Aug 28, 2009

Year 3. Iss. 449 | خليك عالخط: محمد رُضا يكتب من فنيسيا خلال ساعات

Align Right

أوراق فنيسيا
| محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تساءلت وأنا أقرأ مقالة نشرتها صحيفة لبنانية تشكك في عملية اختيار فيلم »المسافر« لمسابقة مهرجان »فنيسيا« المقبل بعد أيام، ما إذا كان ذلك مهمّاً بالفعل أم لا. أقصد أن الناقد لا يجب أن يهتم كيف وصل فيلم ما الى مهرجان ما. بل، في حسباني المتواضع، عليه أن يحكم على الفيلم حين يراه وإذا كان جيّداً قال ذلك وإذا لم يكن قال ذلك وانتهى دوره عند هذا الحد.
ولا أدري إذا كانت تلك هي المقالة الوحيدة المنشورة هذه الأيام، لكن صاحبها يهاجم الضجّة الإعلامية التي تصاحب إختيار ثلاثة أفلام مصرية في المهرجان وعدد أقل من الأفلام العربية ويعتبره حماساً مبكراً قد ينجلي عن أعمال لم يكن معظمها يستحق أن يُعرض، حسب مفهوم كتابته٠

عمر الشريف: المسافر

لكن ليس هناك ما يمنع أن يتحمّس البعض لمثل هذا الموضوع. وسواء وقفت الواسطة، كما يقول، وراء دخول فيلم أحمد ماهر عرين الأسود (بما أن المسابقة تمنح أسوداً ذهبية وفضيّة وبرونزية) او لم تقف. هذا ليس شأن الناقد بل شأن الصحافي والفارق كبير٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


وعلى ذكر الأسود، لن يخطر على بال أحد أن ينال الفيلم الفائز في مهرجان فنيسيا هذا العام أسد حقيقي. الفائز بالجائزة الأولى هو جوزيبي تورناتوري (مثلاً) ... ويقفز هذا من مكانه لاستلام الجائزة ويصعد المنصّة سعيداً وإذا بإيطالية حسناء تخرج من وراء الستارة وهي تمسك بسلسلة حديدية في نهايتها أسد يحاول أن يقرر من سيتناوله للعشاء ممن هم على المنصّة، المخرج او الحسناء او رئيس لجنة التحكيم (أنغ لي)٠
لكن هناك مهرجاناً يقدّم حيواناً حيّاً كجائزة بالفعل٠
هذا المهرجان انعقد في نهاية شهر تموز/ يوليو في معسكر لاجئي دخيلة على الحدود الجزائرية مع موريتانيا والمغرب وأسمه بالفعل مهرجان الصحراء الدولي ويُقام منذ ست سنوات على ما أعتقد. كنت قرأت عنه مقالة في نيويورك تايمز وتقول أنه حين صعد المخرج الأميركي ستيفن سودربيرغ الى المنصّة لاستلام جائزته خرج من وراء الستارة رجل عربي يتقدّم جملاً أبيض حقيقياً. أليست هذه فكرة مبتكرة؟
طبعاً حين صعد مخرج »تشي« (الفيلم الذي عرضه هناك) الطائرة في طريق عودته، لم يصعد الجمل معه بل تم استبداله برمز له هو الذي حمله المخرج الى داره في هوليوود ووضعه في مكتبه كذكرى
المهرجان، حسب مسؤوليه وغالباً عن حق، هو المهرجان السينمائي الوحيد في العالم الذي يُقام في معسكر للاجئين. وهذا المعسكر يضم نحو 180 الف إنسان نساهم العرب من حلولهم وهمومهم موجودين على أرض متنازع على مستقبلها بين الدول الثلاث في منطق يشبه "المهم أنني آكل وأشرب وليذهب الآخرون الى الجحيم"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كُنت أدعى في الثمانينات ومطلع التسعينات الى مهرجان فنيسيا على حساب المهرجان أما الآن فالتمويل من البطاقات المصرفية الخاصّة التي تنأى أساساً بما عليها من ديون. أحياناً (وهذه الأحيان تتباعد منذ سنوات) تتدخل الصحف التي تقرر أنها تريد هذه السنة تغطية او لا تريد فتشارك بنسبة معينة او تغطّي كاملا تكاليف الحضور. هذا العام مثلاً قررت صحيفة "الشرق الأوسط" التي كنت أكتب فيها الصفحة السينمائية منذ أيامها الأولى والى حين استلم مكاني الزميل قصي صالح الدرويش، أنني من سيمثّلها في هذا المهرجان وعليه فإني مُغطّى والحمد لله٠
في مطلع التسعينات تمت دعوتي من قبل المهرجان لكن خطأ من مركز الإستضافات نتج عنه إعطاء غرفتي لشخص آخر. وصلت الى الفندق قبل الظهر مع حقيبتي قادماً من لندن وإذا بالإستقبال يقول لي أن غرفتي تم اعطاؤها لشخص آخر حل مكاني (لا أعرفه)٠ "لكني أنا صاحب الغرفة" قلت بصوت عال فأجاب الموظف: "هذا الخطأ من المهرجان هو الذي طلب منا هذا الاستبدال"٠

حملت حقيبتي الى تاكسي وقادني المسافة القصيرة الى المهرجان. دخلت المكتب الصحفي أوّلاً فأخبرتني المسؤولة أن إسمي بين المدعوّين لديها وأنه لابد أن هناك خطأ إدارياً: "الوقت ظهر ولا أعتقد أن أحداً موجوداً في الإدارة. هل تستطيع أن تعود اليّ بعد الظهر؟"٠
شكرتها وتوجّهت بنفسي الى مكتب الإدارة. دخلته جارّاً حقيبتي. ألقيت التحية على إمرأتين جالستين تعملان٠ قلت سبب زيارتي فردّت عليّ واحدة: "إذا ما كان هناك خطأ فأنا متأسّفة لكن الفنادق كلها محجوزة" قلت لها وأنا أعاين كرسيّاً في آخر القاعة. سأجلس على ذلك الكرسي حتى تؤمنون لي تذكرة السفر (التي كانت على حسابي) لأني جئت بناءاً على دعوتكم او حتى تجدون لي فندقاً أنزل فيه٠
حاولت السكرتيرتان التملّص لكني أصريت وبصوت هاديء لكنه هدوء أشرار السينما: "لن أتحرّك من مكاني حتى حل الإشكال. هذه ليست مسؤوليّتي"٠
بعد ثلث ساعة دخل رئيس هذا المكتب المسؤول عن الضيوف. نظر اليّ والى حقيبتي في طريقه الى مكتبه الخاص ونادى إحدى سكرتيرتيه. أدركت إنه يريد أن يسألها لماذا يجلس هذا الرجل وإذا ما كنت أنوى النوم في المكتب بعد الدوام. حين خرجت السكرتيرة من عنده نقلت اعتذاره عن الخطأ غير المقصود وهي تبتسم وأخبرتني ان الموضوع تم حلّه٠
الفندق الذي تم الحجز فيه أساساً كان »هلفتسيا« (او الهلافيت كما لقّبه ذات مرّة الزميل المحب سمير فريد) وكان يومها من نجمتين (الآن من ثلاثة). الفندق البديل الذي انزلوني فيه؟ الأكسلسيور من خمسة نجوم وحياتك ولو لثمانية أيام فقط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

من بين ما هو معروض في تظاهرة »آفاق« التي هي ثاني أهم أقسام المهرجان بعد المسابقة الرئيسية فيلم روسي جديد بعنوان »انسحاق« وهو مؤلف من خمسة حكايات من خمسة مخرجين يعبّرون عن السينما الروسية الجديدة، حسب تقرير من موقع روسي. وبالفعل فإن المخرجين المشتركين كلّهم من جيل لاحق لما بعد انهيار النظام السابق ومنهم أليكسي جرمان الإبن الذي كان نال الفضيّة في العام الماضي عن فيلمه »جندي من ورق«. سينمائي آخر معروف الى حد هو إيفان فيريبيوف وكان فيلمه شارك في مسابقة العام 2006. أما باقي المخرجين الذين يؤلّفون هذه الخماسية في ساعتين فهم بيوتر بوسلوف، كيريل سيرابينيوكوف وبوريس خليبنكوف٠
فيلمان آخران في العروض لكن أيضاً خارج المسابقة٠




سينما المرأة الإيرانية وحلم الحرية
نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نقدية| خالد ربيع السيد

قندهار

يلجأ السينمائي الإيراني إلى الرمز والإيحاء والإشارة الخاطفة .. ، هذا ما يمكن إلتقاطه بسهولة من خلال تتبع الأفلام الإيرانية ذات الصبغة الإحترافية العالمية، فهو يوظف "الرمز البصري"، للدلالة على معان قد تكون عميقة أو بسيطة، لكنها ثرية في كل حال، مثلاً يستخدم البالون الأبيض المنطلق في السماء للتعبير عن الرغبة في الحرية كما في فيلم (البالون الأبيض) لجعفر بناهي، وقد يستخدم "الرمز الدرامي" كالذي وظفه عباس كياروستمي في فيلمه (طعم الكرز) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 1997م، حيث يتناول الفيلم لحظات تأزم في حياة مثقف إيراني يريد الانتحار وتكمن مشكلته في أنه يظل يبحث طوال الفيلم عن شخص يدفنه، ثم يلتقي بعامل حديقة بسيط، ويعرض عليه أمر دفنه بعد إنتحاره، فيحاوره ببساطة وتلقائية موغلة في الفلسفة والحكمة ويستطيع بمنطقه المقنع أن يثنيه عن رغبته في الإنتحار .. مع هذا الجنايني يجتهد في الشرح للبطل المثقف بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش لأن أحدهم صعد الى شجرة كرز ليربط حبلاً يخنق به رقبته وأثناء تعلقه بالجذع أخذ حبة كرز وأكلها، فوجد فيها حلاوة الحياة وتراجع عن عزمه .. بكل تأكيد الفيلم يمثّل إدانة وصفعة للمجتمع والنظام الإيراني الذي يدفع الفرد إلى الجنون لدرجة الرغبة في الانتحار، ولكن في ذات اللحظة يمجد الحياة وينتصر للإنسانية

محسن مخملباف
هناك أيضاً "الرمز الديني" العابر أو المكثّف، نجده حاضراً في كثير من مشاهد فيلم (ألوان الجنة) للمخرج مجيد مجيدي، وكذلك في بعض المشاهد في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" للمخرج بهمن غوبادي
غير أن "الرمز الذكوري" يشخص واضحاً في فيلم (باران) لمجيد مجيدي، وفي فيلم (أسامة) للمخرج صديق باراماك، الذي بدأه بمقوله نيلسون مانديلا: ” لا أستطيع النسيان لكن أستطيع الغفران ” إذ يقودنا الفيلم الى عدم نسيان أفعال حزب طالبان وإدانة حكمهم وفكرهم ،وهو يتحدث فيه عن امرأة خسرت عملها بعد ان اغلق نظام طالبان المستشفى الذي تعمل به ، وبسبب القانون الذي يحرم ظهور المرأة من دون محرم , اظطرت هذه المرأة للبقاء في المنزل بسبب وفاة زوجها واخوها , ومع ازدياد الفقر والجوع لجئت هذه المرأة لتنكير إبنتها على شكل ولد حتى تستطيع الظهور معه وكأنه محرم ، وأطلقت على هذا الولد إسم "أسامة"، وتبدأ رحلة الخوف والقلق من الانكشاف، لكن يتمّ ضبطها وينكشف أمرها، ولصيانتها يحكم الشيخ الطالبانيّ بتزويجها قسراً لرجلٍ مُسنٍّ يُضيفها إلى "حريمه" المحبوسات في داره!. الفيلم تجريم للذكورة الطالبانية بكل أبعادها الإجتماعية الضاربة في التخلف والتعسف. الفيلم حاز على ثلاثة جوائز في مهرجان كان 2003م، وعلى جائزة الغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي ، وحاز الجائزة الاولى لمهرجان الافلام والاساليب الجديدة بمونتريال 2003، والفيلم رغم أفغانيته نستطيع إدراجه في قبيلة السينما الإيرانية لتأثر المخرج صديق باراماك بأساليب السينما الإيرانية، لا سيما وأن جل الطاقم افني للفيلم من الإيرانيين .. ٠

هناك كذلك "الرمز الموسيقي" الموحي بالتنفيس والتوق الى الخلاص من الضيق والتأزم كما في موسيقى حسين عليزاده في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" الآنف الذكر .
لكن في مقروئية عابرة، نجد أن بعض هذه الرموز لا يمكن فهمها بسهولة من قبل المتفرج البعيد عن الثقافة الإيرانية، ففي فيلم (العشاء الأخير) الذي حصل على إحدى الجوائز في مهرجان القاهرة السينمائي 2002 ، يتعمد المخرج إنتقاء أسماء لها رمزية خاصة. فهو يقدم الزوج "محسن" بما يحمل هذا الإسم من دلالة دينية تكنوقراطية في إيران اليوم! ، ويقدمه كشخصية سلبية رئيسية في دور موظف كبير بوزارة العدل، شخصية محافظة دينياً ومتزمتة سياسيًا؛ بما يتناسب بهذه الوزارة التي تعد معقلا للسياسيين المحافظين، بينما كانت كل الشخصيات الإيجابية الأخرى في الفيلم، سواء الأم أو الشاب زميل ابنتها وزوجها فيما بعد، أو أبوه أو أخته تحمل أسماء فارسية أصيلة تنتصر لقيم الإنسان الإيراني بموروثاته العرقية والثقافية والأنثوجيوغرافية العامة .

هذه الرمزية لها جذورها في التراث الفارسي، سواء في قصص الحيوانات (وكلنا يتذكر عبد الله بن المقفع مترجم "كليلة ودمنة") أو في "شاه نامة الفردوسي"، ، ولا يغيب أن الرمزية في الثقافة الفارسية تستمد دعماً رئيساً من فكرة "التقية" عند الشيعة، والتي تمثل المأثور الشعبي الإيراني الديني، الذي ظل يستدعيها في روايات "التعزية" أو قصص مصارع شهداء آل البيت،والتي كان يؤديها الرجال فقط، تمشياً مع مبدأ التقية، للدرجة التي تؤدى فيها الأدوار النسائية بشخوص الرجال.
وبتسليط الضوء على تصريحات المخرج الإيراني محسن مخملباف صاحب ""كان يا ما كان سينما" ،"سلام ياسينما" ،"الصمت" ،"جنس وفلسفة" ، "قندهار" و طعم الكرز" ـ في حواره مع جيزيل خوري في قناة العربية (شهر يونيه 2009) عن عودته للتفاعل المباشر مع شؤون السياسة بعد ابتعاده عنها مدة ثلاثين سنة، وربطه لهذه العودة بدماء الشهيدة "ندا" التي قتلت على يد الشرطة الإيرانية ..نلمس التلميح في خطابه، وهو تلميح يشابه ذلك الذي يقدمه في أفلامه، إلى أنه كان هاجراً للشأن السياسي و مبتعداً عن همه، لكن من يتابع أعمال هذا المخرج المثقف يدرك تماماً بأن الرجل كان غارقاً طوال سني حياته في عمق السياسة بشقيها الإجتماعي والأيديولوجي، وأنه لم ينفصل عن نبض شعبه لحظة واحدة، وربما عرفت عائلة مخملباف بأنها الاكثر تميزاً بسببه، فقد أسس مدرسة في بيته يدرس فيها الفلسفة والسينما ليمنح العالم ثلاث مخرجات، إبنته سميرا مخملباف ، ومرضية الزوجة الثانية له، وهانا أو هناء إبنته الصغرى التي أخرجت فيلما بعنوان "فرقة الجنون" سنة 2002٠
أفلام آل مخملباف (مرضية وسميرا وهانا- او هناء) الأولى. جائت متماهية مع صورة إيران المحافظة التي كرّسها الوالي الفقيه والإمام السياسي، تلك الصورة الرصينة المبتعده عن مظاهر التحرر والحداثة، والنائية عن الأفكار التثويرية والتحريضية، فهي ملتزمة بعدم ظهور الممثلات وهن (متبرجات)، بإعتبار السفور وزينة المرأة مسألة مرفوضة جوهرياً في الثقافة الإيران الإمامية، لكنها رغم ذلك كانت أفلامهم مشحونة بلغة إيحائية معارضة تهمس في خفوت شديد وتأثير بالغ وتندد في صمت صارخ، ورغم ذلك يمكن الوقوف على أفلام مخملباف اللاحقة التي صنعها بعد إستقراره في أوروبا، وطرحه لموضوعات مناهضة للصورة النمطية المعروفة عن السينما الإيرانية المحافظة، لذلك إذا تأملنا جميع الأفلام التي كتبها أو أخرجها مخملباف لوجدنا أنها تحمل بذور الرفض والمناهضة في داخلها حتى وإن ظهرت محافظة شكلياً


هذا التحول في مستوى حرية الإشتغال السينمائي عند مخملباف، يكشف أنه كان مسكوناً بالسياسة في جميع أفلامه حتى لو لم يعلنها صراحة، بل أنه كان ضد مظاهر المحافظة التي رضخ لها حيناً بسبب ضغوط الرقابة الحكومية الدينية، فعندما تهيأت له الفرصة في قول ما يريد، قال، وأنتج فناً رفيع المستوى مثل أفلامه: (الجنس والفلسفة) وَ(صرخة النمل)، الأمر الذي يؤكد أن التزامه السابق كان شكلياً فقط، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة مشاركة المرأة في سينماه التي ينبغي أن يظهرها في لباس محتشم وحوارات لا تتطرق للمشاعر العاطفية أو التلميح الجنسي أو الحب، وكذلك الإبتعاد كلياً عن لغة الجسد من رقص أو تصوير مفاتن وجمايات الجسد الأنثوي، ناهيك عن لمس يد المرأة أو ملامسة المرأة لأي جزء من جسد الرجل ، أو حتى مجرد النظر بغنج أو دلال .. وما إلى ذلك من قائمة طويلة من الشروط الرقابية الصارمة٠
في فيلم "جنس وفلسفة" وهو ممول فرنسياً، وأخرجه مخملباف في طاجكستان، يتجاوز فيه "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو يظهر المشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة٠
فهو يقدم منظوره الشخصي من جهة تأملاته الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" وصار لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات. غير ذلك فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم رقابياً وشعبياً منذ أن أنجز عام 2003..
يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين. ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها. ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.

من: اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة

ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن"٠
وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"! أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.
يطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب٠
ويذهب أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب٠
وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!
هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة، إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة٠
ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.
وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء٠
قد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات٠
وللذكر، فإن من أهم المخرجات الايرانيات اللواتي تأثرن بمحسن مخملباف، و يزاولن عملهن بمثابرة ورؤية واضحة تصب في خانة إثراء الوعي بقضايا الإنسان والمرأة في إيران : المخرجة راخشان بني إعتماد 50 عاما ، قدمت فيلم "نرجس" ، في تناول شفيف عن علاقة الرجل بالمرأة، وكذلك المخرجة تامينية ميلائي المولودة في تبريز 1960 ، وهي درست العمارة ثم اتجهت للسينما، تعرضت للسجن، لجرأتها في طرح إشكاليات إجتماعية وثقافية وسياسية، تدخل خاتمي لاطلاق سراحها، وأهم افلامها "النصف الخفي" 2001، وفيلم "ماذا أيضا جديد" 1993 وفيلم "أطفال الطلاق" إضافة إلى فيلم "سجن النساء" الذي يعد من أفلامها الضافية٠
في فيلمه (قندهار) يطرح مخملباف معاناة المرأة في بيئة ذكورية متسلطة، وفي فيلم إبنته هانا (بوذا انفجر خجلا) إنتحاء الى العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، وفي فيلم (اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة) وهو من كتابته، وإخراج زوجته مرضية، نعي أليم للحالة التي وصلت إليها المرأة الإيرانية، فمن خلال ثلاثة قصص منفصلة متصلة تبث مرضية صورة سينمائية واعية، عن قصة إنسانية شديدة العذوبة وكالعادة شديدة البساطة، لتضع المشاهد عند الشعور بذلك اليوم الذي أصبحت فيه تلك الطفلة(حواء) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه تلك الشابة(آهون) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه العجوز(حورا) امرأة ٠
إنه يوم واحد وثلاث أجيال، ثلاثة أعمار مختلفة، ثلاثة من النسوة يجابهن فيه يوم مفصلي في حياتهن، يخضنه باسلوبهن وفيه تشعر كل واحدة أن هذا اليوم هو اليوم الذي أصبحت فيه امرأة، بكل ما تحمله هذه الصفة من تبعات كينونة لم تختارها، وبكل الألم المنسرب لحظة إكتشاف كل واحدة أنها أصبحت امرأة في بيئة تحملها أوزاراً لم ترتكبها بعد باعتبارها منبع الفساد والرذيلة٠

القصة الأولى : طفلة في التاسعة من العمر، فجأة تتحول حياتها من لهو ومرح الطفولة إلى أعباء المرأة وتحمل المسئوليات . . فاليوم عيد ميلادها التاسع وتفرض عليها أمها وجدتها أن تغطي شعرها وتستر جسدها بعباءة طويلة ، وأن تنتهي من اللهو واللعب من (حسن ابن الجيران) – وأن تلتزم بيتها ، وهي لا تفهم ما الذي حدث ما بين الأمس واليوم ، ثم تتذكر أمها أن الطفلة كانت قد ولدت في الثانية عشر ظهراً ، بينما الساعة الآن الحادية عشرة، إذاً فأمامها ساعة تستطيع أن تلهو فيها قبل أن تصبح امرأة ويفرض عليها كل هذا٠

القصة الثانية : شابة في ريعان الصبا تشترك مع أقرانها في سباق للدراجات ويلاحقها زوجها محاولا منعها من هذا السباق وإعادتها للبيت، ولكنها تصر على الاستمرار ، فيهددها بالطلاق فلا تأبه .. يجمع رجال القرية ، ثم شيوخها كبراءها لينذرونها ويهددونها ولكنها تصر على الانطلاق والاستمرار.الفيلم عبارة عن حركة واحدة: فتيات ينطلقن على دراجات ..ثيمة واحدة وإفصاح ثري ٠

القصة الثالثة : عجوز ترث ميراثاً كبيراً في آخر أيامها، فتذهب الى سوق كبير لشراء كل ما كانت تتمنى وتحلم به طوال سنوات عمرها، منذ طفولتها، وحتى صباها وشبابها، وتقوم بفرش كل هذا المتاع على الشاطئ وتحت الشمس ، مستعرضة في لوحة فانتازية كل إقتنته، لكنها تراجع أحلامها وكل ما اشترت لتجد أن هناك ما نسيته، فتتذكر بعضه والبعض الآخر تنساه بالمرة.
كل هذا يشير للدور السياسي الذي لعبته سينما آل مخملباف (وغيرهم) في بث الوعي في عقول الشباب الإيراني وإشعال رغبة الثورة ضد وصاية رجال الدين والأولياء في حكومة "الثورة الإسلامية" المجحفة
و إذا أضفنا إلى ذلك أفلاماً مثل "الدائرة" وَ"حالة تسلل" لجعفر بناهي و فيلم "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن غوبادي، لوجدنا أن حالة الرفض للوضع السياسي القائم تكاد تكون عامة بين سينمائيي إيران.، و لن نبالغ إذا قلنا بأن السينما الإيرانية احتضنت بذور الثورة، بل نكون محقين إذا تنبهنا لذلك، لا سيما وأنها ساهمت في إنمائها في السنوات العشر الماضية ولم تغيب عن ميدان السياسة أبداً، وكان صوتها عالياً في بعض الأعمال، مرتهناً دائماً للفني والجمالي.
وبذكر الأصوات العالية وأشدها صخباً نجد فيلم "السحلية" الذي نجح تجارياً سنة2004 حتى أصبح الفيلم الأكثر رواجاً في السينما الإيرانية. وهو يقدم بشكل ساخر قصة لص محترف في تسلق الجدران والأسوار، ويدخل السجن بسبب سرقاته، ولكن تتهيأ له فرصة الهرب من السجن بعد تخفيه وإرتدائه لعمامة الأولياء، كان وجدها في مستشفى السجن أثناء إدعاءه المرض، وما أن يرتدى العمامة حتى يتمكن من الهرب بسهولة، ويصبح واعظاً مهيباً، له أتباع ومريدون يقدسون كلمته اتلتي يقولها، في رسالة واضحة مفادها الاعتراض على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الإمام والوالي لمجرد ارتدائه العمامة٠
يقول محسن مخملباف لجيزيل خوري "كنت تلميذاً لخامنئي وشاركت في المظاهرات ضد نظام الشاه والآن أعود لنفس النقطة وأقف مع الشعب ضد الديكتاتورية والتسلط" واضعاً تصوراً لإيران التي يحلم بها والتي لا تبتعد كثيراً عن صورتها في عهد الشاه بهلوي الذي ثار ضده في نهاية السبعينيات٠

ويعقب ، كانت إيران حينذاك أشبه بأوروبا تكفل حرية الفرد وحرية الفنان والإنسان بشكل عام، رجلاً كان أم امرأة، وكانت المطربة غوغوش رمزاً لهذه الحرية، وهي أشهر فنانات عهد الشاه، فقد غنّت ورقصت ومثلت في السينما بكل حرية حتى أصبحت نجمة عالمية، ثم تحولت إلى رمز صارخ لتلك الحقبة، إنها حلم جميل يداعب مخيلة مخملباف وبقية الإيرانيين الحداثيين، فكلما تأملوا واقعهم المؤسف الذي صنعته أوهام رجال الثورة الإمامية في بناء يوتوبيا مستحيلة .

