لديك بريد

-----------------------------

العديد من رسائل القراء تنتظر الرد معظمها تم إرساله إلى بريد المجلة m.rouda@gmx.com

المشكلة هي في الوقت الذي تتطلبه المواكبة. هذا ليس مشكلة القراء طبعاً، بل مشكلتي أنا وأتحمل مسؤوليتها. لكني أتقدم منكم بالإعتذار عن التأخير والتأكد من أن لا رسالة تمر من دون إهتمامي. بعض الرسائل تحتاج إلى بحث وتقصّـي (مثلاً، عندي رسالة يذكر فيها القاريء مشهداً من فيلم لا يذكر عنوانه ويتمنّـى أن أساعده). لكن سأفعل وخلال مطلع الأسبوع المقبل سيكون كل شيء جاهزاً، من أوّل وجديد.

تحياتي وللأخوة المسيحيين ميلاد سعيد، ولنا جميعاً أعواماً أفضل إن شاء الله.

Oct 31, 2009

إدغار ألان بو | مهرجان الدوحة- ترايبيكا | المسافر، هيلوبوليس، أحكي يا شهرزاد | مقابلة مع مايكل مور | السينما التركية- الجزء الثالث

Year 3 | Issue 466

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Cover Story


London River

بينما يعرض فيلم »لندن ريڤر« في مهرجان دوحة/ ترايبيكا هذه الأيام، تتم الإستعدادات لإطلاقه في عروض أميركية في المدن الكبيرة (لوس أنجيليس، نيويورك الخ...)٠
هو الفيلم الأخير للمخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب ويدور حول صداقة بين مهاجر مسلم أسمه عثمان (الأفريقي سوتيكوي كوياتي) وإمرأة إنكليزية أسمها إليزابث (برندا بليثن) يتعرّضان لمحنة المجزرة الإرهابية التي وقعت في العاصمة اللندنية قبل سنوات٠



هذا العدد

هناك تحيّات لأوجه متعددة للسينما العربية في هذا العدد: محمد رُضا يكتب مادّة أولى عن مهرجان الدوحة | نديم جرجورة يحتفي بالفيلمين المصريين »المسافر« و»هيليوبوليس« بينما يرفع هوڤيك حبشيان قبّعته لفيلم يسري نصر الله. الى ذلك، يختم ميسر مسكي ملفّه عن السينما التركية بنماذج مثيرة للإهتمام لبعض الإنتاجات والأسماء الحديثة، بينما يُجري محمد رُضا مقابلة مع مايكل مور ويكتب عن المؤلّف إدغار ألان بو بمناسبة 200 سنة على موته٠

مهرجان الدوحة ترايبيكا آخر المهرجانات الخليجية

محمد رُضا



انطلق مهرجان الدوحة/ ترايبيكا السينمائي (من دون كلمة الدولي في عنوانه رغم أنه دولي في برمجته) يوم الخميس التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم واستمر حتى الأول من الشهر الحالي كما لو كان في رحلة قصيرة ما أن تبدأ حتى تنتهي ولو على نحو مقصود

مهرجان الدوحة السينمائي هو آخر مهرجانات السينما في منطقة الخليج . هذه المهرجانات كانت بدأت في مطلع الثمانينات عندما أطلق المنتج الكويتي محمد السنعوسي مهرجاناً خاصّا بالتلفزيونات العربية فأقيم لسنةين ثم فُض شمله حين احتج المحافظون على ما سمّوه بتصرّفات بعض الممثلين الضيوف. ما حاول المنتج والإعلامي تأسيسه تمّت التضحية به والمنطقة بقيت خالية من المهرجانات الى أن انطلق في مطلع العقد الأول من هذا القرن مهرجان البحرين للسينما العربية بإدارة المخرج بسّام الذوادي الذي عرف حاجة المنطقة والسينما العربية في آن الى مهرجان سينمائي ونفّذ فكرته، ولو أنه نفّذها لسنة واحد فقط

بعد ذلك انطلق مهرجان في مسقط، عُمان، وجاء زاخراً بالوعود في الأول ثم أخذت أهميّته تتقلّص سنةاً بعد آخر مع بعد المسافة بين الدورة والأخرى، إذ يُقام مرّة كل سنةين. في هذه الأثناء أطلق مسعود أمر الله مهرجان أفلام من الإمارات الذي كان أوّل نجاح مهرجاناتي يصيب هذه المنطقة من العالم على الرغم من محلّيته وبل بسبب محليّته تلك. وحين تم إطلاق مهرجان دبي السينمائي الدولي وجد هذا الحدث نفسه مُحاطاً بكل ما يلزم لأن يحقق غايات إعلامية وفنية كبيرة ونجح في هذا التحدّي كأول مهرجان سينمائي دولي كبير. تبعه، كما نعلم، مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي، الذي بدأ متعثّراً لكنه أنجز نجاحاً ملحوظاً في دورته الثالثة التي انتهت قبل أسابيع قليلة٠

دوحة ترايبيكا ينشد الإختلاف ووسيلته الى ذلك هو الإرتباط بهيكل مهرجاني سينمائي عالمي (هو مهرجان ترايبيكا الذي انطلق في نيويورك في 2002 كرد فعل على كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) وإقامة جسر تعاون بين مهرجانين هما في الواقع مختلفين وذلك على عكس الإعتقاد الذي ساد بأن المهرجان الحالي سيجمع مجمل ما تم عرضه في المهرجان النيويوركي ويعرضه وينتهي الأمر. على العكس من ذلك، أمضى المهرجان أشهره القليلة السابقة وهو يحاول الحصول على العدد الكافي من الأفلام الجديدة، وفي هذا السبيل واجه العديد من المعوقات معظمها كامنة في أنه مهرجان جديد يكمن في منتصف الطريق بين مهرجانين خليجيين مؤسسين، وفي فترة لا تزيد عن أربعة أيام. الى ذلك، فإن اختيار إدارة تتعلّم وهي تمشي ليس أمراً واعداً وبناءاً عليه فإن بضعة معيقات وإحباطات إدارية وعدد من القرارات أدّت الى غير ما أرادت ومن بينها الحصول على أفلام بعضها أقدم من بعض. عربياً ، على سبيل المثال، هناك فيلم الأردني أمين مطالقة »كابتن أبو رائد« الذي عرض قبل سنةين في مهرجان دبي وشبع بعد ذلك دوراناً في المهرجانات، وفيلم الفلسطينية نجوي نجّار »المر والرمّان« الذي سبق له وأن عُرض في مهرجان دبي في الماضي
الى ذلك، هناك بضعة أفلام عُرضت في مهرجان الشرق الأوسط المنصرم من بينها »الزمن المتبقّي« لإيليا سليمان (فلسطين) و»الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور و»لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية« لبهمان قوبادي (إيران)٠

وقت للتقييم
لكن للأمانة، لم ينطلق المهرجان القطري وهو غائب عن فرضية حاجته لتأسيس وجوده في هذا الأول ولو بعرض أفلام سبق عرضها في المنطقة. منذ البداية، كما قالت لهذا الناقد، مديرته المباشرة أماندا بالمر، لم يمانع المهرجان عرض أفلام تتوجّه الى المهرجانات المحيطة. قالت: "ما زلنا جدداً في المنطقة وهمّنا الأوّل هو اختيار الجيّد من ناحية وإتاحة الفرصة لمشاهدته داخل قطر من قبل المواطنين والمقيمين الذين لا تتاح لهم فرصة مشاهدة أفلام فنية وثقافية طوال "٠



  إيليا سليمان في »الزمن الباقي«٠

بالطبع هذه الغاية وحدها تستحق التقدير، فوجود مهرجانين كبيرين آخرين لا يبعدان أكثر من ساعة ونصف بالطائرة (او أقل) عن مهرجان الدوحة لا يعني أن كل قطري ومقيم يستطيع أن يسافر الى دبي او أبو ظبي لمشاهدة الأفلام. الي ذلك، هناك أفلام عديدة (من بينها فيلم الإفتتاح »أميليا« للهندية ميرا نير) لم يسبق له عرضه في أي من هذين المهرجانين
أيضاً يجب الأخذ بعين الإعتبار أن النيّة لإنشاء مهرجان سينمائي قطري وُضُحت، ولو أنها لم تعلن رسمياً، قبل أربع سنوات أي حين تم الإتصال ببعض السينمائيين الأميركيين في هوليوود للغاية، ثم تم ايقاف التباحث حين أدرك المعنيّون هنا أنهم أنفسهم بحاجة الى وقت لتقييم أشمل وأدق للمسائل. خلال هذه الفترة انطلق مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي وواصل مهرجان دبي تقدّمه ما جعل انطلاقة هذا المهرجان تبدو كما لو كانت متأخرة٠
ما يؤخذ على مهرجان الدوحة/ ترايبيكا هو عدم إستعانته بخبرة عربية لتأمين ما يحتاجه كل مهرجان من دعم من قبل سينما المنطقة التي ينتمي اليها أوّلاً (لحين استعان بخبرة المنشّط محمد مخلوف لكن تعاونهما توقّف)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، قراره بأن يولد صغيراً بعدد من الأيام لا تتجاوز الأربعة أيام. طبعاً الهدف في المقبل هو أن ينجز أضعاف منجزاته الأولى هذه السنة وأن يطرح نفسه منافساً ليس فقط على صعيد المنطقة الخليجية، بل على صعيد العالم العربي وعلى مستوى الخارطة العالمية أيضاً وهو يستطيع إذا ما عالج القصور التنظيمية والإدارية التي واكبت دورته الأولى٠


أفلام عربية حديثة: أحمد ماهر وعبد الله يجددان السينما المصرية

 نديم جرجورة


المسافر  

على الرغم من غيابها الواضح عن لائحة الأفلام الفائزة بجوائز الدورة الثالثة لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، أبو ظبي»، التي أُعلنت في السابع عشر من تشرين الأول الجاري، كشف فيلمان مصريان حديثا الإنتاج نمطاً جديداً في مقاربة المسائل الإنسانية الراهنة. وعلى الرغم من تفوّق النجوم السوريين على زملائهم المصريين في الدورة هذه، خصوصاً في حفلة الافتتاح في الثامن من الشهر نفسه، وفي أروقة الأيام العشرة كلّها تقريباً؛ بدت مشاركة سينمائيين مصريين في لجان التحكيم الخاصّة بالمسابقات الرسمية الثلاث تأكيداً على أولوية النوعية، وانسجام إدارة المهرجان، المعقودة على المدير الفني الأميركي بيتر سكارليت، مع أهمية السينما وإعلاء شأنها، في مهرجان أقيم سابقاً على ثنائية النجومية والاستعراض الإعلامي. ذلك أن اختيار المخرج يُسري نصر الله رئيساً للجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، التي ضمّت إليه الممثلة الشابّة منّة شلبي؛ ومشاركة المخرج محمد خان في عضوية لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة (التي ترأّسها الإيراني عباس كياروستامي)؛ شكّلا حظوة للمصريين في واحدة من فرق العمل الخاصّة بمهرجان يُفترض به أن يقترب، أكثر فأكثر، من العمل السينمائي السليم، حيث يُمكن للنقاش الجدّي أن يعثر على مكان أوسع وأرحب. يُمكن إضافة اسم الممثلة هند صبري، المنضمّة إلى لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الوثائقية، مع أنها تونسية الأصل والهوية، ومصرية العمل التمثيلي
شعوران متناقضان 
وقد اشترك فيلمان مصريان في المسابقة هما «المسافر» لأحمد ماهر و«هليوبوليس» لأحمد العبد الله؛ بالإضافة إلى الفيلمين الوثائقيين «كاريوكا» لنبيهة لطفي و«جيران» لتهاني راشد. علماً بأن فيلماً روائياً طويلاً ثالثاً كان يُفترض به أن يُعرض في المسابقة الرسمية أيضاً، وهو «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي، غير أن النسخة الأولى الخارجة توّاً من مسنةل الطبع كانت سيئة، إلى درجة أن فوزي قرّر سحب فيلمه هذا من المسابقة الرسمية نهائياً، بموافقة إدارة المهرجان. وإذا بدا الروائيان الطويلان أكثر تماسكاً درامياً، وأقوى جماليات فنية، وأفعل تأثيراً سينمائياً وإنسانياً؛ فإن الفيلمين الوثائقيين انطلقا من حالة جغرافية (غاردن سيتي)، بعوالمها الاجتماعية والثقافية والمناطقية والحياتية، وجدت نفسها في مرحلة متناقضة تماماً وذاكرتها الموغلة في الوجدان والحساسية والتاريخ البعيد (جيران)؛ أو من شخصية فاعلة ومؤثّرة في المشهد الفني المصري والعربي، ومن فنانة (تحية كاريوكا) تحوّلت سيرتها في الفيلم (كاريوكا) إلى معاينة شفّافة لتاريخ مصري جماعي منفتح على أسئلة الانتماء والإبداع والتحوّلات. أرادت تهاني راشد استعادة الزمن الجميل للحيّ الشهير في القاهرة، على ضوء المستجدات الأمنية المفروضة عليه بسبب وجود الحراسة الأمنية المشدّدة على السفارة الاميركية، وما أحدثه التشدّد (بالإضافة إلى عوامل أخرى، كاكتساح الفقراء شوارع المدينة والحي مثلاً) من تبدلّ فظيع في أحوال المكان وناسه. وسعت نبيهة لطفي إلى إعادة رسم الصورة الأنقى عن الفنانة الأجمل، معتمدة البناء الكلاسيكي في ترجمة الصُوَر الوثائقية واللقاءات التي أجرتها مع عدد من المثقفين والفنانين المصريين. لم يخرج «جيران» و«كاريوكا» من القالب التقليدي البحت في صناعة الفيلم الوثائقي، ولم يندرجا في السياق الإبداعي المتجدّد في دمج الوثائقي بالمتخيّل، ولم يذهبا إلى أبعد من كونهما شهادة» جميلة وعادية عن زمن مضى. «٠

غياب الزمن الجميل
هذه العودة البصرية إلى زمن مضى ماثلةٌ أيضاً في المناخ للفيلمين الروائيين الطويلين، اللذين امتلكا قواسم مشتركة عدّة: فهما الفيلم الروائي الطويل الأول لصاحبيهما، وهما من إنجاز مخرجين شابين، بحثا في التحوّلات المدينية والثقافية والإنسانية والتاريخية لبيئة ومجتمع وناس، ورسما معالم الاغتراب الفردي، من خلال شخصيات محطّمة وخائبة ومنزلقة إلى عزلاتها القاتلة. في المقابل، هناك اختلاف واضح في أسلوب المعالجة وإدارة الممثلين والأمكنة الجغرافية، بامتداداتها المجتمعية والحياتية والتاريخية المتعلّقة بالذاكرة، كما في اختيار الممثلين أيضاً، إذ تعاون أحمد ماهر مع «نجوم»، أمثال خالد النبوي وعمر الشريف، بالإضافة إلى سيرين عبد النور؛ بينما تسنةل أحمد العبد الله مع ممثلين شباب، انتقى من بينهم خالد أبو النجا لتأدية دور أساسي قد يكون امتداداً شخصياً له، من حيث العين اللاقطة ملامح التغيير والتبدّل في المستويات كلّها، ومن حيث التلصّص على مآزق الناس المهمَّشين، والتحدّيات التي يواجهونها يومياً. بينما ظلّ أحمد ماهر بعيداً عن مفهوم التلصّص والمعاينة المباشرة للحدث والتحوّل والواقع، على الرغم من أن «المسافر» برمّته شكّل مرآة سينمائية له جعلته يلتقط النبض الإنساني في لحظات تاريخية مصيرية، محرّراً خطابه الثقافي من الحشو السياسي والتحليل المجتمعي والثقافي الفجّ، ومحافظاً على حيوية السينما في مقاربتها الأحاسيس المتفجّرة إزاء مواقف وحالات ولحظات. والتلصّص، كأداة سينمائية بامتياز، غاص في متاهة الفرد داخل الجماعة، جاعلاً آلة الكاميرا نافذة على العالم الذاوي في عزلاته القاتلة، بل على ذاكرة لم تعد قادرة على الصمود طويلاً أمام الوحش المتغلغل في ثنايا المجتمع والعمران والفضاء الإنساني، في قاهرة المعزّ، في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين٠

اختار أحمد ماهر ثلاث محطات أساسية لمقاربة المسار التاريخي للتحولات الحاصلة في القاهرة مرتكزاً على تحديد واضح وصرح للحالة . فهو بدأ سيرة بطله (خالد النبوي/ عمر الشريف) في خريف 1948 قبل أن يتوقف ثانية معه في خريف 1973 قبل أن يصل الى خريف 2001
. لكن الإشارات لا تتسلّط على النصّ السينمائي، ولا تفرض حضوراً سياسياً/ تاريخياً قسرياً على المعالجة الدرامية، وإن وزّعت إشارات متواضعة لها في طيّات الحبكة، كدلالات على المضمون الأساسي للحكاية المتعلّقة ببطل يعاني خريفاً دائماً في حياته، » إشارة ما إلى نكبة فلسطين منذ اللحظة التي وجد نفسه فيها منتحلاً شخصية ليست له. وإذا بدا مشهد الاغتصاب الملتبس في خريف على أيدي اليهود المهاجرين إليها بالقوّة؛ فإن الفصل الأول هذا كلّه نجا من ورطة السياسي والنضالي، لأنه ذهب إلى شجون البطل وانفعالاته وبحثه المستمرّ عمّا يؤكّد وجوده داخل الارتباكات الحاصلة. وإذا أفضى الفصل الثاني إلى نهاية متلائمة و«رعشة» الانتصار المصري/ السوري في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، غلّفها ماهر بصورة انتقادية قاسية (انتصار الغبي على الآخرين، وانتزاع هذا الغبي للمرأة الجميلة الوحيدة (خريف الجماعة من الرجال كلّهم)؛ فإن الأحداث السابقة للنهاية أمعنت في تغريب البطل عن محيطه، وفي دفعه إلى مزيد من العزلة والوحدة والابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يمكن أن يكشف حقيقته. وإذا انطلق الفصل الثالث من سقوط دشمتين كادتا تقتلان البطل، فإن انعكاسٌ حاد للمأزق الفردي في مقاربة التحوّل القاتل داخل القاهرة، وارتباك العيش اليومي فيها.
من جهته، فضّل أحمد العبد الله التزام لحظة واحدة محدّدة، تجعله أقدر على الغوص في تداعيات الأزمنة المتلاحقة، التي أفضت إلى العزلات والاغتراب الاجتماعي والثقافي في قاهرة اليوم. فهو، باختياره «مصر الجديدة» (أو بالأحرى منطقة محدّدة فيها)، أراد معاينة الأشياء والهوامش والتفاصيل الصغيرة، التي بدت جداراً فاصلاً ليس بين ذاكرة عتيقة وراهن موحش، بل بين أناس متشابهين لا يعثرون على خلاص لهم من جحيم الأرض. وهو، باستعادته الاسم القديم لتلك المنطقة عنواناً لفيلمه (هليوبوليس)، بدا كأنه يحيل المُشاهد، منذ اللحظة الأولى، إلى مراقب ومشارك في آن واحد: مراقب يُسرف في التلصّص على المدينة وناسها، وعلى الذاكرة وبقاياها، وعلى الراهن وتشعبّاته القاتلة؛ ومشارك يعيد كتابة الآنيّ مع المخرج الشاب نفسه، بدلاً من أن يبقى محايداً في مشاهدته٠
أما الشخصيات المرسومة بدقّة درامية جميلة، فقد عكست جوانب متفرّقة من الحياة الآنيّة في القاهرة اليوم: شخصيات مضطربة وقلقة، وشخصيات هامشية معزولة ومهانة، وشخصيات محاصرة بتاريخها الفردي ومحصّنة بتغييب قاس لحقيقتها، وشخصيات مسحوقة أمام قوة التغيير الحاصل، ومستسلمة لمشيئة التحوّل القاتل. لكن خللاً ما أصاب الفيلم، عندما أدخل في سياقه الروائي مفردات العمل الوثائقي، من دون أن يدمجهما معاً في سياق سينمائي واحد. فعندما قرّر الباحث في شؤون الأقليات الباقية في قلب القاهرة، تصوير نتائج التحوّلات التي أصابت العمارة والشوارع والناس، كي تستطيع السيدة اليهودية (أوهمت جيرانها جميعهم بأنها مسيحية) المقيمة في منزلها منذ سنين طويلة معاينة ما يجري خارج جدران بيتها وعزلتها، اهتزّ البناء الدرامي، لأن العلاقة بين النوعين لم تُترجم كما يجب. وهذا لم يؤثّر كثيراً على البنية الدرامية كلّها، لأن إيجابيات عدّة منحت «هليوبوليس» حضوراً متميّزاً في المشهد السينمائي المصري، الخاصّ بجيل سينمائي شاب جديد، لعلّه يؤشّر إلى إمكانية ولادة نمط سينمائي متجدّد ومنقلب على المساوئ الدرامية والفكرية والجمالية للغالبية الساحقة من الإنتاج السينمائي الحالي

مايكل مور: فكرت في فيلم »الرأسمالية« منذ فيلمي الأول قبل عشرين سنة


مقابلة: محمد رُضا



تقول الملحقة الصحافية لي  قبيل وصول المخرج الى مأدبة الغذاء التي أقيمت على شرفه وشرف المخرجين أوليفر ستون وأنطوان فوكوا: أتصل ليقول آسف على التأخير، لكنه في الطريق الينا وسيكون هنا بعد خمس دقائق٠
ثم تضيف: "إنه لا يذهب الى مكان من دون مرافق؟"٠
حين وصل مايكل مور وتقدّم من مكانه المحجوز اعتذر للتأخير لكني لم ألحظ معه أي مرافق. نظرت الى الملحقة الصحافية فأعطتني إشارة تفيد بأنها لا تعرف الجواب٠
المهم مايكل مور وصل والغذاء سيبدأ وبعده الحوار٠
كونه يظهر في الأفلام التي يحققها يجعله معروفاً على صعيد عالمي، لكن حتى ولو لم يظهر في أفلامه الوثائقية المختلفة التي يقوم بإخراجها، فإن أعماله كانت ستشهره كونها شهدت نجاحات حول العالم. وعلى أساسها عُرف بالمخرج المشاغب حيناً والمخرج المعادي لأميركا حيناً آخر و»كاره أميركا« كما يحب اليمين الأميركي أن يطلق عليه٠

