Sep 26, 2009

أوراق ناقد | السيناريو وفلسفة الفيلم - الحلقة الثانية | محمد رُضا عن "غلوريا" |نديم جرجورة حول مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية

يوم الجمعة: عدد جديد وحافل
Year 3 | Issue 459
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة | قضية رومان بولانسكي تقسم
المجتمع السينمائي بين مؤيد ومعارض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إضافة | "حياتي كشجرة". قصّة قصيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع الرئيسي | فيلم »غلوريا« كان عملاً
يختلف عما سبقه ولحقه من أعمال المخرج جون
كازافيتيس وبطلته كانت قويّة واجهت المافيا٠



أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السياسيون والقراء ضد موقف السينمائيين من قضية رومان بولانسكي


معظم الذين شاركوا في التصويت الى الان مع مثول المخرج رومان بولانسكي الى العدالة بسبب تعرّضه لقاصر سنة 1978 وهذا ليس حال هذا الإستفتاء البسيط فقط، بل حال استفتاء مماثل أقدمت عليه مواقع او من خلال التعليقات التي استلمتها حين نشرت الخبر. مثلاً التعليقات الستة التي وردت تعليقاً على الموضوع المنشور في »سكرين دايلي« (متوفّرة للمشتركين) كلها تؤيد تسليم بولانسكي الى السلطات الأميركية. بل أحدها يبدأ بالقول: "هذا القطعة من الشظايا الإنسانية أعطى قاصراً مخدّرات وكحول لكي يغتصب الفتاة ويخطف منها براءتها". تعليق آخر قال" "السبب أن بولانسكي بقي طليقاً طوال تلك السنوات يرجع الى أن يهودي"٠
وفي الأخبار الواردة أن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك نأى بعيداً عن تأييد المخرج البولندي الأصل قائلاً: "مخرج بولندي رائد متورط في قضية اغتصاب قاصر هو أمر للقضاء". والآن الحكومة الفرنسية، على لسان وزير الداخلية تتخذ موقفاً موازيا يعبّر عن موقف الحكومة ككل. فقد أعلن وزير الداخلية برنار كوشنر كان طالب بإطلاق سراح بولانسكي لكن الحكومة الفرنسية، حسب أخبار نشرها موقع »بي بي سي« الإنكليزي« اليوم تبدي موقفاً آخر إذ تقول: "رومان بولانسكي ليس فوق القانون او تحته" (أفهم ما تعنيه عبارة "فوق القانون" لكن تحته؟)٠

هذا ما يزيد انقسام السينمائيين والسياسيين حول المخرج المعروف الذي يحمل جنسيّتين بولندية وفرنسية والذي لم يستطع استلام الأوسكار الذي مُنح له قبل سنوات عن فيلمه »عازف البيانو« بسبب خوفه من قيام البوليس الأميركي بإلقاء القبض عليه٠
وقد تداعى للوقوف معه 110 موقّعاً على عريضة بهذا المعنى من بينهم مارتن سكورسيزي ووودي ألن وديفيد لينش وفيم فندرز وبدرو أملادوفار، من المخرجين،، ومونيكا بيلوتشي وتيلدا سونتون من الممثلين. والممثل بيتر فوندا قال: "ما هو أكثر أهمية الإحتفال بالقاء القبض على أسامة بن لادن وليس على بولانسكي". المخرج والمنتج الفرنسي لوك بيسون رفض التوقيع.
وشركة وايلد بَنش الفرنسية، وهي شركة إنتاج وتوزيع كبيرة، سحبت فيلمها الجديد
Coco Chanel & Igor
من مهرجان زيورخ واتهمت المسؤولين عنه بأنهم استفادوا على حساب الوضع في حين كان عليهم، حسب قول الشركة، إيقاف المهرجان لحظة قيام السلطات السويسرية القاء القبض عليه٠

بالنسبة لي، لا يمكن للقانون أن يتراجع عن خطوته. فقط أتمنّى لو أن إلقاء القبض عليه تم قبل عدّة سنوات عوض أن يتم الآن والرجل أصبح في السادسة والسبعين من العمر. بكلمات أخرى، لابد كل مذنب أن ينال عقابه على الجريمة التي يقترفها، لكن الآن فإن السن سيدخل في الإعتبار حين تقديمه الى المحكمة من جديد كذلك موقف المجتمع السينمائي منه والإلتماسات المختلفة. وهذا ليس بدوره عدلاً. وإذ لابد من أن يأخذ العدل مجراه، فإن موقف السينمائيين المعارضين للعدل مغالط للموضوع. مزدوج المعايير من حيث أن العريضة الموقّعة (أضيف إليها أسماء فاتح أكين، وولتر سايلس، برنار ترفنيير) تنتقد استخدام مهرجان زيورخ كشرك للإيقاع بالمخرج. ما لهذا والجريمة التي ارتكبها؟ هل كان مفترضاً بالبوليس الترصّد له خارج المطار مثلاً؟ او مداهمة منزله في سويسرا او فرنسا؟
ثم إذا لو أن المجرم لم يكن رومان بولانسكي ... لنقل أنت او أنا او شخص من قاع المدينة، هل كان القضاء سيعفو عنه؟



حياتي كشجرة | قصّة لمحمد رُضا

في تلك الليلة سمعت نفسي وأنا أتقلّب على سريري أقول "أريد أن أموت"٠
في اليوم التالي، قبيل الظهر، كنت ماراً في أحد الأسواق لكي أصل الى الطرف الآخر منه عندما سقطت على وجهي ميّتا
كنت والحاضرين سمعنا لعلعة رصاص قبل لحظات. لابد أن رصاصة طائشة أصابتني. سقطت وغاب العالم عني، لكني سمعت من يهمس في أذني "مرحباً بك"٠
كان الصوت خارجاً من الأرض التي سقطت فوقها والصوت أكمل: "أنا الأرض. هل لديك مانع لو وافقت على أن تنزل روحك الى هنا عوض أن تصعد السماء... لفترة من الزمن على الأقل؟"٠
لم أعرف كيف أجيبه وأنا لا أستطيع الحركة او الكلام. قال الصوت "كل ما تحتاج إليه هو أن تقرر في نفسك وسأفهم ما قررته واتصرف تبعاً له. إذا لم تكن تريد لروحك أن تنزل الأرض تمنّى وستصعد الى بارئها فوراً، إما إذا نزلت الأرض فأن أجلها سيتأخر"٠
قررت٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
لا أدري كم من الزمن مرّ وأنا في سكون وركود مفصولاً عن جسدي. خطر لي أني أريد أن أقرأ ما كتبته الصحف عن الحادثة .... هل قالت " سقط رجل قتيلاً برصاصة طائشة بينما لاذ الآخرون بالفرار. وقد هرعت الى المكان قوات الأمن وعاينت الجثّة وحسب أحد المصادر فإن الرصاصة أصابت الرجل وأسمه محمد في مؤخرة رأسه ومات بنتيجتها على الفور"؟
سمعت صوت الأرض مرّة أخرى: هل استعدت عافيتك؟
ابتسمت روحي ووافقت٠
تستطيع البقاء تحت الأرض لسنوات- قالت الأرض
فكّرت: "سنوات أرضية او ربّانية؟"٠
ابتسمت الأرض وقالت: "لا نتعامل هنا الا مع السنوات الأرضية. أسمع خير طريقة لكي تستثمر مكوثك هنا هو أن تنبت كشجرة. ما رأيك؟"٠
أدركت ما أفكّر به فأجابت: "نعم. روحك تنبت كشجرة من النوع الذي ترغبه. طبعاً لا تقل لي نوعاً غير قابل للنبات في تربتنا. لا زهوراً استوائية او نباتات صحراوية. أي شيء آخر. ماذا تقول؟
فكّرت مليّاً وتساءلت والأرض تقرأ أفكاري: لمَ وافقت على أن أكون هنا؟ لم لا أصعد الى السماء وأنتهي؟
قرأت الأرض أفكاري لكنها صمتت. فهمت أفكارها وجمعت شتات نفسي وقررت٠
سمعت الأرض تقول: أي شجرة؟
فكّرت سريعاً وقررت أنني أريد أن أكون شجرة جمّيز
قالت الأرض: لم لا تكون شجرة عنب او تين او برتقال... هذه لا تزال موجودة في تربتنا. الجمّيز انتهى
قلت للأرض: شجرة جمّيز وإذا لم يعجبك الحال أطلقيني٠
ضحكت الأرض : "... يعجبني... يعجبني ... لا تخف ... لن نتركك تغادر الأرض سريعاً وستتحقق رغبتك لكن عليك أن تختار منطقة أخرى غير هذه الأرض المبلّطة. لا يستطيع النبات النمو فيها. هل هناك مكان آخر في لبنان تحب أن تولد فيه كشجرة جمّيز؟
ابتسمت، او هكذا اعتقدت، واخترت مكاناً أعرفه. هضبة تشرف على البحر ليست بعيدة عن المنارة في بيروت. قالت الأرض: لكن رأس بيروت بعيدة. لا تضحك. تمشي لها من هذا المكان في ساعة، وبالسيارة عشر دقائق. لكن تحت الأرض.... هناك الكثير من الأرض٠ قد يأخذ ذلك منك جهداً كبيراً... سنة او يزيد قليلاً٠
فكّرت وأحسست أن دموعي تترقرق لكني تحاملت على نفسي وتخيّلت نفسي شجرة كبيرة مثمرة بنوع من الثمار الذي كان يعرفه البيروتيون ويقدّرونه. نصف بيروت كانت شجر جمّيز ... قالت لي جدّتي ذات مرّة. حين ماتت لم يكن بقي من تلك الشجرة الا نحو خمسة متباعدة. حين مت لم يكن بقي منها ولا شجرة٠ سألت الأرض شرطاً فأجابت ... طبعاً ستكون شجرة مثمرة٠
وبدأت روحي التحرّك تحت الأرض ليل نهار. ليل نهار. ليل نهار. ليل نهار٠٠٠٠
........................................................
أيعجبك هذا المكان؟
سألتني الأرض وأضافت: إنه ركن في حديقة لبيت قديم. وافقت. تركتني ومضت. شعرت بالوحدة وشعرت بالوحدة طويلاً. سنة قبل أن أنمو قليلاً . كانت حياتي الثانية لا تزال مهددة. إذا ما داس عليها قدم مت مرّة أخرى. بعد ثلاث سنوات وجدت نفسي وقد أصبحت في مساواة الجدار وبضعة أشهر أخرى رأيت ما وراء الجدار. أفق أزرق جميل هو البحر. في ربيع السنة الرابعة كنت أصبحت شجرة متوسّطة الحجم تستقبل المطر بلا خوف وتوفّر ظلّها للإنسان وللحشرة وللطير وتثمر حبّات الجمّيز. كنت سعيداً حين كنت أرى أصحاب البيت وهم يقطفونني. آبتسم وأود أن أقول لهم هناك المزيد... تعالوا غداً ... تلك الجميزات الخضراء ستنضج الليلة. رب العائلة وقف تحتي ذات صباح وقال: ما شاء الله. اللهم صلي على النبي٠ وشعرت كما لو أنه قلّدني نيشاناً. أنا أيضاً قلت ما شاء الله. اللهم صلي على النبي٠
........................................................
في الموسم الثاني زارتني الأرض صباحاً وسألتني كيف أنا٠
قلت أنني سعيد، لكني أريد أن أرى بيروت كلها شجر جمّيز.
سألتني: هل تشعر بالوحدة؟
أجبتها نعم وأكثر من الوحدة، أشعر بأني أريد أن انتقل في الزمن الى الوراء... أين ذهبت تلك البيوت القرميدية؟ أين ذهبت أشجار الصبير ونباتات الحميضة وأم قليباني؟ الا تستطيعين زرعي في عالم مضى؟
قالت الأرض بصوت حزين لأول مرّة: تريد من الزمن أن يعود الى الوراء، لكنه لن يعود. أنا لا أستطيع فعل شيء. الزمن ليس من قدراتي.
ساد الصمت بيننا حتى العصر حين قلت: "الا تستطيعين استقبال روح جديدة تنبت شجرة جمّيز ثانية؟. أجابت: أنت آخر من قَبل أن يولد مرّة أخرى. متى مت. ستموت وحيداً٠
تركتني الأرض مع أفكاري. شعرت بها تنسحب حزينة. هبّت علي نسمة حانية وسقطت مني ثمرة على الأرض وحط عليّ عصفوران يلهوان و... جاء الليل بعد ذلك٠
فكّرت طويلاً في تلك الليلة .... لقد اردت أن أموت ثم اخترت أن أولد من جديد لأموت من جديد... على الأقل حين أموت مجدداً سأموت واقفاً٠
في صباح اليوم التالي، رب الأسرة وولديه يخرجون الى الحديقة. أنظر إليهم وهم يقتربون مني، وعلى بعد يسير يبدأون الحفر. أراهم يزرعون شجراً وبذوراً في أماكن متفرّقة. لقد قرروا أن لا أبقى وحيداً٠


الجمّيز شجرة متوسّطة الطول تنبت ثمرة بذلك الإسم في حجم *
التين لكنه مختلف عنه طعماً. ذات يوم كانت بيروت مليئة بأشجاره٠



أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنييس فاردا

عمرها 81 سنة وأخرجت، بعد عشرات الأفلام، عملاً جديداً بعنوان »شواطيء أنييس فاردا« نعم، إنها أنييس فاردا (او أغنيس بالإنكليزية) التي تقول في مقابلة مع الغارديان قبل أيام: "ذاكرتي مثل حفنة رمال في يدي"٠
لم يتسن لي مشاهدة الفيلم بعد، لكن حسب وصف منشور تبدأه بنفسها وهي تسير الى الوراء على الشاطيء ... بذلك ترمز الى الفيلم بأسره الذي تستعرض فيه ذكرياتها وأفلامها٠
حين كنت رئيس مسابقة مهرجان دبي حاولت جلبها لكي تكون رئيسة لجنة تحكيم، لكن صحّتها، كما قيل لي، ستمنعها لجانب أنها كانت مشغولة بإنجاز هذا الفيلم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجياد في البحر

قبل أيام كتب قاريء لم يوقّع رسالته مشيراً الى أن مشهد الجياد التي تقفز الى البحر، ذلك الوارد في فيلم أحمد ماهر »المسافر«، وهو المشهد الذي أعجبني أكثر من أي مشهد آخر لحداثته كما ذكرت في نقدي للفيلم، موجود مثيل له في فيلم الرعب »الحلقة« وذلك بعدما ذكرت أني أعتقد أن المشهد هو الأول من نوعه٠
وعدت القاريء الصديق بإلقاء نظرة على الفيلم وخلال وجودي في لندن اشتريت نسخة من الفيلم وشاهدتها. نعم بعد نحو 50 دقيقة من الفيلم الجيّد الذي أخرجه غور فربينسكي هناك مشهد لحصان أسود يرتعب من بطلة الفيلم (الجيدة دوما ناوومي واتس) الموعودة بأن تموت بعد أيام. يفلت الحصان من الإصطبل ويركض مهتاجاً مثيراً الذعر بين ركاب الباخرة التي تقله وها هو يلقي بنفسه الى البحر٠
التشابه الأول: الباخرة في كل من الفيلمين بالطبع. لكن جياد أحمد ماهر هي أكثر مسالمة من حصان غور فربينسكي وهي تعيش بعد إلقاء نفسها في البحر بينما يموت حصان فيلم »الحلقة«٠
لكن في كلي الفيلمين هناك تفصيلة غير قابلة للمنطق: الجياد في فيلم أحمد ماهر والحصان في فيلم فربينسكي موضوعة في الطابق السفلي من الباخرة. كيف صعدت الى السطح لكي تلقي بنفسها؟ في فيلم أحمد ماهر هي جزء من فانتازيا رمزية لذلك لديها بعض القبول. في فيلم فربينسكي التجاوز ليس في مصلحة الفيلم على الإطلاق٠
كنت على الخط مع صديقي محمد خان الذي سألني إذا ما كنت أتذكر مشهداً مشابهاً في فيلم
The Black Stallion
لكارول بالارد (1979) وهو فيلم لا أذكر منه سوى أنه يصوّر العرب قساة غلاظ بلا شفقة يكيلون بالضرب للفرس الأسود. محمد ليس متأكداً الآن من وجود ذلك المشهد، وأنا أيضاً لكني أميل الى أن وجوده٠
أيضاً عليّ أن أعرف ما إذا كان الفيلم الياباني »الحلقة« (وهو الفيلم- المصدر الذي تم عنه الإقتباس الأميركي) يحتوي على المشهد الذي ذكرته عن الحصان الذي يرمي نفسه في البحر او أن غور فربينسكي أضافه. هل شاهد أحدكم النسخة اليابانية ويستطيع أن يؤكد ذلك او ينفيه؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب السينما

عدد الكتب التي صدرت من سلسلة »كتاب السينما« الى اليوم سبعة. عدد المرّات التي كتبت فيها هذا الكتاب إحدى عشر مرّة. أي أن هناك أربع مرّات أنجزت الكتاب ولم أجد من ينشره. آخر هذه المرّات الآن. لكن هذا لا يمنع من التخطيط لكتاب جديد من السلسلة لأن الهزيمة هي أشر ما يمكن أن يحدث لأي منّا ولأني مسؤول الى حد عن عدم صدور الكتاب الأخير٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استفتاء المخرج الذي يقبض

الإستفتاء الذي أجريته حول رأي القرّاء في موضوع أن يقبض المخرج لقاء عرضه في المهرجانات العربية جاء متساوياً: نصف الذين استجابوا قالوا نعم ونصفهم قالوا لا. وهناك أصدقاء تحدّثت اليهم مليّا في الموضوع وبعضهم دافع عن المخرج القابض وبعضهم هاجمه
قد أكون، في عجالتي حول الموضوع وفي رغبتي عدم ذكر أسماء، بإستثناء محمد الدارجي، المخرج العراقي الذي عرض فيلمه لمهرجان ثان بعدما قبض من الأول أيضاً، لم أضع الأمور بيضاء/ سوداء وقد يكون ذلك سبباً في عدم إيضاحي ما قصدت وفي ورود عبارة قائمة على الإفتراض حين ذكرت أن بعض المبرمجين لا يروا الأفلام التي يختارونها. توضيح من أحدهم يؤكد أن شاهد كل الأفلام التي تم اختيارها لمهرجانه. ليس من حقّي الإفتراض لذلك أعتذر. لكن المسألة لا زالت قائمة وثابتة
مخرج يريد أن يتقاضى من كل مهرجان يعرض فيلمه -
مخرجون آخرون سيحذون حذوه (وبل بدأوا بالفعل)٠ -
هذا لا علاقة له بمسألة تشجيع المخرجين، او الوقوف الى صفّهم -
بعض المهرجانات سوف لن تستطيع عرض أفلام عربية جديدة او جيّدة -
النجم يقبض لأنه يسعّر نفسه على أساس نجوميّته. المخرج لا يقبض لأنه ليس سلعة (مبدأياً)٠ -
العديد من الأفلام المعروضة اليوم على مهرجان سينمائي معيّن مشروطة بأن يدفع المهرجان لها -

إذا كانت كل الأسباب آنفاً، وما يتبعها من تبعات، لا تكفي لمعارضة مثل هذا التوجّه، فما البال بالوضع التالي
لنقل أن مخرجاً نال خمسين ألف دولار لكي يشترك بفيلمه في مهرجان معيّن. بينما اشترك مخرج آخر بفيلم آخر من دون أن يعلم بما يدور او رافضاً مبدأه الخ... ما الذي يحدث
أ) إذا فاز الفيلم المدفوع له؟
ب) إذا لم يفز المدفوع له؟
في الحالة الأولي: يخرج الفيلم الذي تقاضى صاحبه مالاً لقاء الإشتراك وقد أضاف لما تقاضاه مالاً أكثر. هل هذا عدل؟
في الحالة الثانية: يكتفي المخرج بما تقاضاه كما لو أنه فاز -في نهاية الأمر- بجائزة مسبقة٠ هل هذا عدل؟
بالنسبة للحالة الأولى، المخرج الذي لم يقبض ... فاتته أيضاً الجائزة. في الحالة الثانية: فاز لكن لا يزال هناك قدر كبير من عدم المساواة٠
بالنتيجة: إما أن يدفع المهرجان لكل الأفلام سلفاً وسواسية (بما فيها الأفلام غير العربية) وإما أن لا يدفع لأحد منها٠


السيناريو وفلفسة الفيلم 2 | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسئلة في الإقتباس والتاريخ

حين كتابة سيناريو لفيلم ما فإن وضع ماهية السيناريو يحدد ماهية الجمهور الذي سيتوجّه اليه، والعكس صحيح. إذا فكّرت في الجمهور (وليس في عدده بل في فئته ونوعيّته) فإن ذلك سيحدد السيناريو الذي ستقوم بكتابته٠
الكتابة من دون تحديد لا تمنح السيناريو، تقنياً، أي خصائص. قد يبقى سيناريو جيّداً وقد يبقى سيناريو رديئاً. كذلك الكتابة بالتحديد. لكن ميزة التحديد هي راحة الكاتب النفسية وهو يتعامل مع الموضوع. إذا ما كان يعلم أن السيناريو الذي يكتبه عن حياة نجيب محفوظ (مثلاً) سيتم إنتاجه بكل ما يحتاجه من تأمين عناصر فنية وإنتاجية لائقة لأن الموضوع شاسع وإسم الشخصية معروف بحيث أن المتوقّع إقبال كبير على الفيلم، اشتغل على هذا النحو ووضع في سياق السيناريو أحداثاً لن يستطيع وضعها فيما لو لم يكن واثقاً من أن السيناريو سوف يتم إنتاجه٠
قبل وخلال دراستي السيناريو في هوليوود ضمن محاضرات جون دوربي كتبت سيناريو لفيلم عن حياة ومغامرات جبران خليل جبران العاطفية. عرضته على عدد قليل من المنتجين العرب والأميركيين وتعلّمت من التجربة ما ذكرته أعلاه. لقد كتبته من دون جمهور معيّن في البال، ومن دون أن أدرس العلاقة بين السيناريو والميزانية، فجاء أكثر كلفة مما يستطيع أي من هؤلاء المنتجين تحمّله خصوصاً وأن أحداثه تنطلق من بوسطن الثلاثينات وتعود الى لبنان في فلاشباك طويل، ثم تنتقل الى بوسطن، فإلى لبنان ثم فرنسا قبل أن تنتهي في نيويورك٠

هذا يفتح المجال أمام عدّة مسائل٠
أوّلاً الإلمام بالميزانية وبالجمهور يوفّر إعادة كتابة المادة٠
ثانياً: الإلمام بهما يتيح وضع السيناريو المحكم. جبران ما كان يجب أن يُكتب من قبل الإجابة عما إذا كان المشروع أميركي الهوية او أوروبي الهوية وإذا ما كان هناك سوقاً له٠
ثالثاً (وهذه النقطة تمهيداً للإنتقال الى نقطة أخرى): الكتابة عن شخصية معيّنة، هل يجب أن تكون شاملة او مقتطعة؟ بكلمات أخرى: هل من الأفضل أخذ مرحلة من حياة الشخصية المعنية او كل المراحل؟

الإجابة على هذا السؤال لدى البعض يعتمد فقط على ما ورد بخصوص تمتّع الكاتب بإدراك مسبق حول المسائل الإنتاجية والتمويلية (الميزانية بشكل عام) لكن في الحقيقة يعتمد عليك أيضاً. كتابة السيناريو هي تعبير عن رغبتك أنت. رغبة مادية او نوعية. رغبة إيصال رسالة إجتماعية مناطة بالموضوع او مجرد إشارات صغيرة تتحوّل الى كليشيهات٠
استعراض الحياة كاملة يعني أن الكاتب يرى فيها -جميعاً- ما يجب يستحق الوقوف عنده. استعراض مرحلة يعني أنه يجد في تلك المرحلة وحدها (او بنسبة سائدة) ما يستحق الوقوف عنده٠ في الحالة الأولى لابد أن حياة تلك الشخصية هي مثيرة بحد ذاتها من بداياتها، وأن طفولته، كما الحال مع شخصية جبران خليل جبران، لها تأثير كبير على كل ما عايشه من إشكالات نفسية وعاطفية. في الحالة الثانية، الإهتمام منصب على المرحلة المختارة وحدها (ربما مع فلاشباكات قصيرة) لكي تروي ما حدث مع تلك الشخصية في ذلك الحين. لنقل أن فيلماً يريد البحث عن الفترة التي قضاها نجيب محفوظ كاتباً للسيناريو دون سواها، ذلك إذاً سيطغى على أهمية البحث عما سبق او ما تلا الستينات من حياة تلك الشخصية٠

إنما ضروري جدّاً التالي: كاتب السيناريو عليه أن يضع العمل الذي يذهب لما هو أكثر من مجرد حكي القصّة ليس فقط حين يتناول شخصية حقيقية، بل حين يتناول حادثاً حقيقياً. يوم في حياة ما، وبل حين يكون الفيلم المنشود خيالياً او حتى وثائقياً٠
هذا لأن على أي فيلم أن يتجاوز عمل أن يكون قصّة فقط وفي حالة الفيلم المستند الى شخصيات حقيقية لا يكفي أن يستعين المرء بأسماء حقيقية او بأحداث واقعة لكي يؤكد التزامه بالحقيقة. على الكاتب أن يجد في تلك الشخصيات وفي تلك الأحداث آفاقاً جديرة بأن تتسلل الى الفيلم. خذ هذا المثال

جبران يسير عائداً من عرض مسرحي تم تقديمه في المدرسة التي كان يدرس فيها، وهو لا يزال شابّاً صغيراً. خلال مشيه في الشارع عائداً الى بيته يتوالى مرور سيّارات الإطفاء بأجراسها وأبواقها المدوّية. تمر به وتلف في شارع ينتهي الى حيث المعرض الذي وضع فيه جبران بعض لوحاته الأولى . النار تنبعث منه وتأتي على كل اللوحات الموجودة فيه٠
الآن: أنا لا أعلم إذا ما كان جبران كان على مقربة من المكان بالفعل في تلك الليلة المحددة. ولا أعلم متى وصلت سيارات الإطفاء وكم كان عددها وعتادها لكني أدري أن الحادثة (حريق التهم الاستديو) صحيحة. أعلم أن جبران خسر لوحاته ولوحات رسمها فنان له في ذلك الحريق. لدي جبران. الحريق. المدينة. هذا يكفي لإثبات الحالة ولتحريك آلية الفصل من المشاهد: جبران يسير وهو تحت تأثير ما شاهده. يمشي قاصدً منزله حيث أمه وشقيقته ونصف شقيقه. الوقت ليل. يسمع صفارات الأطفاء. لا يعيرها اهتماماً. تمر به. تدخل الشارع الى يمينه قبل وصوله اليه. لا يزال لا يعرف ما الذي يحدث. حين يصل الى الشارع يرى الحريق في آخر الشارع ويكتشف أن الاستديو مشتعل٠
تضمّن المشهد بذلك إنتقالاً من حال سابق (المدرسة وما جرى فيها) الى فاصل يمشي فيه بطل الفيلم بين حالتين، الى حالة مدهمة وطارئة لم تكن -مطلقاً كما هو الواقع- لتخطر على باله وإذا كتبت المشهد بعناية، والسيناريو كلّه بذات العناية، فإن الحالة مدهمة وطارئة ولا تخطر على بال المُشاهِد أيضاً٠ هي إذاً ليست رصفاً من الأحداث والا لغاب عنها الخيال والإبداع. هي في ذات الوقت، ليست مفتعلة والا لكذبت على المشاهد في محاولتها لتقديم حادثة لم تقع مهما كانت الموجبات للإختلاق. بل فيها توظيف الحقيقة لخلق حالة. الحالة مطروحة أمام المخرج لتوظيفها في مشهد يحمل هذا التدرّج من وضع سابق الى وضع مفاجيء. نجاحه مرهون به٠

يتبع ٠٠٠٠


فيلم | غلوريا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إمرأة بمسدس: شخصية جينا رولاندز في فيلم جون كازافيتيس »غلوريا«٠

محمد رُضا


تمهيد
......
فيلم جون كازافيتس »غلوريا« هو مثل فيلم عاطف الطيّب »سوّاق الأوتوبيس« من حيث إن كليهما غضب الفرد على ظواهر إجتماعية مع فارقين مهمّين: فيلم عاطف الطيّب أكثر توجهاً لنقد الوضع الإجتماعي في القاهرة حينها من فيلم كازافيتس الموجّه لنقد طينة حياة معيّنة. الثاني، بطل فيلم عاطف الطيّب يعمد الى العنف في النهاية بعد أن وجد كل أنواع الصد من حوله، بينما فيلم كازافيتيس هو بوليسي. المرأة فيه تحمل مسدّساً من بعد نصف ساعة من الفيلم٠
لكن المرارة واحدة وكلا المخرجين كان فنّاناً بديعاً بأسلوبين مختلفين تماماً الواحد عن الأخر٠

غلوريا هي الممثلة جينا رولاندز: إمرأة في مطلع منتصف العمر. غير متزوّجة. لا أولاد شرعيين او غير شرعيين لديها. تعيش وحيدة وكانت لها علاقات اجتماعية-عاطفية مع بعض أعيان المافيا في نيويورك، حيث تقع الأحداث٠
غلوريا تجد نفسها في ظرف خاص: جارها قبل مقتله طلب منها حماية إبنه (من زواج مختلط: أبيض على لاتيني). المافيا قتلت الجار حين علمت أنه يحتفظ بكتاب يريد تسليمه للسلطات يستطيع أن يتسبب بإدخال رؤساء من المافيا في السجن. المافيا تدافع عن نفسها ضد هذا الإحتمال فتعدم محاسبها السابق هذا وزوجته والصبي يؤول الى تلك المرأة التي تجد نفسها مع »إبن« لم تلده و... إبن مشاكس وعنيد ولا يستطيع أن يتوقّف عن الشكوى والجدال٠
العصابة الآن في إثر غلوريا المسلّحة بمسدس تدافع به عن نفسها وعن الولد. المافيا مستاءة. تأمر بإعدام الإثنين. في ذات الوقت علاقة عطف وأموّة بين المرأة والصبي٠

غلوريا- الفيلم، تم صنعه قبل سنوات قريبة (1999 تحديداً) بيدي المخرج سيدني لوميت: لا تشاهده. مضيعة للوقت كونه لا يحمل إبداعاً خاصّاً من أي نوع وبطلته (شارون ستون) لا تحمل ما تحمله جينا رولاندز من قدرات وموهبة أضافت اليها استيعاباً رائعاً للميزات النفسية الخاصّة بالشخصية التي لعبتها. النتيجة: واحد من أفضل أدوار جينا رولاندز في الوقت الذي لا يستطيع فيه لوميت في نسخته المنتسخة، تجاوز الفيلم الأصلي كما صنعه كازافيتيس. لذا الفيلم الثاني لا يملك ذات المواصفات الفنية التي جعلت الفيلم الأول كلاسيكياً من لحظة حلوله على الشاشة. وضع ازداد حضوراً مع مضي السنوات٠

خلفية
.......
كان مضى على جون كازافيتس ثلاث سنوات من دون فيلم يخرجه حين أقدم على تحقيق »غلوريا«. سابقاً ما كوّن لنفسه شأناً كبيراً كأحد روّاد السينما المستقلّة في الستينات والسبعينات مع أفلام مثل
Faces, Husbands, A Woman Under the Influence, Minnie and Moskowitz, The Killing of Chinese Bookie, Mickey and Nicky
ومعظمها من تمثيل طاقمه المفضّل: بن غازارا، بيتر فولك، سايمور كاسل وجينا رولاندز التي كانت زوجته٠
كازافيتيس كان ممثلاً سينمائياً ناجح الحضور أيضاً وما بين آخر فيلم أخرجه قبل »غلوريا« وهو »ليلة الإفتتاح« (مع جينا رولاندز وبن غازارا وجون كازافيتيز نفسه)، ظهر ممثلاً في فيلمين واحد بعنوان
The Fury
لبرايان دي بالما (أمام كيرك دوغلاس) والثاني »هدف نحاسي« او
Brass Target
لجون هوف مع صوفيا لورن وجورج كندي٠
بالنسبة لجينا رولاندز، كانت تشكّل ما بين أفلام لزوجها وأفلام لمخرجين آخرين حين وقع قرأت سيناريو زوجها الذي يُقال كتبه كفيلم تجاري لكنه تردد في الإقدام على تنفيذه. جينا أحبّت الدور لأنه يمنحها إطلالة على جانب لم يتسن لها من قبل التعامل معه هو شخصية المرأة الخشنة (أخت الرجال) ليس على طريقة ناديا جندي (والحمد لله) بل على طريقة الممثلة التي تعرف حين تقرأ السيناريو كل تلك الأبعاد النفسية والعاطفية التي عليها المرور بها لكي تؤدي دورها٠
حين فسّر المخرج عن خصوصية الشخصية التي لعبتها زوجته رولاندز قال: مثيرة، لكنها قوية لا تحتاج الى رجل"٠

تصوير
.......
بوشر بتصوير الفيلم في مطلع العام 1979 ومات والد المخرج في السادس والعشرين من نيسان / أبريل من ذات العام. في الفيلم مشاهد لمقابر وملامسة لمفهوم الموت وهذا يجعله يبدو كتأثير مباشر لخسارة المخرج لوالده خلال التصوير. لكن كل تلك المشاهد كانت مكتوبة سلفاً. عمق اللحظات هو المُضاف٠
كان المخرج سبق التصوير بالتدريبات لثلاثة أسابيع وصوّر فيلمه في حي معروف بخشونته وطبيعته غير
South Bronx الودودة هو
هناك تم تصوير المشاهد الخارجية والداخلية (تم استخدام فندقين أحدهما كان متوقّفاً عن العمل)٠ وحرض المخرج ومدير تصويره فرد شولر على تصوير واقعي وفي شوارع لا تعكس جمال المدينة حتى، وحسب ما قاله المخرج حينها لا يمنح ذلك الفيلم "نظرة تشبه أفلام وودي ألن"٠
جزء من »غلوريا« هو فيلم عصابات، او بالأحرى، جانباً منه هو فيلم عصابات، كما الحال مع »العرّاب« و»الدون مات« و»شوارع منحطّة« مثلاً، لكن المختلف هنا او أسلوب العمل والتصوير والميزانسين وما يحمله كل ذلك من محاولة دؤوبة وناجحة لنقل الواقع بشكل قابل للتصديق. ولم يكتف المخرج بالأماكن بل اختار العديد من الممثلين الذين لم يقفوا أمام الكاميرا من قبل ليظهروا سواء في أدوار سائقي تاكسي او في أدوار رجال عصابات. والذين ظهروا في أدوار رجال عصابات كانوا، في غالبيّتهم، رجال عصابات بالفعل٠

نقد
....
هناك فورميلا بوليسية لهذا الفيلم: بطل ضد المافيا وفي منتصف الصراع ولد٠
المختلف ينطلق مباشرة من هذه الفورميلا: البطل هو إمرأة. المرأة خبرت عالماً خشناً وعنيفاً منذ شبابها الذي يولّى. لا زالت تحتفظ بجمال لكنها ليست المرأة التي تصرف وقتاً طويلاً على جمالها ولا على مستقبلها. تعيش الآن بل رجل لأنها استبدلت الرجل بنفسها. إنها المرأة (جنسياً) والرجل (نفسياً)٠
ذات يوم تجد أن عليها أن تؤمّن الحياة لولد أودعه والده (الكاتب باك هنري) في عنايتها قبل لحظات من مداهمة المافيا لشقّته وقتله وباقي أفراد العائلة. الولد أسمه فِل في نحو الثانية عشر من عمره (يقوم به جون أدامس): قصير القامة. أسود الشعر. فوضوي المنهج. مُتعِب ومضج. لا يحب غلوريا ولا هي تحبّه. تقول في الفيلم: "طول حياتي تجنّبت أن يكون لدي ولد. أكره الأولاد"٠
ما يجمعهما هو إدراكها بأنها مسؤولة، وهذا الإدراك يأتيها على مراحل. لقد حاولت تركه لمصيره لأنه السبب في أنه يجعلها تراجع حياتها من بدايتها وهي لا تريد أن تراجع شيئاً. والجانب المثير في كل هذا هو أن الأحداث لا تقع في بلدة صغيرة ولا في الريف ولا في حي مانهاتن الأنيق على ضفاف نيويورك، بل في نيويورك الشوارع السفلى من مدينة لها وجوها عدّة. الشوارع التي كانت الى ذلك الحين من اختصاص أفلام بوليسية أفرو-أميركية تنتقل ما بين هارلم والشارع 110 والشارع 150 من ساوث برونكس. أفلام مثل »شافت« و»سوبرفلاي« و»رجل المتاعب« و»هامر« و»اسطورة نيغر تشارلي« الخ...
هنا لا يوجد أميركيون سود الا في مشهد رئيسي واحد: حين يصعد لجانب غلوريا في سيّارة تاكسي أحد أعضاء العصابة في محاولتي ترغيب- ترهيب، تجد منفذاً في الإدعاء بأنه يتعرّض جنسيا لها. تفتح الباب -حين تقف السيارة- وتخرج منها. يحاول رجل العصابة تجاهل السائق الأسود لكن السائق الأسود يخرج من السيارة فإذا به بطول لاعبي كرة السلّة ما يثير خوف رجل العصابة فيعتذر٠


لكن المشهد الذي أحبّه أكثر من سواه الى حد هو ذلك الذي تدخل فيه غلوريا والصبي مطعماً لتناول الغذاء. مطعم صغير مكتظ. على الطاولة الأخرى القريبة خمسة او ستّة من أعضاء العصابة (بينهم وجوهاً لم أرها من قبل ولا من بعد في أي فيلم ما يدل على أنها وجوه لأفراد عصابة حقيقيين). كانت غلوريا تعلم أنها مراقبة وأن هؤلاء الأشرار يترصّدونها. تطلب من الصبي البقاء الى جانبها وهي تخرج مسدّس سميث أند ووسون وترفعه في وجوه الرجال مرتجلة خطاباً يحمل الوعيد. أحد هؤلاء (شاب بأنف طويل) ينظر اليها يريد قتلها بعينيه وهي تنتبه له لذلك تطلب منه تنفيذ أوامرها ما يزيده غضباً٠
حين يقابلها رئيس العصابة في منزله لاحقاً هو الذي يشكو لها كيف تعامل رجاله. تطلق النار عليهم. تهزأ بهم "وهذا ليس جيداً" يقول لها. كانت توجّهت اليه لكي تطلب منه التوقّف عن محاولة الوصول الى الصبي. إنساه. تقول له. لن يستطيع أن يفعل شيئاً. حين تراه مصرّاً تخرج من المكان قبل أن تُقتل. يطلب من رجاله إطلاق النار عليها. أحدهم يفعل ذلك بعدما دخلت المصعد
لا شيء آمن هنا او يدعو للطمأنينة. لا الفندق الذي تتوارى فيه والصبي بعيداً عن الأعين، ولا الشوارع المنحطّة وما تحويه من مصادمات ولا هي تدعو للأمان. تقتل حين تجد الحاجة ضرورية. وتتعرّض للخطر طوال الوقت. لكن حرص المخرج كامن في اشباع تلك العلاقة الأموية غير الودودة او الحنونة الى أن يعود الموت يرفرف حين يرغب الصبي زيارة قبر أبيه. هناك عدّة اختيارات أمام غلوريا آنذاك. تستطيع أن تتركه وتمضي. لكنها تقرر أن تعود اليه٠

