون مغتربة تماماً. مثلاً هناك مشهد يدخل فيه مدير مؤسسة كبيرة مكتب شريكه ويجلس قبالته على المكتب ليبحث معه أمراً يعتبره بالغ الأهمية: إنه يريد أن يطلب يد إبنة شريكه لإبنه. المدير الآخر، الجالس في مكتبه، لا يصدّق أذنيه. لقد دخل قبل هذا الشريك شريكهما الثالث وطلب منه تزويج ابنته لإبنه. تصوّر الوضع في لحظته٠
السائد أن يتوقّف الكاتب عند هذا القدر من المادّة لأنها مثيرة للضحك بحد ذاتها. لكن ذلك لم يكن كافياً عندي. أردت المشهد أن يكون بالغ الجدّية، لأنه في حد ذاته جادّاً. لماذا؟
حين تكتب الكوميديا يجب أن تضع في البال أن الشخصيات التي تقوم بالإداء فيه لا تعرف أن المشهد كوميدياً بمعنى أن عليها أن تتصرّف بما يعبّر عنه المشهد ويعكسه من جديّة طرح فلا تتصرّف على أن الكوميديا التي في بال الكاتب او المشاهد. وفي هذا المشهد فإن العملية جادّة جداً على طرافتها التي يعرفها الكاتب والمشاهد: مدير في مكتبه يدخل عليه شريكه الأول طالباً يد إبنته وبعد خروجه بقليل يدخل عليه شريكه الثاني طالباً منه يد إبنته أيضاً (طبعاً في السيناريو الذي كتبته مشهداً فاصلاً ومن الأفضل أن يكون لإثبات واقعيّة الحدث) لن يضحك المدير مطلقاً الا إذا خطر له أن شريكيه يمزحان معه وهو يعلم هنا أنهما لا يمزحان.... لماذا إذاً على هذا المشهد أن يبتكر الضحكة إذا ما كانت واصلة عبر طرفة الحدث؟
إذاً كتبت المشهد على نحو يحمل جديّة التصرّف علماً بأنه كوميدي. الآن لكي أكسر حدّة الجانب الجدّي أردت شيئاً آخر يقع في الوقت نفسه واقترح المخرج وضعاً بدا لي مناسباً جدّاً. وراء ظهر المدير (والد البنت) نافذة زجاجية كبيرة سيقوم عامل التنظيف المتدلّي على سقّالة بتنظيفها. العامل لا يستطيع أن يرى الى الداخل، لكن هذه التفصيلة ليست مهمّة لأن العامل لا علاقة له بما يدور داخل المكتب على أي حال، ونراه في البداية وهو يهبط على السقّالة من فوق. تظهر بالتدريج وتهبط حتى يبدو كاملاً ويختفي الى تحت. ثم تصعد السقالة بعد قليل من دونه. هنا، سينتبه المشاهد ويتساءل ماذا حدث له؟ هل سقط؟ ترتفع السقالة الى أعلى ثم تهبط من جديد وهو عليها. هنا لابد أن يضحك من ينتبه الى سوريالية المشهد. وهو مشهد يراه شريك المدير الجالس قبالة النافذة فتتسع حدقة عينيه، لكن جدّية الحوار بينه وبين شريكه يمنعه من التعليق٠
حين تهبط السقّالة نرى عامل التنظيف جالسا عليها وظهره الى النافذة ينظر الى الفضاء أمامه ويدخّن سيغارة. قبل نهاية الحوار بين الرجلين وخروج الشريك مع وعد من المدير بأنه سيبحث الأمر مع إبنته، يكون العامل انتهى من التدخين ثم وقف على قدميه وأخذ يغطّي النافذة سريعاً بالصابون مانعاً رؤية من في داخل الغرفة الى الخارج. طبعاً المدير الذي كان جالساً وظهره الى النافذة لم ير أي من هذه التفاصيل، وهو أوّل ما يخرج شريكه يقف على قدميه مصدوماً ويستدير نحو النافذة لينظر خارجها كحاجة الكثيرين منّا في مثل هذا الموقف آملين في النظر الى الفضاء البعيد استلهاماً ، لكنه يفاجيء بالنافذة وقد غطّاها الصابون فباتت مثل جدار٠

أعتبرنا أن المشهد بذلك يحقق الغايات الكوميدية مزدوجة ومن ناحية أخرى يرفع القبّعة للسينما الكوميدية الصامتة. وحين انتهى السيناريو بعثنا به الى المنتج الذي اتصل بنا وأبدى ملاحظته: "لم أفهم شيئاً". مع هذا التعليق أدركت أن الخطأ في الصورة هو كم كبير من التقليد الأعمى في السينما العربية يجعل المنتج يخشى من أي تجديد٠
السيناريو عاد الى الكاتب الذي أعاد كتابة السيناريو على هواه واضعاً عملاً تقليدياً -على صعيد الكتابة- لا فن فيه ولا جماليات حدثية ولا إشكالات محببّة٠٠٠٠ سيناريو قررت معه أن يتم حذف إسمي فاستجاب المنتج للطلب ولو أنه كتب اسمي كمؤلف للقصّة٠

أنتهى




استعادة | أحمد فايق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسكندرية ليه ثلاثية المدينة والفتى المراهق والفيلسوف الناضج


أن تجلس عاريا بالقرب من امرأة دون أن تشغل بالك بأن تقع عيناها على ما بك من عيوب.. فبالتاكيد أنت تعشق هذه المرأة، فى حياة يوسف شاهين كانت السينما هى تلك المرأة التى لم يخجل يوما من البوح أمامها بسيرته الذاتية، أدرك يوسف شاهين أنه عاشق بالدرجة التى استطاع معها أن يقدم 4 أفلام تناولت سيرته الذاتية وأولها "إسكندرية ليه"، هذا الفيلم بالنسبة لى هو الأهم لأنه الخطوة الأكثر جرأة فى تاريخ أفلام السيرة الذاتية على المستوى المحلى والعربى وربما العالمى. "إسكندرية ليه" كان اللوحة الاكثر إبهارا من بين ما رسم شاهين، تداخلت ألوانها بشكل شديد التناسق لتعكس هذا المجتمع "الكوزموبوليتى" - المنفتح على الثقافات المختلفة – الذى كانت عليه مدينة الإسكندرية، وكأن هذا المجتمع قد تحقق ليأتى "شاهين" نفسه.. الأب من أصول لبنانية والأم يونانية.. العلاقة بينهما صعبة لكنها تتحقق.. يأتى الطفل الذى يزيد من خيوط هذه العلاقة تعقيدا، وتؤكد صداقاته المتعددة أن مجتمع الإسكندرية لم يفقد انفتاحه رغم الاحتلال الواقع تحت سطوته. الحرب العالمية الثانية التى تحاصر أحلام ساكنيه.. الألمانى روميل على أبواب العلمين لحسم معركة فاصلة مع القائد الإنجليزى مونتغمري ، تتباين المشاعر الوطنية بين مؤيد للهجوم النازى ومعارض له بينما معارك أخرى يشهدها المجتمع ما بين طبقة رأسمالية مالية تنتفع من هذه الحرب وطبقة منسحقة اكتوت بنارها. يهود يبحثون عن الهجرة إلى أرض الميعاد وأخرون يهربون من المذابح النازية، تناقضات شديدة التشابك بين الشخصيات على المستوى السياسى. سارة سوريل (نجلاء فتحى) اليهودية بنت الإسكندرية التى وقعت فى غرام إبراهيم (أحمد زكى) العامل الشيوعى، تقع بين مطرقة حبها للإسكندرية ومصر وطفلها الابن الشرعى لهذه العلاقة، وبين سندان الأب الرأسمالى (يوسف وهبى) الذى يبحث عن أرض الميعاد تحقيقا لأطماعه، والأخ المراهق المتحمس لدولة صهيوينة خبيثة تنشأ فى السر. يعشق الأب آيضاً الإسكندرية ويكره الرحيل منها، إلا أن النازيين يقفون له على الأبواب، ويرحل إلى جنوب أفريقيا وفى لحظة يكتشف أن لعبة دولة إسرائيل أكثر ربحا له من حبه للإسكندرية، خاصة أنه الشهيد الهارب من الجحيم النازى فى نظر الآخرين. أميركا تكتشف أن السعودية تعوم على بحر من البترول وتريد وضع ذراع لها فى المنطقة لحراسة هذا البحر الذهبى، هنا نرى أفكارا سياسية متشابكة تشبه ذات يوسف شاهين، الذى يريد طرح الكثير من الأفكار المتداخلة فى جمل حوارية قصيرة تحمل قدرا من التلعثم٠


نجح العاشق فى تعرية الواقع السياسى لهذه المرحلة عن طريق الشخصيات الدرامية، لكنه اكتوى بنارها أيضا، هذا الفيلم خرج بعد توقيع الرئيس الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، اعتقد الكثيرون أن شاهين جزءاً من النسق العام للتوجه السياسى الرسمى، فى لحظات تخلى فيها البعض عن التفكير وانساقوا وراء الهتافات والأصوات العالية، رفضت بعض الدول العربية عرض الفيلم، ولم يستمع أحد لأصوات عاقلة تؤكد أن هذا الفيلم ليس موجها ولا يدعو للتطبيع أو غيره لم ير أحد أن شاهين فى قمة نضجه الفنى يسمو بنفسه وسينماه عن هذه المهاترات السياسية، إنه يتعامل مع بشر من لحم ودم، الأحداث يحركها الإنسان دون الالتفات إلى دينه أو لونه أوجنسيته، الإنسان دائما هو الضحية لهذه المهاترات٠
وكما قال الناقد عصام زكريا: "إن "إسكندريه ليه" من أكثر أفلام يوسف شاهين تركيبا وتعقيدا.. يمتزج فيه التاريخ بالذات والتوثيق بالخيال والواقع بالسيريالى والواقعية بالميلودراما"٠
بالفعل هو فيلم يحتمل أن يكون كل هذه الأشياء وهذه هى عادة شاهين.. إذا اراد أن يعطيك شيئا تشاهده لن يمنحك خلاله شعورا يلازمك أقل من الحيرة.