من فيلم: الجنس والفلسفة
وربما لا ندرك نحن غير الإيرانيين هذه الإسقاطات والرموز لكونها خارجة عن نطاق معرفتنا وثقافتنا أو لكوننا ـ أحيانا ـ لا نريد أن نرى السينما الإيرانية إلا في إطار رومانسي أيديولوجي لا يرى فيها إلا نموذج لما يظنه سينما إسلامية تنجح وتصل للعالمية . . هذه العبارة قالها بكثير المنطق الإستشرافي الواعي ٠

ويواصل حديثه، أذكر أنني قابلت مخرجا إيرانيا اسمه فروج كريم في مهرجان مانهايم السينمائي بألمانيا سنة 1991م وكان يعرض فيلمه الأول "الفصل الأخير" وتناقشنا حول السينما الإيرانية وأبديت إعجابي بفيلم "الغريب والضباب" لبهرام بيضائي بوصفه فيلما يتنبأ بالثورة وبقدوم الإمام الخميني، وهنا ضحك قائلا إن هذا الفيلم بهائي ومليء بالرموز البهائية، و"الغريب" رمز للبهاء وليس للخميني وكل الإيرانيين قد فهموا هذا بسهولة.! ٠
مثال آخر على هذا، فيلم "ذات الحجاب الأزرق" للمخرجة راخشان بني اعتماد، الفيلم ينتهج أسلوب الواقعية الطبيعية ويقدم علاقة رجل أعمال غني، بفتاة عاملة متمردة، بعد موت زوجته وعلاقة بناته به بعد زواجه من الفتاة، وكان الرمز الأساسي في الفيلم هو "الحجاب الأزرق" أو بالأحرى اللون الأزرق الذي هو في الثقافة الإيرانية لون العثمانيين السنة وهم الأعداء التقليديين للشيعة بلونهم الأسود المعروف! والتمرد عند الفتاة يتحول إلى تمرد عام ورفض سياسي من خلال هذه الجزئية الصغيرة. هذه الجزئيات والرموز والتحايلات لا تمر على الرقيب الإيراني أو المسئولين، لذلك أحيانا ترفض الأفلام وأحيانا أخرى يتم تهميشها وتوضع في دور عرض صغيرة وهكذا. ولكن حاليا هناك انفتاح كبير خاصة بعد انتخاب الرئيس خاتمي والذي أيده كل السينمائيين، وتعرف هذه السينما باسم سينما الثاني من خرداد (مايو) أي سينما ما بعد انتخاب "خاتمي"٠

ثم لا ننسى المخرجة سوزان تسليمي (54 عاما)، وهي من القبيلة المخملبافية (إن جاز التعبير) حيث لا يفوت عملها الممتع ”كل الجحيم مراوغ “، فسوزان خرجت من معطف الانثروبولوجيا وانتقلت للسينما لتقدم "الطلاق على الطريقة الايرانية" وفيلم "انك تتحدث الانجليزية جيدا" وهو يتحدث عن الشباب الايراني المغترب في لندن. واخيراً المخرجة المتفردة مريم شهريار التي درست في اميركا وكان فيلمها الاول”بنات الشمس “ عام 1999 والذي تناول فيه اشكالية الهوية، الفيلم يحكي قصة فتاة ايرانية تعيل اسرتها ولكي تعمل في وسط ذكوري تحلق رأسها لتبدو رجلا تغازلها احدى العاملات وتطلب منها الزواج، تعاني كثيراً من تسلط صاحب المصنع وسلوكه الذكوري، وكيف يتفنن في اساءة معاملتها، الفيلم منع داخل ايران لكنه فاز بجائزة احسن فيلم في مهرجان مونتريال الدولي، متفوقا على 65 فيلما ويرسل الى نحو اربعين مهرجانا سينمائيا تقول شهريار: سئلت عن كثرة الرموز في الفيلم وهذا صحيح لان ما يهمني فقدان الشخصية الرئيسة في الفيلم لانوثتها من خلال حلق الشعر-رمز الانوثة ٠
إن سينما المرأة في ايران تتميز بوعي المخرجات الحاد لكينونة ذواتهن في إطار ماهو نسائي محلي خاص وإنساني عام بعيدا عن تسلط وقهر ونظرة الاخر المختلف٠


بدل فاقد
بداية بليغة أضاعتها مراهقة الإخراج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد | أحمد يوسف




رشا مهدي وأحمد عز : بدل فاقد

أصارح القارئ أننى ـ على عكس الشائع بين معظم نقادنا الآن ـ لست ضد فكرة الاقتباس"، وفى اللغة العربية تعنى هذه الكلمة أن تأخذ من النار قبسا أو جزءا من" اللهب لكى تصنع منه النار الخاصة بك لكى تستضيء بها، وهكذا يستمر الضوء فى رحلته من فرد إلى آخر، وجيلا بعد جيل، بل عبر الحضارات والثقافات أيضا. تأمل على سبيل المثال كيف رحلت قصة "الطوفان" واتخذت أشكالا ومضامين مختلفة فى العديد من الأديان، البدائية منها والسماوية، وتأمل أيضا كيف قام الدكتور لويس عوض فى كتابه "أسطورة أوريست والملاحم العربية" بتتبع الأفكار، والتيمات والموتيفات، وانتقالها من ملحمة الأوريستيا إلى ملحمة الزير سالم وانتهت عند "هاملت" شكسبير. بل إن أعمال شكسبير ذاته مأخوذة جميعها من مصادر أخرى، كان من أهمها كتابات بلوتارك التاريخية، وقصص بوكاشيو، ومع ذلك فإن مسرحيات شكسبير هى بلا شك تتسم "بالأصالة"٠
بل إننى أعتقد أن إحدى مشكلاتنا الراهنة فى الإبداع الفنى أننا قد توقفنا عن الاقتباس بمعناه الحقيقى، ولم نعد نأخذ ونعطى، إما أن نأخذ فقط فيصبح العمل الفنى ظلا باهتا للأصل، أو نكتفى بإعادة تدوير كل ما فى فنوننا من تقاليد بالية، أو نفعل الأمرين معا كما حدث فى فيلم "بدل فاقد". ولعلى لا أبتعد كثيرا عن الحقيقة إذا قلت إن سر الحيوية فى الفنون الغربية يكمن فى الاقتباس، أو قل تقديم تنويعات مختلفة على تيمة واحدة، فكم لوحة يمكن أن تجدها (على سبيل المثال) لتيمة صلب المسيح، وكل منها يعبر عن عصرها والرؤية الخاصة للفنان الذى رسمها؟ إن الأمر ينطبق أيضا على الموسيقى والأدب والدراما والسينما، وأستطيع أن أعدّ لك عشرات الأفلام التى اقتبستها هوليوود من السينما الأوروبية أو الآسيوية أو الأمريكية اللاتينية، دون أن تكون هناك أية اتهامات بالسرقة كما يحدث عندنا، فالمهم هو ما تصنعه من تنويع فنى خاص بك. وهكذا يصبح الفن المتسم بالحيوية والحياة قائما على التراكم والتطور والتوليد، فنا يعتمد على التأثر الإيجابى من أجل أن يصبح أكثر قدرة بدوره على التأثير. لكن فنوننا المعاصرة، خاصة فى مصر التى أصبحت بإرادتها السلبية منعزلة ثقافيا، أصبحت تقع فى مأزق الاقتباس بمعنى سرقة الأفكار، ثم تهجينها ببعض التقاليد الفنية الشائعة، خاصة الميلودراما الفاقعة الفاجعة، فيتولد عن ذلك فن هجين" يفتقد الحد الأدنى من الأصالة التى تؤهل العمل الفنى لكى يترك أثرا باقيا " فى العقل والوجدان٠

بدأ فيلم "بدل فاقد" بداية واعدة بالنسبة لى، مما جعلنى أتوقع من مخرجه الشاب أحمد علاء الديب أن يقدم ـ فى أول أفلامه الروائية الطويلة ـ نموذجا على الوعى الجمالى دون الوقوع فى مراهقة التجربة الأولي. وحتى بدون العنوان المكتوب فى بداية "، فإنه يمكنك أن تدرك أن المشهد الافتتاحى يدور فى 1976الفيلم: "القاهرة الماضى، بفضل اختيار صبغة لونية تذكرك بأفلام السبعينات. نحن فى ملجأ أطفال يتامى، وهناك ضابط صغير وزوجته (أحمد فؤاد سليم وسوسن بدر، فى ماكياج يوحى بأنهما فى مرحلة الشباب)، وقد جاءا لتبنى أحد الأطفال. تستطيع بسهولة فى هذا المشهد أن تجد بلاغة سينمائية رصينة، فاللقطات متأملة، والموسيقى حزينة، والأطفال يقفون وراء قضبان النوافذ تعبيرا عن سجنهم المعنوي. ترى المرأة طفلا يبكى فتقرر اختياره لتتبناه، إنه اختيار بمحض الصدفة، فقد كان من الممكن اختيار طفل آخر ويبقى هذا الطفل ينتظر مصيرا مختلفا. ومن خلال لقطات "الفوتومونتاج" شديد النعومة نشهد مراحل نمو الطفل إلى صبى ثم شاب فى مقتبل العمر ثم طالب فى كلية الشرطة ليصبح مثل "أبيه"، مع اهتمام خاص بقطع الإكسسوار التى توحى فى كل لقطة بتطور الزمن دون كلمة واحدة٠

أعترف أن هذه البلاغة أسرتنى، وكادت أن تذكرنى بالتجربة الوحيدة والفريدة للمخرج عاطف حتاتة في فيلمه "الأبواب المغلقة" (2001)، والذى لم يجد بعده، ومنذ ثمانية أعوام، فرصة أخرى رغم نضجه السينمائي والفكري أو ربما بسبب هذا النضج المتناقض تماما مع السياق السينمائى المتردى الذى نعيش فيه. لكن فجأة تبخرت أمنياتى فى "بدل فاقد" مع مشهد مطاردة هو على النقيض تماما من المشهد الافتتاحى، ودون أن يكون لهذا التناقض أية دلالة، سوى أن معظم مخرجينا الشبان يتصورون أنهم يحصلون على شهادة ميلادهم الفنية بمثل هذه المشاهد حتى إن لم تكن لها ضرورة درامية. (مرة أخرى نؤكد أنه فى صناعات السينما الراسخة يكون تنفيذ هذه المشاهد من مسئوليات مخرج "الوحدة الثانية"، بينما تكون هناك مسئوليات أكثر أهمية أمام المخرج). إن فيلم "بدل فاقد" ـ الذى كتبه محمد دياب ـ يريد أن يقول لك إن الطفل اليتيم أصبح ضابطا بارعا وقاسيا على المجرمين، وكان يكفى أن نراه فى المشهد اللاحق يضغط بكل الوسائل النفسية والبدنية على المجرم الصغير لكى يشهد على "زعيم العصابة"، وبذلك فإنه يمكنك أن تحذف مشهد المطاردة، لكن هل يصح ذلك بينما هناك "النجم" (بين قوسين) أحمد عز، الذى يريد أن يصنع فيلمه" (بين قوسين أيضا) مثل "نجوم" السينما المصريين الآخرين، مثل أحمد " السقا وكريم عبدالعزيز وشريف شعبان وشريف رمضان(!)، فيجرى فى سباقات الحوارى والأزقة، ويدخل البيوت من النوافذ والشرفات، ويقفز فوق أسطح البيوت؟! المشكلة الدائمة فى مثل هذه المشاهد أيها السادة المخرجون أنكم تحشرون فيها فوضى بصرية وسمعية هائلة، والأهم أنكم تتعجلونها فنراها قبل أن نتعرف على بطل الفيلم ونتوحد معه، حتى إن المتفرج يتساءل أحيانا: من الذى يطارد من؟ ولماذا؟!



علي حسنين وأحمد عز في : بدل فاقد

حان الآن، وبعد فوات الأوان، أن نلقى نظرة على شخصية هذا البطل، إنه الضابط فارس (أحمد عز طبعا) الذى تبناه الزوجان فى أول الفيلم، وهاهو قد تزوج من الجميلة الهادئة حبيبة (رشا مهدي)، وبرغم الحب الذى يرفرف بأجنحته حولهما فإن هناك أيضا حالة من التوتر، فهو مشغول عنها بعمله الخطر إلى درجة أنها تخشى أن تنجب منه طفلا مما يزيد من حدة العلاقة بينهما. وبعد المشهد "الإجباري" للمطاردة الذى تفرضه "التقاليد" الجديدة للسينما المصرية، سوف تتوالى فوق رؤوسنا مجموعة هائلة من تقاليدها القديمة (جدا) والتى تعتمد على الحد الأقصى من الصور النمطية والمفاجآت والمصادفات الميلودرامية، إليك بعضها، فلن أستطيع إحصاءها: زعيم العصابة هو رجل الأعمال عزت (على حسنين) الذى يخفى وراء وجاهته الاجتماعية تجارته السرية فى المخدرات، وساعده الأيمن هو المجرم الذى يمزج القسوة بخفة الظل ويدعى خدّاش (محمد لطفي)، وعليك أن تتوقع أيضا أن لرجل الأعمال وتاجر المخدرات ابنة شابة هى مى (منة شلبي) التى لابد (لا أدرى لماذا؟) أن تكون مدمنة للمخدرات التى يتاجر فيها أبوها، أما المفاجأة الميلودرامية الصاعقة، وأرجو أن تصدقنى فهذا هو ما يقوله الفيلم، فهى أن مى على علاقة عاطفية وجنسية مع شاب مدمن آخر هو نبيل، وحتى تدرك أن الدنيا ضيقة فعلا وأن "مصير الحى يتلاقي" كما تقول التعبيرات المصرية، فهذا الـ"نبيل" ليس إلا الشقيق التوأم شديد التطابق فى شكله مع فارس، الفارق الشكلى الوحيد هو أن الضابط فارس يمشط شعره "على جنب"، بينما يضع نبيل سلسلة وقلادة حول عنقه، (ويقول "ولا مؤاخذة" عندما يخبط بكتفه شخصا، وأنا أتحدث جادا لأن الفيلم جعل هذه العبارة دليلا على شخصيته وكأن أحدا آخر لا يقولها!!)، أما الفارق الموضوعى فهو أن فارس قد أتيحت له الفرصة للتربية فى بيت ضابط شرطة، لكن نبيل تربى فى بيت راقصة (عايدة رياض) قامت بتبنيه، وأتركك لتتخيل كيف سوف تصل السينما المصرية إلى النتائج، بينما الواقع الحقيقى قد يصل إلى نتائج مختلفة تماما٠



إلى أين يؤدى هذا الاصطناع فى الحبكة؟! سوف "يضحك" عليك الفيلم بأن له مضمونا جادا من خلال جملة واحدة، ففى مشهد لاحق سوف يتواجه التوأمان، حيث يضرب الضابط فارس توأمه المدمن نبيل، فيقول هذا الأخير فى ذلة ومسكنة: "لو كانت الرقاصة هى اللى أخدتك من الملجأ كنت أنا اللى باأضربك دلوقت"! وهكذا استطرد بعض النقاد (وكأنهم يبحثون عن إبرة فى كوم من القش) فى الحديث عن الظروف التى جعلت من الضابط ضابط ضابطا، ومن المجرم مجرما، وبصرف النظر عن هذا التبسيط المخل الذى يقسم المجتمع إلى "عسكر وحرامية" فإن هذا لم يكن موضوع أو مضمون الفيلم على الإطلاق، فقد تحول تماما إلى "لعبة" استبدال نبيل بفارس، وفارس بنبيل، الضابط يدخل العصابة، والمدمن يدخل الشرطة، لعبة استمرت طوال الفيلم على نحو سقيم، ليس فيه أدنى درجة من التوتر الدرامى . فبالإضافة إلى الأثقال الميلودرامية العجيبة والغريبة،" هناك حالة من اللهاث التى يطلقون عليها ظلما تعبير "الأكشن"، الذى يفقد معناه إن لم يتراوح الإيقاع بين التمهل والسرعة، وترك لحظات لتأمل المتفرج تسمح له بأن يتوحد مع الشخصيات. هل تتخيل مثلا أنه لا توجد فى الفيلم لحظة واحدة تخلو من موسيقى زاعقة حتى إنه لا يصبح لوجودها أية دلالة؟ كما بدا افتتان المخرج بتقنيات المونتاج الكومبيوترية، فأخذ "يلعب" بها كأنها إحدى ألعاب الفيديو، يسرع الحركة ويبطئها داخل نفس اللقطة، أو يوقف الحركة ليسطع وميض خاطف، وبالطبع فإنه ليس هناك ما يمنع على الإطلاق من استخدام هذه التقنيات، ولكن أى تقنية ليست حيلة من حيل الهواة أو الحواة، بل إن لاستخدامها هدفا جماليا محددا، إنها تقول شيئا للمتفرج، لكنها فى فيلم "بدل فاقد" بدت كأن شخصا لا يتوقف عن فتح فمه وإغلاقه دون أن ينطق كلمة واحدة! ٠

بقدر ما عشمت نفسى فى بداية الفيلم، شعرت بالحسرة مع تقدم مشاهده، التى أخذت تسير فى دروب ملتوية أشبه بالمتاهة التى لا تؤدى إلى أى مكان، إنها تدور حول نفسها بلا نهاية، وليس مهماً أن يصرخ أحمد عز بجمل حواره، أو أن تبكى منة شلبى وتلطم على خدودها، فليس هذا من "التمثيل" بمعناه الحقيقى فى شيء، إنه شيء أشبه بالتمثيل، كما أن هذا الفيلم يشبه الأفلام دون أن يكون فيلما حقيقيا، ولا أدرى إن كان ذلك بسبب فقدان الجيل الجديد من السينمائيين المصريين لبعض أبجديات الفن، أى فن، أم بسبب حصار يشعرون به ويرغمهم على صنع سينما شديدة التواضع فى أهدافها الفنية، لأن عيونهم لا تتوجه للعمل الفنى بقدر ما هى مشغولة بمغازلة المنتج و"النجم"، اللذين يتصوران بدورهما أن "الجمهور عاوز كده"، مع أننى رأيت أفراد هذا الجمهور بعينى وسمعتهم بأذنى وقد خرجوا من الفيلم وهم يخبطون كفا على كف وهم يتساءلون: "هو مين اللى مات؟!". إن هذا يعنى أن "بدل فاقد" لم يحقق حتى هدفه المتواضع مع الجمهور، وهو ما يحتاج من المخرج، لكى يثبت أنه جدير باللحظات القليلة من البلاغة السينمائية التى ظهرت فى المشهد الافتتاحى، أن يصنع فيلما آخر "بدل فاقد"، أو بالأحرى "بدل تالف"! ٠

تم نشر هذه المقالة للزميل أحمد يوسف في صحيفة "العربي" في القاهرة


الخراب أرضاً للتجريب والمجاز
جولة بين أفلام مهرجان "نما في بيروت« للسينما اللبنانية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مراجعة | بيار أبي صعب


رفيق علي أحمد في: على الأرض السما

جمع «مهرجان الأفلام اللبنانيّة»، في دورته الثامنة، باقة من الأعمال التجريبيّة والوثائقيّة والروائيّة والفيديو كليب (غير التجاري) وأفلام التحريك... واستقطب جيل الفيديو، ونجح في تسليط الضوء على حركة إنتاج غزيرة تضيق بها شبكات التوزيع التقليديّة. دانيال عربيد تستأنف شغبها في فيلم تسجيلي بعنوان «أحاديث نسوان ـــــ الجزء الثاني». وتواصل رسم لوحات نقديّة للمجتمع البورجوازي المسيحي، من خلال كاميرتها الثابتة المحايدة، التي تلتقط بكثير من الرقّة أحاديث القهوة في صالون أمّها. فيها يعبر كلّ شيء: من العلاقة الخاصة بالدين، إلى عمليّات التجميل، مروراً بالخدم والجنس والعنصريّة...٠

من شريط اليان الراهب «هيدا لبنان»في سياق آخر، لكن من موقع نقد الذات (الجماعيّة) أيضاً، تختار إليان الراهب في «هيدا لبنان»، نقد الطائفة المارونيّة التي تنحدر منها، بكثير من الجرأة والنزاهة. تأخذنا (برفقة زينة صفير) إلى فضاءات المواجهة مع رموز تلك الطائفة وخطابها السياسي، وتصل إلى حدّ التصادم المباشر مع عائلتها. هذا التمرين يمكن أن يفتح الباب أمام مشاريع أركيولوجيّة في رحاب مختلف الجماعات اللبنانيّة. لكنّ المادة الشائكة التي تشتغل عليها المخرجة، حالت ربّما دون أن تحكم السيطرة، فنيّاً، على موضوعها٠

وتجاورت ضمن برنامج المهرجان، ثلاثة أعمال منشغلة باستعادة الماضي (2000 ـــــ 2007) ومراجعة الذاكرة. الأوّل «خيام» » لخليل جريج وجوانا حاجي توما يقدّم وثيقة نادرة عن معتقل الخيام، صوّره الثنائي على مرحلتين (قبيل التحرير وبعد عدوان تمّوز) مع ستة أسرى محررّين، بينهم سهى بشارة، يتحدثون في لقطات طويلة ثابتة، على خلفيّة محايدة، عن تجربة الأسر بأبعادها المختلفة. والثاني لمحمّد سويد بعنوان «ما هتفت لغيرها» يعود فيه إلى سنوات النضال الفتحاوي وأوهام السبعينيات. بأسلوبه المعهود الذي يتلاعب على المستويات السرديّة والشخصيات والأمكنة والحالات الفنية، مازجاً بين الروائي والتسجيلي، يسلّط على الراهن نظرة شك نقديّة، تستبدل دبي بسايغون. وأخيراً قدّم الثنائي لقمان سليم ومونيكا بورغمان عملهما الجديد، في سياق مشروعهما مع «أمم» المنشغل بالحفر في ذاكرة الحرب الأهلية. «أوّلها نجوى... وآخرها» الذي يريده لقمان مسوّدة فيلم قيد التطوّر، يتألف من أربع مواجهات، مقاتليَن من «أمل» مطموسَي الوجه، وإلياس عطا الله المسؤول العسكري السابق في الحزب الشيوعي، وأسعد الشفتري القواتي السابق وصاحب المبادرة الأبرز والأشهر للاعتذار عن ممارساته في الحرب الأهليّة٠

أسماء كثيرة من الجيل الجديد يمكن التوقّف عندها في «مهرجان الأفلام اللبنانيّة». من طلال خوري الذي قدّم في »الأربعاء» عملاً روائيّاً قصيراً لافتاً، بعبثيّته ونفسه الكوميدي وممثليه وموسيقاه... إلى سيرين فتّوح في «إعادة» حيث الممثل يقدّم أربع إجابات/ مونولوغات مختلفة في الإطار نفسه، عن سؤال ماذا خسرت وماذا ربحت في حياتك؟

ولا بدّ من وقفة خاصة عند فيلمي غيث الأمين «ذات مرّة على الرصيف»، وشيرين أبو شقرا «لحظة أيّها المجد». هناك قاسم مشترك بين الشريطين ذوَي النفس التجريبي الخصب: استعمال الموسيقى عنصراً سردياً ودرامياً أساسي في العمل. غيث الأمين يروي ما يستعصي على السرد، من خلال مشاهد متكررة، ترصد الذاتي والحميم وحركة الزمن. يكتب غيث بالفيديو فيلمه المصمّم مثل كوريغرافيا مؤسلبة، يبطّئ الحركة، يعيدها، يلعب على الانعكاسات والأطياف والكلمات العابرة، ليختزل وجعاً وجوديّاً شفيفاً، لا تتسع له القوالب السائدة. أما شيرين أبو شقرا، فقد قدمت تحفة صغيرة، لعلّها من مفاجآت المهرجان، عن حياة المغنيّة وداد. لم تذهب إلى اللغة التسجيليّة، بل خلقت عالمها الممسرح (مع منال خضر وأخريات)، واعتمدت الرسم والتحريك بالاشتراك مع فيدز). نسمع صوت وداد في أيّامها الأخيرة تروي وتغنّي، ( نراها قليلاً، نسمع أصواتاً أخرى تتداخل وتغنّي (ابنتها ريما)... ونستعيد الأعمال الطربيّة المنسيّة لوداد، فيما تعبر أمامنا حياة استثنائيّة، مرّت بمحاذاة المجد ولم تصبه.