حاشية مهمّة هنا: »غلوريا« الفيلم لم يأتي من عدم. آنذاك في السبعينات وحتى بضع سنوات من الثمانينات، كانت المرأة في السينما تؤدي أدواراً بطولية فعلية. ليس بالضرورة بطولية عنيفة، لكن وجودها كان أساسياً وشخصيّتها هي محور الأفلام: إلين برنستين في »إليس لم تعد تعيش هنا«، جل كلايبورغ في »إمرأة غير متزوّجة«، مريل ستريب في كل أدوارها الأولى سيسي سبايسك في »كاري«، دايان كيتون في »أندي هول«، جنيفف بوجولد في »كوما« و-من بريطانيا- غليندا جاكسون في »نساء عاشقات« و»أحد، أحد لعين« لجانب فانيسا ردغراف وجولي كريستي في كل ما لعبتاه من أدوار. لكن جينا كانت أقواهن حضوراً ما يدفع المرء (إذا ما شاهد هذا الفيلم مرّة ثانية- او للمرّة الأولى اليوم) الى رغبته في التعرّف أكثر على هذه الممثلة التي كانت دائماً ما تلعب شخصية إمرأة غريبة عن بيئتها من حيث أنها ليست نمطاً مشابهاً لمعظم النساء الأخريات٠
الى كل ذلك، »غلوريا« فيلم مثير في بنائه: بوليسي عن مطاردات في شوارع المدينة. أريد له أن يكون حقيقياً لكنه في ذات الوقت لا زال معالجة بوليسية ترضي هوليوود... رغم ذلك، لم يحقق الفيلم آنذاك أي نجاح تجاري دلالة على أن أسلوب كازافيتيس الموغل في الإهتمام بالشخصيات والجوانب غير القصصية- المحض سردية، سيطر على العمل وجعله يبدو فاقعاً ومختلفاً بين أترابه من الأفلام البوليسية٠


مهرجانات | بيروت الدولي للأفلام الوثائقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد غياب عامين: الترحيب لا يُخفي الاسئلة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


لا يستطيع أحدٌ من المعنيين بالهمّ السينمائي أن يُدرك سرّ اختفاء مدير لمهرجان سينمائي، أعيد إحياء دوراته السنوية بعد غياب عامين متتاليين. لا يُمكن أياً كان أن يحلّل معنى إقامة مهرجان سينمائي متخصّص بالفيلم الوثائقي، يكاد يكون المهرجان العربي الوحيد المتخصّص بهذا النوع السينمائي بحدّ ذاته، من دون أن يحضر مديره ومؤسّسه، ومن دون أن يُعلَن عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون تنظيم أي دورة في العامين الفائتين، ودون حضور المدير العام وأحد مؤسِّسَيه الاثنين في الدورة الجديدة هذه. لكن، في المقابل، تُطرح أسئلة أخرى: هل ظهور المدير، المقيم حالياً في العاصمة القطرية، ضرورة، أم أن مهرجاناً كهذا قادرٌ على القيام بواجباته السينمائية، المنحصرة في تقديم مجموعة من الأفلام الوثائقية العربية والأجنبية، تضمّ عناوين مهمّة ومعالجات جدّية من دون أدنى شكّ، من دون وجود مدير يتحمّل مسؤولياته إزاء من يُفترض به أن يكون جمهور مهرجان وثائقي، وإزاء السينما والعاملين فيها والمهتمّين بها وبقضاياها أيضاً؟ هل يؤدّي وجود المدير المذكور إلى تغيير شيء ما في مكانة المهرجان؟ وهل لا يزال المهرجان محتفظاً بمكانته التي شيّدها في ثماني دورات متتالية، توقّفت بعيد الانتهاء من الحرب الإسرائيلية على لبنان ؟ هل يطرح غياب مدير المهرجان سؤالاً نقدياً، أم أنه يؤدّي إلى تساؤلات تطال بنية المهرجان وتاريخه؟، صيف العام 2006

تساؤلات
باختصار شديد، أعيد تنظيم «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» قبل يومين اثنين، في دورة تحمل الرقم التاسع في تاريخ المهرجان الذي حقّق نجاحاً لافتاً للانتباه، على مستوى العروض والخيارات، على الرغم من أن نقّاداً ومعنيين بالشأن السينمائي طرحوا ملاحظات عدّة حول آلية الاختيار ونوعية الأفلام المختارة، الخاضعتين لمزاج سياسي وثقافي وإيديولوجي خاصّ بمديره وأحد مؤسّسيه الاثنين محمد هاشم. ذلك أن فهم المهرجان «دور الفيلم الوثائقي» لا يزال كما هو منذ الدورة الأولى، كما جاء في تقديم الدورة التاسعة: «ليس هذا الفيلم تسجيلاً واقعياً يدّعي الحياد. فخلف كل صورة رسالة، وكل حبكة تتضمّن رأياً واضحاً. نحن هنا لنناقش ونُقنع ونقتنع بما تحمله لنا هذه الأفلام، على المستويات السياسية والاجتماعية والبيئية والفنية والاقتصادية. إن دور هذا النوع السينمائي طرح الواقع كما يراه صاحب الفيلم، بهدف التغيير نحو الأفضل، أو الحفاظ على ما تبقّى من جمال في عالمنا». تستدعي هذه الفقرة وحدها نقاشاً ولّى زمنه، لأن السينما لا تبغي تغييراً ولا يُفترض بها أن تسعى إليه، بل عليها أن تقدّم الجمال عبر الجماليات الكامنة في صناعة الأفلام. والسينما الوثائقية تسلّط الضوء على الواقع ليس بهدف التغيير أو الحفاظ على جمال ما، لأن مهمة كهذه تصلح لبيان سياسي أو ثقافي أو إيديولوجي، على الرغم من أن التوجّهات الوثائقية أكثر واقعية من توجّهات الأفلام الروائية، المنبثقة بدورها من الواقع. بمعنى آخر، ليست السينما حزباً أو جماعة تعمل من أجل الخير العام، بل إبداع يُحطّم كل شيء كي يعيد بناءه مجدّداً، وفقاً للجنون الإبداعي الجميل لصانعيها. وهذا كلّه جزء بسيط من الأجزاء الكبيرة التي تعنيها السينما.
باختصار أشدّ، تمّ تنظيم الدورة التاسعة هذه، التي تنتهي يوم الثلاثاء المقبل، والمدير المذكور لا يزال متوارياً عن الأنظار

لكن، هل اختفاء الرجل مسألة ثقافية مهمّة، أم أنها تندرج في إطار البحث عن معنى غياب المهرجان في عامين متتاليين من دون ذكر واضح للأسباب الرسمية والحقيقية، وعن مغزى إعادة تنظيمه من دون وضوح في الخطّة الموضوعة، إن وُضعت خطّة عمل متكاملة، لا ترتكز على مزاجية شخص واحد فقط (على الرغم من قناعة شخصية مفادها أن لمدير المهرجان حقّاً ما في تحديد النوع السينمائي والمضامين المختارة في عملية اختيار الأفلام، شرط عدم الوقوع في فخّ الاستهسال البصري بحجّة الاهتمام بالمضمون فقط)، ولا تتكئ على ما تيسّر من مال ووضع أمني «صحّي»، في بلد لا يُقدّم أدنى ضمانة لعيش سليم وهادئ. ذلك أن المشكلة الآنيّة لمهرجان أثبت جدارته في الخارطة اللبنانية للنشاطات السينمائية، على مستوى تأسيس علاقة جدّية بين نتاج وثائقي ومشاهدين مهتمّين، كامنةٌ في الارتباك الحاصل داخل أروقة «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية»، على مستوى التوقّف والعودة تحديداً، تماماً كما هي حالة «مهرجان بيروت السينمائي الدولي»، الذي تستعدّ مديرته كوليت نوفل لإقامة دورة جديدة خلال الأيام القليلة المقبلة، من دون أن تعيد النظر في مواقفها السلبية إزاء نقّاد قدّموا ملاحظاتهم النقدية حول مهرجانها بهدف تحسينه، ظنّاً منها أن النقد تجريحٌ، فشنّت ما يُشبه الحملة ضد من رغب، عبر كتاباته، في حماية المهرجان المذكور من الانحدار في بؤس التنظيم وعشوائية الاختيار وغموض الرؤية وهشاشة «الاحتفاء» المنقوص بالسينما والسينمائيين، اللبنانيين والعرب والأجانب

مكانة
لفترة طويلة، دافعتُ عن المهرجان الوثائقي انطلاقاً من قناعتي بأهمية تخصّصه، وقدرته على تنظيم دوراته السنوية في مواعيد ثابتة تحترم السينما والعاملين فيها، وتحترم الجمهور أيضاً، على الرغم من خلل خياراته السينمائية أحياناً عدّة، على مستوى الشكل والمعالجة والتوجّهات الإيديولوجية والسياسية، التي تحرّض على النقاش، على الرغم من كل شيء. لكن، أمام غموض خلفية توقّفه وأسباب عودته، أحاول التكيّف مع سياق مرتبك أصابه وأفقده بعض مصداقية، خصوصاً أن إشاعات عدّة «رُوِّجت» حول مسائل مالية عالقة بين إدارته وجهات أوروبية تموِّل نشاطات سينمائية. ولأن للمهرجان مكانة محترمة في ذاكرتي، لا أستطيع التغاضي عن الالتباسات كلّها المحيطة به في مرحلة عودته إلى المشهد السينمائي المحلي، خصوصاً في ظلّ غياب مديره، وإن ظهر حالياً المدير الفني علي حمّود ومسؤولة العلاقات العامّة عبير هاشم، علماً أن حمّود يمتلك ثقافة سينمائية واسعة تؤهّله لاختيار عناوين متفرّقة صالحة لمهرجان متخصّص ومحرّضة على نقاشات سوية؛ في حين أن هاشم متمكّنة من مسؤولياتها في هذا الإطار٠

لا تبغي الكتابة الإيجابية على الدور الذي لعبه المهرجان الوثائقي، في دوراته الثماني الفائتة، تمجيداً عشوائياً لمن جاهد في سبيل جعله محطّة للتواصل الفعلي مع النتاج الوثائقي، على الرغم من التساؤلات المعلّقة حول مسائل فنية ومالية وإيديولوجية مختلفة. ففي عالم كهذا، لا وجود لأبطال منزّهين عن العيب، ولا معنى لتبجيل مَن حوّل نشاطاً فنياً أو ثقافياً ما إلى مساحة لحوار معيّن، حتّى ولو كان الحوار المذكور غطاء لصفقات مالية مربحة أحياناً، كما يحدث عادة في الغالبية الساحقة من النشاطات الثقافية والفنية، المموَّلة من جهات ثقافية غربية متفرّقة؛ أو حتى ولو أصيب المهرجان بهنات عدّة، تنظيمياً وإدارياً وآلية اختيار الأفلام ونوعيتها. فالواقع الآنيّ يقول إن «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» استفاق من غيبوبة عامين متتاليين، من دون تناسي أولوية مناقشة حضوره الجديد، التي لا تستقيم إلاّ بعد انتهاء الدورة التاسعة هذه؛ والنقاش النقدي الخاصّ بالأفلام المختارة متروك لمشاهدة وافية ولمقالة ثانية



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Sep 25, 2009

أوراق ناقد * محمد رضا | استعادة لفيلم "يوم جديد في صنعاء القديمة" * خالد ربيع السيّد |عن السيناريو وفلسفة الفيلم

Year 3 | Issue 458


خالد ربيع السيد يكتب عن فيلم
بدر بن حرسي »يوم جديد في
صنعاء القديمة«٠




أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثورة

لو حكيت لكم ما يخطر ببالي -فعلاً- لما وجدت واحداً منكم يؤيدني
كما هو الحال الآن، أجد نفسي أبذل جهداً مضاعفاً لكي أصل الى إطلاق أفكاري لأن كل ما تكتبه او تقوله جيد او سيء من وجهة نظر المستفيد او المتضرر. إذا استفاد فأنا أكتب رأيا سديداً وإذا تضرر فإنني على خطأ، فما البال لو كتبت شيئاً يُعاكس مفاهيم كثيرة ورؤى عريقة حتى ولو كانت هذه الكتابة تعبّر عما يجول في بالي؟

هذا الموقع يُتيح لك يا محمد أن تكتب ما تريد. أكتب٠
يقول لي صوت الداخل، لكن تجدني أبتسم وأكتفي بأن أكتب عن الكتابة عوض الدخول في عملية الكتابة ذاتها. فيلم داخل فيلم- إذا أردت٠
لكن لأجرب٠
ماذا تقولون لو قلت لكم أنني ضد كل شيء حدث في هذا العالم من مطلع الثمانينات الى اليوم؟ كل شيء في كل شيء من دون استثناء بما في ذلك إنتشار أسطوانات الأفلام والتطوّرات التقنية والمؤثرات الخاصّة وتحويل العالم الى قرية صغيرة ومحو الحدود والتبادل البشري عبره. بما في ذلك الكومبيوتر الذي نستخدمه الآن للتواصل وصالات السينما التي أصبحت علب كبريت. ماذا لو قلت لكم إني افتقد لنظام النجوم البالي والى المغامرات في أرض الفيلم الصامت والأعمال الملحمية التي يتم فيها استئجار بشر حقيقيين وليس خيالات مجسّمة مصنوعة كومبيوتر غرافيكس٠
ماذا تقولون لو أني قلت أنني افتقد الأبيض والأسود في السينما والرهجة الثقافية التي كانت تحيط بالفيلم الفني والحياة المزروعة بمن رحل كتّاباً وموسيقيين وسياسيين وممثلين ومخرجين؟
ماذا تقولون لو أني قلت أنني افتقد المجلات الورقية والسيارات القديمة والنجوم التي كانت تظهر في سماء الليل (أين هي اليوم؟) والبطيخ الأحمر القاني والفاكهة التي تشتم رائحتها من على بعد والورود التي تعبق رائحتها بالحديقة والهاتف ذي البكرة (بالنكاية) وخصوصية الحديث على الهاتف عوض ما نراه اليوم من شيوع الخاص في كل مرّة يستخدم فيها أحدنا الهاتف النقال٠
على الأقل أعلم إنه إذا قلت لكم أنني افتقد حياة كانت رخيصة التكلفة وافقتموني. لم لا توافقونني على أن الحياة كلها اختلفت صوب الأسوأ منذ ذلك الحين؟
أنظروا حولكم. لو كنت ثرياً لأعلنت عن جائزة لمن يخبرني، بصدق، عن آخر مرّة بهره مشهد في الحياة وقع أمامه ودل على أنها لا زالت في خير. او عن اليوم الذي مرّ بأسره في سلام وصفاء. او عن خمسة أحداث توالت في يومين متعاقبين تعكس طيبة وإنسانية وعلاقات إنسانية متحضّرة٠
أنظروا حولكم. أينما كنتم. كيف يمكن أن تجدوا السعادة في الشوارع وفي المكاتب وفي رحلات السفر على حد سواء؟ في المطارات التي باتت مثل عيون الغربان؟ في المكاتب التي تمشي فيها النميمة فوق بلاطها؟ في العلاقات الإجتماعية التي تتهاوى تحت نماذج الفساد المستشري وفقدان الإيمان بأي شيء خصوصاً بالقيم العليا والتواصل الممهور بالمصلحة الفردية والأنانية؟ بالممارسات الفاشية والإرهابية من الجار للجار ومن الرجل للمرأة ومن المرأة للمرأة الأخرى ومن الأستاذ لتلاميذه ومن الطبيب لمريضه؟ كيف يمكن ان تجدوها في العفونة المنتشرة بين الناس. في اللامبالاة. في العنف. كيف ننام والجار جائع والقريب مريض؟ كيف نسعد بالحياة والأبواب مغلقة الا إذا كان معك مفتاح من ذهب؟ كيف نشعر بأننا منتمين الى ذات الطينة إذا كان المال هو كل هدفنا؟ إذا كنا نعلم أننا مجرد أرقام لكل صاحب مصلحة من السنكري الى مدير البنك الدولي؟

نضحك أحياناً هرباً من الواقع. او نهرب من الشعور. هزّة أرضية ينتج عنها موت ألفي شخص؟ لا تعليق. عاصفة سونامي ينتج عنها عشرة آلاف ضحية؟ لا تعليق. الصبي الذي يعمل ليعيل والدته في المحل الواقع تحت عمارتك الذي داسته السيارة حين طلب منه صاحب الدكان الإستعجال لتسليم او استلام. لا تعليق. تجارة البشر عبر الحدود؟ لا تعليق. الحروب الداخلية والحروب بين الفئات والمذاهب والديانات والطبقات والمباديء؟ لا تعليق. هذا الأتوبيس انقلب. وتلك العمارة انهارت. والصحيفة التي توقّفت والبريء الذي دخل السجن او الموظّف الذي سُرّح ومئات غيره بسبب الوضع الإقتصادي؟ الحصار والتجويع والناس التي صارت خرافاً تصلح للنحر فقط؟ لا تعليق. طيّب يا أخي جشع المؤسسات وتحويلها العالم الى زبالة بشرية بعد امتصاصها كل ما في جيوبهم من مال؟ لا تعليق٠

لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠
لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠
لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠


نحن نعيش أسوأ فترة حياة في التاريخ. والذين يرونها أفضل فترة بسبب كل تلك الإنجازات الصناعية والتقنية إنما يتجنّبون التعليق ولو أن التعليق أضعف صور الإكتراث والإكتراث أضعف صور الثورة٠
التغيير لا يأتي في طبق، ولا ينزل من السماء في سلّة مربوطة. التغيير يأتي من الداخل. من الإيمان بأن الإنسان إنما جيء به لهذه الحياة ليؤدي رسالة. رسالة حب وخير وألفة ودفء وبذل ورسالة إيمان بأن علينا أن ندافع عن الحياة الجميلة وكلها جميلة. كوكبنا هذا جنّة الله في هذه الدنيا ولو كنا مارسلنا رسالاتنا لما وصل حالها وحال من عليها الى ما هما عليه الآن. الوقت الذي تتوقّف فيه عن تأدية رسالة هو الوقت الذي مت فيه.... ولو أنك لا زلت قادراً على قراءة هذه الكلمات والمشي الى المطبخ لتحضير شيء تأكله او التفكير في الأفعال الرتيبة الأخرى التي تقوم بها عادة تحت سطح أن هذا أفضل مما يمكن أن يكون٠

هل من تعليق؟


السيناريو وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلسلة التالية من المقالات الخاصّة بكتابة
وتحليل السيناريو ليست دروساً او إرشادات
ولو أن خلاصات معيّنة فيها لابد أن تقترب
من هذا الوضع. إنها ملاحظات متراكمة من
دراستي السيناريو أول ما وصلت هوليوود
في محاضرات لجون دوربي، ومن خلال أهم
مدرسة لتعليم كل شيء: الأفلام ذاتها٠
...............................................................................
قبل سنوات سألني منتج عربي معروف رأيي في الفيلم الذي تم عرضه عالمياً وما أن فتحت فمي ودحرجت كلمة سيناريو في أول السطر حتى قاطعني وقال: "هذا السيناريو من أهم كاتب سيناريو في السينما العربية"٠
أهم وأفضل وأحسن وأسوأ هي تقييمات أبتدعناها لنصنّف بعض من في بزنس السينما في المصاف الذي نرغبه: أحسن ناقد، أحسن سيناريست، أحسن مخرج، أحسن ممثل الخ... علماً بأن التكامل نادراً ما عرفه ناقد او سيناريست او مخرج او ممثل او جزّار او سائق تاكسي٠
لكن هذا لا ينفي »حسنات« هذا الشخص او ذاك وهي قد تكون، بل عليها أن تكون، غالبة والا لما استطاع اي من هؤلاء لعب الدور الجيّد في مهنته والإسهام عملياً في دفع عجلة المهنة التي ينتمي اليها الى الأمام
أما وقد ارتحت من مهمّة إيضاح هذه النقطة، فإن كاتب السيناريو الجيّد قد يكتب سيناريو غير جيّد. لا يحدث هذا كثيراً لكن قد يقع. كاتب السيناريو الجيّد قد -من ناحية أخرى- لا يكون جيّداً على الإطلاق، لكن ما يكتبه يناسب ما يتم إنتاجه. لا أحد يسأله أن يُجيد أكثر٠
وهو قد يكون جيّداً في الحرفة التقنية: يعرف كل ما يمكن معرفته عن أدوات الكتابة وعن الإيقاع وتقسيم السيناريو الى فصول ومتى يتم إدخال عنصر جديد او حجبه الخ...٠
وهو قد يكون جيّداً في الإتيان بأفكار غير مستهلكة وفي صنع الحبكات او في جانب بناء المشهد كل على حدة مستوعباً فيه الشخصية والمكان والحوار. او في جانب الشخصيات أكثر من سواها. لكن يُفهم هنا أن كاتب السيناريو الأفضل هو الجيد في كل هذه المساحات الشاسعة من عناصر العمل وفوقها ما يتطلّبه السيناريو من التزامات حيال كل العناصر الأخرى التي ستطرأ لاحقاً على العمل وبنسب متفاوتة لأنه حين يسلّم السيناريو المتّفق عليه والمبرم عقده الى المخرج لكي ينطلق في عمله يواجه، من بعيد، كل العاملين الذين لابد أن يقرأوا السيناريو كل من زاويته، لذلك كل في زاويته عليه أن يكون مدركاً المطلوب ومُؤمّن الجانب٠
لكن قبل الوصول الى هذه النقطة هناك مشوار طويل يبدأ قبل ذلك بأشهر (وأحياناً بسنوات). كتابة السيناريو لا تبدأ من قرار متشابه الخصائص ومتّفق عليه. ما هو متّفق عليه هو بعض المباديء الأساسية: شرح المشهد الى اليمين. الحوار في النصف. المشهد مسبوق بتحديد المكان والوقت من اليوم. الحوار مسبوق بمن يتكلّم حينها الخ...٠
ما هو خاص بالكاتب هو رؤيته التي قد تتشابه وتلتقي مع رؤى أخرى لكن حتى حين تفعل تبقى في صلب العمل خصائص أخرى هي الإختيارات التي يعمد اليها والقصّة التي يكتبها (إذا ما كانت أصلية) او طريقته في تناولها (إذا ما كانت منشورة سابقاً)٠

النقطة الحاسمة الأولى أن يعرف الكاتب لمن يكتب٠
في الدروس الأول التي تعلّمته: حدد جمهورك. في ذات الدرس: أعرف شيئاً عن الميزانية التي سيتكلّفها العمل لأن ذلك يعفيك من أولاً: اعطاء السيناريو للمنتج الخطأ، وثانيا: عودة السيناريو إليك مع طلب تغيير مشاهد لا تناسب وإمكانيات المنتج٠

لكن قبل ذلك، وسأعود قريباً الى النقطة الحاسمة الأولى، هناك نقطة حاسمة تعلّمتها من السينما. لماذا تكتب؟
الجواب هو واحد من هذه الأسباب
أكتب السيناريو لأن هناك مبدعاً في داخلي يريد التعبير عن نفسه -
أكتب لأني أحب السينما -
أكتب لأني أريد أن أنقل بعض الحكايات التي تقع في الحياة وشرائح اجتماعية مهمّة -
أكتب لأن كتابة السيناريو وسيلة عيش٠ -
أكتب لأني لاحقاً أريد أن أصبح مخرجا -

كل هذه الردود صالحة ولو أن أيا منها لا يصنع، بحد ذاته، كاتباً جيّداً. ما يجب أن يسبقها هو أن يتحلّى الكاتب برؤية في الحياة ينبع منها رؤية في كل عمل يقوم به. رؤيته تلك تحدد أين وكيف يفرز ابداعاته وكيف يبلور حبّه للسينما وكيف ينقل الحكايات ويتعامل مع المجتمع وكيف يحقق من الكتابة وسيلة عيش (بمعنى أن يحقق نجاحاً) وكيف يخطو من الكتابة الى الإخراج فيما لو أراد٠
طبعاً كل منا لديه رؤية، لكن معظمنا لديه رأي وليس رؤية (والرؤية تحتوي على الرأي وليس العكس بالضرورة) ولن أدخل في التفسير بين الحالتين (الرأي والرؤية) الا إذا طلب مني أحد ذلك لأني أعتقد أن الفارق مفهوم٠
في ذلك، يلتقي كاتب السيناريو مع كاتب الرواية. ودعونا نعتبر أن النماذج التي نتحدّث عنها هي نماذج جيّدة (لأن هناك كتاب رواية لا يملكون سوى الفذلكة وبعض العوامل الإبهارية التي ينساق اليها الإعلام المطبخي السريع)٠
لكني هنا لا أقول أن كل سيناريست ناجح لديه رؤية. بل أقول أن السيناريست الأنجح هو الذي يجب أن تكون لديه رؤية، لذلك من الأفضل أن يتمتّع بها مسبقاً، لأنه لن يستطيع امتلاكها لاحقاً. إنها ما تسبق النجاح ولا ما تأتي كنتيجة له٠
والنجاح هو غير الجودة ولو أن العديد من كتاب السيناريو حول العالم لديهم الملكيّتين٠
الرؤية هي التي تتضمّن علاقة متينة، ورغم ذلك شفّافة، بين المبدع وبين الحياة ثم أشكال وتفاصيل وجوانب تلك الحياة. رؤية. إذا كتبت سيناريو معاد للحرب من دونها جاء العمل، على الأغلب، من دون روح، وإذا كتبته وأنت لديك تلك الرؤية عرفت كيف تتعمّق وكيف تكوّن وجهة نظر لهذا السيناريو. لا يعني ذلك أن تقنية الكتابة ستتغير: الكاتب ذو الرؤية والكاتب الذي لا رؤية لديه قد ينتجان -تقنياً- السيناريو الجيد ذاته في هذه الناحية، لكن أحدهما هو أكثر اتكالاً على المتوقع والكليشيهات والصدفية والجاهز من الأفكار المطروحة، والثاني أعمق وأكثر قدرة على الإقناع وإثارة الجدل حتى ولو كان الإثنان ضد الحرب٠

انطلاقاً على الكاتب أن يعرف لمن يكتب وفي ذلك تحديداً غير مباشر لسؤال حول: ما يكتبه، وآخر مباشراً حول كيف سينجح في صياغة وكتابة سيناريو جيّد قد يجد طريقه للإنتاج٠
لتحديد هذا فإن عليه أن يعيش رؤيته ويغذّيها. لنقل أن رؤيته هي وجودية. هو إذاً ليس وحيداً في هذا الموقف من الحياة وعليه أن يغذّي رؤيته بسبر غور المبدعين الآخرين الذين يشاركهم هذه النظرة الى الحياة والى فلسفة الوجودية التي تعود الى القرن التاسع عشر (نييتشه وكيرغارد مثلاً) وكيف تختلف وجودية دستويفسكي عن سواه الخ٠٠٠٠
كذلك الحال إذا ما كانت قائمة على أي فكر او فلسفة أخرى. ستجد مثلاً أن من يريد استخدام الكتابة للسينما لنشر الإسلام (او لنشر أي دين آخر) لن يستطع سوى أن يكون صاحب رأي إذا لم يكن لديه إلمام بروحانية الدين ومعانيه التي هي أكثر من مجرّد الصلاة والصوم وشكل العبادة. وهو حين لا يتحلّى بالنظرة الإنسانية الشاملة (التي هي في صلب الدين الإسلامي وعلى عكس ما تقوم عليه الأفكار المتطرّفة) فإنه سيكتب من دون وجهة نظر ولمن لا يعرف. كلاهما جسر لا يوصل الى شيء٠

هذه هي العلاقة الأساسية بين الرؤية وبين عامل تحديد الجمهور. إنها أرضية مناسبة وليست ظاهرة على الإطلاق من شأنها منح السيناريو ثقلاً وعمقاً وغاية٠ الآن وقد اكتسبت تلك الرؤية كيف تحدد جمهورك؟

يتبع ٠٠٠٠


استعادة | يوم جديد في صنعاء القديمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد (جدّة)٠

فيلم للحنين والدهشة


أن يؤلف المخرج السينمائي قصة محبوكة وموحية الى خلفيات ثقافية ثرية، ينسج من خلالها خيوط إفتتانه بمكان ما، وبشرط أن تحقق قصته جمالية أدبية ووقعاً درامياً مؤثراً، وأيضاً لتمكنه من الإشتغال على المكوّن الجمالي للبيئة التي أغوته بلغة سينمائية متقنة .. هي مهمة تستدعي إستحضار حذاقة المخرج الفنية ليحقق ما حلم به في إنجاز فيلم ممتع وجدير بالمشاهدة..ذلك بالضبط ،كما يبدو، ما حدث مع المخرج البريطاني من أصل يمني بدر بن حرسي 40 سنة ،عندما شرع في فيلمه (يوم جديد في صنعاء القديمة) المروي باللغة الإنجليزية والناطق باللغة العربية بلهجة يمنية، والحائز على جائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان القاهرة السينمائي 2005 ،المشارك بمهرجان دبي في العام ذاته 2005.

ستة وثمانون دقيقة إستخلصها المونتير البريطاني أندرو لويد بحساسية فائقة من بين ما يقارب الثلاثين ساعة تم تصويرها بإدارة المصورة الفرنسية من أصل لبناني موريال أبوالروز ليعبر بها بن حرسي عن عشقه للمكان والإنسان عبر سيناريو أعده بمساعدة عباس عبدلي، ورسم مشاهده بولي هوتكنز، ولينتجه أحمد عبدلي في فيلم سينمائي 35 ملم يصنف كأول فيلم يمني يتوغل في الحياة اليمنية بمعزل زمني عن تأثيرات الواقع الجيوبولتيكي أو الصراع السيسيوبولتيكي، فهو بمثابة بحث في الهوية الحضارية والإنسانية التي إكتشف بن حرسي بعض من ملامحها، وغاص في مساريبها عند زيارته الأولى لليمن في العام 1996، وظل يتفحص سيمائها الحادة وببلوغرافيتها الشاخصة، مجسداً إياها في إستحضار ثنائية: المرأة والحب، بإعتبارهما باعثاً رمزياً للحياة، ومتخذاً من التعريف بهما ،بصفتهما الممتزجة بمفردات الواقع السحري اليمني، موضوعاً رئيساً لفيلمه المتغني بما تخبأه العباءات السود ومسافع الوجوه الحنطية، ولوعة العيون الضاجة بالحُسن .. وما يجابهها من ضباب يلف المدينة ويتمسح بعمرانها وبجبالها السمراء المحيطة بها، المتوارية خلف السحر والأسطورة


إستخلص بن حرسي، وهو السينمائي المتخرج في معاهد لندن السينمائية، والمتخصص في الإخراج المسرحي عبر أطروحة الماجستير في كلية جولد سميث العريقة، جماليات الحياة في مدينة مكتسية بحلل التراث العريق، المتجلي في الملبس والعادات والتقاليد والمعمار والمعتقد والخرافة والطبيعة، وأيضاً في بساطة الإنسان اليمني ومرحه وإقباله المتفائل على الحياة. كل ذلك في تماس الأعراف الحميمة التي تظهر برشاقة في سياق الفيلم، ويتعامل معها المجتمع كمسلمات واقعية لا مناص لتبديلها، وهي في ذات اللحظة تشكل مصدراً لرضا الناس ومعنىً غائراً في أرواحهم يكرس إنسجامهم في جغرافيا تعج بالفن والجمال: الزخارف على واجهات البنايات. الرسومات المستمدة من إرث إسلامي، تلوينات السجاجيد وفُرُش الأرائك، الأزياء والأواني، منارات المساجد وقبابها، الطرقات المرصوفة بالحجارة. نقوش الحناء بأيدي الصبايا، الإيقاعات ، المواويل والغناء الشعبي، الضياء الباهرة الأكثر إشعاعاً بفعل وهج الشمس الشديدة السطوع،(كما يقول الراوي في الفيلم). ظلال الجبال المنعكسة على الحانات. وما تحفل به الصورة الشاعرية الطاغية، توشحه الموسيقى المصاحبة منذ ثوان الفيلم الأولى. صوت الكونترباص والفلوت يجسد عالم مغلف بعبق تاريخي منبعث من البيوت الضافية برونقها ومزاجها الشرقي الخالص

قصة الصراع النفسي الذي عاشه بطل الفيلم طارق (الممثل نبيل صابر) بسبب حبه لفتاة أسمها إيناس (الممثلة اللبنانية المتقنة للهجة اليمنية دانيا حمود) مُنقشة الحناء، التي رآها قبل شروق الشمس ترقص في الشارع بثوب أبيض مزين بخيوط الفضى والقصب، كان أهداه الى خطيبته بلقيس الساذجة (الممثلة رضا خضر) لكونها مفروضة عليه من قبل العائلة للزواج منها.. ألقت بلقيس بالثوب من النافذة لعدم إستحسانه، فلتقطته إيناس وارتدته في ذلك الصباح وتخرج به كاشفة الرأس .رآها طارق وهام بها بعد أن عرف أنها ليست بلقيس. . ثم تناقلت نسوة الحي، عبر بائعة البيض الخفيفة الضل أمل (الممثلة سحر الصباحي)، خبر بلقيس التي خرجت سافرة بفستان أبيض ووقوع طارق في حبها، وتخبرهم إيناس فيما بعد أنها هي التي خرجت ورقصت بفستان بلقيس
يحتفي الفيلم بالنقش والزخارف المستمد من حضارة سبأ ومعابدها الشهيرة: معبد أوام ،محرم بلقيس، ومعبد صرواح وعبدان وشبوة، الزخارف القمرية النصف دائرية المشغولة من الجص والتي تعتلي نوافذ البيوت، ويظهرها الفيلم كخلفيات حاضرة البهاء، تأكيداً لأهمية النقش والزخرف في المكون الثقافي اليمني. ترمي القمريات المعشقة بالزجاج الملون بظلالها وإضاءاتها القزحية لتكسي ردهات الدهاليز والأسياب شيئاً من البهجة ..يمعن المخرج وكاتب القصة في إعلاء ذلك فينزل تتر الفيلم مبيناً نقوش تتشكل في إلتفافات دائرية وملتوية وخطوط متشعبة محدثة لغة جمالية تحاكي هاجس الفن عند الإنسان اليمني. . يؤكدها في شخصية بطلة الفيلم إيناس (مُنقشة) ، لإبرازها كمهنة مرتبطة بالذائقة الجمالية الشعبية.. في إحدى المشاهد يطلب راوي الفيلم فردريكو من صديقه يحيى وصديقته بائعة البيض أمل أن يحضروا له منقشة ترسم على ظهره

تأزم طارق، وطحنه الصراع بين سطوة العائلة لإرغامه على الزواج من بلقيس، بصفتها إبنة أحد الوجهاء(تجسد المرأة التقليدية)، ومن رغبته في الزواج من المُنقشة، المنحدرة من الطبقة العاملة ( تجسد المرأة العصرية) .. ومن خلال أقاصيص مبثوثة في الفيلم بإنسيابية يتابع المشاهد بمرح كبير تنقلات الراوي فيردريكو (الممثل الإيطالي بولو رومانو)، وهو يؤدي دور مصور أتى الى صنعاء ليسجل صوراً فتوغرافية لصنعاء القديمة وللمرأة اليمنية، فيروي أحداث قصة طارق وإيناس وبلقيس التي عايشها عن كثب.. لكن المصور يعجز عن تصوير ملامح المرأة اليمنية بينما نجح ـ الفيلم ـ في تصوير ملامحها الروحانية الخبيئة. لتؤكد له بائعة البيض أمل: أنت مجنون يافدريكو، تصور (حريم اليمن) أمر مستحيل خذلك على جنان٠


تغازل الكاميرا أجساد ووجوه الممثلين وهي تعبّر عن مختلف مشاعرهم وإنفعالاتهم البادية بتلقائية مدروسة لممثلين جلبهم بن حرسي من التلفزيون، مقدراً مهاراتهم في الأداء والإيماء الطبيعي وتلوينات الأصوات المنسجمة مع إيقاعات متناغمة مع الحالة الكوميدية الرومنتيكية التي يتخلق الفيلم في عالمها ، وأيضاً رصدها بزوايا تصويرية تستحضر بهاء المكان وطاقته الحدسية، سواء في مواقع التصوير الداخلية ـ الحجرات والردهات والمجالس ـ وهي قليلة ، أو الخارجية ـ الأزقة والشوارع والساحات الخارجية، وهي تأخذ الزمن الأطول في الفيلم، لتتكامل سواء في الداخل أو الخارج لغة الضوء والظل وتعطي في كل مشهد جاذبية بصرية خاصة .

تتحول حادثة إختفاء الثوب من بين أغراض بلقيس الى قضية سرقة يحقق فيها ضابط الشرطة (الممثل الكوميدي التلفزيوني يحيى إبراهيم)، ويكتشف أن إيناس هي التي إرتدته وخرجت به، فيقبض عليها. لكن إيناس تهرب من الشرطة، ويصعب عليها البقاء في المدينة، بعد أن عرف الناس بقصة حبها لطارق وواقعة رقصها في الشارع وإتهامها كسارقة..

تشدو الخادمة بصوت أنثوي يمني عذب ذو دلالة خاصة

يابو البنية حرام الظلم ..هي بنتك
البنت تشتي زواج من يخاف الضيم
أنظر لها مثلما تنظر الى نفسك
مهيش حجر ..هي بشر مثلك ومن جنسك .