المدينة.. حياة مفتوحة بلا خوف
إن المدينة فى هذا الفيلم كانت جميلة على الرغم من أنها تحت الاحتلال، لقطات بانورامية تستعرض جمال المعمار الأوروبى الذى انتشر فى الإسكندرية، استعان فى بعض اللقطات بالأماكن الحقيقية واستعاض فى لقطات أخرى بأماكن شبيهة، المدينة كانت: كورنيش جميل ومفتوح على البحر.. مسرح الهمبرا ... فيكتوريا كولدج..الترام..البنك.. الكباريه.. البيوت.. القصور.. سينما مترو.. محلات تجارية.. محطة القطار. يوسف شاهين قال عنها: الإسكندرية عندى ليست مجرد مدينة.. وإنما فكرة عن حياة مفتوحة بلا خوف، مثل البحر المتسع لكل شيء.. ملء العالم كله، الإسكندرية فى هذا الفيلم مركز للعالم.. أولا: ثقافيا وتجاريا من خلال تجمع قدر كبير من الجاليات الأوروبية، وقيمة الفن فيها والثقافة من خلال السينما والمسرح والملاهى الليلية وقبلها وعى الحركة العمالية لمايحدث حولها. ثانيا: سياسيا حيث كانت الهدف الأول لمعركة طاحنة بين دول الحلفاء والمحور تدور فى العلمين، كما أنها نافذة مصر البحرية على الغرب ونافذة الغرب للتعرف على الشرق أيضا. المدينة التى أسسها الإسكندر سنة 333 ق.م وأصبحت مركزًا للثقافة العالمية واشتهرت بمكتبتها الغنية وبمدرستها اللاهوتية والفلسفة، المدينة التى شهدت قصة الحب الخالدة بين أنطونيو وكليوباترا، هى ملتقى حضارات وثقافات ومركز أيضا لعالم "ذات" يوسف شاهين
إذن لم يتغير حبه للمدينة من وعى يحيى الفتى ذى الأربعة عشر عاما إلى نضج المخرج خمسينى العمر. نرى هنا امتدادا غير مباشر لآثار نكسة 67 فى وعى يوسف شاهين وجيله. يعتقد البعض أن تأثير النكسة امتد سينمائيا فى ثلاثية "عودة الابن الضال" و"العصفور" و"الاختيار"، الثلاثية التى عرى فيها جيلا كاملا ومجتمعا ومشروعا سياسيا، تحدث فيها عن التناقض الداخلى الذى يعيشه المثقف، والقهر السياسى وكبت الحريات فى الفترة الناصرية، ودعوته الصادمة إلى هدم المنزل وإعادة بنائه من جديد. فى "إسكندرية ليه" يحاول يوسف شاهين تبرأة نفسه من النكسة، على الأقل يتحدث عن نفسه وربما يبرئ جيلا من المثقفين سبق وأدانهم فى أفلامه السابقة. هنا يطرح الكثير من التساؤلات تبدأ من الخاص أو الذات لينطلق منها إلى العام، من أين أتيت؟ كيف تكون هذا الجيل فكريا ممثلا فى شخصية يحيى؟ هل لهذه النشأة تأثير على تفكيرى فى المستقبل؟

ظاهريا لا أستطيع أن أقول إن هذا الفيلم امتداد لثلاثية الهزيمة أو النكسة، إنما ضمنيا هو محاولة لتبرءة نفسه من المسئولية عن الهزيمة وهذا احتمال، ولكن المؤكد أن نكسة 67 أثرت عليه فى كل فيلم أخرجه حتى وفاته مثله مثل جيل كامل من المثقفين العرب٠
حينما كان أحدهم يقول لشاهين "أنت عبقرى"، كان يغضب بشدة ويقول: لا.. أنا باشتغل
كان يقصد هنا أنه لو خلق عبقريا فهو بالصدفة وقد تتوفر هذه الصفات فى أى شخص غيره، إنه يرى أنه عمل بجد وكافح حتى أصبح عبقريا، لذا هو ليس كسولا. لقد عانى كثيرا كمثقف حتى يصل إلى ماهو عليه. تعلم مثل يحيى الفتى المراهق.. ومازال يتعلم حتى بعد نكسة 67، يوسف شاهين فى فيلم "عودة الابن الضال" يترك الفتى الصغير الذى يريد أن يذهب ليتعلم فى فرنسا حيا وحده من بين جميع الشخصيات ومعه الحب متمثلا فى شخصية ماجدة الرومى .. وانهار المنزل على رؤوس الجميع. وفى "إسكندرية ليه" يتذكر يوسف شاهين الفتى يحيى الذى يريد أن يتعلم حتى يعود لبناء المنزل من جديد..!٠

يحيى.. مراهق لا يرى سوى نفسه
إن يحيى الفتى الذى تحركه موهبته فى كل شىء منفصل عن الواقع السياسى والاجتماعى، لأنه لا يرى سوى معهد "باسادينا" والسفر إلى أمريكا كى يتعلم السينما، هنا نرى ازدواجية مدهشة بين الفتى المراهق الذى تدفعه خلاياه المعجونة بماء الفن نحو إغلاق عينه أمام الواقع السياسى والاجتماعى فى هذه الفترة، وبين هذا المخرج خمسينى العمر.. أو يحيى بعدما نضج فكريا، من المشاهد الاولى للفيلم تستطيع أن تكتشف شخصية يحيى المولع بالفن. غرفته التى استعرضتها الكاميرا والمعلقة فيها صور "جينجر روجرز" و"فريد استاير"، تفضيله لمشاهدة فيلم سينمائى للمرة الثانية بدلا من التسكع مع فتيات الليل. هو فتى لم يتجاوز السابعة عشر من عمره، الحياة بالنسبة له خشبة مسرح، يتعامل على هذا الأساس مع الجميع، لا يهتم سوى بحبه للتمثيل، نرى هذا واضحا فى حوار له مع الأم فى أحد المشاهد٠
الأم: أنا لسه راجعة من محل وادى الرحمة.. رهنت الخاتم بتاعى٠
يحيى: وأنا لسه جاى من عند البرنسيسة شاهينور قبلت إنى أعمل الحفلة تحت رعايتها٠

ولأنه فقير وليس وسيما فقد أصبح أهم راقص فى "فيكتوريا كولدج".. فى هذا الفيلم كان سبب تحوّل يحيى إلى راقص بارع أنه مولع بالفن، وفى فيلم "إسكندرية نيوورك"(2003)، رابع أفلام سيرة يوسف شاهين الذاتية، كان احترافه للرقص وسيلة لجذب الفتيات إليه.. هكذا قال لجينجر (يسرا)٠
وعلى الرغم من الظروف المحيطة بيحيى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية فإنه لا يأبه لها، ولا ينظر سوى إلى معهد باسدينا بالولايات المتحدة الأميركية، يتعرض الفتى لصدمتين طوال الأحداث يشكلان وعيه، أتحدث هنا عن يحيى الفتى المراهق وليس الفيلسوف الجالس وراء الكاميرا، الصدمة الأولى حينما يفشل عرضه الذى أقامه على مسرح الهمبرا وبرعاية الأميرة شاهينار، اكتشف وقتها أنه لم ينضج بعد ومازال فتى يحتاج إلى التعليم، فى هذه اللحظة يعود إلى المقابر لزيارة قبر شقيقه الذى كانت تتمنى جدته أن يعيش مقابل موت يحيى، وهى واقعة فى ذاكرته حينما حرق تمثالا للمسيح وتصور أن الله عاقب شقيقه بدلا منه، ومن وقتها يشعر بتأنيب الضمير، وفى لحظات أخرى يريد أن يثبت لجدته أنه الأجدر بالحياة.. وسينجح ويصبح فنانا كبيرا٠

الصدمة الثانية حينما جاءه خطاب معهد باسادينا ليخبره بقبوله للدراسة هناك، ولا يجد مالا لديه ولدى عائلته لتغطية تكاليف السفر لأمريكا، هنا يكتشف يحيى حقيقة وضعه الاقتصادى، ويقبل للحظة ورغما عنه أن يعمل موظفا فى بنك، ثم يعود متحديا مقررا أنه سيذهب إلى العالم الآخر وسيتعلم حتى تتغير الأوضاع٠
إن طبيعة علاقة يحيى بالأم تبدو متسامحة فى معظم أحداث الفيلم، لكنه حينما يختار مشهدا من مسرحية "هاملت" لتمثيله فى الفصل أمام المدرس والتلاميذ فهو يختار "المقطوعة الثانية.. مشهد الأم" وهو مشهد شديد الصعوبة والقسوة على الأم ما يشير إلى علاقة مضطربة بالأم، تتحول فيما بعد إلى تسامح وتعاطف ففى فيلم »حدوتة مصرية« حينما سأل أمه عن سبب زواجها من أبيه رغم عدم حبها له؟
فأجابت الأم: كان مثل أبى.
وبين أم يوسف شاهين اليونانية وأبيه 25 عاما فارقا فى العمر لصالح الأب، إلا أنه فى أفلامه كلها عاطفته كلها كانت نحو الأب، وفى حوار ليوسف شاهين مع الناقد قصى درويش بمجلة سينما (العدد 104 عام 2004) قال: "أنا حساس قوى وشهوانى" وهذه أشياء أخذتها من أمى، وفى الحوار نفسه نفى شاهين أنه كان يكره أمه.. على العكس كان يحبها وقال: "هى يمكن تظهر كده لكن الفكرة لم تكن موفقة جدا.. أنا أحببتها جدا جدا حتى آخر يوم فى حياتها"٠
ربما تلميحات شاهين حول الأم فى أفلام السيرة الذاتية كانت من باب الثراء الدرامى وغير واقعية، وربما كانت نتاج تأثره بمسرحية "مأساة هاملت.. أمير الدنمارك" لشكسبير، وربما كانت واقعية، والأكيد أن شخصية الأم فى هذا الفيلم كانت مرتبطة أكثر بالعواطف والمشاعر وينقصها العمق، وهو العمق الذى بحث عنه أكثر فى فيلم "إسكندرية كمان وكمان" فى رحلة البحث عن الجذور.. وكيف وصلت الأم اليونانية إلى الإسكندرية٠
علاقة الكاميرا بالفتى يحيى كانت مسرحية على عكس علاقتها بيحيى الواقف وراء الكاميرا، فى معظم المشاهد التى يظهر فيها يحيى كانت الكاميرا ثابتة يتحرك أمامها الفتى، يذهب لها ويبتعد عنها وكأنه على خشبة المسرح، تتراقص الكاميرا معه فى بعض الأحيان على خلفية الموسيقى التصويرية لفؤاد الظاهرى، وأغانى الأربعينيات القادمة من أمريكا اللاتينية والغرب بصفة عامة٠
أما علاقة الكاميرا بيحيى الواقف وراءها فكانت أكثر فضولية، تتحرك بين الشخصيات والأحداث، وتكتشف خلفيات الأشياء، بها الكثير من العمق تشبه العين البشرية حينما تقرر أن تتلصص على شىء ما٠

يحيى.. ناضج خلف الكاميرا
وصل يوسف شاهين فى »الإسكندرية ... ليه؟« إلى قمة نضجه الفنى والفكرى، وراء هذا سنوات من الانتصار والانكسار، يقف بعد تجربة سياسية تعلم منها الكثير فى الفترة الناصرية، بعد سلسلة من أفلام الواقعية منها: "باب الحديد" (1958) و"الأرض" (1970). وأفلام تاريخية مثل: "الناصر صلاح
الدين" (1963) و"جميلة الجزائرية" (1958) وهو الفيلم الأول بعد ثلاثية النكسة "الإختيار" (1971)، و"العصفور" (1974) و"عودة الابن الضال" (1976 )٠
فى "إسكندرية ليه" يتجول شاهين بين أكثر من 50 شخصية رئيسية وثانوية تكشف الواقع السياسى والاجتماعى للإسكندرية ومصر والعالم كله فى الأربعينيات، ترى من خلالها مستقبل العالم والصراعات فى هذه اللحظة التاريخية الفارقة، ديفيد، الفتى اليهودى صديق يحيى والذى كان يتسكع معه فى المدرسة والسينمات والشوارع، ينتهى بهما هذا المشوار فى نفس المكان وهو "أمريكا" يحيى ذهب إلى معهد باسادينا ليتعلم التمثيل وديفيد ذهب إلى إحدى الأكاديميات العسكرية الأمريكية ليعود إلى أرض الميعاد مقاتلا..!٠
عادل (أحمد محرز) الأرستقراطى المفعم بالوطنية.. الناقم على شاكر باشا (فريد شوقى) زوج شقيقته، لكنه فى النهاية يعيش من أمواله، وتنشا علاقة حميمية بين تونى العسكرى الإنجليزى وعادل "نرى تلميحا لها فى الحوار المشترك بينهما"، تنتهى العلاقة بوفاة تونى القادم من طبقة معدومة فى مقاطعة "دوفر" أثناء الحرب، ويبكى عادل على قبره بعدما كان يريد قتله فى اللقاء الأول..!٠
مرسى (عزت العلايلى) الفاسد الذى يعمل مع جميع الأطرف من أجل المال، وينتهى به الأمر إلى توديع يحيى فى المشاهد الأخيرة راكبا سيارته قائلا: "ده الكارت بتاعى كلمنى علشان نعمل بسبس سوا مع بعض.!٠
إبراهيم (أحمد زكى) العامل الشيوعى الذى هو ضحية كل السابقين من انتفاعيين ورأسماليين واحتلال، ووصل به الأمر إلى السجن 15عاما
الأب (محمود المليجى) آخر من تبقى من الطبقة الوسطى.. المحامى الشريف والفاشل فى نظر الآخرين لأنه غير فاسد، وتتلخص حالة الأب وربما حالة الفيلم كله فى جملة الحوار الشهيرة التى قالها لإبراهيم فى السجن: "زمن يبرروا فيه إنهم يرموا البمب على دماغ ناس ملهاش دعوة بالحرب خالص وعايزنى أكسبها؟
زمن بتتشوى فيه الناس فى الأفران علشان لون جلدها أحمر ولا أصفر ولا عينيها مسبسبة وعايزنى أكسبها؟ ولاد الناس سن 16 و17 سنة ويدفنوهم تحت الرمل باسم الحريات الأربعة وعايزنى أكسبها؟
زمن بيكسبوا فيه فرد واحد خمس آلاف جنيه فى دقيقة ويغلوا على التانى أجرة التروماى وعايزنى أكسبها؟ كل اللى أتمناه إنهم يخففوا عنك الحكم٠