اختتام المهرجان، كنا على موعد مع شادي زين الدين مخرج «على الأرض السماء». هذا الفيلم الروائي التجريبي الذي يختزن رؤى مدهشة، ومناخات فنيّة مشغولة بمهارة، يمكن تصنيفه أيضاً في مشروع «أركيولوجيا الحرب». المخرج الشاب يزور الحرب الأهليّة التي لم يعشها من خلال شخصيّة يوسف (رفيق علي أحمد) الذي هرب من صوت الانفجاز فانزوى عن العالم، وراح يعيش مع صور من الزمن السعيد. الزمن الواقعي يترك مكانه هنا لأزمنة افتراضيّة، طالعة من الذاكرة وتهويماتها، ولتداعيات بصريّة وحلميّة، وقصص مجهضة يتقاطع فيها الموت والرغبة والخوف والحنين إلى الزمن الضائع... فيلم ميتافيزيقي بامتياز، وحالات سرياليّة تؤطّرها مشاهد منمّقة وجميلة، بين خرائب هي مسرح الرؤيا وأرض المجاز٠

بيار أبي صعب رئيس القسم الثقافي في
صحيفة "الأخبار" اللبنانية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Aug 27, 2009

Year 3. Issue 448 | Inglourious Basterds| مراجعة لسينما محسن مخملباف

COVER | STORY
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الزميل الناقد السعودي خالد ربيع السيّد يراجع
في هذا العدد، أفلام محسن مخملباف وسواه
راصداً بدقّة وشمولية، موقفها من المجتمع الإيراني
والمرأة بين مسائل أخرى


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تارنتينو | حديث القراء

مجموعة من الرسائل حول نقد فيلم "أبناء زنا بلا مجد" (العدد 147 ويُعاد نشره أدناه في هذا العدد) أنشرها حسب ورودها

محمد اسماعيل كتب: كنت قرأت تعليقات أخرى عن هذا الفيلم قبل أن أقرأ تعليقك ووجدته مختلفاً تماماً. طبعاً كل واحد ورأيه وهو حر فيه، لكن أظن أن هناك بعض الإختلافات الجوهرية في المعلومات أيضاً. مثلاً أنت تقول أن الفيلم له أسلوب واحد بينما (تم ذكر) أكثر من أسلوب. أنت تقول اللغات في الفيلم مهمة جداً لكن (تم ذكر) لا يعيرها أهمية. يا ريت تعليق بسيط على الموضوع ده٠

جواب | سابقاً ما ذكرت في سلسلة "النقد وفلسفة الفيلم" أن الرأي ليس النقد بل هو جانب منه، ذلك لأنه مبني أوّلاً على القراءة التي تهضم المعرفة والثقافة السينمائية. لا أستطيع بالتالي أن أقول أن هذا رأيي واكتفي. عليّ أن أمحص وأدقّق في الصورة التي أشاهدها وابني ما يؤيد الإتجاه الذي استنتجه من الفيلم جيّداً كان او دون ذلك. ما ذكرته أنت في مجال تعليقك (وأنا آسف لاختصار الرسالة) ليس مسألة رأي بل مسألة حقيقة. أن أقول هذا السينمائي جيّد- هذا رأي، أن أقول هذا السينمائي بدأ الإخراج كان رائداً- هذا يتعلّق بالحقائق٠ اللغة في فيلم تارنتينو لا يمكن فصلها عن الفيلم وهذا واقع. هي موجودة ولها إسهام أوّل في بنائه. وما أقوله هنا وما قلته في المقالة النقدية ليس مناوأة لرأي آخر، وآمل أن لا يُفهم على هذا الأساس، بل لنقل "توفير معلومات مهمّة للقاريء لكي يطّلع عليها لأجل بناء معلومات تفيده حين يرى الفيلم وسيرى الفيلم لأنه توزيع أميركي سينطلق قريباً فوق الشاشات العربية بأسرها"٠ شكراً لك٠

عبد الله العيبان كتب: لدي حس بأن شخصاً محظوظاً التقط فيلم تارانتينو أخيراً٠ تقييمك ممتاز لكنك لم تذكر التقييم بالنجوم٠ كذلك هناك مسألة غير واردة: لماذا قام تارانتينو بالإحتجاج على عدم فوز الفيلم في مهرجان "كان"؟ وبيننا، أرى تارانتينو كنسخة (شديدة السكر) من ستيفن سودربيرغ٠

جواب | لم أذكر النجوم هذه المرّة (لكنها مذكورة في نسخة اليوم) لأني لم أرد أن يتوقّف عندها القراء ويكوّنون سريعاً فكرتهم عن نقدي للفيلم. بالنسبة لموقفه من "كان" لم أكن هناك هذا العام كما تعلم ولا أستطيع أن أفتي في الموضوع، لكنه في اعتقادي موقف سبقه اليه مخرجون كثيرون في أصغر وأكبر المهرجانات. لا أدري إذا كان الفيلم الفائز أفضل او أسوأ من هذا الفيلم لكن لجنة التحكيم لم تصدمني كلجنة ستصدر قرارات صائبة وقلت ذلك من البداية٠
بالنسبة للمقارنة بين تارنتينو وسودربيرغ فهي بعد مثير للإهتمام فمن الخارج كلاهما مستقل بأسلوبه وجرّب أنواعاً مختلفة من الأفلام (سودربيرغ أنجز بدوره فيلماً عن فترة الحرب هو "الألماني الطيّب") لكن تارنتينو بالطبع أكثر جرأة في أعماله من الآخر٠

عبد الرحمن عيتاني: مقالة أخرى رائعة يا أيها الناقد الغائص في الفيلم حتى عظامه. لم أشاهد الفيلم بعد لكني عندما أشاهده ستكون شروحاتك ومعلوماتك خير دليل لي٠

جواب | ... وستكتب لتخبرنا بوجهة نظرك. هل تعد؟

الأخت سناء كتبت | لقت نظري إنك ذكرت إسم سينمائي مصري خلال حديثك عن فيلم كونتين تارانتينو لكن ما شرحتش كتير. . مين هوا واذا كان لسه بيشتغل في هوليود وهل هوا قصة نجاح مصرية او عربية تانية في أمريكا والا لأ. شكرا لمقالاتك الشيّقة وربّنا معاك

جواب | المعلومات عن فؤاد سعيد ليست متوفّرة على الإنترنت. معرفتي به بدأت في بيروت حين شاهدت فيلما بوليسيا عنوانه
Hickey & Boggs
بوليسي أخرجه أحد ممثليه (روبرت كالب) وقام بكتابته مخرج مستقبلي (وولتر هِل) وانتجه فؤاد سعيد. ثم أذكر إني قرأت في صحيفة أميركية عن أن فؤاد سعيد ابتكر سيارة- ستديو تسهّل العمل خلال التصوير وتحتوي على كل ما يحتاجه الفيلم في نواحي التصوير والمونتاج والصوت. ثم بدأ نجم فؤاد سعيد يعلو حين أنتج فيلماً بوليسياً آخر استقبل بضجيج (مع وضد) هو
Across 110th Street
أخرجه باري شير، الذي كان كسب هوى النقاد بفيلم سابق عنوانه
Wild in the Street
حول ما يمكن أن يحدث لأميركا إذا ما وصل الى الرئاسة شاب دون الثلاثين (الفيلم مؤيد للفكرة)٠ آخر فيلم بين فؤاد سعيد منتجاً وباري شير مخرجاً هو
The Deadly Trackers
سنة 1975 الذي هو آخر فيلم سينمائي للمخرج الذي توفّي عن 56 سنة في العام 1979
لا معلومات أخرى عن فؤاد سعيد الا أنه كتب سيناريوهات وصوّر أفلاماً (وربما بدأ مصوّراً قبل أن يقوم بالإخراج)٠
اعتبريه يا سناء جندي عربي مجهول مثله في ذلك العديد من السينمائيين العرب الذين عملوا في السينما العالمية ولم يحققوا الشهرة٠

mastorna ٠"مقالة رائعة كالعادة أستاذ محمد رغم أني لم أشاهده بعد" كتب
وأضاف: " لكن بما أنك أشرت الى وجود تصريفة ما بعد حداثية (محتملة) فاسمح لي أن أسألك عن مفهومك لما بعد الحداثة في السينما. شكراً لك على كل ما تقوم به

جواب | ليس هو مفهومي الخاص لكنه المفهوم الذي يتبّناه معظم نقاد السينما: إلغاء هذا المفهوم من الإعتبار حين الكتابة عن الفيلم الا إذا ما كان الفيلم مبني على هذا المفهوم- هذا شرط أساسي. المثل الذي أوردته حول المشهد الذي ربما كان هفوة تتابع في الكتابة انتقلت الى التصوير (مشهد يقول أن الحفلة في اليوم التالي، والذي بعده يقول بعد ثلاثة أيام) وإذا لم يكن فهو بعد زمني ينتمي الى حل ما بعد حدثي اختاره المخرج. في الحالة الأولى ربما تم تغيير ورود المشهد او بقيت إحدى العبارتين (غداً / بعد ثلاثة أيام) موجودة سهواً) حين كتب تارنتينو السيناريو وهو كتب نحو خمس نسخ قبل نسخة التصوير. في الحالة الثانية، هذا مثال ما بعد حداثي لأن مفهومها هو ولوج زمني مصاحب وغير تابع للمنطق. بهذا فإن »ماتريكس« قائم بكليّته على مفهوم ما بعد الحداثة لكن ليس مفهومها مجرد اللجوء الى "الفلاشباك" او الى "الفلاشفوروود" والا لكانت كل الأفلام ما بعد الحداثية على كثرة استخدام مشاهد الرجوع الى الأمس او القفز الى الأمام. كذلك ليس من صفات ما بعد الحداثة وجود فيلم داخل فيلم. د..و. غريفيث عمد الى فيلم داخل فيلم سنة 1909 في فيلم كوميدي
Those Awful Hats | عنوانه : هذه القبّعات البغيضة
حسب البروفسور سوزان هايوارد في كتابها
Cinema Studies: The Key Concept
فإن رواية ما قد تُتعبر حدثية بالنسبة لأحد النقاد وغير حدثية بالنسبة لناقد آخر"، لكن ليس بناء على ما إذا كانت تحتوي او لا تحتوي فلاشباك بل لأنه-في الأساس- لا يوجد إتفاق، لا بين نقاد الروايات الأدبية ولا بين نقاد السينما- على ما هو حدثي وما هو ما بعد حدثي لأنهما في أحيان كثيرة مختلطان. أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني تحديداً هو بعض وجوه هذا الإختلاط٠
أضيف أن القاص الأيرلندي سامويل بَكيت اعتبر حدثياً (بحق) منذ الأربعينات والخمسينات، لكن هناك من يعتبره اليوم ما بعد حدثي٠
أخيراً، المسألة ليست نوعاً سينمائياً قائماً بذاته، ولا علاقة لها بالأسلوب. بل هي تصرّف حيال مسألة الزمن عليها أن تتألّف من عناصر ذات غايات بحثية وإبداعية وقدر كبير من تفسير فلسفي لماهية الزمن. وربما كانت لي عودة أكثر تفصيلاً إذا أحببت وآخرين المزيد٠


سينما المرأة الإيرانية وحلم الحرية
نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نقدية| خالد ربيع السيد

قندهار
يلجأ السينمائي الإيراني إلى الرمز والإيحاء والإشارة الخاطفة .. ، هذا ما يمكن إلتقاطه بسهولة من خلال تتبع الأفلام الإيرانية ذات الصبغة الإحترافية العالمية، فهو يوظف "الرمز البصري"، للدلالة على معان قد تكون عميقة أو بسيطة، لكنها ثرية في كل حال، مثلاً يستخدم البالون الأبيض المنطلق في السماء للتعبير عن الرغبة في الحرية كما في فيلم (البالون الأبيض) لجعفر بناهي، وقد يستخدم "الرمز الدرامي" كالذي وظفه عباس كياروستمي في فيلمه (طعم الكرز) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 1997م، حيث يتناول الفيلم لحظات تأزم في حياة مثقف إيراني يريد الانتحار وتكمن مشكلته في أنه يظل يبحث طوال الفيلم عن شخص يدفنه، ثم يلتقي بعامل حديقة بسيط، ويعرض عليه أمر دفنه بعد إنتحاره، فيحاوره ببساطة وتلقائية موغلة في الفلسفة والحكمة ويستطيع بمنطقه المقنع أن يثنيه عن رغبته في الإنتحار .. مع هذا الجنايني يجتهد في الشرح للبطل المثقف بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش لأن أحدهم صعد الى شجرة كرز ليربط حبلاً يخنق به رقبته وأثناء تعلقه بالجذع أخذ حبة كرز وأكلها، فوجد فيها حلاوة الحياة وتراجع عن عزمه .. بكل تأكيد الفيلم يمثّل إدانة وصفعة للمجتمع والنظام الإيراني الذي يدفع الفرد إلى الجنون لدرجة الرغبة في الانتحار، ولكن في ذات اللحظة يمجد الحياة وينتصر للإنسانية

محسن مخملباف
هناك أيضاً "الرمز الديني" العابر أو المكثّف، نجده حاضراً في كثير من مشاهد فيلم (ألوان الجنة) للمخرج مجيد مجيدي، وكذلك في بعض المشاهد في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" للمخرج بهمن غوبادي
غير أن "الرمز الذكوري" يشخص واضحاً في فيلم (باران) لمجيد مجيدي، وفي فيلم (أسامة) للمخرج صديق باراماك، الذي بدأه بمقوله نيلسون مانديلا: ” لا أستطيع النسيان لكن أستطيع الغفران ” إذ يقودنا الفيلم الى عدم نسيان أفعال حزب طالبان وإدانة حكمهم وفكرهم ،وهو يتحدث فيه عن امرأة خسرت عملها بعد ان اغلق نظام طالبان المستشفى الذي تعمل به ، وبسبب القانون الذي يحرم ظهور المرأة من دون محرم , اظطرت هذه المرأة للبقاء في المنزل بسبب وفاة زوجها واخوها , ومع ازدياد الفقر والجوع لجئت هذه المرأة لتنكير إبنتها على شكل ولد حتى تستطيع الظهور معه وكأنه محرم ، وأطلقت على هذا الولد إسم "أسامة"، وتبدأ رحلة الخوف والقلق من الانكشاف، لكن يتمّ ضبطها وينكشف أمرها، ولصيانتها يحكم الشيخ الطالبانيّ بتزويجها قسراً لرجلٍ مُسنٍّ يُضيفها إلى "حريمه" المحبوسات في داره!. الفيلم تجريم للذكورة الطالبانية بكل أبعادها الإجتماعية الضاربة في التخلف والتعسف. الفيلم حاز على ثلاثة جوائز في مهرجان كان 2003م، وعلى جائزة الغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي ، وحاز الجائزة الاولى لمهرجان الافلام والاساليب الجديدة بمونتريال 2003، والفيلم رغم أفغانيته نستطيع إدراجه في قبيلة السينما الإيرانية لتأثر المخرج صديق باراماك بأساليب السينما الإيرانية، لا سيما وأن جل الطاقم افني للفيلم من الإيرانيين .. ٠

هناك كذلك "الرمز الموسيقي" الموحي بالتنفيس والتوق الى الخلاص من الضيق والتأزم كما في موسيقى حسين عليزاده في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" الآنف الذكر .
لكن في مقروئية عابرة، نجد أن بعض هذه الرموز لا يمكن فهمها بسهولة من قبل المتفرج البعيد عن الثقافة الإيرانية، ففي فيلم (العشاء الأخير) الذي حصل على إحدى الجوائز في مهرجان القاهرة السينمائي 2002 ، يتعمد المخرج إنتقاء أسماء لها رمزية خاصة. فهو يقدم الزوج "محسن" بما يحمل هذا الإسم من دلالة دينية تكنوقراطية في إيران اليوم! ، ويقدمه كشخصية سلبية رئيسية في دور موظف كبير بوزارة العدل، شخصية محافظة دينياً ومتزمتة سياسيًا؛ بما يتناسب بهذه الوزارة التي تعد معقلا للسياسيين المحافظين، بينما كانت كل الشخصيات الإيجابية الأخرى في الفيلم، سواء الأم أو الشاب زميل ابنتها وزوجها فيما بعد، أو أبوه أو أخته تحمل أسماء فارسية أصيلة تنتصر لقيم الإنسان الإيراني بموروثاته العرقية والثقافية والأنثوجيوغرافية العامة .

هذه الرمزية لها جذورها في التراث الفارسي، سواء في قصص الحيوانات (وكلنا يتذكر عبد الله بن المقفع مترجم "كليلة ودمنة") أو في "شاه نامة الفردوسي"، ، ولا يغيب أن الرمزية في الثقافة الفارسية تستمد دعماً رئيساً من فكرة "التقية" عند الشيعة، والتي تمثل المأثور الشعبي الإيراني الديني، الذي ظل يستدعيها في روايات "التعزية" أو قصص مصارع شهداء آل البيت،والتي كان يؤديها الرجال فقط، تمشياً مع مبدأ التقية، للدرجة التي تؤدى فيها الأدوار النسائية بشخوص الرجال.
وبتسليط الضوء على تصريحات المخرج الإيراني محسن مخملباف صاحب ""كان يا ما كان سينما" ،"سلام ياسينما" ،"الصمت" ،"جنس وفلسفة" ، "قندهار" و طعم الكرز" ـ في حواره مع جيزيل خوري في قناة العربية (شهر يونيه 2009) عن عودته للتفاعل المباشر مع شؤون السياسة بعد ابتعاده عنها مدة ثلاثين سنة، وربطه لهذه العودة بدماء الشهيدة "ندا" التي قتلت على يد الشرطة الإيرانية ..نلمس التلميح في خطابه، وهو تلميح يشابه ذلك الذي يقدمه في أفلامه، إلى أنه كان هاجراً للشأن السياسي و مبتعداً عن همه، لكن من يتابع أعمال هذا المخرج المثقف يدرك تماماً بأن الرجل كان غارقاً طوال سني حياته في عمق السياسة بشقيها الإجتماعي والأيديولوجي، وأنه لم ينفصل عن نبض شعبه لحظة واحدة، وربما عرفت عائلة مخملباف بأنها الاكثر تميزاً بسببه، فقد أسس مدرسة في بيته يدرس فيها الفلسفة والسينما ليمنح العالم ثلاث مخرجات، إبنته سميرا مخملباف ، ومرضية الزوجة الثانية له، وهانا أو هناء إبنته الصغرى التي أخرجت فيلما بعنوان "فرقة الجنون" سنة 2002٠
أفلام آل مخملباف (مرضية وسميرا وهانا- او هناء) الأولى. جائت متماهية مع صورة إيران المحافظة التي كرّسها الوالي الفقيه والإمام السياسي، تلك الصورة الرصينة المبتعده عن مظاهر التحرر والحداثة، والنائية عن الأفكار التثويرية والتحريضية، فهي ملتزمة بعدم ظهور الممثلات وهن (متبرجات)، بإعتبار السفور وزينة المرأة مسألة مرفوضة جوهرياً في الثقافة الإيران الإمامية، لكنها رغم ذلك كانت أفلامهم مشحونة بلغة إيحائية معارضة تهمس في خفوت شديد وتأثير بالغ وتندد في صمت صارخ، ورغم ذلك يمكن الوقوف على أفلام مخملباف اللاحقة التي صنعها بعد إستقراره في أوروبا، وطرحه لموضوعات مناهضة للصورة النمطية المعروفة عن السينما الإيرانية المحافظة، لذلك إذا تأملنا جميع الأفلام التي كتبها أو أخرجها مخملباف لوجدنا أنها تحمل بذور الرفض والمناهضة في داخلها حتى وإن ظهرت محافظة شكلياً

هذا التحول في مستوى حرية الإشتغال السينمائي عند مخملباف، يكشف أنه كان مسكوناً بالسياسة في جميع أفلامه حتى لو لم يعلنها صراحة، بل أنه كان ضد مظاهر المحافظة التي رضخ لها حيناً بسبب ضغوط الرقابة الحكومية الدينية، فعندما تهيأت له الفرصة في قول ما يريد، قال، وأنتج فناً رفيع المستوى مثل أفلامه: (الجنس والفلسفة) وَ(صرخة النمل)، الأمر الذي يؤكد أن التزامه السابق كان شكلياً فقط، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة مشاركة المرأة في سينماه التي ينبغي أن يظهرها في لباس محتشم وحوارات لا تتطرق للمشاعر العاطفية أو التلميح الجنسي أو الحب، وكذلك الإبتعاد كلياً عن لغة الجسد من رقص أو تصوير مفاتن وجمايات الجسد الأنثوي، ناهيك عن لمس يد المرأة أو ملامسة المرأة لأي جزء من جسد الرجل ، أو حتى مجرد النظر بغنج أو دلال .. وما إلى ذلك من قائمة طويلة من الشروط الرقابية الصارمة٠
في فيلم "جنس وفلسفة" وهو ممول فرنسياً، وأخرجه مخملباف في طاجكستان، يتجاوز فيه "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو يظهر المشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة٠
فهو يقدم منظوره الشخصي من جهة تأملاته الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" وصار لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات. غير ذلك فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم رقابياً وشعبياً منذ أن أنجز عام 2003..
يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين. ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها. ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.

من: اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة

ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن"٠
وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"! أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.
يطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب٠
ويذهب أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب٠
وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!
هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة، إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة٠
ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.
وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء٠
قد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات٠
وللذكر، فإن من أهم المخرجات الايرانيات اللواتي تأثرن بمحسن مخملباف، و يزاولن عملهن بمثابرة ورؤية واضحة تصب في خانة إثراء الوعي بقضايا الإنسان والمرأة في إيران : المخرجة راخشان بني إعتماد 50 عاما ، قدمت فيلم "نرجس" ، في تناول شفيف عن علاقة الرجل بالمرأة، وكذلك المخرجة تامينية ميلائي المولودة في تبريز 1960 ، وهي درست العمارة ثم اتجهت للسينما، تعرضت للسجن، لجرأتها في طرح إشكاليات إجتماعية وثقافية وسياسية، تدخل خاتمي لاطلاق سراحها، وأهم افلامها "النصف الخفي" 2001، وفيلم "ماذا أيضا جديد" 1993 وفيلم "أطفال الطلاق" إضافة إلى فيلم "سجن النساء" الذي يعد من أفلامها الضافية٠
في فيلمه (قندهار) يطرح مخملباف معاناة المرأة في بيئة ذكورية متسلطة، وفي فيلم إبنته هانا (بوذا انفجر خجلا) إنتحاء الى العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، وفي فيلم (اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة) وهو من كتابته، وإخراج زوجته مرضية، نعي أليم للحالة التي وصلت إليها المرأة الإيرانية، فمن خلال ثلاثة قصص منفصلة متصلة تبث مرضية صورة سينمائية واعية، عن قصة إنسانية شديدة العذوبة وكالعادة شديدة البساطة، لتضع المشاهد عند الشعور بذلك اليوم الذي أصبحت فيه تلك الطفلة(حواء) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه تلك الشابة(آهون) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه العجوز(حورا) امرأة ٠
إنه يوم واحد وثلاث أجيال، ثلاثة أعمار مختلفة، ثلاثة من النسوة يجابهن فيه يوم مفصلي في حياتهن، يخضنه باسلوبهن وفيه تشعر كل واحدة أن هذا اليوم هو اليوم الذي أصبحت فيه امرأة، بكل ما تحمله هذه الصفة من تبعات كينونة لم تختارها، وبكل الألم المنسرب لحظة إكتشاف كل واحدة أنها أصبحت امرأة في بيئة تحملها أوزاراً لم ترتكبها بعد باعتبارها منبع الفساد والرذيلة٠

القصة الأولى : طفلة في التاسعة من العمر، فجأة تتحول حياتها من لهو ومرح الطفولة إلى أعباء المرأة وتحمل المسئوليات . . فاليوم عيد ميلادها التاسع وتفرض عليها أمها وجدتها أن تغطي شعرها وتستر جسدها بعباءة طويلة ، وأن تنتهي من اللهو واللعب من (حسن ابن الجيران) – وأن تلتزم بيتها ، وهي لا تفهم ما الذي حدث ما بين الأمس واليوم ، ثم تتذكر أمها أن الطفلة كانت قد ولدت في الثانية عشر ظهراً ، بينما الساعة الآن الحادية عشرة، إذاً فأمامها ساعة تستطيع أن تلهو فيها قبل أن تصبح امرأة ويفرض عليها كل هذا٠

القصة الثانية : شابة في ريعان الصبا تشترك مع أقرانها في سباق للدراجات ويلاحقها زوجها محاولا منعها من هذا السباق وإعادتها للبيت، ولكنها تصر على الاستمرار ، فيهددها بالطلاق فلا تأبه .. يجمع رجال القرية ، ثم شيوخها كبراءها لينذرونها ويهددونها ولكنها تصر على الانطلاق والاستمرار.الفيلم عبارة عن حركة واحدة: فتيات ينطلقن على دراجات ..ثيمة واحدة وإفصاح ثري ٠

القصة الثالثة : عجوز ترث ميراثاً كبيراً في آخر أيامها، فتذهب الى سوق كبير لشراء كل ما كانت تتمنى وتحلم به طوال سنوات عمرها، منذ طفولتها، وحتى صباها وشبابها، وتقوم بفرش كل هذا المتاع على الشاطئ وتحت الشمس ، مستعرضة في لوحة فانتازية كل إقتنته، لكنها تراجع أحلامها وكل ما اشترت لتجد أن هناك ما نسيته، فتتذكر بعضه والبعض الآخر تنساه بالمرة.
كل هذا يشير للدور السياسي الذي لعبته سينما آل مخملباف (وغيرهم) في بث الوعي في عقول الشباب الإيراني وإشعال رغبة الثورة ضد وصاية رجال الدين والأولياء في حكومة "الثورة الإسلامية" المجحفة
و إذا أضفنا إلى ذلك أفلاماً مثل "الدائرة" وَ"حالة تسلل" لجعفر بناهي و فيلم "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن غوبادي، لوجدنا أن حالة الرفض للوضع السياسي القائم تكاد تكون عامة بين سينمائيي إيران.، و لن نبالغ إذا قلنا بأن السينما الإيرانية احتضنت بذور الثورة، بل نكون محقين إذا تنبهنا لذلك، لا سيما وأنها ساهمت في إنمائها في السنوات العشر الماضية ولم تغيب عن ميدان السياسة أبداً، وكان صوتها عالياً في بعض الأعمال، مرتهناً دائماً للفني والجمالي.
وبذكر الأصوات العالية وأشدها صخباً نجد فيلم "السحلية" الذي نجح تجارياً سنة2004 حتى أصبح الفيلم الأكثر رواجاً في السينما الإيرانية. وهو يقدم بشكل ساخر قصة لص محترف في تسلق الجدران والأسوار، ويدخل السجن بسبب سرقاته، ولكن تتهيأ له فرصة الهرب من السجن بعد تخفيه وإرتدائه لعمامة الأولياء، كان وجدها في مستشفى السجن أثناء إدعاءه المرض، وما أن يرتدى العمامة حتى يتمكن من الهرب بسهولة، ويصبح واعظاً مهيباً، له أتباع ومريدون يقدسون كلمته اتلتي يقولها، في رسالة واضحة مفادها الاعتراض على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الإمام والوالي لمجرد ارتدائه العمامة٠
يقول محسن مخملباف لجيزيل خوري "كنت تلميذاً لخامنئي وشاركت في المظاهرات ضد نظام الشاه والآن أعود لنفس النقطة وأقف مع الشعب ضد الديكتاتورية والتسلط" واضعاً تصوراً لإيران التي يحلم بها والتي لا تبتعد كثيراً عن صورتها في عهد الشاه بهلوي الذي ثار ضده في نهاية السبعينيات٠

ويعقب ، كانت إيران حينذاك أشبه بأوروبا تكفل حرية الفرد وحرية الفنان والإنسان بشكل عام، رجلاً كان أم امرأة، وكانت المطربة غوغوش رمزاً لهذه الحرية، وهي أشهر فنانات عهد الشاه، فقد غنّت ورقصت ومثلت في السينما بكل حرية حتى أصبحت نجمة عالمية، ثم تحولت إلى رمز صارخ لتلك الحقبة، إنها حلم جميل يداعب مخيلة مخملباف وبقية الإيرانيين الحداثيين، فكلما تأملوا واقعهم المؤسف الذي صنعته أوهام رجال الثورة الإمامية في بناء يوتوبيا مستحيلة .