لكن من وجهة نظر غير أميركية، على الأقل، وسينمائية في الوقت ذاته، فإن مايكل مور في أفلامه لا يأتي بنظريات وأيديولوجيّات بقدر ما يبحث في كوامن إجتماعية تؤدي، بالضرورة، الى طروحات سياسية. إنه السينمائي الأميركي الوحيد حالياً الذي يواصل تحريك قضايا تعبّر عن مشاكل المواطنين الآنية. غيره من السينمائيين لين في الحقل الروائي يختارون قضايا تهم الأميركيين لكنها ليس بالضرورة من وجهة نظر المواطن٠
هذا هو بعض الخاص في سينما مايكل مور. البعض الآخر قدرته على أن يصنع فيلمه الوثائقي بعين ريبورتاجية وبصيغة المقال الممهور بقلم وأسلوب كاتبه. وهو دائماً، حين يفعل ذلك، يجعل المنطلق محاولة الإجابة على اسئلة تتردد في باله وفي بال الكثيرين وتراه يحمل الاسئلة لا في شكل الفيلم الوثائقي فقط، بل مباشرة الى أهل الحكم او السُلطة او المعنيين٠
في »روجر وأنا« (1989) قصد أصحاب مصانع السيارات »جنرال موتورز« ليسألهم تفسيراً لإغلاق مصنعهم في مدينة فلينت، ولاية ميتشغَن، ما تسبب في طرد ألوف العمّال
في »باولينغ لكولمباين« (2002) أراد معرفة ما الذي يدفع الأميركيين لحمل السلاح ولماذا تجارة المسدّسات والبنادق مزدهرة في الحياة العامّة في اميركا أكثر منها في كندا. لهذا الغرض ذهب لمقابلة الممثل الراحل تشارلتون هستون، الذي كان، ومنذ سنوات عدّة، يرأس »الجمعية الأميركية للبنادق« لا مدافعاً عن حق الأميركيين في حمل السلاح فقط، بل نشطاً في سبيل هذه الدعوة. تشارلتون استقبل مور وبدا عليه كمخرج يريد إجراء حديث معه. وكيف لا يكون حديثاً للتعريف بالجمعية او مسؤولياته رئيساً، او ربما بأدواره التاريخية. حين فوجيء بأن المخرج مور يحاوره من مبدأ مناهض لمبدأه طلب إنهاء المقابلة. مور وجد نفسه خارج البيت مكتفياً بما استطاع تصويره٠
في فيلمه الثالث »فهرنهايت 9/11« (2004) استوقف أعضاء من الكونغرس ليسألهم سبب تأييدهم للحرب على العراق أولاً، و»هل سترسل إبنك ليدافع عن أميركا في تلك الحرب؟« ثانياً. لا عجب أن معظمهم لم يرد الحديث إليه وهم الذين سمعوا به من قبل٠
ثم جاء »سيكو« (2007) الذي تجرأ فيه على المقارنة بين الطبابة في اميركا والطبابة لا في فرنسا وبعض الدول الاسكندنافية وكندا فقط، بل في كوبا أيضاً. هذا الفيلم نهى علاقته الودّية، او ما بقي منها، لدي اليمين الأميركي الذين كانوا بدأوا يتحرّكون ضدّه اعلامياً وسينمائياً فإنجزوا بضعة أفلام وثائقية مضاده وفيلماً روائياً واحداً بعنوان »إنشودة أميركية« دار حول مخرج بدين أسمه مايكل مالوني (قام به كَڤن فارلي) يحقق أفلاماً معادية لأميركا ما يستوجب فتح عينيه على الحقائق الغائبة عنه. مناسبة ليلتقي بملك الموت الذي يأخذه في رحلة عبر التاريخ يلتقي فيها والجنرال الأميركي باتون والرئيس السابق جون ف. كندي ومقدّم البرامج التلفزيونية اليميني بيل اورايلي كما أول رئيس جمهورية أميركي وهو جورج واشنطن (قام به الممثل جون فويت الذي عمل في حملة انتخابية مناوئة لباراك أوباما كما آخرين منهم أرنولد شوارتزنيغر وتشاك نوريس)٠

لكن لا هذا الفيلم ولا سواه، ولا الهجوم الإعلامي المركّز عليه يمنعه من المواصلة. وها هو »رأسمالية: قصّة حب« (الذي عُرض في مسابقة مهرجان فنيسيا، حيث تمّت هذه المقابلة، قبل توجهه الى مهرجانات أخرى من بينها تورنتو والشرق الأوسط في أبو ظبي) يطرق ذات الباب بأسئلة صعبة مستمدّة مما حدث لأميركا من أزمة اقتصادية كادت أن تشل الحياة المالية بأسرها٠

الى جانب أنك الآن أنجح مخرج وثائقي حول العالم، فإنك أحد أكثر
المخرجين الأميركيين إصراراً على التسنةل مع المواضيع السياسية. هل
ينتابك أحيانا إحساس بأنك تريد تحقيق فيلم لا علاقة له بالسياسة؟

وهل هناك فيلم لا علاقة له بالسياسة؟ اسألك٠
لا طبعاً

إذاً حتى ولو رغبت في عدم طرح موضوع لا علاقة له بالسياسة، إفتراضاً أن ذلك ممكناً، فإن السياسة
فيه بلا ريب

كيف تطوّر مشروع هذا الفيلم؟ هل يتطوّر كل فيلم على نحو مختلف؟
حملت هذا الموضوع في بالي لنحو عشرين سنة. كلما جلست لأكتب فيلماً وحين المباشرة في تصويره
أفكّر فيه . فكّرت فيه منذ فيلمي الأول »روجر وأنا« قبل عشرين سنة، ثم حين بدأت تنفيذ »بولينغ لكولمباين« وبعد ذلك حين أخرجت »فهرنهايت 9/11«. المسألة أن الوضع الإقتصادي يقف وراء كل هذه القضايا الأخرى. لم أتوقّف وأقول لنفسي أن عليّ الآن تحقيق هذا الفيلم لكنه كان دائماً في مؤخرة رأسي

فيلم »روجر وأنا« دار حول الوضع الإقتصادي في بلدة
فلينت، متشيغَن٠
صحيح، وفي ذات الوقت ليس فيلماً عن فلينت وحدها. او عن مؤسسة »جنرال موتورز« بالتحديد. بل
عن النظام الإقتصادي غير العادل الذي تعانيه أميركا

ما الذي، إذاً، يجعل »الرأسمالية: قصّة حب« مختلفاً في رأيك؟
عن »روجر وأنا«؟

نعم
أعتقد أنني قبل عشرين سنة لم أقرأ الوضع الإقتصادي على نحو شامل. وحين ووجهت بما يعارض
معلوماتي الأوّلية لم أسع الى توسيع رقعة المعرفة وتصرّفت على نحو مختلف تماماً عما تصرّفت عليه هنا حيث أصبح من غير الممكن غض النظر عن مسؤولية هذا الوضع بالنسبة للأزمات المختلفة التي نعاني منها٠

إذاً كيف تطوّر هذا المشروع؟
حينما كنت أحضر لفيلم »سيكو« خطر لي أنه لم يعد بالإمكان التغاضي عن مواجهة هذا الموضوع
الذي يقف وراء كل المشاكل التي نعاني منها في أميركا. كما تعلم »سيكو« هو فيلم عن شركات التأمين الصحّي وهو في النهاية يصب في ذات الخط العريض لهذا الفيلم. كلاهما، مثلاً، يتحدّثان عن الجشع الذي يمتلك النظام الإقتصادي الذي نعيشه. طبعاً في ذلك الفيلم هو في حدود مؤسسات التأمين الصحّي نفسها وما تقوم به من ممارسات تجعل طلب الإستشفاء شبه مستحيل لمئات الملايين من الأميركيين. كل ذلك لأن تلك المؤسسات تريد تحقيق أرباح وهي ليست في وارد السؤال عن اخلاقية ممارساتها طالما أن الغاية المادية هي الأهم. ماذا ستفعل؟ ستكون عادلة او مهتمّة بالمواطن فعلاً على حساب ما تجنيه حالياً من أرباح؟ مستحيل. للإجابة تحديداً على سؤالك: هذا ما أقوم به. أفكر في المشروع. أنتقل الى تنفيذه٠




الا تضع سيناريو؟
أضع أفكاراً لكنها تعيش في بالي على أي حال. معظم المخرجين يكتبون السيناريو سلفاً لأنهم بذلك يضمنون مرجعية ما يقومون به. لكنهم بذلك يربطون عملهم بما وضعوه على الورق. يصير لزاما تصوير ما يتّفق مع السيناريو. أعتقد أن السبب الذي تبدو فيه أفلامي مختلفة هي أنني أقبل التحدّي وانطلق للعمل باحثاً ومتسائلاً تماماً كما تشاهدني في الفيلم٠

الأصبع على الجرح

مثل أفلامك السابقة، هناك، في »رأسمالية« دعوة للتغيير. تغيير
شيء ما. ما الذي تطلبه من المشاهدين في هذا الفيلم او
في أي من أفلامك السابقة؟
أطلب منهم في البداية أن يفكّروا بما شاهدوه. في الحقيقة ربما هذا كل ما أطلبه منهم. أنا واثق من
معظم المشاهدين يخرج من الفيلم مختلفاً عن دخوله إياه. حتى اولئك الذين يعرفون المشكلة وسواهم من الذين يعرفون ما أطرحه في أفلامي. هؤلاء يأتون لكل فيلم لأنهم يريدون معرفة الجواب على عدد من المواضيع المثارة. لدينا شبكة إعلامية واسعة لكن القليل جدّاً مما يُبث مفيد ويضع الأصبع على الجرح تماماً. بل لا أدري إذا كان هناك أحد غيري يطرح الأمور على هذا النحو٠

لماذا أنت بالذات؟ ما الذي يجعلك مهتمّاً أكثر من سواك؟
بكلمة واحدة أستطيع أن أقول لك: إسأل غيري لماذا لا يتحدّثون اللغة ذاتها. لماذا ليس هناك نقاشاً جادا
حول هذا الموضوع؟ لماذا على مايكل مور وحده أن يكون ذلك السينمائي الذي يواصل التحرّش بمثل هذه المواضيع؟ بالنسبة إلي إذا أردت جواباً مني فأنا أقوم بما أؤمن بأنه رسالتي وهذا كاف لدي٠

لكن هناك نقاشات حول هذا الموضوع في الكونغرس بين
المؤيدين لمحاولات باراك أوباما الإصلاحية والمناهضين لها
حين بدأت التفكير في هذا الفيلم لم تكن مسألة النظام الصحي في الولايات المتحدة مطروحة هذا
أولاً. ثانياً أنت ربما تنسى أن الفيلم ليس عن مؤسسات التأمين الصحي فقط. إنه عن كل الأزمة المالية التي انفجرت في وجهنا٠

صحيح. هل تعتبر أن المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي
إذاً؟ ماذا عن النظم الأخرى؟ هل هناك نظام متكامل؟

المشكلة بالنسبة إلينا نحن في أميركا لها علاقة بكيف مارسنا النظام وليست بالنظام وحده. إنها مشكلة تمتد عميقاً في صلب البناء الأساسي. أعتقد أننا غالينا فيه كثيراً. تسألني عن النظم الأخرى. كما بيّنت في »سيكو« وفي »الرأسمالية«، أوروبا من بين تلك التي تعيش نظاماً رأسماليا تزاوج مع مقتضيات التحكّم في الأرباح غير المشروعة وبالجشع كمحرّك فردي. في »باولينغ لكولومباين«« حين تحدّثت عن العنف في أميركا، التي تجاورنا لا يموت فيها قتلاً أكثر من مئتي ضحية في كله. هل تعلم كم جريمة قتل تُرتكب كل يوم في أميركا؟ أربعون. المسألة هي أن ممارستنا للنظام الرأسمالي فاقت المباديء الأساسية التي بنيت أميركا عليها. أصبحنا دولة سينظر اليها العالم في المستقبل على أساس أننا كنّا مغفلين. وفي الأساس، وكما في فيلمي لابد من القول أن
المسألة في نهاية المطاف هي أن هذا النوع من الرأسمالية يتنافى والديمقراطية ونحن علينا أن نكون ديمقراطيين أوّلاً٠

الإنتساب لهوليوود
ما هي علاقتك مع هوليوود؟ هل تعتبر نفسك واحداً
من أبنائها؟
يضحك: أنا سينمائي انتمي الى السينما الأميركية وليست كلّها هوليوودية .... أنت تعرف ذلك٠

نعم. حين أخرجت فيلمك الروائي الوحيد »كناديان بايكون« هل
كان ذلك محاولة منك للتوسّع في طروحاتك السياسية؟
ربما. كانت لديّ فكرة كتابة هذا الفيلم الإفتراضي من نوع »ماذا يحدث لو ...« والإفتراض هنا
كان الرئيس الأميركي لكي يرفع من شعبيّته بحاجة الى حرب ولو أنه لا يريدها فعلاً وكندا، التي تقع على الحدود وتتميّز بنظام رأسمالي »عادل« بدت البلد المناسب لإشاعة حرب باردة. طبعاً ليست هناك من فكرة لفيلم وثائقي في هذا الموضوع وطرحه روائياً كان السبيل الوحيد٠

هل عني لك عدم نجاحه التجاري شيئاً مثل لم أقدمت
على فيلم روائي؟
تساءلت، إذا أردتني أن أكون صريحاً معك، عما لو أنني كنت بحاجة الى فيلم روائي لكن هذا
طبعاً بعد أن حققت الفيلم. ثم مرّة ثانية بعد أن عُرض. لم يفشل الفيلم تماماً. ليس أقل إيرادا من العديد من الأفلام التي يتم إنتاجها. لكني مرّة ثانية لابد أن أذكر أن قول ما أردت قوله لم يكن ليتم الا بواسطة الفيلم الروائي. هل لو نجح كنت سأستمر في الروائي؟ تستطيع أن تقلب السؤال. لا أعتقد لأن ذلك الفيلم لم يكن مقدّمة للعمل في هذا النوع من الأفلام او لكي انتسب الى هوليوود. لو نجح أكثر؟ لا أدري. أعتقد أنني الآن في المكان الصحيح في الوقت الصحيح وفي الإطار الصحيح أيضاً لكي أتحدّث عما أريد الحديث فيه حول المسائل التي تهم المواطنين

في حين أن مخرجين آخرين في هوليوود يتناولون الموضوع
السياسي، الا أنك تتناوله من زاوية المواطنين. دائما في بالك٠
شكرا. هذه تحيّة. لكن الحقيقة أن شعوري هو التالي: لم يكن من المفترض بي أن أكون في هذا الموقع لولا أنني واحد من ملايين الناس العاديين. أنا انتمي الى معظم الأميركيين. نحن لا نملك أجهزة إعلامية نعمل من خلالها ولا محطات تلفزيون ولا صحف. يوماً ما تفاعلت مع صرف الموظّفين في مصنع جنرال موتورز للسيارات فنقلت هذا التفاعل الى السينما. ثم وجدت أنها وسيلة صحيحة ومنتشرة لنقل آرائي وآراء الأميركيين العاديين الى اميركا والعالم فاستمرّيت٠

المسألة ليست بهذه السهولة على ما أظن. هناك الإتهام الذي
يوجّه اليك بأنك معاد لأميركا، ثم هناك حقيقة أخرى: الفيلم
الوثائقي لم يسبق له أن أنجز نجاحات كما يفعل كلما قدّمت
أنت فيلماً. ما تفسيرك؟
كلاهما متّصل بالآخر. حين أخرجت فيلم »باولينغ لكولومباين« لم يكن هناك اهتماماً كبيراً به. من
كان سيصدّق أنه سينجح؟ أولاً كتبت عنه الصحف الأوروبية بأنه فيلم معاد لأميركا وثانياً موضوعه العنف والمدارس وما حدث في كلية في بلدة صغيرة أسمها كولمباين حين فتح شابّان النار على باقي الطلاّب. لكن المفاجأة كانت أن أمثالي من الأميركيين كانوا يريدون معرفة الحقيقة. مصدر ما حدث. دافعه. ولم يكن هناك من سيتولّى الكشف عن هذه الحقائق لأنها مرتبطة بالنظام الذي يُتيح لتجارة السلاح أن تترعرع، ولها أيضاً جوانب أخرى تتعلّق بالحياة السياسية والإقتصادية برمّتها. من سيهتم في هذا الموضوع؟ أقصد خارج النطاق الإخباري؟ محطات التلفزيون والصحف؟ هي فعلت ذلك كحدث ثم أعقبته أحداثاً أخرى والجديد يطغى على القديم٠

تصرّف كوميدي
في كل فيلم نراك تحاول إحراج الطرف الآخر. ضحكت كثيراً
حين بدأت توقف رجال الكونغرس في »فهرنهايت 9/11« لكي
تطرح عليهم اسئلتك حول رأيهم في الحرب العراقية. وفي هذا
الفيلم تستأجر سيارة نقل أموال مصفّحة وتعلن أنك تريد أن
تستعيد البلايين الثمانية التي حصلت عليها المؤسسات المصرفية
لتجاوز أزمتها .... بعض النقاد يقولون أن هذا تصرّف كوميدي منك
وهم لا يقولون ذلك مدحاً، والبعض الآخر يقول إنك تعاني من
حب الظهور. وهذا بالتأكيد ليس مدحاً

يقولون أيضاً أنني مثير للمشاكل ومعادي لأميركا ولا أحب وطني وأفضل عليه كوبا. وهناك أفلاماً ضدي. لكني في النهاية أنظر الى الموضوع على هذا النحو: ما هي الطريقة الأفضل التي أستطيع فيها الوصول الى الأميركيين؟ إذا كان الأمر يستدعي أن أظهر في بعض المشاهد .... هل تعتقد حقيقة أنني أفعل ذلك كدعاية لنفسي؟ على الأفلام أن تصل. ذلك المشهد الذي تتحدّث عنه في »رأسمالية: قصّة حب« آت من ضرورة تقديم هؤلاء المسؤولين عن الأزمة الإقتصادية في أميركا والعالم الى الرأي على حقيقتهم. تراهم يتحاشونني وفي بعض الأحيان يتحاشاني كثيرون غيرهم كما لو أني سأحمل أخباراً غير سارّة٠

من أين ستمضي من هنا؟ ما هو فيلمك المقبل؟
هذه أول مرّة أنتهي من تحقيق فيلم دون أن يكون لدي فكرة عما سيكون عليه فيلمي المقبل. ليس
عندي إتفاق جاهز مع أحد. الجميع الآن ينتظر من أوباما أن ينقذنا من هذا الوضع الذي نحن فيه وأنا معهم. لن أفكّر في فيلمي المقبل الآن، لكني أفكر في الخطوة التي سيتّخذها أوباما لأنه جاء من طبقة اجتماعية مختلفة تماماً عن تلك التي يأتي منها عادة السياسيون الآخرون، وهذا مطمئن جدّاً٠

نشرت هذه المقابلة في صحيفة »الشرق الأوسط«٠


السينما التركية في التسعينات واليوم
ميسر مسكي





مَلفـّات ساخنة
منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، نشطت حركة ثقافية مستجدّة في تركيا تناولت الكثير مما كان محظوراً الخوض في شؤونه قبل سنوات. و لم تتأخر السينما في إلتقاط اللحظة لطرح رؤية مخرجيها في قضايا و ملفات لم تـُناقـَش منذ سقوط الدولة العثمانية قبل ثمانين سنةاً.