الضباط الوطنيين الثلاثة الذين يخططون للتخلص من الاحتلال البريطانى سواء بالتعامل مع الألمان أو حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وتفشل جميع مخططاتهم لأنها ليست ناضجة بعد، لكنهم بوعى يرفضون الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين، وفى النهاية يشير أحدهم إلى قصر الملك فى رأس التين مؤكدا أن الحل فى التخلص منه، وهم نواة لضباط ثورة 23 يوليو 1952، ولم تخل الدراما من سخرية منهم فى بعض الأحيان والتعاطف فى أحيان أخرى، ومن أجمل مشاهد الفيلم مشهد النهاية، حينما تصل السفينة إلى نيويورك، ويتحول تمثال الحرية الى امرأة شريرة أسنانها مخلوعة وتضحك مثل الساحرات الشريرات، ويجلس أسفلها مجموعة من الحاخامات والمهاجرين اليهود، ومثلما ذهب يحيى فتى موهوبا ليتعلم هناك، عاد إليها بعد عشرات السنين مخرجا كبيرا ناضجا يوضح لها رؤيته فى أسباب أحداث 11 سبتمبر من خلال فيلمى "إسكندرية نيويورك" والفيلم القصير "11 سبتمبر"٠

بطاقة الفيلم
إنتاج: أفلام مصر العالمية 1978
سيناريو وحوار: محسن زايد
حسن عبد ربه
يوسف شاهين
مدير التصوير: محسن نصر
مونتاج: رشيدة عبد السلام
موسيقى: فؤاد الظاهرى
تصميم مناظر: نهاد بهجت
مدة الفيلم: 139 دقيقة ألوان
طبع وتحميض: ج. ت. س باريس
التمثيل
محسن محيى الدين
محسنة توفيق
محمود المليجى
نجلاء فتحى
فريد شوقى
أحمد زكى
يوسف وهبى
يحيى شاهين
عزت العلايلى
ليلى فوزى
عبد الله محمود
أحمد سلامة
مجدى سيف
أحمد بدير
نعيمة الصغير

مساعدو الإخراج: أحمد محرز
محمود الخولى
عبد الفتاح مدبولى
عاطف الطيب
إخراج: يوسف شاهين

أحمد فايق | ناقد سينمائي من مصر٠

مهرجانات | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجان أبو ظبي ما زال يبحث عن هويّة
نجوم دورته الثالثة سوريّون على حساب الحضور المصري

المسافر

عاد مهرجان »الشرق الأوسط السينمائي» إلى الواجهة مع انطلاق دورته الثالثة التي تستمر حتى السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر) الحالي. هذه المرة، حرص المنظمون على أن تكون نصف الأفلام المشاركة من منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى ( استحداث جائزة جديدة، تضاف إلى جوائز اللؤلؤة السوداء، خاصة بأفلام تلك المنطقة وتشمل الفئات الثلاث الروائي الطويل والقصير والوثائقي. هذه الخطوة اتّخذها المدير التنفيذي الجديد للمهرجان الأميركي بيتر سكارليت، القادم من خبرة طويلة في إدارة مهرجاني «ترايبيكا» و«سان فرانسيسكو»٠
لكن مهلاً قليلاً، سكارليت أعلن في المؤتمر الصحافي للمهرجان أنّ «الدورة المقبلة ستكون بدايته الحقيقية». وعليه، نحن في صدد نصف بداية هنا. ويبدو أن السجادة الحمراء الخالية من النجوم حتى الآن، ستكون من نصيب سكارليت وحده الذي
العرض الأول لـ«بالألوان الطبيعية» الذي يعيد أسامة فوزي إلى السينما بعد غياب، يُنظر إليه كمخلص للمهرجان ذي الإمكانات المادية الهائلة. النجوم العالميون، باستثناء ديمي مور وهيلاري سوانك، غابوا عن المهرجان رغم أنّ سكارليت أعلن مراراً عن قدومهم، بل صرّح بأن هناك مفاجآت كثيرة في هذا الصدد. لم يأتِ،حتى جورج كلوني الذي يعرض فيلمه «الرجال الذين يحدّقون بالماعز» وكذلك الممثلة البريطانية فانيسيا ردغريف التي كرّمها المهرجان وحضر نيابةً عنها زوجها الممثل فرانكو نيرو. مقابل غياب النجوم، جاءت لجان التحكيم برّاقة ضمّت أسماءً كبيرة. هكذا، ترأس الإيراني عباس كياروستامي لجنة تحكيم الأفلام الطويلة وضمّت اللجنة عضوية المخرج المصري محمد خان، بينما ترأس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة يسري نصر الله.
أما غياب النجوم المصريين فبدا جلياً مقابل حضور كثيف للسوريين منذ ليلة الافتتاح مع جمال سليمان وأمل عرفة وحاتم علي الذي يشارك فيلمه «الليل الطويل» في المسابقة وخالد تاجا الذي يلعب دور البطولة، وكاتب النصّ المخرج هيثم حقي.
الافتتاح كان لأوّل مرة مع فيلم عربي هو «المسافر» العائد بخفي حنين من مهرجان البندقية»، ما أثّر سلباً في استقبال جمهور «مهرجان الشرق الأوسط» له رغم الفضائل البصرية والسينمائية الكثيرة التي تميّز بها شريط أحمد ماهر.
بلداً، ضمّت أهم الإنتاجات العربية هذا العام.
وقد شملت مسابقة الأفلام 49 فيلماً (في كافة الأقسام) من 129 بلداً ضمّت أهم الإنتاجات العربية هذا العام. بينها 17 فيلما في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بينها فيلمان يُعرضان للمرة الأولى هما «إبن بابل» و«بالألوان الطبيعية». يفتح محمد الدراجي ملف المفقودين العراقيين من خلال قصّة صبي فقد والده خلال حرب الخليج عام 1991 ويعيش مع جدّته التي سمعت أن بعض الأسرى وجدوا أحياءً في جنوب العراق، فتقرر معرفة مصير ابنها. أما «بالألوان الطبيعية» فيعيد

أما »بالألوان الطبيعية« فهو عودة المخرج أسامة فوزي الى السينما بعد غياب خمسة أعوام منذ »بحب السينما«. كما تضم المسابقة »الزمن الباقي« لإيليا سليمان و
كما تضم المسابقة «الزمن الباقي» و«هليوبوليس» للمصري أحمد العبد الله. ومن إيران، يشارك شريط بهمان غوبادي «لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية» الذي يستشرف حركة الاحتجاج التي شهدتها شوارع طهران أخيراً. وقد أنجزه المخرج الإيراني سرّاً ومن دون تمويل، لكونه ممنوعاً من التصوير في بلده٠

الليل الطويل

ومن سوريا يتقدّم فيلم «الليل الطويل» لحاتم علي (الذي حاز على جوائز دولية) فيما تستكمل التونسية رجاء عماري في شريطها «دواحة» ما بدأته في باكورتها ساتان أحمر» الذي قدم سيرة امرأة ترفض الانغلاق والخضوع. شريطها « الثاني الذي يحمل عنوان أغنية تونسية تؤدّى للأطفال كي يناموا، يتناول قصة عائلة من ثلاث نساء تكتنفها مأساة ويكشف الفيلم فصولها تباعاً. أما حاتم علي فيذهب في «الليل الطويل» ــــ كتب نصّه هيثم حقي ــــ إلى طرح قضية السجن السياسي من خلال تصوير الليلة الأخيرة خلف القضبان لمعتقلين سياسيين ينتظرون الإفراج عنهم. وتضم المسابقة أيضاً شريطاً » لإيلين إسمر. علماً بأنّ تركيا اختيرت للاحتفاء بإنتاجاتها عبر عرض سبعة أفلام هي الأحدث 11 حتى 10تركياً هو « من إنتاجات هذه السينما. وخارج المسابقة، سيُعرض جديد جورج كلوني «الرجال الذين يحدّقون بالماعز». الشريط الذي يحمل توقيع المخرج غرانت هسلوف، يستخلص الكوميديا من احتلال العراق، إضافةً إلى شريط جديد مايكل مور الرأسمالية: قصة حب».«
الأفلام المشاركة في المهرجان تمثّل غواية حقيقية لكل متابعي الفنّ السابع، وتضع المهرجانات التي ستلي «الشرق الأوسط» في مأزق، وخصوصاً أنّ المهرجان استقطب أفلاماً تتنافس المهرجانات على عرضها الأول أقلّه في العالم العربي. وهنا نعني منافسه «مهرجان دبي السينمائي» الذي ما زال يحتفظ بالصدارة، وخصوصاً أنّه استطاع أن يبلور خصوصية ما، فشل فيها «أبو ظبي». مع ذلك، الدورة الثالثة من المهرجان «مدججة» بأقوى الأفلام العربية والعالمية. ولعلها وليمة سينمائية بامتياز على صعيد العروض التي تشهد حضوراً جماهرياً غاب العام الماضي. يتزامن ذلك مع استحداث «لجنة أبو ظبي لصناعة الأفلام» التي تموّل المشاريع السينمائية حول العالم و«أكاديمية نيويورك للأفلام» في محاولة لـ«هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث» بجعل أبو ظبي وجهة سينمائية حقيقية. فهل يتناغم «مهرجان الشرق الأوسط» مع هذا المطمح؟

زياد عبد الله | ناقد صحيفة »الإمارات اليوم"
ونشر هذه المادّة فيها قبل أيام٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Oct 9, 2009

القُبلة في السينما العربية | كوبولا في مهرجان بيروت

العدد الجديد من "فيلم ريدر" صدر اليوم (أنقر الصورة >>

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Year 3 | Issue 462
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إضافة: 09/10/11