من فيلم: الجنس والفلسفة
وربما لا ندرك نحن غير الإيرانيين هذه الإسقاطات والرموز لكونها خارجة عن نطاق معرفتنا وثقافتنا أو لكوننا ـ أحيانا ـ لا نريد أن نرى السينما الإيرانية إلا في إطار رومانسي أيديولوجي لا يرى فيها إلا نموذج لما يظنه سينما إسلامية تنجح وتصل للعالمية . . هذه العبارة قالها بكثير المنطق الإستشرافي الواعي ٠

ويواصل حديثه، أذكر أنني قابلت مخرجا إيرانيا اسمه فروج كريم في مهرجان مانهايم السينمائي بألمانيا سنة 1991م وكان يعرض فيلمه الأول "الفصل الأخير" وتناقشنا حول السينما الإيرانية وأبديت إعجابي بفيلم "الغريب والضباب" لبهرام بيضائي بوصفه فيلما يتنبأ بالثورة وبقدوم الإمام الخميني، وهنا ضحك قائلا إن هذا الفيلم بهائي ومليء بالرموز البهائية، و"الغريب" رمز للبهاء وليس للخميني وكل الإيرانيين قد فهموا هذا بسهولة.! ٠
مثال آخر على هذا، فيلم "ذات الحجاب الأزرق" للمخرجة راخشان بني اعتماد، الفيلم ينتهج أسلوب الواقعية الطبيعية ويقدم علاقة رجل أعمال غني، بفتاة عاملة متمردة، بعد موت زوجته وعلاقة بناته به بعد زواجه من الفتاة، وكان الرمز الأساسي في الفيلم هو "الحجاب الأزرق" أو بالأحرى اللون الأزرق الذي هو في الثقافة الإيرانية لون العثمانيين السنة وهم الأعداء التقليديين للشيعة بلونهم الأسود المعروف! والتمرد عند الفتاة يتحول إلى تمرد عام ورفض سياسي من خلال هذه الجزئية الصغيرة. هذه الجزئيات والرموز والتحايلات لا تمر على الرقيب الإيراني أو المسئولين، لذلك أحيانا ترفض الأفلام وأحيانا أخرى يتم تهميشها وتوضع في دور عرض صغيرة وهكذا. ولكن حاليا هناك انفتاح كبير خاصة بعد انتخاب الرئيس خاتمي والذي أيده كل السينمائيين، وتعرف هذه السينما باسم سينما الثاني من خرداد (مايو) أي سينما ما بعد انتخاب "خاتمي"٠

ثم لا ننسى المخرجة سوزان تسليمي (54 عاما)، وهي من القبيلة المخملبافية (إن جاز التعبير) حيث لا يفوت عملها الممتع ”كل الجحيم مراوغ “، فسوزان خرجت من معطف الانثروبولوجيا وانتقلت للسينما لتقدم "الطلاق على الطريقة الايرانية" وفيلم "انك تتحدث الانجليزية جيدا" وهو يتحدث عن الشباب الايراني المغترب في لندن. واخيراً المخرجة المتفردة مريم شهريار التي درست في اميركا وكان فيلمها الاول”بنات الشمس “ عام 1999 والذي تناول فيه اشكالية الهوية، الفيلم يحكي قصة فتاة ايرانية تعيل اسرتها ولكي تعمل في وسط ذكوري تحلق رأسها لتبدو رجلا تغازلها احدى العاملات وتطلب منها الزواج، تعاني كثيراً من تسلط صاحب المصنع وسلوكه الذكوري، وكيف يتفنن في اساءة معاملتها، الفيلم منع داخل ايران لكنه فاز بجائزة احسن فيلم في مهرجان مونتريال الدولي، متفوقا على 65 فيلما ويرسل الى نحو اربعين مهرجانا سينمائيا تقول شهريار: سئلت عن كثرة الرموز في الفيلم وهذا صحيح لان ما يهمني فقدان الشخصية الرئيسة في الفيلم لانوثتها من خلال حلق الشعر-رمز الانوثة ٠
إن سينما المرأة في ايران تتميز بوعي المخرجات الحاد لكينونة ذواتهن في إطار ماهو نسائي محلي خاص وإنساني عام بعيدا عن تسلط وقهر ونظرة الاخر المختلف٠


فيلم كوينتن تارانتينو كاملاً
Inglourious Basterds ****
حسنات كثيرة وعثرات قليلة في‮ ‬فيلم مختلف عن النازية وأعدائها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد| محمد رُضا



لو أن الكولونيل هانز لاندا (كريستوف وولتز) أطلق على شوشانا (ميلاني لورن) تلك الرصاصة بينما هي تركض هاربة بكل ما أوتيت من قوة وأصابها... لما كان هناك فيلم. ذلك لأن شوشانا بعد ثلاث سنوات استطاعت لا الهرب من الريف الفرنسي الى باريس فقط، بل هي غيّرت هويّتها وأسمها العائلي من درايفوس الى ميميو وأنشأت لنفسها داراً سينمائياً سيكون المكان الذي سيجتمع فيه معظم الشخصيات التي ستمر معنا في فيلم كونتن تارانتينو الجديد »أبناء زنا بلا مجد« [الترجمة الصحيحة للعنوان علماً بأن المخرج فضّل اللكنة على صحيح اللغة إذ أن هناك خطأ في كلي الكلمتين الإنكليزيّتين]٠
لكن لو أطلق لاندا تلك الرصاصة عليها وهي تهرب، او أمر رجاله بملاحقتها وقتلها، كما قتلوا عائلتها، لما كان هناك فيلم٠
شوشانا، كما لا يُخفى، يهودية وعائلتها قتلت بسبب ذلك. كانت مختبئة تحت سطح الأرض في بيت مزارع فرنسي في ذلك اليوم الذي وصل فيه الكولونيل لاندا في زيارة بدت ودّية. يعرّف نفسه للمزارع لاباديت (دنيس مينوشيه) ويقول له: "أعرف الكثير عنك. هل تعرف الكثير عني؟"٠

جواب المزارع يُرضي الكولونيل لأنه يؤكد صيته كـ "صياد يهود"٠
الفيلم مؤلف من خمسة فصول وهذا أوّلها تحت عنوان "حدث ذات مرّة في فرنسا المحتلة نازياً"، وهو عنوان يصلح للفيلم كله كونه يدور حول أحداث وقعت- خياليا بالطبع- في فرنسا العام 1944 أي بعد ثلاث سنوا من فصل البداية٠

طبعاً العنوان أيضاً أقرب الى تحية للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني [أفضل مخرج أفلام وسترن سباغيتي، لكنه ليس رائدها إذ أخرج أول أفلامه فيها سنة 1964 بعد ثلاث سنوات من إنطلاقها، خلالها كان ليوني لا يزال يكتب ويخرج أفلام تاريخ ملحمية]. فيلم ليوني ذو العنوان القريب "حدث ذات مرّة في الغرب" سنة 1968، يخطر على البال بسبب من تصميم المشهد الذي يصل فيه الكولونيل النازي وثّلة جنوده من بعيد. لكن هذه البداية لا تشبه بداية فيلم ليوني المذكور حيث ينتظر ثلاثة أشقياء وصول تشارلز برونسون في محطة قطار ولا هي تريد أن تشبهها. يطلب الكولونيل من المزارع دخول البيت ثم يطلب طلبين مهمّين: كوب حليب وخروج النساء من البيت٠
الطلب الأول مهم لأن تارانتينو سيستخدمه في مشهد لاحق (وهذا كل أهميّته وسأمر عليه بعد قليل)، والثاني هو تمهيد ما سيقع. والطريق التي يطلب فيها الكولونيل خروج النساء من المنزل هادئة ورصينة. يقول للمزارع بلطف شديد: "كما ترى تركت رجالي خارج البيت. هل أستطيع أن أطلب منك خروج النساء من البيت؟". طلب لا يمكن ردّه والمزارع لاباديت يأمر أهل بيته بالخروج٠

الحوار اللاحق معظمه للكولونيل. إنه يمهد لما يريد بحذق وبطلف وكياسة. يجمع معلومات يعرفها وكل ما سحب معلومة عرفها حفر للمزارع قليلاً من الحفرة التي سيوقعه فيها حين يسأله الإعتراف بأن العائلة اليهودية درايفوس إنما تعيش تحت ألواح الأرض الخشبية. وكانت الكاميرا نزلت إليها في
Tilt Down
ثم قطعت الكاميرا الى الفتاة التي وضعت يدها على فمها في خوف خشية أن يصدر منها ما يكشف وجودها. في الواقع، لا يمكن للكاميرا أن تخترق الأرض هكذا، لكن تارانتينو يستخدم التفعيلة مرّتين بعد ذلك. مرّة منتقلاً من غرفة الى غرفة كما لو كانتا بلا جدران فاصلة، والثانية حين تسبح الكاميرا فوقية من الغرفة الى خارجها نازعاً مفهوم السطح٠

يطلب الكولونيل من المزارع (هناك لقطة على وجه المزارع تجمع بين الغضب والخجل والخوف) أن يُشير له لمكان وجود العائلة المختبئة. ينصاع المزارع. يأمر الكولونيل رجاله. يدخلون ويزرعون ألواح الأرض الخشبية بالرصاص. يقتلون الجميع ما عدا شوشانا. لولاها لما كان هناك فيلم٠

الصياد والمزارع
التحية ايطالية والعذر‮ ‬يهودي

التحية لسيرجيو ليوني ليست هي العلاقة الوحيدة بين هذا الفيلم وبين السينما الإيطالية. أصلاً، فيلم تارانتينو مأخوذ عن فيلم ايطالي بنفس العنوان (بالتهجئة الصحيحة) أخرجه سنة 1978 إنزو ج. كاستيلاري من بطولة ممثلي الفترة، بو سڤنسن، الأفرو-أميركي فرد وليامسون والبريطاني إيان بانن٠ ويختلف في الموضوع تماماً (تجد إسم المخرج كاستيلاري في أسماء ما بعد انتهاء العرض مقروناً بالشكر). من هذه الموقعة ننتقل الى مكان ما حيث نتعرّف على الوتاننت ألدو راين (يقوم به براد بت لكن إسم الممثل الفعلي ألدو راي هو الذي يتبادر- قصداً- الى أذهان العارفين كونه ممثل ظهر في عدد كبير من الأفلام الحربية).
هذا جمع تحت إشرافه ثمانية جنود من اليهود شارحاً لهم مهمّتهم: إنه وهم يكوّنون وِحدة من الجنود الذين سيتم إسقاطهم وراء الخطوط لكي يوقعوا بالجنود الألمان. يقول لهم" "أنتم مدينون لي. كل واحد منكم. أريد مئة فروة رأس من كل واحد منكم"٠ هؤلاء، مندفعين بمعرفتهم بعمليات الصيد والقتل التي يقوم بها النازيون لليهود ومحقونين بكرههم لهم، يعلنون استعدادهم. بعد قليل، نراهم يمارسون اجتذاذ الفروات. إذا ما كان أحد منّا (او من المشاهدين الأجانب) لديه شعور طيّب حيال مأساة اليهود خلال الحرب، فإن هذا المشهد كفيل بترحيل هذا الشعور وإحلال قدر من التقزز والرفض٠

لكن اليهودية هي محور الصراع في الفيلم والى الحد الغالب: العذر الذي من أجله هناك أحداثاً تُروى. النازيون، ممثلون بالكولونيل لادا، يريدون صيد وقتل اليهود. واليهود يريدون صيد وقتل من يقتل اليهود. لكن المخرج يقسّم شخصياته الى ثلاث فئات
النازيون
اليهود
والمنتمين الى المخابرات البريطانية وهؤلاء يريدون استغلال عرض سينمائي سيحضره هتلر وغوبلز و-عمليا- كل القادة الكبار في الصالة التي تملكها شوشانا.
لا نرى كثيرا من القتل اليهودي للنازيين ولا كثيراً من القتل النازي لليهود (ليس هناك مشاهد معسكرات وإطلاق نار عشوائي. في الحقيقة، نسمع فقط عن جرائم النازية لكننا لن نراها) ذلك لأن غاية المخرج هي تقديم عمل خارج المألوف في هذا المجال، وهو يفعل
ينجز تارانتينو فيلماً فانتازياً بارعاً ومثيراً طوال الوقت من دون كثير لحظات تململ. تارانتينو يستبدل، قدر الإمكان، الموقف التشويقي الناتج عن الحركة الكبيرة، بالموقف التشويقي الناتج عن الإيماءات والحوار نفسه. هذا الحوار الذي، في معظم الأحيان، ليس تطويلاً ولا هدراً للوقت بل يحتاج لمن يعرف الإنكليزية جيّداً (او لترجمة عربية جيّدة) وأيضاً لمن يعرف كفاية في الغاية من الفيلم عبر الغاية من اختيار الوسيلة والإيقاع ويثق بعمل المخرج قبل الحكم عليه٠

في عمله هذا، يغير المخرج من المعتاد في سينما الفترة النازية. التعبير عن من هو في الخانة الخيّرة ومن هو في تلك الشريرة ليس ما يشغله. الطرح السياسي للفترة وبل الحكم على الفرقاء ليس ما يرغب به، بل هو يُضيغ السيناريو على نحو يتيح له صنع فيلمه الخاص عن النازية والمقاومة والمؤامرات المتبادلة كما صنع فيلمه البوليسي الخاص في »كلاب المخزن« وصنع فيلمه الساموراي الخاص في »أقتل بِل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براو
بل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براون« مثلا


ميلاني لورَن

كذلك فإن اخر ما يتوخّاه المخرج من فيلمه هو نمطية الشخصيات. لجانب أن الألماني لاندا شخصية مثقّفة وذكية فإن هناك شخصية ضابط ألماني فخور بألمانيّته ولا يهاب الموت. في المقابل، كون راين اميركي لم يجعل تارانتينو ينحاز اليه. على العكس يبدو راين فارغاً وبلا قدرة على مجاراة الألماني لاندا الا بالخديعة٠

حوار وترجمة
استخدام تارانتينو للحوار بارع في معظم الأحيان. في أحيان هو أفضل من أخرى، لكنه لا يسقط في الثرثرة. في اللقاء الأول بين شوشانا والكولونيل لاندرا ندرك لماذا كأس الحليب الذي طلبه الكولونيل من المزارع في المشهدا لأول مهم. ها هو يطلبه من النادل لشوشانا، ومن دون أن يسألها إذا كانت تريد كأس حليب او لا. يقفز الى بال المشاهد الكأس الأول الذي طلبه الكولونيل الذي كان يعرف أن اليهود مختبئين تحت الأرض. لذلك فمن الطبيعي -للمتابع اليقظ- أن يتوقّع أن يكون الكولونيل لاندا على معرفة بهوية شوشانا الحقيقية ما قد ينتج عنه (لو أن هذا التوقع صحيحاً) خطراً عليها٠

في مطارح أخرى، الحوار، بأي لغة كانت بالغ الأهمية. قبل تقديم مثال آخر لابد من شرح السبب الذي من أجله يستخدم المخرج أكثر من لغة في الفيلم. أربعة أسباب محددة تميط اللثام عن »لغزيتها« في الفيلم
أولا
الفيلم خيالي في كل شيء ما عدا هذه التفصيلة المهمة ما يرمز الى أهميتها كذلك في بال المخرج ورغبته في إنجاز فيلم بلغاته الأصلية كما فعل سابقاً في »أقتل بِل« حين استخدم، وقت الحاجة اليابانية٠
ثانياً
لأن الألماني (هتلر او سواه) لن يكون مقنعاً إذا ما تحدّث الإنكليزية او الأردو، ونحن -نقاداً وجمهوراً على حد سواء- كثيراً ما أعبنا على الأفلام التي تتحدّث الإنكليزية على طول الخط (من دون مبرر) سواء أكانت الشخصيات بورمية، أسبانية، فرنسية، ألمانية، سويدية او كونغولية٠
ثالثاً
شخصية الكولونيل لاندا تفرض ذلك أكثر من مرّة. كيف كان يمكن أن نقدّرها، على النحو الذي كُتبت عليه لو أنه تحدّث الإنكليزية فقط. المشهد الأول له، بالفرنسية ثم الإنكليزية، في المشاهد الأخرى يتحدث الألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية وكلها بطلاقة وعلى نحو منتم الى شخصيته. من دون ذلك كانت شخصيته ستخسر أبعادها الكاملة٠
رابعاً
هناك ذلك المشهد الذي يكتشف فيه لاندا زيف ادعاء براد بت وإثنين من يهوديه أنهم ايطاليون. ما لم يكن هؤلاء يتوقّعونه هو أن لاندا يستطيع الحديث بالإيطالية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها لغاته الأخرى. كيف كان يمكن أن يختبر صدقيّتهم ويكشفهم لو أنه لم يكن يعرف الإيطالية ويستخدمها في ذلك المشهد على النحو الذي استخدمها فيه؟

ناقد سينمائي‮ ‬
بعد تعريفنا بالجهتين تلك التي يقودها ألدو راين والأخرى التي يترأسها »صياد اليهود« لاندا، يعمل الفيلم على بلورة محوره الأهم: دار السينما التي تملكها شوشانا التي تقرر أن تكون مقر الحفلة المزمعة لعرض فيلم »فخر الأمة«. وهي الحفلة التي سيحضرها قمم المعسكر النازي بمن فيهم هتلر. تريد شوشانا أن تستغل الفرصة وتحرق الصالة مستخدمة في ذلك حقيقة أن أفلام الأمس كانت تستخدم خامة من السيليلويد سريع الإشتعال (ثلاث مرات أسرع من الورق- كما تتبرّع شوشانا بالقول). يساعدها في ذلك الموظّف الأسود مارسل (جاكي إيدو) وكلاهما على علاقة ربما جنسية (ولو أننا لا نرى ذلك ولا يتم الحديث فيها ولو أن هناك قبلة بينهما- المفارقة هنا هي أنها يهودية وهو أسود وكلاهما بالطبع قابع تحت سطوة العنصرية). الخطّة موضوعة (ولا أريد تناولها بالتفصيل حتى لا أفسدا لفيلم وقلب حبكته قرب النهاية)٠

كونتن تارانتينو

لكن هناك، وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفلة لقاءاً بين ونستون تشرشل (يؤديه المخضرم رود تايلور الذي من بين أفلامه الكثيرة
Zabriskie Point, The Train Robbers, Darker Than Amber, The Birds, The Time Machine
والفيلم الذي كتبه وأنتجه المصري المنسي في هوليوود فؤاد سعيد الذي ابتكر ستديو نقّالاً في الستينات والسبعينات استخدمته هوليوود في انتاجات سينمائية وتلفزيونية) وبين ناقد سينمائي سابق انضم الى الجندية سمّاه الفيلم أرتشي هيكوكس (قام به مايكل فاسبيندر) يختبر فيه الأول -تحت مراقبة ممثل للوزارة ويؤديه تحت ماكياج كثيف مايك مايرز). خلال المقابلة يطلب تشرشل من الناقد تقمص شخصية ضابط ألماني ووضع خطّة مع معاونين لاقتحام صالة السينما وقتل من فيها. الإجتماع في حانة وطول المشهد نحو عشرين دقيقة (كالبداية) وفيها يترجم المخرج المقصود بالتشويق اللفظي والترقّب لما سيحدث٠
تصميم اللقطات وتوليفها (مدير التصوير روبرت رتشردسون والمولّفة سالي منكي) يساعد كذلك على الترقب لكن ما يحدث في نهاية المشهد يبقى مفاجئا ذا وقع مُدهم وما ينتج عنه (معركة ضارية ولو سريعة) ضروري للمشاهد اللاحقة. من بينها مشهد يجمع بين الألمانية المتعاونة بردجت فون هامسمارك، كما تؤديها دايان كروغر، وبين الأميركي راين (بت) ليس من بين أفضل المشاهد وبناءاً على هذا المشهد يتم إقرار خطة تسلل راين ويهوده كمدعوين ايطاليين. بهذا، هناك ثلاث جهات تريد قتل هتلر ستجتمع في صالة السينما: المخابرات البريطانية، الأميركيون واليهودية شوشانا. كل جهة ستعمل منفصلة عن الأخرى لأنها لا تعلم بوجودها٠
دخول راين وإثنين من يهوده الى الصالة يتم. لكن الكولونيل لاندا يكتشف الحقيقة٠

يطلب لاندا من بردجت الدخول الى مكتب ملحق بصالة السينما وهناك يطلب منها وضع قدمها على ركبته. تابع حركاته. وسيلته في الطلب. تحتج. يشير لها إشارة بأصبعه لا يمكن رفض إلحاحها. حين تفعل يطلب منها أن تُخرج حذاءاً كانت فقدته في المعركة التي وقعت في الحانة. مثل الأمير وساندريللا يجرب الحذاء ليتأكد. وحال تأكده أنه لها، ينقض عليها كما الذئب على الضحية. لا رحمة٠
من هنا يزداد رفع مستوى التوقّعات ومعها مستوى الفيلم. هتلر (مارتن فوتكي) وغوبلز (سلفستر غروث) جنباً الى جنب يتابعان الفيلم المعروض بالأبيض والأسود (الفيلم الذي في الفيلم أخرجه الممثل إيلي روث الذي يؤدي دور واحد من يهود راين). وبعد قليل خطتان تلتقيان للتخلّص من الزمرة وإخراج الفيلم الرئيسي مما بقي من تاريخ وواقع، فهتلر لم يمت في صالة باريسية ولا غوبلز ولم يٌعرف بأنهما حضراً حفلة عرض في صالة باريسية. كذلك ليس في تاريخ السينما النازية فيلما بعنوان
The Nation's Pride


براد بت


الموت سينمائياً
السينما هي نسيج هذا الفيلم
المراجع لا تتوقّف الا مع نهاية آخر لقطة وآخر عبارة حوار
هناك ما ذكرتها سابقاً من تحية لليوني ومن استعارة الفيلم من فيلم إيطالي آخر واستعارة إسم الشخصية التي يؤديها براد بت من الممثل الأميركي ألدو راي. ذكرت أيضاً اختيار تارانتينو لضابط بريطاني ذي خلفية كناقد سينمائي (شكرا تارانتينو) والى أن شوشانا امتلكت صالة سينما. هذه بعض المرجعيات الأخرى

صلب الأحداث في النهاية تقع في صالة السينما التي بذلك تلعب دوراً أساسياً في هذا الفيلم -
غوبلز كان يحب السينما لكنه كان أيضاً يوظّفها لخدمة الرايخ وتحت إشرافه خرجت عشرات -
الأفلام النازية من العام 1933 الى ماقبل نهاية الحرب العالمية الثانية. وصحيح، على الأقل نسبة لبعض الروايات، كان سعيداً بتشبيهه بالمنتج الهوليوودي (غير اليهودي) ديفيد سلزنيك (كما يُشير الفيلم في حوار)٠
في مشهد في نصف الساعة الأولى من الفيلم نجد إسم المخرجة الألمانية ليني رايفنشتول على -
واجهة الصالة الخارجية، لكن لا علاقة لها بالفيلم المعروض فيما بعد. مجرد ذكرها نوع من الإشارة، إذا لم يكن نوعاً من التحية٠
الحديث عن الأفلام يحتل نصف مشاهد كثيرة تقع بين الضابط الشاب زولر (دانيال برول) -
وشوشانا٠
يتم تقديم شخصية الممثل الألماني إميل جنينغز في مشهد صغير -
في نهاية الفيلم (النهاية التي هي شطحة غير موفّقة) يقول راين بعدما حفر على جبين عدوّه -
لاندا الصليب المعكوف: "أعتقد أن هذا الحفر هو تحفتي". عبارة موجّهة من تارانتينو الى جمهوره يقصد بها فيلمه

تحفة؟ من الصعب القبول بذلك رغم حسنات الفيلم الكثيرة. لكنه بالتأكيد فيلم ممتاز يهيمن عليه الحب الشغوف للمخرج بالسينما وسعيه لمعالجة فنية شاملة. لكن بعض اختياراته خاطئة وأهمها جعل براد بت يتحدّث بلكنة تنتمي الى ولاية تنيسي الجنوبية. صحيح أن الممثل وُلد في أوكلاهوما (غير بعيدة) لكن تلك اللهجة سريعاً ما تصبح حائلاً ضد تركيز الممثل على ما ينفع من أداء (مشكلة تواجه الكثير من الممثلين الأميركيين والبريطانيين) تصبح غاية بحد ذاتها عوض أن ينصرف الممثل الى تكثيف ما يؤديه في مضمار الحركة والعمق الشخصي٠
في المقابل، كريستوف وولتز في دور لاندا امتلك الفيلم من كل زواياه التمثيلية. الباقون لا يرتقون الى مستواه. توقّعه مرشّحاً للأوسكار كأفضل ممثل مساند٠

أخيراً، هناك مفارقة لا يمكن معرفة ما إذا كانت خطأ او لا الا إذا تحدّث فيها المخرج (إذا ما نقلها اليه أحد) وهي مفارقة تحدّث عنها بعض النقاد الغربيين في "كان": حين يتم تعيين موعد العرض الخاص لفيلم "فخر الأمّة" مع شوشانا، فإن التاريخ يُحدد اليوم التالي. لكن حين ننتقل الى الخطّة البريطانية فيما بعد، فإن الحديث يذكر أن الحفلة ستقام بعد ثلاثة أيام. إما أن هناك خطأ كتابياً انتقل الى الشاشة في غفلة، او -في إحتمال بعيد الى حد- تصريفة ما بعد حدثية. وإذا كانت كذلك، فإنها الوحيدة إذ أن امتلاء هذا الفيلم (او أي فيلم آخر) بالفلاشباك او بالفلاشفوروورد، ليس دلالة على أن الفيلم يدور في رحى الحداثة او ما بعدها٠