في دلالة أخرى، موازية ، يهدد المدرس الهندي رافي تلميذته ،أخت بلقيس الصغرى، بالضرب، فتحل لعنتها عليه : إن كنت تضربني با تجن طول عمرك، وتصرخ الطفلة صرخة مدوية تطن في أذنه بقية حياته. . يتفق طارق مع إيناس على الهرب في ليلة زواجه من بلقيس.. وقبل خروجه من البيت يقف محتاراً، يصلي، ويتردد بين الذهاب الى مراسم الزواج أو الذهاب الى لقاء حبيبته والهرب معها.. و يقرر رافي من جهته الفرار بعيداً عن لعنة ظلم المرأة التي لاحقته،.. في تلك الليلة إرتعدت صنعاء، غاب القمر وغارت النجوم، ووقفت إيناس عند الجسر القديم تنتظر طارق، كان إنتظاراً طويلاً. ولم يأتي طارق، لكن إيناس أخذت تنتظر أياماً كثيرة، وفي كل يوم جديد يشرق على صنعاء القديمة كانت تنتظر وكان يتجدد أمل اللقاء٠

ينتهي الفيلم تاركاً للمشاهد قدراً من خدر الدهشة، بمثل ما بدأ بصوت الراوي المصور فردريكو المؤثر والمنساب كالشعر في لقطات سينمائية شعرية حالمة .. ومثلما بدأ الفيلم، بالأسود والأبيض في فجر صنعاء حيث الضباب يتبختر في أزقتها الحنون ويناغي الضياء الخجولة المتسربة من شبابيك بيوتها النضيرة ..ينتهي كذلك٠

خالد ربيع السيد | ناقد سينمائي من السعودية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Sep 22, 2009

حدث في تورنتو | إبراهيم الأبيض | عصر الأبعاد الثلاثة وصل

Year 3 | Issue 457

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوراق ناقد *** محمد رُضا | نــقــد فيــلم *** نديم جرجــورة | تحــقــيـق *** هوفيك حبشيان








ضد المسيح أقرب الى عنف المسالخ منه الى فن برغمن

مروان حامد يبرهن عن معدنه الجيد في إبراهيم الأبيض
نظام الأبعاد الثلاثة قادم ولا يمكن الوقوف في وجهه... او يمكن؟


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب سيناريو تضخّم

انتهيت لتوّي من قراءة مقالة كتبها واحد بإسم جوش أولسون بعنوان
I Will Not Read Your F***ing Script
Chicagoreader.com على موقع
قادتني إلى المقالة ازرار الكومبيوتر وقرأت ما كتبه بجوش أولسون ومررت على أكثر من مئة رد فعل نصفها تقريباً مؤيد لما كتبه٠
قبل المضي، جوش أولسن كاتب سيناريوهات. خلفه ثلاث سيناريوهات. أوّلها سنة 2002 بعنوان
The Perfect Husband
فيلم مستوى ثالث شارك في كتابته أربعة كتّاب، بحيث تضيع الطاسة فلا يعرف أحد جريمة من هي أكبر من الآخر٠
فيلمه الثاني ورد في نهاية العام ذاته بعنوان
Infested موبوء
وهو أسوأ من الأول. فيلم رعب أصر الكاتب على إخراجه ما يعني أن رداءة الكتابة تزوّجت من رداءة الإخراج٠
ثم عاد في العام 2005 ووضع فيلماً بعنوان
<< History of Violence تاريخ العنف
الذي صفّق النقاد الأجانب كثيراً له. ألا يحمل إسم ديفيد كروننبيرغ مخرجاً؟ لكن رجائي هو أن تشاهد الفيلم مرّة ثانية بعد مرور العاصفة التي أحاطت به وتقول لي رأيك. المهم أن هوليوود حينها تبنّت الفيلم في ترشيحين للأوسكار الأول للممثل وليام هيرت كأفضل ممثل مساند، والثاني للكاتب فوجد مستر أولسن نفسه مرشّحاً كأفضل سيناريو مقتبس٠ لم ينلها، ولله الحمد، إذ ذهبت يومها الى لاري مكمرتي ودايانا أوسانا عن فيلم آنغ لي المتوسّط بدوره »بروكباك ماونتن«٠
لكن الترشيح كان كافياً ليتضخم رأس الكاتب وليتوقّف عن الحياة كإنسان ويتحوّل الى بي أم دبليو تحمل ريشاً ملوّناً٠
منذ ذلك الحين لم يُنتج له عمل ولم يبع هو أساساً أي فكرة أخرى٠
الذي استوقفني، لجانب ما أعرفه عنه مما ذكرته أعلاه، هو العنوان الذي اختاره لمقالته وهو عنوان موجّه لأي كاتب جديد يتقدّم منه بطلب قراءة سيناريو له. مستر أولسن يقول له أغرب عن وجهي أنت والسيناريو الذي كتبته. الا تعرف كم تأخذ من وقتي حين تعرض عليّ ذلك؟
أنا لست أفضل حالاً من جوش أولسن، بل ليس لدي بي أم دبليو أساساً. بعت سيناريوهين تم تنفيذهما كإنتاجين سعودييين، وفي التجربتين تعرّضت لمعاملة غير محقّة إذ تم تشويه العمل المكتوب بحذف من هنا وإضافة من هناك وتحويل مادّتين كتبتا برؤية فنية الى عملين أحدهما لا زال أفضل قليلاً من الآخر لكن البديل المكتوب لم يكن أفضل من الأساس٠
لكن هذا لا يمنعني من الإستمرار في الكتابة حين يكون لدي الوقت. وعادة ما استلم أفكاراً مكتوبة وسيناريوهات في بعض الأحيان من طامحين يطلبون فيها الرأي. إذا كان طالب الرأي فرداً عربياً سارعت بقراءة ما كتب وإبداء الرأي فيه. إذا كان طالب الرأي مؤسسة عربية او أجنبية أرسلت له لائحة الأسعار: سعر لمجرد القراءة وإبداء الرأي، سعر للقراءة وكتابة تقرير واف، سعر لإعادة الكتابة٠
لكني لم أشتم طالباً فرداً ولن أشتم طالباً فرداً لأنني أعلم كم تردد في التقدّم اليّ وأعلم أنه يدرك أنه يتدخّل في وقتي لكنه في ذات الوقت يحترم رأيي ويسعى لتكوين فكرة محترفة عن عمله٠

مستر أوسلن يقول لمن تقدّم له أنه أهم من أن يصرف وقتاً لمساعدته. وحين يضرب المثل في حادثة دفعته لكتابة المقال المذكور، نجد أنه يتحدّث عن "صديق" له كتب صفحتين كملخّص والمقالة من الكبر بحيث تساءلت حين انتهيت من الكتابة إذا لم تستغرق وقتاً أطول مما لو قرأ الصفحتين وكتب رسالة الكترونية لصديقه ذكر له فيها رأيه٠
هذا ليس السؤال الوحيد: سؤالي الآخر هو: ألم يسبق لأوسلون أن طلب نصيحة كاتب محترف حين بدأ العمل؟ طبعاً القراءة وإبداء الرأي أمران يستغرقا وقتاً، والمسألة في النهاية لها علاقة بحرية المرء. هذا المرء لا يريد أن يقرأ لسواه لكن أليس من الممكن تلخيص ذلك برسالة ودّية الى ذلك الصديق؟ هل الأمر بحاجة الى بي أم دبليو وريش الطاووس؟
معه حق في المبدأ من ناحية هو حر ومن ناحية أنه لا يشعر بأن عليه أن يكون ملزماً عليه بمساعدة الآخرين. لكنه يخسر على صعيد تسفيه قاصديه وحين يذكر فيقول أنه حين يأوي الى فراشه فإن لديه كومتين من السيناريوهات المنشغل فيها (من كتابته او أرسلت اليه من قبل وكيل أعماله) فكيف له أن يقرأ صفحتين؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنف برغمن موحى به، وعنف فون ترايير مباشر


هناك ذلك المشهد الوارد في تحفة الراحل إنغمار برغمن »برسونا« (1966) حين تتعقد العلاقة بين شخصيّتي الفيلم (إثنان فقط كما الحال في فيلم فون ترايير) بيبي أندرسن وليف أولمَن. الممرضة ألما (أندرسن) تكسر، من دون قصد كأساً. تلتقط نثراته وترميها لكن هناك نثرة تبقى. تمر المريضة اليزابث (أولمن) بالمكان وندرك، تبعاً لمشادّة بينهما لا مجال لذكرها الآن (المقالة النقدية الكاملة عن فيلم برغمن موجودة في العدد الخامس عشر من »فيلم ريدر«) أن ألما تريد لإليزابث الأذى كون الثانية لا تعلم بأمر الزجاجة المكسورة التي قد تدخل قدمها الحافية. تريد ألما إيذاء البزابث وهي تنتظر منها أن تدوس على الزجاجة. نحن نتوقّع ذلك. برغمَن يمارس طقساً من السادية حين يتركنا وتوقّعاتنا حيارى بين أن نراها تصرخ من ألم شديد (وربما لقطة لدم منفجر من باطن قدمها) او لا نرى

في »ضد المسيح« لا يوجد مثل هذه اللمسة الفنية التي تحقق المرجو من المشهد وقسوته من دون أن تعمد الى العنف البصري. ما فيه مشاهد تعذيب جسدي تمارسها المرأة على الرجل والمرأة على نفسها يلتقي وسلسلة أفلام »هوستَل« الأميركية التي خرج منها للآن إثنان واحد في العام 2005 والآخر بعد عامين وكلاهما من إخراج إيلي روث (الذي يٌشاهد في دور أحد يهود براد بت في »أولاد زنا بلا مجد«)

في نقدي لفيلم »ضد المسيح« في مجلة »فيلم ريدر« (الرابط أعلاه) تحدّثت عن آلية عمل معتمدة في فيلم لارس فون تراير هذا، مستوحاة من أفلام تعذيب جسدي هي فصيل من أفلام الرعب الحديثة. الفيلم ليس فيلم رعب تبعاً للتصنيف، لكنه يستخدم تلك التقنية ما يجعله، من زاوية أخرى، فيلم رعب من دون رعب٠
والحقيقة أن عدداً ملحوظاً من الفنانين السينمائيين استخدم العنف الجسدي وسيلة لتمرير رسالة: بونويل في »الكلب الأندلسي« كوبريك في »الساعة البرتقالية« بازوليني في »سالو«، وسواهم. فون ترايير ليس جديداً في هذا المنوال ولو أنه لا يملك المنظور ذاته للفنانين المذكورين (ولست متيقّناً من أنه يملك منظوراً آخر جديراً بوضعه في المصاف ذاته)٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موقفان متناقضان لمخرجين عربيين في مهرجان تورنتو



في المؤتمر الصحافي الذي عقده المحتجّون على قيام مهرجان تورنتو بإقامة تظاهرة تحية لتل أبيب (التي أسمها حتى لا ننسى تل الربيع) وقف مخرجان عربيّان معروفان ليتحدّثا حول الموضوع. لم يكنا التمكلّمان الوحيدان بل كان هناك متحدّثون آخرون معظمهم تحدّث إيجابياً ضد مهرجان اكتشف متأخراً أنه بلا ذوق إنساني وقناعة سياسية تجعله، ولو من باب المحاباة، تأجيل هذا الإحتفال للعام المقبل مثلاً٠
المهم وقف ايليا سليمان، مخرج »الزمن الباقي« وتحدّث عن رأيه في الموضوع. حسب شاهد عيان اتصل بي كان كلامه »مؤسفا« فهو أوّلا عارض فكرة الشجب من أساسها وثانياً تحدّث ضد الدول العربية مشيراً على عدم وجود حرية تعبير وديمقراطية٠
طبعاً نحن متّفقون أن الحريّات في العالم العربي هي ما بين مستوى التضييق والإختناق، لكن ما دخل البطيخ بالباذنجان؟ سألت صديقي فقال لي: "هذا ما قلته لإيليا سليمان" ٠
المخرج الثاني هو يسري نصر الله
كيف كان؟
والله على كيفك٠
يقول لي الصديق. وقف وتحدّث ضد العملية الإسرائيلية في غزّة وشجبها وأيد الإحتجاج٠
انتهى الحديث وهذا هو التعليق٠
هناك سبب يمكن أن يكون لعبا دوراً وراء موقف ايليا سليمان: وهو أنه أراد أن يبدو معتدلاً وغير منحاز كونه عربياً، لكن هل هذا وقته؟ هل عدم وجود حرية تعبير كاملة في دولة عربية ما يمنح اسرائيل مبرراً لهمجية عدوانها وللعنصرية الصهيونية كلّها؟ طبعاً لا٠ عما إذاً يتحدّث؟
بالنسبة للمخرج نصر الله، فموقفه الجيّد يُحسب له. طبعاً هناك من يقول: ولمَ لم يسحب فيلمه المشارك وهو »أحكي لي يا شهرزاد؟" والجواب على ذلك هو ما هي الفائدة من سحب الفيلم؟ ليرى العالم الفيلم العربي كما يرى الفيلم الإسرائيلي. وكنت كتبت سابقاً إنه في كل مرّة ننسحب او لا نشارك نمنح المنصّة للطرف الآخر٠






Film Review | نقد سينمائي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم الأبيض العنف الدموي لا يُعيب فيلماً أريد له أن يكون مرآة صادقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


ابراهيم الأبيض هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج الشاب، الذي أبدع في فيلمه القصير لي لي»، والذي أعلن عن موهبة جدّية وحرفية خطت« خطواتها الأولى بثبات خفر ومحبَّب في فيلمه الروائي الأول عمارة يعقوبيان
أثار مروان حامد، عند إنجازه «عمارة يعقوبيان» في العام 2006، سؤال الولادة الإخراجية الحقيقية لابن السيناريست والمنتج وحيد حامد، وللمتعاون مع «شركة غوود نيوز» التي وضعت ميزانيات هائلة لإنتاج أفلام لم تكن كلّها ذات مستوى فني راق، خصوصاً «حليم» لشريف عرفه (آخر أفلام الممثل الراحل أحمد زكي) و«ليلة البيبي دول» لعادل أديب، وهو الأسوأ بينها. بمعنى آخر، وُلد مروان حامد كمخرج أفلام روائية طويلة في ظلّ سلطتين لا يُستهان بهما: سلطة الأب المحتلّ مكانة كبيرة في المشهد السينمائي المصري، ككاتب قدّم أعمالاً سجالية عديدة ورائعة، قبل أن يجمع الكتابة إلى الإنتاج، ما أدّى به إلى مسايرة ما لذائقة جماهيرية أوسع، أفضت إلى هبوط واضح في أفلام عدّة له؛ وسلطة شركة أقرب إلى الامبراطورية الإعلامية التي احتلّ واجهتها الأخوة أديب، أبناء السيناريست الراحل عبد الحي أديب، الموزّعون في مجالات الإعلام المرئي والإخراج والـ «بيزنس» السياسي والتجاري، من خلال فنون الموسيقى والغناء والإنتاج السينمائي٠

يد إخراجية
لكنه برع في إظهار شيء ذاتي في كيفية تحويله رواية علاء الأسواني إلى شريط مصوَّر. لم يخرج كثيراً على الوقائع المنشورة في الرواية، بحجّة قالها كاتب السيناريو الخاص بالفيلم وحيد حامد نفسه، مفادها أن المقتَبِس لا يستطيع تجاوز نصّ الرواية. ومروان، المبدع في تحقيق «لي لي» شكلاً ومضموناً وإدارة ممثلين واستخدام الكاميرا والزوايا، أدرك أن الإطلالة الجماهيرية الأولى له مع ممثلين «كبار» (عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس ممثلي «الصفّ الأول» بحسب التعبير السينمائي المصري، وخالد الصاوي وخالد صالح وسمية الخشاب وهند صبري وأحمد راتب وأحمد بدير وغيرهم) لن تكون سهلة، لأن إدارة هذا العدد الهائل من النجوم المتنوّعين، في فيلم أول بُنِيَ على أساس المتتاليات القصصية المرتبطة بفصول متلاحقة وحكايات متداخلة وسرد متقاطع والسياسة والمجتمع والعلاقات الإنسانية والعاطفية والأصولية وغيرها من المواضيع الساخنة والتحوّلات الخطرة، تطلّبت حنكة وخبرة كبيرتين، إلى درجة أن البعض لم يتردّد عن القول إن هناك «يداً» خفية ساهمت في إنجاح العمل إخراجياً٠

غير أن هذه اليد، إن وُجدت في الفيلم الأول، بدت كأنها يد المخرج الشاب نفسه في الفيلم الثاني «إبراهيم الأبيض»، لأن الدراية التقنية والفنية والجمالية أثمرت فيلماً جديداً متين البنية السردية وواضح الرؤية السياسية والاجتماعية المغلّفة بنمط بصري شبه متكامل، على الرغم من المشكلة الأبدية» التي تعانيها صناعة السينما المصرية منذ «الأزل»: التسجيل الرديء للصوت، وإكثار الصراخ النسائي تحديداً، إلى درجة لا تُحتمل « أحياناً في فيلم سينمائي، وإن استُمدّ الصراخ من عمق البيئة الاجتماعية المصرية الصرفة، والسلوك اليومي لناسها. واليد المذكورة أخرجت فيلماً جميلاً، عن عالم بائس وعنيف وموغل في تمزّقاته وانهياراته وجنونه. وهي اليد المتعاونة، مجدّداً، مع الشركة الإنتاجية نفسها (غوود نيوز)، من دون أي تدخّل من صاحب السلطة الأولى، عنيتُ به والده وحيد حامد (قصّة وسيناريو «إبراهيم الأبيض» لعباس أبو الحسن)؛ علماً بأن نجوماً من نوع آخر احتلوا واجهة الفيلم، أبرزهم محمود عبد العزيز (وحده، من بين الممثلين الآخرين، ينتمي إلى الرعيل السابق وممثلي «الصفّ الأول»)، إلى جانب أحمد السقا (أكثر ممثلي جيله الشباب تطوّراً أدائياً، لأنه أتقن تقديم شخصيات ممزّقة بين جانب إنساني صرف وعالم موبوء بالفساد والعفن والجريمة) وهند صبري وعمرو واكد وسوسن بدر٠
في «إبراهيم الأبيض» (قصّته مستوحاة من يوميات شخص حقيقي يُدعى إبراهيم الأبيض، تردّد في القاهرة أن عائلته استاءت من الفيلم وأثارت جدلاً مع منتجيه حول مسائل متفرّقة)، بدا واضحاً أن تبديلاً جدّياً طرأ على علاقة مروان حامد بهاتين السلطتين، وبعدد الممثلين وآلية اشتغالاتهم الفنية والأدائية، وبالمناخ الدرامي النابع من قاع المدينة وبؤس مجتمعها الإنساني، وبالسياق التشويقي المتماسك، إلى حدّ بعيد، في سرده حكاية إبراهيم الأبيض (السقا) منذ طفولته البائسة إلى نهايته المحتومة، المعمّدة بالدم والدمع معاً. فالسلطة الأبوية انزاحت، إلى حدّ ما (إنها غير مرئية تماماً، على الأقلّ)؛ والسلطة الإنتاجية نفسها حاضرة، لأنها قادرة على منح المخرج الشاب ميزانية كبيرة (ذكرت معلومات صحافية مصرية أنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري، في حين بلغت ميزانية «عمارة يعقوبيان»، بحسب المعلومات نفسها، ثمانية عشر مليون جنيه مصري) تخوّله التحكّم بمشروعه هذا. أما الممثلون، فمحصور عددهم بقلّة أمسكت بمفاتيح الحبكة الدرامية على مستويين: المستوى الأول أساسي (عبد العزيز والسقا أولاً، وواكد وصبري ثانياً، كداعِمَين رئيسين للأوَّلَين)، والمستوى الثاني مُكمِّل (شخصيات عابرة شكّلت منطلقات المتاهة الدموية التي سقط إبراهيم الأبيض فيها، وشخصيات ضرورية رافقته في سيرته، وأكملت معه وله وعبره صورة بيئة المجرمين وعالمهم ومجتمعهم)٠

قاع المدينة
لا يُعيب العنف الدموي الكثير فيلماً أُريد له أن يكون مرآة صادقة لواقع إنساني مأزوم. فالأنماط الراهنة للحياة اليومية منشغلة بشتّى أنواع العنف، في اللفظ والسلوك والنقاشات والعلاقات والحبّ والعمل... إلخ، والمسار المتحكّم بعلاقات الفرد بذاته وبالآخرين خاضعٌ للغليان والارتباك والتوترات المنبثقة من وقوع المجتمع المعاصر وناسه في فوضى الأنظمة (السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإعلامية وغيرها) وقمعها. بهذا المعنى، يُمكن فهم انجراف مخرجين سينمائيين مصريين عديدين إلى التقاط العنف بجوانبه المختلفة، لتقديمه في أفلام ملتصقة بيوميات الناس وأزماتهم المتنوّعة، ومنبثقة من حيواتهم وهواجسهم وذواتهم المقيمة في الوجع والقهر، سواء كان العنف مباشراً في التصرّف والتربية والحياة اليومية («السفّاح» لسعد هنداوي المستمرّ عرضه اللبناني في صالة «غراند سينما كونكورد»)، أو غير مباشر، تمّ التعبير عنه بمواربة سينمائية تكشف حضوره في هذه الحياة اليومية من دون تصوير شكله الحسّي («احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، المزمع إطلاق عروضه اللبنانية قريباً)٠

وعلى الرغم من أن جديد مروان حامد أحال مصير إبراهيم الأبيض إلى طفولة معذّبة وفقيرة وبائسة ويتيمة الأبوين، تماماً كما فعل سعد هنداوي في «السفّاح»، المستلّة قصّته من واقعة حقيقية أيضاً، متمثّلة بالسفّاح حلمي أحمد المسيري، كما قال مطّلعون على خفايا المشروع، مع أن منتجيه (ميلودي للأفلام) تجنّبوا الإيحاء بأن الفيلم توثيق للسيرة الحياتية للشخصية الحقيقية؛ إلاّ أن المشاعر الإنسانية الصادقة إزاء الأم المتوفاة (حنان ترك) والحبيبة المسلوبة منه بالإكراه والغصب (هند صبري) والصديق الذي غرق معه في بحر الدم والجريمة والتيهان وتعاطي شتّى أنواع المخدرات الرخيصة، قبل خيانته له (عمرو واكد)، أشاعت مناخاً شفّافاً وسط القتل والصراعات الحادّة والعجز عن الخروج من الموت المقيم في الأزقة والنفوس. ومع أن الفيلم تحاشى التحليل النفسي والاجتماعي المباشر، لأنه ركّز بنيته الدرامية على سرد فصول من الحياة القصيرة لإبراهيم الأبيض، إلاّ أن التشريح النفسي/ الاجتماعي، المُضاف إلى نقد قاس ومبطّن للتحوّلات الخطرة التي تعانيها البيئة المجتمعية المصرية في ظلّ سطوة الاقتصاد الليبرالي والانفتاح غير المشروط وتنامي سلطة التجّار وهيمنتهم على الناس العاديين (هناك مشاهد قليلة ظهر فيها زعيم المحلّة الزرزور الكبير، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، واقفاً على تلّة عالية وسط القبور والمنازل الفقيرة في ما يُشبه العشوائيات، كإله يأمر وينهي فيُطاع فوراً)، شكّل (التشريح) جانباً موازياً لتلك الحكاية المعروفة، المستمرة في نبش أعماق الذات الفردية وصداماتها مع الجماعة، و«انحراف» هذه الذات عن الطريق القويمة بحسب المعتقدات الاجتماعية والدينية والتربوية التقليدية. فهذا عالم يكاد يخلو من سلطة الأمن (وإن ظهر رجال المن في مشاهد قليلة جداً)، ومن سلطة القانون (المحكمة في لقطات سريعة)، لأنه خاضع بالكامل لسلطة أخرى استمدّت جبروتها من الديني والدنيوي، وإن لم ينكشف الأول كثيراً
بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «إبراهيم الأبيض» أكّد امتلاك مروان حامد أداوت سينمائية جدّية ومحترفة، وإن شَابَت فيلمه الثاني هذا هنات قليلة في تصوير بعض اللقطات وتسجيل الصوت والتقاط مشاهد وغيرها من التفاصيل الصغيرة، التي يتغاضى النقد عنها لأن الفيلم برمّته متماسك ومشغول بذهنية مخرج موهوب وجميل وصاحب مخيّلة، على أمل ألاّ يسقط في فخّ الميزانيات الضخمة التي يُمكن أن تُجرِّد الصنيع الفني من لغته الإبداعية، إذا لم يُحصّن المخرج نفسه من تلك الهيمنة الاقتصادية الخانقة٠


نديم جرجورة ناقد صحيفة »السفير« اللبنانية



Feature | تحقيق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصر الأبعاد الثلاثة الفنّ السابع في عصر الرقمية
والتلاعب والإستغناء عن اللحم الحيّ وثورة الـ بلو راي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوفيك حبشيان

Avatar

تقنية الأبعاد الثلاثة عرفنا موجاتها المتتالية مرةً في بداية الخمسينات ومرةً في أواخر السبعينات من القرن الفائت. ها هي تطلّ برأسها مجدداً. لكن الثالثة قد تكون ثابتة: سينما ثلاثية البُعد تعود هذه المرة بخطوات ثقيلة وواثقة، متداركة الأخطاء التي ساهمت ماضياً في زوالها الموقت. فبلوغ التقنيات الرقمية الحديثة مرتبة عالية من الكمال ستسهل إمرار هذه الظاهرة التي خاطبت بدءاً الأطفال لتنتقل تدريجاً الى الكبار. حالياً في الصالات المحلية، ليس أقل من ثلاثة أفلام ثلاثية البُعد، والمستقبل يبشر بأعداد أكبر منها، سترغم بالتأكيد مستثمري الصالات على تجهيز دور العرض بمعدات عالية الجودة. قد لا تصير "كل" السينما (خلافاً للتأكيد الآتي من مدير قسم التحريك في "دريموركس" جيفري كاتسنبرغ) ثلاثية البُعد، لكن لا شك في أن "خدعة" هوليوود الجديدة هي أولاً وأخيراً لمحاربة قرصنة الـ"دي في دي" المنتشرة في كل مكان، وأيضاً للوقوف ضدّ فكرة تحول المشاهدة المنزلية، الوسيلة الوحيدة للمشاهدة عند البعض، وهي الشيء الذي جرى التصدي له في سنوات خلت بأفلام الكوارث الكبرى والأكشن التي تتطلب مشاهدتها شاشة كبيرة ومشاركة البهجة وحماسة جماعية. لكن ينبغي الاّ ننسى أن التطور التكنولوجي بات اسرع من الهواء الذي نتنفسه، وهو ليس حكراً على السينما وحدها، اذ ان صنّاع التلفزيونات هم بدورهم مستعدون لمواكبة تقنية الابعاد الثلاثة وقطف ثمارها الآنية والمستقبلية
محاولات عدة لفرض الابعاد الثلاثة كانت دائماً تنتهي بالفشل واللامبالاة. على رغم أنها أغرت أمثال هيتشكوك وسيرك ووالش في سنوات بروزها الاولى، الا ان هذه التقنية عادت ووقعت في أيدي الصنّاع والحرفيين المتواضعين اثر المحاولة الثانية لاعادتها الى الضوء. اليوم، هناك أكثر من مؤشر الى ان الخروج من الهامش بات اكيداً بالنسبة الى مستقبل هذه التقنية القائمة على خدعة بصرية تمنح المتلقي احساساً بالعمق. وهناك ما يؤكد ذلك: العدد أولاً والنوعية ثانياً. اسماء هوليوودية كبيرة تراهن في انتاجاتها الجديدة على تقنية الابعاد الثلاثة، وهو رهان صعب وخطر ومكلف: ستيفن سبيلبرغ يستعين بها لـ"تان تان". تيم برتون يأخذنا معها برفقة "أليس في بلاد العجائب"، الخ. أما الموازنات فباتت مضاعفة. فلو سمعت قبل سنوات أن سينمائياً يوظف في فيلم بالابعاد مليون دولار، لكنت اعتقدت الخبر مزحة. لكن
بات اليوم أكثر من مجرد مزحة

وسط هذه الاعتبارات الاقتصادية والمصالح التسويقية، من السذاجة الاعتقاد أن السينما، تأليفاً وتمثيلاً واخراجاً، ستبقى على حالها في حال انتشار الابعاد الثلاثة الانتشار المخيف. لا يزال في ذاكرتنا السينمائية كيف جرى الانتقال من عهد الصامت الى الناطق. وكيف بدّل وصول الالوان نظرة السينمائيين الى العالم، فأعاد النظر في مفهومهم للجماليات وللبعد التشكيلي للكادرات. لا مقارنة تجوز بين الاختراعين (النطق والألوان) وبين الابعاد الثلاثة. مع ذلك بات معلوماً أن الانجازات التقنية التي رافقت مراحل نمو السينما وتطورها كان لها فضل كبير في تطوير اللغة السينمائية أيضاً. وفق هذا المنطق يصبح من الطبيعي أن تأتي الابعاد الثلاثة بأصولها وتفضيلاتها الاخراجية والتيماتيكية وهي في معظمها تابعة الى دائرة ضيقة من الانترتنمنت. ولا يزال يصعب علينا حتى الآن تخيل أفلام كثيرة تُصنع بهذا النظام٠

في انتظار أن يأتي دور السينمائيين في عملية تحويل مسألة محض تقنية الى فنّ (عودة الى تصادم لوميير ـــ ميلييس؟)، فالكرة في ملعب اباطرة الكومبيوتر، اذ هم الذين يتحكمون، الى الآن، بالاختراع والصياغة الهوليوودية لسينما الأبعاد الثلاثة في جيلها الثالث. كُتب للسينما أن تعود دائماً الى جذورها. ومع ثلاثية البُعد، كأنما يُقحَم هذا الفن، جامع الفنون، الى الصالون الهندي للـ"غران كافيه" الباريسي، حيث عُرض أول فيلم قبل 114 عاماً. نقول هذا لأن الابعاد الثلاثة تجعل من الفن الذي اعتنقه برغمان، كوبريك، وويلز، تسلية تشبه الى حدّ بعيد تسلية الاطفال في مدينة الملاهي. ثم، الا تعيدنا الابعاد الثلاثة، بمنحها الشاشة عمقاً واقعياً (سواء الى الخلف أم عبر ملامسة "وجه" المتلقي، ) لسينما الأخوين لوميير وحادثة هروب المشاهدين من الصالة بعد خشيتهم من أن يدوسهم القطار في فيلم »دخول القطار الى المحطة"؟ شاء من شاء وابى من ابى، فليس في أيدي المواكبين السلبيين لهذه الظاهرة الا أن يجدوا مكانهم تحت مظلتها عوض اعتراض سبيلها الى الشاشات، وهو تحصيل حاصل في كل حال. علماً أن ثمة تحفظات حتى لدى بعض الذين يشتغلون حالياً على الابعاد الثلاثة. فأحد )، 1984الخبراء في هذا المجال، الأميركي جو دانتي ("غريملينز" - يقول انه لا يحبذ فكرة أن تصوَّر كل الأفلام بهذا النظام.
لا شك أن ثلاثية البُعد، في حال طغيانها وسيطرتها على الاسواق والعقول، ستزيد من حدّة الشرخ بين السينما المهيمنة والسينما المهمشة. فهي أولاً وأخيراً فكرة ستوديوات تريد منها الاستثمار واعادة انعاش الـ"بزنس"، لا فكرة سينمائيين مؤلفين. واذا كانت هذه التقنية فاتحة آفاق عند بعض الذين نعتمد عليهم للاعلاء من شأنها جيمس كاميرون مثلاً، اذ يحسنون توظيفها في خدمة أفكارهم، فاستخدامها على نحو تسلسلي قد يولّد تسطيحاً لا عمقاً. هذه التحولات السينمائية الكبرى، تشكل أيضاً مناسبة لفتح ملف عن مكانة الصورة وكيفية التلاعب بها في زمن الرقمية والخدع البصرية والـ"بلو راي" (بديل الـ"دي في دي" الجديد) ذي النوعية الاقرب الى الكمال، وايضاً في عصر من المكننة، ميال الى الاستغناء عن الممثل الحيّ لمصلحة كائنات مصنوعة من كرتون وبيكسيل... راجين أن تبقى السينما، في نهاية جولاتها الاستكشافية في ممالك الحداثة، ملك العينين والقلب والعقل٠

هوفيك حبشيان: ناقد صحيفة »النهار« اللبنانية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Sep 19, 2009

YEAR 3. ISSUE 456| حوار حول السينما | المسافر مرّة أخرى | سينما جاك ريڤيت

هذا العدد
  • رسالة من قاريء مُلم تفتح آفاق الحديث عن ثلاثة مواضيع مهمة حول السينما
  • محمد فايق يكتب عن »المسافر« الذي لم يُسافر بعيداً٠
  • محمد رُضا عن سينما وأفلام جاك ريڤيت
  • أوراق ناقد | إحصاء



نقطة حوار | عن المشاهد مبصبصاً والممثل شريراً

[REC]

الأخ عاصم عبد الرسول هنداوي كتب رسالة تطرح مسائل بالغة الأهمية يسرّني جداً الإجابة عليها. يقول

أستاذي العزيز محمد رضا
لا تدري مدي إعجابي بك .. و لا تدري كم تعلمت من مدونتك .. فأرجو أن تتابع هذا الكفاح لإنه حق عظيم
سأقدم نفسي سريعاً .. اسمي عاصم عبد الرسول .. مصري .. عشرون عاماً .. أحب السينما جداً وأريد أن أتعلم عنها كل ما استطيع و أتمني أن أكون يوما صانع أفلام ماهرٌ
جئت اليوم لأسأل بعض الأسئلة التي تحيرني كثيرا .. و هي أقرب لتساؤلات لا ماهية لها .. اكثر من أسئلة ذات إجابات صريحة بسبب الصعوبة التي أجدها في صياغتها إلي أسئلة

أولاً : أسمعها كثيراً هنا في مصر حينما يتحدث أبطال فيلم معين عن الفيلم " الحلو في الفيلم ده أنه بيناقش قضية ... بلا بلا بلا " طبعاً أنا أعرف معظم تلك الأفلام ليست أفلام أساساً و لكن ما أريد أن أعرفه ... ما هو الفيلم الحقيقي الذي يناقش قضية ما؟ و هل هناك فرق بين فيلم يناقش قضية و ما يحيط بها و بين فيلم يطرح فرضية معينة و يعرض تفسير لوجه نظر معينة من خلال الفيلم؟
من معلوماتي الضئيلة أن من الأفلام التي تناقش قضية .. هي افلام مثل
Soderbergh's Traffic and Che .. Attenborough's Ghandi
و من الأفلام التي تعرض فرضية أو فكرة معينة .. هي أفلام مثل أفلام كرستوفر نولان و الكثير الكثير من الأفلام
حاولت أن أوضح ما يصول و يجول في خاطري .. و السؤال هل نستطيع أن نفرق بين أفلام تناقش قضية علي أرض الواقع، و أفلام تطرح فكرة إنسانية أو فرضية ما .. أم لا يوجد شيء كما أقول وفي الأول والآخر هنالك موضوع معين يتم طرحه ؟ أتمني أن اكون وضحت ما أريد قوله و أن توضح لي الفرق إن وجد

ثانياً : أري أفلام كثيرة من بلدان مختلفة و مخرجين مختلفين و ثقافات مختلفة .. وكل منهم يطرح فيلم بأسلوب مختلف عن الآخر .. ولكن هنالك شيء لا أفهمه أو بالأحرى الاحظه لكني لا أستطيع أن أسميه أو أضع يدي عليه: كيف أجد في فيلم معين أني علي مسافة من البطل و الأحداث و أني في وضعية المراقب ( و هذا لا يستدعي ان يكون الفيلم مملا أبدا على العكس) و كيف في فيلم آخر أذوب في نسيج الفيلم
في الحالة الأولي لا أستطيع أن أتذكر حالياً الا فيلم »أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان«٠
أما الحالة الثانية فهي تحتوي علي معظم الأفلام التي رأيتها و الجدير بالذكر أن هنالك احيانا صورة أقوى من التفاعل .. حدثت لي فعلاً في فيلم الرعب
Quarantine and in the spanish version [REC]
و السؤال هل هناك مسميات لتلك الأساليب المتنوعة في الإخراج و السرد و ما هي الطرق الفنية و التكنيكية التي تحدث تلك الفروقات والتي تضعني في وضع
Voyeurism as in 4 months, 3 weeks 2 days .. and makes me jump to much higher interaction like what happened in Quarantine
شهور كانت من المسببات لذلك علي العكس في فيلم " كوارينتين " .. أتمني أن تنيرني في

أعلم أن حركة الكاميرا القليلة مثلاً في فيلم »أربعة أشهر...« كانت من المسببات لذلك على العكس في فيلم كوارنتين«. أتمنى أن تنيرني في تلك المسألة و أن كان هناك قراءات تستطيع أن تفيدني فسيكون من الرائع ذكرها

ثالثاً : ( أعتذر جداً للتطويل ) يقول بعض الفنانين في مصر .. المزيفين .. الذي أكتسبوا اللقب لغياب الفنانين الحقيقين ( آسف لكني حانق جدا علي وضع الفن عموماً و السينما خصوصاً في مصر و العالم العربي شأن الكثيرين ) حينما يؤدي أحدهم دوراَ من أدوار الشر يقول الآتي بعد سيل لا ينقطع من المجاملات الرخيصة "أنا مبسوط أوي أن الناس أضايقت .. لأني الدور كان فعلاً فيه شر و لو الناس أضايقت مني فيبقي أنا أديت الدور كويس و نجحت فيه الحمد لله !!! ) أنا لم اتضايق و لو للحظة من "هانيبال ليكتور" أو الجوكر أو "تايلر ديردن" أو "روي باتي" .. علي العكس و أني أري السبب في عدم نجاح فبلم "بليد رانر" نجاحاً ساحقاَ هو قوة الخصم علي البطل هاريسون فورد هنا .. كيف لهم أن يقولوا هذا الكلام؟ّ و هل له أي أساس من الصحة ؟ في أحد المفابلات للي مارفين حينما سألوه عن بشاعة تأديته لأدوار الشر لثلاثين عام قال
"Me? I don't play bad people. I play people struggling to get through their day, doing the best they can with what life's given them. Others may think they're bad, but no, i never play bad people."
لا أحد يري نفسه سيئاً ( قرأت هذا الجزء في كتاب روبرت ماكي.. القصة ) بعد مقدمة طويلة السؤال هو ما هي الخصومة الصحيحة ؟ و ماذا يشكل الخصم الجيد ؟ و إلي أي مدي يمكن أن يكون الخصم قوي ؟ و ان كان الخصم غير بشري مثل الحال في " حالة بينجامين باتون المثيرة " كيف نستطيع صياغتة ليصبح بتلك القوة و الجمال ؟

رابعاً : و هو طلب و ليس سؤالأً .. لقد كتبت منذ مدة أن من الممكن أن تكتب سلسلة مقالات عن فن كتابة السيناريو أن وجد من يريد .. و هانذا أريد و الكثيرون غيري يريدون
سيكون من الرائع أن توجهنا للفن الصحيح

آسف جداً علي التطويل .. و أتمني أن ترد علي .. و إن لم ترد فأنا متفهم ذلك لقدر مشغولياتك و لك جزيل الشكر و أتمني يوما أن أرتقس لأكون تلميذا لك من حيث قراءة الأفلام
شكراً .. شكراً .. و شكراً

جواب | شكراً لرسالتك ولا تخشى او سواك من التطويل إذا ما كانت هناك ضرورة. رسالتك من النوع الذي يتمنّى كل ناقد حول العالم استلامها لأنها تمنحه فرصة التعليق على مسائل مهمّة في عالمه السينمائي٠

أولاً: هناك مسألتان مهمّتان يا أخ عاصم٠
الأولى أن معظم السينمائيين لا يشاهدون الأفلام. ومن منهم يشاهد الأفلام، لا يشاهدها مشاهدتنا نحن لها. بل يشاهد ما يعتبره هو مهمّاً او سمع أنه كذلك٠
ثانياً: أن معظم السينمائيين ومعظم الكاتبين في السينما يعيشون حالة بائدة عمرها 121 سنة تفرّق الأفلام على هذا الأساس٠
الحقيقة التي يمكن ضحدها أن كل فيلم مهيؤ لأن يتحدّث في قضايا بشرية اجتماعية او سياسية او إنسانية. وان معظمها يفعل ذلك. فيلم رعب عن فيروس مستقبلي قاتل يحوّل الناس الى أكلة لحوم بشر ربما كان قراءة غيبية تستخدم سينما التخويف لكن الفيلم ربما ينتقد العالم الذي نعيش فيه الذي يحمل بذور الإحتمال. فيلم دراكولا قد لا يكون عن الكونت مصاص الدماء، بل رمز للطبقة التي تمص دماء طبقة أخرى (وهذا موجود في »نوسفيراتو« لف. و. مورناو سنة 1922). وفي طيّات فيلم الخيال العلمي »باتمان« قراءة لنبذ مبدأ الإنتقام (وهو مبدأ تجده في ملخّصات معظم الأفلام التجارية)، بينما يدعو »لقاءات قريبة من النوع الثالث« للتواصل بين الحضارات عوض التصدّى لها، في حين أن فيلم بيتر هايامس »كابريكون وان « يستخدم الخيال العلمي لإدانة الخداع على الأرض الخ...٠
تقسيم الأفلام لفئة ذات قضايا وأخرى لا قضايا لها (ولذلك تسقط من الحسبان) تقسيم خاطيء كما تلمح الى ذلك بنفسك٠

4 Months, 3 Weeks and 2 Days

ثانياً: المخرج وما يصنع في هذه الحالة. هناك مخرجون يريدونك مراقباً او متلصلصاً، كما ذكرت، وآخرون يريدونك متورّطاً. في مرحلة ما اختار المخرج أسلوبه في هذا الشأن انتماءاً الى رؤيته وقناعاته. البديع أندريه تاركوفسكي كان يريدك أن تتلقّف معه أبعاداً إنسانية وحياتية تختلف فقط باختلاف الفيلم الذي يقدّمه. بذلك هو مخرج يضع نفسه في مساواة المشاهد في حوار صامت بينهما٠
هيتشكوك كان ملك اسلوب البصبصة. السينما التي تريد تحويلك الى شريك فيما يدور. لكنه كان يختلف عن أسلوب صانعي فيلمي الرعب اللذين ذكرت اختلافاً جذرياً معتبراً أن شرط البصبصة ليست استعارة عينك لتحل محل الكاميرا، بل عن طريق أصعب بكثير يتطلب اندماجك وكل عنصر آخر (بما في ذلك الكاميرا) في صلابة العمل السينمائي ككل٠
طبعاً الفرق بين المراقبة والمشاركة ليس المشكلة وفي الأمثلة التي ذكرتها أنت لا فرق الا بحدود. »4 أشهر، ثلاثة الخ....« هو يريدك شاهداً لكنه يقدم على أسلوب يجعلك مراقباً على شهادته في حين أن فيلم الرعب »المحجر« يريدك مراقباً وشاهداً لكن ليس لشهادة اجتماعية وسياسية بل لأجل تدشين عالمه المرعب في خيالك أنت٠
المخرج يختار إذاً -في البداية- ما يريده من السينما وما يريده من فيلمه وموقع الجمهور منها. لا أعتقد أن كل المخرجين سواسية في نظراتهم للجمهور. هناك من يحترم. هناك من يزدريء وهناك من يعتبرهم عملية حسابية عليه أن يبادلها المنفعة فيغدق عليها بالفن والعناصر التقنية الكبيرة لأجل كسبهم وهذا خارج عن طرح الإحترام من عدمه٠
في ذلك التأسيس المبدأي يعلم المخرج دور الكاميرا في هذا الشأن. لم يكن الفرد هيتشكوك لاهثاً كمخرجي »المحجر« او »ريكورد« او»بلير ويتش بروجكت« وعلى الرغم من ذلك أنجز بعض أفضل أفلام التشويق والرعب في التاريخ. ولم يكن ستانلي كوبريك كوميدياً، لكن بعض أفلام الكوميديات السوداء جاءت من عنده٠
في العملية الصافية لما هو سينما مما هو تقنيات، ستجد أن الغائب عن العين في الفيلم (اي فيلم) هو، إذا ما كان المخرج جيّداً، أهم وأكثر إثارة وإمتاعاً وقيمة، مما يتبدّى على الشاشة. في كل الحالات هناك كاميرا مستخدمة، لكن في الحالات الجيّدة، مستخدمة لتقرأ وفي الحالات الأخرى، مستخدمة لكي تقرأ عن المشاهد محوّلة اياه الى جزء من الوهم من دون نفع. متلقّ يعيش الفيلم بعينيه وعواطفه الحسيّة المباشرة٠
هذا هو ردّي على هذا الجزء من السؤال كما فهمته، وإذا لم يكن ردّاً صحيحاً من وجهة نظرك او مرضياً أرجو أن لا تتأخر في الكتابة اليّ بذلك مرّة أخرى على أن تكون أكثر ايضاحاً٠