سنورد هنا بعض هذه الملفات في عجالة على أن نعود إليها بالتفصيل إلى بعض منها في الجزء الثاني٠

لعلَ أهم هذه الملفات هي أزمة الإنسان – الفرد في مجتمع شَهَدَ تحولات جذرية، عنيفة و قسرية في تعريف إنتماؤه كما في توجيه مساراته في حياته اليومية العادية. و من تلك الأفلام عمل المخرج فاتح أكين "عبور الجسر"، و فيلم نوري بيلج جيلان "مسافة بعيدة".
لكن السينما في تركيا إلتفتت أيضاً إلى ملفات موروثة من صراعات الإمبراطورية القديمة و لا زالت تلعب دوراً في تحديد علاقة الأمة – الدولة مع جوارها الإقليمي كما مع الداخل في تنوع إثنياته٠

الملفّ الأول: اليونان، جار...أم عدو؟
منذ أن اُعلنـَت الدولة التركية الحديثة بعد حرب ضروس و دامية إنتهت بهزيمة الجيش اليوناني سنة 1923، وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين شخص من الطرفين، بقيت السينما التركية تتناول هذا الصراع من باب البطولة والنضال و ريادة أتاتورك، زعيم الأمة، في تكريس إنتصار تركيا الحديثة. أما اليونانيون فيتناولون تلك المرحلة بشيء يشبه حنين العرب إلى الأندلس٠
سنوات طويلة من سطوة الجيش على الحياة ة في تركيا، رَعَت و دَعمَت هذا التوجه في الرؤية السينمائية لمرحلة مصيرية من تكوين الأمة و تعززت هذه الرؤية سنة 1974 بغزو الجيش التركي لقبرص لإنقاذ الأقلية التركية هناك من بطش الأكثرية اليونانية حسب التوصيف الرسمي التركي للأحداث٠
لكن التحولات الكبيرة و المُستجدة منذ أوائل التسعينات في المجتمع و السياسة و طموحات تركيا بالتقارب مع جوارها الأوروبي فتحَ باب الجدل الثقافي و السينمائي نحو نظرة جديدة و بعيدة عن البطولة و شيطنة العدو. فكان فيلم "الوحل" للمخرج درويش زعيم سنة 2003، عن العلاقة المُضطربة بين الجاليتين التركية و اليونانية في الجزيرة المُقسّمة و محاولة الطرفين الوصول للآخر. و في سنة 2004 كان فيلم "في إنتظار الغيوم" للمخرج وسيم أوسطا أوغلو. دراما إنسانية عن إمرأة يونانية أخفت هويتها حين أنقذتها عائلة تركية أيام الحرب مع اليونان سنة 1923. و حين تحاول هذه المرأة البوح بسرّها تنشأ أزمة مع عائلتها اليونانية و تستفيق الجروح التي ما أندملت٠

الملفّ الثاني: أكراد...أم أتراك الجبال؟
تُشكل المسألة الكردية المعضلة الإثنية الأهمّ و الأكثر دموية في تاريخ الدولة التركية الأتاتوركية الحديثة. فحملة "التتريك" التي قادتها النخبة السياسية الحديثة في أنقرة أرادت إنفصالاً كاملاً مع الماضي العثماني الجامع لقوميات مختلفة تحت ظلّ الباب العالي. لذلك ذهبت هذه النخبة إلى حدّ نفي وجود أي عرق آخر غير التركي ضمن حدود الدولة. و من هنا نشأت أزمة الهوية القومية الكردية التي لا زالت مستمرة إلى هذا اليوم٠
هذه المُعضلة كان محرّماً الإشارة إليها في كل نواح الحياة الثقافية التركية حتى سنوات قليلة مضت. أما اليوم وضمن المناخ الأكثر إنفتاحاً، تشهد السينما في تركيا أكثر من إطلالة تتناول الجوانب الإنسانية لهذا الصراع المفتوح مثل فيلم "رجل كبير، حُبّ صغير" سنة 2001 لـ وسيم أوسطا أوغلو، و الذي حُظر عرضه لمدة ستة أشهر قبل السماح له بالظهور على الشاشات التركية و ذلك بسبب ما أعترضت عليه السلطات من طريقة تناول الشرطة التركية فيه. و قبله فيلم "رحلة إلى الشمس" سنة 1999 للمخرج هندان إيبكجي، و هو الفيلم الذي نالَ أكبر تغطية في الغرب منذ فيلم "الطريق"٠

الملفّ الثالث: مذبحة...أم مآساة حرب عالمية؟
قضية تهجير ملايين الأرمن سنة 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى، و ما تعرضوا له من مصاعب مروعة أثناء هجرتهم، لا تزال قضية شديدة الحساسية في الوعي التركي الرسمي كما في و اللاوعي الجمعي الشعبي. فما يقول الأرمن أنه مذابح إبادة جماعية دبرتها و نفذتها الدولة التركية، تردّ عليه الحكومات التركية المُتعاقبة منذ الإستقلال أنه واحد من مآسي الحرب التي عانى منها كل الأتراك نتيجة المجاعة و إنفلات الأمن و أنه لم يكن عملاً مخططاً له أو مُدبر. كما أن الأتراك يجادلون في الأرقام التي يطرحها الأرمن عن عدد القتلى منهم
السينما لا زالت غير قادرة على طرح هذه القضية على الشاشة لحساسيتها الشديدة التي جعلت أديباً تركياً عالمي السمعة مثل أورهان باموك، و الحائز على جائزة نوبل للآداب، يتعرض لملاحقة قضائية حين تفوه بما رآه الكثير من الأتراك خيانة قومية عندما تناول هذه القضية في مقال موسع٠

نماذج
على مسافة بعيدة
Uzak – Distant 2002
المخرج: نوري بيلج سيلان



تفتح الكاميرا في مشهد البداية على صورة يتناوب فيها الأبيض مع الأخضر الباهت و الأزرق الرمادي لتعطي إحساساً بإفتقاد حرارة اللون و حرارة الحس الإنساني. في مقدمة الصورة سهل ممتد يغطيه الثلج، يعلوه هضبة بهتَ لونها الأخضر حيث تتناثر بيوت القرية، و ما تبقى من الصورة يحتله شريط ضيق هو سماء ألتبسَ لونها بين الأزرق الباهت و الرمادي. من عمق الكادر و على المساحة البيضاء يتحرك رجل من عمق الكادر بإتجاه مقدمته. إنه يوسف، الشاب الذي يقرر ترك القرية بحثاً عن عمل في إسطنبول إثر إغلاق المعمل الوحيد في المنطقة و الذي طالما شكلَ مصدر العمل اليتيم لإهل القرية. يوسف يأمل أن يحصل على عمل على متن سفينة تقله إلى العالم الواسع بعيداً عن الموت البطيء في قريته. عمل يعرّفه إلى العالم و يملأ جيوبه بالدولاارات.
حين يصل يوسف إلى مقدمة الكادر، يلتفت إلى القرية، و من ثمّ يخرج من الكادر. هو خروجه (أو محاولة خروجه) من سكون الأشياء و إحتضار الأمل في ريف ناءٍ بدا و كأن العالم قد نسيه خارج الحياة و الزمن
في إسطنبول، يقصد يوسف شقة قريبه محمود الذي سبق و أن غادر القرية قبل عقود حاملاً حلمه بالخلاص في مدينة كانت في يوم عزّ الإمبراطورية. حلم محمود بالفن و التصوير الفوتوغرافي إنتهى به إلى خيبة أن يعمل مصوراً لصالح شركة تنتج السيراميك٠
في الشقة الصغيرة، كما في إسطنبول الواسعة، إبتعدت المسافة بين الرجلين. كلٍ له عالمه و مفهومه للحياة والجنس و الحب و التوق. لوهلة يبدو أن الرجلين هما تجسيد لحال مكونات المجتمع في تركيا المعاصرة. مجتمع موزع بين تقاليد الأسرة و النسب و الإلتزام بالآخر و بين إرهاص الحياة اليومية في مدينة معاصرة تنوء بذاكرة عزّها المندحر و هموم أيامها الراهنة٠
أختار المخرج سيلان أن يصور إسطنبول الرازحة تحت ثلج ثقيل ليحولها إلى جزء عضوي من الحكاية والرؤية. فالمدينة هنا ليست مجرد مكان، بل هي عنصر أساسي في عملية التغريب التي تقود الرجلين في رحلة إبتعادهما المتواصل. تحت طبقة الثلج الكثيفة البيضاء تختفي التفاصيل و تزداد المسافة إتساعاً و وحشة ً. إسطنبول هنا هي أقرب ما تكون إلى بورتريه بالأبيض و الأسود. حتى الشخصيات ترتدي ألبسة سوداء أو رمادية لتزيد من ترسيخ إلتباس العلاقات و إغترابها٠

و تبدو قدرة المخرج لافتة للغاية في خلق كل تلك التفاصيل البصرية و الإنسانية في حكاية لا يحدث فيها شيء، لو جاز التعبير. في خلال بحثه عن عمل يقصد يوسف الميناء على البوسفور و نراه يمرّ أمام سفينة تجارية ضخمة و قد إنقلبت على طرفها و يبدو نصفها غارقاً في مياه البوسفور فيما نصفها الآخر راسياً على البرّ المكسو بالثلج. ندرك هنا، حتى قبل أن يدرك ربما يوسف، أن حلمه بالعمل و السفر على متن باخرة تجارية إنما قد جَنـَحَ أو غرق قبل أن يولد. في تكوين هذا المشهد و البعض غيره، لا تستطيع إلاّ أن يراودك طيف تاركوفسكي. فضآلة الفرد أمام هزيمته المحتومة، و الصمت الذي يروي إنكساره يجمعان بين بيلج سيلان و تاركوفسكي و لو "على مسافة بعيدة."٠
تبدو المسافة بين الرجلين (بيلج سيلان و تاركوفسكي) أقرب في فيلم سيلان القصير "الشرنقة" بالأبيض والأسود.
حاز فيلم "على مسافة بعيدة" على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي سنة 2002 و كانت تلك أول جائزة أساسية للسينما التركية عالمياً منذ فيلم يلماز غوناي "الطريق" سنة 1982.
كما نالَ الممثلان الرئيسيان في الفيلم: مظفر أوزدمير (في دور محمود) و هو دوره الأول سينمائياً و الشاب محمد أمين توبراك جائزة أفضل ممثل في نفس المهرجان. توبراك لم يحضر لإستلام الجائزة لإنه قضى في حادث سيارة قبل إعلان فوزه بأسابيع قليلة. كان حينها في الثامنة و العشرين من عمره٠

Nuri Bilge Ceylan
نوري بيلج سيلان...في لمحة


ولد سنة 1959 في إسطنبول. إثر تخرجه من كلية الهندسة الكهربائية، عادَ إلى معهد "المعمار سنان" الشهير حيث درسَ السينما. فيلمه القصير الأول "شرنقة" سنة 1995 عُرض في مهرجان كان لذلك . فيلمه الطويل الأول كان "مدينة صغيرة". أما فيلمه الثالث "على مسافة بعيدة" هو الذي وضعه على خارطة المهرجانات العالمية حين حاز على جائزة التحكيم الكبرى. أما فيلمه "مناخات" سنة 2006 فقد منحه نقاد مهرجان كان جائزتهم لإفضل فيلم لذلك . نوري بيلج سيلان كان ضمن لجنة تحكيم مهرجان كان للمسابقة الرسمية سنة 2009

رحلة إلى الشمس
Journey to the Sun 1999
المخرجة: يشيم أوسطا أوغلو



إذا كان نوري بيلج سيلان قد أختارَ أن يسبر أزمة مجتمعه من خلال سيرة فردية وجودية، فإن المخرجة يشيم أوسطا أوغلو تذهب مباشرة إلى ملف سياسي بإمتياز. ملف طالما بقي حبيساً بأمر قلم الرقيب: أزمة الأقلية الكردية في تركيا!
أوسطا أوغلو لا تدين ممارسات الجيش و لا عمليات إرهاب الجماعات الكردية المسلحة. هي لا تبحث عن تحليل سياسي أو أيديولوجي لصراع إستنزف أرواح ثلاثين ألف شخص على مدى سنواته التي زادت عن الثلاثين، بل هي تروي حكاية إنسانية بشاعرية تلامس القلب و الروح. أوسطا أوغلو تترك كاميرتها أحياناً تدور في خواء وصمت قرية نائية هجرها سكانها و حملت جدرانها إشارات حمراء وضعها الجيش لتمييز بيوت المخربين حسب التوصيف الرسمي التركي. الصورة توحي بالموقف دون صراخ و لا شعارات.
محمد، شاب تركي داكن السحنة يكافح لكسب قوته في إسطنبول، يجد نفسه يوماً متورطاً في قضية أمنية لا علاقة له بها. فتنشأ بينه و بين شاب كردي (برزان) صداقة لا تلبث أن تضع محمد على طريق إكتشاف ذاته و الآخر الذي طالما أراده المجتمع (أم أن ذلك الآخر أراد لنفسه) أن يكون عدواً
عبر محمد و برزان ذو النشاط المشبوه أمنياً تـُطلّ أوسطا أوغلو على الجانب المظلم من مدينة إسطنبول ذات الحزن الساحر. هي ككل المدن الكبيرة في الدنيا، لها أكثر من وجه و حال. لكن المخرجة تحمل عدستها إلى حيث يتواطؤ البؤس و الفاقة و الحاجة و الظلم و القمع ليؤسسوا عالماً آخر و بلداً ثانياً و أزمة إنتماء لا تكفي الهوية القومية لحلها
"رحلة إلى الشمس" مقسوم إلى نصفين: الأول تتدافع فيه الأحداث و الشخصيات المهرولة من( أو إلى) مصيرها. أما النصف الثاني فهو رحلة محمد و معه جثمان صديقه برزان الذي سقط في صدام مع البوليس إثر مظاهرة. محمد يريد أن يعيد صديقه (و لو ميتاً) إلى مسقط رأسه زوردوش، و هي قريته التي طالما تمنى أن يعود إليها ولم يستطع و هو على قيد الحياة. و حين يصل أخيراً إلى "زوردوش" القرية المنسية على الحدود العراقية، يكتشف محمد أن القرية إنما تغرق تحت مياه بحيرة سدّ جديد، فيدفع الجثمان إلى مثواه الأخير طافياً على مياه....الذاكرة!
محمد، الذي صبغ شعره أشقراً لتمييز ذاته عن الأكراد الداكنـيّ السحنة و الشعر، يُغطس رأسه في حوض ماء لإزالة الصباغ. فقد إكتشفَ ذاته و عاد إليها. بل هو الآن أكثر وفاءً و ولاءً لصديقه السابح على سطح ماء البحيرة نحو وطن و مثوى يبقى مراوغاً كماء البحيرة
لسبب ما لا يندمج قسما الرحلة إلى الشمس رغم (أو ربما بسبب) خصوصية كل ٍ منهما. في النصف الأول تشعر أن كوستا غافراس وراء الكاميرا، أما في النصف الثاني فتشعر بنـَفـَس الإيطالي المضرم فرانشيسكو روزي. المقارنة هنا ليست للتقليل من أصالة عمل أوسطا أوغلو. فالفيلم يبدو أصيلاً في سبره لعلاقات شخصياته و المدينة التي تغمرهم بالأسى كما بالأمل. كما أن شاعرية يشيم أوغلو في رحلة عودة الجثمان تدغدغ الدمع في مخبئه

نالَ الفيلم سنة 1999 جائزة الملاك الأزرق كأفضل فيلم أوروبي في مهرجان برلين لذلك . كما حازَ جائزة أفضل إخراج في مهرجان إسطنبول. و رغم أن الفيلم قد حصلَ على موافقة الرقيب التركي حين إنجازه، فإن العديد من نقاد السينما الأتراك فضـّلوا تجاهله لفترة غير قصيرة. الفيلم يتمّ إستعادته الآن في صالات الفن و التجربة و يتوفر على أقراص مدمجة. و الحقيقة هي أنه مجرد وجود هذا الفيلم يدلّ على المسافة التي قطعتها الثقافة (والسياسة) التركية نحو التصالح و مواجهة ذاتها و الآخر

Yeşim Ustaoğlu
يشيم أوسطا أوغلو ... في لمحة


ولدت يشيم أوسطا أوغلو سنة 1960 في شرق البلاد قرب الحدود الأرمينية. تخرجت و عملت كمهندسة معمارية لمدة عشرة سنوات قبل أن تنحاز إلى السينما حيث صنعت حفنة من الأفلام القصيرة التي تحب أن تصورها: "...لإنها تشعرك بالحرية. أما مع الفيلم الطويل فأنت تدخل في مشاكل المال و التمويل"
حققت أول فيلم طويل لها سنة 1994 بعنوان "الأثر" عن رجل بوليس سابق مارس التعذيب و قررَ أن يغيرمعالم وجهه بعمليات تجميل كي يستطيع الإستمرار في حياته٠
فيلم أوسطا أوغلو التالي عالجَ أيضاً و احداً من الملفات الحساسة في الميراث الثقافي و الإجتماعي التركي: العلاقات مع اليونان و التاريخ الدامي بين الشعبين. الفيلم كان »بإنتظار الغيوم« سنة 2204

يسري نصر الله وحكاية البنات الثلاث
هوڤيك حبشيان



بعيداً من التصنيفات الجاهزة، لا يسعنا الا ان نرفع القبعة لنصرالله على هذه الميلودراما الساحرة التي أدخلته الى مرحلة أنضج من مساره السينمائي. نضر، ديناميكي، ممسوك بقدرة قادر، يقظ...، هذه هي بضع صفات عمل يعيد رسم بورتريه لقهر المرأة في مجتمع يحكمه الفساد السياسي والوصولية. النصّ الذي ألّفه القدير وحيد حامد، يتضمن تيمات ومحاور عدة، تبناها صاحب مرسيدس" وفسّرها على سجيته، مانحاً فيلم المؤلف بعداً آخر، " ومذكّراً كل لبيب بأنه ليس بالتأليف وحده يصبح السينمائي محاور تشكل منها "احكي يا شهرزاد"، يغوص فيها مؤلّفاً. هنا، إجابات المخرج يسري نصرالله، على عشرة اسئلة ضمن مقابلة أجريت معه في الدورة الأخيرة من مهرجان أبوظبي السينمائي

وحيد حامد
لوحيد حامد موهبة كبيرة. اهميته في قدرته على الاصطدام وفي " التوفيق بين ما ينتمي الى العقلية السائدة وما يتيح التمرد على هذه العقلية. ثمة شيء عند هذا الجيل مرتبط بعصاميته: هؤلاء لم يصلوا الى ما هم عليه بسهولة. كشخص، كنت أخاف منه! لم اتخيل يوماً انني سألتقيه. كان له عالمه الخاص، والسينمائيون الذين يتعاون واياهم. أما أنا فكنت في طور تحديد أهدافي السينمائية. خوفي كان مرتبطاً بفكرة انني كنت أحتاج لأقول مَن هو يسري نصرالله. ويبدو أنه كان هناك اعجاب متبادل بيننا، لكن حامد هو الذي بادر بالخطوة الاولى، فطلب اليّ أن أقرأ نصاً. "يا تصيب يا تخيب"، قال لي
منذ الصفحة الاولى، شعرت أن النصّ سيعجبني. ففكرة الحدوتة داخل الحدوتة تستهويني. كان في هذا السيناريو ما يمس طرحي في أفلامي السابقة، وقوامه ان الشخصيات التي أقدمها لا تطرح ذاتها كضحايا. ما لفتني ايضاً ان أفلامي كلها تبدأ حيث ينتهي هذا الفيلم، مما يفسر لماذا كان هذا الفيلم "اسهل" بالنسبة الى المتفرجين من أفلامي الأخرى. تنطلق أفلامي عادة من شخصيات حسمت علاقتها بمنظومة الأخلاق والسياسة السائدة، بمعنى انها همّشت نفسها لترى كيف يمكن خلق علاقة جديدة بالمجتمع، لكن بشروط يتقدمها منطق "أنا هنا!". يتضمن "احكي يا شهرزاد" شخصيات ممتثلة تماماً، تتملق المنظومة السائدة ولا تشعر باغتراب عنها. فيلمي يُري تدريجاً كيف تولد هذه الشخصيات من رحم المنظومة! تالياً، كيف تضطر الى الانسلاخ عنها فقط للبقاء على قيد الحياة. انطلاقاً من هنا، تابع المتفرج "العادي" الفيلم. كأنك تأخذ بيده لتريه كيف أن كل ما تربّى عليه من قيم ومن فصل بين الصح والخطأ، ينتمي الى منظومة متخاذلة. والناس انفعلوا جداً مع هذا الطرح. وكأنك تأخذ بيد طفل وترافقه لتريه العالم وتقول له لماذا هذا العالم "مش ماشي" (...)٠
هناك أشياء أردت تعديلها مع وحيد قبل بدء التصوير، وبدا مرناً ومنفتحاً. كان العمل بيننا أشبه بلعبة بينغ بونغ. تسنةلتُ مع النصّ كما لو أنني أتسنةل مع نصّ لشكسبير، بحيث أردت أن اضيف اليه تفسيري الخاص. وهنا كانت لي حرية مطلقة. كان وحيد حامد حريصاً على عدم التدخل فتركني حراً، سواء في اختيار الممثلين أو في نمط المعالجة"٠



الحوار
لم أرد التسنةل مع هذه الشخصيات باعتبارها ابواقاً. كان عليّ أن " آخذها على محمل الجدّ، وتفادي جعلها مجرد متحدثة باسمي أو باسم وحيد حامد بغية إمرار آرائنا في مسائل عدة. كان عليها أن تمعن باستقلالية وتعبّر عن نفسها بنفسها. فكان لي سؤال: اذاً، لماذا يتكلم هؤلاء على النحو الذي يتكلمون فيه؟ (...)٠
أول شيء صدمني هو الحوار الذي كان قوياً، وكان يبدو للوهلة الاولى مباشراً. ثمة أشياء أعاد حامد صوغها بعدما جلسنا معاً. هو الذي تولى عملية تعديلها، ذلك أنني كنت حريصاً في تعاوننا معاً على الا يشعر أحد منا اننا في مصارعة. كنت احاول ان ادنو برفقته الى شيء يتفق عليه كلانا، بعيداً من التنازلات. أشياء، لا نشعر بغربة عنها، لا أنا ولا هو"٠

الميلودراما
عندما أمسكت النصّ، تساءلت عن الفورما التي كنت اريدها " للفيلم. فكان قراري أن أعزز من الطابع الميلودرامي. فعلت ذلك لأنني أجد أن الميلودراما، سواء في السينما المصرية أو الأميركية، هي التي، أكثر من غيرها، في إمكانك أن تعبر من خلالها الى معانٍ سياسية متمردة وانقلابية، يقبلها الجميع. وهذه هي حال أفلام دوغلاس سرك وفيرنر فاسبيندر وحسن الامام. فذهبت في هذا وهو على كل حال شيء أحبه وموجود Mise en scèneالاتجاه، اتجاه الـ
في كل أفلامي: اللقطة الطويلة المتضمنة حركات كاميرا مستمرة. كنت اريد شريطاً سلساً ومؤسلباً، لا تشعر انه غريب ولكن في الحين نفسه لا يكون نصير المدرسة الطبيعية
Naturalisme

الشاشة
ما علاقة مقدمة التلفزيون هبة بضيفتها أماني؟ بالنسبة الى المذيعة فهذا استعراض، كونها اعتادت محاورة سياسيين، وفي اعتقادها انها تستطيع أن تتعاطى بالطريقة نفسها مع أماني، أي بأقل قدر من الشخصنة للموضوع الذي تطرحه. لكن سرعان ما تكتشف انها استغلت فتاة رقيقة. لذلك ينتهي المشهد مع المرأتين في الظلمة، فتتوجه هبة الى أماني بالسؤال: "لماذا قبلت أن تظهري في برنامجي؟". انتقال هذا الشيء بين الشخصيات كلها يجعلك تشعر ان كلا الجنسين، رجالاً أكانوا أم نساء، هما ضحية عقلية ما. لذا، فالصورة التي تراها في شاشة البرنامج هي بالأبيض والأسود، اذ ترى جانباً من شفتي هبة، والى ما هنالك من تفاصيل (...). الضيفة الثالثة في البرنامج الدكتورة ناهد، هي بمنزلة شبح هبة، كونهما من طبقة اجتماعية واحدة، مما اتاح لهذا الفصل من الفيلم أن يكون لعبة مرايا بين شخصيتين. وهنا شهدنا انهيار هبة. فعندما تقول ناهد انها لم ترد طفلاً من شريكها، تدرك هبة بدورها أنها لا تريد طفلاً من زوجها، على رغم انها كانت حتى الأمس تحاول اقناعه بضرورة الانجاب. وعندما تدرك هذه الواقعة تجهش بالبكاء وتفقد مهنيتها والسيطرة على نفسها، لتدرك في موازاة ذلك ان قصص هؤلاء النسوة اللواتي ينتمين الى طبقات اجتماعية مختلفة لا
تختلف عن قصصها وحكاياتها. المساحة التي أتاحتها كانت لانهائية. لذا، كنت سعيداً جداً وأنا أصنع هذا الفيلم"٠