الفيلم، في نهاية الأمر، ليس متعدد الأساليب ولا يستطيع أن يكون. هو أسلوب واحد لكنه مقسّم الى خمسة فصول مرتطبة جيّداً عبر قصّة تعرض جانباً مختلفاً في كل مرّة وليس أسلوباً مختلفاً٠
تصيم مشاهده وحركة الكاميرا وتصميم المشاهد (تم تصوير معظم الفيلم في ستديو بابلبيرغ الألماني) منتم الى السينما الألمانية أكثر منه الى السينما الأميركية. إذا ما حدث أن شاهدت يا عزيزي القاريء أفلاماً ألمانية لفترة ما قبل موجتها الجديدة في مطلع السبعينات (تلك التي افرزت هرتزوغ وفاسبيندر وفندرز وشلوندروف وقلّة أخرى) ستدرك ذلك أيضاً. وبل أن حركات كاميرا وورنر فرنر فاسبيندر ليست بعيدة عن تلك التي في المشاهد الداخلية لهذا الفيلم٠



CAST & CREDITS
DIRECTOR: Quintin Tarantino
CAST: Brad Pitt, Melanie Laurent, Christoph Waltz, Eli Roth, Michael Fassbender, Diane Kruger, Daniel Bruhl, Rod Taylor, Denis Menochet.
SCREENPLAY: Quintin Tarantino
CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson (Widescreen. 35 mm, Color).
EDITOR: Sally Menke (153 min).
MUSIC: Mary Ramos.
PRODUCER: Lawrence Bender. PROD. COMPANY: A Band Apart (US), Zehnte Babelsberg (Germany) 2009.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Aug 25, 2009

Year 3. Issue: 447 | Quintin Tarantino's Inglourious Basterds

فيلم كوينتن تارانتينو كاملاً
Inglourious Basterds
حسنات كثيرة وعثرات قليلة في‮ ‬فيلم مختلف عن النازية وأعدائها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد| محمد رُضا



لو أن الكولونيل هانز لاندا (كريستوف وولتز) أطلق على شوشانا (ميلاني لورن) تلك الرصاصة بينما هي تركض هاربة بكل ما أوتيت من قوة وأصابها... لما كان هناك فيلم. ذلك لأن شوشانا بعد ثلاث سنوات استطاعت لا الهرب من الريف الفرنسي الى باريس فقط، بل هي غيّرت هويّتها وأسمها العائلي من درايفوس الى ميميو وأنشأت لنفسها داراً سينمائياً سيكون المكان الذي سيجتمع فيه معظم الشخصيات التي ستمر معنا في فيلم كونتن تارانتينو الجديد »أبناء زنا بلا مجد« [الترجمة الصحيحة للعنوان علماً بأن المخرج فضّل اللكنة على صحيح اللغة إذ أن هناك خطأ في كلي الكلمتين الإنكليزيّتين]٠
لكن لو أطلق لاندا تلك الرصاصة عليها وهي تهرب، او أمر رجاله بملاحقتها وقتلها، كما قتلوا عائلتها، لما كان هناك فيلم٠
شوشانا، كما لا يُخفى، يهودية وعائلتها قتلت بسبب ذلك. كانت مختبئة تحت سطح الأرض في بيت مزارع فرنسي في ذلك اليوم الذي وصل فيه الكولونيل لاندا في زيارة بدت ودّية. يعرّف نفسه للمزارع لاباديت (دنيس مينوشيه) ويقول له: "أعرف الكثير عنك. هل تعرف الكثير عني؟"٠

جواب المزارع يُرضي الكولونيل لأنه يؤكد صيته كـ "صياد يهود"٠
الفيلم مؤلف من خمسة فصول وهذا أوّلها تحت عنوان "حدث ذات مرّة في فرنسا المحتلة نازياً"، وهو عنوان يصلح للفيلم كله كونه يدور حول أحداث وقعت- خياليا بالطبع- في فرنسا العام 1944 أي بعد ثلاث سنوا من فصل البداية٠

طبعاً العنوان أيضاً أقرب الى تحية للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني [أفضل مخرج أفلام وسترن سباغيتي، لكنه ليس رائدها إذ أخرج أول أفلامه فيها سنة 1964 بعد ثلاث سنوات من إنطلاقها، خلالها كان ليوني لا يزال يكتب ويخرج أفلام تاريخ ملحمية]. فيلم ليوني ذو العنوان القريب "حدث ذات مرّة في الغرب" سنة 1968، يخطر على البال بسبب من تصميم المشهد الذي يصل فيه الكولونيل النازي وثّلة جنوده من بعيد. لكن هذه البداية لا تشبه بداية فيلم ليوني المذكور حيث ينتظر ثلاثة أشقياء وصول تشارلز برونسون في محطة قطار ولا هي تريد أن تشبهها. يطلب الكولونيل من المزارع دخول البيت ثم يطلب طلبين مهمّين: كوب حليب وخروج النساء من البيت٠
الطلب الأول مهم لأن تارانتينو سيستخدمه في مشهد لاحق (وهذا كل أهميّته وسأمر عليه بعد قليل)، والثاني هو تمهيد ما سيقع. والطريق التي يطلب فيها الكولونيل خروج النساء من المنزل هادئة ورصينة. يقول للمزارع بلطف شديد: "كما ترى تركت رجالي خارج البيت. هل أستطيع أن أطلب منك خروج النساء من البيت؟". طلب لا يمكن ردّه والمزارع لاباديت يأمر أهل بيته بالخروج٠

الحوار اللاحق معظمه للكولونيل. إنه يمهد لما يريد بحذق وبطلف وكياسة. يجمع معلومات يعرفها وكل ما سحب معلومة عرفها حفر للمزارع قليلاً من الحفرة التي سيوقعه فيها حين يسأله الإعتراف بأن العائلة اليهودية درايفوس إنما تعيش تحت ألواح الأرض الخشبية. وكانت الكاميرا نزلت إليها في
Tilt Down
ثم قطعت الكاميرا الى الفتاة التي وضعت يدها على فمها في خوف خشية أن يصدر منها ما يكشف وجودها. في الواقع، لا يمكن للكاميرا أن تخترق الأرض هكذا، لكن تارانتينو يستخدم التفعيلة مرّتين بعد ذلك. مرّة منتقلاً من غرفة الى غرفة كما لو كانتا بلا جدران فاصلة، والثانية حين تسبح الكاميرا فوقية من الغرفة الى خارجها نازعاً مفهوم السطح٠

يطلب الكولونيل من المزارع (هناك لقطة على وجه المزارع تجمع بين الغضب والخجل والخوف) أن يُشير له لمكان وجود العائلة المختبئة. ينصاع المزارع. يأمر الكولونيل رجاله. يدخلون ويزرعون ألواح الأرض الخشبية بالرصاص. يقتلون الجميع ما عدا شوشانا. لولاها لما كان هناك فيلم٠

الصياد والمزارع
التحية ايطالية والعذر‮ ‬يهودي

التحية لسيرجيو ليوني ليست هي العلاقة الوحيدة بين هذا الفيلم وبين السينما الإيطالية. أصلاً، فيلم تارانتينو مأخوذ عن فيلم ايطالي بنفس العنوان (بالتهجئة الصحيحة) أخرجه سنة 1978 إنزو ج. كاستيلاري من بطولة ممثلي الفترة، بو سڤنسن، الأفرو-أميركي فرد وليامسون والبريطاني إيان بانن٠ ويختلف في الموضوع تماماً (تجد إسم المخرج كاستيلاري في أسماء ما بعد انتهاء العرض مقروناً بالشكر). من هذه الموقعة ننتقل الى مكان ما حيث نتعرّف على الوتاننت ألدو راين (يقوم به براد بت لكن إسم الممثل الفعلي ألدو راي هو الذي يتبادر- قصداً- الى أذهان العارفين كونه ممثل ظهر في عدد كبير من الأفلام الحربية).
هذا جمع تحت إشرافه ثمانية جنود من اليهود شارحاً لهم مهمّتهم: إنه وهم يكوّنون وِحدة من الجنود الذين سيتم إسقاطهم وراء الخطوط لكي يوقعوا بالجنود الألمان. يقول لهم" "أنتم مدينون لي. كل واحد منكم. أريد مئة فروة رأس من كل واحد منكم"٠ هؤلاء، مندفعين بمعرفتهم بعمليات الصيد والقتل التي يقوم بها النازيون لليهود ومحقونين بكرههم لهم، يعلنون استعدادهم. بعد قليل، نراهم يمارسون اجتذاذ الفروات. إذا ما كان أحد منّا (او من المشاهدين الأجانب) لديه شعور طيّب حيال مأساة اليهود خلال الحرب، فإن هذا المشهد كفيل بترحيل هذا الشعور وإحلال قدر من التقزز والرفض٠

لكن اليهودية هي محور الصراع في الفيلم والى الحد الغالب: العذر الذي من أجله هناك أحداثاً تُروى. النازيون، ممثلون بالكولونيل لادا، يريدون صيد وقتل اليهود. واليهود يريدون صيد وقتل من يقتل اليهود. لكن المخرج يقسّم شخصياته الى ثلاث فئات
النازيون
اليهود
والمنتمين الى المخابرات البريطانية وهؤلاء يريدون استغلال عرض سينمائي سيحضره هتلر وغوبلز و-عمليا- كل القادة الكبار في الصالة التي تملكها شوشانا.
لا نرى كثيرا من القتل اليهودي للنازيين ولا كثيراً من القتل النازي لليهود (ليس هناك مشاهد معسكرات وإطلاق نار عشوائي. في الحقيقة، نسمع فقط عن جرائم النازية لكننا لن نراها) ذلك لأن غاية المخرج هي تقديم عمل خارج المألوف في هذا المجال، وهو يفعل
ينجز تارانتينو فيلماً فانتازياً بارعاً ومثيراً طوال الوقت من دون كثير لحظات تململ. تارانتينو يستبدل، قدر الإمكان، الموقف التشويقي الناتج عن الحركة الكبيرة، بالموقف التشويقي الناتج عن الإيماءات والحوار نفسه. هذا الحوار الذي، في معظم الأحيان، ليس تطويلاً ولا هدراً للوقت بل يحتاج لمن يعرف الإنكليزية جيّداً (او لترجمة عربية جيّدة) وأيضاً لمن يعرف كفاية في الغاية من الفيلم عبر الغاية من اختيار الوسيلة والإيقاع ويثق بعمل المخرج قبل الحكم عليه٠

في عمله هذا، يغير المخرج من المعتاد في سينما الفترة النازية. التعبير عن من هو في الخانة الخيّرة ومن هو في تلك الشريرة ليس ما يشغله. الطرح السياسي للفترة وبل الحكم على الفرقاء ليس ما يرغب به، بل هو يُضيغ السيناريو على نحو يتيح له صنع فيلمه الخاص عن النازية والمقاومة والمؤامرات المتبادلة كما صنع فيلمه البوليسي الخاص في »كلاب المخزن« وصنع فيلمه الساموراي الخاص في »أقتل بِل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براو
بل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براون« مثلا


ميلاني لورَن

كذلك فإن اخر ما يتوخّاه المخرج من فيلمه هو نمطية الشخصيات. لجانب أن الألماني لاندا شخصية مثقّفة وذكية فإن هناك شخصية ضابط ألماني فخور بألمانيّته ولا يهاب الموت. في المقابل، كون راين اميركي لم يجعل تارانتينو ينحاز اليه. على العكس يبدو راين فارغاً وبلا قدرة على مجاراة الألماني لاندا الا بالخديعة٠

حوار وترجمة
استخدام تارانتينو للحوار بارع في معظم الأحيان. في أحيان هو أفضل من أخرى، لكنه لا يسقط في الثرثرة. في اللقاء الأول بين شوشانا والكولونيل لاندرا ندرك لماذا كأس الحليب الذي طلبه الكولونيل من المزارع في المشهدا لأول مهم. ها هو يطلبه من النادل لشوشانا، ومن دون أن يسألها إذا كانت تريد كأس حليب او لا. يقفز الى بال المشاهد الكأس الأول الذي طلبه الكولونيل الذي كان يعرف أن اليهود مختبئين تحت الأرض. لذلك فمن الطبيعي -للمتابع اليقظ- أن يتوقّع أن يكون الكولونيل لاندا على معرفة بهوية شوشانا الحقيقية ما قد ينتج عنه (لو أن هذا التوقع صحيحاً) خطراً عليها٠

في مطارح أخرى، الحوار، بأي لغة كانت بالغ الأهمية. قبل تقديم مثال آخر لابد من شرح السبب الذي من أجله يستخدم المخرج أكثر من لغة في الفيلم. أربعة أسباب محددة تميط اللثام عن »لغزيتها« في الفيلم
أولا
الفيلم خيالي في كل شيء ما عدا هذه التفصيلة المهمة ما يرمز الى أهميتها كذلك في بال المخرج ورغبته في إنجاز فيلم بلغاته الأصلية كما فعل سابقاً في »أقتل بِل« حين استخدم، وقت الحاجة اليابانية٠
ثانياً
لأن الألماني (هتلر او سواه) لن يكون مقنعاً إذا ما تحدّث الإنكليزية او الأردو، ونحن -نقاداً وجمهوراً على حد سواء- كثيراً ما أعبنا على الأفلام التي تتحدّث الإنكليزية على طول الخط (من دون مبرر) سواء أكانت الشخصيات بورمية، أسبانية، فرنسية، ألمانية، سويدية او كونغولية٠
ثالثاً
شخصية الكولونيل لاندا تفرض ذلك أكثر من مرّة. كيف كان يمكن أن نقدّرها، على النحو الذي كُتبت عليه لو أنه تحدّث الإنكليزية فقط. المشهد الأول له، بالفرنسية ثم الإنكليزية، في المشاهد الأخرى يتحدث الألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية وكلها بطلاقة وعلى نحو منتم الى شخصيته. من دون ذلك كانت شخصيته ستخسر أبعادها الكاملة٠
رابعاً
هناك ذلك المشهد الذي يكتشف فيه لاندا زيف ادعاء براد بت وإثنين من يهوديه أنهم ايطاليون. ما لم يكن هؤلاء يتوقّعونه هو أن لاندا يستطيع الحديث بالإيطالية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها لغاته الأخرى. كيف كان يمكن أن يختبر صدقيّتهم ويكشفهم لو أنه لم يكن يعرف الإيطالية ويستخدمها في ذلك المشهد على النحو الذي استخدمها فيه؟

ناقد سينمائي‮ ‬
بعد تعريفنا بالجهتين تلك التي يقودها ألدو راين والأخرى التي يترأسها »صياد اليهود« لاندا، يعمل الفيلم على بلورة محوره الأهم: دار السينما التي تملكها شوشانا التي تقرر أن تكون مقر الحفلة المزمعة لعرض فيلم »فخر الأمة«. وهي الحفلة التي سيحضرها قمم المعسكر النازي بمن فيهم هتلر. تريد شوشانا أن تستغل الفرصة وتحرق الصالة مستخدمة في ذلك حقيقة أن أفلام الأمس كانت تستخدم خامة من السيليلويد سريع الإشتعال (ثلاث مرات أسرع من الورق- كما تتبرّع شوشانا بالقول). يساعدها في ذلك الموظّف الأسود مارسل (جاكي إيدو) وكلاهما على علاقة ربما جنسية (ولو أننا لا نرى ذلك ولا يتم الحديث فيها ولو أن هناك قبلة بينهما- المفارقة هنا هي أنها يهودية وهو أسود وكلاهما بالطبع قابع تحت سطوة العنصرية). الخطّة موضوعة (ولا أريد تناولها بالتفصيل حتى لا أفسدا لفيلم وقلب حبكته قرب النهاية)٠

كونتن تارانتينو

لكن هناك، وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفلة لقاءاً بين ونستون تشرشل (يؤديه المخضرم رود تايلور الذي من بين أفلامه الكثيرة
Zabriskie Point, The Train Robbers, Darker Than Amber, The Birds, The Time Machine
والفيلم الذي كتبه وأنتجه المصري المنسي في هوليوود فؤاد سعيد الذي ابتكر ستديو نقّالاً في الستينات والسبعينات استخدمته هوليوود في انتاجات سينمائية وتلفزيونية) وبين ناقد سينمائي سابق انضم الى الجندية سمّاه الفيلم أرتشي هيكوكس (قام به مايكل فاسبيندر) يختبر فيه الأول -تحت مراقبة ممثل للوزارة ويؤديه تحت ماكياج كثيف مايك مايرز). خلال المقابلة يطلب تشرشل من الناقد تقمص شخصية ضابط ألماني ووضع خطّة مع معاونين لاقتحام صالة السينما وقتل من فيها. الإجتماع في حانة وطول المشهد نحو عشرين دقيقة (كالبداية) وفيها يترجم المخرج المقصود بالتشويق اللفظي والترقّب لما سيحدث٠
تصميم اللقطات وتوليفها (مدير التصوير روبرت رتشردسون والمولّفة سالي منكي) يساعد كذلك على الترقب لكن ما يحدث في نهاية المشهد يبقى مفاجئا ذا وقع مُدهم وما ينتج عنه (معركة ضارية ولو سريعة) ضروري للمشاهد اللاحقة. من بينها مشهد يجمع بين الألمانية المتعاونة بردجت فون هامسمارك، كما تؤديها دايان كروغر، وبين الأميركي راين (بت) ليس من بين أفضل المشاهد وبناءاً على هذا المشهد يتم إقرار خطة تسلل راين ويهوده كمدعوين ايطاليين. بهذا، هناك ثلاث جهات تريد قتل هتلر ستجتمع في صالة السينما: المخابرات البريطانية، الأميركيون واليهودية شوشانا. كل جهة ستعمل منفصلة عن الأخرى لأنها لا تعلم بوجودها٠
دخول راين وإثنين من يهوده الى الصالة يتم. لكن الكولونيل لاندا يكتشف الحقيقة٠

يطلب لاندا من بردجت الدخول الى مكتب ملحق بصالة السينما وهناك يطلب منها وضع قدمها على ركبته. تابع حركاته. وسيلته في الطلب. تحتج. يشير لها إشارة بأصبعه لا يمكن رفض إلحاحها. حين تفعل يطلب منها أن تُخرج حذاءاً كانت فقدته في المعركة التي وقعت في الحانة. مثل الأمير وساندريللا يجرب الحذاء ليتأكد. وحال تأكده أنه لها، ينقض عليها كما الذئب على الضحية. لا رحمة٠
من هنا يزداد رفع مستوى التوقّعات ومعها مستوى الفيلم. هتلر (مارتن فوتكي) وغوبلز (سلفستر غروث) جنباً الى جنب يتابعان الفيلم المعروض بالأبيض والأسود (الفيلم الذي في الفيلم أخرجه الممثل إيلي روث الذي يؤدي دور واحد من يهود راين). وبعد قليل خطتان تلتقيان للتخلّص من الزمرة وإخراج الفيلم الرئيسي مما بقي من تاريخ وواقع، فهتلر لم يمت في صالة باريسية ولا غوبلز ولم يٌعرف بأنهما حضراً حفلة عرض في صالة باريسية. كذلك ليس في تاريخ السينما النازية فيلما بعنوان
The Nation's Pride


براد بت


الموت سينمائياً
السينما هي نسيج هذا الفيلم
المراجع لا تتوقّف الا مع نهاية آخر لقطة وآخر عبارة حوار
هناك ما ذكرتها سابقاً من تحية لليوني ومن استعارة الفيلم من فيلم إيطالي آخر واستعارة إسم الشخصية التي يؤديها براد بت من الممثل الأميركي ألدو راي. ذكرت أيضاً اختيار تارانتينو لضابط بريطاني ذي خلفية كناقد سينمائي (شكرا تارانتينو) والى أن شوشانا امتلكت صالة سينما. هذه بعض المرجعيات الأخرى

صلب الأحداث في النهاية تقع في صالة السينما التي بذلك تلعب دوراً أساسياً في هذا الفيلم -
غوبلز كان يحب السينما لكنه كان أيضاً يوظّفها لخدمة الرايخ وتحت إشرافه خرجت عشرات -
الأفلام النازية من العام 1933 الى ماقبل نهاية الحرب العالمية الثانية. وصحيح، على الأقل نسبة لبعض الروايات، كان سعيداً بتشبيهه بالمنتج الهوليوودي (غير اليهودي) ديفيد سلزنيك (كما يُشير الفيلم في حوار)٠
في مشهد في نصف الساعة الأولى من الفيلم نجد إسم المخرجة الألمانية ليني رايفنشتول على -
واجهة الصالة الخارجية، لكن لا علاقة لها بالفيلم المعروض فيما بعد. مجرد ذكرها نوع من الإشارة، إذا لم يكن نوعاً من التحية٠
الحديث عن الأفلام يحتل نصف مشاهد كثيرة تقع بين الضابط الشاب زولر (دانيال برول) -
وشوشانا٠
يتم تقديم شخصية الممثل الألماني إميل جنينغز في مشهد صغير -
في نهاية الفيلم (النهاية التي هي شطحة غير موفّقة) يقول راين بعدما حفر على جبين عدوّه -
لاندا الصليب المعكوف: "أعتقد أن هذا الحفر هو تحفتي". عبارة موجّهة من تارانتينو الى جمهوره يقصد بها فيلمه

تحفة؟ من الصعب القبول بذلك رغم حسنات الفيلم الكثيرة. لكنه بالتأكيد فيلم ممتاز يهيمن عليه الحب الشغوف للمخرج بالسينما وسعيه لمعالجة فنية شاملة. لكن بعض اختياراته خاطئة وأهمها جعل براد بت يتحدّث بلكنة تنتمي الى ولاية تنيسي الجنوبية. صحيح أن الممثل وُلد في أوكلاهوما (غير بعيدة) لكن تلك اللهجة سريعاً ما تصبح حائلاً ضد تركيز الممثل على ما ينفع من أداء (مشكلة تواجه الكثير من الممثلين الأميركيين والبريطانيين) تصبح غاية بحد ذاتها عوض أن ينصرف الممثل الى تكثيف ما يؤديه في مضمار الحركة والعمق الشخصي٠
في المقابل، كريستوف وولتز في دور لاندا امتلك الفيلم من كل زواياه التمثيلية. الباقون لا يرتقون الى مستواه. توقّعه مرشّحاً للأوسكار كأفضل ممثل مساند٠

أخيراً، هناك مفارقة لا يمكن معرفة ما إذا كانت خطأ او لا الا إذا تحدّث فيها المخرج (إذا ما نقلها اليه أحد) وهي مفارقة تحدّث عنها بعض النقاد الغربيين في "كان": حين يتم تعيين موعد العرض الخاص لفيلم "فخر الأمّة" مع شوشانا، فإن التاريخ يُحدد اليوم التالي. لكن حين ننتقل الى الخطّة البريطانية فيما بعد، فإن الحديث يذكر أن الحفلة ستقام بعد ثلاثة أيام. إما أن هناك خطأ كتابياً انتقل الى الشاشة في غفلة، او -في إحتمال بعيد الى حد- تصريفة ما بعد حدثية. وإذا كانت كذلك، فإنها الوحيدة إذ أن امتلاء هذا الفيلم (او أي فيلم آخر) بالفلاشباك او بالفلاشفوروورد، ليس دلالة على أن الفيلم يدور في رحى الحداثة او ما بعدها٠

الفيلم، في نهاية الأمر، ليس متعدد الأساليب ولا يستطيع أن يكون. هو أسلوب واحد لكنه مقسّم الى خمسة فصول مرتطبة جيّداً عبر قصّة تعرض جانباً مختلفاً في كل مرّة وليس أسلوباً مختلفاً٠
تصيم مشاهده وحركة الكاميرا وتصميم المشاهد (تم تصوير معظم الفيلم في ستديو بابلبيرغ الألماني) منتم الى السينما الألمانية أكثر منه الى السينما الأميركية. إذا ما حدث أن شاهدت يا عزيزي القاريء أفلاماً ألمانية لفترة ما قبل موجتها الجديدة في مطلع السبعينات (تلك التي افرزت هرتزوغ وفاسبيندر وفندرز وشلوندروف وقلّة أخرى) ستدرك ذلك أيضاً. وبل أن حركات كاميرا وورنر فرنر فاسبيندر ليست بعيدة عن تلك التي في المشاهد الداخلية لهذا الفيلم٠



CAST & CREDITS
DIRECTOR: Quintin Tarantino
CAST: Brad Pitt, Melanie Laurent, Christoph Waltz, Eli Roth, Michael Fassbender, Diane Kruger, Daniel Bruhl, Rod Taylor, Denis Menochet.
SCREENPLAY: Quintin Tarantino
CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson (Widescreen. 35 mm, Color).
EDITOR: Sally Menke (153 min).
MUSIC: Mary Ramos.
PRODUCER: Lawrence Bender. PROD. COMPANY: A Band Apart (US), Zehnte Babelsberg (Germany) 2009.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Aug 22, 2009

Year 3. Issue 446| Spielberg Special: A.I. (Part 2) | Close Encounters of 3rd Kind.