مهرجانات | هل من جائزة في مِل فالي للطريق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين تم عرض فيلم »الطريق« في فنيسيا (فيلم لا يبدو أن أحداً أكترث له عربياً الى الآن- ولو لأسباب مختلفة) حضرت المشهد التالي: زوجة مخرج الفيلم (جون هيلكوت) تتقدّم من زوجها الذي كان يجلس معي على طاولة غداء لتودّعه، إذ كانت عائدة الى لندن. تحتضنه بحنان وتتمنى له أن يفوز بالجائزة ويقول لها وهو يضع رأسه على صدرها مثل ولد على صدر أمّه "إدعي لي بالجائزة"، ثم ينظر اليّ بعد انصرافها ويقول: "زوجتي ستغادر الجزيرة بعد قليل"٠ ثم يشيح بنظره متابعاً إياها وهي تبتعد٠
حسناً، لا مجال للمحارم. لم أذكر للغاية عاطفية، بل لأقول أن جون خرج من فنيسيا، كما نعلم الآن، من دون جائزة ودعوات الزوجة أظهرت فقط حسن نيّتها. لكن الفيلم مبرمج لمهرجانين على الأقل أولهما في فنلندا خلال هذا الشهر، وأسمه رؤى ليلية كون الليل يحتل معظم ساعات اليوم هناك في هذه الأيام، والثاني في الولايات المتحدة وهو مهرجان
Mill Valley
ويقام أيضاً هذا الشهر. ومل فالي بلدة لا تزال على الطراز القديم (لكنها حديثة بالطبع) تقع على الطرف الآخر من جسر غولدن غايت (الطرف الأول تكمن فيه مدينة سان فرنسيسكو)٠ لم أزر المهرجان مطلقاً لكني راجعت قبل قليل صوراً عن المدينة والطبيعة التي لها وتمنيّت لو أني فعلت٠
هل يجد فيلم »الطريق« في أحد المهرجانين جائزة؟

جوائز | مشهور وميت وفائز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ريو دي جنيرو، الذي انتهى مهرجانها قبل أيام قليلة، خرج فيلم عنوانه
Os Famosos Eos Duendes Da Morte | المشهور والميت
للمخرج أزمير فيلهو (27 سنة) الذي سبق له وأن أخرج بضعة أفلام قصيرة من قبل. الفيلم ذاته نال جائزة إتحاد النقاد الدوليين هناك. يبدو أنه بالفعل أفضل المعروض٠
في المركز الثاني بين الجوائز نال فيلم بعنوان »أسافر لأن عليّ أن أفعل ذلك، أعود لأني أحبك« للمخرجين كريم عينوز ومرسيلو غاميز عن رحلة تقع في الأطراف الشمالية الشرقية من فنزويللا وكان عُرض في فنيسيا لكنه فاتني للأسف٠

إخراج | طروحات إجتماعية في أفلام تهاني راشد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المخرجة الوثائقية المصرية تهاني راشد لديها فيلم جديد عنوانه »جيران« وقد اختارت له مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي مكاناً لعرضه العالمي الأول. لم ير أحد الفيلم بعد، لكن فيلمها السابق »البنات دول« الذي أخرجته قبل ثلاثة أعوام استحق الشهرة التي استحوذها نقدياً وإعلامياً، ولو أنه حمل مشاكل معيّنة ولم يخل من المشاكل إذا ما ألقى المرء نظرة لما تحت القشور. لكن »البنات دول« كان فيلم قضية بلا ريب ويكشف عن حسنات في التنفيذ
قضيّته هي الفتيات الشابّات اللواتي يعشن الأرصفة والطرقات والمقاعد الخلفية للسيارات المركونة. إذا كان ذلك عيشاً. والنماذج التي عرضها ذلك الفيلم تغالب، حين الحديث للكاميرا، دموعها حيناً وتخذلها الشجاعة والمكابرة فتبكي. أشد الفتيات شأناً كانت مريم التي تدّعي إنها تضرب الرجال (وبعض المشاهد صوّرتها في مشادّة بالفعل) في محاولتها لحماية الفتيات الأخريات وشد أزرهن
وهناك طروحات إجتماعية صارخة وحادّة أخرى تلتقي جميعاً في أنها نتاج الحياة الصعبة التي تعيشها القاهرة اليوم، لكن الفيلم عوض أن يتقدّم في منطلقاته او يعرج على مسائل اوسع طرحاً راوح مكانه معظم الوقت، وبذلك صار الموضوع حدثاً حوارياً مهما بلغت الصورة من القوّة والإحكام. رغم ذلك، يرفع الفيلم راية إنسانية عالية مفادها تلك الأرواح المقهورة التي صنعها الناس بالناس والبشر بالبشر والتي شهدت على مر السنين ازدواجية الأحكام كما هي العادة في كل موقف يبحث فيه المجتمع عن مبررات لوجود ضحاياه
لقد كتبت سابقاً هنا عن الفيلم اليمني »أمينة« لخديجة سلامة حيث تقبع إمرأة متّهمة بقتل زوجها لمجرد أن على أحد دفع ثمن جريمة ما هي تلك الظاهرة (قتل شخص لآخر) لكن ماذا عن الجريمة التي يتعرّض إليها الطفل والمرأة (وهما الأضعف في كل مجتمع)؟ سؤال طرحه »أمينة« وطرحه »البنات دول« في وقت واحد
في نهاية حديثي عن الفيلم اليمني تساءلت ما الذي يمكن أن يكون حدث لتلك الفتاة السجينة. هل تم تنفيذ حكم الإعدام بها؟ الآن أتساءل أيضاً عما يمكن أن يكون حدث لبنات القاهرة اللواتي ظهرن في فيلم تهاني راشد؟ أم أن لا أحد غيري يكترث؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشروع |لارس فون ترايير

تجنّبت المهرجانات العربية جلب فيلم »ضد المسيح« كما تتجنّب وزارات الصحة الكوليرا. ولا عجب في ذلك. فيلم لارس فون ترايير، الذي تناولناه هنا وتناوله زملاء عديدون كل على شاشته، عنيف للغاية ويتقصّد صدم المشاهد معتبراً أن هناك فن الصدمة وهو يمارسه٠
وفون ترايير يخطط حالياً لفيلمه المقبل الذي قد يكون من نوع الأفلام الكوارثية رغم أن ميزانيّته ليست
Planet Melacholia كذلك. الفيلم الجديد عنوانه
وميزانيته لا تعلو عن خمسة ملايين دولار لموضوع يحيطه المخرج بكتمان شديد (عين الحسود؟) لكن شريكه في الإنتاج (أسمه بيتر آلباك جنسن) يقول أن الفيلم سيكون "بنفس روحية »ضد المسيح« أنما من دون قطع الأجهزة التناسلية" .... طمأنتنا يا بيتر٠



هذا العدد


أوراق ناقد | عن حضور فرنسيس فورد كوبولا لبيروت | افلام للأوسكار | لماذا السينمائيون الأميركيون بعيدون عن بولانسكي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات | نديم جرجورة وهوڤيك حبشيان يتناولان مهرجان بيروت السينمائي الدولي بالنقد. ثم يتناول هوفيك فيلم فرنسيس فورد كوبولا »تيترو« بينما يتحدّث الزميل جرجورة عن فيلم آنغ لي »اكتساح وودستوك«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحقيق | القُبلة في السينما العربية لها تاريخ ومراحل بعضها أفضل من بعض وهي تحمل رموزاً مختلفة وحيناً هي خجولة وحيناً موحية وفي بعض الأحيان ممنوعة | محمد رُضا٠


أوراق ناقد | محمد رُضا

كوليت/ كوبولا

الخبطة التي أنجزها مهرجان بيروت السينمائي (الدولي) أكبر من حجمه٠
لنكن صريحين.... نعم مهرجان مرّاكش في المغرب دعا سابقاً المخرج الكبير فرنسيس فورد كوبولا واحتفى به، لكن مرّاكش مهرجان لديه ميزانية أكبر ربما عشرين مرّة من تلك التي يتمتّع بها مهرجان بيروت، ومهرجان مرّاكش أيضاً أكثر شهرة من مهرجان بيروت٠
مهرجان بيروت السينمائي (في عامه التاسع الآن) وُلد صغيراً ولا يزال. بالنسبة للحجم هو أصغر من كل المهرجانات المحيطة به، ويقوم على حب غير واضح الأهداف والمعالم للسينما، وكما يذكر الزميل نديم جرجورة في هذا العدد، لم يشأ المهرجان التعلّم من أخطائه او الإسترشاد بما كتبه النقاد خلال السنوات الماضية (لماذا؟ هل سيفهم النقّاد أكثر من القائمين عليه؟ مستحيل) فمارس نوعاً من الحبو أولاً، ثم وقف على قدمين غير ثابتتين الى اليوم. أي خلل سيوقفه. أي معركة في شارع جانبي بين أنصار هذا الزعيم وذاك، قد يعرقله ومعركتين تلغيه٠
لكن -وعلى الرغم من ذلك- لا يمكن المرء الا أن يرفع قبّعته تحيّة لمديرته العامّة كوليت نوفل التي استطاعت جلب فرنسيس فورد كوبولا الى بيروت. لم يفكّر به اي مهرجان عربي كبير في الجوار، وإن فكّر فإنه لم يُقدم على هذه الخطوة
كوليت نوفل أنجزت خبطة إعلامية وسينمائية رائعة لمهرجان ينظر اليه الكثيرون على أساس أنه تظاهرة او في أفضل الأحوال محاولة. هنيئاً لها وشكراً لكوبولا، شيخ الشباب، الذي نحى جانباً الحذر وقرر أنه يريد التعرّف أكثر على العالم العربي ولتكن بيروت محطّته الثانية في هذا السبيل

في الطريق الى الأوسكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مطلع العام الحالي قام مهرجان سندانس بعرض فيلم وثائقي أثار الكثير من ردات الفعل الإيجابية بعنوان »نجمة أفغانية« وهو عبارة عن تحقيق حول الأفغانيات اللواتي يطمحن للظهور في نسخة
American Idol أفعانية من البرنامج المعروف
وكيف يحملن مخاطرة كبيرة إذا ما أردن التحوّل الى مغنيات، ناهيك عن الظهور في التلفزيون الأفغاني. أخرجته البريطانية هافانا ماركينغ وموّلته »قناة 4« البريطانية. هذا الفيلم هو الترشيح البريطاني لأوسكار أفضل فيلم أجنبي (كونه ناطق غالباً بالأفغانية)٠

وبالمناسبة الأفلام الأميركية التي سنقرأ عنها طوال الأشهر المقبلة كترشيحات أوسكار أساسية، في هذا القسم او ذاك، هي - الى الآن
في مسابقة الفيلم الروائي
The Hurt Locker, The Road, Bright Star, The Men Who Stare at Goats, Up in the Air, A Serious Man, Inglourious Basterds.
في مسابقة الأنيماش الى الآن
Up, 9
في مسابقة الفيلم الوثائقي
Capitalism: A Love Story