سمير بهزان
كان "جنينة الأسماك" فيلماً عن النور والظلمة. هنا كنت أتكلم عن " شيء فيه نوع من تنوير. اشتغل سمير بهزان شغلاً "خرافياً" على هذا الفيلم. عندما اخترت المكان الذي صوّرنا فيه شقة البنات الثلاث، قال لي انه سواء أكنا في الليل أم في النهار، فالشيء الوحيد الذي يؤكد وجودنا في الليل أو في النهار هو النور الذي في الخارج. أما في داخل الشقة، فهناك احساس دائم بأننا في الليل، واحساس بالاختناق والانغلاق. بطريقة مختلفة تماماً، تمت اضاءة شقة هبة الكبيرة، وهي نقيض شقة البنات الثلاث، لكن في خاتمة الأمر تبقى سجناً على رغم مساحتها. احساس السجن هذا يأتي من ان لا مكان تختبئ فيه. لا تستطيع هبة أن تجد مكاناً حميمياً لها بعيداً من أنظار زوجها. وكأن هذه الشقة غرفة فندق او بيت دمية. صارحت سمير بهزان برغبتي في أن اعمل وفق تقنية اللقطات الطويلة. أولاً لأنني أشعر بأن هذا الشيء يساعد الممثلين. كانت لقطات معقدة جداً ولكن لا تبدو كذلك. لم نقصد يوماً أن تكون حركات الكاميرا ظاهرة وكأنها موجودة بذاتها، وكان مبررها بسيطاً وهو الرغبة في تصوير حالة من التوتر من دون اللجوء الى المونتاج. عندما تعمل مع الممثلين على هذا النحو، يفقد الحوار خطابيته وليس أهميته، فلا ترى أمامك ناساً يتكلمون إنما ترى ناساً يفكرون. وهذا شي من صميم السينما. هذا يتعلق بمدى أخذك للشخصيات على محمل الجد"٠

الضحايا
عندما تقرأ السيناريو تعتقد أن الرجال كلهم أشرار والنساء " طيبات. لنفترض ان هذا حقيقي، يبقى أن هؤلاء الرجال على قدر عال من الجاذبية. لم اتقبل يوماً، شريراً يفتقر الى الكاريزما والسحر. اذا كان شريراً وثقيل الظلّ، فمن السهل التخلص منه، اما اذا كان شريراً وساحراً، فهذا أصعب. ثم انني كنت اريد القول من خلال هذا، إن هؤلاء النساء لسن غبيات. لو كانت هبة متزوجة من عبيط لكنت ستعتبرها عبيطة! لذا، كان يجب أن يشعر المُشاهد بأنه يحق له أن يفتتن بهؤلاء الأشخاص. هم جميعهم يتحركون ضمن منظومة أخلاق واحدة. لو لم يدخل الحبّ في الحكاية، ولو ان العلاقة بقيت صفقة تجارية كما هو سائد اليوم، لكانت الحكاية على ما يرام. الهنة انه لديك شخصيات رجالية مبرمجة لتكون مسيطرة على الدوام، وسرعان ما تقع ضحية هذا الشيء. ولأن النساء الأربع ينقذن أنفسهن، فالضحايا الحقيقية لهذه العقلية، في الأخير، هم الرجال الذين لم يستطيعوا التخلص من تربية تفرض عليهم أن يبقوا اصحاب سلطة وسيطرة"٠

منى زكي
فكرت في منى زكي، منذ اللحظة التي قرأتُ فيها النصّ. أولاً " لكونها ممثلة بديعة. شاهدتها على المسرح وهي كانت لا تزال مراهقة. ثم، منى زكي صغيرة الحجم. وأنا عملت كثيراً في هذا الفيلم على أجسام الممثلين. انطلاقاً من الاحساس الدائم بأن المرأة ضعيفة ويمكن كسرها. وعندما ترى منى الى جانب زوجها، تجدها كالطفلة الصغيرة، وهو يبدو خائفاً عليها من كسرها. فعلاً، هناك لحظة، حين يضربها، يخاف المُشاهد عليها من أن تتكسر. عندما يقول لها زوجها في آخر الفيلم إنها عروسة من بلاستيك وبغبغان ملوّن، فالواقع أنها كانت كذلك طوال الفيلم، وهذا هو الانطباع الذي ارادته لنفسها. تدريجاً، تتحول الى بني آدم، وبني آدم قوي. فهو تزوجها لأنها عروسة بلاستيك وبغبغان ملون لكنها تمردت على وضعها. وعندما اخترت الممثلة المغربية سناء عكرود، فإن جزءاً حاسماً من اختياري لها، تجسد في أنها في حجم منى زكي، وهي كانت مرآة لها. هي الأخرى عندما يمسكها رجل (حميدة هذه المرة)، نخاف عليها من أن تُكسر، لكنها في الأخير، هي التي تكسره.
الجدال الذي دار حول الفيلم انطلق منذ ظهور الاعلان. لم يكن جدالاً بقدر ما كان شتيمة. استعملوا مفردات دينية في هجومهم. الاعلان كان واضحاً: هذا فيلم عن قهر المرأة وعن وضعها الحالي في مجتمعنا. وعندما تشارك منى زكي في فيلم عن قهر المرأة كتبه وحيد حامد وأخرجه يسري نصرالله، فهذا يعني ان المسألة جدية وليست تهريجاً. هذا ادى الى عداء حقيقي. ثمة أفلام فيها عري وأشياء أخرى لم تتعرض لما تعرضنا له. الهجوم هنا كان منبعه الذعر. كانوا مقتنعين بأن الفيلم سيحدث مشكلة، وهو أحدث مشكلة. أحدهم مثلاً استخدم الانترنت على نحو تحريضي جداً ليكتب فيه كلاماً فظيعاً وشتائم وآيات قرآنية عكست الطابع الاصولي والمتزمت لهذا الخطاب، بحيث تداخلت فيه مسألتا الحلال والحرام. كان هذا كلاماً ايديولوجياً مبرمجاً. الآن انتقل هذا الموضوع الى المغرب وضد سناء عكرود. فسناء ممثلة كبيرة والناس جميعهم يعلمون ذلك، ويعلمون انها ليست ممثلة اغراء خفيفة تريد اظهار طرف صدرها (هؤلاء لا يأتي أحد على ذكرهم). وأنا اخترتها لقدرتها ولم أخترها لأنها مغربية. وهنا أسأل مهاجميها: هل شعر أيٌّ منهم في أيّ لحظة، أنني استخدم جسد المرأة؟ فعندما تتكلم عن موضوع قهر المرأة، فأحد أشكال هذا القهر هو اعتبار الانثى لعبة جنسية، أي اعتبارها "شيئاً". لكن، ما أحبه في الفيلم أن الرجل هو اللعبة الجنسية٠
ما هذا المجتمع الغريب الذي يعتبر ان المرأة مصدر غواية، ويتغاضى عن كون الرجل بالنسبة الى المرأة هو أيضاً مصدر غواية؟ لا يسعك التكلم عن قهر المرأة من دون أن تتكلم عن قهر الرجل أيضاً. في الأخير، نحن في مواجهة وضع يسمم العلاقات ويسمم القدرة على الحبّ. وهذه كارثة بالنسبة الى الجنسين. كرجل، انت مبرمج منذ الصغر لتسيطر، واذا فقدت سيطرتك تفقد ذكوريتك. عليك أن تفرض الشروط، وعلى المرأة أن تمشي خلفك. والمرأة تقبل بهذا الأمر. المنظومة هذه، يا للغرابة، مقبولة من كلا الطرفين"٠



تمرّد
الشخصيات جميعها تتمرّد في الفيلم. واحدة تتمرد من خلال " رفضها الزواج، وواحدة ثانية من خلال القتل، وواحدة ثالثة تشارك في تظاهرة، وواحدة رابعة تظهر على التلفزيون لتقول "انظروا اليَّ انا التي أبدو عروسة وسطحية، انظروا ما حصل لي وسأحكي لكم حكايتي مع انني لم اتصور يوماً انني سأتحول من مخبرة لحكايات الناس الى حكاية". التمرد مصدره البوح. وهو الاطروحة النقيض لـ"جنينة الاسماك"، حيث القمع كان باطنياً ويعوق الكلام. هنا أسأل: لماذا الفتيات الثلاث يتمكنَّ من التمرد أكثر من غيرهن؟ ذلك لأنهن لا يمتلكن سلطة، لذا فمن السهل جداً أن يتنازلن عن شيء لا يملكنه، وهذا الشيء هو أقوى ما فيهن. لن تتمرد ما دام ثمة فكرة تسيطر عليك، مفادها أن الحبّ ليس مهماً وأن السيطرة هي أهم شيء. أما حين تلغي السلطة من قائمة اهتماماتك وتتعقب الحبّ، فلا أحد سيقوى عليك"٠

الفساد السياسي
ليشغل منصب رئيس تحرير صحيفة، لماذا على شخص موهوب " وساحر مثل كريم أن يُنتخب انطلاقاً من قدرته على أن يكون ذليلاً، بدلاً من أن يُنتخب استناداً الى مواصفاته الحسنة. في الظرف الذي هو فيه، من الطبيعي أن تختفي ميزاته، وهذا ما تقوله له زوجته في لحظة معينة: "النجاح هو أن يقرأ لك الناس ويحترموك ويحبوك". لكن كلمة "يحبونك" لا يطيقها، وعنده أن الناس جميعهم يلهثون خلف المناصب. يقول عن النجاح انه لمبة صغيرة، لأيٍّ كان القدرة على اطفائها...
لا نعرف مَن يحكم مصر مستقبلاً وكيف. لدينا في مصر حكومة لم تتغير منذ ثلاثين سنةاً. مؤسسات الدولة تنهار واحدة تلو الاخرى. بدلاً من ان تكون لنا دولة، لدينا سلطة. ما الحلّ؟ ليس لديَّ حلّ. لست سياسياً وليس من شأني أن أطرح الحلول (ضحك). لكن أعرف أن قضية مثل قضية طلعت مصطفى وسوزان تميم كان يمكن أن تلفلف بسهولة لكن الرأي حسم موقفه وطالب بالاقتصاص منه… لا، لا، لا نستطيع ان نبقى صامتين الى الأبد على كل ما يجري من حولنا!"٠

الجمهور
لم يكن التقرب من الجمهور الدافع خلف انجازي هذا الفيلم. انجزته " لأنني أحببته. أخذهم الفيلم خطوة خطوة الى حيث أخذتهم أفلامي السابقة منذ زمن بعيد. بعد "شهرزاد" سيتفرج المشاهدون على باقي أفلامي بطريقة أخرى. بالنسبة اليَّ كان هذا الفيلم بمنزلة مذكرة تشرح سبب انجازي لأفلامي الأخرى، ولماذا شخصياتي هي على النحو التي هي عليه؟ . كثر سألوني "ترى كيف ستعيش هبة حياتها، بعدما ظهرت على التلفزيون وروت حكايتها أمام الجميع؟". فكان ردّي: "اذهبوا وشاهدوا أفلامي الأخرى". الأجدر انها ستحاول خلق علاقة جديدة بالمجتمع، علاقة مبنية على الصدق وليس على الكذب والتمثيل٠
باستثناء "جنينة الأسماك"، لا أعتبر أفلامي ذات لغة سينمائية صعبة، وخصوصاً "المدينة" و"باب الشمس". لكن محسوب عليّ أشياء كثيرة، منها انني أعمل مع ممثلين جدد وأنني بدلاً من إنجاز "باب الشمس" باللهجة المصرية أنجزته باللهجة الفلسطينية (!)، وانني اختار باسم سمرا في "المدينة" بدلاً من نجم كبير، على رغم انه فيلم شعبي جداً (...). جزء من الناس الذين شاهدوا "احكي يا شهرزاد" شاهدوه من أجل وحيد حامد ومنى زكي ويسري نصرالله. وكلّ واحد منهم فوجئ بما جاء به واحد من هؤلاء الثلاثة. على المستوى التقني البحت، هذا من أصعب افلامي"٠


الرعب وُلد على يديه: مئتا سنة على وفاة إدغار ألان بو

محمد رُضا



لا أحد، منذ وفاة المؤلّف الأميركي إدغار ألان بو في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر سنة 1849 يعرف طبيعة تلك الخلايا الذهنية التي كان يتمتّع بها والتي تفتقت دوماً عن رصف بعض أغرب وأوحش صور الخيال آنذاك والى اليوم
إدغار ألان بو الذي وُلد في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير سنة 1809 كان كاتباً روائياً وشاعراً وناقداً أدبياً. واحد من أوّل من كتب الرواية المرعبة بالإنكليزية (إن لم يكن أوّلهم) وأحد أوّل كاتبي القصص القصيرة في اميركا، على الأقل، وبالتأكيد أول من كتب روايات التحري البوليسية. بعده جاء آرثر كونان دويل وفرانك أرنو وإيرل در بيغرز ولي براكيت وإيرل ستانلي غادرنر وصولاً الى أغاثا كريستي ورايموند تشاندلر وكولين دكستر وجورج سيمنون وجيمس م كاين وميكي سبيلاين وجون مكدونالد وروس مكدونالد ثم تجاوزاً الى من يحفل بهم الأدب البوليسي اليوم٠
إدغار لم يكتب الخيال العلمي، لأنه لم يكن هناك صفة لهذا الخيال، لكن بعض ما كتبه من غرائبيّاته تعتبره المراجع تمهيداً لذلك النوع من الروايات٠

قصّة حياته كانت عبئاً عليه طوال عمره الذي لم يتجاوز الأربعين سنة حين مات. وُلد إبنا لممثلين مسرحيين لكن والدته توفّيت حين كان في الثانية من عمره ووالده كان هجرها قبل ذلك بنحو سنة. حين ماتت تيتّم إدغار وشقيقه وشقيقته وما لبثوا أن توزّعوا. ثري من الجنوب الأميركي أسمه جون ألان تبنّاه إرضاءاً لزوجته التي لا تنجب. لم يحبّه كما لو كان إبنه لكنه صرف على تعليمه. مشاكل إدغار بدأت من سنوات الشباب إذ كان في العشرين من عمره حين أخذ يقارع الخمر والقمار فتم طرده من الكليّة التي كان يدرس فيها وما لبث والده بالتبنّي أن طرده من حياته حين امتنع عن تزويده بالمال٠
كان وضع كتاباً من الأشعار سنة 1827 (حين كان في الثامنة عشر من عمره) ووجد أن ميوله تكمن في الصحافة والكتابة فانتقل في العمل في الصحف من دون أن يستطيع التغلّب على إدمانه الشرب. في ثلاثينات القرن التاسع عشر وأربعيناته كتب معظم رواياته القصيرة (لديه رواية طويلة واحدة هي »حكاية آرثر غوردون بين«). في 1847 ماتت زوجته التي أحب، وقبل يومين من وفاته عُثر عليه متشرّداً في الدروب وهو في حالة إعياء. وكان أصيب بمرض السل من 1843 الذي عانى منه حتى موته٠
بعد وفاته وُجدت في حوزته رسالة كتب فيها: "مؤمن بأن الله أودعني عبقرية متوهّجة، لكنها تمرمغت بالتعاسة"٠


باربرا ستيل في
The Pit and the Pandulum
-------------------------------------------------------------
أردني صنع فيلماً عنه
هو أيضاً كتب ذات مرّة: "لا أتوقّع ولا التمس التصديق حيال ما سأكتبه من خيال مفرط وفي الوقت ذاته أليف"٠ ومن هذا المنطلق وضع بو عشرات القصص القصيرة التي وجدتها السينما نموذجية في سعيها لتقديم قصص الرعب الكلاسيكي على الشاشة. وهذا بدأ قبل 101 سنة عندما قام مجهول باقتباس رواية بو »جرائم قتل في شارع المشرحة«. في التالي، كان هناك فيلمان مأخوذان عن بعض أعماله واحد فرنسي لهنري دسفونتين هو »الحفرة ورقّاص الساعة« والآخر أميركي بعنوان» الغرفة المختومة« أخرجه ديفيد و. غريفيث٠
بعد ذلك تكاثرت الأفلام المقتبسة عن روايات المؤلّف طوال المئة سنة السابقة ووصولاً الى مطلع هذا عندما تم إعادة تحقيق قصّة »الحفرة ورقّاص الساعة« (وحدها اقتبست أكثر من عشر مرّات) في فيلم أخرجه الجديد ديفيد ديكوتيو من بطولة لوريل نيو وستيفن هانسن وآخرين من شبّاب السينما الجدد غير المعروفين. الفيلم ذاته صغير ولا يوازي اقتباس المخرج ستيوارت غوردون سنة 1991 الذي قام ببطولته ممثل أدوار الشر (عادة) لانس هنريكسن. كذلك فإن نسخة 2009 المذكورة لا تصل الى جودة فيلم روجر كورمان الذي قام فنسنت برايس (وكان أحد أهم ممثلي أفلام الرعب والشر) ببطولته لجانب الممثلة البريطانية باربرا ستيل التي كان لها حضور في مثل هذه الأفلام في ذلك الحين٠
هذه النسخة تم تصويرها سنة 1961 وبعدها بثلاث سنوات قام ثنائي كورمان وبرايس بتقديم رواية أخرى من أعمال إدغار ألان بو الجيّدة هو »قناع الموت الأحمر« التي نشرها المؤلّف سنة 1842 ولاقت من حينها اهتماماً أدبياً كبيراً٠
على أن كورمان وبرايس سبق لهما أن قدّما رواية أخرى لبو هي »سقوط منزل آشر« التي انتقلت الى الشاشة أكثر من مرّة من بينها ثلاثة أفلام فرنسية (بدءاً من 1928). كما استوحى منها المخرج البريطاني كن راسل مادّة فيلمه ذي القصّة المعاصرة سنة 2002 فيه حوّل المخرج الذي كانت له صولاته في السبعينات فيلماً موسيقياً من الروك أند رول ولو أن أحداثه بقيت مستوحاة من الأصل٠
على كثرة الأفلام التي اقتبست عن رواياته (والتي لا مجال لإيرادها هنا) فإن أفلاماً قليلة تحدّثت عن حياته. أحد هذه الأفلام أخرجه في أميركا عربي من الأردن أسمه محيي الدين قندور قام سنة 1974 بزيارة لبنان ومعه نسخة من فيلم سمّاه »شبح إدغار ألان بو«. عرضه على الحفنة من النقاد الذين أمّوا العرض الخاص. بعد ذلك عرض الفيلم، الذي قام بدور الكاتب فيه روبرت ووكر، تجاريا وتم سحبه بعد أسبوعين. لم يختف الفيلم فقط، بل اختفى أيضاً مخرجه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Oct 23, 2009

النقد والمهرجانات والمخرجون | الأفلام العربية في مهرجان الشرق الأوسط | السينما التركية- الحلقة الثانية | نساء هوليوود اليوم | سينما ميشيل هنيكه

Year 3 | Issue 465
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cover Story



تقوم "حلقة نقاد نيويورك" بعرض مجموعة من الأفلام التي تم إنتاجها في مطلع الستينات وشكّلت من أوانها مكانة كبيرة في عالم هذا الفن. من بين الأفلام المعروضة
لجاك ديمي Lola
لسام بكنباه Ride the High Country
لروبرت ألدريتش Whatever Happened to Baby Jane?
لفرنسوا تروفو Shoot the Piano Player
لأغنيه فاردا Cleo From 5 to 7
Lawrence of Arabia كما فيلم ديفيد لين الكبير
مع عمر الشريف وبيتر أوتول٠



هذا العدد
1
إفتتاحية | في النقد والمهرجانات وبزنس المخرجين الجدد | محمد رُضا
2
ملف | يستعرض زياد عبد الله سبعة أفلام عربية من تلك التي عرضها مهرجان »الشرق الأوسط« في أبوظبي كما ينقل صورة عن حفل الإختتام٠
3
مسلسل | يواصل ميسر مسكي  الكتابة عن السينما التركية عارضاً لبعض علامات تلك السينما في الستينات والسبعينات ثم يعرض لبعض الأرقام القياسية التي حُققت فيما بعد٠
4
هوليوود | ينقل محمد رُضا صورة سريعة عن وضع المرأة في الأفلام الأميركية الحالية ولماذا أفلامها لا تنجح تجارياً الا لُماماً٠
5
ومخرج وفيلم | سينما ميشيل هنيكه، مخرج »مخبوء« تعامل مع عالم موحش وبارد وعنيف منذ أفلامه الأولى | محمد رُضا





إفتتاحية | محمد رُضــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في النقد والمهرجانات وبزنس المخرجين الجدد




مما كتبه الزميل أمير العمري مشكوراً، وما وصل للآن من رسائل القرّاء، ومما سمعته على الهاتف في أحاديث جانبية أرى أنه من الواجب صياغة الموقف الذي يعيد الشيخ الى صباه او الأمور الى نصابها٠