لي مارڤن (مع غلوريا غراهام) في: الحرارة الكبيرة

ثالثا: يلغي الممثل الذي يقول هذا الكلام أي سبب آخر لانزعاج المشاهد منه، كما لو أنه واثق مئة في المئة من أن سبب الضيق عند المشاهد يعود الى أن الممثل أحسن تأدية دوره. بذلك ملاحظتك صحيحة. هل تضايق أحد فيما مضى من تمثيل محمود المليجي؟ كل ما يحتاجه الممثل لكي يجسّد الدور، بصرف النظر عن ماهية الدور، تجسيداً صحيحاً هو أن يستوعب بعده اللا مرئي ويأتي من دواخله بقراءته هو له٠
هنا يكمن السبب في أن بعض ممثلي الشر لا تأخذ منهم سوى ارتفاع الحاجب الأيمن وهو يقول شيئاً مثل »أنا وانت والزمن طويل«، بينما تأخذ من ممثل شر فنان نظرة صامتة تخيفك وتجعلك تصدّق أنه سيء النيّة٠
حين يتكرر النظر الى ممثل معين في أدوار شريرة تكتشف أنك لا زلت تحبّ منه هذا النوع لأنه نجح فيه والنجاح في لون معيّن ليس مشكلة او قصوراً. إنه فقط حين تتساءل عن لماذا يؤدي الممثل هذا الدور بهذه الطريقة تدرك أنه سقط في التعبير، والممثل الشرير الجيّد لا يسقط في التعبير لأنه لا يستخدم التعبير مجّانياً. أكتب وفي البال أيضاً لي مارفن في فيلم
The Big Heat
إخراج فريتز لانغ سنة 1953. نعم هو شرير حتى النخاع، لكنه شخص. إنسان. وهذا ما يلعب عليه كل ممثل وينجح إذا ما لعب عليه من دون رفع علم أحمر يريد منه لفت النظر اليه أولاً والدور ثانياً٠
الخصومة التي وردت في كتاب أستاذ السيناريو روبرت ماكي صحيحة جدّاً. ونابعة من ضرورة أن يكون للخصم شأن مواز للخصم الآخر. أيهما بطل ايهما شرير هذه المسألة تأتي لاحقاً٠

بالنسبة للطلب، سأنجز سلسلة دراسات (على غرار »النقد وفلسفة الفيلم«) تتناول السيناريو (ربما تحت إسم »السيناريو وفلسفة الفيلم) لكنها لن تكون من نوع "كيف تتقن كتابة السيناريو في سبعة أيام" مثلاً ولا هي إرشادات تعليمية، بل انعكاسات وقراءات لهذا الفن الذي هو أصعب مما يعتقد معظمنا. الفيلم بالكلمات الذي عليه سريعاً، حال إنجازه، تشكيل العمود الفقري للفيلم المرئي٠

أشكرك جدّاً لرسالتك وأهلاً بك لانضمامك وأرجو أن لا تنقطع عن الكتابة٠



نقد | المسافر: سينما بلا هوية يموّلها المصريون من جيوبهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد فايق


ينضم الناقد الزميل أحمد فايق الى أسرة "ظلال
وأشباح" الذين يكتبون لها خصيصاً او يوافقون
على إعادة نشر بعض آخر أعمالهم. كان الزميــل
حضر مهرجان فنيسيا وأرسل منها هذه المقالة
النقدية حول »المسافر« من جملة أفلام أخرى شاهدها
هناك٠


فى قاعة "دارسنا " بمهرجان فينسيا السينمائى الدولى وتحديدا فى الساعة الساعة السادسة والنصف الاربعاء الماضى وقبل عرض فيلم المسافر بنصف ساعة المشارك فى المسابقة الرسمية ، شعرت بالفخر بهذا الفيلم المصرى الذى ضاهى طوابيرجمهور "مايكل موور" و"أوليفر ستون" و"فاتح أكين" و"هيرزوج " ، لقد كان إحساسا صادقا كتبته قبل بداية فعاليات المهرجان ، تطرفت فى فرحتى وتمنيت أن أرى الناس يحملون علم مصر فى جامعة الدول العربية مثلما نفوز فى مباريات كرة القدم ، ومنذ المشهد الاول كنت مستعد نفسيا لتلقى الفيلم وتقبله بنفس الشعور ، اللقطة الاولى مع صورة فيها الكثير من الابهار تبدأ من الثلث الاخير من سفينة عملاقة ، وتتحرك الكاميرا الى الخلف لنرى نفس المنظر من شرفة قطار ، هنا قلت فى أذن الزميلة علا الشافعى "شكله فيلم حلو " ، ومع مرور الاحداث فى الفيلم توالت الصدمات ، رأيت فيه بعض الايجابيات والكثير من السلبيات ، القاعة كان بها مالايقل عن 1500 صحفى وناقد من أهم كتاب العالم فى السينما ، وبعد 15 دقيقة إنسحب الحضور واحد تلو الاخر ، ومع نهاية عرض الفيلم لم يتبقى فى الصالة أكثر من النصف ، فى لحظة تصورت أن لدى مشكلة فى التلقى ، لذا تمهلت قبل أن أكون وجهة نظر كاملة عن الفيلم
صممت على أن اشاهد الفيلم مرة أخرى قبل أن أكتب عنه ، وحتى لا أظلمه ، ولكن مع المشاهدة الثانية تأكد لدى إنه حقا "ضجيج بلا طحن " ، هناك هيئة من النقاد والصحفيين نصبوا أنفسهم محامين عن هذا الفيلم ، وتبرعوا بشن هجوم على أصحاب وجهات النظر المعارضة "ملحوظة : أحدهم لم يشاهد الفليم وينتمى إلى هيئة الدفاع من منازلهم " ، تبرعوا بإتهامات لا مبرر لها سوى أننا فى حالة يرثى لها ، هاجموا دون أن يقرأوا وجهات النظر المعارضة ، تعرضنا لعملية إرهاب مسبقة عنوانها "لو لم تكتب جيدا عن الفيلم ستكون غبيا وليس لديك قدرة على تلقى نمط مختلف من السينما " ، تجرأ بعضهم ووصف تصنيف مجلة فاريتى لافلام المهرجان بالتخلف ، حيث أعطت المجلة للفيلم أربعة درجات ونصف من عشرة ، مجلة سكرين أعطته نجمتان أى أقل من المتوسط ، و"لافانجارديا " نجمة واحدة و"البوزيتيف "نجمة واحدة و"تيليراما " ثلاث نجمات و"سيزدتيش زيتنج " نجمتان ، أما الصحف والمجلات الايطالية فكانت أكثر رحمة فأعطته إحداها نجمتان وأخرى نجمتان ونصف وصحيفتان أعطت كلا منهما نجمة واحدة ، أى أن إجمالى تقييم النقاد الايطاليين والاجانب لفيلم المسافر يترواح مابين نجمة إلى ثلاثة نجمات أى من ضعيف جدا إلى متوسط ، فى الوقت الذى حصل فيه الفيلم الاسرائيلى الفائز بالاسد الذهبى على تقييمات تراوحت بين الثلاث والخمس نجوم ووصل إجمالى تقييمه الى سبعة درجات ونصف من 10 ، وبعد إنتهاء عرض الفيلم وفى حفل العشاء الذى أقيم على شرفه إنتقد عمر الشريف مخرج الفيلم أحمد ماهر بعنف وصل الى السباب وفعل نفس الشئ مع بقية العاملين فى الفيلم ،وحينما سأله المذيع الايطالى فى الختام على السجادة الحمراء عن رأيه فى الفيلم بعدما شاهده لاول مرة قال عمر الشريف : مافيش فيلم أساسا ....!، أيضا نقاد كبار عرب كتبوا عن الفليم بشكل سلبى منهم الناقد اللبنانى محمد رضا والناقد المصرى الكبير والمقيم بلندن أمير العمرى ، إلا أن هيئة الدفاع المبجلة والتى تبرعت بشن حرب شعواء ضد من لم يتقبلوا الفيلم تبرعوا بإتهامات كثيرة لنا وللمهرجان أيضا ، وقرر بعضهم فجأة أن جائزة الاسد الذهبى ذهبت للفيلم الاسرائيلى "لبنان " بسبب ألاعيب السياسة ، ولمحوا إلى أن إستبعاد المسافر كان سياسيا ، أتفق معهم فى الجزء الاول ، خاصة أننى لم أقع فى هوى فيلم "لبنان " لانه هناك فارقا كبيرا بين فيلما جيدا واخر مصنوع بشكل هوليودى جيد ، ولكن لا مقارنة بين الفيلمان ، والاسرائيلى يتفوق ، كانت هناك أفلاما تستحق الفوز بالاسد الذهبى وليس من بينها المسافر إنما يقف فى مقدمتها "الرأسمالية قصة حب " لمايكل موور و"الحياة خلال وقت الحرب "الاميركى و"نساء بدون رجال "الالمانى ، ليس من العيب أن نقول أن فيلم المسافر به الكثير من المشاكل ، ولكن العيب الحقيقى هو إتهام الاخرين بالجهل وتسفيه أرائهم والعمل فى إطار من الشللية دون مبرر
فيلم المسافر تدور أحداثه خلال ثلاثة ليال فى حياة مواطن مصرى به الكثير من السلبية ، اليوم الاول فى بورسعيد خريف 1948 ، نرى حسن الذى يعمل موظفا فى مكتب التلغراف ، يقرأ برقية قادمة من نور الى فؤاد ، نور تحب فؤاد على الرغم من أنها لم تلتقيه سوى حينما كانوا أطفالا ، يشعر حسن بالغيرة ويقرر أن يبحث عن نور فى السفينة ، هناك يقابل القبطان الذى يتعلم منه كيف يتعامل مع السيدات ، القبطان يبدو خبيرا فى النساء ، أما نور فهى أرمنية وكانت أجمل بنت فى بورسعيد ، عاشت هناك حتى عمر ال17 ، كل رجال بورسعيد وقعوا فى غرامها ، إلا أنها سافرت ولم تعود من جديد إلا فى السفينة ، يقابل حسن نورويكذب عليها مصورا نفسه أنه فؤاد ويقع فى غرامها ، وبناء على نصيحة من القبطان بالتحلى بالشجاعة يمارس معها الجنس بشكل عنيف ، يأتى فؤاد الحقيقى ويتزوج من نور ، حسن شخص سلبى فى الحياة ولا يقوى على فعل أى شئ ، لدرجة أنه لم يعترض على زواج فؤاد من نور سوى بطلبه من فؤاد أن يخلع حلته .....!
اليوم الثانى فى الاسكندرية خريف 1973 نرى فى المشهد الاول قطار يقفز منه عسكرى ، يقابل حسن نادية إبنه نور التى ماتت منذ ستة سنوات ،
يشك حسن فى أن نادية إبنته ، وطوال اليوم الثانى يتحدث الجميع عن على الشجاع الجرئ الذى يهوى مصارعة الديوك وألقى بنفسه فى البئر ، ولكن شخصية على لا تظهر فى الاحداث ، إنما يظل هو البطل الهيرو الذى يتحدث عنه الجميع وربما يقصد به المخرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، يوصى على قبل وفاته بزواج نادية من "محمد شومان " الحشاش الذى يبدو أهبل فى اللحظات الاولى، لكنه مع مرور الاحداث داخل اليوم يتضح أنه شديد الذكاء ويتزوج من نادية رغما عنها ، وكالعادة يبدو حسن سلبيا لا يفعل شيئا وليس لديه فضولا ليرى جثة على
اليوم الثالث فى القاهرة خريف 2001 ، يظل حسن سلبيا ويقابل حفيده من نادية ويظل الكلام عن شجاعة الخال الجرئ "على" ، ويضحك حسن على حفيده مؤكدا له أنه شجاعا وحينما يدخل مشاجرة يجرى هو وحفيده هاربين وخائفين من الموت ، ولكن فجأة يصاب الحفيد بنزيف فى الانف ويذهب الى المستشفى لنكتشف أن هناك مشكلة فى أنفه التى لا تشبه أنف الجد ، يكتشف حسن أنهم جميعا ليسوا من نسله
الصورة كانت رائعة وهناك تشكيل فى الكادر وجماليات شاهدناها قبل ذلك فى كثير من الافلام كان اخرهم فيلم "باب الشمس " للمخرج يسرى نصرالله والمصور سمير بهزان ، أما شريط الصوت فكان رائعا وديكور أنسى ابو سيف أكثر جمالا ، وهذه هى الايجابيات داخل الفيلم ، اما السيناريو فكان رتيبا سيئا مملا يلعب فى مساحة بين الواقع والوجودية يقرأ الاحداث والشخصيات من خلال الزمان كاسرا وحدة الزمان والمكان الارسطية الشهيرة ، ولكن التنفيذ كان سيئا ولو قارنته بفيلم "رجال بدون نساء " للمخرجة الايرانية شيرين نشأت ، لاتضح الفارق بين الاثنان ، فيلم المخرجة الايرانية فيه الكثير من الحيوية ويستطيع أن يجذبك من البداية للنهاية على الرغم من إيقاعه البطئ ، "المسافر " لم اشعر فيه بوجود هوية بل هو تقليد للسينما الايطالية فى الستينات وتحديدا أعمال فللينى وهذا ماقاله الناقد "جاى ويسبرج " فى مجلة فاريتى بادئا مقاله بجملة "فللينى يجد مقلدا " ، والتقليد لا يصنع فيلما جيدا ، لذا حلى للبعض تسمية مخرج الفيلم أحمد ماهر بأنه فللينى السينما المصرية ، أما الحوار فكان مملا رتيبا تخرج الكلمات بصعوبة من على لسان الممثلين وبإيقاع شديد البطئ وكأنه يريد أن يقول ان حسن يولد فى الفيلم ويتطور بداخله، أداء الممثلين كان فيه الكثير من رتابة المخرج ، وهذا خطأ مزدوج بين المخرج أحمد ماهر وبين خالد النبوى تحديدا لان خالد أصبح يمتلك من الخبرة مايجعله يقف أمام المخرج رافضا أن يتحول للعبة فى يديه دون وجهة نظر ، وهو الفخ الذى خرج منه عمر الشريف ومحمد شومان ووقع فيه خالد النبوى وعمرو واكد ، أما سيرين عبد النور فكانت أسوأ من يؤدى دور "نور " لاننى لم أشعر بها طوال الاحداث أما شريف رمزى فقد كان مقبولا فى دور الحفيد واستفاد كثيرا من إيقاع عمر الشريف كممثل ، لقد بدا لى هذا الفيلم باردا بليدا ، وكأنك تقدم هدية رثة مغلفة بعلبة فخمة "الصورة " بها رائحة من أثمن العطور الفرنسية "الصوت " معمار داخلى جيد "الديكور " تصدح بأفضل أنواع الموسيقى "الموسيقى التصويرية لفتحى سلامة


ضوء على | أفلام وسينما جاك ريڤيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

جاك ريڤيت يعود بفيلم آخر عن الفن والحياة سيرة مخرج يرى فن السينما إبن المسرح



أحد الأفلام التي مرّت مرور الكرام في الدورة المنتهية من مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي هو
36 voes du Pic Saint-Loup
ويقود بطولته كل من سيرجيو كاستليتّو وأندريه ماركو وجين بيركن. وهو الفيلم رقم الثاني والثلاثين بين أفلام المخرج المخضرم البالغ من العمر حالياً 81 سنة. ريڤيت وألان رينيه (87 سنة) وإريك رومير (89 سنة) هم أكبر من لا يزال يتنفّس سينما في فرنسا ويحقق أفلاماً الى اليوم٠
فيلم ألان رينيه الأخير "عشب برّي" شهد عرضه العالمي الأول في "كان" هذا العام، وفيلم جاك ريڤيت الجديد هذا سيشهد عرضه العالمي الأول في الدورة الجديدة المقبلة من مهرجان ڤنيسيا الإيطالي٠

جاك ريڤيت أحد أصحاب الموجة الفرنسية الجديدة التي انبثقت في الخمسينات والتي كان قوامها مجموعة من المخرجين الطامين لتغيير الطريقة التي تسرد فيها الأفلام الفرنسية حكاياتها ومواضيع تلك الحكايات الى حد بعيد. كان زميلاً لجان- لوك غودار وكلود شابرول وإريك رومير وفرنسوا تروفو، لكن شيئاً ما حدث بعد ذلك بوقت قصير: كل واحد من هؤلاء حقق شهرة قاطبة باستثناء ريڤيت

مثل المذكورين هنا، كان ريڤيت ناقداً سينمائياً مولعاً بالأفلام حين بدأ الكتابة في المجلة التي خرّجت كل هؤلاء كاييه دو سينما. قبل ذلك كان وُلد في سنة 1928في مدينة رووَن وانتقل الى باريس حيث كتب النقد السينمائي في مجلة »غازيت دو سينما« التي كان يديرها إربك رومير. حين أخذ يحقق أفلامه الأولى من العام 1960 أبدى ميلا واضحاً نحو التجريبية كما لم يفعل أي من أترابه الى حين أخذ جان-لوك غودار، وفي أسلوبه ومنحاه الخاصّين، بتحقيق تلك الأفلام ذات الهوية التجريبية بدورها٠

في تلك الأثناء، كان نقاد السينما الفرنسية الأكثر شهرة (والأقل ميولاً للتغيير) يعتبرون أن السينما الفرنسية هي سينما النوعية، أما الأميركية فهي سينما الترفيه والهزل والحركة. ريڤيت كان من الذين سعوا لتبديل هذه النظرة: هناك أفلام أميركية كثيرة للترفيه والهزل والحركة، لكن ضمن هذه الأفلام هناك عدداً كبيراً من الإنتاجات الجيّدة منفّذة بأساليب فنية صارمة. في نطاق كتاباته عن هذا الموضوع كشف، وزملاءه، عن الخصائص الفنية المهمة لدى نيكولاس راي وهوارد هوكس وجون فورد (في حين اتجه كلود شابرول وفرنسوا تروفو صوب تأكيد أهمية ألفرد هيتشكوك)٠

Paris nous Appartient

تمارين شكسبيرية
ما بين العام 1958 والعام 1960 وقعت نقلة نوعية للسينما الفرنسية حين أقدم أربعة من نقاد فرنسا على تحقيق أولى أفلامهم. الباديء كان كلود شابرول الذي أخرج »سيرج الجميل« سنة 1958، تبعه ريڤيت بفيلمه
Paris nous Appartient
ثم فرنسوا تروفو بـ »النفخات الأربعمئة« سنة 1959 وبعد ذلك أقدم جان-لوك غودار على إخراج فيلمه الأول »نفس لاهث«. لكن فيلم ريڤيت وصل آخراً الى دور العرض لأنه لم يستطع تكملة فيلمه ذاك لعدم وجود التمويل الكافي ٠
النظر الى »باريس تنتمي لنا« اليوم يفي بشروط العمل الذي يحيا لسنوات بعد إنجازه. في الأساس هو مشاهد بلا حبكة تقليدية حول فريق من الممثلين المسرحيين يتمرّنون على مسرحية وليام شكسبير »برسيليس«٠
التمارين ليست سوى تبرير المخرج لوضع الحياة الباريسية تحت المجهر في تلك الفترة الزمنية المحددة، لكن التحديد هو ضمن الفيلم، ما يتجاوزه هو أن الحياة التي يرصدها هي حياة قلقة ومخيفة وتحمل نظرة غير إجتماعية للعالم بأسره ما يجعل الفيلم اليوم يبدو كما لو كان تعليقاً على أيامنا هذه. لا عجب أن المخرج اهتم بالفضاء والمسافات وما قد يحمله تصميمَي المناظر والتصوير من رمزيات ما حدا بنقاد ذلك الحين الى اعتبار عمله لغزياً ويحمل قدراً من البارانويا. وهذا أمر لا يخفيه المخرج بل على العكس لاحقاً ما عمل عليه أكثر من مرّة. لأن ما خطّه بالطبشور في فيلمه الأول تحوّل الى كتابة واثقة في الأفلام اللاحقة مثل
L'Amour fou و Celine et Julie Vont en Bateau
La Bande des Quatre و
والجامع بين هذه الأفلام الثلاثة التي تمتد من أواخر الستينات الى أواخر الثمانينات، وبين أفلام أخرى له هو الشغل على المعالجات المسرحية، ليس إدائياً ولا ديكوراتياً بل على أساس أن كل شيء يحدث في هذا العالم يمكن له أن يحدث في بؤرة مصغّرة بين إثنين من الممثلين٠

بداية الشغل على التعقيد

والبؤرة المصغّرة كانت قادرة من فيلمه الأول وما بعد، لأن تجعل المشاهد يعيش ترقّباً ثقافياً إذا جاز التعبير. فأعماله لا تتحدّث عن البارانويا ونظرية المؤامرة والخطر المحدق من خلال أحداث ومفارقات تفرز هذه الطروحات على شكل مشاهد او حوارات، بل تنقلها كما لو كانت ترداداً لصدى منتشر داخل وخارج الصالة. أيام ذاك، لابد من القول، كان خطر الحرب النووية سائداً وأحد مخاوف المخرج المترجمة الى الشاشة عن طريق تلك الطروحات هو وقوع تلك الحرب وما سيؤول اليه المجتمع إذا ما حدث ذلك. وهذا موقف سياسي سريعاً ما أكّده حين ترأس تحرير مجلة »كاييه دو سينما« (1963-1965) بديلا لزميله إريك رومير الأرق حاشية. ثم عاد الى الإخراج ليقدّم فيلمه الثاني »الآثار المقدّسة« عن رواية لدنيس ديديرو ناصباً في البطولة أنا كارينا، الممثلة التي كانت زوجة زميله جان-لوك غودار آنذاك٠
الفيلم أثار الكنيسة الكاثوليكية ودفع الحكومة الديغولية الى منعه (يُقال أنها وجدت نفسها مُنتقدة) لكن المشكلة المثيرة للإهتمام هي أن هذا الفيلم هو أقل أفلام ريڤيت أهمية من حيث أسلوب العمل والإبداع. أكثر من ذلك، هو فيلم معمول على مسطرة السينما التقليدية في الأربعينات . إنه كما لو أن المخرج أراد النيل من التقاليد والمسلّمات الإجتماعية بطرحها عبر أسلوب كلاسيكي شبيه بأفلام جان بوييه وكلود أوتان-لارا (الذي واصل تحقيق أفلامه الى السبعينات وشوهد العديد منها في بيروت قبل الحرب) وروبير فرناي وسواهم٠

بعد ذلك، عاد ريڤيت الى منواله وحافظ عليه. في »باريس تنتمي لنا" بداية شغله على »تعقيد« النظرة الى الفيلم موغلاً بأسلوبه الخاص في تأسيس علاقة جديدة بين السينما والمسرح. هذه العلاقة بدأت هنا وتطوّرت في أعماله اللاحقة. في فيلمه الثالث
L'amur fou غبي حب
نراه يلاحق منتجاً وممثلة يستعدّان لتقديم مسرحية »أندروماك« لجان راسين (كانت ثالث أعماله المسرحية كتبها وهو في سن السابعة والعشرين وتم تقديمها لأول مرة في السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1667). كون المنتج والممثلة متزوّجان لن يغيّر في طبيعة العلاقة الفنية شيئاً، لكن ريڤيت يستخدم العلاقة الخاصّة لمد خط متواز مع القصّة، ولكي يفعل ذلك جعلهما موضوع فيلم تسجيلي يقوم بتصويره (فيلم داخل فيلم) فريق آخر. بذلك صار لدينا جهتان نتعامل معهما وثلاث اهتمامات: بولي أوغيير في دور الممثلة كلير وجان- بير كالفون في دور المنتج سيباستيان وهما يتحدّثان مسرح وفن، ثم هما كزوجين موضوع فيلم تسجيلي، و، ثالثاً، الفيلم التسجيلي و ريڤيت هنا أصر على جلب فريق عمل منفصل لتصوير الفيلم داخل الفيلم إمعاناً في واقعية الأمور وابتعاداً عن الحاجة لسرد درامي يتعلّق بالجانب الثالث

تركيبة صعبة لكن الحكاية لا تخلو من مواقع مثيرة للإهتمام، لأن المخرج يدرك أنه في النهاية عليه استحواذ قصّة درامية من خلال تركيبته الأسلوبية الصعبة، وهو يفعل ذلك عن طريق التطرّق الى موضوع سنراه مؤثَراً
لديه وهو هشاشة العلاقات الإنسانية حتى بين زوجين تعاضدتا عن حب٠ ففي طيّات أيام من التمارين والإستعدادات وقيام فريق عمل بتصوير الفيلم (والمخرج ريڤيت ينتقل من الـ 35 مم الى 16مم إمعاناً في التفرقة بين الفيلمين) يصطدم المنتج بعقبة التمويل ويؤثر إخفاقه والضغط الذي تعرّضت اليه الممثلة لإنجاز دورها الى تهاوي العلاقة بينهما٠
التأسيس المسرحي في السينما استمر في أفلام ريڤيت المتلاحقة كما "سيلين وجولي يبحران بالمركب« او
Celine et Julie vont en Bateau تحديداً
Out One: Noli me Tangere و"المخلص" وفيلميه المعنونين
Out One: Spectre و
سنة 1971 و1972 على التوالي (الثاني نسخة موجزة م الأول الذي وصلت مدّته الى ثلاثة عشر ساعة)٠
قلت التأسيس المسرحي في السينما لكن ربما فضّل المخرج القول: التأسيس السينمائي في المسرح، فهو صاحب قول يدعو للتمعّن (والنقاش) وهو أن "كل الأفلام عن المسرح"٠
ماذا عن فيلم مثل »المواطن كاين« لأورسن وَلز او »سايكو« لهيتشكوك او حتى »سارق الدرّاجة« لدي سيكا؟
يتشبّث ريڤيت: " كل الأفلام عن المسرح"٠
التعبير هنا يختلف عن القول" "أصل السينما مسرح" او حتى عن "كل السينما مسرح"، فهو يحدّد النتائج التي يفرزها في السينما ونعرفها نحن بكلمة "أفلام" مع ما تحمله من أساليب في العرض والتأليف والتصوير واستخدام الزمان والمكان الخ...٠

ثلاثة عشر
من دون أن نحيد عن موضوعنا الأساسي (ولا أرى كيف يمكن لنا ذلك إذا ما كان هذا الطرح من صلب سينما ريڤيت) فإن ما يقوله متردد في كتابات الناقد والمؤرخ أندريه بازان في مقالته المعنونة "المسرح والسينما"٠


La Belle noiseuse

بالنسبة لبازان "المسرح موجود بفضل جانبه العكسي وغيابه عن كل شيء وراء ذلك. مثل اللوحة هي موجودة بفضل إطارها"٠
الجانب العكسي هو الخشبة والأقمشة والمسامير التي تمكّن المسرحية من أن تتجسّد في حياة- لكن ما عدا ذلك فهي "منفصلة عن الحياة تماما" كما يقول بازان مضيفاً "وهي بذلك منفصلة عن السينما"٠
هذا المفهوم يجعل من السينما التي تتحلّى بالقدرة على الحركة متعاملة مع شؤون الحياة بحرية بلا إطار لوحات ولا خشبة مسرح، ما يعمل ضد مفهوم كلا من بازان و ريڤيت الا إذا ما أعاد المخرج السينما الى التعامل المسرحي مؤسساً كل شيء، من أسلوب عرضه وسرده الى موضوعه ليدور حول المسرح وهذا يخدم، في الوقت ذاته، مسألة أن الشخصيات المحدودة تستطيع، كما الحال في المسرح، احتواء كل العالم عن طريق مشاغلها وهمومها وحواراتها٠
والمكان لا يجب أن يكون مغلقاً عند ريڤيت لكي ينقلنا الى المسرح وشروطه او مفهومه لديه. في »آوت وان" اقتباس عن رواية بلزاك يدور حول ثلاثة عشر شخصية تعيش في باريس وإثنان منهم (معظم الباقين لن يتعارفوا) وهما جان-بيير ليو (الذي كان وجهاً مألوفاً في أفلام تروفو) وجولييت برتو، يتعاونان لمواجهة ما اعتبراه مؤامرة يصيغها المجتمع لإبقاء الصلات والعلاقات مقطوعة بين البشر٠ هذا الفيلم، والنسخة المصغّرة منه التي بفضل مونتاج المخرج لها بدت فيلماً جديداً، توّج المخرج كصاحب نظرية مؤامرة تختلف عن النظريات الممارسة في أفلام السبعينات الأميركية (مثل "بارالاكس فيو« لألان ج. باكولا و»ثلاثة أيام من الكوندور« لسيدني بولاك و»المحادثة« لفرنسيس فورد كوبولا) في أنها لا تكترث لكشف اللغز وتحديد المصدر او الإجابة علي الأسئلة لأن أيا من هذه المحاولات هو تحويل الفيلم »الريفيتي« الى مجرد قصّة تدخل وتخرج منها بحريّة كما لو كانت تجربة تستعيد فيها حريّتك بمجرد أن يطمئنك الفيلم الى الحلول او يحدد لك المسؤوليات٠
لكن »آوت وان« مهم لأسباب أخرى بعضها يتقاطع مع بعض. في البداية خمسة أجساد صغيرة . ثابتة. معلّقة بلا حياة ظاهرة (ولو أننا ندرك لاحقاً إنها حيّة) بشكل مقلوب. إنها لخمسة شخصيات مجمّدة ندرك حين تتضّح الرؤية أنهم ممثلون في التدريب. لكن المعنى المعمّق لمدخل الفيلم يتعلّق، مسرحياً أيضاً، بولادة كل منهم الى هذه الحياة. الخطوات التي أدّت الى الحياة ربما ليست طبيعية، بل ربما كان هؤلاء من الثلاثة عشر فرداً الذين تم صنعهم وإطلاقهم في الحياة الباريسية لكي تتابعهم كاميرا الفيلم وتسبر غور علاقاتهم المختلفة٠
بالنسبة لمخرج دائماً ما يكترث لتحديد هويّات شخصياته، فإنه من الغريب أن يعمد هنا الى ترك تلك الهويّات مفتوحة ولو أنها شخصيات تحتوي على العمق المُتاح في كل أفلامه الأخرى. عدم تحديد هويّاتها مناسب من حيث أنه إذا لم تكن مخلوقات إنسانية فعلاً، فإن هويّاتها ليست ذات أهميّة، وربما لا يمكن تكوينها. ما يمكن تكوينه ونراه في ساعات الفيلم اللاحقة، هو مصائرها

حركة الريشة
في الثمانينات أنجز عدداً من الأفلام المهمّة الأخرى من بينها نسخته من رواية إميلي برونتي »مرتفعات ويذرنغ« و»جسر الشمال« و»حب الأرض«. وأحد أهم أفلام تلك الفترة »عصبة الأربعة« او
Bande des quatre
الذي ينطلق من تقديم أربعة ممثلين مسرحيين يظهر لهم رجل غامض ليخبر كل منهم أن صديقاً له في خطر. إذاً: أربعة ممثلين وأربعة أصدقاء لهم وأربعة حالات فيما يبدو أكثر أفلام المخرج اقتراباً من طرح »أوت وان« الشكلي على الأقل٠
في هذا الفيلم يتبيّن لنا المزيد عن السبب الذي وجد النقاد الفرنسيون (ثم سواهم) أن ريفيت مخرج أفلام ألغاز من دون ولوج الترجمة البوليسية للكلمة. مثل الحالات السابقة، فإن الألغاز تزداد هنا لكن المخرج سوف لن يكشفها من باب أنه لو فعل لتنازل عن حسّه المألوف بأن العالم مقبوض عليه من قوى تتآمر على من فيه٠ لكن عدم الكشف هذا، ونسبة لحذق المخرج في إدارة هذه الشخصيات على نحو يعوّض مسألة السرد التقليدي للحكاية، فإن المرء على استعداد ليقبل البارانويا التي يوردها المخرج ويمنحها ما تستحقه من إمعان وتفكير٠
La Belle noiseuse باشر ريڤيت فترة التسعينات بفيلم
والعنوان هو إسم لوحة فرنهوفر الشهيرة وفي دوره ميشيل بيكولي مع جين بيركن وامانويل بيارت. ومشاهدة الفيلم اليوم مثيرة كما كانت بالأمس. الفيلم مؤلف من نحو أربع ساعات وكان يمكن أن يكون من ساعتين جيّدتين، لولا أن المخرج يختار أن يمضي دقائق إضافية في كل مرّة يصوّر فيها مشهد قيام فرنهوفر برسم موضوعه متابعاً حركة الريشة وتأليف اللوحة مرحلة وراء أخرى. الموضوع بالطبع هي الشابة بيارت التي تعرّف عليها فرنهوفر في فترة بدا كما لو أن الوحي الفني غادره، فإذا بها تصبح ملهمته. إذ يسبر المخرج دقائق الرسّام مع موضوعه ذاك وبذات التقنيات الفنية، لا يفوته استعراض الغيرة التي تشعر بها زوجته (بيركن) من تلك العلاقة التي لا تعرف ما إذا كانت ستنتهي بعد انتهاء زوجها من اللوحة او أنها ستستمر٠

أفلام جاك ريڤيت لم تكن كلها متساوية الصفات ومتآخية العناصر كما لو كانت مصنوعة بجهاز اصطناعي لا يخطيء. بعضها أفضل من بعض لكن فقط في نطاق الدرجة التي يسمح فيها الموضوع للمخرج بإبداع إضافي. بكلمات أخرى، أعماله التي شاهدت (12 من أصل 28) مبدعة لكن بعضها أفضل من بعضها الآخر في هذا المجال٠
وهذا ما تؤكده كذلك الدراسات المنشورة عنه- إذ قلّما تجد أن الناقد المعيّن أعجب على نحو متساو بكل أفلامه، لكن معظمهم أعجب بأفلامه

من يعلم؟

هل اختلف شيء من ريڤيت في مطلعه و ريڤيت اليوم؟
نعم. اختلف الجمهور الذي واكب مرحلة السينما الفرنسية البديلة التي سُمّيت -عن حق- بـ "الموجة الجديدة". هذا الجمهور (نقاداً ونظّارة) أبدي إرتياباً حين قدّم المخرج الفرنسي فيلمه "من يعلم؟" في مطلع الألفية الجديدة. لكن الفيلم، لي على الأقل، هو رائعة أخرى من العلاقات الإنسانية في بيئة فنيّة أقل ما يمكن أن يُقال فيها أنها راقية (كشأن أفضل أفلامه): ستة شخصيات من الممثلين المسرحيين يعملون على نقل مسرحية للويجي بيرانديللو، القاص الإيطالي الذي نال جائزة نوبل للأدب سنة 1934، عامين فقط قبل وفاته، وفي الوقت ذاته يحاولون تصريف مشاعرهم العاطفية كل تجاه الآخر: بطلة الفيلم الرئيسية كاميل (جين باليبار) التي عادت الى باريس بعد ثلاث سنوات من الغياب لتكون لجانب زوجها (سيرجيو كاستيتللو) الذي سيخرج هذه المسرحية، التي تضم صديقها/ عشيقها السابق (جاك بونافي) المتزوّج حاليا من الممثلة صونيا التي تخونه مع الممثل آرثر (برونو تودوشيني) وعلى كاميل أن تحافظ على وضعها في هذه الشبكة التي تضم شخصيات أخرى لكنها تتمحور حول من ذكرت مع خيوط لا تخلو من الكوميديا العبثية خصوصاً حين يعمد آرثر الى سرقة عشيقته التي تطلب مساعدة كاميل التي تحاول تجنّب محاولات بيير الإيقاع بها في حبائله من جديد٠
وودي ألن يعرف هذا النوع من الأفلام، إذ دائماً ما يمارس قصص حب مع علاقات نطناطة، لكن فقط ريڤيت يمنحها جوهراً مختلفاً بعيداً عن الميلودراما وقريباً جدّاً من الحياة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Sep 13, 2009

Year 3. Issue 455| جوائز مهرجان فنيسيا | المسافر : قراءة مفصّلة | أوراق ناقد

16.09.09


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسفار

مررت بلندن قبل توجهي الى لوس أنجيليس (ومنها الى توسون) عر طريق باريس. ووجدت نفسي لا زلت أحب السفر خصوصاً حين يكون ذلك مرتبطاً بمهرجان ما. ولا أذكر سوى مرّات قليلة في حياتي، وقد سافرت مئات المرّات منذ أن كنت في السابعة عشر من عمري او نحوها، أني سافرت للسياحة او العطلة سوى مرّتين: مرّة كنت أبحث عن ملجأ هرباً من بيروت فبقيت في أثينا لشهرين ومرّة حين وجدت نفسي في قرية فرنسية منزوية وصغيرة استحملتها أربعة أيام فقط٠
ومرّة ثالثة في مطلع هذا العام حين ذهبت وزوجتي الى مرتفعات سيدونا في شمالي ولاية أريزونا حيث خلق الله جمالاً فوق جمال تشعر حياله بالرهبة٠

في لندن بحثت عن فيلم ايليا سليمان ولم أجد لكني التقطت »ضد المسيح« (الصورة) الذي سأكتب عنه في العدد المقبل من »فيلم ريدر« لجانب مهمّة نقد موجز لأكثر من ثلاثين فيلم شاهدتها في مهرجان فنيسيا. وكنت حاولت القيام بإحصاء مع بعض الزملاء لمعرفة ما هي أفضل خمسة أفلام شاهدها كل منهم لنشرها هنا، لكن الوحيد الذي وجدته أمامي، حين جاء موعد تسليم القوائم، لم يكن سوى الزميل يوسف شريف رزق الله، أما الباقون فكانوا لا يزالون ينتقلون من صالة الى أخرى. المهرجان، أي مهرجان، فرصة رائعة لرؤية العالم يفكّر ويستعرض او يثرثر٠
بالمناسبة، تغيب هذه الصفحة الى يوم الإثنين المقبل إن شاء الله بسبب عيد الفطر أعاده الله عليكم جميعاً بالخير يا رب٠
.......................................................................
لديك بريد

قاريء مجهول لم يشأ ذكر إسمه كتب رسالة ذكية يقول فيها

لم أشاهد بالطبع فيلم »المسافر« ولكن من الوصف الذي تذكره حضرتك في مشهد الجياد أستطيع أن أستذكر أخا له في فيلم التشويق والرعب (والمملوء بالجماليات رغم ذلك) الخاتم أو ذي رينج.. تذكر معي وقوف البطلة نعومي واتس على ظهر سفينة تقل جوادا واحدا وهو إذ تقترب يستشعر شؤم حضورها ويقفز من السفينة إلى الماء