COVER|STORY
افتتاحات فنيسيا


كما ذكرنا هنا قبل نحو شهرين، يفتتح جوزيبي تورناتوري »باريا - باب الريح« الدورة السادسة والستين من مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي٠ لكنه ليس الإفتتاح الوحيد لأن المسابقة ليست القسم الرسمي الوحيد٠ الفيلم الذي سيفتتح "قسم آفاق" سيكون الفيلم الجديد »فرنشيسكا« لبوبي باونشسكو من رومانيا٠
وقسم السينما الإيطالية المعاصرة" سيفتتح بفيلم فاليريو مييللي "عشرة فصول شتاء«(الصورة) وهو الفيلم الأول لمخرجه٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العصر الفريد

كنت في حديث هاتفي مع أحد الزملاء النقّاد وتكلّمنا عن النقد السينمائي اليوم، فقلت له: "النقد السينمائي اليوم يحبو". قال: "بالمقارنة مع ما كان عليه في الثمانينات، عاد الى بطن أمّه"٠ صحيح، وبل اختفى من جينيات الأم تماماً بالمقارنة مع ما كان عليه في السبعينات. لست لأني بدأت النقد آنذاك ولا انتصر لجيلي لمجرّد أنني "قديم" في المهنة، بل لأنه إذا ما قارنّا النقد آنذاك، بالنقد اليوم، فإن شيئاً واحداً هو المفقود وفيه كل الفرق: الهدف. وهذا كان بدوره منسجماً مع أهداف الأمّة العربية. الكلام ليس كبيراً، لكن الفاصل بين اليوم وبين الأمس هو الكبير، ولا تحتاج لأن تكون قومياً او انعزالياً لتدرك أن الحياة السياسية في تلك الآونة، حول العالم بأسره، وليس فقط في عالمنا، كانت أفضل لذلك الثقافة كانت أفضل لذلك السينما كانت أفضل٠
أما وقد أفرغت ما في جعبتي أعلاه فسآخذ من جعبة أخرى: الجامع بين سامي السلاموني وسمير فريد وفتحي فرج وفاروق عبد العزيز وسعيد مراد وحسّان أبو غنيمة وسمير نصري وإدغار نجّار والطاهر الشريعة وسواهم هو جهدهم في سبيل تعريف السينما الجديدة الى الناس، او تعريف السينما من جديد الى الناس. كان في صلب هذه الغاية الإدراك بأن المهمّة ليست عبادة في وله الذات، بل لقاءاً يحفره الناقد بكل ما لديه من إيمان بأهمية السينما وأهمية دورها في الناس٠
كنا جميعاً نراهن بمستقبلنا وكل واحد تخلّى عن أحلام أخرى لأجل هذه الغاية، وكنّا سعداء ونشعر بأننا نبني بأي مقدار ممكن شيئاً راقياً ينمّي الذوق ويدافع عن حريّة التعبير في الوقت الذي يستخدم فيه النقد وسيلة الى ذلك وليس وسيلة لنفخ بوالين الهواء٠
كان آمالنا مختلفة. مهرجاتنا مختلفة. تطلّعاتنا مختلفة. كنا وسط جمهور لا يزال يقرأ الصحف والكتب والمجلات. جمهور كان يدرك أنه إذا ما أراد الحفاظ على وجوده في الحياة فعليه أن يقرأ وأن يقرأ في الثقافة بكل أنواعها وتياراتها والفن بكل أساليبه واتجاهاته والعلم بكل بحوره والحياة من فتحة رمش العين الى الكون الكبير. كلّه من صنع ربي والحياة وحب الحياة والأمل والتفاؤل والعيش الهنيء والسعيد والخالي من الخوف والفساد والضغينة هو من صنع ربي أيضاً٠
ما الذي حدث؟
اسأل انهيار القضايا الكبيرة التي حرّكتنا. اسأل ارتفاع النبرات الطائفية والمذهبية. إسأل غياب الوعي القومي وحلول التقوقع. أسأل الشعور بالهزيمة الذي زرعوه في النفس. أسأل هيمنة الجهل على العلم والظلام على النور. اسأل الفاشية الدينية وكل فاشية أخرى٠
اسأل الإنهيارات المتوالية حول العالم بإسم الإنفتاح والعولمة. ما كان يجب أن يكون دافعاً لتحرر الإبداع من مشاكله المادية من ناحية والرقابية من ناحية أخرى، تحوّل الى أفلاس متواصل. ليس صدفة أن أفضل مرحلة إبداع فنية في هوليوود كانت منتصف الستينات الى آخر السبعينات، وليس صدفة أن أفضل مرحلة إبداع في أوروبا الشرقية كانت في الفترة ذاتها وحول العالم أيضاً الأمر نفسه (كيفما نظرت تتالت في البال أسماء مخرجين أنجزوا أعمالا عملاقة)٠
السينما الأميركية هاجمت النظام والحرب والرأسمالية والسينما في أوروبا الشرقية انتقدت أيضاً النظام والشيوعية بدورها. الأولى انتعشت بسبب القضايا والأخرى منحت مخرجيها بطولة مطلقة الى الأبدية بسبب موقف شجاع لا يهاب النظام. يا له من وضع مثالي: في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي كانت هناك سينمات ذات قضايا. ويا له، بعد ذلك، من وضع مؤسف: ما أن تم تدويل العالم ليصبح مؤسسة مصرفية واحدة حتى توقف النقد وانخفض مستوى الإبداع وتنازل الجمهور عن مرحلة مميّزة لا يمكن أن تعود الا بعودة شروطها الإبداعية٠
يقول الكاتب المصري فرنسوا باسيلي في مقالة أخيرة له : "لا أبالغ عندما أقول أن فنّاناً مثل صلاح جاهين كان يشكل بمفرده حركة إبداعية فنية شاملة، من كلمات في أناشيده الوطنية كانت هي المعبر الأصدق عن مشاعر الشعب المصري، إلى اشعار بالعامية تضارع في فلسفتها وعمقها الفكري والجمالي أعظم الأشعار بالعربية، الى رسومه الكاريكاتورية اليومية في الأهرام التي كانت تعني كل منها عن مقالة سياسية او اجتماعية كاملة (.....) أما الحركة الثقافية والأدبية فقد كانت في أزهى عصورها، فالرواية على يد نجيب محفوظ فضاءات متجددة من »أولاد حارتنا« الى »اللص والكلاب« الى »ميرامار« والمسرح يتألّق بعدد كبير من أجمل مبدعيه من الحكيم ويوسف ادريس الى سعد الدين وهبة ونعمان عاشور وألفريد فرج وغيرهم"٠
أتلاحظون معي ما أريد قوله هنا؟ كيف يمكن أن نطعن ذلك الماضي الذي -بصرف النظر عن مشاعر سلبية تجاهه- كان أفضل من حاضرنا بكل مليمتر منه؟ الكاتب يذكر المسرح والشعر والقصّة لكن السينما في مصر كانت أيضاً بأفضل حالاتها ولا داعي للأمثلة والتأكيدات٠
هذا تأسسه بسياسة تفصل الدين عن الدولة من دون أن تلغيه، وباستبدال التعددية بين عناصر العرب برؤية تشملهم جميعاً سُميّت بـالقومية العربية. ما أنجز حينها لم يُنجز على صرح من الخوف ولا بالبطش كما يشيعون، بل بإنفتاح ورغبة في تأسيس عالم عربي مثقّف ومتّحد ومنجب للعبقريات والمبدعين والمثقّفين. عالم ينتمي الى ذلك اليوم والى الغد من بعده، وكان يمكن أن يستمر وينمو لولا أن الناس لم تمسك بزمام الأمور من بعد غياب رموزه، بل استجابت للطاعة وتركت الأمور تفلت من عقالها، وقررت أن الأمان يقتضي بأن نقبل بما يخططه الآخرون لها٠


أفلام ضد
Artificial Intelligence: A. I.
PART II
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مر "ذكاء اصطناعي" سنة 2001 على شاشـاتنا
كسحابة عابرة. كفيلم خيالي- علمي ترفيهي اعتاد
سبيلبرغ تقديمه.
لكن هذا الفيلم مختـلف. إنه مناهض لأفلام سبيلبـرغ
السابقة. بداية مواجهته لنفسه وبداية قلقه. الحلقة
الأولى نشرت في العدد 444 الحلقة الثانية هـذه
تبرز العوامل المختلفة التي تجعل منه فيلماً مضاداً
لمسلّمات تبنّاها المخرج منذ أولى أفلامه٠
...............................................................................................


الفقرة الأخيرة من الحلقة السابقة قالت: "وهنا يبدأ المخرج بالتعليق على العالم الذي نعيشه. ليس العالم الذي نتفرّج عليه في نشرات الأخبار او على الإنترنت فقط، بل العالم الذي تقدّمه هوليوود"٠
المعنى هنا يتعلّق بذلك الصنف من الأفلام الترفيهية التي كانت تغمر هوليوود ولا تزال في كل مرحلة من مراحلها. الصنف الذي يبيع الأحلاف الزائفة حول الحياة السعيدة، والصنف الآخر الذي يضخّم العنف ليقدّمه ترفيهاً صالحاً بصرف النظر عما يؤدي اليه من تأثير في سلوك البعض. الاستاد الكبير التي يقدّمه سبيلبرغ في »ذكاء إصطناعي« هو استاد عنف بآليّاته الميكانيكية الكالحة وأدواته البدائية. ليس من أجهزة تقنية حديثة تناسب المستقبل الذي تقع فيه الأحداث، بذلك يربطها بماضي العنف عبر العصور. في الوقت ذاته، كونه مخرجاً يمارس هنا عملاً يريد عبره طرح نفسه كمفكّر في شؤون الحياة يستخدم الصراعات داخل الحلبة كنظرة على كل أساليب ووسائل الترفيه [الجمهور الحاشد والمُهيّج في الفيلم، كما جمهور الحلبات الرياضية الحديثة وجمهور بعض افلام العنف)٠
الملاحظة هنا هي أنه إذا ما كان سبيلبرغ يقصد ذلك، وهو بالتأكيد يبعث المشهد في إتجاه نقد السائد، فإنه ينتقد نفسه كونه واحداً من السينمائيين الذين ساهموا في بعث مستوى الأفلام الترفيهية الى حجم غير مسبوق. صحيح أن أفلامه تبتعد عن العنف الذي تجده مثلاً في أفلام أخرى، لكن أفلامه تشاطرها بيع الجمهور أحلام القوّة وسيادة العنف٠


الأبعد من ذلك، او الإمتداد له، هو أن المخرج يصوّر جمهور تلك الحلبة، المسمّاة -بالمناسبة- ؛معرض اللحوم البشرية"، على نحو يجعلنا نحن -المشاهدين الآمنين بين أربعة جدران كبيرة تشبه تلك الحلبة في المفهوم بفارق أن الشاشة ترث المفهوم القابع على الحلبة ذاتها- خائفين لا من عنف ما يقع على الحلبة من تقطيع أجساد ومخاطر، بل من جمهور فقد الكوابح الإجتماعية والأخلاقية والشخصية (بصرف النظر عن تعريفها او تحديدها) وتحوّل الى حيوان جامع منتش بالدم والعنف٠ هؤلاء نحن، يقول الفيلم لمشاهديه لكن ليس نحن بكل التجسيد والتحديد لأن مشاهدي »ذكاء إصطناعي« ليسوا مشاهدي أفلام زاك سنايدر مثلاً٠ والأخطر هنا، هو أن هناك بعداً ثالثاً: نحن، إذا ما كنا شبيهين بأي من الشخصيات على صعيد مستواها الثقافي والسلوكي، فنحن شبيهين بشخصية الأندرويد جو (جود لو) المصنوع برهافة ومن أجل الحب والأضعف من أن يواجه عالماً متوحّشاً كالذي يشهده معنا٠

القاع والقمة
الى جانب ذلك، وإمعاناً في تقريب الصورة الى وضع مماثل بيننا: جمهور الحلبة داخل الفيلم من الطبقة الفقيرة ومن شخصيات لم تجد لنفسها مكاناً فاعلاً في المجتمع. تخالهم "سقط المتاع" في رحلة مضى فيها الإثرياء والمثقّفون في طريق وتركه وراءهم. الآن، في بعض الأفلام الأخرى، الصورة معكوسة. في أفلام لعبها جان-كلود فان دام في مطلع عهده مؤدياً شخصية ملاكم حلبات شوارعية [في أفلام مثل ليونهارت« إخراج شلدون ليتيش- 1990] فإن الجمهور المتحلّق حول الحلبة والمستمتع بسادية العنف هو جمهور من الأثرياء. وسينمائياً لكل طرف تبريره: في فيلم من نوعية »ليونهارت« (او
Kickboxer
إذا أردت) فإن البطل عادة من الطبقة الدنيوية والجمهور من الأثرياء. في فيلم سبيلبرغ الشخصية التي سنتآلف معها هي أندرويد مصنوعة برهافة (سواء شخصية الصبي او الشاب) وهي تُباع -كما ورد معنا في الجزء الأول- بأسعار غالية لطبقة الأغنياء التي تسكن في منازل في أطراف أخرى بعيدة (وإن لم تكن منازل جميلة كمنازل اليوم) اما الشخصيات التي ينتقدها الفيلم فهي العامّة تلك التي قد يجيء منها ملاكم فرد على نحو جان-كلود فان دام او روكي/ ستالون٠
إذ تتوفّر هذه الملاحظة، فإن المبرر السينمائي هو حاجة البطل لعدوّ يكون نقيضاً له (أميركي/ غير أميركي- غربي/ شرقي- أبيض/ أسود الخ...)، لكن المبرر الإجتماعي هنا هو الخطير في الموضوع وغير المبحر سياسياً بما فيه الكفاية: فالسبب الذي من أجله هناك أناس في القاع يعود الى أن الناس التي على القمّة داست عليهم حين اعتلت٠


ضد من ؟
سبيلبرغ لا يتعرض لهذه النقطة (ديفيد فينشر يتعرّض لها على نحو أكثر تحديداً في فيلمه "نادي الملاكمة«) تبقى غائبة عن منواله، لكن ما أسسّه لا يقل أهمية: إدانة مبدأ الترفيه العنيف ضمن أي وسيط ونقدها بما في ذلك ذلك الترفيه المتأتّي من أفلام هوليوود٠
بالتالي الفيلم ضد السائد من الأفلام الترفيهية إجمالاً، وليس الترفيهية العنيفة فقط. تلك الخطوة الفارقة متأتّية من بطل الفيلم ديفيد (الصبي الصغير كما أدّاه هايلي جوول أوزمنت). إنه البراءة والحب الذي لا ينتهي (ونراه في النهاية يرنو الى التحوّل الى إنسان حقيقي علماً بأن ذلك لن يحدث فيمكث في حلمه لألفي سنة لاحقة كما يقول الفيلم قبل أن تنقذه مخلوقات بعد أن دُمّرت الأرض وما عادت مأهولة على الإطلاق٠
إنه البراءة والحب والمثالية ... الا يذكّرنا هذا بشيء؟ نعم يذكّرنا بشخصيات سبيلبرغ المماثلة سنّاً في عدد من أعماله ["إي تي"، "لقاءات قريبة من النوع الثالث"، "لائحة شيندلر" - معبّر عنها بالفتاة ذات الرداء الأحمر، "إمبراطورية الشمس" الخ...]٠
في سينما سبيلبرغ، تنشأ هذه الشخصيات كأمل سبيلبرغ والبعض منا في عالم أفضل. إنه عالم مخيف الذي يحيط بسبيلبرغ وبنا وبأبطاله الصغار. لكنهم ينجحون في التحرّك وتحقيق الذات وإنجاز المغامرة على الرغم من ذلك المحيط. هنا في »ذكاء اصطناعي« يخفق ديفيد في تحقيق ذلك (حبه الفائض للغير محاط بالأسلاك الشائكة من كل صوب كما تلك الحلبة) وهو يسعى الى أن يخطو خطوات بينوكيو، الدمية التي تناهى اليه أنها نجحت في تحقيق الخطوة. بالنسبة إليه، يريد أن يصبح إنساناً لكي تحبّه أمه ولن يستطيع. إنه يريد أن يصدّق الخيال، ويخبر أمّه وهي تقوده الى أطراف الغابة حيث ستتركه برغبته تلك لكنها تصارحه بأن »القصص تبقى خيالاً«٠
إذا كان لابد أن نحن من هو ذلك "الضد" الذي يتوجّه اليه الفيلم، فهو -في نهاية المطاف- ضد سبيلبرغ نفسه وبإختياره. فهو بنى أفلامه على الرغبة في تصديق المثاليات المجسّدة في أبطاله الصغار، وهو هنا أعلن أن ذلك ليس حقيقياً٠ النهاية لن تكون سعيدة٠


ستيفن سبيلبرغ في لقاءات قريبة من النوع الثالث
حين هَبَط الغرباء...للتحيّة!٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي- سوريا٠


منذ أن تحسس الإنسان وجوده على الأرض، أدركَ أنه يواجه معضلة في إدراك الكون الواسع حوله. و مع تطور الحضارات، بَدَت هذه المُعضلة عصيّة على الحلّ بالعلم و المنطق اللذين طورتهما الحضارة. لذلك وجَدَ الإنسان نفسه يبتدعَ مفاهيم غيبية تصالحهُ مع الغامض الكبير الذي لا يُدرك كـُنهه و لا بُعدُه , و ألبَسَ هذه المفاهيم الغيبية لبوس الإلوهية لتكريس إعترافه بهزيمة أدواته في إدراك الكون فيزيائياً و فلسفياً. لكن مع هذا، بقي السؤال يؤرّقه: ما هو الكون؟ و هل نحن وحدنا في هذا "الفراغ" اللامتناهي؟

السينما، كغيرها من الفنون التي عكست هذا القلق الوجودي للإنسان، تناولت فردانية وجود الإنسان أو عدمها. لكن طريقة التناول هذه خضعت لظروف الحال السياسية و الإيديولوجية في فترات مختلفة. ففي عزّ أيام الحرب الباردة أرادَ الغرب (عبر مؤسسات مؤثرة مثل هوليوود) تعزيز و تكريس الحسّ الجمعي بالقلق و الخوف من الخطر المحدق بحضارة ما دعوه بـ "العالم الحـُرّ". و هذا الخوف الغريزي من الغامض الذي يهدد وجود الإنسان، كان مرّة يأتي من غزو سوفييتي أحمر و مرّات من كائنات غريبة من العالم الخارجي تتربص بالأرض شرّاً. و عبرَ هذا الخوف أيضاً كانت تتمّ محاولة تكريس رفض "الآخر" و الخوف منه، بل و حتى شيطنته لتبرير قتله لاحقاً٠

عام 1977 جاءَ فيلم "لقاءات قريبة من النوع الثالث" سابحاً عكس التيار و فاتحاً نافذة صغيرة للإطلال على الآخر الغريب الذي قد لا يكون يريد أكثر من تحيتنا!
يبدأ الفيلم بعاصفة رملية تكاد تحجب رؤيتنا إلاّ عن هضبة مرتفعة بالكاد نستطيع تحديد أبعادها، و ضوئين صغيرين يقتربان من عمق الكادر، هما ضوئي جيب لاندروفر لا يلبث أن يتوقف في مقدمة الكادر و ندرك حينها (مع وجود ما نستطيع أن نقيس عليه) أن ما كنا نعتقده هضبة مرتفعة ليس أكثر من كثيب رملي صغير. سبيلبرغ يترك لنا أن ندرك أن إنطباعتنا الأولى، و ما ندركه بأحاسيسنا، و معرفتنا القائمة على القياس ليست بالضرورة هي الحقيقة. سبيلبرغ يعود مرتين إلى هذا التلميح في سياق الفيلم. فسكان البلدة الصغيرة في ولاية وايومينغ والذين سبق لهم أن رأوا الصحون الطائرة، يتجمعون ليلاً بإنتظار ظهورها مجدداً و حين يصيح أحدهم: ها هم قادمون
يرتفع التوتر و الترقب حين يراقب السكان (و نحن معهم) إقتراب ضوئين عبر سماء الليل المعتمة لنكتشف أنها أضواء طائرة هيلكوبتر عادية تقلّ علماء إلى موقع التجمع٠
و في الجزء الأخير من الفيلم و فيما الشخصية الأساسية روي (يلعبه ريتشارد درايفوس) يقود عبر طريق زراعية تحفّ بها جثث الأغنام و الأبقار، يتولد لدينا إحساس بالقلق و الخوف من شيء مشؤوم غامض. لكن بعد فترة قصيرة نعلم أن السلطات قد رشت غازاً منوماً فوق المنطقة لإبعاد المتطفلين ولضمان سرّية وقائع اللقاء الأول مع الغرباء الهابطين من السماء٠

ليس في "لقاءات قريبة..." قصة محددة الشكل، بل هي سلسلة وقائع غريبة تعمّ الأرض من صحراء منغوليا إلى سهوب وايومينغ. وقائع يدرسها فريق من العلماء يقودهم الفرنسي لاكومب (يلعبه المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو الذي سبق و أن أستعدنا بالتفصيل حفنة من أعماله في هذه المجلة قبل فترة)٠
اللقاءات الأولى لبعض الأفراد على الأرض مع المركبات الطائرة ينتج عنها إختفاء بعض الناس مما يثير الخوف و الريبة في نفوس البقية. كما أن البعض الآخر يجد نفسه ممسوساً بالرغبة إلى التواجد في مكان محدد من ولاية وايومينغ. هذا المكان هو الذي جهزّه العلماء للقاء الغرباء و الذي أحاطوه بسرية تامة فرضت عليهم ترحيل سكان المنطقة و رشها بالغاز المنوم لإبعاد من لم يستجب من السكان
مشهد الذروة في الفيلم هو هبوط المركبة الكبيرة و بدء التواصل معها بالموسيقى المبنية على لغة الصُمّ و البكـُمّ. قد نختلف بالحضارة و المفاهيم و حتى بتركيبة الصوت كونه إهتزاز الهوء على أحبال الحنجرة، لكننا لن نعدم وسيلة للتفاهم لو إنفتحنا على الآخر حتى لو كان كائناً غريباً من الفضاء. و ستصل رسالتنا إليه و رسالته إلينا. وحين تنفتح بوابات المركبة يهبط منها كل أولئك الذين سبق و أن أختفوا. لقد كانوا مدعوين إلى المركبة للتعارف على ركابها الآتين من مكان ما في هذا الفضاء الغير محدود حولنا و الذي ربما حدّقنا فيه مليون مرّة من قبل لكننا ما أدركنا يوماً ماهيته. ربما لهذا يبدو فيلم سبيلبرغ مفعم بلقطات واسعة للسماء خصوصاً في الليل.
من نزلوا من المركبة لا يلبث أن يتمّ إستبدالهم بفريق جديد من الآدميين إنتقاه العلماء . أحدهم روي الذي يودعه العالم لاكومب بقوله: "إني أحسدك". و قبل أن تحلق المركبة بعيداً يلوح لنا كائن منها بإشارات تحية هي موسيقى الصُمّ التي بها بدأ "الحديث" و بها يُختـَم
قد تعيقنا اللغة عن التواصل. قد لا نتشابه. قد لا ننتمي إلى الوجود ذاته. لكني سأجد دائماً ما أقوله لك و ستجد دائماً ما تهمس لي به حتى و لو بالإشارة... وهل أرقى من الموسيقى إشارة للتواصل؟
حين أتجاوز قلقي منك و تتجاوز خوفك مني، حين أتخلى عن مفاهيمي المُسبقة عنك و تتغلب أنت على تنميطك لي، حين لا أزعم أن أحاسيسي هي الحقيقة وحين تـُسقط إنطباعاتك المغلوطة و المتراكمة عني، حينها فقط تعود المسافة بيننا تحية رمزية باليد و رفّة عين و خفقة روح. وكأني بسبيلبرغ يقول ذلك في المشهد الطويل الأخير في فيلمه هذا الذي أعتقد أنه ( مع "إمبراطورية الشمس") أنضج ما صنعَ على التنوع الكبير فيما صنع٠
بعد أعوام عاد سبيلبرغ إلى الفيلم و أضافَ إليه تفاصيل في المشهد الأخير حيث نرى داخل المركبة المغمور بالضوء الباهر كما حذف بعض المشاهد في منتصف الفيلم٠


لمن يريد من القراء توثيق الذاكرة، فإن هذا الفيلم عُرضَ في إستعادة صيفية عام 1977 في سينما الكليمنصو في بيروت. كان عدد المشاهدين خمسة فقط في حفلة التاسعة ليلاً. أرادت إدارة الصالة أن تعيد لنا ثمن التذاكر وتـُلغي العرض. لكن إصرار الخمسة التعساء سمَحَ بإستكماله٠
اليوم الكليمنصو مسرح...مُقفل. ريتشارد درايفوس ضاعَ في ضباب هوليوود الكثيف. فرانسوا تروفو رَحَلَ عن عالمنا. وحده ستيفن سبيلبرغ باق يصنع أفلاماً. و قد عادَ لنا قبل أربعة أعوام تقريباً بـ "حروب العالم" عن كائنات من الفضاء الخارجي. لكنها هذه المرّة كائنات شريرة، عدوانية و مهووسة بالقتل و الدم٠
بهذا المعنى نسأل ما الذي بقي اليوم من إرث تلك "اللقاءات القريبة"؟



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Aug 20, 2009

Year 3. Issue 445 | محمد موسى عن "مرحبا"٠ٌ

21/08/2009

أوراق ناقد | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دستويفسكي لايت في الصباح