قبل كل شيء هناك من ذكر لي هاتفياً، وبود، أن أي كلام عن مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي قد يعتبره البعض ناتج عن أني لم أدع إليه. وهناك بين رسائل القراء واحدة تسألني لماذا لم أدع الى المهرجان وهناك ردّ على ذلك في تلك الزاوية. لكن دُعيت او لم أدع الى مهرجان الشرق الأوسط او الى أي مهرجان آخر، جئت من خلفية لم تعرف يوماً تقلّب المواقف ومعارضتي لمبدأ الدفع مقابل الفيلم كانت ستكون إياها ولو دُعيت وسوف تكون ذاتها لو أن مهرجاناً آخر هو الذي قام بذلك.
وكوني لم أدع لم يحجب عني حقيقة أن مهرجان الشرق الأوسط حقق قفزة نوعية رئيسية الى الأمام لم يحققها في العامين الماضيين ولم يكن ليحققها لو أستمر المنوال على ما كان عليه في هذين العامين الماضيين. في الحركة بركة وقد تحرّك مهرجان أبو ظبي وانتج ثماراً واعدة بدورة أفضل من هذه الدورة في العام المقبل. الى ذلك، فإن الزميل بعث (مشكوراً أيضاً) ببلاغ إعلامي (او ربما مجرّد توضيح) تم نشره في »كاتالوغ« مهرجان الشرق الأوسط يذكر بعض ما سيرد في هذا التعليق٠

دعيت او لم أدع، سيكون موقفي واحد حيال نجاح هذه الدورة، وموقفي سيكون واحداً حيال علاقة غير نافعة، على المدى المتوسّط والطويل، تبلورت قبل انطلاق هذه الدورة، بين المهرجان وبين بعض المخرجين الذين وجدوا سبيلاً للحصول على المال عن طريق توظيف حاجة المهرجان الى أفلام مهمّة٠

مبدأ الدفع مقابل الفيلم لا علاقة له بمستوى المهرجان. بل له علاقة بمستويين آخرين: هل نحن النقاد مسمار مدقوق بالباب يُُستخدم وقت الحاجة؟ فيؤخذ بالرأي حين يوافق المهرجان ولا يؤخذ به حين لا يُوافق؟ والمستوى الثاني: هل جدّية الفيلم السينمائي تبدأ وتنتهي في أنه لم يحكِ قصّة حب رومانسية او كوميديا ظريفة او يقدّم أغاني ورقصات، او هو مبدأ عام على المخرج أن يعيشه بضميره خلال المراحل كلّها٠
أقول ذلك وفي بالي التفريق بين فيلم ينال دعماً مبرمجاً برمجة صحيحة (وهو ما سأذهب اليه في بعض التفصيل هنا) وبين عملية فردية مظّلتها من نوع تعطيني مالاً أعطيك فيلماً٠

رسالة الناقد بموازاة رسالة المخرج

في الناحية الأولى هناك كلمة منشورة هنا للزميل هوڤيك حبشيان يمكن أن تُضاف الى ما كتبته في سلسلة طويلة سابقاً حول النقد السينمائي. كلانا ذكر أن الناقد ليس حسب الطلب وليس نباتاً فطرياً يعيش كالطحالب على جانب الفيلم او ملحقاً للفيلم او لمخرجه او منتجه ولا أريد أن أزيد علي ذلك الا لأقول أن رسالة الناقد هي بموازاة رسالة المخرج أعجبه ذلك او لم يعجبه. الفارق أن المخرج يستخدم أدوات كثيرة لايصال رسالته (من السيناريو الى المونتاج وكل العناصر بينهما) والناقد لديه أداة واحدة هي الكتابة٠

في الناحية الثانية فإن المنطلق ليس فقط الغيرة على مصلحة المهرجانات التي لا تدفع صغيرة كانت او كبيرة، ومن بينها ما يتردد أن القاهرة يعانيه، بل أيضاً على ازدواجية المعايير أيضاً: لم يفز فيلم محمد الدرّاجي بجائزة. لماذا؟ هل رأت لجنة التحكيم أنه قبض قبل الوصول فمن الأجدر البحث عن أفلام لم تقبض؟ ربما وإذا كان ذلك صحيحاً، كيف خدم التعاون الذي تم على هذا النحو الفيلم ومخرجه؟ هل لأنه فيلم رديء؟ ربما وهذا ليس موضوعنا في هذه الحالة. في كل الحالات المسألة هي أنه إذا لم يفز (وهو لم يفز) فقد نال تعويضاً ولو فاز لكان فاز مرّتين. كلاهما أمر خطأ٠
الخطأ الآخر هو أنه قبض ليس من صندوق دعم منفصل كما الحال في سندانس وبرلين وروتردام، بل من المهرجان الذي يقول أنه خصص من ميزانية الجوائز نسبة للأفلام التي أرادها ولم يكن ليحصل عليها الا إذا ساعد في تمويلها- وهذا مختلف جدّاً عن موضوع الدعم الناتج من صندوق خاص والذي قد يقدم عليه المهرجان في العام المقبل
في تلك الحالة، يوفّر الصندوق للمخرج قبل البدء بالتصوير غالباً (وأحياناً خلاله او بعده)، وبناءاً على السيناريو وبضع عناصر أخرى، موافقته على دعمه بمبلغ معيّن على أن يكون المهرجان هو الإختيار الأول للفيلم حين انتهائه. لجنة الإختيار التي عليها أن تعمل تحت إشراف رئيس المهرجان، وليس لها علاقة بالصندوق، تشاهد الفيلم، في نسخة زيرو إن لم تكن نهائية، كي تقرر إذا ما كان يصلح او لا يصلح لها، ولو اختارته بعد ذلك لما كان هناك مشكلة على الإطلاق٠
أما وأن يطلب المهرجان فيلماً فيُقال له "والله أنا بحاجة الى دولار او مليون دولار لإنجازه" فيقوم بدفع المبلغ والحصول على الفيلم فإن هذا خطأ وهذا -حسب معلوماتي- منهج ما حدث ولم يدحض معلوماتي أحد بعد. او أن يتعلّق الأمر برغبة فردية او علاقة ثنائية بين طرفين فإن ذلك أيضاً ليس منهجاً صحيحاً لمهرجان ينوي أن يصبح الأول في المنطقة وأحد المهرجانات الأولى حول العالم وأتمنّى له أن يصير٠

في هذه الحالة (حالة الدفع لقاء نيل الفيلم من دون وجود صندوق دعم او هيئة دعم او سمّها ما تشاء) على المهرجان (ولا يهمّني إذا كان الشرق الأوسط او مهرجان بورا بورا) أن يعامل كل الأفلام المشتركة في المسابقة معاملة واحدة: أما أن يدفع لها جميعاً او لا يدفع لها جميعاً٠

حصّة من الجائزة؟

ويجب الإنتباه أنني لست في حالة خصام مع محمد الدرّاجي ولا في حالة عداء مع أحد. المسألة ليست غراما او انتقاماً او صراعاً او بكلمة واحدة، »فانديتا«. على أحد في هذه الدنيا أن يعترف أن الناقد قد يكون على حق أحياناً٠ وحين أشاهد فيلم محمد الدرّاجي قد يعجبني جدّاً وسأكتب ذلك- فليس من عمل الناقد أن يناصب الأفلام العداء لمجرد أن وجهة نظره تختلف. المخرج الذي يعتقد ذلك لا يزال يعيش في عالم من المفاهيم المغلوطة٠

المهرجان لنشر الوعي
الآن هناك نقطة حوار مرتبطة-منفصلة: ما هو المطلوب من المهرجانات العربية؟ الزميل أمير يطرح مسألة مهمة جداً. وكان كتب، كما أشار، مقالا قبل أكثر من عام حول هذه النقطة وحسناً فعل أنه ذكّرنا به. في صلب الموضوع مطالبته بأن تقوم مهرجانات السينما بواجب دعم السينما العربية والإسهام في تطويرها. ويكمل الزميل فيضرب المثل في مهرجان روتردام لينتقل الى القول: "النقطة الأخرى المهمة هنا أنه إذا كان المهرجان يعتبر نفسه طرفاً إنتاجياً في الفيلم (وهو ما أرى أنه من حقه تماماً في هذه الحالة) فهل يصبح من حقّه أيضاً أن يشترط ضرورة عرضه لديه قبل غيره؟ وهل هذا ما يفرضه أيضاً مهرجان روتردام السينمائي؟ المؤكد أن »الإحتكار«، (والكلام لا يزال للزميل) مرفوض ومدان لأنه يتناقض مع مبدأ المنافسة الحرّة أساساً وأن سلاح المال يمكن أن يُساء استخدامه ايضاً مما قد يؤدي الي كوارث على أصحابه وعلى الآخرين"٠
جيّد. لكن بالنسبة لروتردام بيّنت طريقته (وسندانس وبرلين ومهرجانات أخرى) في العمل وكيف أن الصندوق هيئة مستقلّة تطلب بالفعل عرض الفيلم في المهرجان الذي تنتمي اليه لكنها تقرر صلاحية المشروع قبل العمل وليس لأن المخرج مزنوق وعليه إخراج الفيلم من المعمل. بالتالي، من حق المهرجان أن يطلب من المخرج أن يكون المقابل عرضه- لكن في حالة إذا ما شاهده ورآه يصلح لذلك. بكلمات أخرى، ليس من حقّ المهرجان أن يحتكر، هذا صحيح، لكن العملية تتم بإتفاق على أن يحظى المهرجان الذي قام صندوق دعمه بالإنفاق على هذا الفيلم حين كان لا يزال مشروعاً على الورق، بالمشاهدة الأولى، وإذا لم يعجبه هذا شأن آخر
على أن هناك خرقاً للقاعدة لا يضر بالمبدأ: حين تقدّم المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد الى مهرجان سندانس بحثاً عن دعم لمشروعه الناجح »الجنّة الآن« تلقّاه. حين حقق الفيلم عرضه أوّلاً في مهرجان برلين (سنة 2005)٠

ثانياً والأهم هنا: المهرجانات لديها بالفعل دور في عملية تشجيع الإنتاج العربي الجيّد هذا صحيح مئة بالمئة. لكني لا أعتقد أن تمويل الأفلام خارج نطاق دعم محدد، ليس من شأنها. المهرجان هو لنشر الوعي بين الجمهور ومساعدتهم على مشاهدة »هيليوبوليس« و»المسافر« و»الليل« و»صمت القصور« و»قلوب محترقة« عوض أن يشاهد »فول الصين العظيم« او»»البلد دي فيها حكومة« او »عبدو في بلاد الموحّدين« او »حب في باريس«. هذا دعم. أن يمنح المهرجان المخرج الجاد تقديراً ويفه بالإحترام ويخلق له جوّاً يجده مواتياً ومناسباً لموهبته وبداية فصل آخر من حياة ما بعد التصوير حيث يدخل الفيلم في منافسات متساوية مع أفلام أخرى قد يحصل في نهايتها على جائزة هي أيضاً تقدير إضافي. هذا دعم. تفاصيل الجو المواتي والمناسب، من كتب ولقاءات وندوات. هذا دعم. لكن الإسهام في الإنتاج؟ منذ متى كان ذلك عملاً من أعمال المهرجان؟ وهل سنقسّم المهرجانات العربية على أساس أن هذا المهرجان، على حسناته، لا يدعم والمهرجان الآخر يدعم فليذهب المخرج الى من يدعمه؟

مع القاريء أولاًً
اسئلة لا أطرحها من باب عدم الموافقة على دور داعم للمهرجان، بل برغبة الإتفاق على ما هو هذا الدعم٠
في حديث بيني وبين إنتشال التميمي قبل بدء المهرجان الذي يعمل فيه مبرمجاً قال أن واجبنا أن نقف لجانب المخرجين وليس لجانب المهرجانات وإذا كانت هذه مستعدة لأن تدفع فلماذا لا؟ أخالفك الرأي يا أستاذ إنتشال. لأن المسألة ليست من يدفع بل كيف يدفع وتأثير منوال الدفع والقبض على سلسلة طويلة من النتائج تبدأ بالمخرج نفسه وتنتهي بالمهرجانات المختلفة وبمستقبل الفيلم الجاد حسبما بيّنت سابقاً حين كتبت عن هذا الموضوع.
الى ذلك، فإن ما يقوله القاريء عبد الرحمن عيتاني في رسالته المنشورة في هذا العدد صحيح. مسؤولية الناقد الوحيدة هي للقاريء. حين يقع مخرج ما في أزمة نحن معه. ولو اشتكى المخرج أحمد ماهر من أن فيلمه سيُبتر (ولو أني لم أعجب بالفيلم) فنحن معه. ولو مُنع المخرج من دخول بلد ما (فنحن معه). لو تشاجر مع المنتج الذي يريد منه إخراج الفيلم على ذوقه نحن معه. ولو نال، يا أخ إنتشال، جائزة في مهرجان ما لكنه لم يقبض قيمتها، فنحن معه. لكن هل نحن معه إذا ما حاول أن يبيع فيلمه الى مهرجان ما بطريقة او بأخرى؟ وصلني أن صديقاً أحترمه جدّاً قال لصديق آخر: لم لا ينال المخرج مالاً بينما النجوم يتقاضون لقاء حضورهم؟ هذا أيضاً ليس تبريراً ولا علاقة. هو مخرج لأنه يقيّم الأمور على نحو مختلف. المخرج ليس مانيكان ولا يجب أن يكون- في هذا الموقف نحن معه٠

المنافسة
في موضوع المنافسة بين المهرجانات، هي بالضرورة ضرورية وبالضرورة لابد أن تحدث. هناك منافسة بين كل مهرجانين إثنين في العالم العربي القاصي منها والداني وهي مشكلة لا علاقة لمهرجان الشرق الأوسط بها إذا ما كان مهرجان آخر لا يملك الميزانية ذاتها، او إذا ما اختار المخرجون عرض أفلامهم فيه وليس في سواه. نعم هذه ليست مسؤولية مهرجان الشرق الأوسط او مسؤولية مهرجان »كان« حيال برلين او فنيسيا الخ٠٠٠٠ مسؤوليته أن ينجح ويكبر ويساعد السينما ويساعد المشاهدين متيحاً لهم أفلاماً كبيرة وثقافة متنوّعة وهذا ما يبدو أن مهرجان الشرق الأوسط حققه، وقد يحققه او لا يحققه مهرجان عربي آخر هذا العام. المنافسة مشروعة وهي قائمة تلقائياً ولا غُبار عليها٠
ما آمل أن يكون القاريء قد أدركه في هذا الموضوع الصعب هو أن نظرة الناقد الى المهرجانات هي مثل نظرته الى الأفلام. لا تحبيذ مهرجان على آخر بحكم صداقة لي تربطني بهذا المهرجان او لا. عملت رئيس مسابقة مهرجان دبي السينمائي واستقلت أنا بمحض خاطري، عن خطأ او صواب هذا أمر خاص، لكن هذا لا يجعلني منحازاً له ولا تجعلني صداقتي لرئيسه عبد الحميد جمعة او لمديره الفني مسعود أمر الله تابعاً. حين يفعل مهرجان دبي شيئاً صحيحاً أقول ذلك براحة ضمير، وإذا ارتكب خطأ أقول ذلك من دون خشية من العواقب. هذا المهرجان تحديداً لا يُقيّم المسائل على نحو من كتب ماذا. أنت (اي ناقد او صحافي) حر أن تكتب ما تريد- طالما أنك جئت لتكتب. ومن الآن أقول أن هذا وحده تميّز لمهرجان عن سواه٠

الناقد والمهرجانات
هناك مهرجانات تطلب من الناقد أن يكون صديقاً لكي تدعوه وإن لم يكن فلن تفعل لأنها لا تهتم للنصيحة ولا تهتم لأن يكتب الناقد من زاوية انتقادية، لثلاثة عوامل: الأول: لا دراية لها بقيمة النقد ووضعه وكيانه الثقافي العام وبالتالي ضرورته٠

Make or Break الثاني: لأنها لا تعتبر الناقد »يصنع او يكسر«، حسب التعبير الإنكليزي
بالتالي النقاد هم مصابيح ملوّنة تستخدم كأسماء٠
ثالثاً: لأنها على حق فيما تقوم به وإن لم تكن فإن الغاية تبرر كل الوسائل٠

بعض الصحافيين يذهب الى المهرجان موافقاً على أن يكون صديقاً، هذا شأنه وهو يحرص على أن يكون له وجود في المهرجان يمكّنه من تغطيته إعلامياً على نحو يرضى عنها رئيس التحرير ويرضى عنها المهرجان في آن. لكن الناقد ليس بوق دعاية ولو أن بعض المهرجانات تعتبره ذلك او تطلب منه أن يكون ذلك٠

لا أقول أن ما ذكرته هو الصحيح او هو الصحيح وحده. لكنه وجهة نظري الخاصّة المنسوجة من تاريخ أمضيته في عمل لا ينال شكراً من أحد ولا يهم أن ينال شكراً من أحد. نحن النقاد الجادّون والقليلون جدّاً في العالم العربي، وكما يقول الزميل هوڤيك، لسنا ضحايا. إنه قرار الواحد منّا أن يكون صعب المراس حين يأتي الأمر الى ما يراه مسألة تمس الفيلم العربي او حتى الفيلم المنغولي. مصلحته هي مصلحة القاريء الذي يحب السينما ونحن جنود لهؤلاء القرّاء (هذا مفهومي الخاص). نحن مسؤولون حياله وكل هدفنا هو أن نردأ خطر الموت عن حبّه للسينما عن طريق ردء خطر الموت عن السينما ذاتها. حين نكتب، أمير العمري وعدنان مدانات وصلاح سرميني وهوفيك حبشيان ونديم جرجورة وسمير فريد ومحسن ويفي وزياد عبد الله ومصطفى مسناوي وصلاح هاشم وخميّس خياطي ومحمد رضا وآخرين، عن السينما نكتب عنها من هذا الحب وهذه الغيرة مهما اختلفت اراؤنا وتباينت. ما هي قيمة نقد الفيلم ونقد العمل السينمائي (مهرجان، كتاب، إنتاج او أي عنصر آخر) إذا لم تكن نابعة من هذا الحب؟ لماذا نحن في هذه الصنعة إذا لم نكن غاياتنا في نهاية كل مطاف هو نشر الثقافة السينمائية ليس بين القراء وحدهم بل بين المسؤولين والمخرجين والمنتجين وكتاب السيناريو والممثلين وباقي من يعمل في السينما؟
نحن نقاد سينما بفخر. فاعلون ثقافيون بالغو الأهمية. ومستقلّون. فقط تصوّر يا أخى القاريء، ما حال السينما لو كانت بلا نقد سينمائي٠




ملف | أفلام مهرجان الشرق الأوسط

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زياد عبد الله

الزميل زياد عبد الله حضر نشاط مهرجان الشرق الأوسط ونشر في صحيفة »الإمارات اليوم« سلسلة  من المقالات النقدية حول أفلامه- ظلال وأشباح يسرّها نقل انطباعه في ختام الدورة، وآرائه في بعض الأفلام العربية التي شاهدها هناك، مرتّبة هنا حسب أبجديّتها- م. ر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ختام الدورة الثالثة من «مهرجان الشرق الأوسط السينمائي» كان من نصيب الماعز! ليس لأنّ فيلم الختام «الرجال الذين يحدقون بالماعز» يستخلص الكوميديا من احتلال العراق، بل لأنّ نجوم الشريط لم يحضروا العرض بدءاً من جورج كلوني وبول ليستر، وصولاً إلى المخرج غرانت هسلوف. وبحركة استعراضية، جلب مدير المهرجان بيتر سكارليت أربع عنزات على الخشبة بعدما وُضعت حول أعناقها شرائط حملت أسماء المشاركين في الفيلم. وقال سكارليت إنّ غياب نجوم الفيلم دفعه إلى القيام بذلك٠

خلال أيام المهرجان، صعد سكارليت يومياً على الخشبة وقدّم الأفلام بنفسه، فيما بقي كل من حوله بمثابة كومبارس لا تتجاوز مهمته الترجمة، كما هي حال المبرمجين العرب الذين جاء وجودهم ضمن طاقم المهرجان لضرورات فولكلورية٠

توزيع الجوائز مساء السبت استدعى هبوطاً سريعاً في «قصر الإمارات» لنعومي واتس التي جاءت تسلِّم الروسي فاليري تودوروفسكي جائزة اللؤلؤة السوداء (قيمتها مئة ألف دولار) عن فيلمه «عشّاق الصرعات» كأفضل فيلم روائي طويل، وهو فيلم يعود إلى المرحلة السوفياتية، وتحديداً الخمسينيات مستعيداً ـــ ضمن قالب موسيقي هيمن عليه الجاز. قصّة أصدقاء كانوا يجدون في الثقافة الأميركية شكلاً من أشكال مقاومة الحكم الشيوعي٠

المشاركة اللبنانية اقتصرت على الأعمال الوثائقية مع محمد سويد وماهر أبي سمرا وغسان سلهب
هبوط واتس ترافق مع أورلندو بلوم الذي سلّم إيليا سليمان ثاني أهم جائزة، وهي «جائزة اللؤلؤة السوداء» عن أفضل فيلم روائي من الشرق الأوسط، شارك إلى جانب «عشّاق« علماً بأنّ «الزمن الباقي» وسبعة عشر فيلماً آخر في المسابقة الرسميّة التي جاءت منقسمة على ذاتها. هذا الانقسام جعل من الجوائز قضيّة شائكة. حُيّدت الأفلام العربية و«الشرق أوسطية» عن متن الجائزة، وأتيح لها هامش كي تتنافس مع أعمال لا ترقى أصلاً إلى المنافسة. بناءً على ذلك، يحقّ لفيلم إيليا سليمان أن يكون متفوقاً على «الليل الطويل» لحاتم علي و«دواحة» للتونسية رجاء عماري، لكن من أين له التنافس مع الفرنسي «المادة البيضاء» والصيني «المحارب والذئب» وغيرهما من أفلام غير «الشرق أوسطية»؟ هذا التمييز هو عنصر أساسي في سياسة مدير المهرجان؟

فيلم »أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية« لبهمان غوبادي خرج بجائزتين: « الأولى جائزة أفضل ممثل لحامد بهداد، وجائزة الجمهور التي استحدثت هذا العام. بينما تقاسمت جائزة أفضل ممثلة المكسيكيتان أليسيا لاغونا وصونيا عن دوريهما في فيلم »بلاشمال« او
Northless
الشريط يسلّط الضوء على المساعي المتكررة لشاب يحاول عبور الحدود إلى أميركا، وفشله الذي يضعه في قرية حدودية بين غرام امرأتيين
جائزة الإخراج كانت أوسترالية من نصيب غليندين ايفن عن «الجولة الأخيرة»، بينما نالت التركية بيلين إسمير جائزة » الذي يمضي خلف هوس عجوز ارستقراطي في تجميع كل 11 حتى 10أفضل فيلم جديد من الشرق الأوسط عن « شيء بهدف توثيق حياته، وانعكاس ذلك على حياة بوّاب عمارته٠

جائزة أفضل فيلم قصير من الشرق الأوسط كانت لبنانية من نصيب فيلم «طرابلس عالهدا» لرانية عطية ودانييل غارسيا. عدا هذا الفيلم، اقتصرت المشاركة اللبنانية في المهرجان على الأعمال الوثائقية عبر شريط محمد سويد المميز ما هتفتُ لغيرها» الذي يتنقل بين بيروت ودبي وهانوي في تعقّب لأحلام وخيارات ثورية اصطدمت بواقع مغاير. بينما « قدّم ماهر أبي سمرا مقتطفات من شريطه «كنّا شيوعيين» في استجابة لإصرار إدارة المهرجان على عرضه، وإن بنسخة أوّلية، لكونه مساهماً في تمويله، إضافة الى فيلم غسان سلهب الجديد وعنوانه 1958
وقد شارك في المسابقة الوثائقية 15 فيلما من بينها جديد المصرية تهاني راشد »جيران« الذي ينبش ماضي »غاردن سيتي« وحاضرها بوصفها بؤرة تتكاثف فيها المتغيرات التي طرأت على المجتمع المصري٠

إلا أنّ جائزة أفضل فيلم وثائقي كانت من نصيب «غاندي الحدود: بادشاه خان، شعلة من أجل السلام» لتي. سي ماكلوهان. يتناول العمل حياة المناضل البشتوني بادشاه خان الذي أصبح النظير الباكستاني للمهاتما غاندي. فيلم »زرزيس» للتونسي محمد زرن استحق بجدارة جائزة أفضل إخراج لفيلم وثائقي من الشرق الأوسط. يقدم العمل رجلاً يتحول محله لبيع الخرضوات إلى نقطة التقاء لأفكار سياسية واجتماعية ومساحة لتدوال قصص تختزل مرحلة من تاريخ تونس. أسدل الستار من دون أن يخطر ببال أحد أن يسأل: ما هي سينما الشرق الأوسط؟ ماذا يبقى أن نقول؟ وداعاً أبو ظبي... أهلاً دبي!