جواب | حال قراءتي رسالتك تذكّرت، وكنت حين كتبت مراجعتي لفيلم »المسافر« أمضيت نحو دقيقة او دقيقتين أفكر فيما إذا كنت شاهدت مشهداً مماثلاً دون أن يكون لدي الوقت الكافي لكي أتأكد. ولعل ما ساعد في بعدي عن الصواب في هذه النقطة هو أني حين فكرت في الموضوع وجدت نفسي أبحث عن صور في البال من أفكار روسية وليس أميركية. كلامك صحيح، هناك ذلك المشهد الذي يرمي الحصان نفسه في الماء هرباً والآن بات عليّ مشاهدة الأصل الياباني لأعرف ما إذا كان المشهد ذاته موجود في نسخة 1998 التي أخرجها هايديو ناكاتا٠ شكراً للملاحظة٠

والصديق عبد الرحمن عيتاني كتب
تابعت مقالاتك من فنيسيا وأهنئك على ما بذلته من جهد في سبيل تغطية هي حقاً مختلفة ولابد أن الجهد كان كبيراً. وضعتنا هذه التغطية اليومية في قلب الحديث بالفعل. شكراً

جواب | واستمتعت جداً وأنا أفعل ذلك٠

ومن محمد بلخير
قرأت في العدد الجديد هذا خبراً قصيراً عن المخرج محمد الدراجي حول محاولته تأمين 150 ألف يورو لقاء بيع حقوق فيلمه الى مهرجانين عربيين. وعندي لك أستاذ محمد عدد من الاسئلة حول هذا الموضوع: ما الضرر في أن يبيع مخرج حقوق فيلمه الى مهرجان أو أكثر طالما أن هذا يؤمن له باب رزق مع العلم أن الأبواب موصدة في وجه المخرجين الجادين؟ ثانياً: أي مهرجانين تقصد؟ هل تقصد دبي وأبو ظبي؟ ثالثاً: لماذا حذفت المادة فلم تعد موجودة؟
ويختم
أريد أن أحيي تغطيتك لمهرجان البندقية لأنها كانت تغطية شاملة ومفيدة. شكراً وعذراً (على) التطويل وكثرة الاسئلة

جواب | الموضوع كان لفت نظر وبحاجة الى مزيد من التحقيق لذلك حذفته استراتيجياً، لكن المبدأ هو التالي: مثل هذه المبادرة إذا انتشرت، وهي الآن ستنتشر، ستضر ولن تنفع لأن كل مخرج لديه فيلماً يريد عرضه لمهرجان سيرفع يافطة تشبه يافطات الدكاكين المعروضة للأجار تقول: أدفع وخذ الفيلم لمهرجانك والمهرجانات في سبيل استحواذ برمييرات عربية ستفعل ذلك وسنجد أن السوق اتسع واضطرب وإذا بمهرجانات لا تدفع (مثل القاهرة ودمشق) ليس لديها ما تعرضه من أفلام جديدة. أعتقد أن هذا البزنس خطأ بصرف النظر عن المخرج (وأنا لا أعرف محمد الدارجي كثيراً) وبصرف النظر عن الفيلم٠ سأعود للموضوع في شكل واسع بعد فترة وجيزة٠ وشكرا للتحية٠

شكراً للأخ عمر منجونة وللأخت سمر على تحياتهما أيضاً

...........................................................................
الوداع الطويل

رحل الممثل باتريك سوايزي عن 57 عاماً و39 فيلماً ما بين 1979 حين لعب دوراً صغيراً في
Skatetown, USA
وبين فيلم شارك في أدواره الرئيسية لجانب جسيكا بيل وفورست ويتيكر وراي ليوتا بعنوان
Powder Blue
توجّه الي سوق الدي في دي مباشرة من مطلع صيف هذا العام٠ كان مثيراً للإهتمام تبعاً للفيلم الذي يشترك فيه وليس لأنه ممثل جيّد بالضرورة. برع في
The Outsiders
لفرنسيس فورد كوبولا (1983) حين شارك وجوهاً جديداً بطولة ذلك الفيلم الممتاز من بينهم س توماس هاول ومات ديلون ورالف ماكيو وروب لاو وإميليو استيفيز وحتى توم كروز ودايان لاين٠ ثم توجّه باتريك الى افلام الأكشن فظهر في
Red Dawn
Uncommon Valor الذي سيعاد إنتاجه قريباً وفي
Grandview, USA ثم لجأ الى الدراما في
Dirty Dancing ثم برع في الرقص في فيلم رديء هو
قبل أن يتحوّل الى شبح في »شبح« أحد أسوأ إنتاجات ستيفن سبيلبرغ (أخرجه ديفيد زوكر)٠
Steel Dawn, Road House, Next of Kin
Point Break و
عاد الى جادّة أفلام القوّة والأكشن ثم نوّع أكثر لاحقاً٠
قابلته مرّة واحدة حيث تحدّث عن عودته الى الأضواء التي كانت انحسرت عنه قبل نهاية تسعينات القرن الماضي وحتى مطلع العقد الحالي٠



أوراق فينسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوائز مهرجان فنيسيا: الغلط والمغلوط


كان على رئيس لجنة التحكيم المخرج الأميركي ذي الأصل الصيني آنغ لي، وهو مخرج محنّك لديه أفلاماً جيّدة في أكثر من نوع من بينها فيلم حربي بعنوان
Ride with the Devil
سنة 1999، أن يعلم أن الفارق بين الفيلم الجيّد والفيلم المنفّذ جيّداً هو فارق كبير وبالتالي فإن الفيلم الذي يرفع عنوان »لبنان« ليقتات عليه، وهو الفيلم الإسرائيلي المشترك في المسابقة لسامويل عاموز، هو تنفيذ جيّد من حيث وضع الكاميرا في مكان مغلق وهات يا تصوير. لكن ما يمنح الفيلم، أي فيلم، فنيّته، هو الرؤيا الأصعب تنفيذاً والتي لا علاقة لها بما إذا كانت الكاميرا محبوسة بين أربع جدران او طليقة، بل بكيف تترجم المادة التي لديك الى فن وبلاغة في التعبير. في هذا الحقل فإن الفيلم الإسرائيلي »لبنان« الذي فاز بذهبية الدورة السادسة والستين، ليس فيلماً فنيّاً على الإطلاق٠
ما يبدو محتملاً أن لجنة التحكيم بُهرت بفرادة الموضوع وطريقة التنفيذ كما فعل العديد من النقاد الغربيين والإيطاليين على وجه التحديد. لكن هذا الإبهار خطف الأنظار بعيداً عن الفيلم الأميركي »الحياة خلال الحرب« لتد سولونز والفيلم الأميركي التسجيلي »الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور والدراما الألمانية »مطبخ روحي« لفاتح أكين، كما من الفيلم النمساوي »لوردز« لجسيكا هاوزنر وكلّها نالت ذات الإستحسان الكبير بين النقاد العالميين٠
لم يكن لدى هذا الناقد شك حال انتهى عرض »لبنان« في حفلته الأولى وسط تصفيق وتحية وقوف طويلة، أن الفيلم إنما ضرب عصباً بين النقاد الغربيين وأن ذات العصب قد يصيبه حين يعرض أمره في جلسات لجنة التحكيم، وهكذا كان. فاللجنة، حسب ما تسلل من اجتماعها الأخيرة واجهت صعوبة في الوصول الى كيفية توزيع الجوائز وكان هناك جدال حتى على كل الأفلام والشخصيات التي فازت٠
بعض الإعجاب الكبير بالفيلم راجع الى قراءة مغلوطة في طابعه السياسي اذ اعتبر كثيرون من النقاد الغربيين أن الفيلم إنما يعادي الحرب وكونه عملاً إسرائيلياً فإن ذلك يعني إنه يعارض الحرب الإسرائيلية وينتقد عسكرها. لكن الحقيقة أنه لا يعارض شيئاً، بل يتحدّث عن الأزمة النفسية التي عانى منها أربعة جنود داخل دبّابة وليس كل فيلم عن معاناة جندي او أكثر هو فيلم ضد الحرب. على العكس هو ضد الآخرين في تلك الحرب ويخلو تماماً من كل تحليل سياسي٠
وإذا ما أراد المخرج، كما يقولون هنا، نقل الخوف الذي اعترى الجنود الإسرائيليين داخل الدبّابة، فإن الخطوة التالية لترجمة ذلك هو التساؤل حول السبب الذي دفع اسرائيل لغزو لبنان العام 1982. والغالب أنه مريح للأفئدة الغربية أن يكون الفيلم على ما هو عليه بعيداً عن طرح نقاش حول السياسة الإسرائيلية، وهذا سبب آخر لفوزه علماً بأن الفيلم ذاته يحقق ما تحاول السينما الإسرائيلية ذاتها تحقيقه في مهرجان تورنتو من خلال الإحتفاء بمدينة تل أبيب في السينما وهو استعادة أرض إعلامية فقدتها بسبب أفلام فلسطينية وفّرت للمشاهد الغربي رؤية مختلفة ومتناقضة لذلك الكيان العنصري، وبسبب شهر المذابح التي قامت بها في غزّة قبل أشهر قليلة٠

الجوائز الأخرى

جائزة أفضل إخراج ذهبت للمخجة الإيرانية شيرين نزهت التي ربحت الفضيّة عن فيلمها الأول »نساء بلا رجال« وتستحق هذه الجائزة بلا ريب: أربع نساء في خضم أحداث 1953 ووسط متاعب كل منهن مع مجتمع تسيطر عليه علاقات جافّة وتقاليد صارمة٠
الفيلم الأميركي »الحياة خلال الحرب« (وهو لا علاقة فعلية له بالحرب) لتود سولنتز نال جائزة أفضل سيناريو وهو يستحق ذلك ولو أن السيناريو يحمل في طيّاته ذلك القدر من التكرار في المواقف الذي سيبقي بعضنا بعيداً عن تقدير الفيلم حق قدره٠
وجائزة أفضل ممثل نالها البريطاني كولين فيرث عن دوره في دراما حول رجل مثلي يفتقد شريكه ويزمع الإنتحار لولا أن محيطاً جديداً من الشخصيات يمنحه الأمل. الفيلم هو
A Single Man
للمخرج الجديد توم فورد٠
أما مثيل هذه الجائزة نسائياً فكانت من نصيب الروسية كسينيا رابوبوت عن دورها في »الساعة المزدوجة« وهو فيلم إيطالي للمخرج جيزيبي كابوتوندي. ونال المخرج الألماني (ذي الأصل التركي) فاتح أكين جائزة لجنة التحكيم عن عمله الجديد (الروائي الثالث) »مطبخ روحي«٠
أكين وسولوندز مخرجان جديدان لكن الجوائز، بما فيها الأولى، من نصيب مخرجين لأول مرّة ما يمنح الجوائز طابعاً خاصّاً كونه استبعد مخرجين تداولوا السينما مراراً وتكراراً ومنهم مايكل مور عن »الرأسمالية: قصّة حب« وبياتريس شيو عن »اضطهاد« وجاك ريفيت عن »حول الجبل الصغير« وجوزيبي تورناتوري »باريا« الذي افتتح المهرجان وخسر معركته من حينها٠


حدث ذات مسافر
1

توالت الأحداث هنا على نحو متسارع مع اقتراب المهرجان لنهايته
ومحورها، بالنسبة للسينما المصرية على الأقل، هو فيلم »المسافر« لأحمد ماهر الذي سبق لي وأن لمسته من الخارج بكلمة سريعة، وأعود إليه اليوم في قراءة أكثر تفصيلاً. بنتيجة هذه القراءة أن فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد-صفر« لا يزال أفضل من »المسافر« على معظم الأصعدة وبل يرى العديد من النقاد الغربيين الذين التقيت بهم أنه هو الأجدر بتقديمه في المسابقة٠
والسيدة إلهام شاهين تخبرني أن ماركو مولر كان يريده للمسابقة أساساً لولا أن شروط المسابقة لم تنطبق على الفيلم كون هذا سبق له وأن عُرض خارج مصر٠ وديريك ألي، وموقعه في مجلة فاراياتي الشهيرة »كبير النقاد الأوروبيين« يسألني كيف تم انتخاب هذا الفيلم ولا أقول له لأني لست في وارد نشر الإشاعات٠
لكن »المسافر« قسّم الوفد المصري او بعض أعضائه على الأقل الى قسمين مع وضد: كثير من النقاد المصريين ضده ولكنهم جميعاً مع »واحد-صفر« هذا قبل أن يدلو الممثل عمر الشريف بدلوه فيتسبب في ردّات فعل سادت الليلة التي تلت افتتاح الفيلم، فقد سألته قناة النيل (لكني لا أدري إذا ما بثّت الفقرة) عن رأيه في الفيلم فقال لها، وهو منفعل بغضب، أن الفيلم بشع ولم يعجبه، ثم صعد الى غرفته٠

2
مجلة إيطالية تصدر يومياً في المهرجان سألت 22 ناقداً عالمياً (عشرة يكتبون في صحف غير إيطالية وإثنا عشر يكتبون في صحف إيطالية) آرائهم في كل أفلام المسابقة الى حين العدد (22 فيلم) فجاء »المسافر« في المركز الـ........... 22! للأسف (وأعني كلمة للأسف)٠
الأفلام الخمسة الأولى حسب النقاد هي
1. Life During War
2. Capitalism
3. Soul Kitchen
4. Lebanon
5. Bad Lieutenant




المسافر مرّة أخرى | محمد رُضا
لا الفكرة تصل ولا أحمد ماهر فديريكو فيلليني


لدي اسئلة لم أجد إجابات عليها لا على الشاشة ولا من الزملاء المصريين (علا الشافعي، يوسف شريف رزق الله، أحمد فايق وآخرين) سألتهم إزالة ذلك الإلتباس ووجدت أن معظمهم خرج أيضاً من الفيلم وهو يشعر بأنه حدّق في الشاشة لساعتين محاولاً جهده تكوين رأي او فكرة او وضع اليد على كنه الرسالة ولم يستطع

في نهاية أمر »المسافر« فإن السؤال الواحد الذي يلخّص كل الاسئلة هو حول ما إذا استطاع حقّاً تجسيد ما يريد قوله، والأهم.... ما هو هذا الشيء الذي يريد قوله؟
ثلاثة فصول كل منها يقع في خريف عام معين
يبدأ الفيلم أحداثه سنة 1948 لينطلق بعد ذلك الى أحداث خريف 1973 ثم الى أحداث خريف العام 2001 وإذا ما بدت هذه التواريخ محددة بأحداث جسام (ضياع فلسطين، حرب أكتوبر ثم كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) فإن المغزى من إختيار تلك السنوات كأطر لأحداث الفيلم المنتقلة من مرحلة الى أخرى ليس واضحاً الا في مخيّلة المخرج أحمد ماهر
طبعاً لن يُخفى على المشاهد الممعن أن الفيلم مليء بالرمزيات بينها رمز للمرأة التي يسرد الفيلم في جزئه الأول حكايتها فهي (غالباً؟) فلسطين (ولو أني سمعت من يقول أنها مصر) ما يجعلها رمزاً لفلسطين (او مصر) هو فعل اغتصاب تتعرّض إليه. لكن المغتصب ليس أجنبياً (حتى لا أقول يهودياً) ما يجعل المسألة تعاني من عدم القدرة على تأمين عناصر الرمز بحيث لا يتوزّع الإهتمام (هل هي مصر؟ هل هي فلسطين؟ او هل هي مجرد فتاة في قصّة؟) وهذا ما سيتكرر في كل منعطف من منعطفات الفيلم الذي يتلو حكاية متّصلة بالتاريخ السابق في كل مرّة. يتحدّث عن الشاب ثم الرجل ثم العجوز الذي قد، وقد لا، يكون هو الشخص ذاته. نسمع هذا قريب ذاك وتلك إبنة تلك وشقيقها الميت يكون كذا ونرى عمر الشريف في نهاية الفيلم يشكك في أن الشاب ذي الأنف المميّز بانعكافه قد يكون حفيده رغم أنه يكره أن يكون إبناً للرجل الذي تزوّجت الفتاة التي اغتصبها (هو أو سواه) سنة النكبة٠

الخوف أن لا يكون سوى توظيف للأحداث المصرية والعالمية في تلك السنوات من دون دلالات دامغة او محددة. إذا كان المخرج يقصد فعلاً مثل هذه الدلالات لمعان يعتقدها موجودة في الفيلم، فإن الفيلم بحاجة الى أكثر من مجرد القصد لإنجاز مهمّة الربط بين الحدث المرتسم على الشاشة وبين التاريخ خصوصاً وأنه مرّة واحدة يتم في الحوار ذكر الحدث الأعم وذلك في الفصل المنتمي لأحداث العام 1973 عندما تذكّر إحدى الشخصيات شخصية أخرى بأن الدنيا في حرب٠
خالد النبوي يؤدي شخصية عمر الشريف في شبابه في الاسكندرية العام 1948 ونراه يبحث عن فتاة لينقذها من رجل سيتزوّجها. يقول بصوت عمر الشريف »أغار من رجل لم التق به على إمرأة لا أعرفها". حين يجدها على ظهر باخرة يتقدّم منها بليونته ولطفه ويراها بعد قليل تراقص آخر. يغيّر منواله، بناءاً على نصيحة كابتن الباخرة، ويتقدم منها مرّة ثانية ويمارس معها الحب عنوة ثم نجده قد سقط في البحر بينما يصل عريسها الذي يحمل أنفاً مختلفاً عن أنفه سيكون له دلالته في فصل لاحق٠
ننتقل الى العام 1973 وهذه الفتاة الشابّة قد تكون إبنته وأخيها قد يكون إبن زوج المرأة التي أحب وهذا الجزء من الأحداث يمط عرضا وطولاً ولست واثقاً عما يتحدّث عنه ليس لأنه لغزي على طريقة تاركوفسكي او برغمن بل لأن حواره ليس شفّافاً لكي يسهم في ايضاح النقاط ولا الأحداث وسيلة لربط المفارقات وسد الثغرات. الأمثلة أكثر من أن تحصى لكن، ومن قبيل المثل لا أكثر، ماذا تعني حركة بطل الفيلم حين يطلب من الفتاة دخول المشرحة وحدها إذ هو سيشتري علبة سغائر. يتركها، ويمضي الى بائع جوّال يشرب عنده زجاجة صودا (كازوزة) ثم يعود من دون سغائر والمشهد التالي يقف معها خارج المشرحة يتحدّث الى البوّاب. ماذا يعني ترك هذه القصّة الثانية وفترتها معلّقتين من دون استنتاج والإنتقال الى الثالثة؟
ماذا عن كل الفصل الذي يقع بين عمر الشريف وبين من يمكن أن يكون حفيده (حسب اعتقاده) من جهة وبين مدير بزنس صراع الديكة؟ لماذا هذا الفصل من الأحداث وما علاقته بكل ما سبقه؟ إنه يقول شيئاً عن الجد وحفيده ومسل بحد ذاته، لكنه لا يلتحم جيّداً مع سواه من الفصول٠
ويستطيع المرء أن يواصل طرح الاسئلة من هذا النوع وهي كثيرة، لكن عليه أن لا يغفل أن هناك حسنات في خانة تأسيس وتصميم المشهد وأفكار نيّرة (مثلاً مثل مشهد إلقاء الجياد بنفسها من ظهر الباخرة الى البحر الذي لا أعتقد أن أحداً سبق أحمد ماهر إليه). لكن إلقاء الجياد بنفسها في الماء متّصل بفكرة أن شخصية خالد النبوي أضرمت النار في عنبر مليء بالحيوانات. لماذا؟ لا تعلم. لماذا تلك الحيوانات في الباخرة؟ لا دلالة٠
وهذا نموذج لمشهد جميل التركيب والإيحاء وبصرياً لافت، لكنه آت بلا دلالات موضوعية ولا تواصل مع افكار محددة. الرمزية ليست أنك تصنع فيلماً لا يفهمه أحد، بل هي أن تصنع فيلماً يمكن للرمز أن يأخذ شكلاً ويترك تأثيراً وبالتالي لا يبقى تأويلات مفتوحة لا ماض لها٠

المسألة الغائبة الأخرى، لجانب عدم القدرة على استخدام الرمز على نحو مفيد او صحيح، ولجانب غياب التواصل بين المطلوب والنتائج، هو أن التمثيل جامد من قِبل الجميع لأن الشخصيات لا تتبلور على نحو صحيح والحوار يسيطر على تعابيرها وذلك باستنثاء تمثيل عمر الشريف الذي تتخلله الحياة عوض أن يبقى في كساد الصورة٠
في حديث للمخرج ذكر أن فديريكو فيلليني من بين المخرجين المفضّلين عنده. والتقط أحد الصحافيين الإيطاليين القول ليسأله في المؤتمر الصحافي عن ذلك معتبراً الفيلم »فيلينياً«. ثم جاء دور أحد نقاد مجلة فاراياتي (جاي وايزبيرغ) الذي بدأ مقالته بالعبارة التالية: فيلليني لديه مقلّد٠
الجزء الأول من الفيلم يحمل موقعاً حمله أحد أفلام فديريكو فيلليني الأخيرة وهو »السفينة تبحر«، الذي أخرجه سنة 1983 ودارت كل أحداثه فوق باخرة. لكن الموقع المكاني لمشهد او لفيلم لا يعني مطلقاً أن ذلك المشهد او ذلك الفيلم فيلينياً او برغمانياً او انطونونياً، وبالتالي المقارنة بفيلليني ليست صحيحة. حتى تكون المقارنة صحيحة مع أي سينمائي كبير على الفيلم أن يحتوي على الإلهام الواحد وطريقة التعبير المشابهة والفطنة إياها في معالجة الفيلم شكلاً ومضموناً. هذا ليس موجوداً في فيلم أحمد ماهر قصد التشبّه بفيلليني او لم يقصد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Sep 10, 2009

Year 3. Issue 454 | واحد صفر لصالح "واحد صفر" | المسافر وأفلام أخرى


ملاحظات على جملة أفلام ومواضيع
إنتصار مصري رائع يجسّده فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر« وسؤال كبير حول »المسافر«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا



في هذا العدد نقد للأفلام التالية
واحد صفر ****
المسافر ***
رجال بلا نساء ***
The Men Who Stare at Goats ***
Lebanon **


تمهيد

تحية لمصر من سينمائييها

فيلم كاملة أبو ذكرى "واحد صفر" ينتهي باحتفال شعبي كبير بانتصار مصر في مباراة كرة. تشعر بحب الشعب المصري لهويّته، ويأتي هذا الإنتصار كما لو كان يريد أن يغسل متاعب الأيام وشقاء الساعات وتبعات المحن المختلفة ولو إلى حين
لكن فحوى النهاية ليست التحية الوحيدة لمصر. »المسافر« أيضاً، رغم ملاحظاتي ونقاد آخرين كثر هنا عليه، هو تحيّة أخرى. ليس لأنه دخل المسابقة الرسمية. هذا شيء رائع لكنه ليس الأهم. إنه تحيّة أخرى من حيث أن كل مرّة يُتاح لمخرج مصري التمتّع بما تمتّع به أحمد ماهر، مخرج »المسافر« وبما تمتّعت به كاملة أبو ذكرى، من إمكانيات وثقة وفي كل مرّة يبذل فيه السينمائي المصري من أصغر ممثل الى المنتج مروراً بكل جوانب العمل السينمائي إنما يحيّي وطنه مصر وبل يحيينا جميعاً نحن العرب. والعكس حين يحدث، من انتصار عربي لأي هوية انتمى هو أيضاً انتصار لمصر لأننا في مركب واحد نجوب البحار معاً ونغرق- لا سمح الله- معاً

على يومين متواليين انطلقت عروض أربعة أفلام تمثّل، في حكاياتها كما في إنتاجات غالبها، المنطقة المتعارف على تسميتها بـ »الشرق الأوسط« وتضم هذا الجزء من العالم العربي والدول غير العربية التي تعيش في كنفه٠
يوم الأربعاء موعد عرض فيلمين مصريين مشتركين رسمياً في المهرجان. الأول هو »واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى (في مسابقة قسم »آفاق«) والثاني هو »المسافر« لأحمد ماهر (المسابقة الرئيسية) . في اليوم السابق له، تم عرض الفيلم الألماني »نساء بلا رجال«، الذي أخرجته ايرانية حول ايران الأمس أسمها شيرين نزهت وذلك بعد عرض الفيلم الوارد من الكيان المغتصب والذي عرضناه في التقرير الماضي وعنوانه »لبنان«٠
وإذا ما كان »لبنان« فيلماً خبيثاً مبطّنا بشخصيات تبدو جميعاً كما لو كانت حمامات سلام فَرَض عليها لبنان والعرب الحرب، فإن »تيمة« فيلم شيرين نزهت وحبكة فيلمها »نساء بلا رجال« لا تعوّضان فقط غياب الواقع السياسي للفيلم »الإسرائيلي«، بل تعوّض أيضاً غياب الفن الحقيقي فيه. بالنسبة لأولئك الذين يرون أن المخرج »الإسرائيلي« صاموئيل عاموز أقدم على إنجاز فني لكونه صوّر 99,99 بالمئة من فيلمه داخل دبّابة، فإن الإنجاز هو حسن تنفيذ تقني وليس عملاً فنيّاً جيّداً او رديئاً. في المقابل، فيلم شيرين نزهت التي وُلدت في إيران وتعيش في نيويورك وموّلت فيلمها هذا من شركة ألمانية تؤمن الفن للفيلم الذي تتناوله مصحوباً بلمسات شعرية رائعة في وصفها وفي سكونها ولحظاتها٠
WOMEN WITHOUT MEN
ذات مرّة في إيران



إنه عن أربعة نساء يعشن عالماً متوتّراً في حمى أزمة 1953 بين إيران والغرب. في ذلك العام، كان عمر حكومة محمد مصدّق قد بلغ سنتين، وكانت بريطانيا والمخابرات الأميركية تعمل على تقويض رئاسته للوزراء على الرغم من التأييد الكبير الذي كان يحظى به بين طبقات الشعب وهذا ما استطاع الغرب فعله فأصدر للشاه محمد رضا بهلوي أمراً للجيش بأن يتحرّك لإلقاء القبض على محمد صادق والسيطرة على الأمن المهتز في طهران وكانت تلك الحركة المضادّة هي مطلع سلسلة من الأفعال المضادّة لأي حركة شبابية او شعبية معادية للنظام قدّر لها أن تنمو الى حين قيام نظام الثورة الإسلامية. لكن سنوات طويلة قبل تلك الثورة كان الحزب الشيوعي في ايران من بين أكثر الأحزاب والجهات المعارضة للشاه نشاطاً وتم التعامل معه بحزم عن طريق جهاز السافاك المخابراتي
تنتقل المخرجة بين هذه الوقائع السياسية على الأرض (من دون ذكر الثورة الخمينية لا من قريب ولا من بعيد. فهي تحصر فيلمها في ذلك العام وتحيط بإتجاهات الشارع والنظام معاً من دون أن تفقد، في الوقت ذاته، ذلك الخيط الإنساني والأنثوي الجامع بين شخصياتها الأربعة: إمرأة بلغت الثلاثين ولا زالت غير راغبة بالزواج بسبب ما يكتنفه رأسها من عوامل تمرّد على الوضع، وصديقتها التي لا تجد من يأويها بعدما اغتصبها شابّان ذات ليلة، وعاهرة تتمرّد بدورها على وضعها ثم زوجة كولونيل في الجيش الإيراني تنهار أحلامها في علاقة عاطفية وهي التي تشعر بأنها تعيش على هامش الحياة كونها لم تعد قادرة على تحمّل زوجها المختلف والملتزم بشؤون عمله فوق واجباته الزوجية٠

مختلف
مصير ثلاثة من الأربعة الى بيت غامض يكمن وسط بستان كبير تسكنه أشجار عالية ويمر به نهر جميل، ساكن ووديع. يتقدّمه طريق طويل يبدو كما لو أنه يوصل السائر فيه ما بين الحياة الإجتماعية المرفوضة سياسياً واجتماعياً وبين أمل في حياة أفضل. وما تلبث ساكنات المنزل أن يشعرن بالتآلف ويجدن بعض القوّة النفسية في ذلك الجو المنعزل باستثناء أن المرض كان اشتد على العاهرة الشابّة بعدما وُجدت مغشى عليها في النهر، فماتت في الليلة التي تدعو فيه زوجة الكولونيل الى حفلة في القصر فيلبّي الدعوة رجال ونساء الطبقة العسكرية ورجال الأعمال المرفّهين. أما المرأة الرابعة، التي عادت، بشكل رمزي إنما غير مشبع، للحياة بعد انتحارها، فتنضم الى الحزب الشيوعي وتشهد إنهيار قوائمه في غارات ليليلة تضعها المخرجة متزامنة مع تلك الليلة التي تكتشف فيها أن الرجل الذي بالغ في لطفه معها لم يكن يحبّها كما اعتقدت بل ها هو يجلب الى الحفلة زوجة المستقبل: إمرأة أميركية. زوجة الكولونيل تغنّي أغنية حزينة ينتهي الفيلم بها٠
الفيلم مختلف في كل شؤونه عن الأفلام الإيرانية التي اعتدنا مشاهدتها وتحديداً على صعيد القصّة كما على صعيد الأسلوب. لا كاميرا محمولة ومهتزة كما لا حديث عن إيران اليوم لا مع الثورة الإيرانية ولا ضدّها. لكنه، في كل الأحوال، يبقى مرتبطاً بتاريخ ليس بعيداً عن الحاضر وبل معنياً ببحث ماضي هذا الواقع الآني من دون خطابة او مواقف. مشكلته في التنسيق بين الحكايات ذات الصدى الواقعي (الجانب السياسي من مظاهرات وفلتان أمني الخ...) وبين تلك ذات المستوى الشعري والرمزي. يبدو الفيلم غير متّحد في جانبيه وعدم تناسقه يؤدي الى اختلال توازنه العام٠

واحد صفر
مصر اليوم


فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر« يتحدّث عن مصر اليوم من خلال شخصيات عديدة تجسّدها نهاية تجمع بين معظم هذه الشخصيات. إنها القاهرة خلال يوم سينتهي بانتصار فريق كرة القدم المصري. كل الأحداث التي تقع خلال 24 ساعة سابقة ستؤدي الى تلك المباراة ليس لأن المباراة بذاتها لها علاقة مع ما يدور في ملعب الحياة، بل لأن النصر الذي سيحدث يصهر الخلافات ويوحّد الناس في نهاية تعكس حب المصريين لمصر رغم كل ما يعانونه من آلام فيها وأحياناً بسببها٠
شخصيات تبدو لا علاقة لأي منها بالآخر لوقت طويل: المرأة التي وصلت الى منتصف العمر او فوقه بقليل والتي تبيع مواد تجميلية تدّعي بأنها تزيل التجاعيد. لا نعرف أن الشاب الكوافير الذي يسرق من المحل الذي يعمل فيه أدوات عمله لكي يفتتح بها دكّانه الخاص هو إبنها الا بعد أن يُضبط ويُطرد ويلجأ الى بيت أمّه باحثاً عن المال الذي يعتقد إنها تخفيه. إحدى زبوناتها هي المرأة المسيحية المتقدّمة أيضاً في السن والنضج (إلهام شاهين) التي تعيش منفصلة عن زوجها وتكتشف إنها حبلى من عشيقها فتطلب من الكنيسة حلاً لأنها كانت طلبت الطلاق. هناك حلان، يقول لها المحامي: "إما رفع دعوى على الزوج او التحوّل عن الدين المسيحي الى الدين الإسلامي"٠
لا نعلم أن مقدّم أحد البرامج الترفيهية على الشاشة الصغيرة (خالد أبو النجا) هو عشيقها والد الجنين. إنه مدمن كحول وله نيّة النيل من ضيفته المغنيّة بهدف رفع أسهم برنامجه. هذه لديها عشيق (حسين الإمام) الذي يستغلّها جنسياً وفنيّاً لكنها تصرف على أمها وشقيقتها التي ترتدي الحجاب وهذه تأخذ لنفسها، ولأول مرّة، موعداً مع بائع السندويتشات الشاب الطيّب الذي بدأ في الوقوع في حبّها٠

في تلك الليلة الحاسمة سيضرب مقدّم البرنامج بسيارته صبياً صغيراً وسيتشابك الكوافير مع عشيق المغنية (لأن المغنية كانت صديقته منذ زمن) وسيلقى القبض على الفتاة المحجّبة والشاب بعدما كانت ردّت محاولات الشرطي عنها فعمد الى الإنتقام علماً بأنهما لم يكنا يفعلان شيئاً منكراً في الشارع كما يدّعي وستتجمّع كافة الخيوط في اللحظة التي يعلن فيها انتصار الفريق المصري لتنفجر مصر بالفرحين ولتذوب تلك المشاكل وغيرها في فرحة عارمة٠
تلك النهاية تجسيد لحب مصري يمسح، ولو لحين، كل تلك الآلام التي يعيشها الشعب المصري نتيجة الظروف الإقتصادية والأحلام الكبيرة التي تواجهها وتحول دون تحقيقها جدران من الإحباطات والمشاكل المختلفة٠
فيلم كاملة أبو ذكرى رائع في قدرته على التعامل مع كل تلك الخيوط من دون الغروق في أي من التبعات. لا حبكات ملتوية ولا غموض مواقف ولا غلاظة في عرض الأحداث. الممثلون جميعاً جيّدون خصوصاً غير المعروفين بالضرورة مثل نيلي كريم وأحمد الفيشاوي وانتصار والمخرجة تمنح ممثليها مواقف عصيبة يبرهنون فيها عن عواطفهم كما حسن إداءاتهم وترجماتهم لتلك العواطف. الناحية المتكررة الوحيدة التي يجب الوقوف عندها هي حركة الكاميرا ما بين شخصين في المشهد الواحد. ليس التصوير بذاته (فهو رائع بفضل نانسي عبد الفتاح) بل تصميم اللقطة التي حددتها المخرجة كما رأت أنها ضرورية٠

المسافر
مسافر الى أين؟


اما فيلم أحمد ماهر »المسافر« فهو فيلم تجريدي معاش بأحاسيس مختلفة ومنتم الى سينما ذات مشاهد بصرية تسيطر على العين لكنها لا تستطيع أن تقتحم الفؤاد او النفس. السبب هو أن هذه المشاهد تتبلور كجماليات مناخية مصنوعة لذاتها وغير متّصلة بأبعادها على نحو فعلي ما يجعلها مقطوعة بعيداً عن الواقع او مغتربة عن الأبعاد التي في بال مخرجها٠

فيلم أحمد ماهر، في هذا الصدد، عمل للنظر ثم الإنصراف. تتمتّع به العين لكن البال يلح في أن يستوعب ما هو وراء الصورة. وهذا ما كان يمكن له أن يصنع الفيلم الجيّد. مبدأياً، إذ أن الفيلم مليء بالتساؤلات التي لا تجد أجوبة، هو عن رجل مر في كل تلك العصور وبدأ بها باحثاً عن إمرأة ضاجعها وأنجب منها وانقطع عنها ثم تعرّف على إبنته التي مات شقيقها الذي يمكن أن يكون من زوج المرأة ثم على حفيده. لكن العلاقات ليست بهذه السهولة التي قد توحي بها الكلمات. ما بين كل شخصيّتين في هذا الفيلم (وهناك شخصيات أخرى عدّة أخرى غير هذه المذكورة) هو فراغ أبيض بنقاط غير موصولة. مساحات تنتظر من المخرج أن يعبّأها ولو ببعض الحياة لكنه لا يفعل٠
أحد النقاد ذكر أن هذا من شيم المخرجين الكبار وضرب مثلاً ثيو أنجيلوبولوس وألكسندر سوخاروف، لكن هذا في الظاهر: الإيقاع ورتابة الصورة والمناخ المشيّد جيّداً والمشاهد التي تثير التأمّل كلها موجودة، لكن في سينمات الآخرين ليست موجودة لكي تكون موجودة وحسب بل هناك قراءات ثرية تنضح بها الشاشة وليس مجرّد اسئلة لا يجد المشاهد، مهما كان قادراً على التحليل ومهما كان معجباً بما يراه، أجوبة عليها٠

THE MEN WHO STARE AT GOATS
ذات مرّة في العراق


وفي إطار عسكري أيضا يتقدّم الفيلم الأميركي »الرجال الذي حدّقوا بالماعز«: سيناريو نام في الأدراج طويلاً الى أن قرأه جورج كلوني فقرر شراء حقوقه لإنتاجه وهذا ما فعله مسندا الإخراج الى الجديد نوعاً غرانت هسلوف
كلوني يؤدي دوراً رئيسياً لجانب إيوان مكروغر وجف بردجز وكَفن سبايسي وروبرت باتريك٠ كوميديا سوداء ساخرة من العسكرتاريا والحروب من فييتنام الى العراق تحمل جرعة كبيرة من الجرأة من دون أن تكون سخريتها منصبّة على الجنود أنفسهم. بذلك هو قريب من »الملوك الثلاث« الذي قام جورج كلوني أيضاً ببطولته ومن »كاتش 22« و»ماش« و»دكتورسترانجلوف« وكلّها وجدت في الحرب مادّة للسخرية عما يقود للحرب وما يحدث فيها٠
الكتاب هو المصدر الأساسي وضعه جو رونسون سنة 2004 وتحدّث فيه عن حكايات غريبة الأحداث ادعى بأنها حقيقية. والفيلم يذكر في مقدّمته أن أغرب ما يرد في الفيلم هو حقيقي حتى لو لم يظهر على هذا النحو
حسب الكتاب والسيناريو ثم الفيلم، خلال الحرب الفييتنامية تم تأليف فرقة من المشاة الأميركيين مهمّتها شن الحروب من دون أسلحة قتالية. كل ما عليها استخدامه، بعد تمارين مجهدة تتخلّلها تدريبات روحانية مستمدّة من علوم شرقية، هو ادمان النظر الى العدو حتى يموت. والتجارب شملت الماعز. ونرى في مشهد بالغ السخرية جورج كلوني جالساً على كرسي يحدّق الى تلك المعزة وهي تمضغ أكلها. ثم تتوقّف عنه و... تنقلب الى جانبها ميّتة٠
الفيلم ينتقل بين الحاضر (الحرب في العراق) وبين الماضي (الحرب الفييتنامية وبعدها) لكنه ليس فيلماً حربياً إذ يخلو من الجيش النظامي ولا يصوّر حرباً دائرة في أي مكان. الذي يسرد أحداثه هو صحافي (مكروغر) يتعرّف على الجندي أسمه سكيب (كلوني) الذي يرضى بأخذه معه من الكويت الى العراق. يتوهان في الصحراء وتنقذ حياتهما عنزة إذ يتبعانها الى حيث بركة مياه وسط الرمال. وهذا بعد معركتين بين جهازين أمنيين أميركيين تنشب بطريق الخطأ وتتبع اختطاف الصحافي والجندي الموهوب بالتحديق اذ هو خريج تلك الفرقة الخاصّة، من قِبل مجموعة عربية مسلّحة٠
كلوني يريد أن يؤكد هنا أن الخلط بين العرب ليس صحيحاً. حين يتحدّث لرجل عربي كان محتجزاً من قبل المسلحين العرب ويقول له "ليس كل العرب أشراراً" هو لا يستخدم حواراً وارداً في السيناريو فقط، بل حواراً أراد استخدامه في الفيلم لأنه يعنيه٠ رسالة صغيرة تفصح عن أن الخاطئين في لعبة الحرب هذه هم المعتدون من كل الفئات أميركيين وغير أميركيين وأن الأبرياء أيضاً هم من كل الأجناس. ومصدر تأكيدها هو تلك اللقطة القريبة للرجلين وعيني كلوني اللتان تعكسان إيماناً واضحاً فيما يقوله. في حديث هذا الناقد معه في اليوم ذاته، أكّد أن ما يعنيه من أفلامه ذات الطروحات السياسية هو فتح لغة التواصل بين الناس لأن منظور الأميركي للآخر لا يزال واقعاً تحت عبء الإعلام المنحاز ٠