المحاكمة او لا محاكمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بينما يقبع رومان بولانسكي في الزنزانة السويسرية (التي للأسف لا تطل على بحيرة جنيف) تقوم إحدى شركات الأسطوانات بإطلاق فيلمه المعروف
Chinatown
من جديد (كان أطلق مرّتين من حين إنتاجه سنة 1974). إنه ذلك الفيلم البوليسي الذي يستوقفني فيه مشهدان دالاّن: رومان بولانسكي يلعب دور شرير يتقدّم من التحري الخاص جاك نيكولسون ويقطع أنفه بسكين، وفاي داناواي تعترف أن والد إبنها ليس زوجها بل والدها٠
طبعاً النقاد آنذاك صفّقوا للتويست الموجود في هذه الحبكة كما لظهور بولانسكي في مشهد عنيف. لكن اليوم لا يُترجمان، وسط الحالة التي يمر بها بولانسكي، وهي بالتأكيد مأزق العمر، الا كمشهد عنف ومشهد ذو دلالة جنسية منحرفة تماماً كما حال فعلته بعد ذلك بثلاثة أعوام حين اعتدى على عفاف فتاة دون السادسة عشر من العمر٠
وهل لاحظت أن الموقّعين على العريضة التي تطالب بإطلاق سراحه ليسوا من هوليوود، حتى ولو كان بعضهم أميركي مثل وودي ألن؟ كل تلك الأسماء ومن بينهم الأسباني بدرو ألمادوفار والكوري وونغ كار واي والممثلة الفرنسية ازابيل أدجياني والمخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ هي أما أجنبية او تعمل بعيداً عن هوليوود. أما هوليوود ستيفن سبيلبرغ ومايكل باي والمنتج جيري بروكهايمر والممثل توم كروز او توم هانكس او جوليا روبرتس. حتى لو رغبوا لما استطاعوا لأن المجتمع الأميركي، بصرف النظر عن كيف ينظر اليه البعض من الخارج، لا يزال محافظاً وهؤلاء لن يعرّضوا البزنس الذي هم فيه للخطر لمجرد الدفاع عن زميل سينمائي لهم الا في حالة أن الرأي العام الأميركي مع ذلك الزميل- وهذا ما لم يقع، ولا أعتقد إنه سيقع٠

آخر عشرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه آخر عشرة أفلام شاهدتها. شارة <> بجانب الفيلم الذي شوهد سابقاً أيضاً


<> Toy Story- 3 D | John Lassiter [USA- 1995,1999] ****
Surrogates | Jonathan Mustow [USA-2009] ***
The Invension of Lying | |Ricky Gervais [USA-2009] **
Fame | Kevin Tancharoen [USA-2009] *
God Forgives, I don't | Giuseppe Colizzi (1967] **
<> Coogan's Bluff | Donald Siegel [Italy- 1968] ***
His Trust | D. W. Grifith [USA-1911] **1/2
12 | Nikita Mikhalkov [Russian- 2008] ***1/2
<> The Chess Players | Satyajit Ray [ India- 1977] ***
<> Don't Look Now | Nicholas Roeg [UK- 1973] ****



مهرجان | بيروت السينمائي الدولي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يعرف ما يُريد وإذا عرف استعصى عليه نيله
هوفيك حبشيان

Tetro
اذا وضعنا جانباً الخبطة الاعلامية التي تمثلت في الاتيان بأحد جبابرة الفن السابع الى بيروت، فإننا نرى أن الدورة الحالية من مهرجان بيروت السينمائي تأتي مطابقة الى حدّ بعيد لسابقاتها. وكأن الطبع يغلب دائماً التطبع لدى مديرته كوليت نوفل التي بات مصيرها، ويا للأسف، أن لا تقنعنا بخياراتها الفنية المتسرعة والعشوائية. خياراتها الفنية؟ نعم. فالمعيار الأول لتقويم مهرجان هو التشكيلة الرسمية التي تعبّر عن قرارات ورؤى. ولا يهمّنا لا مع مَن تتعاقد للحصول على مصادر تمويلية جديدة ولا مَن هنّ سيدات المجتمع اللواتي انضممن حديثاً الى اللجنة المنظمة. القرارات الفنية بالغة الأهمية لأنها وحدها تعبّر عن أفكار. والأفكار تعبّر عن عالم نعيش فيه. بيد أن هذه الادارة، ومهما ترفع من شأن طموحاتها، تبدُ كمن يقول: تريدون مهرجاناً دولياً؟ هاكم مهرجاناً دولياً يزوره عظيم مثل كوبولا! لكن ماذا عن الأيام السبعة بعد رحيل كوبولا؟ وهل البانوراما الدولية هي التي ستقنعنا بأن هذا المهرجان دوليّ الصفة، في حين أنه ما برح في الحقيقة مهرجاناً متواضعاً. وهل أفلام تافهة كـ"فجر العالم" أو "فيلم" لارا سابا المتواضع (يتباهى المهرجان بعرضه على رغم انه عرض في كل المهرجانات التي عقدت في بيروت أخيراً)، تصنع تشكيلة رسمية جديرة بالاحترام؟ مع ذلك، لا يرضى طموح نوفل بما دون الدولية والعالمية، وهي الصفة التي اصلاً لم تعد تعني ما كانت تعنيه في السابق، في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، وخصوصاً ان المحلي أحياناً بات ينافس الدولي ولا سيما في المهرجانات، وخصوصاً في النوعية التي تهمّنا.
في السنتين الأخيرتين، تخلص المهرجان من علة كانت ترافقه باستمرار، فانتقل من كونه تظاهرة متقطعة الايقاع الى موعد ثابت الى حدّ ما، مما يعني انه بات في اتجاه التكريس، لكن مشكلته الاساسية لا تزال حول غياب المنهجية وانعدام الرؤية الفنية. فالتشكيلة التي تُقترح هنا، لا رؤية لها ولا هدف، وكلنا يعلم كيف تحط رحالها في بيروت (من هالك لمالك...). وربما تكفي قراءة ما جاء في افتتاحية الكاتالوغ لندرك مرة أخرى، اذا كانت هناك حاجة الى ذلك، أن همّ السينما ليس من أولويات المديرة. فالكلمة تكريمية وعامة وبسيطة، تشكر هذا أو ذاك، بعيداً من جوهر الموضوع، تماماً كما هي الحال مع هذا المهرجان الذي لم يستطع على مرّ الدورات التسع أن يبني هوية له وأن يرتب له مكاناً في أذهان السينيفيليين٠

لكن علة وجوده باتت معروفة. فهذا المهرجان لا يعرف ما يريد. واذا عرف، استعصى عليه نيله. واذا نال، لا يعرف كيفية توظيفه في الاطار الصحّ. فماذا يعني مثلاً ان يؤتى بكوبولا الى بيروت، ولا يُستغل وجوده الا للسياحة ولمناسبات اجتماعية عديمة الفائدة والأهمية، لإرضاء أطراف لا يهتمون الا بتسطيح الأشياء وافراغها من معناها. صحافة متخصصة، طلاب سمعي - بصري، مهتمون بالشأن السينمائي، سينيفيليون، أين هؤلاء من هذا الحدث؟ ما إن جاء الرجل حتى تبخر، لا نعرف اين. هناك شيء، لا بل أشياء لا نفهمها، وهي كانت دوماً على هذا النحو السريّ في هذا المهرجان، والأرجح ان الوضع سيبقى على ما هو عليه.
بعض المهرجانات السينمائية تصنع مدناً. أما هذا الموعد الذي نحن في صدد متابعته فأصبح نزوة موسمية، وهو لا يستوقف الجمهور ولا يشغل متابعي الدورة السينمائية في البلد. عمر المهرجان، الذي غيّر جلده مراراً، بات تسع سنوات. ولا يبدو مهرجان بيروت شيخاً لاهثاً في نهاية عمره، بل يبدو مراهقاً. فما السبيل للنهوض بهذا المهرجان، الذي يحمل اسم بيروت، وتحويله من موعد للنزوات الموسمية لجعله موعداً حقيقياً للأفلام، حيث النقاش هو السائد، والمادة الجادة هي المهيمنة؟ قرار هذه الانعطافة الضرورية في يد كوليت نوفل، ولا احد سواها


فـــي "تـــيــــتـــــــــرو"إيـــطـــــالــي الـــــهـــــــوى فـــرنــســـيــــس،

بعد ثلاثة عقود على نيله "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ، عن فيلمه "القيامة الآن"، عاد فرنسيس فورد كوبولا وقدّم فيه، في ايار الفائت، واحداً من أكثر الأفلام شخصانية في مساره. لكن مشاركته هذه المرة لم تكن في المسابقة الرسمية بل في "اسبوعا المخرجين"، وهو القسم الذي وجد انه يليق أكثر بفيلم ينحو الى التجريبية. "تيترو" هو خلاصة عمله كسينمائي أميركي من أصول ايطالية، نظرته مشبعة بثقافة بصرية عالية جداً، وهو الشيء الذي كثيراً ما يجري إهماله عندما نتحدث عن شغله. فلا عجب اذاً، ومخرجنا يريد التفنّن والابتكار، ان نجد في الشريط الباروكي الاسلوب والايطالي الهوى، بعض اللقطات التي تذكّرنا بإدارة ايطالية للممثلين، بدءاً من دخول الشخوص الى الكادر وخروجهم منه، وصولاً الى الحوارات المتشعبة والمتداخلة. طبعاً، كوبولا يتلذذ لتحلّيه بقدر هائل من الحرية، على رغم ان الحرية هي عند صاحب "العراب" وهم ظل يبحث عنه طوال حياته، وحين وجد هذا الوهم لم يكن الا علاقة حبّ من طرف واحد. بمعنى آخر، ان أهم ما انجزه كوبولا في حياته هو ما انجزه مقيّداً وليس حراً. الضغوط الخلاّقة كانت دائماً تنتشله من العبث الذي سار خلفه سنين طويلة. في اللقاء الذي جرى معه في كانّ، قال الآتي: "كان عندي استقلالية تامة في عملية تصوير كل الأفلام التي أنجزتها بعد "العراب"، ومَنْتَجتها. ولكن عندما تعرضت لانتكاسة مادية كبيرة، وصرت مديوناً للمصرف، فإن كل الأفلام التي انجزتها ما بين سنوات الاربعين والخمسين من عمري هي اعمال طُلب مني أن أنجزها، ولست صاحب المبادرة. لكني، عندما لم أعد مديوناً، توقفت عن العمل بهذه الطريقة".
كوبولا ازعج "السيستيم" القائم عليه المصنع الهوليوودي، ولا يزال. لكن استفاد منه الكثير ايضاً ليصنع مجده. اللافت في تيترو"، تحويل تجربته الخاصة في مجال يعرف اسراره جيداً الى " فيلم ينسبه الى طرف آخر. فخلف الكاميرا هناك جبارّ لا تستطيع أن تتكلم عن الاربعين سنة الأخيرة من تاريخ السينما الأميركية من دون أن تأتي على ذكره عشرات المرات. أما على الشاشة، فهناك شخصيات، كلٌّ منها هو كوبولا في جانب من جوانبه. وبينهم جميعاً، هناك شاب في الثامنة عشرة مصفاة الحكاية. جدير بالذكر أن المراهقة ليست موضوعاً طارئاً لدى كوبولا.
الفيلم أولاً وأخيراً هو عن الخلق والكتابة والتأليف. ودعونا نستذكر هنا هوس كوبولا بالتأليف واعتبار كاتب النص الاصلي ذا شأن كبير في عملية صنع الفيلم. ألم يضع في أكثر من مناسبة اسم الكاتب فوق اسم الفيلم: "عراب ماريو بوزو"؛ "دراكولا برام ستوكر". في لقاء له مع الجمهور في مهرجان كانّ، كان له التوضيح الآتي: "عندما أنجزت "العراب" كان العنوان يحمل اسم الكاتب بطريقة لا تجزأ، وعلى الشكل الآتي: "العراب لماريو بوزو". فعلت الشيء نفسه مع "دراكولا لبرام ستوكر". وكنت أحلم دائماً بأن يكون اسمي في عنوان أحد أفلامي. لكن من أجل ذلك كان ينبغي لي أن أكتب نصاً أصلياً. كنت أعتبر عملية الكتابة شيئاً صعباً، ومن هذا المنطلق لم يكن يحق لي أن اضع اسمي مع العنوان، ما دمت لم أكتب السيناريو، وذلك احتراماً وتقديراً. "تيترو" أتاح لي أن أفعل ذلك للمرة الأولى".
دم شكسبيري يجري في عروق السينما التي يصنعها كوبولا، ولا سيما في "تيترو"، حيث التأرجح الصارم بين الجميل والقبيح، بين عبقرية الوالد (في الفيلم) والقدرة المحدودة للولدين الشقيقين اللذين سيحاولان النجاة من سطوته الفكرية عليهما. العائلة وروابط الدم والعلاقات المكلومة، هذه كلها يسردها بدراماتورجية مفخمة وباروكية قد يصنفها البعض في خانة الترف والمزايدة، لكنها لعبة تجريبية تسلّي مخرجاً لم يعد عنده شيء ليثبته. أما الجمال التشكيلي بالأبيض والأسود، فهذه قصة أخرى، يستخدمها كوبولا لأسباب تيماتيكية وجمالية وسردية في آن واحد. بممثلين بارعين يقدّمون أفضل ما يملكونه، يحوك كوبولا نصاً معقداً وشاملاً عن رؤيته للحياة والفنّ، حصيلة ما تكوّن في جعبته خلال سبعين عاماً من الابحار بين الواقع والنزوة. بين الحياة - الحلم والحياة - الكابوس. في حمأة هذه الصراعات، لا خلاص عند كوبولا الا بالعشق المتطرف الذي لم يخف عنده البتة مع التقدم في السن، لا بل زاد، وما يؤكد هذا الشيء هو الكلام الذي قاله أمس لكل لبيب: "الفنّ لعاشقه فحسب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان بيروت: منطق مبني على العشوائية وغياب الرؤية
نديم جرجورة