الخاسر الأكبر
مصر كانت الخاسر الأكبر في مهرجان أبو ظبي. لم تحظ الأعمال الروائية الطويلة «المسافر» لأحمد ماهر و«هليوبوليس» للمصري أحمد العبدالله بأي جائزة. كذلك فإن فيلم أسامة فوزي «بالألوان الطبيعية» انسحب من المهرجان في اللحظة الأخيرة لأسباب تتعلّق بعدم جهوزية الشريط للعرض، وهو الأمر الذي كان يعرفه منظّمو المهرجان منذ البداية.
والخيبة المصرية نفسها تشمل المشاركة الوثائقية أيضاً، من خلال «جيران» لتهاني راشد و«كاريوكا» لنبيهة لطفي الذي رصد فصولاً من مسيرة تحيّة كاريوكا. إلا أنّ ليلة الختام كانت مصرية على صعيد النجوم: هكذا، تتابع كل من محمود حميدة وسوسن بدر وخالد أبو النجا على تسليم الجوائز في ظل غياب تام للنجوم السوريين الذين كانوا نجوم الافتتاح٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأفلام ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 إبن بابل | محمد الدراجي (الإمارات/ فرنسا/ العراق)٠
رهان على المأساوي
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




إن كان المخرج العراقي محمد الدراجي قد قدم في فيلمه «أحلام» أحداثاً لها أن تغطي مرحلة زمنية سـابقة للغزو الأمـيركي للعـراق وصولاً إلى لحظة احتلال بغداد وسقوط نظام صدام حسين، فإنه وفي جديده ابن بابل» المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة لمهرجان « الشرق الأوسط، يبدأ من لحظة الاحتلال، وعبر فيلم له أن يكون على شيء من «فيلم طريق» كونه يمضي من مدينة إلى مدينة من دون أية انعطافات أو تغيرات درامية تطرأ على رحلة امرأة كردية وحفيدها في بحثها عن ابنها المعتقل في سجون النظام السابق، على أمل ملاقاته على قيد الحياة بعد 12 سنة أمضاها خلف القضبان٠

وعلى الرغم من أن الفترة الزمنية هي ما بعد الاحتلال مباشرة، فإن الجيش الأميركي غائب تماماً عن المشهد، وعليه تمضي رحلة أحمد الصغير (ياسر طالب) وجدته من شمال العراق إلى بغداد ومن ثم إلى الناصرية حيث السجن الذي من المفترض أن يكون والده فيه. الجدة لا تعرف إلا الكردية، بينما الولد يتكلم الكردية والعربية. يؤسس كل شيء لبناء جرعات عاطفية تجعل من المشاهد على تفاعل مع ما يراه، فتكفي إمكانية افتراق الولد عن جدته عند ركوب الباص وملابسات لحاقها به، أو اصرار الجدة على تغيير ملابس حفيدها في الناصرية ليلاقي والده بثياب جديدة، وغسل وجهه من مياه النهر، الأمر الذي لن يتحقق، بمعنى أن وصولهما السجن لن يقودهما إلى معرفة مصير الأب الغائب، وهنا يمضي الفيلم في جميع أرجاء العراق بحثاً في المقابر الجماعية، وليمضي برفقتهما هذه المرة شاب كان في الماضي من قوات الحرس الجمهوري التي شاركت في «الأنفال»، ترفضه الجدة في البداية، إلا أن اصراره على مساعدتهما وتفانيه في ذلك سيمنحه غفران تلك الجدة الكردية٠

يمكن تقسيم الفيلم حسب تدرجات اللون الأسود، بمعنى أنه أسود بالكامل، لكنه عرضة لزياد حلكة هذا السواد كلما توالت المشاهد التي تشكل البنية الحدثية للفيلم، مع تأكيد على التجاور الطائفي والعرقي بين العراقيين، ولعل في ذلك شيئاً من مقولة الفيلم أو كما ليقول إنه الشعب العراقي بكامله كان ضحية نظام صدام حسين وهو لم يفرق في هذا الخصوص بين طائفة أو مذهب أو جنسية، وليكون حضور الاحتلال الأميركي للعراق بمثابة الخلفية للأحداث، أو المتسبب في فتح المقابر الجماعية، وما نشهده في الفيلم سيمضي بالفجائعية إلى آخرها، وصولاً إلى موت الجدة في اللحظة التي يقع فيها الولد بناظريه على حدائق بابل المعلقة٠
يقدم الدراجي في «ابن بابل» مشهدية خاصة، ولكن يبقى الرهان الأول والأخير للفيلم مأساوياً يحاول بكل المتاح محاكاة مأساة بحجم العراق، ولعل نهاية الفيلم هي الذروة الدرامية للفيلم، لكنها ذروة دون حل، وعلى شيء من واقع مازال ينتقل من ذروة إلى أخرى وما من حلول٠

إننا محكومون بالأمل | قيس الزبيدي (الإمارات)٠
جولة وثائقية بين الفنون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



" يخافون الحب، وهو أجمل شيء في الحياة؟ لأن الأرواح الفقيرة لا تبحث عن الجمال بل عن النظام"، من هذه العبارة المأخوذة من مسرحية »بلاد أضيق من الحب«، يبدأ فيلم »إننا محكومون بالأمل«، ولعل هذا العنوان سيحيلنا مباشرة إلى الكاتب السوري الراحل سعد الله ونّوس، ليصير الحديث هنا عن توثيق سينمائي جديد لحياته، وفعل جمالي استعادي يقدمه المخرج العراقي الألماني قيس الزبيدي عبر شريط فرغ منه أخيراً، من إنتاج شركة «الليث للإنتاج المرئي والمسموع»، حيث يحكم فيه قبضته حول عوالم هذا المسرحي، في تمازج بين مادة أرشيفية خاصة وشهادات لمن كانوا حول ونوس، ستتبع على الدوام بتجسيد مسرحي أو سينمائي أو فوتوغرافي٠

إن كانت السينما التسجيلية فن إعادة بناء الواقع، فإن الزبيدي يعيد البناء بما يشكل واقع ونوس الجمالي، ويمنح خشبة المسرح فعلاً مجاوراً لحياته، وعلى قدر متوازٍ ومتداخل، لا لشيء، إلا لأن المسرح هو حياة ونوس، والعكس صحيح٠

يتعقب قيس الزبيدي حياة سعد الله ونوس، بعد أن فعل ذلك مع الرسام جبر علوان العام الماضي، في فيلم «جبر ألوان» الذي نال الجائزة الأولى في الدورة الثانية من مهرجان الخليج السينمائي. ولعل غواية أن تمضي السينما خلف فنون أخرى سيمنح للوثائقي فرصة جمالية، تجعله استثماراً إبداعياً في تلك الفنون، عدا استثنائية الشخوص، كما هو ونوس الذي يبدأ الفيلم من قريته «حصين البحر» على الساحل السوري، وطلبة في طريقهم إلى المدرسة، فإذا بنا نسمع شهادة مدرس ونوس متري عرنوق، وهو يتحدث عنه طالباً مميزاً، ومن ثم أخته التي تروي كيف كانت تعذبه الأمور التي لا يكتشفها، بينما تخبرنا أمه عن رسائل كان يرسلها إليها من القاهرة وباريس
لن يشعر مشاهد الفيلم بأنه في صدد تسلسل زمني صارم لحياة ونوس، فباريس لن يكمل فيها دراسته، لأن نكسة 1967 وقعت، كما سيقول لنا المخرج السوري عمر أميرلاي، وهو يروي رؤيته المشتركة معه، وكيف فكرا بمقاربة المواطن السوري، كون الهزيمة لم تكن بسبب قوة إسرائيل، بل لضعفنا، وهكذا تولدت فكرة مجموعة أفلام عن الحياة اليومية في قرية ومن ثم معمل ومدرسة وغيرها، فكان الحياة اليومية في قرية سورية». ولعل النكسة ستعود وتظهر « بوصفها نقطة مفصلية في حياة ونوس، وهو يتحدث في فيلم أميرالاي، «وهناك أشياء كثيرة، كان يمكن أن يتحدث عنها المرء»، حين بدت تماماً أنها النهاية بالنسبة لونوس٠
سنكون دائماً في فيلم ضمن فيلم، ومسرحية داخل فيلم، فمع الحديث عن «رأس المملوك جابر» واحتفاء الجمهور الألماني بها، سنشاهد مقطعاً من فيلم «المغامرة» المأخوذ عن المسرحية، وليتبع بها مجسدة على الخشبة، ومعها أيضاً مشاهد خاصة لونّوس في لايبزغ، وبالتأكيد، لن يغيب برتولد بريخت، وتأثر ونوس به طالما أننا في ألمانيا. سيحضر الشخصي عبر سرد زوجته فايزة شاويش، وتحديداً في فترة مرضه، وفي بُعد معرفي ونقدي في الفيلم، فإن الممثل غسان مسعود سيتحدث عن شراكة سعد الله ونوس مع فواز الساجر، ويقول إن تقديس ونوس النص المسرحي فهم بطريقة خاطئة، وأنه أبدا لم يكن يعتبره صياغة نهائية لا تتأثر بالبروفة والعرض. طبعاً، هكذا كلام لا يترك من دون أن يحضر مشهد من «رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة»، ومعها لقطة لمسعود في الكواليس٠
سيحضر آخرون، سنتجول بين لوحات أحمد معلا وتحيته لونّوس، وهو يقرأ عما دفعه لهذه التجربة، سنشاهد ملصق «طقوس الإشارات والتحولات» سيتكلم ابن قريته الروائي حيدر حيدر، وستكون مقاربة ماري إلياس أكاديمية بامتياز، وليكون الكلام دائماً موجزاً ومكثفاً لا يترك من دون سند، وهو الصورة التي تتكلم بإسهاب٠
تصلح نهاية الفيلم كمثال نسرده للتدليل على الآلية التي اتبعها الزبيدي في سرده البصري، فبعد كلمة ونوس الشهيرة في «يوم المسرح العالمي»، نشاهد لقطة من مسرحية «أبو خليل القباني»، ثم شموعا مضاءة، فقبر سعد الله ونوس، بعدئذ طاولته وقد حملت نظاراته، وإلى جانبها كرسيه الهزاز فارغاً، ولقطة للبحر من بين نباتات الصبار، لقطة لأم سعدالله، مشهد لغروب الشمس، بعد أن بدأ الفيلم بإشراقها، ولنعود مجدداً إلى غرفته وصورته، بينما يطالعنا جهاز الرد الإلكتروني "هنا بيت سعد الله ونّوس، نأسف لعدم وجود من يرد على الهاتف، نرجو أن تتركوا رسالة، بعد سماع الإشارة وشكراً"٠


جيران | تهاني راشد (مصر)٠
مقاربة جديدة مع الواقع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



جديد تهاني راشد »جيران« هو مقاربة جديدة للواقع المصري، والتغيرات التي طرأت عليه، وفي مواصلة لما بدأته مع «البنات دول»، لكن هذه المرة من «غاردن سيتي»، وما آل إليه هذا الحي الشهير في العاصمة المصرية، كما لو أنها تسرد تاريخ مصر ومتغيراته انطلاقاً من هذا الحي٠
ما إن يرد اسم «غاردن سيتي» حتى تستيقظ طبقة مصرية أو غير مصرية كانت تشكل ارستقراطية باذخة وعريقة، عاشت في هذا الحي بعيد عن كل شيء، وجدت فيه قبل ثورة يوليو ملاذاً يجعلها تعيش في حي ليس فيه من القاهرة إلا وجوده فيها٠
فيلم «جيران» يمضي خلف استعراض ما طرأ على هذا الحي، كيف كان في الماضي عبر سرد عدد كبير من سكانه حياتهم الماضية، وهم يستعيدون قصورهم المهجورة، وإلى جانب ذلك ما صار إليه هذا الحي والطبقات الجديدة التي تجاوره أو دخلت نسيجه، ومربع الأمن والرعب الذي تشكله السفارة الأميركية فيه٠
شخوص كثر سيستعيدون ذكرياتهم في هذا الحي، معظمهم لا يعرفون العربية، وغالباً ما يتكلمون بالفرنسية، هربوا من مصر بعد قوانين التأميم التي سنها جمال عبدالناصر، وعادوا مع الانفتاح الاقتصادي في فترة حكم أنور السادات وقانون استعادة الأملاك المؤممة. في الفيلم ما يرصد مصائر الطبقة الارستقراطية التي لا علاقة لها لا من قريب أو بعيد بالمواطن المصري العادي، وهي كما سيظهر من أحاديث كثيرة تعيش في غربة خانقة الآن، بعد أن تغير كل شيء، وأصبح منسوب التسامح في انخفاض، وتسيدت الأفكار ذات البعد الواحد، التي تؤطر الإنسان في إطار واحد متشابه ومتكرر. جيران تلك الطبقة هم السفارة الأميركية والفقراء والمتزمتون دينياً، وما يسرد أمامنا ما يدفع بعضهم إلى ممارسة نقد للذات أيضاً، فبعد أن نعود بالزمن مع كل شخصية على حدة، ونرى قصورهم وكيف تحولت إلى أبنية متآكلة، بعد أن كانت أفلام فاتن حمامة وعمر الشريف تصور فيها، تدور الكاميرا باتجاه الضفة الأخرى، حيث الفقراء والناس العاديون المجاورون للارستقراطيين، فما كان يشكل لعنة على الارستقراطيين سيكون بمثابة نعمة على الفقراء والبسطاء، ولعل عبدالناصر سيكون هو النقطة الرئيسة في هذا الخلاف٠
تقدم تهاني راشد «بورتريهات» لأناس كل ما في حياتهم من أحداث، ثري ومليء بالمفارقات، وبالتأكيد مع قدرة هؤلاء الأشخاص على تقديم سرد وتحليل جيد لحياتهم، ومع انتهاء الفيلم سنكون أمام اختلافات وتباينات وتواريخ وأحداث تجتمع على أن كل شيء قد تغير وإلى الأسوأ، وكأمثلة على ذلك نسمع من يقول «أنا شامي في مصر، ومصري في لبنان وفرنسي في ألمانيا»، وشيئاً مثل تحولت الأوبرا إلى كراج» أو «إنهم يريدوننا مسلمين على « طريقتهم»، أو توصيف «غاردن سيتي» بقلعة الملل البرجوازي كما يقول الشاعر ألبير قصير، ودائماً السفارة الأميركية وظلها الثقيل على كل ما حولها، إلى أن نصل النهاية مع المفكر الراحل محمود أمين العالم وهو يشحننا بجرعة تفاؤل، وهو يتكلم عن مآس كثيرة مثل سجنه، وليقول عند سرد قصة قيام سجانيه بضربه وكل من في الزانزانة معه ضرباً مبرحاً «هلكناهم وهم يضربونا» ويضحك

الدوّاحة | رجاء عمّاري (تونس)٠
أسرار النساء المشوّقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



يتيح لك الفيلم أن تقدم كل شيء ولا شيء في آن معاً، كما أن المغريات التي يقدمها في زمنه الافتراضي قد تدفع إلى أن يكون الأمر خلطة فنية من الصعب تباين ملامحها، وإن كانت البداية خادعة، وتمتلك إمكانات سرعان ما يتم الانزياح عنها، ونحن نتعقب انقلاب الفيلم وتوجهه إلى مساحة تشويقية تتحول إلى الرهان الأكبر لدى التخلي عن أي رهان آخر٠
تمنحنا المخرجة التونسية رجاء عمّاري فرصة البحث في ما تقدم، والذي يأتي مسلحاً بكل ما له أن يكون نسوياً بالمعنى النقدي للكلمة وهو يقدم قصته وفق رؤية نساء عدة وصراعاتهن المحتدمة المنسجمة مع زاوية رؤية كل واحدة منهن للحياة ونمط العيش وغير ذلك٠
عنوان الفيلم الذي يعني باللهجة التونسية «المهد» كما تم التوضيح لنا، لن يكون نفسه في العنوان الإنجليزي للفيلم الذي يصير إلى «أسرار دفينة»، ويمكننا بعد مشاهدة الفيلم اقتراح عناوين أخرى مثل أن يكون «نساء لهن ماضٍ» أو «أموات على قيد الحياة» أو «قصر النساء المنسيات» وغيرها في تعقب لتنقل الفيلم بين أشياء كثيرة٠
مع بداية الفيلم نحن أمام ثلاث نساء أشبه بالأشباح، البنت الصغرى تتسلل إلى طابق علوي وتقوم بحلاقة ساقيها فإذا بها تجرح نفسها تحت وطأة الخبط القوي على باب الحمام. تؤخذ غصباً الى الطابق الأسفل، حيث تعيش مع أختها الكبرى وأمها. ومن ثم نكتشف أنهن يعشن في قصر هائل الحجم لكنه مهجور، ويشغلن طوابقه السفلية حيث كان بيت الخدم، ولنعرف بعد ذلك أن الأم كانت من خدم هذا القصر٠
البنت الصغرى كما تقدم لنا مسكونة بأنوثتها المحرمة، تتوق لأن تتبرج وأن تعيش حياتها من دون محرمات كثيرة تمارسها أختها وأمها عليها وبشيء من التطرف الذي يحرمها كل شيء، بينما تعيش الأم والأخت الكبرى الهواجس نفسها، لكنهما تستتران خلف قسوة ظاهرية وعلى شيء من الازدواجية، تضعان أقنعة تخفي ما تخفي تحتها وتمارسان كل أنواع التسلط على البنت الصغرى في قمع لكل رغباتها وأحلامها التي لها أن تكتمل عند الرجل. حدث طارئ يضاف إلى حياة النساء الثلاث، ألا وهو عودة واحد من أبناء مالكي القصر إليه، وسكنه فيه برفقة امرأة، بحيث تتحول قصة الفيلم إلى مجاورة ما يحدث في الطوابق العلوية مع السفلية حيث الأغنياء يمرحون ويمارسون الحب ويستمتعون بأوقاتهم، بينما من في الأسفل يعيشون في خوف اكتشاف أمرهم، ويتلقون الفضلات التي يرمون بها، ومع تجرأ البنت الصغرى وصعودها إلى الطابق الأعلى تقع على كل ما يخفى عنها، تشاهد رجلا وامرأة في جماع محموم، ومن ثم تسرق حذاء المرأة الثرية ذا الكعب العالي، كما أنها تتسرب إلى حفلة يقيمونها٠

كل ما تقدم يخدم مجاورة الغنى للفقر، الانفتاح والتنعم بالحياة إلى جانب قمع الرغبات والاستقرار على حياة متقشفة في كل شيء، إلا أن هذه القراءة سرعان ما يكتشف بطلانها، مع التقاء الفتاة الثرية في الأعلى مع البنت الصغرى في الأسفل، ومن ثم اعتقال تلك الفتاة وإبقاؤها رهينة حجز النساء الثلاث، وعليه يمضي الفيلم نحو شيء آخر تماماً، ويصبح مسكوناً باكتشاف ماضي النساء الثلاث، وعلى شيء من أفلام الرعب والتشويق، حيث نكتشف ـ ياللهول ـ أن الأم قامت بقتل زوجها الذي اعتدى على ابنته جنسيا وأنجبت منه ابنا مدفوناً في حديقة القصر٠
طبعاً يطمح الفيلم إلى تقديم وطأة الماضي على المرأة من خلال البنت الصغرى التي تحرم من كل شيء لا لشيء إلا لأن الماضي الذي لا يد لها فيه قد حصل فيه ما حصل، ولا أعرف إن كانت النهاية المتمثلة في قيامها بقتل أمها وأختها ومشيها في الشوارع بثوب أبيض مخضب بالدماء قد يعني أنها انتصرت على ماضيها٠
تداخل الحياة بين من يسكن طوابق القصر العليا مع السفلى سيكون بمثابة النقطة التي أخرجت الفيلم عن سياقه، لا بل إن ما تبع ذلك سيقودنا إلى فيلم «غوثيك» يمنح هالة من الرعب البسـيط الـذي تحمله القصور الفارهة، مع تذكيرنا في كل مرة عبر مشاهد خاصة أننا أمام نساء يصارعن الشهوات والحرمان٠