أحداث الفيلم كثيرة ومتشعّبة واستخدام الإنتقال بين الماضي والحاضر يُبقي المشاهد يقظاً وكل ذلك نتيجة وضع يد محكمة على الأحداث ما يجنّب الفيلم التشرذم والإفلات من وحدة السرد٠
ما يحسب للفيلم أيضاً كل تلك المادة الكوميدية الساخرة التي يوفّرها الفيلم على صعيد المشهد وديناميكيّته كما على صعيد حواره الملغوم٠
شخصيات الفيلم مجنونة او تكاد. من شخصية كلوني الذي يرتكب قرارات خاطئة تكاد تودي به وبالصحافي الى التهلكة، الى جف بردجز الذي يؤدي شخصية رئيس تلك الفرقة التي يستخدم جزءاً من ميزانية الجيش الممنوحة إليها لشراء المخدّرات التي يُقال (لا نراه) يتعاطاها. أيضاً الى كَفن سبايسي الذي يحقد على الجميع ويريد قيادة هذه الفرقة لكنه ينتهي مندحراً وبشكل يدعو للسخرية٠


لبنان ... مرّة أخرى٠
تصفيق حار للفيلم الإسرائيلي من قِبل الجمهور الإيطالي في حفلتين واحدة للنقاد والإعلاميين واصحاب المصالح والحرف السينمائية وواحدة للجمهور. السبب بالطبع هو إعجابهم بفيلم مدهم ومُقحم أنجزه سامويل ماعوز بعنوان »لبنان«، ينطلق من نقطة توتر عالية ويبقى كذلك طوال الوقت مع كاميرا محصورة في داخل دبّابة اسرائيلية عليها أن تجتاز بلدة لبنانية من طرفها الى طرفها الآخر خلال حرب 1948

داخل الدبابة هناك فريق من أربعة أشخاص. خارجها ثلّة من القوّات الإسرائيلية. التركيز على من في الداخل والكاميرا لا تغادر الدبّابة الا في لقطة واحدة في نهاية العمل. الدبّابة توجّه مدفعها الى بضعة أهداف كذلك يفعل الفيلم. هناك قتلى عرب (لا نعرف هويّاتهم) لكن هناك أيضاً إصابات على صعيد المنطق والمصداقية. هذا فيلم يغلّف الحقيقة بشرشف قصير يشدّه الى رأسه فتنكشف قدميه ويشده الى قدميه فينكشف رأسه. لكنه تقنياً جيّد التنفيذ وإقحامه المُشاهد من المشهد الأول الى الأخير يحمل نبرة عالية من تحدّى محدودية المكان واحتمالات الإنزلاق في الدعاية المباشرة للجيش الإسرائيلي وينجز ذلك بنجاح بصري لافت٠

ليس أنه يخلو بالنتيجة من هذه الدعاية، لكنه ينطلق صوبها كما لو أن ذلك ليس وارداً في باله. حين تتقدّم الدبّابة من البلدة التي سبق للطائرات أن دمّرتها (نسمعها ولا نراها) تواجه أول تحدياتها: سيارة فيها مسلّحين تتوجّه الى حيث الدبابة والجنود الإسرائيليين خارجها. يطلب آمر الوحدة من الجندي المكلّف بمدفع الدبابة تدميرها، لكن هذا يخاف ما ينتج عنه تبادل إطلاق النار ومقتل أحد المسلحين وهرب الثاني ومقتل جندي إسرائيلي. يخاف؟ إذ يدق ذلك مسماراً أولاً في نعش الواقع، تتقدّم سيارة ثانية بعد دقائق يسيرة. كان يمكن للفيلم منح نفسه مسافة أكبر بين السيّارتين فلا بد أن سائق السيارة الثانية قد سمع اطلاق النار قبل انطلاقه صوب نفس المكان. المهم أن الجندي المكلّف هذه المرّة يطلق قذيفته على السيّارة فيفجّرها. هذه المرّة صلّح الخطأ السابق، يقول الفيلم، بخطأ آخر إذ أن السيارة لم تكن تحمل سوى أقفاص دجاج٠
بعد ذلك، لا إحصاء للمسامير الأخرى. فالخوف ليس في ذات ذلك الجندي وحده بل في ذوات الجميع. طوال الفيلم تكنشف نقاشاتهم عن حيرة وخشية وعدم ثقة، كما لو كانوا أبرياء عاديين وضعوا في ظرف لم يستعد له أي منهم. تتساءل وأنت ترقبهم في فوضاهم وعدم انضباطهم إذا ما كانوا ينتقلون من بيوتهم الى الجبهات من دون إعداد نفسي وعسكري. طبعاً بما أن هذا هو ليس الحال، بل يتعرّض الجندي الإسرائيلي لتدريب قاس على كل الأصعدة. أكبر تلك المسامير، هو اتخاذ حزب الكتائب اللبنانية مشجباً لتعليق آثام الحروب الإسرائيلية في لبنان. هذا ما فعله فيلم »الرقص مع بشير« وهذا ما يفعله هذا الفيلم. ليس أن حزب الكتائب كان حمامة سلام وليس أن هناك ألوف الضحايا الأبرياء معلّقة في رقبته، ورقبة كل حزب مارس القتل المدني٠
في هذا الخروج عن المنطق يكمن المشهد الذي يدخل مسلح كتائبي الدبابة (ودخوله أقرب الى الإقتحام إذ أن الجيش يمنع أياً كان دخول دبابة ما الا إذا كان من فريقها حتى ولو كان من افراد الجيش نفسه، فما البال بغريب عن ذلك الجيش؟) ويعامل الجنود الإسرائيليين بعجرفة ويصدر ما يصل الى حد الأوامر اليهم حول الوجهة التي على الدبابة أن تتخذها. في مشهد آخر داخل الدبّابة أيضاً ينظر الى جندي سوري كان سقط في الأسر واحتجز مقيّداً في الدبابة، ويقرفص بحذاه ثم يتوعّده بقتل بطيء واعتداء جنسي وقلع عين وتمزيق جسده بين سيّارتين٠

»فيلم »لبنان« يصوّر المسألة على أن الوحشية وعدم احترام شخص السجين، بعدما وقع سجين سوري في يدي القوّات الإسرائيلية واندفع الكتائبي يعده بتعذيب جسدي فظيع أول ما يأخذه من ايدي الجنود، هي من عمل الكتائب اللبنانية. أما الجنود الإسرائيليون فهم وادعون يعارضون مثل هذه السلوكيّات٠
بالنتيجة الحرب كانت، بالنسبة لهذا الفيلم، نتيجة ما ارتكبه العرب فيما بينهم. ويدل على ذلك المشهد الذي نرى فيه مسلّحا عربياً )غير معروف الهوية أيضاً وكوفياتهم قد تكون سورية او لبنانية او فلسطينية) يتّخذ من إمرأة وأولادها درعاً ما يحجم القوات الإسرائيلية من إطلاق النار عليه خوفاً من إصابتها. أوكي. مقبول. لكن الحل الذي يجده الفيلم هو دخول مسلّح آخر وإطلاق النار على العائلة ما يسمح للجنود فتح النار عليه وعلى رفيقه وقتلهما. بعد ذلك، المرأة الناجية وحدها تهاجم جنديا إسرائيليا بقبضة يديها الذي يهرع لنجدتها حين تمسك النار بثيابها فتحرق الرداء الواحد الذي عليها ثم يساعدها لستر نفسها



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Sep 8, 2009

ٌYear 3. Issue 453 | Lebanon


أفلام فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أربع صيصان (كتاكيت) في دبابة إسرائيلية في لبنان
نفق في عتمة الحرب الإسرائيلية في لبنان يؤدي الى نفاق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Lebanon (2009) **
لبنان (اسرائيل- المسابقة)٠
Directed By: Samuel Maoz | سامويل ماعوز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 7



منذ سنوات ليست بالبعيدة، أخذت السينما الإسرائيلية تتعامل والحرب اللبنانية. طبعاً، وفي الأساس، كان هناك بضعة أفلام عن تلك الجبهة الشمالية (بالنسبة للأراضي الفلسطينية) لكنها لم تتجاوز الحدود الى داخل لبنان٠
في العام 2006 قام جوزف سيدار بتحقيق فيلم »بيوفورت« الذي يتناول حياة مجموعة من الجنود في القلعة بذات الإسم التي تقع في الأراضي اللبنانية والتي كانت اسرائيل احتلّتها في الثمانينات. ثم جاء »الرقص مع بشير« لآري فورمان، وهو فيلم ذي إنجاز تقني مهم كونه عمل أنيماشن- تسجيلي قلّما أقدمت عليه السينما من قبل من حيث مزجها للنوعين معاً. الفيلم كان عن حرب 1984 من ذاكرة مجنّد خاضها وشهد مجزرة صبرا وشاتيلا ويعاني الآن من ذكرياته تلك٠
فيلم سامويل ماعوز »لبنان« هو الثالث في هذا الإتّجاه وهو عن طاقم دبّابة إسرائيلية (أربعة أفراد) يخوض الحرب ذاتها في موقع غير محدد داخل الأراضي اللبنانية وما يتعرّضون اليه من شؤون تتراوح بين الأوامر التي يتلقونها من رئيس الوحدة التي ترافقهم (مشاة) وبين تلقي قذائف من السوريين المتواجدين في المنطقة٠

يفتتح الفيلم على مشهد لحقل دوّار الشمس كبير. الزهور تعاني جفافاً إذ هي ذابلة تنأى رؤوسها وتنحني. يبقى المشهد نحو دقيقة كاملة قبل أن ننتقل الى قلب تلك الدبّابة بوصول من تم تعيينه قائداً لفريقها. أرض الدبابة مغطّاة بماء قذر غير معروف سببه وتبعاً لهوى المخرج ماعوز بتوظيف الصوت فإن كل حركة من حركات منظار الدبابة (الى اليمين او الى اليسار، أعلى او أسفل) مصحوب بصوت عال كما لو أنه لم يؤخذ في الحسبان أن تكرار هذا الصوت سيكون مزعجاً عدا عن أنه -بارتفاعه- غير واقعي. تتقدّم الدبابة (وهي الوحيدة التي في الفيلم) الى مشارف قرية على الفرقة العسكرية اجتيازها وصولاً الى الطرف الآخر، بعدما قام سلاح الجو الإسرائيلي بتدميرها٠
تقف الدبابة علي طريق في تلك المنطقة وسريعاً ما تتقدّم سيارة مرسيدس قديمة تشق طريقها بسرعة وفيها مسلّحين (يسميهما الفيلم ارهابيين). الأمر المعطى لأحد جنود الدبّابة إطلاق النار على السيارة، لكن هذا يجبن ويرتعد. معركة سريعة تدور بين الجنود خارج الدبّابة وبين المسلّحين يهرب بنتيجتها أحدهما ويموت الثاني قتلاً٠
يتلقّى الجندي لوم قائده وشعوره بالذنب وخصوصاً أنه نتيجة عدم إطلاقه النار أن أصيب رفيق له إصابة قاتلة. يتم نقل جثّة القتيل الى داخل الدبّابة (ولاحقاً ما تستلمها طائرة مروحية وتطير بها) . لكن المناسبة ستطرق الباب سريعاً من بعد: هاهو رجل يقود شاحنة صغيرة فيبادره الجندي ذاته بصاروخ ليكتشف فيما بعد أنه قتل رجلاً غير مسلّح وأن حمولته لم تكن سوى أقفاص دجاج. رئيس الوحدة يطلق رصاصة الرحمة على المواطن اللبناني ثم ينظر ناحية الدبّابة وفي عينيه لوم لأن القتل هكذا هو آخر ما يود القيام به٠

الإستثناء عوض السائد
حين تتعرّض الفرقة لإطلاق نار حال دخولها البلدة يحدث ما يلي: مسلّح عربي (مجهول الهوية والإنتماء) يحتمى بإمرأة ضد القوات الإسرائيلية التي يأمرها رئيسها بالحذر. وفي لقطة أخرى نرى زوج المرأة وهو ملقى على الأرض يصرخ بما هو ليس مفهوما. اللقطة التالية للمسلّح تبدي لنا أنه يحتمى أيضاً بطفلين. يرفع الفيلم سؤال ما إذا كان الجنود الإسرائيليين سيفتحون النار على الجميع من دون استثناء. لكن خلاصهم من هذه الأزمة يتم عبر المسلّح الثاني الذي فتح النار على العائلة تطوّعاً فقتل الأب والطفلين. هنا فتحت القوّات الاسرائيلية النار على المسلّحين فأردتهما. في الشارع تبكي المرأة التي لا ترتدي تحت فستانها الا لباسها كما سنعرف بعد قليل، وتصرخ في وجه أحد الجنود الذي يأمرها بالإبتعاد عنه. فجأة تنشب النار في فستانها فيحترق ويتدخل ذات الجندي فيخلع عنها ذلك الرداء لتبدو عارية ثم يدفع لها، وهي في نحيبها وصراخها، بما يغطّي جسدها. أنتهى الفصل٠
كل ذلك نراه من داخل الدبابّة. الكاميرا لا تخرج من الدبّابة مطلقاً لا هنا ولا في أي مشهد آخر باستثناء اللقطة الأخيرة من الفيلم حيث الدبابة وفريقها وسط حقل دوّار الشمس. لكن ما ينضح به ذلك المشهد الذي أطرب الجمهور الغربي كونه يستخدم أزمة درامية ومواجهة بين عناصر معادية هو الموقف الأخلاقي العالي للجندي الإسرائيلي في مقابل قيام المقاومين العرب بالإحتماء بعائلة ثم قتلها، وهو أمر لا نعتقد أنه حدث يوماً وصولاً الى موقف ذلك الجندي من المرأة المفجوعة. في تصوير أكثر واقعية للمشهد، لو كان المخرج يقصد الحقيقة، كانت الدبّابة ستفتح النار من دون ريب على المسلّحين احتميا بتلك العائلة او لم يحتميا. قذيفة واحدة وينتهي أمر الجميع. ليس أن هذا أمر متخيّل بل مورس، بشكل او بآخر، طوال تلك الحروب المتوالية على لبنان، كما في اعتداءاتها المختلفة. السائد وليس الاستثناء هو من يجب أن يكون عليه الدور أوّلاً لو كان الفيلم يقصد النقد الذاتي او طرحاً أخلاقياً لمبدأ الإشتراك في الحرب- وإذا لم يكن يقصد هذا او ذاك، فهذا قصور لأن الفيلم في هذه الحالة سوف لن يتبدّى كأكثر من مناسبة لتقديم قصّة معاناة أربعة أفراد داخل دبّابة ٠


بعد قليل سنرى لوي ذراع الحقيقة مرّة أخرى في مشهد آخر: يقوم الجيش الاسرائيلي بإلقاء القبض على جندي يتبيّن أنه سوري. يُبادر أحد الجنود الأربعة في الدبّابة فيسأل: ماذا يفعل السوريّون هنا؟ سؤال يبدو للمشاهد غير المثقّف سياسياً أمراً عادياً، لكنه موجود كنوع من الإحتجاج على الوجود السوري علماً بأن المشاهد الآخر (ذلك المثقّف الذي سوف لن تنطلي عليه مثل هذه البهلوانيات) من حقّه أن يسأل: ما الذي يفعله الإسرائيليون في لبنان أساساً؟ ولا مرّة هذا السؤال يرد على لسان أي من شخصيات الفيلم. الناحية السياسية غائبة وأنت لا تستطيع أن تصنع فيلماً واقعياً او حقيقياً، وهما صفتان يزمع الفيلم التحلّي بهما، الا إذا كان لديك بُعداً يتضمّن واقعية وحقيقية الغطاء السياسي الذي دفع بالحدث لأن يتطوّر الى ما يقع على الشاشة٠
بعد أن يتم نقل ذلك الجندي السوري الى داخل الدبابة تصل سيّارة تحمل كتائبييّن إثنين. يسأل أحد جنود الدبابة: من هم الكتائب؟ فيجيبه آخر: مسيحيون معنا٠
يخرج من السّيارة كتائبي ويتبادل وقائد الفرقة كلاماً طويلاً ونسمع في اتصال من قائد الفرقة الى من هم في الدبابة طلب الكتائبي الحديث الى المعتقل السوري. بعد قليل يتم فتح ذلك الباب العلوي للدبّابة (الذي يفتح ويغلق عشرات المرآت في الفيلم) وينزل اليها ذلك الكتائبي الذي ينحني لجانب المعتقل السوري ويقول له بالعربية التي لا يفهمها أي من المجنّدين الإسرائيليين: من ليلة اليوم او من الصباح الباكر سيتم نقلك لي. عندي رجال لم يمارسوا الجنس منذ أسابيع طويلة وكلّهم سيسعدون بشاب جميل المحيا مثلك. بعد ذلك سأقلع عينيك بالملعقة. لا. سأقلع عيناً واحدة لكي ترى العذاب بالأخرى. سأربطك الى سيّارتين لكي يتم تمزيقك الى إثنين". يقول ذلك ويخرج تاركا الجندي السوري في حالة هستيرية من الخوف٠

عاجزون
هنا يستخدم الفيلم العنصر الكتائبي لنقد طرف آخر إمعاناً في عدم وجود أي ذكر للدور الاسرائيلي ذاته. في »الرقص مع بشير« يشعر المجنّد راوي الذكريات بالذنب على الأقل مما حدث حين دهم الكتائبيون مخيّمي صبرا وشاتيلا بينما الجنود الإسرائيليين عند مدخل المخيّمين يعلمون ما الذي يحدث ويتجاهلونه. على الرغم من إلقاء تبعية كتائبية أكبر حجماً على المجزرة الشهيرة، الا أن الموقف هو أكثر جرأة مما يرد في فيلم »لبنان« مع إقحام مسلّحي الكتائب ليكونوا أشرار الفيلم الفعليين. ليس أن الكتائب كانت حمامة سلام على الأرض، بل هو حزب إرهابي فاشي قتل ابرياءاً بكل دم بارد وقام بجرائم مدنية كما فعلت أحزاب وفصائل عدّة أخرى خلال تلك الحرب اللبنانية الطويلة، لكن الفيلم يجد في الكتائب حجة جاهزة ووسيلة تهرّب من ذكر دوره في الغزو وما قام به. في الحقيقة لن تجد مشهداً واحداً في الفيلم يعكس ازدراءاً للعدو من أحد. أكثر من ذلك، الجنود الأربعة داخل الدبّابة أقرب الى الصوص الذي لا يعرف شيئاً من شيء وبل يرتعد خوفاً أكثر من مرّة. حين يصل الأمر الى قيام كتائبي بأصدار الأوامر الى الجنود، نرى عوض امتلاك الإسرائيليين (او واحداً منهم على الأقل) للمبادرة بقوّة آمرة وناهية، أربعة متخاذلين يرتعدون خوفاً من الكتائبي كارتعاد الجندي السوري ذاته تقريباً٠
اللبنانيون في الفيلم هم مواطنون ضحايا والعدو هو إرهابي ربما كان فلسطينيا او سورياً وفي النهاية لقطتان:آخر لقطة داخل الدبّابة على الجندي السوري وهو يطأطيء رأسه في إدراك لشيء ما، بعدما أنقذ الإسرائيليون حياته عبر عدم تسليمه الى الكتائبي الدموي. شيء مثل خطأ المقاومة وخطأ الحرب التي يقوم هو بها. شيء مثل إدراك أن الجندي الاسرائيلي لا يعني الا كل خير٠
اللقطة الأخيرة هي الوحيدة خارج الدبّابة وقد توسّطت ذلك الحقل كما لو كانت سفينة معطّلة وسط البحر٠

ليس هناك من شائبة حول صياغة الفيلم الفنية: إبقاء المشاهد طوال الوقت داخل الدبّابة ومن منظارها نشاهد نماذج من مواقع الحرب. لكن المشكلة هي في الرسالة التي تعكس تجاهلاً للحقيقة وعدم الرغبة في زج الفيلم في نقد او موقف اخلاقي يطول الجندي الإسرائيلي او الحرب في لبنان من منظورها الإسرائيلي. في النهاية صفّق أغلب من في القاعة من الأجانب لأن عديدين منهم اقتنعوا، على ما أعتقد، بأن الفيلم جسّد الحقيقة. ارتاح هؤلاء من مغبّة البحث عن مسببات أخرى او إلقاء أضواء ساطعة على الوضع برمّته واكتفوا بوجهة نظر الفيلم أن الحرب كانت على إسرائيل والإسرائيليين داخل وخارج الدبّابة من دون أن يطرح السؤال حول ماذا كانت اسرائيل تفعل في لبنان باديء ذي بدء٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Sep 6, 2009

Year 3. Iss. 452 | Venice Int. Film Festival- 3

8.9.09
تحديث: عرض نقدي للفيلم الإسرائيلي »لبنان« المشترك داخل مسابقة فنيسيا

أفلام فنيسيا
| محمد رُضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربع صيصان (كتاكيت) في دبابة إسرائيلية في لبنان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Lebanon (2009) **
لبنان
Directed By: Samuel Maoz | سامويل ماعوز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 7
اسرائيل- المسابقة٠

منذ سنوات ليست بالبعيدة، أخذت السينما الإسرائيلية تتعامل والحرب اللبنانية. طبعاً، وفي الأساس، كان هناك بضعة أفلام عن تلك الجبهة الشمالية (بالنسبة للأراضي الفلسطينية) لكنها لم تتجاوز الحدود الى داخل لبنان٠ في العام 2006 قام جوزف سيدار بتحقيق فيلم »بيوفورت« الذي يتناول حياة مجموعة من الجنود في القلعة بذات الإسم التي تقع في الأراضي اللبنانية والتي كانت اسرائيل احتلّتها في الثمانينات. ثم جاء »الرقص مع بشير« لآري فورمان، وهو فيلم ذي إنجاز تقني مهم كونه عمل أنيماشن- تسجيلي قلّما أقدمت عليه السينما من قبل من حيث مزجها للنوعين معاً. الفيلم كان عن حرب 1984 من ذاكرة مجنّد خاضها وشهد مجزرة صبرا وشاتيلا ويعاني الآن من ذكرياته تلك٠ فيلم سامويل ماعوز »لبنان« هو الثالث في هذا الإتّجاه وهو عن طاقم دبّابة إسرائيلية (أربعة أفراد) يخوض الحرب ذاتها في موقع غير محدد داخل الأراضي اللبنانية وما يتعرّضون اليه من شؤون تتراوح بين الأوامر التي يتلقونها من رئيس الوحدة التي ترافقهم (مشاة) وبين تلقي قذائف من السوريين المتواجدين في المنطقة٠ يفتتح الفيلم على مشهد لحقل دوّار الشمس كبير. الزهور تعاني جفافاً إذ هي ذابلة تنأى رؤوسها وتنحني. يبقى المشهد نحو دقيقة كاملة قبل أن ننتقل الى قلب تلك الدبّابة بوصول من تم تعيينه قائداً لفريقها. أرض الدبابة مغطّاة بماء قذر غير معروف سببه وتبعاً لهوى المخرج ماعوز بتوظيف الصوت فإن كل حركة من حركات منظار الدبابة (الى اليمين او الى اليسار، أعلى او أسفل) مصحوب بصوت عال كما لو أنه لم يؤخذ في الحسبان أن تكرار هذا الصوت سيكون مزعجاً عدا عن أنه -بارتفاعه- غير واقعي. تتقدّم الدبابة (وهي الوحيدة التي في الفيلم) الى مشارف قرية على الفرقة العسكرية اجتيازها وصولاً الى الطرف الآخر، بعدما قام سلاح الجو الإسرائيلي بتدميرها٠ تقف الدبابة علي طريق في تلك المنطقة وسريعاً ما تتقدّم سيارة مرسيدس قديمة تشق طريقها بسرعة وفيها مسلّحين (يسميهما الفيلم ارهابيين). الأمر المعطى لأحد جنود الدبّابة إطلاق النار على السيارة، لكن هذا يجبن ويرتعد. معركة سريعة تدور بين الجنود خارج الدبّابة وبين المسلّحين يهرب بنتيجتها أحدهما ويموت الثاني قتلاً٠ يتلقّى الجندي لوم قائده وشعوره بالذنب وخصوصاً أنه نتيجة عدم إطلاقه النار أن أصيب رفيق له إصابة قاتلة. يتم نقل جثّة القتيل الى داخل الدبّابة (ولاحقاً ما تستلمها طائرة مروحية وتطير بها) . لكن المناسبة ستطرق الباب سريعاً من بعد: هاهو رجل يقود شاحنة صغيرة فيبادره الجندي ذاته بصاروخ ليكتشف فيما بعد أنه قتل رجلاً غير مسلّح وأن حمولته لم تكن سوى أقفاص دجاج. رئيس الوحدة يطلق رصاصة الرحمة على المواطن اللبناني ثم ينظر ناحية الدبّابة وفي عينيه لوم لأن القتل هكذا هو آخر ما يود القيام به٠
الإستثناء عوض السائد
حين تتعرّض الفرقة لإطلاق نار حال دخولها البلدة يحدث ما يلي: مسلّح عربي (مجهول الهوية والإنتماء) يحتمى بإمرأة ضد القوات الإسرائيلية التي يأمرها رئيسها بالحذر. وفي لقطة أخرى نرى زوج المرأة وهو ملقى على الأرض يصرخ بما هو ليس مفهوما. اللقطة التالية للمسلّح تبدي لنا أنه يحتمى أيضاً بطفلين. يرفع الفيلم سؤال ما إذا كان الجنود الإسرائيليين سيفتحون النار على الجميع من دون استثناء. لكن خلاصهم من هذه الأزمة يتم عبر المسلّح الثاني الذي فتح النار على العائلة تطوّعاً فقتل الأب والطفلين. هنا فتحت القوّات الاسرائيلية النار على المسلّحين فأردتهما. في الشارع تبكي المرأة التي لا ترتدي تحت فستانها الا لباسها كما سنعرف بعد قليل، وتصرخ في وجه أحد الجنود الذي يأمرها بالإبتعاد عنه. فجأة تنشب النار في فستانها فيحترق ويتدخل ذات الجندي فيخلع عنها ذلك الرداء لتبدو عارية ثم يدفع لها، وهي في نحيبها وصراخها، بما يغطّي جسدها. أنتهى الفصل٠ كل ذلك نراه من داخل الدبابّة. الكاميرا لا تخرج من الدبّابة مطلقاً لا هنا ولا في أي مشهد آخر باستثناء اللقطة الأخيرة من الفيلم حيث الدبابة وفريقها وسط حقل دوّار الشمس. لكن ما ينضح به ذلك المشهد الذي أطرب الجمهور الغربي كونه يستخدم أزمة درامية ومواجهة بين عناصر معادية هو الموقف الأخلاقي العالي للجندي الإسرائيلي في مقابل قيام المقاومين العرب بالإحتماء بعائلة ثم قتلها، وهو أمر لا نعتقد أنه حدث يوماً وصولاً الى موقف ذلك الجندي من المرأة المفجوعة. في تصوير أكثر واقعية للمشهد، لو كان المخرج يقصد الحقيقة، كانت الدبّابة ستفتح النار من دون ريب على المسلّحين احتميا بتلك العائلة او لم يحتميا. قذيفة واحدة وينتهي أمر الجميع. ليس أن هذا أمر متخيّل بل مورس، بشكل او بآخر، طوال تلك الحروب المتوالية على لبنان، كما في اعتداءاتها المختلفة. السائد وليس الاستثناء هو من يجب أن يكون عليه الدور أوّلاً لو كان الفيلم يقصد النقد الذاتي او طرحاً أخلاقياً لمبدأ الإشتراك في الحرب- وإذا لم يكن يقصد هذا او ذاك، فهذا قصور لأن الفيلم في هذه الحالة سوف لن يتبدّى كأكثر من مناسبة لتقديم قصّة معاناة أربعة أفراد داخل دبّابة ٠ بعد قليل سنرى لوي ذراع الحقيقة مرّة أخرى في مشهد آخر: يقوم الجيش الاسرائيلي بإلقاء القبض على جندي يتبيّن أنه سوري. يُبادر أحد الجنود الأربعة في الدبّابة فيسأل: ماذا يفعل السوريّون هنا؟ سؤال يبدو للمشاهد غير المثقّف سياسياً أمراً عادياً، لكنه موجود كنوع من الإحتجاج على الوجود السوري علماً بأن المشاهد الآخر (ذلك المثقّف الذي سوف لن تنطلي عليه مثل هذه البهلوانيات) من حقّه أن يسأل: ما الذي يفعله الإسرائيليون في لبنان أساساً؟ ولا مرّة هذا السؤال يرد على لسان أي من شخصيات الفيلم. الناحية السياسية غائبة وأنت لا تستطيع أن تصنع فيلماً واقعياً او حقيقياً، وهما صفتان يزمع الفيلم التحلّي بهما، الا إذا كان لديك بُعداً يتضمّن واقعية وحقيقية الغطاء السياسي الذي دفع بالحدث لأن يتطوّر الى ما يقع على الشاشة٠ بعد أن يتم نقل ذلك الجندي السوري الى داخل الدبابة تصل سيّارة تحمل كتائبييّن إثنين. يسأل أحد جنود الدبابة: من هم الكتائب؟ فيجيبه آخر: مسيحيون معنا٠ يخرج من السّيارة كتائبي ويتبادل وقائد الفرقة كلاماً طويلاً ونسمع في اتصال من قائد الفرقة الى من هم في الدبابة طلب الكتائبي الحديث الى المعتقل السوري. بعد قليل يتم فتح ذلك الباب العلوي للدبّابة (الذي يفتح ويغلق عشرات المرآت في الفيلم) وينزل اليها ذلك الكتائبي الذي ينحني لجانب المعتقل السوري ويقول له بالعربية التي لا يفهمها أي من المجنّدين الإسرائيليين: من ليلة اليوم او من الصباح الباكر سيتم نقلك لي. عندي رجال لم يمارسوا الجنس منذ أسابيع طويلة وكلّهم سيسعدون بشاب جميل المحيا مثلك. بعد ذلك سأقلع عينيك بالملعقة. لا. سأقلع عيناً واحدة لكي ترى العذاب بالأخرى. سأربطك الى سيّارتين لكي يتم تمزيقك الى إثنين". يقول ذلك ويخرج تاركا الجندي السوري في حالة هستيرية من الخوف٠


عاجزون
هنا يستخدم الفيلم العنصر الكتائبي لنقد طرف آخر إمعاناً في عدم وجود أي ذكر للدور الاسرائيلي ذاته. في »الرقص مع بشير« يشعر المجنّد راوي الذكريات بالذنب على الأقل مما حدث حين دهم الكتائبيون مخيّمي صبرا وشاتيلا بينما الجنود الإسرائيليين عند مدخل المخيّمين يعلمون ما الذي يحدث ويتجاهلونه. على الرغم من إلقاء تبعية كتائبية أكبر حجماً على المجزرة الشهيرة، الا أن الموقف هو أكثر جرأة مما يرد في فيلم »لبنان« مع إقحام مسلّحي الكتائب ليكونوا أشرار الفيلم الفعليين. ليس أن الكتائب كانت حمامة سلام على الأرض، بل هو حزب إرهابي فاشي قتل ابرياءاً بكل دم بارد وقام بجرائم مدنية كما فعلت أحزاب وفصائل عدّة أخرى خلال تلك الحرب اللبنانية الطويلة، لكن الفيلم يجد في الكتائب حجة جاهزة ووسيلة تهرّب من ذكر دوره في الغزو وما قام به. في الحقيقة لن تجد مشهداً واحداً في الفيلم يعكس ازدراءاً للعدو من أحد. أكثر من ذلك، الجنود الأربعة داخل الدبّابة أقرب الى الصوص الذي لا يعرف شيئاً من شيء وبل يرتعد خوفاً أكثر من مرّة. حين يصل الأمر الى قيام كتائبي بأصدار الأوامر الى الجنود، نرى عوض امتلاك الإسرائيليين (او واحداً منهم على الأقل) للمبادرة بقوّة آمرة وناهية، أربعة متخاذلين يرتعدون خوفاً من الكتائبي كارتعاد الجندي السوري ذاته تقريباً٠ اللبنانيون في الفيلم هم مواطنون ضحايا والعدو هو إرهابي ربما كان فلسطينيا او سورياً وفي النهاية لقطتان:آخر لقطة داخل الدبّابة على الجندي السوري وهو يطأطيء رأسه في إدراك لشيء ما، بعدما أنقذ الإسرائيليون حياته عبر عدم تسليمه الى الكتائبي الدموي. شيء مثل خطأ المقاومة وخطأ الحرب التي يقوم هو بها. شيء مثل إدراك أن الجندي الاسرائيلي لا يعني الا كل خير٠ اللقطة الأخيرة هي الوحيدة خارج الدبّابة وقد توسّطت ذلك الحقل كما لو كانت سفينة معطّلة وسط البحر٠ ليس هناك من شائبة حول صياغة الفيلم الفنية: إبقاء المشاهد طوال الوقت داخل الدبّابة ومن منظارها نشاهد نماذج من مواقع الحرب. لكن المشكلة هي في الرسالة التي تعكس تجاهلاً للحقيقة وعدم الرغبة في زج الفيلم في نقد او موقف اخلاقي يطول الجندي الإسرائيلي او الحرب في لبنان من منظورها الإسرائيلي. في النهاية صفّق أغلب من في القاعة من الأجانب لأن عديدين منهم اقتنعوا، على ما أعتقد، بأن الفيلم جسّد الحقيقة. ارتاح هؤلاء من مغبّة البحث عن مسببات أخرى او إلقاء أضواء ساطعة على الوضع برمّته واكتفوا بوجهة نظر الفيلم أن الحرب كانت على إسرائيل والإسرائيليين داخل وخارج الدبّابة من دون أن يطرح السؤال حول ماذا كانت اسرائيل تفعل في لبنان باديء ذي بدء٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في هذا العدد

  • أوراق فنيسيا | سجل يوم آخر
  • تحقيق | فيلمان عربيّان عن المرأة؟ او شيء كهذا القبيل٠
  • نقد | الفيلم التايواني »أمير الدموع« ينهل من تقاليد السوب أوبرا
  • مقابلة | فيغو مورتنسن يتحدث لمحمد رضا عن فيلمه »الطريق«٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوراق فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحت الشمس

بعد ثلاثين دقيقة من الوقوف تحت الشمس الحارة ومرور عشر دقائق على الموعد المحدد لفتح باب الدخول ظهر مدير الصالة التي كنت قصدّتها لدخول الفيلم منضمّاً الى مئات المنتظرين مثلي. نظر المدير الى الصف وكاد أن يعود الى داخل البوّابة لكني استوقفته صائحاً بالإنكليزية
أمرتاح أنت؟ -
رد سريعاً منزلقاً الى الحفرة التي أعددتها له
نعم٠
قلت له سريعاً
أنا سعيد أنك مرتاح بعيداً عن لهيب الشمس على عكسنا نحن المنتظرين هنا من نصف ساعة٠
أطرق الرجل رأسه في الأرض وقد فهم السخرية التي حملتها عبارتي. ضحك بعض الصحافيين الواقفين معي ونظر اليّ البعض كما لو كان متعجّباً مما قلته او من نبرتي. قلت بصوت عال للحاضرين
لو كنت إيطالياً لسحبوا البطاقة الصحافية مني لأني لن أرضَ المعاملة التي ترضونها أنتم. ما الذي يجعلكم ترضون؟ لم لا تكتبون عن هذه المعاملة؟ هل تعتقدون أن الحديث في هذا الشأن هو أقل من مستواكم؟
أستطيع أن أقول أن عدد المعجبين بي كان قليلاً. ربما ليس أكثر من شاب صغير أخذ يضحك وضحكه أضحكني في النهاية٠
داخل الصالة تعرّض الفيلم الى عطل دام ربع ساعة. هذه المرّة لم يكن هناك جدوى من الشكوى، لكني فكرت لو أن هذا حدث في مهرجان عربي بوجود أجانب لكانوا هاجموا المهرجان علي أساس أنه ليس منظّماً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلستان مع أهل الطريق

قابلت مجموعة فيلم »الطريق« مرّتين . في حفلة على ظهر باخرة بعد العرض ليلة أول أمس حيث تحدّثت الى الممثل فيغو مورتنسن الحديث المنشور في هذا العادد ، وفي حفلة غداء في اليوم التالي حيث جلست والمخرج جون هيلكوت وكاتب السيناريو جو بيندهول ومنتجي الفيلم هارفي وبوب وينستين٠
كتبت نقدي الذي نشرته في العدد الماضي، لكني أعتقد أن الأمر يستحق إعادة النظر في بعض التفاصيل وذلك بناءاً على ما تعلّمته من حديثي مع الكاتب والمخرج٠
مثلاً ذكرت في نقدي أن المشروع لابد كان صعباص كون معظم الأحداث من نسيج رجل وإبنه الصغير. وهذا صحيح. تأكد لي حين تحدّثت مع المخرج لنحو ثلث ساعة، لكني انتبهت خلال الدردشة الي سبب آخر يقف وراء صعوبته: سماء الفيلم مليئة بالألغاز والرموز والدلالات وعليها أن تبقى وتنتقل حتى نهاية الفيلم طالما أنه لا يجيب عليها. فعل ذلك، بنجاح، هو سبب إضافي لصعوبة تنفيذ مثل هذا الفيلم. من ناحية أخري لم أتوقّف ما فيه الكفاية عند النهاية التي يرث فيها الإبن من أبيه وجوده على الأرض، ولا التفاؤل الذي تحتويه تلك النهاية على الرغم من دكانة الوضع. الفيلم، كما قلت لمخرجه مبدياً رأيي هو من
B- X
A- Z عوض أن يكون من
بمعنى أنه بدأ قبل بداية العرض على الشاشة ولم ينته بنهايتها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أنيماشن من عربي

في حين أن »أحكي يا شهرزاد« يعرض في نطاق »أيام فنيسيا« خارج المسابقة، فإن »الدواحون« يعرض في المسابقة الثانية »آفاق«، لكن الأول هو الذي شهد الحشد الأكبر من المشاهدين بالمقارنة. وهما ليسا الفيلمين الوحيدين اللذين عرضا حتى الان لمخرجين عرب. هناك فيلم سويدي من إخراج المصري طارق صالح وبأصوات ممثلين أميركيين منهم جولييت لويس وفنسنت غالو وأودو كير وستيلان سكارسغارد كون الفيلم أنيماشن٠
نحن هنا في المستقبل حيث الحياة لم تعد كما هي الآن فقد نضب الغاز الطبيعي وأخذت الناس تعتمد على القطار السريع للإنتقال وهذا القطار الذي في الفيلم ينتقل بين كافّة الدول الأوروبية. بطل الفيلم يعيش حالة غير استثنائية في عالم تغيب عنه الديمقراطية أيضاً فالأخ الأكبر يغزو العقول ويطلب من الناس فعل ما يقومون به. نتيجة ذلك صراع إرادة مقهورة ضد القاهر. لكن المخرج يعمل علي إثبات أن المسؤولية هنا ليست الحكومة بل الفرد فهو الذي في إمكانه التمرّد فيما لو امتلك الرغبة في ذلك، وبل هو المسؤول عن تردي الحالة كونه لم يكترث للتمرّد من قبل٠
الفيلم لابد بدا جيّداً على الورق، لكن حين التنفيذ تتبدّى سلبياته في مجال إثبات الحالات التي يقدّمها وتبرير تصرّفاتها. ينقص الفيلم خلق حس جوهري بالوضع وهو الذي يبدأ واعداً ثم ينحسر وعده عن تمنيّات غير محقّة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ما الذي فعلته يا مولر؟

يقولون لك في »فنيسيا« أن هناك فيلم مفاجأة. وتنجلي المفاجأة عن فيلم رديء ليس بالرأي المنفرد لهذا الكاتب، بل برأي نحو ثمانية أشخاص، عرب وعجم، استطلعت موقفهم منه٠
إنه فيلم »يا إبني، يا إبني ... ما الذي فعلته«؟ والأجدر كان أن يوجه سؤاله الى مدير المهرجان ماركو مولر »يا مولر، يا مولر... ما الذي فعلته؟"٠
هذا الفيلم من إخراج الألماني فرنر هرتزوغ كما أن »الضابط السيء: مرفأ نيو أورليانز« من إخراج الألماني فرنر هرتزوغ وبطولة نيكولاس كايج في دو الضابط الذي ينحرف (بشدّة) . و كلا الفيلمين في المسابقة ما يمنح المخرج المذكور فرصتان في حين أن كل مخرج آخر لديه فرصة واحدة٠
المشكلة هي أن كلا الفيلمين رديء، كذلك الحال مع عدد آخر من الأفلام. هي إما رديئة او لا تناسب عرضاً مهرجاناتياً٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال فضحكنا