Taking Woodstock
دورة جديدة لمهرجان بيروتي لا يزال مرتبكاً، لعجزه عن التحوّل إلى مؤسّسة متكاملة، تنظّم حضوره الثقافي والفني بشكل سليم. دورة جديدة لمهرجان أُريد له أن يرتبط بالمدينة، فإذا به يتّخذ من المدينة اسمها فقط، محلّقاً في آفاق أخرى وجغرافيات لا تنتهي. فهو مهرجان دولي للسينما تارة أولى، وهو مهرجان دولي لأفلام شرق أوسطية تارة ثانية. جعل مسابقته الرسمية عربية ذات مرّة، مُدخِلاً فيها إيران؛ وفتح التنافس على الجوائز المعنوية أمام جنسيات دولية متفرّقة، مرّات أخرى. لا بأس بهذا كلّه. لكن السجال النقدي لم يؤدّ إلى نتائج تتيح للمهرجان أن يخطو خطوة واحدة، على الأقلّ، إلى الأمام. والجدل الذي أثارته مقالات نقدية خاصّة بدورات سابقة لم يحرّض إدارة المهرجان على البحث الجدّي في لُبّ المشكلة، بهدف حلّها وتحسين شروط النجاح لدورات لاحقة. فإذا بالارتباك سيّد المهرجان، وإذا بالأخطاء ـ التي يُمكن تداركها سريعاً لأنها لا تحتاج إلى ذكاء خارق لمنع وقوعها، بل إلى إحساس بسيط بالمسؤولية وحسن الإدارة والتنظيم ـ تبدأ قبل أربع وعشرين ساعة على افتتاح هذه الدورة، التي أريد لها أن تكون مميّزة بدعوة مخرج أميركي كبير، ظنّاً من إدارة المهرجان أن دعوة كهذه، مهما كانت مهمّة، تُغطي البهتان الحاصل في داخل النشاط الاستعراضي٠

كوبولا
حتى اللحظة الأخيرة، لم يُصدِّق بعض الزملاء النقّاد أن المخرج الأميركي فرنسيس فورد كوبولا سيلبّي دعوة إدارة «مهرجان بيروت السينمائي الدولي» للمشاركة في افتتاح الدورة التاسعة بفيلمه الأخير «تيترو»، على الرغم من الحشد الصحافي والإعلامي الكبير نسبياً في الطابق التاسع في فندق «ألبيرغو» في الأشرفية، الذي انتظر وصول «العرّاب» للقائه إياهم في مؤتمر صحافي عُقد مساء الثلثاء. تأخّرت الطائرة التي أقلّته من دمشق إلى بيروت (تردّد أن السلطات اللبنانية لم تسمح لطائرته الخاصّة بالهبوط في مطار العاصمة اللبنانية، لأسباب لم يذكرها أحدٌ من مسؤولي المهرجان أو مندوبيه الصحافيين)، ما أدّى إلى تأجيل موعد اللقاء تسعين دقيقة، انتهت بدخول كوبولا وزوجته إليانور ومديرة المهرجان البيروتي كوليت نوفل، التي لم تتقيّد بأصول الضيافة، المتمثّلة بتقديم المخرج بكلمة سريعة والاعتذار عن التأخير وتوضيح ملابساته، وبالجلوس إلى جانبه طوال فترة لقائه الزملاء، ولا بأس إذا أدارت اللقاء بينه وبين النقّاد القلائل والصحافيين والإعلاميين الكثر. فهي ارتأت البقاء بعيداً عن هذا الصخب كلّه، ولم تنتبه إلى أصول أخرى يُفترض بها أن تُمَارَس احتراماً للزملاء وللسينما وللمهرجان وللضيف. فالمكان المختار ضيّق للغاية، وآلية تنظيم جلوس النقّاد والزملاء غائبة تماماً، لأن العشوائية طغت، إلى درجة أن النقّاد وجدوا أنفسهم في صفوف خلفية، لأن مصوّرين وصحافيين غير معنيين بالسينما تمترسوا في المقاعد الأولى والثانية. تساءل البعض عن سبب عدم اختيار صالة سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل» في الأشرفية لعقد المؤتمر الصحافي، وعن سبب عدم دعوة مخرجين سينمائيين ومثقفين لبنانيين معنيين بالفن السابع، للقاء المخرج الكبير. لم يحصل أحدٌ على جواب شاف. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس المنطق السائد في إدارة المهرجان، وهو منطق مبني على العشوائية وعدم التخطيط السليم وغياب الرؤية الواضحة والادّعاء الفارغ والهوس القاتل بالاستعراض الإعلامي العابر. هذه تفاصيل صغيرة أكّدت، للمرّة الألف، استحالة قيام إدارة سوية، تصنع مهرجاناً لائقاً بالسينما أولاً وأساساً.
والمهرجان، إذ يحتفل هذا العام بدورته التاسعة (علماً أن توقّفاً حدث ذات عام لأسباب غير مفهومة)، استعاد اسماً قديماً له هو «مهرجان بيروت السينمائي الدولي» (يحلو لإدارة المهرجان ترجمة الاسم الإنكليزي إلى «مهرجان بيروت الدولي للسينما»)، ومقدّماً أفلاماً متفرّقة الأشكال والمضامين. والحركة التي يُحدثها النشاط المذكور هذا، إذ تقترب من الاحتفال بالذكرى العاشرة للتأسيس، باتت إحدى المحطّات السينمائية اللبنانية، التي لم تستطع لغاية الآن الخروج من العاديّ (أو ما دونه) إلى تأكيد حضور ثقافي وفني متحرّر من سطوة المنطق السياحي/ الاستعراضي المغلّف بالسينما وأفلامها ونجومها، إن حضر هؤلاء. وإذا حصلت إدارة المهرجان على عناوين سينمائية مهمّة، بفضل العلاقات العامّة المنسوجة مع أكثر من طرف سينمائي هنا وهناك (وهذا أمر حسنٌ، بل ضروريٌ لإنجاح المهرجان لكنه غير كاف لوحده)، فإن الأفلام الجادة وحدها لا تصنع مهرجاناً، لا يزال محتاجاً إلى شروط عدّة كي يستحقّ اسم «مهرجان» وصفة «دولي»٠

وودستوك
على غرار الدورة السابقة، التي افتُتحت بفيلم بديع ومهمّ وساحر بعنوان «إل ديفو» للإيطالي باولو سورّينتينو، الذي روى فصولاً من سيرة رئيس الوزراء الإيطالي السابق جوليو أندريوتي وعلاقاته المشبوهة بالمافيا وأساليب اشتغاله السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي؛ اختارت إدارة المهرجان البيروتي لافتتاح دورة هذا العام فيلماً جميلاً ومُربكاً، بالمعنى الجمالي والدرامي والإنساني والفني، أنجزه كوبولا بعنوان «تيترو»، الذي افتتح الدورة الواحدة والأربعين لتظاهرة «نصف شهر المخرجين»، في إطار الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي في أيار الفائت. لكن الاختلاف بين الدورتين ظاهرٌ في «فيلم الختام»، إذ عُرض الفيلم اللبناني «ميلودراما حبيبي» لهاني طمبا في ختام الدورة السابقة، بينما اختير الفيلم الأخير للتايواني آنغ لي «اكتساح وودستوك» (المسابقة الرسمية في مهرجان «كان» في دورته الأخيرة) ليختتم الأيام السبعة الخاصّة بالدورة التاسعة للمهرجان البيروتي في الرابع عشر من الشهر الجاري. فالفيلم اللبناني، على الرغم من بساطته الجمالية وسلاسته البصرية واشتغاله الدرامي على العلاقة القائمة بين الآنيّ والذاكرة، بعيداً عن التصوير المباشر لهواجس الحرب ولذكريات الألم والتمزّق الفرديين؛ لم يبلغ المرتبة الإبداعية الجميلة لـ «اكتساح وودستوك»، المنفلش على الذاكرة، والمنفتح على إحدى اللحظات التاريخية التي شهدت تحوّلاً جذرياً في أنماط الثقافة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والانفعالية في أميركا الستينيات٠