سنام كابور
فيلم هندي على غير موعد٠
أخرجه قبل عام ونصف من الساعة السابعة والربع صباحاً من هذا اليوم سنجاي ليلا بانسالي بعنوان
Saawariya
وعرض في مطلع الأسبوع الثاني من العام 2007 في صالات الولايات المتحدة واستراليا والهند وسنغابورة وبريطانيا وفي الكويت في مطلع الأسبوع الثاني من آذار/ مارس لكني شاهدته في راحة بيتي في العشرين من الشهر الحالي٠
الإنتاج فيه تمويل هندي وأميركي و(النسبة الأعلى) هندي عن قصّة قصيرة وضعها فيودور دوستويفسكي سنة 1848 بعنوان "ليالي بيضاء« لكن إذ قرأت القصّة في كتاب ضم مجموعة من أعمال الكاتب الروسي القصيرة منها »بوبوك« و»المخلوق الرقيق« و»لص شريف«، فإن الفيلم يتمسّك بالعمود الفقري بعدما لوّن فقراته بما يناسبه من موسيقا وغناء ومواقف باكية وأخرى شاكية وعالجها بالعناصر الإنتاجية البيلوودية التقليدية فإذا بالعمل كله ابتعد عن بلاد المؤلّف وانتمى الى صنعة مخرجه المرتبطة بالجمهور الكبير وشروطه٠
ليس أن الفيلم رديء الصنعة، بل هو مبهر لذات الأسباب الكامنة في العديد من الأفلام الهندية الحديثة: الديكور والألوان وتصاميم المشاهد. هذه سينما تصرف الكثير على الحواشي السفسفطائية والقليل في سبيل الإتيان بجديد يختلف عن مئات الأفلام السابقة: قصّة حب بين شاب وفتاة التقيا صدفة في بلدة وصلاها في زيارة وأحبّا بعضهما البعض لكنها مرتبطة بزواج مرتّب لها كونها مسلمة. يحاول بطل الفيلم كسر الطوق من حولها، لكنها كلما سعى الى ذلك ازدادت خوفاً من العواقب وازداد الطوق إحكاماً. في ذات الوقت هناك الفتاة الأخرى التي تتمنّى بطل الفيلم لنفسها، لكنه واقع في الغرام كما سبق القول. هذا لا يمنع أن تغنّى وترقص ولا يمنع -في الحقيقة- كل الشخصيات (باستثناء العريس المسلم إيمان) من الرقص والغناء٠ بعض تصاميم هذه الرقصات جيّد، وبعضها الآخر لا يُضيف جديداً. لكن البارز من بينها رقصة استعراضية تكمن في منتصف الطريق بين الصوفية والراب لمسلمين بدشاديش وعمم بيضاء. جميلة وخالية من القبح لكنها -كمثل الرقصات والأغاني منذ أن شاهدتها أول مرّة في الأفلام الهندية والمصرية في أواخر الخمسينات والى اليوم- توقف الحياة عن الإستمرار وتنتهي ليبدأ التحضير لرقصة أخرى. وما شاء الله، كل أصوات النساء من بين من يغنّي في الأفلام الهندية متشابهة، او هي كذلك على أذن غير الهندي٠
حسناً على الأقل النهاية (التي تأتي متأخرة رغم أن الفيلم نفسه ليس من تلك الممطوطات الهندية الشهيرة) حزينة تناسب ما قد يحدث في الواقع إذا ما كان الفيلم يرصده فعلاً. فسكينة (سنام كابور) وجدت نفسها تعود غصباً عنها لإيمان (سلمان خان) لكن حين التقته بكت فرحة وانتهى الفيلم بدعاء السعادة لهما. أما راج (المفترض به أنه ليس مسلماً ما جعل قصّة الفيلم تتمحور حول معضلة ذات شأن) فأداه رانبير كابور والفيلم ينتهي به وهو سائر في زقاق يلاكم الهواء (ليس مزحاً)٠ من جانبه فإن إيمان ربما نوع من المسلمين العصريين إذ أن هناك حلقة على شكل لؤلؤة على أذنه اليمني٠
الفيلم ليس ساذجاً في شيء لكنه يعامل الجمهور كما يحب جمهور تلك الأفلام أن يُعامل. الأماكن خالية او مشغولة بحسب الحاجة الى الكومبارس وهي تمطر او تثلج في المشاهد المفترض بها عاطفية وكل ذلك وسواه حسب »المَنيو» ٠


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين تورنتو وڤنيسيا

قبل أن أتخذ قراري في مسألة التوجّه الى فنيسيا او الى تورنتو، وضعت الجدول التالي في ذهني حينما شعرت أني حائر بين الإثنين. وها أنا أنقله على الورق

ايجابيات فنيسيا
أفلام جديدة من كل أنحاء العالم والبعض منها لبعض كبار المخرجين او من منهم في طريقه -
الى ذلك المستوى٠
السينما المصرية تأخذ حيّزها الذي تستحقّه وعدد كبير من الزملاء والأصدقاء من مصر سيكون -
متواجداً أيضاً٠
أفلام عربية أخرى -
مستوى المهرجان نفسه وصيته النافذ كأحد أفضل المحطّات الكبيرة الثلاث (وأحياناً أفضلها)٠ -
الإهتمام الإعلامي العربي منصب عليه هذا العام ومن المفيد والمنشّط أن تغرّد مع الباقين -
إنه موسم التين والعنب في ايطاليا ومن ألذّ ما هو متوفّر بالنسبة لهاتين الفاكهتين في العالم -
وكنت والمرحوم غسان عبد الخالق نهجم على سوق الخضار نتزوّد بالتين ونتذكر تين جبل لبنان ونستعيض عن فقدان فاكهة لبنان بفاكهة إيطالية لا تقل لذّة٠

إيجابيات تورنتو
مهرجان أكبر حجماً في مدينة أكبر حجماً وعدد أفلام أكثر -
لا مسابقة، بالتالي لست مرتبطاً بما تفرضه المسابقة من متابعة خاصّة بها -
نحو 70 بالمئة من أفلام مسابقة مهرجان "كان" لهذا العام، الذي لم أستطع حضوره، متواجدة -
في تورنتو ما يعوّض النقص الحاصل عندي عوض التقاط تلك الأفلام لاحقاً٠
نحو نصف ما يحتويه مهرجان فنيسيا في دورته الحالية من أفلام في مسابقته موجود هناك أيضاً -
أفلام أخرى عرضت في كارلوفي فاري ولوكارنو وبرلين -
بالإضافة الى أكثر من سبعين عرض عالمي أول٠ -
توفّر مدينة تورنتو تعددية المدينة الكبيرة من مكتبات الى مقاهي ومطاعم (تستطيع أن تعشّى بثلاثة -
دولارات او ثلاثين دولاراً) الى نوادي جاز الخ... بين المكتبات واحدة متخصصة ببيع المجلات والكتب السينمائية القديمة٠

سلبيات فنيسيا
جزيرة صغيرة محدودة وغالية التكاليف. أستطيع أن أعيش شهرين في تورنتو بكلفة الأيام العشرة -
التي هي مدّة المهرجان٠
على كثرة عدد أفلام فنيسيا، الا أنه بكامله حوض خاص به بينما تورنتو حوض أكبر

سلبيات تورنتو
لا أحد في عالمنا يكترث له على الرغم من كل حسناته -

إذاً
القرار
تم٠
ما
هو؟
.
.
.
.
.
لقد
قررت
أن
أتوجه
الى
فنيسيا
هاييييييييييييييييييييييييييييييييييييي٠




أوراق ناقد | محمد رُضا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 20/8/09 ـــــــــــ


آخر خمسة شاهدتها

Ponyo | Hayao Miyazaki (2009) ****
إطار فانتازي رائع لقصّة حول قنديل البحر (أنثى صغيرة) تريد أن تصبح آدمية وصبي يعيش مع والدته في بيت على قمة جبل يريد مساعدتها. كل شيء في الفيلم من التفاصيل الصغيرة الى أجوائه وأفكاره رائع. يجذبك الى حياة تريد نشر الحب بين البشر وتقدر٠
نقد الفيلم في العدد المقبل من "فيلم ريدر"٠

The Sons of Katie Elder | Henry Hathaway (1965) ****
ثالث مشاهدة لهذا الفيلم منذ مرّته الأولى معاداً سنة 1972: جون واين في أفضل دور يعكس فيه مشاعر ربما على الإطلاق وأحد أفضل أفلام مخرج سينما وسترن كبير هو هنري هاذاواي٠

District 9 | Neill Blomkamp (2009) ***1/2
خيال علمي مع رسالة ضد التفرقة العنصرية ومصنوع بأسلوب سينما المنوّعات والكاميرا الإخبارية وهو من دون ممثل معروف ولا مخرجه وقف وراء الكاميرا من قبل. رغم ذلك الرقم الأول في الأسواق
نقد الفيلم في العدد المقبل من "فيلم ريدر"٠

Boudu Sauvé des eaux | Jean Renoir (1932) ****
كوميديا سوداء بعنوان "بودو مُنقذ من الغرق" وتدور حول رجل أسمه بودو (ميشيل سايمون) يتم إنقاذه من الغرق فيمنح فرصة للعيش مع امتيازات عاطفية ومادية لم تكن متاحة له. كعادة رنوار القصّة سبب لدخول الحياة الإجتماعية من زاوية الراصد لعيوبها٠

Akibiyouri (Late Autumn) | Yasujiro Ozu (1960) ****
المشاهدة الثانية لفيلم »خريف متأخر« تؤكد أن ما يميّز أوزو عن كل أترابه من المخرجين اليابانيين هو ذلك الإمعان في الحياة العائلية بأبسط حالاتها وأقل مفردات تقنية ممكنة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دعوة لأفلام فلسطينية

مارلين سايمون، مديرة "المهرجان السنوي الثالث للأفلام النسائية القصيرة" كتبت لشخص أسمه غابي معلوف وغابي معلوف حوّلها للمخرج اللبناني جورج شمشوم وجورج شمشوم حوّل الرسالة لي. مارلين تتساء إذا ما كان هناك مخرجون فلسطينيون يرغبون في المشاركة بأفلام القصيرة عن المرأة في مهرجان متخصص بالأفلام القصيرة ودورة هذا العام (الثالثة) ستتمحور حول المرأة الفلسطينية. جورج سألني إذا ما كنت أستطيع المساعدة، وجل ما أستطيعه من مكاني هذا هو أن أنشر الخبر للأخوة المخرجين الفلسطينيين مع العنوان البريدي الخاص بالسيدة سايمون. لكن عليّ أن أذكر أيضاً أن أفلامهم ستعرض جنباً الى جنب مع الأفلام الاسرائيلية حول الموضوع نفسه. على المخرج أن يقرر بحريّته الشخصية إذا ما كان يرغب في ذلك أم لا علماً بأن الإشتراك مهم للفلسطيني كما هو مهم لسواه وعلينا أن لا نكون خائفين من الوقوف جنباً الى جنب الفريق الآخر... على العكس هم يتمنّون غيابنا٠
عنوان المشاركة
MSimon@msmc.la.edu

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باناهي رئيسا للجنة تحكيم مونتريال

المخرج الإيراني جعفر باناهي يتولّى رئاسة لجنة تحكيم مهرجان مونتريال السينمائي الدولي في دورته الثالثة التي ستعقد في أوائل الشهر المقبل٠
الأعضاء الآخرون للجنة التحكيم هناك هم الممثل والمخرج الياباني إيجي أوكادا، الممثل والمنتج الكندي ديفيد لا هاي، والكاتب والمخرج الأسباني فرناندو رمنديز ليت، والمخرجة الفرنسية باسكال توماس كما الموسيقار الفرنسية راينهارت واغنر الى جانب عضوة انتدبت عن الجمهور (عادة مونتريالية) أسمها دايان ديميرز٠
علاقة المهرجان بالسينما الإيرانية جيّدة وتعود الى العام 1997 عندما عرض ماجد مجيدي »أطفال الجنة« في المسابقة وخرج بالجائزة الأولى، ثم خرج هو نفسه بالجائزة الأولى مرّتين من بعد . الأولى عن فيلمه اللاحق »لون الجنة« (1999) والثانية عن "باران" (2001)٠
كان مهرجان دبي اختار جعفر باناهي لإدارة لجنة تحكيم خاصّة بالأفلام الوثائقية وأتذكر بعض المتاعب التي تلقّاها ذلك المهرجان بسببه: أولاً أصر على مترجمة، علماً بأنه يعرف الإنكليزية، وثانياً أحدهم أخبره أن هناك فيلماً ممنوعاً من العرض فاحتج وطلب إشراكه على الرغم من أن المخرج اتصل به وأعلمه بأن فيلمه ليس ممنوعاً من العرض بل هو ليس جاهزاً للعرض. ماجيدي لوّح بحجب الجوائز وإصدار بيان احتجاج لكن الزميل محمد سويد وأنا ساهمنا في إيضاح أن الفيلم ليس ممنوعاً. مما قلته له: "ماجد. إذا اتصل بك المخرج وقال لك أن فيلمه ليس ممنوعاً، فهو غير ممنوع- حتى ولو كان المخرج غير صادق كما تدّعي". ليس لديك سلاحاً تدخل به هذه المعركة التي تتصوّرها"٠
ومرّت العاصفة على خير ٠٠٠٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنجيلوبولوس يتكلّم

هناك صديقة يونانية في الثلاثينات من عمرها هددت بقطع علاقتها (الأخوية) معي إذا رددت على مسامعها مدى إعجابي بمواطنها المخرج ثيو أنجيلوبولوس. تقول أن جيلها من المخرجين والمثقّفين السينمائيين يعتبر أنيجلوبولوس كلاسيكي وتقليدي وأنها مع السينما اليونانية الشابّة... تلك التي لا نراها في المهرجانات الدولية الا نادراً من فرط نجاحها ربما٠
المهم أنجيلوبولوس سيحضر مهرجان مونتريال أيضاً ليقدم العرض الشمال أميركي الأول لفيلمه الجديد
The Dust of Time
الذي هو إنتاج رباعي [يوناني/روسي/ايطالي/ الماني] ومن بطولة برونو غانز، ميشيل بيكولي، إرين جاكوب مع وليم دافو الذي يُشاهد أوروبياً الآن عبر ظهوره في فيلم لارس فون ترايير "ضد المسيح"٠
لجانب عرض الفيلم لدى أنجيلوبولوس أمسية خاصّة إذ سيتحدّث عن سينماه. وكان رئيس لجنة تحكيم مونتريال سنة 2005

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ممثل مات

جون كوايد ممثل مساند (وأحياناً ثانوي) مات عن 71 سنة قبل أيام قليلة. في السبعينات كان لظهوره بعض الرنين الملائم. إنه ممثل أدوار شريرة -غالباً- أصلع وممتليء القامة لكنه من النوع الذي لم يُمنح الفرصة لتقديم خامته تقديماً يبقى في البال طويلاً- باستثناء بال هواة السينما الذين لا تفوتهم الشؤون المختلفة لعالم الفيلم٠
هو في فيلم فرانكلين ج. شافنر "بابليون" من بطولة ستيف مكوين ودستين هوفمن، كما في »اللدغة« لجورج روي هِل مع روبرت ردفورد وبول نيومان كما في فيلم الوسترن "آخر الرجال الأشدّاء"
The Last Hard Men
الذي أخرجه المخضرم أندرو ف. مكلغلن مع شارلتون هستون وجيمس كوبرن في البطولة٠ لكن من بين نحو 25 فيلم مثّلها، برز في ثلاثة أفلام للمخرج- الممثل كلينت ايستوود. في الوسترن
High Plane Drifter
سنة 1973 لاعباً دور واحد من الأشرار الذي جلدوا ايستوود فعاد لينتقم منهم. و
The Outlaw Josey Wales
سنة 1976 لاعباً دور رئيس عصابة تجار (بكل شيء) يسطون على قافلة لفتاة وأمها وكادوا أن يبيعوا الفتاة لمكسيكيين لولا.... بالطبع كلينت ايستوود٠
Any Which Way But Loose وفي
شاهدنا له وجهاً كوميدياً. في فيلم ايستوود هذا، لعب شخصية رئيس زمرة من النازيين الجدد الذين يركبون الدراجات النارية ويحاولون النيل من ايستوود لولا ايستوود والقرد الذي معه٠




لندن البعيدة القريبة على الجهة الاخرى من البحر ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد موسى- هولندا


Welcome
Philippe Lioret: اخراج
Derya Ayverdi: تمثيل
Vincent Lindon ، Firat Ayverdi


لا تظهر مدينة لندن، والتي حطمت قلب "بلال" في الفيلم الفرنسي "مرحبا " الا في مشاهد معدودة، وحتى عندما ظهرت تلك المدينة، لم نر شوارع تشيلسي الفاخرة، او حانات هامستيد، او انكليز يتوجهون الى المسارح في منطقة الويست أند بعد ان انهوا عشاءهم هناك، فمعظم المشاهد اللندينة تم تصويرها في احدى شقق الفقراء المعتمة في المدينة، حيث تعيش العائلة الكردية العراقية، والتي يقطع بلا ل اكثر من 4000 الف كليومتر، برحلة طالت لثلاثة أشهر، بعضها مشيا على الاقدام، من اجل ابنة تلك العائلة، حبيبته الصبية الشديدة الجمال.

لم تكن الشقة الفقيرة لحبيته منى او الحياة الصعبة التي يمكن ان تكون بانتظاره في لندن، لتدفع بلال للتسائل عن الرحلة نفسها او جدواها، هو مثل اللأجئين الآخريين الذين تجعوا في مدينة "كالايس" الفرنسية، لا يترددون عن المخاطرة بحياتهم، لاكمال تلك المسافة القصيرة المتبقية من رحلاتهم الطويلة المضنية. ولان البر البريطاني يمكن مشاهدته احيانا من شوراع المدينة الفرنسية البحرية، وايضا يمكن مشاهدة سفن الركاب والحمل في طريقها الى هناك، تزداد وحشية تلك المجموعة وعزلتها الكبيرة عن الواقع.

عندما يصل بلال، والذي لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره الى فرنسا، يجد ان المئات من الألجئيين قد سبقوه الى المدينة الفرنسية. بلال لا يضيع الكثير من الوقت، ويستخدم ما بقى معه من نقود لدفع المهرب الفرنسي، الذي سيحشره مع آخريين في احد الشاحنات المتوجه الى بريطانيا.


مبكرا كثيرا في الفيلم، يقدم المخرج الفرنسي فيليب ليورت، واحدا من اكثر مشاهد الفيلم قسوة وتسجيلية، فالمجموعة تغطي رؤسها باكياس بلاستيكية، حتى لا يكشف حرس الحدود الفرنسين المزودين باجهزة حديثة، غازات تنفسهم.
تفشل المجموعة في الوصول، والسبب بلال، الذي كاد يختنق في كيسه البلاستكي، وتعود المجموعة وتحاكم، وتطبع ارقام على ايدي المدانين بالسفر غير الشرعي. هذه الارقام المطبوعة تتحول الى احد الاشارت الرمزية المهمة في الفيلم والتي يتم استدعاها في اكثر من مشهد، ففي احد مشاهد الفيلم المبكرة ايضا، يمنع لاجئيين من دخول السوبر ماركت الفرنسي، وعندما تواجه احدى السيدات الفرنسيات مدير المحل، يرفض الاخير النقاش، لتخاطبه السيدة "الم نتعلم ماذا تعنيه ان يمنع ناس معينين من دخول المحلات؟"، في اشارة الى التاريخ اليهودي في اوربا، وفي مشهد آخر، وهو المشهد الذي يمهد لعلاقة بطل سباحة فرنسي سابق مع بلال، يلاحظ مدرب السباحة، الرقم على كف الشاب العراقي، والذي بدأ بتدريباته السرية لعبور المانش سباحا للوصول الى بريطانيا!

يقدم فيلم "مرحبا"، والذي كان احدى مفاجات الصالات الفرنسية، بمشاهديين تعدوا المليون فرنسي، و يعرض الآن في صالات منتخبة في هولندا، جزءاَ من الرحلة الطويلة للهاربين من بلدانهم، والتي قدمها المخرج البريطاني مايكل وينتربوم ايضا في فيلمه "في هذا العالم"، واذا كان المخرج البريطاني، يقدم الرحلة كاملة، يكتفي زميله الفرنسي بالجزء الفرنسي من الرحلة، والذي مازال يثير الكثير من النقاش السياسي والاجتماعي في بريطانيا وفرنسا، فما الذي يدفع الألف كل عام، للمخاطرة بحياتهم، لترك فرنسا والهروب الى بريطانيا؟


لا يجيب الفيلم عن هذه الاسئلة، والتي ترتبط بعضها بسياسة فرنسا في استقبال الألجئين، لكنه يجيب عن اسئلة اخرى، ويسعى الى تجنب الكليشات، ويسقط في اخرى، فالشاب العراقي يكشف بصدق انه يرغب العمل في بريطانيا لمساعدة اسرته، وهو الامر الذي يغضب الكثيرين في الدول الاوربية، الذين يعتقدون ان حق اللجوء السياسي يجب ان يقتصر على الفارين بحياتهم من خطر الموت او السجن. كذلك يقدم الفيلم مجموعة اللاجئين في المدينة، بدون مثالية مضخمة، فهم يتشاجرون، وبعضهم شديد العنف، واحدى الشخصيات المهمة في الفيلم لا يتورع عن سرقة الفرنسي الذي استضافه.

مع قصة بلال، هناك قصة مدرب السباحة الفرنسي، والذي يتعرف على بلال في المسبح الذي يدرب به. يدخل بلال الى حياة المدرب في اوقات عصيبة للاخير، فهو عاجز عن فهم الاسباب التي جعلت زوجته تتركه وتختار شخصاً آخر، في بحثه الذاتي عن اجوبة، يصل بلال، ليكتشف البطل الفرنسي، بانه لم يهتم بالقدر الكافي باي شيء، خارج حياته الصغيرة، وربما كان هذا احد الاسباب لنهاية زواجه.

ورغم ان رغبة بلال لعبور المانش، هي التي تهمين على الفيلم كله، الا ان القصة التي تتطور فعليا في الفيلم، هي قصة مدرب السباحة الفرنسي، فلا شكوك على اصرار بلال الوصول الى لندن، فيما يواجه البطل الفرنسي، اسئلة متشعبة، عن ذاته، وحياته، والعالم الذي يعيش فيه، وهو الذي سيقدم اكثر مشاهد الفيلم تاثيرا، مثل المشهد الذي يكتشف ان بلال قرر ان يسبح البحر الى بريطانيا، فيحاول الفرنسي ايقافه، ويذهب الى البحر، ليجد حذاءه وامتعته على الساحل، فيتصل بالشرطة، ولما تطلب الشرطة اسم العائلة لبلال، يدعي الفرنسي ان بلال ابنه، في لقطة مقربة مؤثرة كثيرا من وجه الفرنسي.

يقدم الفيلم الجزء الاخير من رحلة بلال، والتي لا تهم كثيرا الوجهة التي انتهت اليها، بقدر اهمية تلك المشاهد الرائعة، للصبي العراقي وهو يسبح في بحر شهر فبراير البارد والهائج، لاكثر من دقيقيتن ترافق الكاميرا بلال الضائع في ذلك البحر الذي يبدو انه سيبتلعه مع كل موجه، بعيدا عن اهله وحبيته، وعن كل شيء.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Aug 15, 2009

Year 3. Issue: 444 | Spielberg's A.I. | Burn After Reading| Public Enemies| السينما العربية | ابراهيم الأبيض | بغداد-باريس

Inglorious Bastards



فيلم كونتين تارانتينو المعادي للنازية (او هكذا الشائع لحين مشاهدته) ينطلق للعروض الأميركية في الأسبوع المقبل وهو كان أحد أفلام مسابقة "كان" الأخير وخرج غير متوّج. الغريب أن قليلين جدّاً من النقاد الذين أمّوا المهرجان الفرنسي آنذاك كتبوا عنه!. الفيلم بوشر بعرضه في بعض أنحاء أوروبا قبل أسابيع قليلة، لكنه يُطرح بدءاً من التاسع عشر في أكثر من عاصمة رئيسية بينها باريس ولندن٠
في الصورة الممثلة دايان كروغر في لقطة من الفيلم٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ09/08/19-18ــــــــــ

المخرج الدجال؟

يلفت الصديق صلاح سرميني نظري الى موضوع بالغ الأهمية لم يتطرّق إليه أحد ممن قرأت لهم مقالات حول فيلم لارس فون ترايير "ضد المسيح" (وسأستخدم معنى محدداً بالعنوان الأصلي وليس المعنى الديني المحتمل وهو "المسيح المزيّف" او "المسيح الدجّال" الى أن أرى الفيلم). فصل مشاهد البداية الذي يدور حول الرجل وزوجته يمارسان الغرام بينما يتسلل الإبن من مخدعه متقدّماً من النافذة حيث سيقع ويموت بينما أمّه تمارس الحب هو ذاته (تقريباً) الذي في فيلم بيير باولو بازوليني "أوديبوس ركس« الذي أخرجه عن مسرحية سوفاكليس، (أحد ثلاثة كتّاب تراجيديين في يونان ما قبل المسيح وصلت أعمالهم إلينا) سنة 1967
هذا ليس اكتشافاً بقدر ما هو أمراً مهمّاً يُعين القراءة الحقيقية للفيلم، ذلك أن من قال عن نفسه "أنا أفضل مخرج في العالم"، من وجهة نظري للآن ومن قبل أن أرى الفيلم، كان يستعير من بازوليني مطلع فيلمه بالكامل. ولا يتوقّف الأمر على هذا الفصل من المشاهد بل يتعدّى ذلك لما يبدو استعارة أخرى اكتشفها الناقد سرميني في مشهد لاحق من فيلم آخر سأترك الكشف عنها اليه إذ منكب هو على كتابة مقالته السينمائية حول الفيلم٠

عاصفة سرميني

بعض القراء لا ريب يعلم أن الزميل سرميني وجد نفسه في عاصفة مؤخراً بسبب ما كتبه حول شخص انطلق يعلن عن رئاسته مهرجان القدس السينمائي من دون علم سواه فيما يبدو محاولة استئثارية لموقع ما على الخارطة السينمائية من قِبل ذلك الشخص. أفهم دوافع سرميني لأن ما يريده هو الإشارة الى مواقع خلل تتعرّض إليها الثقافة السينمائية العربية من خلال نشاطات لأشخاص لا علاقة لهم بالصلب السينمائي كما يجب أن يكون (إلمام، دراسة، خطوات علمية الخ...). البعض لا يرى أن هذا من واجبه، ويهاجمونه على رصده مثل هذه الممارسات. ومن يقرأ التعليقات التي وردت في المقالات الثلاث التي نشرها الزميل على موقع إيلاف يجد أنه استلم ردوداً تؤيده وأخرى تعارضه. تلك المؤيدة تمنحه الحق فيما يقوم به والأخرى تسعى الى تقزيم محاولاته ووصفه بأنه شرطي انترنت٠
لكن مع أن صلاح يستطيع، لو أراد، أن يحمل خفيفاً ويمضي في شأنه حتى لا يعترضه أحد (تقريباً) وأحياناً أتمنّى لو يفعل، الا أنه يفضل مواجهة ما يراه خطراً يهدد المهنة التي نمارسها جميعاً. لذلك فإن المشكلة ليست فيه بل في كيف يتم تحويل النقاش الى مسائل بعيدة عن جوهر الموضوع. متى نبدأ نقاشاً حضارياً يتعلّق بصلب الموضوع نفسه وليس بالشكليات؟ متى نقترب من الحقيقة ونعاينها لذاتها وليس لذات من كتب فيها؟ متى نرتفع عن الضغينة حين نؤيد او حين لا نؤيد ونمارس حقّ كل منّا المشروع في إبداء الرأي المحدد والواضح؟