يقول المنتج بوب وينستين وهو يتّخذ من الكرسي الشاغر جنبي على طاولة غداء أنه قرأ ثلاثة آراء نقدية منشورة بالإنكليزية: "إثنان منها مع الفيلم"٠
أقول: الثالث هو ناقد مجلة فاراياتي الذي هاجم الفيلم بضراوة٠
يرد: نعم... (يسكت قليلاً ثم يكمل): يبدو أنه كان مغتاظا ان فاراياتي لم ترسله الي فنيسيا٠

Oh... Well


فيلمان عن المرأة العربية الرجل فيها مُدان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

الفيلمان العربيّان الأوّلان اللذان تم تقديمهما الى الآن يطرحان موضوع المرأة في الصدارة. شيء مما سبق للسينما الإيرانية أن تبنّته قبل سنوات عندما أخذت، ولا تزال، تفتح صفحات من القهر الإجتماعي الذي تعانيه المرأة هناك. الفارق هو أن المرأة العربية موجودة في أكثر من بلد عربي وفي حين أن بعض مواصفات مشاكلها مع المجتمع الرجالي ومع التقاليد الصارمة التي تقف حائلاً دون أن تبني شخصيّتها المستقلّة، هي مواصفات مشتركة، لكن الكثير منها أيضاً مواصفات منفصلة بحكم البيئة الإجتماعية التي تنتمي اليها٠


فيلم يسري نصر الله »احكي يا شهرزاد« قد لا يكون الإطار المثالي للطرح، لكن قضيّة المرأة مطروحة فيه من أكثر من جانب. وفي مواجهة قصوره الفنّي على صعيد اسلوب المعالجة، فإن ما يطرحه في هذا المجال أربع قصص يعرض فيها لأربع نماذج مما تتعرّض له المرأة. وكل من المواضيع التي اختار الكاتب وحيد حامد تأليفها هي مستوحاة من الوضع الواقعي، لكنها تحت يد المخرج تتفاوت قيمة بين حالة وأخرى٠

القصّة الأولى هي مسرح الأحداث الآني: زوجان شابّان (منى زكي وحسن الردّاد) هي مقدمّة برنامج ذي إسم معقد. شيء مثل »نهاية الليل، مطلع الصباح« وهو صحافي معروف في صحيفة تنتمي الى الحكم. هي نشطة في عرض المشاكل الإجتماعية في مصر ومن وجهة نظر نقدية جريئة، وهو نشط في محاولة إقناع زوجته بالعدول عن هذا الموقف لأن برنامجها هو الذي يمنعه من الوصول الى كرسي رئيس التحرير كما يرغب. حباً بزوجها تقرر أن تفعل ذلك وتبدأ باستضافة شخصيات نسائية تلتقطها من هنا وهناك. الأولى تفضّل العيش في المصحّة النفسية. إمرأة تجاوزت منتصف العمر ولا زالت عذراء لأنها لم ترد أن تخوض غمار النفاق العاطفي المتداول. الثانية سجينة سابقة أقدمت على قتل شاب يدير المحل الذي تركه والدها لها ولشقيقتيها فعرف طريقه الي قلوب الثلاثة مخادعاً، والى سريرها أيضاً، وحين أدركت الأمر قامت بقتله وحرق الدكان. والثالثة هي طبيبة أسنان مثقّفة يغرر بها رجل الأعمال والمقرّب من الحكومة فيعاشرها ثم يتّهمها بأن الولد الذي حبلت به ليس إبنه لأنه عقيم ويطالبها بثلاثة ملايين جنيه تعويضاً لكرامته و-بعيداً عن الكاميرا- تنقذها زوجته السابقة حين تدلي بشهادة لصالحها في المحكمة٠
طوال كل ذلك القصص يواصل الفيلم، طبيعياً، الإنتقال بين القصّة الآنية والقصص المُسترجعة، لكن مع نهاية تلك الحكايات الشهرزادية، كما يرغب الفيلم تسميتها، ما عليه الآن الا أن يغلق النافذة على حكايته الأولى وفي هذا الفصل نشاهد فشل الزوج في الوصول الى المنصب وتبرير فشله بأن برنامج زوجته لا يزال هو السبب فيضربها وها هي الزوجة تجلس أمام كاميرا التلفزيون بعين مضروبة تحكي قصّتها هي٠

يبقى الحديث في هذه القصص نوعاً من الدعوة للإنشغال بمواضيع عاطفية بحثتها السينما المصرية كثيراً فيما سبق. الزوج الإنتهازي والزوجة التي تعاني من انتهازيته هي أساس فيلم محمد خان »زوجة رجل مهم« الذي لم يأت بعد فيلم يصل الى مستواه التعبيري، فنيّاً وكقضية اجتماعية، ولا حتى هذا الفيلم بالتحديد. المشكلة الأخرى والسائدة هي فنية. الفيلم فيه تنفيذ جيّد لضرورات التصوير والمونتاج، لكن ما عدا ذلك هو إسهاب غير مريح. الحكايات المسرودة ليست جميعاً مثيرة، لكنها كلها تدين الرجل كما لو أن مناصرة المرأة يعني بالضرورة وضع كل الرجال في خانة من الآثام الأخلاقية والإجتماعية. الى ذلك لو أن شهرزاد ألف ليلة وليلة هي التي كانت تسرد على مليكها هذه القصص بالرتابة التي تسودها في أكثر من مرحلة لأعدمها من الليلة الأولى٠


ثلاث نساء أخريات
الأمور مختلفة في الفيلم الثاني »الدواحون« او »اسرار دفينة« (يحمل الفيلم عنوانين). إنه من المخرجة رجاء العماري ويتبلور سريعاً كعمل مثير للإهتمام من دون أن يكون مدّعياً. في ذات الوقت، ومع أنه يطرح وضعاً نسائياً ذا علاقة بالكبت العاطفي، الا أن ميدان أحداثه يُبعد الفيلم عن الوضع الإجتماعي بحيث لا يمن اتخاذ شخصيات هذا العمل كنماذج من أي نوع يُذكر٠
لكنه فيلم جيّد ينتمي الى التشويق ويطل على احتمالات كان يمكن أن تؤدي به الى سينما الرعب لو لا أن الغاية لدى المخرجة البقاء بعيداً عن هذا التخصيص رغم توفّر الأجواء ونوعية الشخصيات٠

هن ثلاث نساء يعشن في ملحق لقصر كبير مهجور: الأم وابنتيها وكلّهن راشدات. عشن هنا بعيداً عن الأعين (من دون الإبحار في الأسباب) . في مطلع الفيلم تستيقظ عائشة (حفيصة حرزي التي أدهشت في فيلم عبد اللطيف قشيش »سر الكُسكُس«) من نومها وتخرج من الملحق الوضيع الى حمّام في غرفة النوم في الطابق الأول حيث تبدأ بحلق شعر ساقها قبل أن تداهمها شقيقتها فهذا، لسبب ما ممنوع. مهما كان هذا السبب فإن الفيلم يبدأ من هنا الإشارة الي وضع قمعي يكبّل الفتاة ويجعلها تعاني من الكبت العاطفي كما سنرى في أكثر من مثل لاحق في الفيلم٠
لكن عائشة ليست »المكبوتة« الوحيدة في الفيلم، بل شقيقتها أيضا ولدى المخرجة رجاء القدرة على تجسيد ذلك في مشهد معيّن تمارس فيه الشقيقة العادة السرية لإشباع حاجتها الجنسية. أما الأم فهي صارمة لكنها ليست شريرة. في الحقيقة ولا واحدة من هؤلاء النسوة شرير. كل ما في الأمر أنهن في وضع لا يمكّنهن، ولسبب غير معروف، من فك العزلة والإختلاط مع المجتمع. في هذا لا تُدين المخرجة المجتمع بل تدين الأسرة والظروف المبهمة التي فرضت عليها تلك العزلة٠
كل هذا الى أن يأتي اليوم الذي يقرر فيه وريث العائلة العيش مع صديقته في البيت لتبدأ سلسلة أخرى من الهواجس والتناقضات بالبروز الى السطح. وفي النصف الثاني من الفيلم يتم للثلاثة خطف صديقة صاحب البيت وحجزها في ذلك المكان. تتابع المخرجة هنا خطّا من الألفة التي تبدأ بالجمع بين الثلاثة وبين تلك الصديقة (الأكثر ثراءاً وعصرنة وثقافة) رغم أن المخطوفة لا تنسى أنها تريد أن تستعيد حرّيتها. الحالة التي يجد فيها المشاهد نفسه متابعاً حالة من أكثر حالات السينما العربية إثارة. ومع نهاية داكنة يتم لعائشة فيها التحرر من تلك القيود ولو غصباً، فإن الفيلم يسجّل نفسه في خانة الأعمال ذات النهايات المأسوية ذات القدرة على البقاء طويلاً في البال٠


أفلام فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صور بلاستيكية لموضوع عن صيد الشيوعيين في تايوان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Prince of Tears (2009) ***
أمير الدموع
Directed By: Yonfan | يونفان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 6


تايوان/ هونغ كونغ- المسابقة٠

في المسابقة الرئيسية فيلم »أمير الدموع« للمخرج الذي يكتفي بإسم واحد هو يونفان. إنه صيني من تايوان والفيلم يحمل إنتاجاً مشتركاً تايواني/ هونغ كونغي يتحدّث فيه عن الحقبة التي وردت في فيلم الإفتتاح »بيارا«٠
وجود يونفان أساساً في المسابقة كان مثيراً لتعجب عدد من النقاد كون بونفان لم يُعرف عنه إنجاز أفلام فنيّة بل أفلام جماهيرية. و»أمير الدموع« ليس عملاً فنيّاً لكنه يحتوي على جماليات لا بأس بها معظمها من نصيب التصوير كذلك المشهد المبكر لمروج صفراء، بحر أزرق صاف ممتد الى بعيد وسماء متجّمة وخلفية خضراء تحيط بتلك المروج. إذ يمر هذا المشهد تتمنّى أن يعود مثله، لكن باستثناء مشهدين آخرين من النوعية ذاتها يحتفظ التصوير (الذي قام به تشين تينغ تشانغ) بطابع مقبول مع اختفاء أي مفاجآت فنية أخري. يونفان يوفّر أرضية صالحة لمشاهد منفّذة جيّداً لكن كما لو كانت مناسبة لترويج ممثليه بين الجمهور الصيني خصوصاً وأن الموضوع الذي يقدّمه لا يستوفي حقّه من الطرح٠
إنها حقبة مهمّة في تاريخ الحياة السياسية في تايوان تلك التي أطلقت فيها الحكومة في مطلع الخمسينات حملات صيد لمن اعتبرتهم متعاطفين مع الحكم الشيوعي في الصين. مثل كل حالة مشابهة على جانبي الأيدلولوجيات السياسية، فإن الضحايا الأبرياء هم أكثر عدداً من المذنبين فعلاً. والقصّة هنا تتحدّث عن كابتن طيّار متّهم بالتجسس لصالح الصين والقبض يشمل أيضاً زوجته لكنه لا يشمل أخيه الأعرج الذي تدور حوله الشبهات بأنه هو الجاسوس الحقيقي. هذه الشبهات، على أي حال غير مؤكدة ومبعثها إبنة الكابتن الصغيرة التي تعاني الآن من وحدتها بعدما تم فصلها عن والديها. حكم الإعدام يصدر بالأب وينفّذ مع ثلّة أخرى من المتهّمين، والزوجة يُفرج عنها وإذا بها تتفق مع الشقيق على الزواج وتبرر ذلك لإبنتها الملتاعة بأنهما بحاجة الى زوج وأب بديلين٠
إذ يبدو الفيلم وقد انتهى عند هذا الحد، ينطلق ليفتح فصلاً من المشاهد ليجيب فيها على اسئلة كان تركها معلّقة. إنها عشر دقائق لا لزوم لها، لكن النهاية الأولى هي أيضاً ضعيفة التكوين٠
مع هذا الفيلم وفيلم »باريا« يكون المهرجان وجّه تحيّته للشيوعية كما لو أن العالم بدأ يهيؤ نفسه للإندماج في صلح مع ماضيه وسط الظروف الإقتصادية التي تعاني منه البلاد الرأسمالية، وإذا كان هذا صحيحاً فإن نبوءة الكتّاب السياسيين والإقتصاديين الأميركيين مؤخراً تثير الإنتباه ومفادها أن الإفلاس الرأسمالي الذي يرونه محتملاً هو الفوز الشيوعي الذي ربما انطفأت ناره لعقدين من الزمن لكن الرماد لا يزال ساخناً٠
فيلم يونفان لا يصل الى مستوى طرح نقاش من هذا النوع، ولا هو دراما فاعلة لبحث الماضي في أي إتجاه، بل أقرب الي »سوب أوبرا« مصنوعة للجمهور الواسع مع مستوى أعلى قليلاً من المعتاد بالنسبة لأعمال المخرج السابقة٠


فيغو مورتنسن لـمحمد رُضا: أنا منهك
لكني لن أترك التمثيل
٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حين ظهر الممثل فيغو مورتنسن لاعباً دوراً رئيسياً في ملحمة »سيد الخواتم« سنة 2001 اعتبره كثيرون وجهاً جديداً واعداً. البعض ذهب للتنبؤ بأن هذا الوجه الجديد سيحقق نجاحاً كبيراً في المستقبل
ليس أنهم كانوا على خطأ حيال المستقبل، لكنهم كانوا على خطأ حيال الماضي. فإلى أن ظهر مورتنسن في دور المحارب آراغورن في الجزء الأول من »سيد الخواتم« سنة 2001 كان أنجز 32 فيلماً من تمثيله بدأت بفيلم بيتر واير »شاهد« سنة 1985 (الفيلم الذي يجد هاريسون فيه نفسه في خطر حين حمايته طفلا شهد واقعة قتل) وانتهت بفيلم الرعب »28 يوماً« في العام ذاته٠ خلال تلك الفترة عشرات الأدوار المختلفة في أفلام متباينة: وسترن على رعب، على دراما، على أكشن ولا ننسى دوره المحدود في فيلم برايان دي بالما »طريق كارليتو« مع آل باتشينو في البطولة ولا دوره أمام غوينيث بولترو ومايكل دوغلاس في الفيلم البوليسي »جريمة كاملة« للمخرج أندرو دايفيز٠

بعد »سيد الخواتم« بات أكثر شهرة بلا ريب وشاهدناه يحاول النزوح من قبول شتّى الأدوار الى مرحلة أدق. عاد الى الوسترن في فيلم »أبالوزا« مع إد هاريس وأمّ فيلمين من إخراج الكندي ديفيد كروننبيرغ هما »تاريخ العنف« و»وعود شرقية« والآن في بطولة »الطريق«٠
هذا الأخير عرض يوم أول أمس في مطلع مهرجان فنيسيا وسط تضارب في الآراء منتصف طريقها
يوم وصوله الى حاضرة مهرجان فنيسيا وجد نفسه مرتبطاً بمواعيد صحافية متواصلة. ليس أن هذا شيئاً غريباً عليه، بل -بالتأكيد- شيئاً رتيباً بالنسبة لممثل بات يشكو من كثرة المقابلات التي تشغله عن العائلة والحياة الخاصّة بقدر ما تشغله المهنة نفسها٠

لكن مقابلتنا كان لها طعم مفرح. دعوة لهذا الناقد، كونه عضواً في
The Hollywood Foreign Press Association
مانحة جوائز الغولدن غلوب، لحضور عشاء على ظهر سفينة أسمها »فورس بلو« ترسو بعيداً عن جزيرة ليدو حيث المهرجان . يأخذك تاكسي بحري من المرفأ ويشق بك ظلام مطلع الليل لنحو ربع ساعة قبل الوصول الى الباخرة. تتحسس طريقك الى متنها لأن آخر ما تريده هو أن تسقط في مياه البحر وتغرق. ليس قبل أن تنجز ما جئت الى فنيسيا لإنجازه٠

لكن ماذا عن ذلك الإنشغال المتواصل لفيغو مورتنسن الذي جلست وإياه لربع ساعة قبل أن ينتقل الى طاولة أخرى كما تقتضي الأعراف؟

يجيب: "صحيح. أنا منهك من كثرة المقابلات ليس لأني أكره المقابلة الصحافية بل لأن عملية الترويج للفيلم الواحد تأخذ من حياة الممثل ثلاثة أشهر أخرى فوق ما سبق وأمضاه من زمن قبل وخلال التصوير"٠

هل صحيح إذاً أنك تفكر بالإستقالة كما ورد في بعض الأنباء؟ -
يفكر قليلاً كما لو أنه يبحث إذا ما كان يريد أن ينفي او يؤكد ثم يُجيب
نعم. ذكرت ذلك في حديث ما وفوجئت بانتشاره. لكني لم أذكره على النحو المؤكد كما اعتقد البعض. لم أقل قررت أن أترك التمثيل، بل قلت أفكر في أن أترك التمثيل وهناك فرق. ربما كنت منهكا أكثر من الآن وربما كنت أفكر بصوت عال او أتحدّث عن أمنية مستقبلية. لكنني الآن باق"٠

لا أريد أن أبقى في النقطة ذاتها، لكن يبدو لي أنك لم تعلن موافقت -
على مشاريع جديدة
بعد هذا الفيلم أريد قدراً من الراحة لذلك لست مرتبطاً

وسترن
الفيلم الذي يقصده بالطبع هو »الطريق« الذي شوهد في الليلة السابقة وفيه يؤدي دور رجل يسعى للنجاة وإبنه من آثار كارثة دمّرت الأرض ومعظم من عليها. فيلم وجدناه لافتاً لكنه أقل من مرضي او متكامل

كيف ترى الفيلم الذي شاهدناه لك في فنيسيا؟ هل تعتقد أنه -
فانتازيا أم أنه نبوءة واقعية لما قد يحدث للإنسان على الأرض؟

أعتقد أن الكثير مما تم تصويره لهذا الفيلم واقعي. اليوم تسأل العلماء والمفكّرين والفنانين والكثير من الناس العاديين وتجد أن غالبيّة هؤلاء قلقة على مستقبل الأرض. لكني لا أعتقد أن هذا الفيلم يبحث في هذا المضمار. أقصد أنه ليس فيلم دراسة عن مستقبل الأرض ولا يحاول أن يقرأ ذلك المستقبل ويقول: هذا ما سيحدث بعد حين قريب او حين بعيد. بل هو حالة. وضع يجد الأب نفسه مضطر لأن يعلّم إبنه كيف ينتحر إذا ما مات الأب قبله ووجد الصبي نفسه أمام أشرار يريدون قتله لأن الطعام انتهى من على الأرض٠

لكن الفكرة كما وضعها المؤلّف كورماك مكارثي تنطلق من نبوءة -
الا تعتقد؟
صحيح، لكني لا أرى الفيلم يعزز هذه النبوءة. همّه هو البحث في علاقة أب بإبنه وسط ظروف غير معهودة. قسوة في الطبيعة وقسوة في البشر. الإبن لبعض الوقت يستاء من تصرّفات أبيه الخائف على إبنه وعلى نفسه لدرجة القتل إذا ما اضطر الى ذلك. أعتقد أنه تصوير واقعي تماماً٠

في الآونة الأخيرة شاهدناك في أدوار رئيسية عديدة. أحببت منها -
فيلمك لجانب إد هاريس. ذلك الوسترن »أبالوزا«٠
نعم. إد فنان جميل وإنسان أجمل٠

حين كنت صغيراً، هل كان الوسترن يعني لك ذلك الحلم الرومانسي -
بسينما من البطولة التي لا تخضع لقوانين اليوم؟
انت اخترت الكلمات الصحيحة لوصف ذلك الشعور. لقد أحببت التمثيل والسينما معاً. أقصد أن هناك من الممثلين من يحب التمثيل على المسرح، او لا يحدد إذا ما كان يريد أن يمثّل على المسرح او في السينما او في التلفزيون. لكني أحببت التمثيل في السينما وهذا ما قمت به. الدافع لحب السينما كان ما شاهدته من أفلام وسترن. لا أقول أني كنت مدمناً بل ما شاهدته من أفلام الخمسينات جعلني أتخيّل نفسي على صهوة حصان في يوم ما

أمام المرآة وأمام الواقع
هل كنت تقوم بالتمثيل أمام المرآة او مع أصدقائك حاملاً -
مسدّساً من خشب كما كنت أفعل أنا؟
كنا نفعل ذلك ونصفنا يلعب عن مضض أدوار الهنود الحمر ولم يكن لدينا قصّة بل مشاهد علقت في البال حين شاهدنا آخر فيلم او حلقة تلفزيون٠

هل كان من بين أفلامك المفضّلة في هذا النطاق -
Shane?
High Noon, The Wild Bunch, Jesse James نعم و

هذا ثاني فيلم تقوم بتمثيله يتحدّث عن نهاية الأرض ٠٠٠ -
يُقاطع: "نعم. »28 يوماً« كان أيضاً عن نهاية العالم وسقوطه تحت براثنة الموتى الأحياء (يضحك) لكن الفوارق كثيرة وفي أساسها أن الفيلم الحالي فيلم يدعو للتأمل وهو ليس فيلم رعب، في حين أن الفيلم السابق.... متى حدث؟ قبل سبع سنوات؟

أعتقد أنه عرض في العام 2000 -
نعم. كان فيلم رعب على أي حال

سيكون لنا لقاءاً آخر في لوس أنجيليس حين يتم عرض الفيلم -
على الصحافة هناك
يضحك وقد أدرك المغزى: "لن أكون متواجداً. سأهرب. انتم الذين شاهدوا الفيلم في فنيسيا عليهم أن لا يكترثوا لمقابلة أخرى في لوس أنجيليس٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Sep 4, 2009

Year 3. Issue: 451 | Venice International Film Festival 2



في هذا العدد

  • أوراق فنيسيا | سجل يوم آخر
  • نقد الأفلام
  • Baaria | The Road | احكي يا شهرزاد




أوراق فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أول من التقي به على جزيرة الليدو من العرب الصديق يوسف شريف رزق الله مع السيدة زوجته يبحثان عن دكّان لشراء بطاقة هاتف محمول٠
الثاني كان سمير فريد بعد خروجنا من فيلم »أحكي يا شهرزاد« ليسري نصر الله. بعد هذا اللقاء بنحو نصف ساعة توجّهت لصالة تعرض فيلماً آخر، على أمل أن يغسل ما علق من الفيلم السابق، سمعت من يقول لي »أنا أمير العمري«٠ نظرت الى ذلك الصديق الواقف قريباً وكانت لحظة انتهت بالأحضان كما لو أن شيئاً لم يكن. هذه هي الصداقة التي تنتصر على كل ما عداها لأن لا شيء آخر يرتفع الى مستواها٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أول يوم من المهرجان وصلني خبر من اتحاد النقاد الدوليين أن إثنين من نقاد السينما ماتا قتلاً في مانيلا هما أليكسس تيوسيكو و(السلافي) نيكا بوهينش وفي اليوم الثالث مات -قتلاً- أيضاً مخرج وثائقي
الناقدان ماتا في عملية سرقة. ثلاثة مسلحين اقتحما منزلهما في غيابهما للسرقة. أليكسيس ونيكا عادا من الخارج وضبطا العصابة وهي في تسرق وفتحت تلك النار عليهما بكل بساطة ثم لاذت بالفرار٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما المخرج فجريمته مختلفة. المخرج كرستيان بوفيدا (اسباني/ فرنسي) كان ميّتاً في سيّارة متوقّفة عند الحدود المتاخمة لمدينة سان سالفادور، عاصمة السلفادور٠ لكن كالحالة الأولى الفاعل مجهول. لكن بوفيدا البالغ الثانية والخمسين من العمر أنجز في العام الماضي فيلماً وثائقياً يصوّر صراع عصابتي شوارع واحدة بإسم »عصابة مارا« والثانية بإسم »عصابة سالفاتروكا« ومما صوّره عمليّات إعدام متبادلة. الشكوك تحوم طبعاً في أن المخرج دفع حياته ثمنا للكشف عن البيئة الإجتماعية الموبوءة التي تصدّى لها وهو سبق وأن أخرج عدّة وثائقيات حول أوضاع مشابهة في أكثر من بلد لاتيني٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليلة البارحة اضطررت لعدم مشاهدة فيلم المسابقة لأني دُعيت، كوني من جمعية مراسلي هوليوود لحفلة ولقاءات منفردة مع شخصيات فيلم »الطريق« أمام وخلف الكاميرا. اللقاء حدث فوق مركب بعيد عن الجزيرة التي نحن عليها (كل شيء يبدو بعيداً بالفعل) وكدت أتأخر عن المركب- التاكسي الذي سينقلنا الى هناك. في الحقيقة، وصلت والكابتن يأمر برفع الجسر
كانت سهرة مفيدة جلسنا فيها (نحن أعضاء الجمعية) مع المخرج جون هيلكوت والممثل فيغو مورتنسن والممثلة تشارليز ثيرون وبدأنا حديثا طويلاً حول الفيلم تحوّل، بسبب اسئلة بعضنا، الى حديث حول مستقبل الأرض تبعاً لموضوع الفيلم٠
أقرأ النقد عنه أدناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لابد أن أحضر مهرجان توليارايد يوماً لأرى ما كل هذه الضجّة حوله
مهرجان في الجبال العالية يُقام -هذا العام- للمرة السادسة والثلاثين ولا يعلن عن أفلامه الا قبل أيام قليلة ما يسبب، باعتراف مهرجاني فنيسيا وتورنتو بعض الفوضى في البرمجة فلا يستطيع أحدهما الإدعاء بأنه يعرض الفيلم عالميا للمرة الأولى إذا لم يتأكد من تاريخ عرضه في ذلك المهرجان وإذا كان الفيلم موجوداً فيه أساساً
الأخبار بدأت ترد اليوم وفيها أن فيلم »الحياة في زمن الحرب« (أقرأ عنه أدناه أيضاً) و»الطريق« معروضان هناك وهما معروضان هنا أيضاً٠ كذلك فيلم ميشيل هانيكَ »الرباط الأبيض« الفائز بجائزة كان هذا العام وفيلم جين كامبيون »النجمة الساطعة« وفيلم اندريا أرنولد »حوض السمك«٠
أيضاً يحتفي (او كما الكلمة التي لا أطيقها »يكرّم«) المهرجان كل من فيغو مورتنسون (ذكر لي خلال المقابلة أنه يتطلّع قدماً الى هذا الإحتفاء لكنه سيصل الى توليارايد منهكاً) والمخرجة الألمانية مرغريت فون تروتا (التي كنت اخترتها كرئيسة لجنة تحكيم الدورة قبل الماضية من مهرجان دبي) والممثلة الفرنسية أنوك إيميه٠


أفلام فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رياح فيلم الإفتتاح لا تجري بما تشتهي سفن تورناتوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review 3
Baaria (2009) *1/2 ريح (باريا)٠
Dir: Giuseppe Tornatore | جوزيبي تورناتوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



إيطالي- الإفتتاح/ المسابقة٠

انطلقت مساء يوم أمس اعمال الدورة السادسة والستين لمهرجان فنيسيا السينمائي الدولي وسط آمال معقودة وتوقعات كبيرة بأن تأتي الدورة الجديدة ترجمة ايجابية لكل البذل والجهد اللذان صرفا عليها في أكثر من جانب وإتجاه. وفيلم الإفتتاح هو جديد المخرج جوزيبي تورناتوري »باريا« بطولة فرنشسكو شيانا وإيفا منديز ومجموعة كبيرة من الممثلين في أدوار متوسّطة وأكثر منهم في أدوار صغيرة

وهناك سبب آخر للإهتمام كامن في أنه الفيلم الإيطالي الوحيد الذي افتتح اي من دورات مهرجان فنيسيا السينمائي وذلك منذ ثمانية عشر سنة. فإذا أضفت الى ذلك، أنه أغلى إنتاج إيطالي منذ سنوات، ورصيد المخرج من الأعمال، وحقيقة أن الفيلم هو سبر حياتين واحد خاص مستوحى، إفتراضاً، من ذكريات المخرج عن بلدته براغيا التي باتت الآن ضاحية من ضواحي مدينة باليرمو، والآخر عام يتعلّق بنضال الحزب الشيوعي المحلّي لكسب الأصوات والإنتخابات والدفاع عن أبناء القرى الصغيرة والمزارعين وسواهم ضد المافيا والحزب الفاشي ثم الأحزاب اليمينية لاحقاً، فإنه من الطبيعي أن يُثير »باريا« كل هذا الإهتمام سواء من قِبل السينمائيين الإيطاليين او العالميين كما من قِبل الأوساط الإعلامية كافة٠

وفي حين التزم الجميع الصمت في حفلة الإفتتاح الرسمية حابسين أنفاسهم ومستعدين لعمل جدير بالإفتتاح، انطلقت مشاهد الفيلم تتوالى في هجوم من الصور المتسارعة والأصوات الضاجّة وفي صياغة غير ذاتية على الإطلاق تجعل من الصعب التعاطف، على نحو او آخر، مع أي من الشخصيات التي تلعب أدوارها هنا. »باريا« كما برهن بعد ساعتين ونصف من العرض عمل ميكانيكي كان يمكن لأي مخرج بذات الإمكانيات إنجازه من دون الحاجة الى إسم عالمي الرنين كإسم تورناتوري
قبل العرض، شاهد رئيس الوزراء الإيطالي الفيلم في عرض خاص

قبل العرض الذي أقيم له مساء أول أمس في فنيسيا، شاهد رئيس الوزراء الإيطالي الفيلم في عرض خاص في روما وأبدى إعجابه بالفيلم. كون هذا الإعجاب آت من سياسي يميني يرى في كل ما هو يساري مؤامرة شيوعية فإن الإعجاب أحدث ردّة فعل متسائلة. لكن الحقيقة أن رئيس الوزراء لديه سببين ليبدي إعجابه بالفيلم. الأول أن هناك مشهداً لشيوعي إيطالي عاد من رحلته الي الإتحاد السوفيياتي في الخمسينات محبطاً ومرتاباً بمباديء الحزب الذي ينتمي اليه، وهذا المشهد وفحواه تركا صدى بين كثيرين اعتبروا المشهد نوعاً من قبول المخرج اليساري بعبثية الفكر الشيوعي ونقده لهذا الفكر٠
السبب الآخر هو أن الفيلم من تمويل المنتج التونسي الأصل والفرنسي المؤسسات طارق بن عمّار الذي أودع في الفيلم نحو 40 مليون دولار. ومع أن المغامرة محسوبة ويُقال أن الفيلم بيع سلفاً بما يوازي نصف هذا المبلغ، الا أن بن عمّار وبرلسكوني صديقان ورجلي أعمال لديهما استثمارات مشتركة ما لا يُتيح لبرلسكوني انتقاد الفيلم حتى ولو لم يعجبه

في واقعه فإن »باريا« هو، بين مواصفات أخرى كثيرة، صرخة يسارية حول أحلام أجهضتها حركات التغيير التي وقعت في إيطاليا بالإرتباط مع تلك التي وقعت حول العالم. إذ ينطلق »باريا« من الثلاثينات وينتهي في الثمانينات، يسرد علينا توالي التيارات السياسية الإيطالية من الفاشية في الثلاثينات وخلال الحرب العالمية الثانية، الى الشيوعية التي انتشرت في إيطاليا بعد انتهاء تلك الحرب وخلال الخمسينات الستالينية، وصولاً الى الثمانينات حيث دخل الحزب الشيوعي الإيطالي مرحلة جديدة من الصراعات السياسية داخل إيطاليا بعد انهيار النظم الرسمية القريبة٠
بوضع هذه الملاحظات جانباً، وبالإقتراب أكثر من ماهية الفيلم وكيانه فإن »باريا« مخيب للآمال على نحو كبير وسيكون صعباً عليه منافسة أفلام جيّدة أخرى منتظرة قد لا تكون بالحجم الكبير نفسه، لكنها ستعمد الى النَفَس المستقل والى الإبداع الذاتي والحكايات والشخصيات القابلة للتصديق كمعين نوعي لها٠
ما يصرف الفيلم جهده عليه هو تقديم عدد لا يُحصى من الشخصيات من دون تركيز فعّال على تلك الرئيسية لتكوين حس جيّد بالعمل ولتطوير ملكية هذه الشخصيات الماثلة. يقدّم الفيلم لنا الأب الذي لم يحصل على علم كثير ويعمل راعياً للمواشي منذ صغره لكنه يحب القراءة، والذي نشأ أبنه صبياً وسط تقلّب الحياة الإجتماعية والسياسية في البلدة وصولاً الى شبابه.
المخرج الراغب في الحديث عن سيرة حياة موازية لشخصيته يتجاهل أن مثل هذا الحديث يحتاج الى قدر كبير من الشعور الخاص والحميمي ومن قدر أكبر من الذاتية والحس الوجداني على نحو ليس بعيداً عما حققه سابقاً حين سرد حكايته صغيراً وكيف وقع في حب السينما في فيلم »سينما باراديزو«. تورناتوري هنا تجاهل ما هو خاص في الوقت الذي يريد فيه سرد حكاية بطله بيبينو (فرنشيسكو شيانا) منذ أن كان صغيراً في الثلاثينات وحتى أصبح رجلاً على أعتاب الخمسين من العمر في الثمانينات. مع هذه الرحلة الشخصية رحلة موازية لإيطاليا وهي تنتقل من عصر الى آخر: الفاشية والحرب العالمية الثانية وازدهار الشيوعية بعد الحرب ومواجهاتها مع كل الأطراف الأخرى٠
بيبينو الفقير القابع في الأزقة يصبح شاباً يجر بقرته ليحلبها مباشرة الى الزبائن وفي يوم تلتقي عيناه بعيني فتاة جميلة (ايفا مندز) فيقعان في الحب. وردح من الفيلم يقع طريح مشاهد عليها أن تتوالي بينما نعلم ما ستنتهي عليه: فببينو وفتاته سيواجهان تعنّت أهلها التي تتمنّى تزويجها من ثري وسيقوم الشاب بالزواج من حبيبته غصباً واضعاً أهلها أمام الأمر الواقع. المشاهد العربي يتساءل متى سيلجأ الممثل الذي يلعب دور الأب لعبارة "من هنا ورايح لا أنت بنتي ولا اعرفك". لكن تورناتوري إذ يسرد هذا الجزء بكل تفاصيله المملّة ينطلق بعده لسرد حكاية ببينو وانتمائه الى الحزب الشيوعي وكيف أن طموحاته غير المحقّة لها علاقة بمحدودية ثقافته. وهو، اي المخرج، يوفر للفيلم عشرات المشاهد وملايين الكلمات من دون أن يسعى للحظة الى توفير ولو مشاهد تأمليّة صغيرة تكون بمثابة فضاءات تتيح للفيلم أن يتنفّس طبيعياً

للأسف، لا القصّة الذاتية تحوي على أي خصال شخصية وألفة تبعث على الإهتمام، ولا القصّة التاريخية تصدمنا بأي جديد او طرح لأي موضوع يحلل اجتماعيا او سياسياً أي شيء جدير بالتحليل. بديل المخرج لكل هذا هو هجوم بالصوت والصورة على عيون وآذان مشاهديه وحرص على ايقاع سريع غير ذاتي وبلا نبرة صدق وبكثير من الرغبة في إنجاز الفيلم بتوضيبة ميكانيكية غير فعّالة ولا يمكن أن تحقق للفيلم، كموضوع او كفن، أي إنجاز يُذكر٠
فوق ذلك كلّه هناك الإستخدام السيء لموسيقا سيئة وضعها -للأسف- الموسيقار الكبير إينو موريكوني. عبر لصقها بمعظم المشاهد مقطوعة ضاجّة وراء مقطوعة ضاجّة، تحوّلت هذه الموسيقا الى قنابل صوتية تختلط فيها أصوات كل شيء في آن معاً: الممثلون الذين يتكلّمون معاً (من باب الواقعية طبعاً) الى أصوات الطبيعة التي تبدو أكبر من حقيقتها الى الأصوات الناتجة عن باب يغلق من هنا وطبل يُضرب من هناك وهكذا٠
وحتى ينتمي الفيلم الى العصرنة، يستخدم وقد وصل الى مرحلة السبعينات بعض الأغاني التي كانت دارجة. يستخدمها من دون أن يحبّها فهي لا تعني شيئاً للمخرج ولا للفيلم لكنك تسمع البيتلز مثلاً في الخلفية ومن دون أي تأثير او مبرر حقيقي٠

بالطبع ليس أن كل إنتاج كبير او ضخم محكوم عليه بالفشل، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، برناردو برتولوتشي وسيرغي بوندارتشوك وكل المخرجين الذين أمّوا الأفلام الضخمة للتعبير عن نظرة بانورامية للتاريخ، لا تزال نماذج صالحة للدراسة. فيها فرص نادرة للسباحة في فضاء الواقع كما لو كان خيالاً ولنبش الذاكرة والمعتّق في البال عبر صور لا تنضب. تشاهد هذا الفيلم وتتمنّى لو كنت تشاهد فيلم فديريكو فيلليني الساحر »أماركورد« عوضه، او فيلم برناردو برتولوتشي »1900« بديلاً له. ما يحدث في فيلم تورناتوري الجديد هو أن الرغبة في حشد كل هذه القصص وكل تلك العناصر الفنية والإنتاجية في فيلم ضخم، أدّى -وعلى نحو غير متوقّع من مخرج عُرف عنه ذكاءاً فنياً مشهوداً- الى عمل مكثّف في كل تلك النواحي و-الأهم- ميكانيكي الحس والصنعة بحيث لا يمكن البحث عن مصادر ذاتية او لقاء بين الحكاية المسردة وبين ما قد يكون واقعاً وليس مجرّد رصف كتابي لخلق حالة او تسجيل موقف٠


الطريق الذي لا يودي ولا يجيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Review n. 4
The Road (2009) **1/2 الطريق
Directed By: John Hillcoat | إخراج: جون هيلكوت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الولايات المتحدة- المسابقة٠