إذا شكّل «إل ديفو» افتتاحاً لائقاً لمهرجان متخبّط بأزمات عدّة؛ فإن «تيترو» استعاد تلك اللحظات القليلة والجميلة. ذلك أن كوبولا، العائد إلى الاختبارات السينمائية المغايرة لحالات إنتاجية عادية مرّ بها، إثر وقوعه في كَمّ هائل من المشاكل المالية والأزمات النفسية، اختار أن يعيد صوغ ذكريات خاصّة بسيرته الذاتية، في قالب سينمائي امتلك شكلاً آسراً ومضموناً مُربكاً، لاحتوائه على جرعات متتالية من الصدمات البصرية والدرامية المحرّضة على إعمال العقل والاجتهاد في تفكيك البنى النصّية لفهم سياقاتها المتداخلة بين الذاتيّ والعام، والمتشابكة حكاياتها بعضها ، باحثاً عن جذور أحد أبرز النشاطات الفنية في الولايات 1969بالبعض الآخر. في حين أن آنغ لي عاد، في «اكتساح وودستوك»، إلى العام في فرنسا، والتحوّلات 1968المتحدّة الأميركية، الذي أسّس منعطفاً حقيقياً في المسار التاريخي للمجتمع الأميركي، بعد اندلاع أحداث أيار الاجتماعية والثقافية والإنسانية والحياتية التي زُرعت في قلوب ملايين البشر وعقولهم وانفعالاتهم. أراد أن يستكشف آلية التأسيس لهذا التحوّل، عندما اختار شخصية إليوت تيبر (ديمتري مارتن) ـ الشاب الأميركي اليهودي المتخصّص بهندسة الديكور الداخلي، والمقيم مع والديه، والمرتبك جرّاء عيشه لحظة تحوّل حياتي وإنساني من دون أن يتّخذ القرارات الملائمة لطموحاته وأحلامه ـ محوراً لفيلم مصنوع بتقنية التوثيق ومناخاته الفنية، ومغلّف بأسلوب روائي سردي لم يغرق في التسطيح، لأنه حافظ على المعطيات الواقعية لرسم ملامح مرحلة وتفاصيل ذاكرة لا تزالان فاعلتين، إلى حدّ ما، في الوجدان الجماعي للمجتمع الأميركي (والعالمي، وإن بدرجات متفاوتة). لهذا كلّه، يُمكن القول إن «اكتساح وودستوك» شهادة بصرية عن معنى المواجهة السلمية لملايين الشباب الأميركيين ضد الحرب والسياسة، والدفاع عن الحرية والجنس والتحرّر المطلق من قيود البيئة الغارقة في الدم والعنف والموت. غير أن آنغ لي لم يصوّر الحدث نفسه، بل حفر في التفاصيل المتفرّقة التي بدّلت وجه أميركا والتاريخ، في ظلّ حرب فيتنام، ) وارتفاع حدّة المواجهة الصامتة في حرب الاستنزاف بين 1967واحتدام النزاع القائم في منطقة الشرق الأوسط إثر هزيمة حرب الأيام الستة ( إسرائيل ومصر، بالتزامن مع إحدى أهم الانجازات الأميركية: الصعود إلى القمر. فهذه كلّها مُقدَّمة في المشاهد الأولى من الفيلم، الذي يدخل سريعاً في الحياة المملّة في المدينة الأميركية «غرينويتش فيلاج» القريبة من نيويورك، قبل أن تنقلب الأمور كلّها رأساً على عقب

تحقيق | تاريخ وحاضر القُبلة في السينما العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

تحية كاريوكا وشكري سرحان في "شباب إمرأة"٠

تختصر القُبلة في رموزها الكثير مما يمكن أن يُقال فيها وحولها٠
ليس فقط أن هناك قُبلات وليس قُبلة واحدة، من قُبلة الأب حين وداع ولده الى قبلة الفتاة التي تنتظر حبيبها في خلوتهما، ومن قُبلة الصلح والمصالحة، وهذه ذات نوعين، كاذب وصادق، الى قُبلة يطبعها الصغار والكبار على أيدي ممتدّة تطلب امتثالاً وتنشد الطاعة. والقبلة العاطفية بدورها على درجات: واحدة مجاملة والأخرى نصف ممتنعة والثالثة للإثارة بحدود والرابعة بغير حدود٠

القبلة تختصر رموزاً عدّة ليس فقط لأن أنواعها وغايتها كثيرة وكل منها مشروع لأجل غاية مختلفة بل لأن القبلة هي اختصار زمني. الجسر الممدود بين طرفين وحالما يقطع مسافته كل طرف بإتجاه الآخر فإن القبلة تصبح الخطوة الأولى التي تمهّد، الا في الحالات الإستنثائية، الى الممارسة الغرامية حيث تتوزّع القبل فوق كلّ الجسد وحين تفعل تكون بمجملها الوصلة بين القُبلة الأولى وبين البلوغ والنشوة الجنسية. وهي -القُبلة وليس النشوة- تعود فتختم المطاف، ولو مؤقتاً، قبل بدء دورة جديدة. لأن "مرة واحدة لا تكفي"٠

القبلة عند أنطون تشيخوف في روايته القصيرة "القبلة" هي فاصل بين حقيقة وخيال: يحضر حفلة. يدخل غرفة مظلمة. تهب إليه أنثى. تطبع على فمه قبلة قبل أن تدرك أنه ليس الرجل الذي كانت تنتظره. تمضي في سرعة ويقف هو محتاراً. باقي الرواية هي بحثه عن تلك المرأة وهو الذي لم يستطع تبيان ملامحها، وبالتالي لا يملك أي دلالة على أن تلك القبلة حدثت٠
لابد من الإشارة ومن دون استعراض السينما الغربية هنا أنه في العام 1896 أحدثت قُبلة تبادلها جون رايس وماي إروين في فيلم من 47 ثانية أسمه »القبلة«، ردّات فعل حادّة واحتجاجات صحافية ومؤسساتية وجدت أن تلك القبلة لا محل لها أن تعرض على الناس. ولو وقعت على الطريق العام لنالت ذات الإستهجان ولربما تدخل البوليس. لكن الشاشة الكبيرة أفدح. إنها كل الطرق. كل المدينة٠


القُبلة الأولى .... تمّت ... لم تتم

الأفلام الصامتة العربية قليلة جدّاً، لكن أوّلها حمل القبلة في العنوان. إنه فيلم للفلسطينيين إبراهيم وبدر لاما (أساساً "الأعمى" وليس لاما، لكنهما حملا لاما بعدما هاجرا الى تشيلي وتزوّدا منها بطريقة النطق فصارت الإسم المعروف عربياً أيضاً). هذا الفيلم هو »قبلة في الصحراء« الذي عرض في الخامس من أيار (ماي) سنة 1927 ولو أن المرء سيجد بعض المؤرخين في مصر يذكرون أنه كان ثاني الأفلام المصرية رغم أنه عرض قبل الفيلم الآخر، وهو فيلم »ليلى« لعزيزة أمير بنحو ستة أشهر. السبب هو أن الاما كانا فلسطينيين وبداية السينما المصرية يجب أن تكون مصرية بالكامل٠

ويستطيع المرء أن يقلّب التاريخ بين يديه ويستخلص، لكن المهم هنا هو أن بيانات هذا الفيلم المفقود لا تشير إذا ما احتوى بالفعل على قُبلة، ذلك أن القصّة تذكر أن مشروع قُبلة يقع لكنها لا تذكر إذا ما وقع بالفعل وذلك في مشهد يلتقي فيها بطل الفيلم (بدر لاما) بالفتاة الأميركية (وداد عرفي) في رحى معركة دائرة. كانا التقيا سابقاً ووقعاً في الحب من النظرة الأولى لكن شيئا لم يحدث آنذاك. الان هو مقنّع لكنها تعرفه من خنجره. تهفو اليه لكي يقبّلها او -على الأقل- لتقبّله هي، لكنه يتحاشى ذلك و-حسب مصادر- لأن العادات العربية تمنع القبلة في الأماكن العمومية (كما كان الحال في العديد من دول الغرب في ذلك الحين)٠



إنه من الصعب جدّاً تصوير القُبلة٠
نتكلّم سينما لنصف حالة٠
إذا قرر المخرج لقطة قريبة لوجهين يقتربان ثم يلتحمان في قُبلة فإن الخطر هنا هو أن يبدو ميكانيكياً٠
إذا صوّرهما من بعيد، الخطر هو أن يفقد المشهد حسّه ونبضه٠
إذا طلب منهما قبلة خاطفة قتل على المكنون الداخلي، وإذا طلب منهما قبلة بطيئة خاف أن يسمع شخير من في الصالة٠
إذا صوّر المرأة بلقطة وهي تتحرّك بوجهها الى الأمام، ثم لقطة -من نفس الحجم والزاوية- للرجل وهو يتحرّك بوجهه الى الأمام. ثم لقطة ثانية لها، وثالثة له ثم اليهما معاً، شبّه القُبلة بقطارين يتصادمان من حيث لا يريد٠
لأن تصوير القُبلة أمر صعب، فإنه من النادر أن ينتقل حس القُبلة الى المشاهدين. وهؤلاء في العالم العربي، على الأخص، لديهم "زوايا نظر" أخرى غير تلك المسجّلة على الشاشة. الرجل الساخر من الفيلم العربي لقصوره في تجسيد الواقع منذ البداية، سوف ينتظر ما بعدها. وإذا انتظر ما بعدها ضاعت القُبلة وأثرها، لأنها من المفترض أن تسطو على اهتمام المشاهد لذاتها، كما تسطو القُبلة في الحياة على اهتمام فاعلها لأنها التمهيد لما بعد٠
بالنسبة للمكبوت او المحروم، ذكراً او أنثى، وعلماً بأن غالبية الأفلام العربية تتوقّف عند حد القُبلة وتترك للمشاهدين تخيّل الباقي، فإن القبلة بالغة الأهمية وإذا ما كان الرجل هائماً بـإحدى الممثلات، نقل معه إحساس القبلة لخارج الصالة واعتبر أن الممثلة التي يحب هي أفضل من قبّل. حين يتزوّج سيطلب من زوجته أن تقبّله كما قبّلت تلك الممثلة البطل. والعكس صحيح. الفتاة، في عصر أخاله مضى الآن لأسباب ليست كلّها إيجابية، كانت تأخذ صورة رشدي أباظة او عبد الحليم حافظ او -نعم- حسن يوسف أحياناً لما بعد الفيلم وتقارن كل شاب تلتقيه بتلك الصورة. أهو قريب منها او بعيد؟ هل يستطيع أن يقترب؟ هل لديه خصال تشبه تلك التي لدى رشدي او عبد الحليم؟

لكن الفريق الأعم من الناس هم الذين كانوا يدركون أن الرقابة تمنع على المخرج وعلى الفيلم ومن ثم عليهم أن ينتقلوا الى الجانب الآخر من الجسر. لذلك فإن القبلة كانت مهمّة ويتم التركيز عليها لأنها مفتاح ما سيتفاعل ما في البال خصوصاً إذا ما سمح المخرج وممثليه لأنفسهم التمادي قليلاً لما بعد القُبلة، او تحويل القبلة الى ممارسة جنسية مصغّرة عن طريق ذلك النهم المفترض أن بطليه سيغرفان منه٠
وعلى القُبلة تتوقّف أشياء كثيرة. مثلاً وقعها إذا ما كان الرجل والمرأة متزوّجين يختلف عن وقعها إذا ما كانا غير متزوّجين، او إذا كانا حبيبين او لاهيين. او ربما هو اللاهي وهي المخدوعة او العكس كما في فيلم صلاح أبوسيف الرائع "شباب إمرأة" (1956) حيث تحية كاريوكا هي »المعلّمة« هي المنفتحة التي تعرف كل ما يجب أن تعرفه عن الرجل جنسياً وشكري سرحان هو إبن الصعيد الساذج الذي كان وعد الفتاة التي تركها في القرية بأن يعود إليها بعد استكمال دراسته. شكري هو الثمرة المكتنزة هذه المرّة على عكس النظرة التقليدية حيث الفتاة الحلوة التي صانت نفسها من الرجال هي التي تحلو في عين الرجل، ليكن أحمد رمزي او يوسف فخر الدين او ذلك المتأنّق »زير النساء« صلاح نظمي٠