كاريوكا | نبيلة لطفي (مصر)٠
راقصة، ممثلة، مناضلة، معارضة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



يمكن مواصلة الحنين مع فيلم وثائقي حمل عنوان «كاريوكا» الذي يحيلنا إلى الراقصة والممثلة تحية كاريوكا وما تشكله من عودة إلى «الأبيض والأسود» وزمن ثمة اصرار هائل على أن يكون سحرياً طالما أنه مضى وانقضى٠
مخرجة الفيلم نبيهة لطفي قدمت ما اعتبرته تحية إلى «تحية» ومضت في تقديم مادة أرشيفية كبيرة برفقة شهادات كثيرة ممن عاصروا تلك الفنانة، أو من وثقوا تجربتها سواء في الكتابة أو التشكيل في مسعى للبحث عن ملامح الأسطورة التي تشكلها، وذلك في خط زمني واحد، امتد من الطفولة إلى الممات، ابتداء من قصة هربها من قريتها إلى القاهرة، مروراً بزواجها والأدوار التي قدمتها، وصولاً إلى مبادئها والتزاماتها الأخلاقية والسياسية حتى مماتها٠

الفيلم مصنوع في تسلسل رتيب، كما أن توظيف المادة الأرشيفية الكبيرة التي حملها تم بقصدية سابقة جاء الفيلم ليؤكدها، والمصر على أن يقول لنا إن تحية كاريوكا لم تكن راقصة وممثلة فقط بل مناضلة ومعارضة وغير ذلك مما قدم في خدمة هذه المقولة، واستعراض ما يؤكد ذلك يتم بواسطة قصاصات الصحف أو الصور أو المشاهد لتأتي الشهادات كتعليق في اتجاه واحد دائم يصادق على ما عرض أمامنا، وعلى مستوى واحد. لا شك أن تحية كاريوكا تستحق كثيراً من الثناء والاحتفاء، لكن الإصرار على أسطورتها من دون أي شيء آخر أعاق الفيلم عن تقديمها كفنانة من لحم ودم٠


الليل الطويل | حاتم علي (سوريا)٠
نحن والفقر جيران
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



السجين السياسي سيحيلنا مباشرة إلى عتمة ما، نجدها مباشرة في زنازين أو أقبية تعذيب، وحيوات محتجزة خلف القضبان لا لشيء، إلا أنها تعارض سلطة أو نظاماً، تخالفه الرأي، والثمن سيكون باهظاً ومؤلماً وظالماً. «الليل الطويل» فيلم السوري حاتم علي، الذي عرض ضمن أفلام المسابقة الرسمية يأتي تماماً من تلك العتمة والبحث عن فجر يشتتها، لكنه ليل طويل لا ينجلي، كما سيطالعنا الفيلم، الذي اتخذ من الليل زمناً لأحداثه، وحاملاً لكل ما قدمه. وعليه يمكن اعتبار العنوان مفتاح الفيلم الذي كتبه وأنتجه المخرج هيثم حقي، وضم عدداً من نجوم التمثيل في سورية، فما إن يتم إطلاق سراح المعتقلين الذين نقع عليهم في البداية داخل الزنزانة، حتى نمضي خلف مصائرهم، بما فيهم وحيد الشخصية التي قدمها نجاح سفكوني الذي يبقى مسجوناً، كما لو أن وقته لم يحن بعد، ولم تطله يد العفو٠

يشكل السجين السياسي الذي جسد شخصيته خالد تاجا محور العمل، وبالتالي البؤرة الدرامية التي تفضي إلى ما آلت إليه مصائر أبنائه الأربعة، وتبادل أربعتهم لمصائر متبانية، لها أن تكون متصارعة وفق الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي وجدوا أنفسهم تحت رحمتها، من جراء سجن والدهم الطويل لعشرين سنة، والتي يتم استعادتها في حوارات تظهر عمق الخلاف، فالابن الأكبر (زهير عبدالكريم) يمضي مع ما طرأ من مستجدات، لا بل يضع يده بيد من كان سبب اعتقال والده (رفيق السبيعي) الذي نعرف بأنه من أصحاب السلطة، وهو من يحمل إليهم خبر خروج والدهم من السجن، وليكون ابنه زوج ابنة السجين أيضاً (جسدت دورها أمل عرفة)، وفي المقابل هناك ابن السجين الأصغر الذي لعب دوره باسل خياط، المصر على المبادئ ومعارضة أخيه الأكبر واخته، والذي نتعرف إليه ناشطاً وصحافياً٠
كل ذلك يتضح ليلة خروج الأب وعبر الحوار والنقاش، الذي ينأى بنفسه عن تسمية الأشياء بأسمائها، بل المضي خلف ما يمكن أن يتيح لنا الاستنتاج وفق توصيفات عامة، ولينضم إليهم الأخ الرابع (حاتم علي)، الذي يعيش في فرنسا، والذي يحيلنا إلى الهرب من كل ما تقدم، لكنه هرب افتراضي بالنهاية، خصوصاً أنه متزوج بابنة سجين سياسي أيضاً، يخرج مع خروج والده٠

نحن أمام مصائر عائلة كاملة، ولكل فرد منها قصته ومسار حياته، القادم من وطأة سجن الأب الطويل، هذا الأب الذي لن يفارق ليله، فمع خروجه لا يذهب لملاقاة أولاده، بل يمضي إلى قريته حيث يموت هناك وفي الليلة نفسها٠

فيلم حاتم علي مبني وفق خطوط درامية حدثت وانقضت بينما الأب في السجن. يستعيدها عبر الشخصيات المحيطة به، التي نتعرف إليها مسرودة أمامنا عبر الحوار، ولعل السجن وما يمليه من إيقاف للزمن سيقف على النقيض مع من خارجه، حيث الزمن يمشي معهم وهو يحمل ما يحمل من تغيرات، وعليه تصنف الشخصيات إما متأقلمة أو متمردة أو هاربة، وليكون فعلها في الفيلم هو الكيفية التي تتلقى به خروج الأب من السجن بناء على رؤية كل شخصية للحياة٠
وعليه يبنى الفيلم على مستويين، الأول مشغول بتعقب مصائر ثلاثة سجناء أطلق سراحهم، وهنا تكون اللغة السينمائية حاضرة، وثمة فرصة لتقديم سرد بصري، يتم استثمارها في الحد الأدنى، مثلما هو الحال مع تتبع مراحل إطلاق سراحهم، قص الشعر، ظل الرشاش على الجدار، كأس «المتة» التي يشربها عنصر المخابرات، لقطة الفاكهة التي يعاينها السجين بعينين متشوقتين لألوانها، أو قيام المفرج عنه (حسن عويتي) بالركض في شوارع دمشق، وضياع الثالث الذي لا يجد مكاناً يؤويه فيلجأ إلى فندق٠

أما المستوى الثاني، فكلامي، وما تقدم مفتقد تماماً، فهنا الاستسلام تام للحوارات، التي عليها استعادة ما حصل، وأن تقول لنا ها هي مصائر من تركوا دون أب، لا لشيء إلا لمواقفه السياسية، وها هو ما ستكون عليه حياته دون الخوض في أي شيء سياسي، ولتنعدم في هذا المستوى اللغة السينمائية ومفرداتها البصرية القليلة أصلاً في المستوى الأول، الأمر الذي يحيلنا إلى السيناريو المستسلم للحوار٠

قد تقول لنا نهاية الفيلم شيئين، الأول يدفع لأمل ما ونحن نرى واحداً من السجناء مع حفيدته في مرج أخضر، بينما يبقى رابع السجناء حبيس الجدران، ليقول لنا إنه لايزال هناك سجناء سياسيون في سورية


هليوبوليس | أحمد العبد الله (مصر)٠
الحنين المصري إلى ما قبل الثورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



تعيش السينما المصرية حنيناً إلى فترة ما قبل ثورة يوليو، وعلى شيء يستدعي التوقف مطولاً أمام واقع يملي هذه العودة، والتركيز على الراهن بوصفه حمل ما حمل من تشويه وتخريب، وعليه يأتي الماضي بمثابة فسحة أمل تتسع لصرخة تقول: مصر لم تكن كذلك، لقد تغير كل شيء الآن ونحو الأسوأ الذي يزداد تفاقماً، ولتكون هكذا مقولة على شيء من الإنتظام بين الأفلام المصرية التي عرضت حتى الآن في الدورة الثالثة من مهرجان الشرق الأوسط السينمائي

الماضي وردي في «المسافر» فيلم أحمد ماهر الذي افتتح فيه المهرجان عروضه، مليء بالموسيقى والرقص والرومانسية، بينما يمسي الحاضر مليئاً بالتزمت الديني والعنف والرداءة مع تآكل كل شيء، بينما قدمت تهاني راشد في فيلمها الوثائقي «جيران» واقع مصر الحالي من خلال حي «جاردن سيتي» والذي تبني عليه بوصفه بؤرة حقيقية للعودة بالزمن والمضي خلف الراهن في آن معاً، واضعة أمامنا آراء ووجهات نظر مختلفة، لكن بما يجعل من قصور الباشاوات والارستقراطية المصرية التي نال منها الزمن معلماً زمنياً للتغيرات التي عصفت في مصر وصولاً إلى الواقع الحالي٠

فيلم أحمد العبدالله «هليوبوليس» في أولى تجاربه الإخراجية ليس ببعيد عما تقدم، وبما يشكل رصداً للواقع المصري وفي مسعى للتركيز على قيمة التعددية، عبر سرد يستدعي الثناء والاحتفاء، وشخصيات كثيرة معطلة لا تنجح بالقيام بأي شيء، يتبدد اليوم الذي يشكل زمن الفيلم ولا شيء يحصل مع أي منها، لا بل إن مصائرها لا تتشابك إلا قليلاً، وكل غارق في وحدته ومآزقه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، ولتحضر «هليوبوليس» مصر الجديدة) بوصفها حاملاً للحنين أمام فداحة الحاضر، ومعلماً ( مسكوناً بجماليات مفتقدة سرعان ما تمنع العودة إليها، طالما أن الضابط يقف حائلاً بين تصوير مبانيها القديمة، كما ولو أن الحنين ممنوع أيضاً وبالقوة٠

يرمي فيلم أحمد العبدالله بخيوط درامية كثيرة، ما من دراما فيها إلا عجز تلك الشخصيات وعدم تمكنها من إنجاز ما تسعى إليه، كما يقول لنا الفيلم، كل شيء يقف ضدهم. نقع أولاً على صحافي شاب (خالد أبوالنجا) يشرب الشاي مع ناطور عمارة، وسرعان ما نراه يقوم بمقابلة امرأة عجوز نكتشف أنها يهودية، ربما آخر يهود مصر، وليمضي هذا الشاب حديثه معها وهو متلعثم ومرتبك. إضافة لعدم نجاح الشاب في تصويرها، وليكون الحوار الوحيد الناجح بينهما هو استعادة تلك السيدة لأمكنة في «هليوبوليس» أو غيرها من أحياء مصر كما عاصرتها، وتوقفت عن ذلك كونها لا تستطيع الخروج من البيت لمرضها وعليه يقرر الشاب أن يصور لها تلك الأمكنة وما صارت إليه، وهذا ما يفعله إلا أن ضابط الشرطة سرعان ما يمنعه٠

وبالتوازي والتناوب هناك المجند في الأمن المركزي الذي لا ينطق حرفاً واحداً من أول الفيلم إلى آخره، وهو جالس في كشك الحراسة في شارع لا يمر به أحد، يسمع الراديو الذي لا يتوقف عن بث أغاني عبدالوهاب، إلى أن يعثر على كلب يصير شغله الشاغل ومؤنس وحدته القاتلة، وإلى جانبه هناك طبيب نراه يتقدم بطلب للهجرة إلى كندا، لكن أوراقه غير كاملة، وعندما يحاول استخلاص صور شخصية له جديدة غير التي معه فإنها تظهر طبق الأصل عن السابقة، بينما يتصل به شاب وامرأة يبحثان عن بيت كونه يكون قد وضع إعلان لبيع بيته، الشاب والمرأة في طريقهما إلى الزواج، وثمة مهمتان عليهما القيام بهما، الأولى شراء ثلاجة والثانية الوصول إلى بيت الطبيب ومعاينته، وهما يفشلان في تحقيق المهمة الأولى لأسباب متعلقة بأشياء تفصيلية تافهة، بينما يكون فشلهما في الوصول إلى بيت الطبيب بسبب مرور موكب الرئيس وإغلاق الطرقات أمامهما٠
هناك أيضاً الفتاة التي تعمل موظفة استقبال في فندق قذر، وهي تحلم بالسفر إلى باريس، لا بل إنها ترسل رسالة لأهلها في طنطا تتكلم فيها عن ما تعيشه من سعادة في باريس، وهي تشاهد طيلة الوقت القناة الخامسة الفرنسية، وترمق بحسد وغيرة عاشقين فرنسيين من نزلاء الفندق يتبادلان القبل٠
تتاشبك تلك الشخصيات ولا تفعل، تتجاور من دون أن يعرف بعضهم بعضا، تتشارك أغاني الراديو، والشيء الوحيد الذي يربط مصير شخصية بأخرى، هو الشاب الذي يصور «مصر الجديدة» والفتاة التي تكون في طريقها إلى الزواج وشراء الثلاجة، إذ نكتشف بأنهما كانا على علاقة حب انتهت، كما أن القداس والتراتيل التي تخرج من الكنيسة تجعل جميع الشخصيات وهي تتحرك في محيط «هليوبوليس»، تتشارك سماعها، لا بل إن مجند الأمن المركزي يطفئ الراديو، المجند المواظب على صلواته الخمس٠

فيلم «هليوبوليس» ترسيخ لما له أن يكون «سينما مصرية مستقلة» غير خاضعة لمزاج شباك التذاكر، وفي انحياز لقيم جمالية، وبحث عن المغاير والمختلف عن الانتاجات التي لا تتخطى في اسباب وجودها ذلك الشباك. إنه شريط مشغول بأسئلة كثيرة لها أن تمر وتتردد في سياق بصري مشغول بعناية، وإيقاع بطيء على خلاف مع البنية التي اختاره المخرج لسرد أحداثه، والتي سرعان ما يتم تطويعها في خدمة ما يقدمه الفيلم، وهو يقول لنا: لا شيء يتغير، وتلك الخيبات اليومية لها ما يقابلها من خيبة عامة ما من شيء يجابهها إلا الهرب وكل على طريقته٠




دراسة | ميسر مسكي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما التركية... وفرة تلاشت و عودة روح واعدة
(الجزء الثاني)



من »وادي الذئاب«٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يواصل الناقد الزميل ميسر مسكي بحثه في
تاريخ السينما التركية الحديث وموقعها علـى
خارطة الإنتاجات في العقود الأخيرة- م. ر


في السبعينات والثمانينات، إستمرّ الإنتاج التركي في التضاؤل إلى أن بلغَ فيلمين أو ثلاثة فقط في السنة. وحتى حين حازَ فيلم يلماز غوناي "الطريق" سعفة مهرجان الذهبية عام 1982، لم يكن ذلك إختراقاً بقدر ما كان شذوذاً عن القاعدة٠
و لم تبدأ ملامح التحسن في الإنتاج السينمائي التركي إلا مع تبدل الحال في المحيط الإقليمي و إنعكاساته الداخلية. فسقوط الإتحاد السوفيتي غَيّرَ من مفهوم الدور التركي في المنطقة مما أعادَ إحياء الفكرة القديمة-الجديدة و هي إنضمام تركيا إلى الأسرة الأوروبية مما إستدعى، بالتالي، تغيرات عميقة طالت الحياة السياسية و الفكرية في تركيا. فقد خَفّت قبضة الجيش على شؤون البلد وتراجَعَ الفساد السياسي مما سَمَحَ بمساحة أكبر من حرية التعبير. و جاء ذلك مترافقاً مع إنتعاش إقتصادي لافت أعَادَ للطبقة الوسطى في تركيا الروح و النشاط. كما أن وصول الإسلام المُعتدل والواقعي (أمر لم يكن بالإمكان تخيله قبل حفنة من السنوات) إلى سدّة الحكم كان الإشارة الأهمّ منذ تكوين الدولة التركية الحديثة إلى بدء إعادة تعريف إنتماء الأمة إلى تاريخها و جغرافيتها الطبيعية
مناخ الإنفتاح الجديد سَمَحَ للقليل من مكاتب الإنتاج في شارع "الصنوبرة الخضراء" أن تعيد فتح أبوابها لتأمين التمويل لأفلام تركية جديدة بدت أفضل تقنياً و فنياً من أخواتها التي كانت تنتجها نفس المكاتب قبل أكثر من عشرين عاماً. لكن الشارع بحدّ ذاته لم يعد مركز الإنتاج السينمائي التركي اليوم. فمن يزوره بالكاد يُلاحظ أثراً لمكاتب الإنتاج القديمة. فالشارع المتداع تحول إلى حانات و مقاهي رصيفية خلفية لشارع الإستقلال الشهير. وحتى صالات السينما التي عادت إلى عروضها السينمائية تبدو و كأنها ترثي زماناً إنقضى دون رجعة (الصورة)٠

الأفلام الجديدة في الإنتاج السينمائي التركي توزعت على نوعين، واحد حظي بترحيب في أوساط المُثقفين الأتراك والنقاد في أوروبا‘ حتى أن أحدها "بعيد" ( "أوزاك" بالتركية) لـ نوري بيلج جيلان نالَ السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي عام 2002. أما النوع الثاني فقد تدافع إليه المشاهدين الأتراك الذين إستعادوا عادة التردد على صالات السينما التي نبتت كالفطر في ضواحي المدن التركية الكبرى مع تكاثر مراكز التسوق الكبيرة التي ضمّت في مبانيها مجمعات من صالات العرض السينمائي التي تنوعت في طاقتها الإستيعابية. من تلك الأفلام الجماهيرية "قاطع الطريق" ("إيسكيا" بالتركية) و فيلم يلماز إردوغان "فيزيونتل". أما فيلم "غورا" لـ عمر فاروق سوكرا عام 2004، فقد حقق رقماً قياسياً في عدد مشاهديه (أربعة ملايين) دفعوا ما يقارب التسعة عشر مليون دولار. و لم يلبث فيلم "عراق: وادي الذئاب" (2006) أن كَسَرَ الرقم القياسي ذلك بـ 4،2 مليون مُشاهد٠
هذه الأرقام التي بدت يوماً حُلماً مستحيل التحقق للمنتجين، شجعتهم على المزيد من الإستثمار في سينما بدا أنها قادرة على تجاوز حدود الدولة نحو سوق واسعة في المَهجر التركي في ألمانيا (حوالي ثلاثة ملايين مُهاجر) وحيث حَصَدَ فيلم "غورا"، مثلاً، أكثر من ثلاثة ملايين دولار من عروضه هناك. كما أن عدد من المخرجين الألمان ذوي الأصل التركي مثل فاتح أكين قد صنعوا لنفسهم إسماً ذي علامة من خلال أفلامهم الألمانية التي غالباً ما تناولت مواضيع الجالية التركية و علاقتها مع الوطن٠
سعي السينما التركية لإستثمار إنتشار الجاليات التركية في العالم وَصَلَ إلى أستراليا حيث يقام هناك كل سنة و في مدينة سيدني مهرجاناً للسينما التركية.
اليوم، لا تجد السينما التركية تمويلاً مباشراً من الدولة إلاّ بالحدود الدنيا، فكل فيلم يمكن أن يحصل على قرض إنتاجي يقارب الـثلاثمئة ألف دولار من وزارة الثقافة التي أستثمرت حوالي الخمسة عشر مليون دولار في إنتاج الأفلام عام 2004. و يُلاحظ هنا أمر لافت و هو أن الفيلم الذي يحوز جائزة هامة في مهرجان سينمائي عالمي رئيسي لا يكون على منتجه أن يسدد قيمة القرض إلى وزارة الثقافة٠
المصدر الآخر المُعين للإنتاج التركي هي الهيئة الأوروبية – التركية للسينما التي تأسست عام 1988 و قد ساهمت في تمويل حوالي أربعين فيلماً منذ ذلك العام
وما يساعد الفيلم التركي على تحقيق إيرادات أكبر في الداخل هذه الأيام، هو أن مشكلة إيجاد صالة في أسطنبول أم أي مدينة رئيسية في تركيا لعرض فيلم محلي قد تلاشت. فحين صَدَرَ قانون الرأسمال الخارجي عام 1988 والذي فتح باب الإستثمار الأجنبي في تركيا، سارعت شركات التوزيع الأميركية الرئيسية إلى السيطرة على سوق توزيع الفيلم في تركيا و بات من شبه المستحيل تأمين عرض نظامي لفيلم من إنتاج محلي. هذه الأزمة دفعت بالمخرج التركي كورهان يورتسيفير عام 2008 إلى حرق فيلمه "الجنزير" أمام صالة السينما التي سحبت الفيلم من العرض بعد ثلاثة أيام فقط من بدء عرضه
اليوم، و بعد أن حققت بعض الأفلام المحلية أرقاماً قياسية في شباك التذاكر أصبح من العادي أن تشاهد أفيشات العديد من الأفلام التركية في أكثر من صالة عرض أول٠



هوليوود | محمد رُضا
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما المرأة تعاني من إخفاقات تجارية آخرها
Jennifer's Body و Whip it