في العام 2005 قدّم المخرج (الجديد حينها) جون هيلكوت فيلم وسترن استرالي بعنوان »العرض« حول حاكم محلّي في مطلع القرن الماضي (توم ولكنسون) يعرض على شرير كان الحاكم القى القبض عليه (غاي بيرس) أن يصطاد أخيه. المهمّة صعبة أخلاقياً لأن من المفترض لذلك الشرير البسيط أن يقتل شقيقه، وصعبة تنفيذياً بسبب الرحلة المنهكة التي عليه اجتيازها وصولاً الى مكان أخيه ثم العودة للإنتقام من ذلك الحاكم٠
الفيلم وجد إعجاباً من قبل نقاد كثيرين والنقلة التالية بالنسبة للمخرج جون هيلكوت كانت الإنتقال، قبل برود تأثير ردّات الفعل الإيجابية، الى هوليوود لإنجاز فيلم فيها٠
النتيجة »الطريق« عن رواية لكورماك مكارثي (كاتب »لا بلد للمسنين«) تتحدّث عن مستقبل قريب تصبح فيه الأرض دماراً شاملاً ولا يبقى من أحيائه سوى قلّة من السكّان يقتات معظمهم لحم الآخر بعدما نفذ الطعام٠
إنه مشروع صعب كون معظم الأحداث من نسيج رجل (بلا إسم في الفيلم ويقوم به فيغو مورتنسن) وإبنه الصغير (كودي سميت ماكفي) وهما يشقّان طريقهما مشياً عبر أرض أميركية مليئة بالخراب والدمار وخطر السقوط تحت أنياب آكلي لحوم البشر٠
هذا مع فلاشباكات مقتضبة للزوجة والأم (تشارليز ثيرون) في فترة ما قبل مقتلها (الذي لا نراه على الشاشة بل يتناهى إلينا سمعاً) وهي التي كانت تخشى على سلامتها وسلامة إبنها. طوال الطريق يحاول »الرجل« الدفاع عن إبنه ولا تستطيع أن تجد في ذلك لوماً او تخطئة حتى حين يأتي دفاعه قاسياً (مشهد له وهو يعرّي رجل من كل ملابسه ويتركه لمصيره بعدما كان ذلك الرجل سرق طعاماً من إبنه)٠
في إحدى المشاهد يلتقي الأب وإبنه برجل عجوز يعرف أكثر مما يبديه وسنواته المديدة لا تمنحه اي حصانة ضد الغير. أكبر سنّا من أن يؤكل وأوهن من أن يعيش طويلاً. هذا العجوز يؤديه روبرت دوفال تحت قناع من الخطوط والتجاعيد لكن عيناه وحركته لا زالت تكشفه٠ يلتقيان أيضاً بذلك الرجل الأسود الذي يتركه الأب عارياً من كل شيء بعدما حاول سرقتهما. عقوبة أقسى مما يستحق والمشهد يورد نظرة الصبي الى أبيه المتعجّبة من قسوته تلك٠
لجانب شخصيات آخرى قليلة جدّاً، هذا فيلم منفرد العزف طوال الوقت. ما يجعله مثيراً للإهتمام الوعد الذي حضنه منذ البداية: فيلم جاد عن نهاية العالم وسعي بطليه للبقاء أحياءاً مع عدم ولوج طرق تقليدية: فلا أمل مزيّفاً ولا بطولة نادرة ولا الناس التي بدأت تأكل بعضها البعض هم زومبيز على طريقة أفلام الرعب
لكن ذلك لا يمنح الفيلم كارت بلانش تعفيه من زلات قدم تتعلّق بالمعالجة. الفيلم مثل طريقه لا يقود الى شيء . المفاد هو أن طريقاً أخرى مع نهاية الفيلم مثل الأولى لا تعد بشيء! المخرج يترك فرصاً جيّدة تمر في الفيلم من دون استغلالها. إنه كما لو قرر أن يكتفي بتنفيذ سيناريو عبر نقل كلماته وليس عبر خلق رؤيته الخاصّة والإستفادة من تلك المناسبات الرائعة لخلق أجواء يسودها الغموض والترقّب وتتحرك فيها الأحداث على وتيرة تختلف كل قليل عن وتيرة المشهد السابق٠

الصعوبة هي في أن صلب هذا الفيلم هو رحلة من شخصين ليس لديهما الكثير لتبادله سوى وصف ما يقع على الشاشة والذي ليس من الصعب فهمه واستيعابه، ولا الكثير يحدث لهما على أي حال. هذا الفيلم جيّد الصنعة تقنياً لكنه يحتوي على مساحات ضئيلة لبلورة تطوّرات درامية ما او شخصية أيضاً. في النهاية هناك ذلك المشهد الذي ينضم فيه الصبي الى عائلة أخرى تشق طريقها صوب المجهول فوق أرض مليئة بالأشجار التي تسقط من طولها والمنازل المهدومة والموت السائد، لكن المفاد هنا لا يستطيع أن يعلو عن الطروحات ذاتها ما يعني أن مزيدا من الأحداث تنتظر العائلة الجديدة ثم ماذا بعد؟


شهرزاد يسري نصر الله نائمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 5
** إحكي يا شهرزاد
إخراج: يسري نصر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصر- خارج المسابقة


الإقبال على العرض الأول للفيلم المصري »أحكي يا شهرزاد« كان حاشداً في معظمه. وكل شيء بدا مشجّعاً لاستقبال فيلم من مخرج شق طريقه الى عدد كبير من المهرجانات العالمية وإن لم ينجز بعد الفيلم الذي يخرج بجائزة رئيسية من تلك المهرجانات (ليس حسب علمي). الإقبال على الفيلم (حضور احتل ثلثي صالة تتسع لأكثر من ألف شخص) لا يعود الى أن »أحكي يا شهرزاد« مشترك في المسابقة، لكن الى فضول لمتابعة سينما تكشف عن نفسها فجأة أمام الجمهور الإيطالي، كما لم تفعل من قبل داخل هذا المهرجان، كما الى إسم المخرج الذي يعرفه عديدون ومنواله من الأعمال السابقة. وهو منوال، عليّ أن أقول، ينزل في منتصف الطريق بين المشاهد العربي والمشاهد الغربي من دون أن يستحوذ كاملاً على أي منهما

فيلمه هذا من كتابة وحيد حامد ويبدأ على نحو تقليدي للغاية: التعريف بالزوجة (منى زكي) التي لديها برنامجاً تلفزيونياً يناقش القضايا السياسية بجرأة وصراحة ما يؤثر على محاولات زوجها (حسن الرداد) المتزلّفة لبلوغ منصب رئيس التحرير إذ لا يستطيع الوصول الى ذلك الحلم المقضي عليه بالإنتهازية من اللحظة الأولى الا إذا توقّفت زوجته عن طرح مثل تلك المواضيع، وهي لاحقاً توافق وتبدأ بانتخاب نماذج نسائية لديها ما تحكيه من وقائع ومشاكل ولو أنها جميعاً تَصُبّ في السياسة. هنا ومع النموذج الأول ينتقل الفيلم من ذلك التمهيد الى مرحلة سرد الحكايات التي تتولّى النماذج النسائية الإدلاء بها على الهواء أمام حفنة من الجمهور في الاستديو وجمهور من المشاهدين بينهم زوج المقدّمة الذي يرتفع ضغط دمه كلّما بدا أن البرنامج سيعود الى الحديث في موضوع شائك٠
القصّة الأولى تخص إمرأة اختارت العيش في المصحّة النفسية بعيداً عن المجتمع كونها لم تجد الشخص الذي تحبّه ولم تشأ الكذب على نفسها وتتزوّج من أي كان. والثانية تخص السجينة التي، بعد خمسة عشر عاماً في السجن، تعيش الآن مع سجّانتها في منزل الثانية والتي كانت قتلت رجلاً غرر بها وبشقيقتيها في قصّة فضفاضة وممطوطة٠ ثم يأتي دور الحكاية الثالثة فإذا بها عن طبيبة أسنان يزورها رجل الأعمال والنافذ الحكومي أدهم (محمود حميدة) ويقنعها بالزواج ثم ينجلي الموقف فإذا به مخادع يمتهن ابتزاز النساء اللواتي يعرفهن٠
الفيلم فقير في خياله الإبداعي. يمشي حسب خطّة سرد تقليدية تتكوّن، كما ذكرت، من تعريفنا بالحالة الإجتماعية والفكرية بين الزوجين، ثم -كما لو أن ذلك التعريف كان كامل العناصر ينتقل الي حكايات كان يمكن سماعها عبر برنامج إذاعي طالما هي لا تتطلّب بالضرورة عنصر الصورة٠
في مفهوم الفيلم وبسذاجة غريبة على الكاتب ومخرجه، أنه إذا ما كان الفيلم يريد الحديث عن حقوق المرأة فإن الرجال عليهم أن يكونوا من طينة واحدة: كلهم سيئون وإنتهازيون. الصحافي مرتزق ورجل الأعمال محتال وعم الفتيات الثلاث مدمن أفيون وصبي الدكّان وصولي وطاقم الصحافيين من مرتبة متدنيّة واحدة... إذاً هذه هي الحال: النساء أفضل من الرجال. هكذا ومن دون بصيرة او استثناءات٠
فيلم المرأة لا يجب أن يكون هكذا لأن التعميم يتحوّل الى سكّين يمزّق الشاشة.
والمسألة، سينمائياً، أسوأ من ذلك. في الحكاية الأولى ينام الفيلم، وفي الثانية يشخر وفي الثالثة يصحو قليلاً (شكراً لوجود محمود حميدة) ثم يغفو مجدّداً بعد أن يعود الفيلم لإغلاق نافذته المفتوحة حول العلاقة بين مقدّمة البرنامج وزوجها الصحافي فهو خسر المنصب الذي تراءى له ويلوم زوجته على ذلك ويضربها ويأتي تصفيق الجمهور الأجنبي موافقة، مفهومة ومُوافق عليها، لموقف الفيلم المؤيد للحقوق المهدورة للنماذج النسائية التي شاهدناها في الفيلم٠
لا شيء للإبداع هنا وكل شيء لسرد حالات تريد أن تنتقد لكنها تكتفي بسرد حكايات ناقدة والفرق كبير. حين ينتقل الفيلم الى حكاية ما، فإنه يعود الى الخط الأول الممتد بين الزوج وزوجته ولو في مشاهد صغيرة نرى فيها الزوجة في الاستديو ملتقطة من على شاشة »المونيتور« بينما ضيفتها المتحدّثة بكاميرا حيّة. ثم العكس أيضاً يقع: المقدّمة بكاميرا حيّة والضيفة على المونيتور. ربما مرّتين او ثلاثة من هذا التناوب مقبول، لكن بعد ذلك تريد أن تعرف لماذا. والجواب ليس في الفيلم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Sep 2, 2009

Year 3. Iss.: 450 | Apan | La Grande Guerre أفلام فنيسيا

في هذا العدد
  • أوراق فنيسيا | سجل اليوم ما قبل الأول من أيام المهرجان
  • نظرة عامّة على دورة هذا العام
  • نظرة على الإشتراك العربي هذه السنة، لماذا هو مميّز وبماذا؟
  • نقد فيلمين أوّلين شوهدا الى الآن

دفتر خرطوش (اليوم ما قبل الأوّل)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نحو 1600 ناقد وصحافي وإعلامي حجزوا أماكنهم في المهرجان لكني كنت من بين الأربعمئة الأوائل الذين وصلوا قبل يومين من افتتاحه. هذا الرقم قالته لي إحدى موظّفات المركز الصحافي بينما كانت تشرف على خطوات تسليمي بطاقتي الصحافية. خطوات لم تأخذ منها أكثر من خمس دقائق (في برلين دقيقتين من لحظة وصول دورك في الصف) وقد كنت في مهرجانات عربية وانتظرت نصف ساعة لأن البطاقة لم تكن حاضرة- وفي مهرجان آخر لم تكن كل البطاقات حاضرة وحين حضرت في اليوم الثالث تم فرشها على طاولة بلا مسؤول وما عليك سوى أن تلتقط بطاقتك او بطاقة غيرك إذا أردت٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا عرب بعد والوحيد الذي أعرفه وقابلته هو سيمون فيلد، من فريق مهرجان دبي السينمائي (لا أدري إذا ما كان لا يزال يعمل). إنه نازل في ذات الفندق الذي كان وعد بأن الإنترنت موجود في كل الغرف لكن هذا هو الأمل. الحقيقة هي أن عليّ أن أكتب تقاريري في الغرفة ثم أحمل الكومبيوتر الى صالون الإستقبال وأبعث ما اكتبه من هناك٠
كنت وعدت نفسي، من نحو ثلاثة أشهر أن لا أترك شيئاً يؤثر سلباً علي، بما في ذلك أن يبيعك الفندق نفسه على أساس أنك سترتاح فيه لتجد أنها راحة مشروطة. زميلي هوفيك حبشيان نزل في هذا الفندق في العام الماضي ولا يبدو أنه أعجبه. قال لي حين سألته عنه (هاتفياً) "يعني... ماشي الحال". لكن كل الفنادق فوق الليدو، وهي الجزيرة التي يُقام عليها المهرجان، حتى تلك الكبيرة ماشي الحال٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سعيد بوجودي هنا لأكثر من سبب لكن أحد هذه الأسباب حقيقة أنني أستطيع أن أمشي نحو كيلومتر ما بين الفندق والمهرجان في الذهاب والإياب. خلال السنتين الماضيتين أضفت، من دون إرادة، لوزني بضع كيلووات لا حاجة لي بها. لكن طبيعة العمل في البيت في الولايات المتحدة والمنطقة الصحراوية التي أعيش بها تجعل أيامي محددة بالجلوس حين أكتب. بالجلوس حين أقود السيارة. بالجلوس حين أشاهد الفيلم والقليل جداً من المشي٠
هنا مع سلطات بحر متوسّطية والكثير من زيت الزيتون والخل والفاكهة واكثر من ذلك من المشي، آمل أن أخسر وزنا. الخسارة الوحيدة التي أحلم بها في الحياة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إتصال هاتفي في منتصف الليل من السينمائي رضا الباهي يخبرني فيها عن بدء عجلة مشاريعه من جديد. هو سيبدأ تصوير فيلم سوري عما قريب، وقبله سينجز ما بقي من مشروع »براندو، براندو« ويسألني عن مشاريعي. على كثرتها أجد أن أهمها هو أنني سأشاهد نحو أربعين فيلم خلال إقامتي في فنيسيا. هاكم أول إثنين في هذا العدد زائد نظرات عامّة على المهم والمتوقّع

دورة كبيرة تعد بأسئلة شائكة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

من «ضابط سيئ: مرفأ نيو أولينز » لفرنر هرتزوغ
هل سينجز مهرجان فنيسيا أفضل دورة
له أم سيطير على الوعود التي تتبدى في
عروضه المقبلة ليسقط بسببها أيضاً؟
.................................................

ينطلق اليوم، الثاني من أبريل/ سبتمبر مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي في دورته السادسة والستين محاطاً بتوقعات كثيرة ليس أقلّها أن تكون دورته هذه أفضل الدورات التي تمّت تحت إدارة ماركو مولر، المدير الفني الذي تم تعيينه قبل ست سنوات في عقد ينتهي العمل به هذا العام
وإذا ما كانت هي أفضل دورة تتم تحت إشراف مولر، فهي بطريقة آلية، إحدى أفضل دورات المهرجان في تاريخه المتوسط، أي منذ أن أعيد الى الحياة بعد توقّف استمر بضع سنوات في مطلع الثمانينات٠

والسبب هو قوّة الأفلام، ولو على الورق٠
وهو سبب دائماً ما يكون مخادعاً، فالمخرجون »الكبار« اليوم يرتكبون هفوات قاتلة كشأن »الصغار« منهم او أن أعمالهم قد تتبلور في الظاهر شيئاً واعداً وحين تُعرض يتحوّل هذا الوعد الى أنقاض، كما حدث أكثر من مرّة مع مهرجاني »كان" و"فانيسيا" آخرها، كما قيل، الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي في دورته لهذا العام٠
إذاً لابد من النظر الى الورق والوعد التي تنضح به الى أن تتكشّف الأفلام واحداً تلو الآخر لكن مع فارق أن مهرجان فنيسيا يمارس حرصاً هذا العام لا يبدو أن كان مارسه في ربيع هذه السنة حين انطلقت دورته الثانية والستين نابعاً من حقيقة أن دورة العام الماضي من فنيسيا كانت، بإجماع معظم من حضر، من أسوأ دوراته ما جعل مديره مولر مستاءاً من النتيجة من ناحية ومصمماً على تجاوزها نحو دورة ناجحة يقول عنها الآن أنها أفضل الدورات التي أشرف عليها٠

البحث عن تمويل
أوروبا المشتركة في تشكيل قوي واضح هذه الدورة قد تحمل في مفردات أعمالها الفارق الرئيسي الذي سيميّز هذه الدورة عن سابقاتها. فالأسماء المطروحة هي جزء من الثقافة الحاضرة في السينما الأوروبية بدءاً من فيلم »مطبخ روحي« للمخرج التركي الأصل فاتح أكين وليس انتهاءاً بفيلم »نساء بلا رجال« للإيرانية شيري نزهت التي تعيش وتعمل في نيويورك٠
المشترك بين هذين الفيلمين والملاحظ في أكثر من فيلم آخر في الدورة الحالية حقيقة أن المخرج التركي الأصل فاتح أكين تركي ينجز أفلامه في وطن المهجر ألمانيا، بينما مخرجة »نساء بلا رجال« هي ايرانية تنجز فيلمها الأول هذا لحساب السينما الألمانية أيضاً٠
مخرجون يعملون خارج دولهم أيضاً، البلجيكي جاكو فون دورمايل الذي يحقق فيلمه الجديد »السيد لا أحد« في نطاق السينما الفرنسية والألماني فرنر هرتزوغ الذي أنجز لحساب شركة أميركية فيلماً صوّره في ولاية لويزيانا عنوانه »الضابط السيء: ميناء نيو أورلينز«٠ وإذا ما بدا العنوان مألوفاً فلأن المخرج الأميركي آبل فيريرا سبق له وأن حقق الفيلم نفسه قبل نحو خمسة عشر سنة ولو أن أحداثه آنذاك دارت في مدينة نيويورك وليس في نيو أورليانز٠

والبحث عن التمويل ولو في الصين ليس أمراً جديداً. ها هو المخرج الجزائري مرزاق علواش يحقق فيلمه الجديد »الحرّاقون« (المعروض ضمن تظاهرة "أيام فينسيا") بتمويل فرنسي كما فعل منذ البداية لأنه لا بديل له عن الشركات الفرنسية التي موّلت له مسيرته الى الآن٠
والمصري يسري نصر الله على درب يوسف شاهين من حيث أنه أنجز معظم أعماله الى الآن بتمويل فرنسي، بينها فيلمه الجديد »إحكي يا شهرزاد« المشترك خارج المسابقة أيضاً٠
هذا ما يجعل هذين الفيلمين أوروبيين فهل سيحوّلهما المهرجان الى فيلمين عالميين؟
هذا متوقّف على إذا ما جاء رد فعل النقاد الحاضرين هذه الدورة، ومعهم صحافيون وشخصيات إعلامية الذي يتجاوز عددهم 1400، إيجابيا حيال كلي العملين. إسم علواش في أوروبا معروف أكثر من إسم نصر الله لكن الأمر بالنسبة لأي منهما يتوقّف عند نضارة وجودة العمل الذي يوفّره المخرج لمشاهديه العالميين. من ناحية فإن مرزاق علواش مخرج حقق أعمالاً جيّدة ولافتة، ثم أخرى رديئة وعابرة، وهو يريد العودة لما أنجزه من مكانة سابقة عبر موضوع جديد يتناول المهاجرين العرب والأفارقة الذين يتسللون بحراً الى اسبانيا٠
أما يسري نصر الله فهو حقق بعض الصدى الطيّب عبر أفلامه السابقة (مثل »مرسيدس« و»أيام الشمس« و»حديقة الأسماك«) لكنها لم تنجز الحضور المتوخّى منها في الذهن الأوروبي (او العالمي) ولا زال بحاجة الى الفيلم الذي يحقق هذا الحضور. »إحكي يا شهرزاد« يعد بأن يكون هذا الفيلم٠

وجهات نظر
لجانب هذين الفيلمين القادمين من مخرجين عربيين نلحظ وجود الفيلم التونسي »أسرار مدفونة« لرجا عماري في مسابقة »آفاق«، وفيلمين مصريين آخرين »واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى (في مسابقة »آفاق« أيضاً وهي التظاهرة الثانية من حيث الأهمية وأسمها »آفاق«) وفيلم أحمد ماهر »المسافر« في المسابقة وهو إنجاز مهم، تحاول بعض الكتابات -بداعي الموضوعية- الحد من توقّعاتها بشأنه، وأخرى تؤكد أن الفيلم ما وصل الى مسابقة مهرجان فنيسيا الا عبر وساطة قامت بها وزارة الثقافة المصرية في أعلى مستوياتها مع مدير المهرجان ماركو مولر نتج عنها قبول الفيلم، وبعض الكتابات تصوّر المسألة على أن هذا القبول تم بعض ضغوط وليس عن قناعة٠
هذا في الوقت الذي قول فيه ماركو مولر لمجلة »سكرين انترناشنال« أنه مسرور للغاية بوجود فيلم »المسافر« ويضيف: "بحثت بجهد كبير لأن أجد موهبة" كموهبة أحمد ماهر٠
لكن ذلك النوع من الحكم المسبق الذي تواجهه السينما العربية من البعض لن يؤثر بحال من الأحوال على مستقبل »المسافر«. لقد وصل الى مسابقة المهرجان، وهذا وحده، بصرف النظر عن كيفيّته، إنجاز يأخذه المخرج وصانعي الفيلم بعين الإعتبار الشديد كونه دخل المسابقة وتم رفض نحو 1500فيلم آخر. هذا وحده يعني الكثير٠
لكن الرحلة لن تكون سهلة أمام »المسافر« بسبب وجود بعض الأسماء التي لها قدم وساق في المسابقات الدولية نظير مواهبها وخبراتها. يكفي وجود المخرج الفرنسي جاك ريفيت (87 سنة) القادم من تاريخ عريق كأحد مخرجي »الموجة الجديدة« في الخمسينات. لجانب جان-لوك غودار، حافظ ريفيت على لغة لا تخلو من التجريب والتحديث ولو أن مواضيعه (كما الحال في فيلمه الجديد »36 منظراً لسانت لوب«) غالباً ما تمحورت حول الفن عموماً وبنيت ركائزها على لغة تواصل بين المسرح والسينما٠

باريا لجسيبي تورناتوري

هناك أيضاً الفرنسي باتريس شيرو وفيلمه »اضطهاد« المنتظر أن يكون أحد الأعمال الكبيرة في المسابقة، وفيلم يماثله حجماً وطموحاً هو »باريا« لجسيبي تورناتوري الذي فاز بجائزة مهرجان فنيسيا قبل عشرين سنة عن فيلمه »سينما باراديزو«٠
كل هؤلاء من جيل يمتد من الخمسينات الى اليوم وهناك من هم أبناء جيل قريب مثل الإيطالي ميشيل بلاسيدو الذي يعود بفيلمه الجديد »الحلم الكبير« ومثل المخرج الأميركي مايكل مور الذي يعرض هنا »الرأسمالية« قصّة حب«، فيلماً وثائقياً آخر يتحدّث فيه عن مساويء الوضع الحالي في الولايات الأميركية منتقداً شجع المؤسسات الكبيرة وحماية إدارة بوش لها٠

توازن هش
إذاً، أحمد ماهر ينضم الى جيل جديد حقق أفلامه لأول او ثاني مرّة. الى هذا الجيل نجد الأميركي جون هيلكوت عبر فيلمه الكوارثي (عن الحياة بعد دمار الأرض) »الطريق« وتوم فورد عبر »رجل عازب« ومثل فيلم النمساوية جسيكا هاوزنر في »لوردس« . كذلك هناك المخرجة الجديدة شيرين نزهت التي تقدّم »نساءاً بلا رجال« وهو فيلم بدأته قبل أعوام عدّة كمشروع فيلم قصير لكنها أنجزت منه هذا الفيلم الروائي المنتقد لوضع المرأة في ايران والمشغول بتمويل ألماني، كما ذكرنا، علماً بأن شيرين فنانة تشكيلية تعمل وتعيش في نيويورك منذ عدّة سنوات٠
المشكلة هي وجود فيلم »إسرائيلي« عنوانه »لبنان« لمخرج أسمه سامويل ماعوز٠
هو مشكلة لأنه يفي بتلك الرغبة الهشّة بالمساواة بين فيلم عربي وآخر »اسرائيلي« كما لو أنه كثيراً على السينما العربية أن تدخل مسابقة ما من دون أن تسارع بعض الجهات لاقتراح فيلم »اسرائيلي« من باب التوازن المقيت٠
يجوز طبعاً أن يكون فيلم ماعوز فيلماً يستحق التسابق لكن هذا احتمال تداخله الشبهات مع تكرار محاولات توازن سابقة كما لو أن المهرجان المعيّن يخشى لومة لائم. فيلم »لبنان« يدور حول الغزو الإسرائبلي للبنان في منتصف الثمانينات من خلال »مذكّرات« و»ذكريات« جندي كان من بين الذين »عاشوا محنة« الحرب. وكان فيلم »الرقص مع بشير« تحدّث عن حرب 1984 نفسها وعن المأزق ذاته، لكنه أخفق في التحليل السياسي إخفاقاً شديداً ولا ندري بعد إذا ما كان ماعوز سيتجاوز هذا الإخفاق. لكي يفعل ذلك، فإن ما يحتاجه هو أن يعكس أن »المحنة« لم تكن من نصيب الجندي الإسرائيلي الفرد، بل أساساً هي اختيار كيان سياسي/ عسكري/ ديني فاشي وعنصري استباح أراضي الغير ولا يزال٠

اشتراكات اميركية
سنرى أيضاً تأثير سياسة جديدة ينتهجها مدير المهرجان حيال السينما الأميركية. فهو يقول مؤخراً أنه . استبعد هوليوود لكنه حرص على حضور السينما الأميركية. وهذا قد يكون صحيحاً بالنظر الى السمات الإنتاجية لكنه لا يزال بحاجة الى تدقيق٠
داخل المسابقة خمسة أفلام أميركية هي »الطريق« لجون هيلكوت. هذا هو ثاني أفلامه (من بعد فيلم وسترن لافت حققه في استراليا بعنوان »العرض« مع غاي بيرس وراي ونستون) وأكبرهما حجماً: خيال علمي من تمويل شركتين اميركيّتين شبه مستقلّتين، مع فيغو مورتنسن في دور أب لعائلة تحاول شق طريقها في أميركا المنكوبة بعد دمار شامل من شرقها الى غربها مدافعاً عنها ضد زمر من الأشرار٠ نظرة داكنة يعود مصدرها الى الروائي كورماك ماكارثي ذلك الذي وضع أعمالاً أحبّت السينما اقتباسها آخرها »لا بلد للمسنّين« الذي قدّم في نطاق مهرجان "كان" العام الفائت ثم استحوذ الأوسكار بعدها٠
أيضاً »الحياة خلال الحرب« للمخرج المستقل تود سولوندز مع آل شيدي وشياران هيندز، غابي هوفمان والبريطانية شارلوت رامبلينغ وعدد كبير من الممثلين الذين يلعبون أدواراً مساندة على طريقة ما كان المخرج روبرت ألتمن حيث تتعدد الشخصيات وتغطّي على الحبكة غير التقليدية٠
هذا لجانب ما ذكرناه من أعمال أميركية وهي »الرأسمالية، قصّة حب« و»رجل أعزب« و»ضابط سيء: ميناء نيو أورلينز«٠


أعرق مهرجانات السينما يبدأ دورة
جديدة
بحقيبة مليئة بالإنتاجات العربية
٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


ما هي حقيقة الإشتراكات العربية في
مهرجان فنيسيا هذه السنة؟ هذه نظرة
على الإشتراكات العربية التي يوفّرها
مخرجون من مصر وتونس والجزائر٠
.............................................

هناك أكثر من مسابقة في مهرجان فنيسيا (ستّة) أهمّها مسابقة أولى رسمية، وأخرى في نطاق تظاهرة رسمية أيضاً تأتي الثانية أهمية بين أقسام المهرجان أسمها »آفاق«٠ في المسابقتين هناك فيلم مصري هذا العام وذلك للمرّة الأولى في تاريخ المهرجان٠
ففي المسابقة الرسمية الأولى هناك فيلم »المُسافر« لمخرجه الشاب أحمد ماهر، وهو فيلم يشترك في بطولته عمر الشريف وخالد النبوي، وهو الفيلم الأول لمخرجه وأول إنتاج لوزارة الثقافة المصرية. وفي المسابقة الثانية هناك »واحد صفر« للمخرجة كاملة أبو ذكرى وهو من بطولة إلهام شاهين وأحمد الفيشاوي. وكلا الفيلمين اثارا ضجّة في مصر، الأول من خلال الترحيب به كونه دخل مسابقة مهرجان فنيسيا الصعبة التي لم يسبقه اليها فيلم مصري لمخرج أول من قبل، والثاني لكونه متّهم بأنه يمس الديانة المسيحية. تهمة نفتها المخرجة المصرية وسيتسنّى لنا في المهرجان الإيطالي الوقوف على حقيقة وضع الفيلم من هذه الناحية على الأقل٠

في العروض الكثيرة الأخرى يبرز إسم مخرج مصري ثالث هو يسري نصر الله الذي يُعرض له في نطاق تظاهرة بعنوان »أيام فنيسيا« فيلمه الأخير »إحكي يا شهرزاد« الذي انقسم النقاد من حوله في مصر، شأن ذلك شأن كل فيلم أخرجه المخرج في مصر من قبل٠
وإسم مصري آخر يبرز في قسم »أسبوع النقاد« هو إسم طارق صالح الذي يقدّم فيلمه السويدي الإنتاج وعنوانه »متروبيا«، وهو الأول له أيضاً. في البطولة جولييت لويس وفنسنت غالو مع ستيلان سكارسغارد. والمخرج مهاجر منذ سنوات بعيدة الى السويد وانطلق في رحاب الفن كرسّام قبل أن يقرر أن تحل الكاميرا محل الريشة في التعبير عن رؤيته٠
والسينما التونسية متواجدة في إطار فيلم لرجا عمّار عنوانه »اسرار مدفونة« معروض في مسابقة »آفاق« وبذلك يكون هناك فيلمان عربيان متنافسان لجانب فيلم كاملة أبو ذكرى٠
علي صعيد آخر يعرض المخرج الجزائري فيلمه »الحرّاقون« في تظاهرة »أيام فنيسيا« خارج المسابقة وهو فيلم عودته الى النشاط السينمائي بعد نحو ثلاثة أعوام مرّت على آخر فيلم له٠

وإذا كانت السينما العربية تعرض نفسها في هذا المهرجان بزخم ملحوظ، فإن السينما الغربية لديها -بالطبع- الكثير جدّا مما تعرضه. مسابقة هذه السنة تشكّلت من خمسة أفلام أميركية، لكن مدير المسابقة ماركو مولر يؤكد أنها أميركية لكن غير هوليوودية، هى »الطريق« لجون هيلكوت، »خلال زمن الحرب« لتود سولونتز، »رجل أعزب« لتوم فورد، »الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور و»ضابط سيء: مرفأ نيو أورلينز« للألماني فرنر هرتزوغ الذي اعتاد تحقيق أفلام أميركية في الآونة الأخيرة٠
أما أهم أسماء السينما الأوروبية فتتمحور حول الفرنسي جاك ريفيت (»36 منظر لسان لوب«) والتركي الألماني فاتح أكين (»مطبخ روحي«) والإيطالية فرنشسكا كومنشيني (»فضاء أبيض«) وهي إبنة المخرج الإيطالي الكلاسيكي المعروف لويجي كومنشيني، وكل ذلك لجانب عدد آخر من المخرجين المخضرمين او الواعدين٠


أفلام فنيسيا | محمد رُضا

1- La Grande Guerra (1959) ***
Dir: Mario Monicelli

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إيطالي- خارج المسابقة٠

عروض ما قبل الإفتتاح عادة درج عليها مهرجان فنيسيا منذ بضع سنوات ربما لتخفيف الضغط قليلاً عن اليوم الأول بالنسبة لعملية استقبال الحضور وتنظيم المهرجان إدارياً. لكنها ليست عادة سيئة حين يكون الفيلم جديراً- وهو عادة ما يكون متميّزاً على الأقل وهذا العام هو كذلك بالفعل٠

لا زال »الحرب الكبرى« (الذي نال ذهبية فنيسيا قبل خمسين سنة لكنه لم يحظ بأوسكار أفضل فيلم أجنبي حين دخل الترشيحات) يشي بمخرج كان يجد في الأفلام الحربية الصامتة مصدر إلهام. اللحظات التي يمضيها مع الصورة أكثر من تلك التي يمضيها مع الكلمة في ذلك الحيّز من المشاهد التي تسبح فيها الكاميرا فوق مواقع القتال. كذلك فإن موضوعه المعادي للحرب متّصل بثلاثة أفلام معادية للحرب إثنان منها صامتان هما الإستعراض الكبير« لكينغ فيدور (1925) و»ما ثمن المجد« الذي أخرجه الأميركي راوول وولش (1926)٠
الفيلم الثالث هو ناطق أخرجه ستانلي كوبريك سنة 1957 (عامان قبل هذا الفيلم) بعنوان »ممرات المجد« الذي هو التشابه الأقرب من حيث البعد المعادي بوضوح للحرب الذي يستخرجه فيلم مونيشللي من فيلمه ايضاً٠
الفارق الأساسي أن فيلم كوبريك متجهّم وجاد وليس لديه وقت للمزاح. فيلم مونيشللي، الذي أطلق عليه النقاد الإيطاليون قبل سواهم »ممرات المجد الإيطالي« على خط الوسط بين الدراما والكوميديا. موضوع جاد بتعابير هزلية٠
قصّة تركها المخرج بسيطة من حيث الجوهر: جنديّان ايطاليان (الراحلان ألبرتو سوردي وفيتوريو غاسمان) ينخرطان في الجيش الإيطالي في الحرب العالمية الأولى ويتعاملان مع قيادة ستيسطر بقراراتها على حياتيهما وسترسلهما للإشتراك في ما عُرف بمعركة "نهر بيافي« وهي معركة خاضتها ايطاليا لجانب قوّات فرنسية وبريطانية محدودة ضد قوات نمساوية ومجرية سنة 1918 وهي معركة انتصر فيها الإيطاليون بعد هزيمتين متواليتين في العام نفسه٠
لدى نقاد أوروبيين عديدين فيلم مونيشيللي تحفة سينمائية جديرة، وهو بالفعل عمل جيّد يجمع عناصر السينما الحربية والواقعية محلاة بمعالجته للموضوع٠
يبدأ المخرج فيلمه بتصميم مشهدي جيّد: لقطة طويلة واحدة لصف طويل واحد من الإيطاليين المصطفّين تمهيداً لضمّهم الى الجندية. صداقة تنشأ بين رجلين تستمر حتى النهاية رغم أن الفيلم ليس عن الصداقة ذاتها، بقدر ما هي معايشة، على قدر من المرح غير المضحك، لحياة المجنّدين قبل أن يتم إرسالهم الى جبهة القتال. هناك خمسون دقيقة من الفيلم مصروفة على هذه المعايشة في الجبهة الداخلية وتقديم الشخصيات المحيطة وعلاقة القيادة بالجنود وموقف مونيشيللي المنتقد للأولى. بعد ذلك نحو سبعين دقيقة من معايشة الجبهة الأمامية حيث المزيد من تلك التصاميم المثيرة للإعجاب من تصاميم الكاميرا وشغل التصوير (عمل مونيشللي مع ثلاثة مديري تصوير) من حيث تجسيده المعارك على نحو واقعي وبممثلين حقيقيين (مقابل ما هو منتشر اليوم من رسمهم بالكومبيوتر). لكن هذه التصاميم إذ تعكس رغبة المخرج المحققة بالإنتماء الى سينما حربية مشغولة بإتقان وحرفية عالية، الا أنها تترك مسافة كبيرة بينها وبين باقي العناصر. المخرج المعروف بلونه الكوميدي يطلق الكثير منها لكن القليل فقط يترك صدى او ردّ فعل. ربما آنذاك لمس أوتاراً حسّاسة بالنسبة لشعب كانت الحرب العالمية الثانية لا زالت ماثلة، والأولى لم تبرح بال مسنين بعد٠

السؤال هو التالي: لماذا حقق المخرج فيلماً كبيراً عن الحرب العالمية الأولى وتحاشى الحرب العالمية الثانية؟
مونيشيللي الذي يبلغ من العمر الآن 94 سنة كتب وأخرج ستة أفلام لها علاقة بالحرب، لكن العدد الأكبر مما حققه (75 فيلماً من بين 125 أخرجها او كتبها) كانت كوميديات اجتماعية من بينها أفلاماً أخرجها حين كانت الحرب العالمية الثانية لا زالت مستعرة٠
ربما المشاهدة الثانية المزمعة أفادت في القاء ضوء على هذا الموضوع، وربما لن تفد، لكن المهم القول أن من بين أفلامه الستّة التي تعاملت مع جبهات ساخنة، فيلم شارك وعدد من المخرجين الإيطاليين بتنفيذه تحت عنوان »رسائل من فلسطين« وحسب من شاهده "استمد من موقفه المعادي للحرب والباحث عن عدالة الإنسان ما عكسه على الفيلم"
٠
2- Apan/ The Ape (2009) ***1/2
Dir: Jesper Ganslandt

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



قسم: أيام فنيسيا دنماركي
في »القرد« طاقة مدروسة من قِبل المخرج جسبر غانزلاند ومن قِبل ممثّله الأول (وشبه الوحيد) أولي ساري، كما من قِبل مدير تصويره فردريك وينزل، جدير بها أن تُعتبر نموذجاً. لكن لندع هذا الجانب لحين ذلك لأن الدقائق الأولى من الفيلم سوف لن تخبرنا أي شيء عن هذه الطاقة الممارسة بأسلوب تتضافر فيها هذه الجهود الثلاثة، بل سيتركنا المخرج نواجهها بعد أن رصف الفيلم بمشهد هامد. هناك على أرض حمّام منزل نتعرّف على كريستر (ساري) وهو نائم. رأسه متدل من فوق كتفه وثمة رضّة تحت عينه وأخرى على جبينه. يصحو ويقفز من مكانه سريعاً حين ينظر الى يديه وملابسه الملوّثة بالدماء ويسارع الى غسل وجهه جيّداً قبل أن يخرج من غرفة الحمّام الى حيث جثّة صبي على الأرض٠
من هنا هو يوم واحد في حياة هذا الرجل الثلاثيناتي. يترك البيت ويزور عمله ثم يفقد أعصابه حين كان يمرّن فتى على القيادة. يعتذر ويترك السيارة. يزور النادي ويلعب (جيّداً) التنس لكن عينه على شاب يحاول التعرّف عليه. يتبعه الى الحمّام ويدخل غرفة الدوش وهو لا زال في الطلب ذاته. لكن الشاب يرميه بالرد المناسب مدركا إنه يتحرّش به ويغادر. كريستر ينطلق يعود الى البيت بعد 25 دقيقة من الفيلم وهنا نكتشف أن الصبي الملقى على الأرض هو إبنه وأنه حاول قتله. لكن الصبي لا يزال حيّاً وهو ينطق »بابا«. يهرع الأب به الى المستشفى ثم يغادر المستشفى دون أن يعرف إذا ما كان إبنه سيحيا او سيموت. يغسل السيارة وينظّفها من الدم ثم يعود الى البيت ليكتشف أن البوليس هناك. ينطلق بسيّارته الى منزل والدته. نراه يحمل سكّيناً. تستدير ناحيته قبيل وصوله اليها من الخلف وتحضته طبيعياً٠
يقطع المخرج هنا، لنرى كريستر يحفر حفرة صغيرة ليخفي السكين فيها. نعرف طبعاً أنه قتلها. يحاول الإنتحار لكنه يخاف. في الليل يعود الى المستشفى حيث يزور إبنه ويدرك إنه سيعيش. يصل البوليس ويبدأ التحقيق معه. لا نسمع شيئاً من هذا التحقيق إذ أن الكاميرا داخل غرفة الصبي والمخرج ينحو الى دقائق صامتة من هذا النوع أكثر من مرّة. في مشهد سابق. يخرج من سيّارته وتبقى الكاميرا. لا نسمع من العالم الخارجي شيء الى أن تنقلنا اللقطة التالية اليه. هنا يتركه البوليس يدخل الغرفة لتوديع إبنه الذي يقول له: "لقد شاهدت حلماً. كل الناس حيوانات ما عداك«٠

هذا فيلم عن الأسرة وعن رجل خسر كل شيء ولم يعرف كيف يحافظ على ما تبقّى له. ممثله ساري يستطيع أن يضعك في جو قاتل تلاشى المنطق من أمامه. ليس القاتل الذي يتحدّث الى نفسه ليؤكد لمشاهديه أنه فقد عقله، بل رجل لا يزال قادراً على التواصل مع ما كان عليه قبل أن يبدأ بارتكاب جريمته. الأم تحضنه في لحظة غير متوقّعة كما لو أنها أدركت فجأة أنها تريد توديعه لأنه سيقتلها، والإبن يخبره حلماً ينبؤ عن غفرانه له لجريمته في حقّه. في أحيان كثيرة لا نعرف قيمة ما نملكه الا بعد أن نخسره
سينمائياً مشدود وممثله يكتنز كل المطلوب لتجسيد الشخصية على نحو جيّد قابل للتصديق. المخرج غانزلاند يسرد في ثمان وثمانين دقيقة وضعاً اجتماعياً من زاوية شخصية واحدة وبأسلوب عمل بارع ومدروس بحيث لا يتم هدر دقيقة واحدة منه٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