السينما قبل الحب
القبلة لها معان عديدة حسب استخدامها على الشاشة. العنوان كاف، في أحيان كثيرة، من وصف الفيلم بأسره: "ألف بوسة وبوسة" سوف لن يكون سوى كوميديا او خفيفاً. القُبلة هنا هي مطلب مشترك بين حسين فهمي ونجوى فؤاد ويسرا وسمير غانم ولبلبة في فيلم أخرجه محمد عبد العزيز حول مفهوم العلاقة بين الجنسين، وقد يكون رمزاً لألف إمرأة وإمرأة او ألف مجامعة ومجامعة. لكن في فيلم مثل »القبلة الأخيرة« لعز الدين ذو الفقار (مع رشدي أباظة وماجدة وإيهاب نافع- 1967) فإنها لابد أن ترتقي الى موضوع مخرج عالج دراميات عاطفية بنجاح وهذا الفيلم لا يختلف. العنوان يُشير الى نهاية العلاقة بين مخرج سينمائي (أباظة) كان أحب ممثّلته (ماجدة) وتزوّجها وأخذا يحققان الأفلام معاً. فجأة يكتشف أن زوجته مشدودة الى بطل الفيلم الجديد (نافع) الذي هو أصغر سنّاً. في البداية تؤكد له أنه يتوهّم لكنه يتأكد لاحقاً وهي لم تعد تكترث لكبح عواطفها. هاهي تحضنه في المستشفى حين يتعرّض لإصابة. الزوج- المخرج لكي لا يعرّض فيلمه للأذى يكمل التصوير من دون أن يصارح زوجته بما سيفعله بعد انتهاء التصوير: سيطلّقها وسيبارك علاقتها العاطفية الجديدة٠

القبلة تكسر رأس رشدي أباظة العنيد في »عدو المرأة«. أخيراً يقع في الحب إذ علّمته نادية لطفي درسين او ثلاثة في العلاقات العاطفية. في ذلك الفيلم الذي أخرجه سنة 1966 محمود ذو الفقار أيضاً نجد الكاتب الروائي الذي، حسب قصّة يوسف جوهر، لا يحب المرأة. ليس أنه يحب الرجال مثلاً، لكنه ذي موقف متناقض: لا يمانع في النوم معها، لكنه لا يحب شخصيّتها ويعتبرها أقرب الى الآفة الإجتماعية. هذا الى أن تقرر نادية لطفي قيادته من ربطة عنقه الى حيث لم يسمح لنفسه أن ينساق من قبل. ما بين الإغراء الأنثوي حيناً ولعبة القط والفار حيناً آخر وسيل من القبل ينتهي الى الإيمان في النهاية الى تغيير رأيه كاملاً في المرأة٠

لكن نادية لطفي في »النظّارة السوداء« [حسام الدين مصطفى- 1963] هي التي تعاني، حسب قصّة لكاتب قيل فيه أنه كان الأكثر جرأة بين باقي الأدباء وهو إحسان عبد القدّوس، من نماذج رجالية توالت عليها من المخادع الى الأناني وصولاً الى العاشق الذي على استعداد للتضحية بحبه خوفاً من العلاقة وما ستجرّه إليه٠
وسوف لن نجد ممثلة أخرى عكست ذلك القدر من الأنوثة القويّة. تلك المتوّجة بحق المرأة في حرّيتها واستقلالها بصرف النظر عن نظرة الرجل اليها وبل بسبب تلك النظرة: إنها المرأة المشكوك في صدقها وحبّها حيناً والمرأة التي تبدو مستهترة حيناً آخر، وتلك التي لديها ما تحاول أن تخفيه حتى لا يتهدد مستقبلها حينا آخر. لكن حتى في فيلم لاه صنعه حسين كمال سنة 1969 بعنوان »أبي فوق الشجرة« وطلب فيه من نادية لطفي وعبد الحليم حافظ شتاءاً من القبلات فإنها لم تكن تمارس قبلاتها كما تفعل فتاة مراهقة، او لنقل إمرأة متحررة أخرى٠
فيلم »أبي فوق الشجرة« كان يريد أن يربح جولته التجارية عن طريق منح هذين الممثلين: هي التي بدت لنساء كثيرات نموذجاً محبوباً (ولو صعباً) في وضع إجتماعي مُقيد بالتقاليد والمحظورات، وهو الذي كان كهرب الشطر الثاني من النساء عبر أغانيه وصورته الرومانسية. فريد الأطرش لم يكن ليصلح لهذا الدور فيما لو عُرض عليه (ولا أعرف إذا كان سيقبله) فرومانسيّته مختلفة. لكن هذا لا ليعني أن عبد الحليم حافظ كان ممثلاً صالحاً. هناك فرق بين صلاحية الدور لأسباب تتعلّق بالهالة التي تحيط بالممثل وبين التمثيل »الصالح« بمعنى الجيّد٠ حين تشاهد الفيلم اليوم، إذا ما فعلت، ستجد أن صوته هو الذي كانت نادية لطفي، والمشاهدات آنذاك، تمارس الحب معه. لا ملامح وجهه٠

رجل بإتجاهين: يوسف شاهين والجنس


هند رستم عرفت جانباً آخر من دور الأنثى القويّة. لكنها قويّة على »بلدي« (بينما نادية لطفي قوّية على نحو ثقافي- نصف أجنبي). هند رستم هي تشخيص للمرأة التي ستأكل الآيس كريم في الشارع ونادية لطفي التي لن تفعل الا على شاطيء البحر او في داخل البيت. لكن هند رستم هي الإغراء الجسدي المتفجّر الذي لم يخلفه إغراء آخر الى اليوم٠
تعرّف المخرج الراحل يوسف شاهين عليها حين لعبت في فيلمه الأوّل »بابا أمين« (1950) ثم جلبها بعد ثماني سنوات و 35 فيلم الى أحد أفضل أفلامه قاطبة وهو »باب الحديد«. ما بين الفيلمين فإن الكثير من الأدوار التي لعبتها هند رستم، مثل »اعترافات زوجة«، »الجسد«، »إبن حميدو« ، »عشاق الليل« الخ... أكّدتها كممثلة ذات مزايا جسدية فاتكة، بالغة الإثارة، قادرة على فعل النشوة، ولكن ليست المرأة الرخيصة التي تهب من دون حب على الإطلاق٠
كل هذه الأدوار وسواها تعاملت مع جسد هند رستم وجمالها، لكن »باب الحديد« تعامل مع شبق تلك الأنوثة ومن وجهة نظر رجل أسمه قناوي (يوسف شاهين نفسه) يرنو إليها. عاشق متيّم. يلاحقها بنظراته التي تلتهما وبخياله حين يأوي الى خلوته، ويحاول أن يلمسها وأن يقبّلها وأن يصبح كل ما ترغبه منها في الوقت الذي يدرك فيه أنه أعجز من أن يلبّيها. والمخرج ترك فعل التلبية عالقاً: هل هي التلبية الجنسية وحدها او التلبية بأسرها؟
سبب رئيسي أن بائع الصحف قنّاوي نفسياً مضطرب ويتحمّل وزر عاهة في قدمه تجعله يعرج. عجزه ذاك يلتقي وعجز الشهوة الرجالية بين المشاهدين التي تريد الوصول الى جسد هند رستم ولا تستطيع. لكن عند قناوي هذا ليس العجز الوحيد. هنّومة (رستم) بائعة المرطّبات المثلّجة التي تعرف كيف تمسك بالزجاجة الباردة لترطّب بها جسدها الحار، على حب مع الحمّال ذي القوّة البدنية والصحّة المتكاملة أبو سريع (فريد شوقي). في عجزه يريد قنّاوي أن يصبح مثل أبو سريع. وبل، بفهم دوافعه، يريده لنفسه أيضاً٠

إنه من الصعب أن تجد بين الأفلام المصرية (والعربية أساساً) أعمالاً تحمل رموزاً عاطفية ونفسية على نحو ما حملته أفلام يوسف شاهين. »باب الحديد« ما يزال الوحيد من نوعه في السينما العربية وفيه الكثير من الملامح العاطفية الأخرى التي تطرّق إليها شاهين من قبل ذلك الفيلم وبعده، ولو في حدود مواضيع لم يكن أحدها تفصيليا لكن الإيحاء الجنسي واضح ويمشي بإتجاهين
مثلاً في «صراع في الوادي» (1954) نلاحظ أرجوحة القوى ذاتها بين فريد شوقي وعمر الشريف. الأول قوي والثاني ضعيف، الأول يبدو وكأنه يمثل حاجة الثاني إلى سلطته وقوته كما كان الأمر في «باب الحديد» ما بين فريد شوقي أيضاً ويوسف شاهين . لكن شاهين هنا مربوطاً أكثر الى ضرورة توفير قصّة "مستقيمة" أكثر منها نفسية متأرجحة لذلك كان من الضروري أن يحكم القبض على عناصر العلاقة العاطفية التي تربط عمر الشريف وفاتن حمامة في هذا اللقاء الأول بينهما. أحد هذه العناصر تم التعبير عنها بقبلة تجاوزت حدودها سريعاً. فمؤرخي الفترة يؤكدون أن طلاق فاتن حمامة من زوجها عز الدين ذو الفقار تم بسبب تلك القبلة التي زرعتها فاتن حمامة علي وجه عمر الشريف في المشهد الذي جلس فيه الشريف مصاباً ووهناً لا يستطيع الحراك٠


البعض يمضي ليضيف أن شرط فاتن حمامة قبل التصوير هو أن لا تقبّل أحداً او يقبّلها أحد، وكان يوسف شاهين لا يزال ينصاع للنجوم من ممثليه في ذلك الحين فوافق. لكنه (وعمر الشريف) فوجيء بأنها انحنت وقبّلت ثغر الممثل وذلك بعدما شدّها إليه ذلك الوميض الذي شعرت به حين مثّلت معه ذلك المشهد٠
قبله بعام واحد أخرج شاهين »أنت حبيبي« وفيه أيضاً إيحاء ذكوري خفي بين فريد شوقي وشكري سرحان (أكاد أجزم بأنهما لم يقرآها على هذا النحو). الأول أيضاً رمز القوّة والثاني الشاب الطيّب الذي يفتقد ذلك الجانب الذي يتمتّع به الأول. لكن هذا الفيلم فيه بعد آخر مهم مرّره شاهين في أفلام أخرى: في أحد المشاهد تلاعب برلنتي عبد الحميد (وهي نجمة إغراء أخرى لكنها لم تفز بالأدوار الجيدة التي فازت بها هند رستم) صبياً صغيراً فوق أكياس الحصاد. نرى المشهد ذاته تقريباً في فيلم »الأرض« حين تلاعب نجوى إبراهيم صبياً في نفس العمر تقريباً. كلمة تلاعب ليست لوصف تصرّف جنسي مباشر، لكن الجنس في أفلام شاهين مثل الهواء تستنشقه دون أن تراه. في »حدوتة مصرية« يكبر الصبي عما كان عليه في الفيلمين الأوّلين ويستسلم لإمرأة ناضجة رغبت فيه. بعض أبطال شاهين لا يمكن لهم ممارسة الحب الا بدعوة من المرأة٠

ظلال الحرية

ما سبق يؤكد ارتباطاً وثيقاً بين القبلة والجنس. ويكاد هذا الأمر أن يُقبل من دون تردد. القبلة التي تُطبع على الشفتين هي جنسية. ليس لها تفسير آخر. حين يود أحد الطرفين تفادي المعنى الجنسي فيها فإنه يطبعها على الخد او يستبدلها بمصافحة يد. لكن في السينما العربية جيز لها أن تحمل إبهاماً دائماً (ولو ليس قويّاً) في الكثير من الأحيان بسبب التقاليد والروابط الإجتماعية مع المفاهيم الدينية والأخلاقية ممتزجة
وهذا ال