Jennifer's Body

تغيب المرأة عن الحضور في سينما اليوم ليس كممثلة بل كشخصية واقعية او حقيقية. وفي هذا الأسبوع بالتحديد، لا تصلنا المرأة في الأفلام الأميركية الجديدة محلاة بالأنثوية٠
فمن بين الأفلام العشرة الأولى المعروضة هذا الأسبوع في صالات العرض حول العالم، نجد أنها متواجدة في أدوار رئيسية يقوم الفيلم عليها في فيلم واحد هو »الجلّد« او
Whip it
الذي تقود بطولته كل من إلين بايج ومارسيا غاي هاردن و، مخرجة الفيلم، درو باريمور٠ أما غالبية الأفلام الأخرى فتضمن عليها حتى بالتواجد العابر في بعض الأحيان: فهي غائبة (الا من أدوار خلفية وثانوية) من »زومبيلاندر« ومنزوية في فيلم »المخبر« و لا وجود لها في »الرأسمالية: قصّة حب« كونه فيلم وثائقي سياسي ليس لديه وقت للحديث عن الجنسين البشريين بالتحديد. ومع أن الأفلام الكرتونية المتوفّرة حالياً في العروض التجارية، مثل »سحاب مع فرص مطر من اللحم« و»توي ستوري« فيها أصواتاً نسائية الا أنه ليس الدور النسائي الذي كانت المرأة تشهد كل أسبوع أكثر من مرّة حتى وقت ليس بالبعيد٠

من حين لآخر تتضلع ببطولة سينمائية كما الحال في فيلم درو باريمور، لكن -وكما الحال في الفيلم ذاته أيضاً- يسقط الفيلم تجارياً كون الجمهور النسائي المأمول له يختار الإبتعاد عنه قبل سواه. والحال ذاته توالى منذ أسابيع قليلة وبشكل ملحوظ٠
والحق ليس دائماً على الجمهور، في أحيان كثيرة فإن الأفلام التي تُكتب وتُنتج من بطولة نسائية ضعيفة لا تملك الا أن تتساقط كأوراق الخريف في عروضها التجارية. خذ مثلاً فيلم
Jennifer's Body
وهو فيلم دخل سباق الإيرادات لأسبوعين وخرج مهزوماً في أسبوعه الثالث. فيلم كان مفترضاً به أن يأتي
تشويقياً مع شيء من الرعب والجريمة لكنه ينبري عملاً سخيفاً في الأساس. مخرجته هي كارين كوساما التي كانت لفتت الأنظار إليها حين قدّمت قبل نحو عشر سنوات فيلماً عن الملاكمة النسائية من بطولة ميشيل رودريغيز عنوانه
Girlfight
Eon Flux ثم أتبعته بفيلم مغامرات نسائية (أيضاً) ومن بطولة تشارليز ثيرون هو
أما هذا الفيلم الجديد فتقود بطولته ميغان فوكس التي حشد لها الإعلام مؤخراً الكثير من الدعم غير المجدي كون موهبتها لا تتعدّى جمالاً فاتناً تحاول استغلاله حسب ما يتيحه العنوان من إيحاء
إنها جنيفر المرأة الغامضة التي لديها مبررات (غير مقنعة) لقتل الرجال. ميغان فوكس (23 سنة) لديها جسد إمرأة في الثلاثينات من عمرها ما يجعلها تبدو أكبر من أن تؤدي دور طالبة في الكليّة لكنها ليست المشكلة الرئيسية على أي حال ليست هنا، بل في أن الأحداث لا تلتقي في سياق مقبول، بل تنضوي تحت قصّة يُراد لها أن تنتقل قُدُماً على الرغم من أنها لا تملك مؤهلات درامية مقبولة٠
تظهر فوكس كقاتلة شرسة لكن في المقابل هناك أماندا سيفرايد، صديقتها التي لا تعلم عن حقيقة عدوّتها شيئاً في البداية، ثم ترتاب في وسط الفيلم، وتدرك كل شيء قبل النهاية فتنجح، قبل فوات الأوان، في إنقاذ من تبقّى من رجال الفيلم وشبّانه قبل انتهاء الفيلم بقليل٠


Whip it

لم يكن غريباً سقوط فيلم »جسد جنيفر« كونه ليس أكثر من معرض صور لبطلته الجميلة التي كنا تعرّفنا عليها حين تتعطّل سيارتها في فيلم »ترانسفورمرز« الأول. لكن الغريب هو سقوط فيلم »الجلد« إذ ليس هناك عذراً لفشله. الرجل في هذا الفيلم هو العملة النادرة، اما تلك المنتشرة فهي النساء اللواتي يسعين لربح الجولات الرياضية وفي ذات الوقت الذي يحاولن حل مشكلاتهن العاطفية وعلاقاتهن بالمحيط الإجتماعي في تلك البلدة التكساسية الصغيرة. إنه فيلم مسل وفيه شخصيات مثيرة وواقعية كان يمكن لها أن تُثير حماس الجمهور النسائي ، بل وتوقّع لها الجميع أن تفعل لكنها أخفقت في هذا المطلب٠
وقد جمعت باريمور من حولها بضعة ممثلات جيّدات من بينهن أيضاً، لجانب ايلين بايج (التي شوهدت قبل عام في فيلم »جونو«) ومارسيا غاي هاردن، الممثلة جولييت لويس التي تزداد موهبة فيلماً بعد آخر. أما السبب في أن الجمهور النسائي كان بارداً حيال مشاهدة بطلات في حلبة الرياضة فهو السؤال الذي سيتكرر الى أن تنجح ممثلة ما في قلب الطاولة على الرجال٠




مخرج وفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميشيل هنَيكه
حالات من العنف وافتقاد الإنسانية



في العدد الحالي من »فيلم ريدر« إستعادة
لفيلم ميشيل هنيكه »مخبوء«. للمناسبة هذا
المقال حول سينما المخرج حتى ذلك الفيلم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن تقسيم مهنة ميشيل هانيكي‮ ‬الى نوعين‮:‬‮ ‬الأول من بدايته سنة ‮٩٨٩١ ‬الى آخر القرن الماضي،‮ ‬والثاني‮ ‬من العام ‮١٠٠٢ ‬الى اليوم‮. ‬ستة أفلام في‮ ‬المرحلة الأولى وثلاثة في‮ ‬الأخيرة بدأت بفيلم‮ »‬أستاذة البيانو‮« ‬وتواصلت عبر‮ »‬زمن الذئاب‮« ‬وصولاً‮ ‬الى‭ ‬فيلمه الجديد‮ »‬مخبوء‮«. ‬لكن المرحلتين ليستا مجرد تتابعات زمنية‮. ‬في‮ ‬الحقية هما‮ -‬نموذجياً‮- ‬إنطلاق وتأسيس في‮ ‬الأولى،‮ ‬وبلورة في‮ ‬الثانية‮. ‬المرحلة الأولى وجّه فيها نقداً‮ ‬لاذعاً‮ ‬للمجتمع النمساوي‮. ‬في‮ ‬الثانية نقل نقده الى اوروبا وما حافظ عليه في‮ ‬المرحلتين،‮ ‬لجانب النقد اللاذع،‮ ‬هو برودة النظرة الى المجتمع الذي‮ ‬يتعرّض إليه‮. ‬مثل تلك الصور التي‮ ‬يلتقطها لباريس في‮ »‬مخبوء‮« ‬وتلك التي‮ ‬تعكسها شخصية دانيال أوتوييل في‮ ‬ذات الفيلم،‮ ‬هناك العديد منها في‮ ‬أفلامه السابقة‮ (‬تلك التي‮ ‬شوهدت على الأقل‮). ‬في‮ »‬أستاذة البيانو‮« ‬برودة المشاعر وإخفاق الإنسانية في‮ ‬إيجاد مواطن صلح بين الشخصيات التي‮ ‬تحتاج بعضها لبعض من دون أن تلتقي،‮ ‬يصدم المشاهد حتى من قبل لجوء الفيلم الى نهايته العنيفة‮. ‬بل أن العنف في‮ ‬أفلامه نتيجة طبيعية لحياة‮ ‬يحاول أبطالها الحفاظ على ذواتهم مهما كانت على خطأ‮. ‬أبطاله‮ ‬يتقدمون خطوة واحدة تجاه إصلاح الذات لكنهم‮ ‬يقررون التراجع خطوات فيما بعد خوفاً‮ ‬من خسارتهم لأنفسهم وخشية من المجهول إذا ما فعلوا‮.‬


القارّة السابعة


بلا مبرر ظاهر
أفلامه الثلاث الأولى تلتقي‮ ‬في‮ ‬نقدها فقدان العلاقات الإنسانية وتطرح موضوع الموت الناتج عن العنف‮ ‬كحصال‮ ‬لذلك‮. ‬في‮ ‬أول أفلامه،‮ »‬القارة السابعة‮« (٩٨٩١)‬،‮ ‬عائلة تكاد تكون هي‮ ‬ذاتها العائلة التي‮ ‬في‮ »‬مخبوء‮«. ‬جورج وزوجته آنا وإبنتهما الشابة عائلة تعيش على ثمار نجاح إجتماعي‮ ‬وضع فاصلاً‮ ‬بينها وبين التواصل مع باقي‮ ‬المجتمع‮. ‬هذا الإنقطاع‮ ‬ينتقل فيما بعد الى تفكك وحدتها وتداعي‮ ‬التواصل فيما بينها‮. ‬ولحين في‮ ‬الفيلم‮ ‬يمتنع كل من أفرادها الحديث مع الآخر وفي‮ ‬النهاية‮ ‬يقدم الثلاثة على الإنتحار‮. ‬وضع المخرج أحداثه في‮ ‬مدينة لينز الصناعية وترك الشخصيات عملياً‮ ‬بلا وجوه عامداً،‮ ‬كما الحال في‮ ‬أفلام الفرنسي‮ ‬روبير بريسون،‮ ‬الى تركيز الكاميرا على تصرّفات الشخصيات‮ (‬حركة الأيدي،‮ ‬الأبدان،‮ ‬القدمين‮) ‬وعلى الأشياء التي‮ ‬تعكس عالماً‮ ‬بلا شخصيات‮ (‬بالمعنى الهوية الفردية‮). ‬مثل تلك اللقطات للبطاقات المصرفية المتداولة حيث كل بطاقة هي‮ ‬عنوان لذات وكل ذات تعتقد إن خصوصيّتها في‮ ‬هذه البطاقة التي‮ ‬عليها أسمه‮. ‬في‮ ‬ذات الوقت،‮ ‬وبما أن الجميع‮ ‬يملك بطاقات مصرفية،‮ ‬فإن التهميش الحاصل‮ ‬يتناقض وفكرة الذاتية او الخصوصية‮. ‬فجأة كل فرد مدان لاعتقاده بأنه محسوب بينما هو أبعد من أن‮ ‬يكون‮. ‬
في‮ ‬فيلمه الثاني‮ »‬فيديو بَني‮« (٢٩٩١) ‬ينتقل هانيكي‮ ‬من تقديم عائلة الى تقديم الفرد‮. ‬العالم الموحش والبارد لا‮ ‬يزال كما هو مضافاً‮ ‬إليه صياغة نفسية أقوى من تلك التي‮ ‬في‮ ‬فيلمه الأول‮ (‬أساساً‮ ‬يمكن وصف معظم أفلام هانيكي‮ ‬بالمضاد‮- ‬للنفس كونه لا‮ ‬يحاول تقديم مبررات نفسية ودرامية لشخصياته بل‮ ‬يترك للمشاهد تحليل هذه المبررات على النحو الذي‮ ‬يريد‮). ‬هنا نتابع شاباً‮ ‬صغيراً‮ ‬يعيش وحيداً‮ ‬في‮ ‬عالمه المؤلف من كاميرات وأشرطة فيديو وشاشات‮. ‬إنه إبن عائلة ثرية لكنه انقطع عنها كما انقطعت هي‮ ‬عنه‮. ‬يعيش لهواً‮ ‬غير مجدياً‮ ‬فهو‮ ‬يراقب العالم القريب من حوله عبر ما‮ ‬يصوّره من أفلام،‮ ‬وأحياناً‮ ‬يصله العالم الأبعد من خلال نشرات الأخبار‮ (‬تتحدث إحدى النشرات عن مذابح بوسنيا‮). ‬أحد أكثر المشاهد التي‮ ‬صوّرها والتي‮ ‬لا‮ ‬ينفك‮ ‬يعرضها على نفسها تظهر عملية قتل خنزير بمسدس صاعق‮. ‬لاحقاً‮ ‬يتعرف على فتاة في‮ ‬محل فيديو ويقنعها بالعودة معه الى منزله‮. ‬بعد حين،‮ ‬وبعد أن‮ ‬يعرض لها مشهد قتل الخنزير،‮ ‬يقدم على قتلها بمسدس مماثل للمسدس في‮ ‬الفيلم‮. ‬‮ ‬يتوقع المشاهد كل شيء ما عدا إقدام ذلك الشاب على جريمته،‮ ‬فهو في‮ ‬سن شابّة،‮ ‬وسعيه للتعرّف على الفتاة‮ ‬يعكس اهتماماً‮ ‬بها وبالرغبة في‮ ‬ولوج عالم الرجال منعتقاً‮ ‬من عذريّته‮. ‬لذلك فإن تجربة جنسية أولى تنتظر المشاهد قبل أن‮ ‬يصعقه القتل كما‮ ‬يصعق الفتاة‮. ‬بقتلها‮ ‬يقطع الشاب باقي‮ ‬الصلة بآلية الحياة ذاتها‮. ‬في‮ ‬تصرّف لاحق‮ ‬يتعرّى ويلطّخ نفسه بدم ضحيّته ثم‮ ‬يقف أمام المرآة سعيداً‮ ‬بما فعل‮. ‬بذلك‮ ‬يكون دخوله الى الجنس بدأ وانتهى‮ (‬من دون علاقة مع الآخر‮) ‬ويكون نأى بنفسه،‮ ‬مرّة وللأبد،‮ ‬عن رغبات الحياة‮. ‬يصبح شكلاً‮ ‬من الخيالات داخل الفيديو‮.‬
في‮ ‬الفيلم الثالث‮ »١٧ ‬شظية من جدول الحظ الزمني‮« ‬هناك أكثر من حالة عنف لأكثر من شخصية،‮ ‬نمساوية وغير نمساوية‮. ‬ما‮ ‬يفعله هنا هو الإنتقال من صرح العائلة الى صرح المجتمع مختاراً‮ ‬نموذجاً‮ ‬محورياً‮ ‬واقعياً‮. ‬هانيكي‮ ‬يستعرض التتابعات الزمنية لحادثة أقدم فيها طالب في‮ ‬الجامعة على جرائم قتل متوالية وخلال إهتمامه بهذا الرصد‮ ‬يحصد المراحل الزمنية السابقة لحياة بعض الضحايا‮. ‬يخصص هانيكي‮ ‬كاميرته التي‮ ‬تكتفي‮ ‬بالمراقبة وتجمع ذخيرة من المشاهد تدين مجتمعاً‮ ‬بكامله او-على الأقل‮- ‬تربطه بالجريمة التي‮ ‬وقعت ربطاً‮ ‬محكماً‮ ‬ومسؤولا‮.‬

ألعاب غريبة 



برمجة العنف
مع فيلمه الرابع‮ »‬ألعاب‮ ‬غريبة‮« (‬الذي‮ ‬عرض في‮ ‬مهرجان‮ »‬كان‮« ‬كشأن معظم أعماله الأخرى‮) ‬يسرد،‮ ‬لأول مرة،‮ ‬قصة بالمفهوم الجماهيري،‮ ‬لكنه‮ ‬يحافظ على كيفية تشكيل الوعي‮ ‬بالعنف وردّات الفعل عليه‮. ‬هناك عائلة من ثلاثة شخصيات‮ (‬أيضاً‮) ‬تمضي‮ ‬عطلة في‮ ‬منتجع جبلي‮ ‬الى أن‮ ‬يدخل حياتها شابان‮ ‬يبدوان مسالمين،‮ ‬لكنهما سريعاً‮ -‬ومن دون مبررات مفهومة‮- ‬يقدمان على قتل أفراد العائلة واحداً‮ ‬تلو الآخر‮. ‬على الرغم من أسلوب عمل‮ ‬يختلف قليلاً‮ ‬عن أساليبه السابقة الا أن هانيكي‮ ‬ينتقل من فيلمه الى الجمهور وبالعكس كما كان بطل فيلمه الثاني‮ »‬ڤيديو بَني‮« ‬ينتقل بين حياته والصور التي‮ ‬يعرضها على نفسه‮. ‬في‮ ‬حالة‮ »‬ألعاب‮ ‬غريبة‮« ‬يترك لأحد المجرمين إمكانية التدخل في‮ ‬الحكاية لاوياً‮ ‬الفيلم بأسره حسب المنهج الذي‮ ‬يرتأيه‮. ‬هذا المجرم‮ (‬والتعريف للناقد‮) ‬ينظر الى الكاميرا ويسألها في‮ ‬أحد المشاهد‮: »‬أتعتقد أن هذه العائلة ستبقى حيّة في‮ ‬التاسعة من صباح‮ ‬يوم الغد‮«. ‬بذلك‮ ‬يعلّق هانيكي‮ ‬على العادة المكتسبة من قبل جمهور السينما السائد الذي‮ ‬مارس مشاهدة العنف على الطريقة الهوليوودية‮. ‬ما‮ ‬ينتقده هنا هو‮ »‬برمجة العنف‮« ‬في‮ ‬الأذهان كتوقعات حاصلة تبعاً‮ ‬لشخصيات مُعدّة سلفاً‮ ‬لكي‮ ‬ترتكب جريمة او لتسقط تبعاً‮ ‬لها‮. ‬
هذا النوع من التعليق‮ ‬يعادي‮ ‬اللغة السينمائية في‮ ‬عرف هذا الناقد‮. ‬مع إدراكه بالغاية فإن ما كان على هانيكي‮ ‬فعله هو تقديم خطابه الإجتماعي‮ ‬والسينمائي‮ ‬من دون خرق الشاشة بإتجاه المشاهد للحديث مباشرة إليه او لمنح إحدى شخصياته القدرة على التحكم بمسار الفيلم نفسه‮ (‬مشهد‮ ‬يقوم به ذلك القاتل بإعادة لف الفيلم التي‮ ‬من المفترض أننا نشاهده لأجل تغيير نهايته‮). ‬
‮»‬استاذة البيانو‮« ‬تلا فيلمين هما‮ »‬القلعة‮« ‬و»شيفرة‮ ‬غير معروفة‮: ‬حكايات‮ ‬غير مكتملة لعدة رحلات‮«‬،‮ ‬واختلف عملياً‮ ‬عن أفلام هانيكي‮ ‬السابقة في‮ ‬أنه مقتبس عن رواية موضوعه‮ (‬من تأليف ألفرد‮ ‬يلنِك‮) ‬وعن معظمها في‮ ‬إنه من تمويل فرنسي‮ (‬كان اتجه الى هذا التمويل مع فيلم‮ »‬شيفرة‮ ‬غير معروفة‮«) ‬ولو أن الأحداث لا زالت تقع في‮ ‬ڤيينا‮. ‬إنه عن مدرسة بيانو‮ (‬أيزابيل أوبير‮) ‬تعيش حياة مُشرّبة بالوحشة النفسية‮. ‬مرة أخرى معظم تصرّفات المدرّسة‮ ‬غير مبرمجة لتوفير مرجعيات نفسية لما تقوم به‮. ‬لكن هانيكي‮ ‬يلج بنا عالمها الموحش بلا تمهيد‮. ‬تعيش مع أمها‮ (‬آني‮ ‬جيراردو‮) ‬في‮ ‬بيت صغير‮. ‬ينامان على سرير واحد‮. ‬وتتبادلان كماً‮ ‬كبيراً‮ ‬من العدائية في‮ ‬كل مرة تفتح إحداهما فمها لتتحدث للأخرى‮. ‬إنها مدرّسة تحت ضغط إرهاب‮ ‬يومي‮ ‬ناتج من علاقة‮ -‬نفسياً‮- ‬غير سوية و-عاطفياً‮- ‬غير متصالحة مع الذات ومع الآخر‮. ‬وفيما‮ ‬يبدو هروباً‮ ‬من الواقع،‮ ‬تقدم الأستاذة على مشاهدة أفلام البورنو وفعل البصبصة على تصرّفات الناس الجنسية‮. ‬الحياة المزدوجة بين ما هو واقع وبين ما هو مصوّر على أشرطة نراه في‮ ‬أكثر أفلام هانيكي،‮ ‬لكنه هنا مستخدم لتأكيد هويّة على نحو مباشر‮. ‬حين‮ ‬يدخل حياة الأستاذة طالب‮ (‬بنوا باجيمل‮) ‬يغويها فإن قفزتها طلباً‮ ‬لعلاقة حب هي‮ ‬أشبه بقفزة في‮ ‬الهواء‮. ‬بطلة الفيلم لم تمنح نفسها حياة عادية تمكنها من الفوز بفرصة ثمينة كهذه وبالتأكيد لابد أنها ستخسرها‮. ‬في‮ ‬أحد مشاهد الفيلم تتبادل والطالب الحديث عن موسيقى شومان من خلال كتابة نثرية وضعها في‮ ‬الفترة التي‮ ‬أخذ‮ ‬يخسر فيها رجاحة عقله‮ (‬نُشرت بعنوان‮ »‬غسق‮«) ‬واعتبرت آخر‮ »‬قبضة ممسكة بحافة الحقيقة والعقل‮« ‬قبل أن‮ ‬يفقد عقله تماماً‮ ‬في‮ ‬حوالي‮ ‬العام ‮٤٥٨١ (‬قبل عامين من وفاته‮) . ‬لا عجب أن هانيكي‮ ‬استخدم شومان لوصف حالة‮ ‬يعتبرها دالة‮: ‬إريكا تتأرجح بدورها بين عالمين ولو أنهما‮ ‬غير متساويين‮: ‬العالم المنطقي‮ ‬بدوره ليس طبيعياً‮ ‬او صحيّاً‮ ‬لكي‮ ‬تعرف كيف تحط فيه سالمة والعالم المنحرف الذي‮ ‬تستسلم إليه بعد الدوام هو الملجأ الوحيد أمامها‮. ‬
المُدان هنا هو كل شيء‮. ‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