عمر منجونة

الأخ عمر منجونة كتب قبل أيام على البريد الخاص يسأل عما حدث لعمر نعيم، المخرج اللبناني وإبن الفنانة نضال الأشقر، الذي قدّم قبل سنوات باكورة أفلامه ثم لم يقدّم شيئاً آخر. يقول الأخ عمر

منذ ثلاث أعوام تقريبا لفت نظرى إسم المخرج عمر نعيم مقرونا بفيلم
The Final Cut
بفكرته الجيّدة، ورغم وجود بعض العيوب في المعالجة الا أنني توقّعت بروز إسم هذا المخرج في السنوات القادمة، لكن حتى الآن لم أسمع أي جديد عنه. أتمنى لو كانت لديك بعض المعلومات٠
شيء آخر، أردت السؤال عن السينمائي الذي كنت ذكرته والذي سيقام في قطر إن كان حدث به شيء جديد٠

جواب | عمر نعيم كشف عن موهبة مثيرة للإهتمام سنة 200٤ بفيلمه الروائي الطويل الأول الذي ذكرته (مع روبين ويليامز في البطولة) لكنه اختفى فعلاً. وكنت توقّعت أنه ربما عاد الى التصوير السينمائي، وهي المهنة التي جاء منها، لكني بحثت ولم أجد له أي ذكر على أي فيلم. لكن ما وجدته أنه بعد هذا الفيلم الممكن تسميته بـ »النسخة الأخيرة«، أخرج فيلماً ممسرحاً عن الكوميديين العرب الذين لديهم عروض في نوادي كوميدية يلقون فيها نكاتاً تمزج الضحك من التقاليد التي يراها الأجانب غريبة بالضحك من الغربيين ومفاهيمهم المغلقة حول ما هو عربي والتنميط الذي يواجهه المسلمون والعرب. عنوان الفيلم كاملاً
Stand Up: Muslim- American Comics Come of Age
عمر لم يخرج الفيلم بمفرده بل شاركه فيه غلن بايكر٠

في ربيع هذا العام نزلت في الدوحة حاملاً بضع مشاريع كتبت عن بعضها ذات مرّة. أحدها فيلم وثائقي أقوم بإخراجه ونلت الموافقة المبدأية عليه، وثانيها مجلة سينمائية وثالثها مشروع أكبر من أن يُعلن عنه هنا. لكن نحن في العالم العربي محاطون بأمور لا علاقة بصاحب المشروع بها: هو لا يستطيع أن يتقدّم الآخرين صوب تحقيق مشروعه بل عليه أن يمشي بخطاهم وإيقاعهم، ولا يستطيع أن يغفل العطلة الصيفية التي يغادر بها القادرون البلاد الى جبال لبنان او شرم الشيخ او أنحاء لندن وباريس، فتتوقف الحياة الى حين عودتهم٠
لكن هذا كله محسوب وأفهمه وقريباً أعود إن شاء الله الى هناك حيث أواصل العمل بعدما وجدت الأفكار قبولاً إجمالياً. شكراً للسؤال٠


إلحاح

الحادثة التي كتبتها عن دخولي طرفاً في مفاوضات بين سلفستر ستالون ومهرجان القاهرة دفعت بالصديقين محمد حسنين مبارك من القاهرة عادل عبد الله من الإمارات لينضما الى عدد من القرّاء سبق له وأن دعاني الى الإكثار من الذكريات الخاصة والأحداث التي وقعت معي وها أنا أحاول٠ فما ذكرته في ذلك المقال عن ستالون (وبالمناسبة نعم: الخبر مؤكد. ستالون سوف يُمنح جائزة تقديرية عن مجمل أعماله في مهرجان فنيسيا) من أنه طلب من شوارتزنيغر أن يمثّلا فيلماً مشتركاً من قبل أن يترهّلا (الآن ترهّلا وانتهى الأمر) سمعت مثيلاً له من الممثلة السمراء بام غرير سنة 1997 حين أخرج كونتين تارانتينو فيلمه "جاكي براون" من بطولتها. قالت
المشروع بدأ منذ عامين حين اتصل بي وقال أنه يفكر بي لفيلم ولم يخبرني شيئاً عنه. بعد سنة اتصلت أنا به وقلت: ماذا تنتظر ... الى أن يكبر صدري أكثر؟ قال لي: أصبحت حاضراً ودخلنا التصوير بالفعل وكنت سعيدة بالعمل معه٠
بام غرير (ستين سنة الآن) كانت نجمة أفرو-أميركية فيما يعرف بالأفلام الإستهلاكية السوداء
Blackexploitation
في نهاية الستينات ومطلع السبعينات وطالما ضربت البيض والسود على حد سواء في أفلام عنف بوليسية أدت فيها البطولة. وهذه حفنة منها
Black Mama, White Mama, Coffy, Foxy Brown, etc...
كما ظهرت في بضعة أفلام أكثر كلفة من بينها
Above the Law, The Package, Escape from L.A., Mars Attacks
أجريت حديثاً طويلاً معها حينذاك، لكني لم أنشره للآن لأن أحداً لا يعرفها عندنا وأصعب ما يواجه المء في هذه الحالة هو أن لا يعرف القراء عمن يدور الحديث٠

أيضاً من الذين ألحّوا على العمل مع سينمائي معيّن: بيرت رينولدز الذي تواصل مع كلينت ايستوود واقترح عليه أكثر من مرّة الظهور في فيلم واحد ("قبل أن نكبر") كما قال رينولدز ذات مرّة. في النهاية اختارا فيلماً بعنوان
City Heat
بوليسي أخرجه لهما رتشارد بنجامين سنة 1984 وكان أسوأ ما قام كليهما بتمثيله بسبب مخرجه الذي كان ممثلاً رديئاً في الستينات فانقلب الى الإخراج في الثمانينات لكنه كان رديئاً في هذا الحقل أيضاً٠







هذا العدد
أفلام ضد| سلسلة جديدة عن الأفلام المناهضة للسائد | محمد رُضا
تحقيقات | هوڤيك حبشيان عن فيلم جان-لوك غودار الجديد "اشتراكية" و محمد رُضا عن أين موقع السينما العربية اليوم٠
نقد | نديم جرجورة عن "ابراهيم الأبيض" | جلال نعيم عن "احرق بعد القراءة" | صلاح سرميني عن "بغداد- باريس: سيرة شاعر| هوڤيك حبشيان عن "أعداء الشعب"٠

زوايا | المخرج يقول: "ايليا كازان" حين كتب روايته التي تحوّلت الى فيلم٠| سمير فريد يكتب عن فينسيا | توب تن جديد

آخر خمسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

A Perfect Getaway | David Twohy (2009) ***
تشويق ناجح مع التواءات في السيناريو تخلق مفاجآت وجرأة من المخرج ديفيد ووهي في استخدام فلاشباك يختلف عن المتوقّع٠

The Glass Wall | Maxwell Shane (1953) ***
دراما حول مهاجر أوروبي يتسلل الى نيويورك والبوليس في أعقابه. أول فيلم قام الإيطالي فيتوريو غاسمان بتمثيله في الولايات المتحدة، ومن إخراج جيد لسينمائي غير مُقدّر٠

G.I. Joe: The Rise of Cobra | Stephen Sommers (2009) *
أكشن وفانتازيا تبدو كما لو كانت مجموعة من الإعلانات الخاصّة بترويج منتجات شركة ألعاب، وهو يبدو ذلك لأنه بالفعل ترويج لمنتجات شركة ألعاب

In The Border States | D. W. Griffith (1910) ***
قبل »مولد أمّة« أخرج غريفيث هذا الفيلم الأسبق عن الحرب الأهلية من دون إنحياز لطرف محدد. فتاة صغيرة تنقذ جندياً جنوبياً من الشماليين ويرد لها الجميل بإنقاذ والدها من الجنوبيين٠

The Pervert's Guide to Cinema | Sophie Fiennes (2004) ***
الناقد السلاڤي سلاڤوي جيجَك يتحدّث في 150 دقيقة عن الأفلام ويحللها من وجهة نظر فرويدية في هذا الفيلم التسجيلي الذي أخرجته شقيقة الممثل راف فاينس٠


أفلام ضد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلق ستيفن سبيلبرغ بدأ من هذا الفيلم
Artificial Intelligence: A I

................................................................................................
بدءاً من هذا العدد سلسلة جديدة حول بعض تلك الأفلام
المميّزة التي واجهت ما هو سائد من الأفكار والمعطيات
والقناعات السياسية والإجتماعية. الفيلم الأول هو شريط
ستيفن سبيلبرغ الخيالي-العلمي »ذكاء إصطناعى«علــى
حلقتين٠


القول السائد أنه من حين قرر ستيفن سبيلبرغ القيام بإخراج فيلم الهولوكوست الشهير "لائحة شيندلر" الذي خرج للعلن سنة 1993 خطّ المخرج درباً جديداً آخر غير ذاك الذي عرفته سينماه السابقة. من هنا، يمضي القول، بات هناك سبيلبرغ المخرج الترفيهي وسبيلبرغ المخرج الجاد٠
لكن بصرف النظر عن أن هذا القول يبسّط المسألة بعض الشيء، الا أن الفيلم الجاد الأول لسبيلبرغ سبق فيلم الهولوكوست بثمانية سنوات وكان عنوانه
The Color Purple | اللون الأرجواني
الثاني كان »إمبراطورية الشمس« سنة 1987 أي بعد عامين من »اللون الأرجواني«. بذلك فإن »لائحة شيندلر« هو الفيلم الثالث في هذا "الدرب"٠
الناقد الكندي تيم كرايدر يقسّم أفلام سبيلبرغ الى "أفلام أطفال" و"أفلام راشدين". وفي هذا التقسيم قدر غير يسير من التبسيط. خذ مثلاً فيلمه
Artificial Intelligence: AI | ذكاء إصطناعي
الذي أنجزه سنة 2001؟ من ناحية فيلم من بطولة طفل وفيه فانتازيا طفولية وشخصية تبحث عن عالم جديد وتشتاق لتبني مغامرة بينوكيو، ومن ناحية أخري هو فيلم للراشدين من حيث ما استخلصه من قصّة قصيرة ذات عنوان رائع هو
Supertoys Last All Summer Long ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ومن أفكار عالجها الراحل ستانلي كوبريك على الورق كتابة ورسماً لنحو عشرين سنة قبل أن يقرر أنه لن يصنع هذا الفيلم٠
أفلام سبيلبرغ تنتمي جميعاً الى خط واحد ينحف قليلاً فيتبدّى على غرار مغامرات إنديانا جونز المختلفة وسلسلة »جوراسيك بارك« ويثخن قليلاً فيتبلور على غرار »ميونخ« و»إمبراطورية الشمس« و»أميستاد« . وهذا ليس للإنقاص من قيمتها بل لوضعها في إطار يبدو لي صحيحاً. سنجد في »ميونخ« مثلاً ذات الإهتمام بالروابط العائلية التي أبداها في سلسلة
Jaws
وفي »لقاءات قريبة من النوع الثالث«. والمسألة اليهودية التي تصبغ »لائحة شيندلر« لها أصداء مسبقة لها في »تابوت العهد« و(إذا ما قبلنا بواحد من رمزياته) فيلمه »مبارزة« الذي كان أوّل فيلم عرض سينمائياً له ولو خارج الولايات المتحدة علماً بأنه كان من إنتاج تلفزيوني٠


ما يمكن أن يكون أوّلاً بالفعل بالنسبة لـ "ذكاء إصطناعي" هو أنه أوّل فيلم أخذ سبيلبرغ فيه يطرح تساؤلات تعكس شكّه في المسلّمات التي تبنّتها أفلامه السابقة٠
الى هذا الفيلم عكست أفلامه آراءاً محدّدة تضعه على صف الراوي الذي لديه وجهة نظر فيما يتعلّق بالعائلة، بالطفولة، بالرؤية الفنية لمعالجة الحكاية وبالغاية (التجارية) لإنجاز الفيلم. سبيلبرغ كان يتطلّع الى العالم بعينين هضمتاه من زاوية خاصّة به وكان يعبّر عن قناعات فكرية وعاطفية. هو كان ضد السُلطة في عدد من أفلامه الأولى ["مبارزة"، "شوغرلاند أكسبرس" الخ...] وكان ضد الشخصية الرجولية المتخلّصة من طفولتها باكراً: شخصية الصيّاد كوينت (روبرت شو) في
Jaws
الشبيهة بشخصية الرجل الشوفيني المسلّح الذي يقضي على الدينوصور في "جيروسيك بارك" وضد شخصيّة المبارز بالسيف، ذلك الفارس العربي السعيد برجولته وجرأته الذي يطلق عليه إنديانا جونز رصاصة قاتلة عوض تحميل نفسه مشقّة مبارزته وذلك في فيلم "تابوت العهد المفقود"٠
إذ أقول ذلك، أعي بالطبع أن أبطاله رجالا غير مخنّثين مثلاً، بل هم أقوياء- لكنهم، في معظمهم- رجال اجتماعيون تركوا الحضارة تهذّبهم. إنهم ليسوا جون واين او كلينت ايستوود، بل جون غارفيلد وإليوت غولد. حتى إنديانا جونز فيه مساحات كاريكاتورية وطفولية تجعله أقرب الى الصفات التي كان سبيلبرغ يفضّلها ويعززها٠
فيلم "ذكاء إصطناعي" كان مختلفاً٠
أخيراً، بعد سبع سنوات من »لائحة شيندلر« سمح لنفسه بمراجعة العالم من زاوية قلقة استبدل فيها قناعاته السابقة بعلامات استفهام على الأقل، هذا من قبل أن يستبدلها بقناعات جديدة في »ميونخ« سامحاً لنفسه طرح موضوع الإرهاب كعمل مُدان من قِبل الطرفين معاً العربي والإسرائيلي- خطوة لم يسبقه إليها سوى قلّة من المخرجين من قبل بينهم جورج روي هيل في فيلمه المنسي (وعن أحداث إرهابية ولو خيالية) سنة 1984
Little Drummer Girl


قصّة برايان ألديس »ألعاب متفوّقة طوال الصيف« تحديداً عن صبي، أسمه ديفيد (هايلي جوول أوزمنت) يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع
Android يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع في المختبرات كـ
أي يبدو بشراً، لكنه بلا سوائل في الداخل، فقط أسلاك وأشرطة وبلاستيكيات وقدرة على التعامل مبرمجة بالكومبيوتر. حين يكتشف ذلك يفهم لماذا لم تكن والدته (او من أعتقد أنها والدته) تحبّه مهما فعل لإرضائها. فهي كانت توجّهت الى المصنع (والأحداث في المستقبل طبعاً) واختارته. الإمتحان العسير يبدأ حينما يخرج إبن العائلة من المستشفى الذي كان دخله قبل تبنّي الصبي ديفيد. الآن وقد أصبح هناك طفلان في البيت فإن العائلة لن تضيع وقتاً في فض خلافاتهما (غيرة ابنها الفعلي من ديفيد) بل تقرر أن تأخذ ديفيد الى الغابة القريبة وتتركه هناك. الأم (فرنسيس أو كونور) تفعل ذلك في مشهد عاصف يستعطفها ديفيد أن لا تتخلّى عنه لكنها تفعل٠

سبيلبرغ، في حياته الخاصّة، شديد التعلّق بمفهوم العائلة. لقد نشأ في ظل أم وأب وعانى من انفصالهما. في أفلام معيّنة يبدو بطله مشتاقاً الى أبيه (شخصية ليوناردو ديكابريو في "اقبض عليّ إن استطعت"- 2002) وفي أخرى يبدو بطله مشتاقاً الى أمّه ومتفانيا تجاهها (شخصية الصبي في »آي تي«- 1982) وفي أحيان ثالثة تجاههما معاً (كما شخصية الطفل كما لعبها كرستيان بايل صغيراً في فيلم "إمبراطورية الشمس«). لكن العائلة دائماً موجودة والأب هناك ليذود مدافعاً كما في "حرب العالمين« مع توم كروز (2005)٠
وليام هيرت في "ذكاء إصطناعي" هو عالِم صنع ديفيد على شاكلة إبنه الراحل وصنعه لكي يحب طول حياته وديفيد لن يعرف سوى ذلك. هذا جزء، من مشكلته طوال الفيلم. إنه البراءة التي لن تتغيّر. لن تستطيع أن تتغير. ديفيد تصاحبه دمية (على شكل دب صغير) يتبعه ويتحدّث إليه. صديقه الوحيد القادم من الزيف بدوره. لن تستطيع أن تتغيّر. بعد تركه في الغابة سيتعرّف على أندرويد آخر أسمه جو (جود لو) الذي صُنع لكي يمارس الحب مع النساء اللواتي لا يجدن عاطفة. ونتعرّف عن طريق جو الى إمرأتين كلاهما تعانيان فراغً وألماً٠
عند هذا الحد لدينا ما يلي: أندرويد صغير وآخر كبير. كلاهما مهدد بالفناء في عالم لا يزال تحت قبضة الإنسان. البشر في هذا العالم ليسوا ببراءة وحسنة الأندرويدز. العائلة التي تبنّت ديفيد تركته لخطر التصفية الميكانيكية (قد يُباع كخردة) والمرأتين مضطهدتين من الرجل في عالم بلا حب ما يجعلانهما في توق لطلبه من أندرويد. الى ذلك، هناك ميدان القتال الذي يؤمّه البشر لمشاهدة العنف والتلذذ بنتائجه وإعدام بعضهم بعضاً (مقدّم مثل المدرّجات الرومية في عصر ما بعد المسيح مباشرة)٠
وهنا يبدأ المخرج بالتعليق على العالم الذي نعيشه. ليس العالم الذي نتفرّج عليه في نشرات الأخبار او على الإنترنت فقط، بل العالم الذي تقدّمه هوليوود٠

يتبع٠


تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما العربية اليوم: سينمات مختلفة بمشاكل مشتركة
محمد رُضا


أكثر من مطّلع يؤكد لك حالياً أن الحصاد السينمائي العربي من المغرب الى البحرين والكويت وعُمان ضحل هذا العام. الإستثناء الوحيد: السينما المصرية. فجأة نهضت من غفوة دامت طويلاً وإذا بعدد مفاجيء من الأفلام الجيّدة (وبعضها أفضل من بعض) بات متوفّراً للعروض المحلية او للإنطلاق صوب المهرجانات العربية منها وغير العربية٠

حصيلة العام الماضي
في مهرجان »فانيسيا« هذا العام فيلم أحمد ماهر »المسافر« الذي اختير لكي يُعرض في المسابقة الدولية. هو إسم جديد وهذه الحقيقة ستجعله محط رغبة العديد من النقاد الدوليين الذين يريدون التعرّف على موهبته ومن أي مستوى او شأن هي٠
هناك أيضاً فيلم كاملة أبو ذكرى الجديد »واحد صفر« وفيلم يسري نصر الله »احكي يا شهرزاد«٠
المهرجان نفسه يعرض فيلماً من تونس لرجا عماري بعنوان »أسرار مدفونة« وآخر للسينمائي الجزائري مرزاق علواش بإسم »حرّاقة«٠
لكن جديد السينما المصرية لا يتوقّف هنا: المخرج داوود عبد السيد أنجز »رسايل بحر« وأسامة فوزي أنتهى من تصوير »يوسف والأشباح« وكلا هذين الفيلمين سيتم عرضهما في مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي في الشهر الحادي عشر من العام الحالي٠
وكانت السينما الفلسطينية مثّلها هذا العام في مهرجان كان المخرج ايليا سليمان عبر فيلمه الروائي الثالث »الزمن الباقي«٠

في العام الماضي، بلغت حصيلة الأفلام الروائية الطويلة المنتجة في دول مجلس التعاون الخليجي، المؤلّف من السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان واليمن والعراق إحدى عشر فيلماً. هذا العام هناك فيلمين يدخلان مرحلة ما بعد التصوير واحد من الإمارات والآخر من العراق. ربما هناك أفلاماً أخرى، لكن الواضح أن الوضع الإقتصادي الذي تمر به المنطقة أثر على الإنتاجات السينمائية فوق ما هي قابعة تحت تأثير عدم وجود أجهزة ومؤسسات تساعدها على الوقوف على قدميها. السينما الخليجية، من هذا المنظور، هي أحلام في طور التحقق. سينما جديدة لا زالت طريّة العود وبحاجة الى فتح أسواقها المحلّية على نحو يدعمها ويساعدها، بالتالي، على التقدّم وآخر ما تريده، لجانب تمنّع المسؤولين في البلدان المنتجة، عن دعمها هو أن تطيح الأزمة الإقتصادية بإقدام العدد القليل من رجال الأعمال والمنتجين لتوفير التمويل المطلوب لها. لكن هذا ما يبدو واقعاً الآن

الدول القابعة في شمال أفريقيا أيضاً لم تستطع حتى الآن فتح أسواقها على بعضها البعض ما يجعل الفيلم الجزائري محصوراً في بلده، والتونسي في موقعه، والمغرب في وطنه. لو أن القائمين على سياسات التعاون بين هذه الدول ذات الكثافة السكّانية المناسبة أسسوا من نحو عشرين سنة وما قبل حتمية العروض المتبادلة والإنتاجات المشتركة (على نحو يشكّل قاعدة وليس استثناء) لما بقيت الأفلام المنتجة في هذا البلد ممنوعة، تجارياً، من العرض في البلد الآخر٠

اليوم والأمس
ونحن نجد أن هذه الأزمة بالذات مستفحلة في باقي الدول العربية من دون استثناء: لا إيمان بأن الفيلم القادم من دولة عربية وراء الحدود سينجح داخلها، ولا حتى في نطاق الثقافة الشعبية الواحدة: فالفيلم اللبناني قلّما يعرض في سوريا والفيلم السوري لا يرى شاشات العرض اللبنانية وهما شعبان لديهما من القواسم المشتركة أكثر بكثير مما لديهما من الإختلافات.
لكن هذا لم يكن الحال السائد في الستينات والسبعينات، إذ كانت الأفلام العربية سمة مشتركة ليس فقط بين لبنان وسوريا بل بينهما وبين مصر أيضاً. صحيح أن معظم الإنتاج المشترك لم يكن سوى تلك الأعمال الغارقة في حب الترفيه من دون فنّه على الأقل، لكن هذا النقد يصب في منحى آخر ولا يلغي المبدأ المتمثّل لا في ضرورة التعاون من باب التآخي مثلاً، بل من كون هذا التعاون هو شرط أساسي لتعزيز السوق الداخلي أولاً ثم العربي فيما بعد٠

بمفردها، السينما اللبنانية لا تستطيع أن تنتج على نحو مستمر ومتواصل من دون أن تحظى بموافقة الجمهور اللبناني (على الأقل) عليها. وفي العامين الماضيين بلغ هذا الإقبال المحلّي عليها مستوى جيّداً فإذا بعدد من الأفلام اللبنانية الجديدة تنطلق للعروض في زمن متقارب منها مثلاً »بدي شوف« لجوانا حاجي توما وخليل جريج و»سمعان بالضيعة« لإيلي هبر
على الرغم من ذلك، فإن هذه السينما أطلقت في السنوات الخمس الأخيرة عدداً كبيراً من الأفلام بالنسبة لباقي الدول العربية، باستثناء مصر، وفعلت ذلك في نوع من التحدّي للحدود والمشاكل الإنتاجية التي تواجهها. هذه الإنتاجات استندت (جميعها تقريباً) الى تمويل شركات فرنسية ومعونات من الإتحاد الأوروبي الذي يدعم مثل هذه المبادرات (او عدداً معيّناً منها على الأقل). على هذا الأساس فإن بعض الأفلام اللبنانية الروائية الطويلة تحديداً عرفت نجاحات تجارية ملحوظة مثل »سكر بنات« لنادين لبكي و»تحت القصف« لفيليب عرقتنجي اللذان عُرضا في أوروبا والولايات المتحدة- طبعاً في حدود الصالات المتخصصة بالأفلام غير السائدة٠



لكن المشكلة هي أن هذا الإعتماد على المموّل الأجنبي لا يستمر دائماً ولا يستمر على نحو شامل أيضاً. سريعاً ما سيبدأ الفرز بين الفيلم/ المخرج الذي حقق أفضل نجاح وذلك الذي لم ير فيلمه أحد وبناءاً على هذا الفرز سيختفي البعض وسيبقى البعض الآخر مستمرّاً في الوقت الذي تحتاج فيه السينما اللبنانية الى خبرة وتعاون الجميع لكي تواصل انتعاشها٠

أسباب التراجع
وكما كانت السينما اللبنانية منتعشة أكثر في الستينات والسبعينات قبل أن تدهمها الحرب الأهلية البغيضة فإن السينمات المغاربية أيضاً كانت أكثر انتعاشاً وإنتاجاً ونجاحاً (تجارياً) مما هي عليه اليوم. روّاد مهرجان قرطاج التونسي كانوا شاهدوا حماس الجمهور التونسي لمشاهدة الأفلام العربية بأسرها والتونسية تحديداً. وهذا كان يمتد خارج نطاق العروض الجماهيرية. أفلام الناصر قطاري ورضا الباهي ونوري بوزيد ورشيد فرشيو وسواهم كانت تشهد عروضاً ناجحة ومستديمة. اليوم، يقول لنا المخرجون التونسيون أنفسهم، الناس ما عادت تقبل على أفلامهم كما كانت تفعل سابقاً
والحال نفسه، ببعض التفاوت، منتشر في معظم الدول العربية المنتجة لكن ما يكشفه هذا هو أن ظروفاً أفضل وعلى أكثر من وجه وجانب كانت متوفّرة في تلك الفترة ولم تعد متوفّرة اليوم. أكسجين من الثقافة وفضول المعرفة وحب السينما كان منتشراً بين الجيل الشاب آنذاك ولم يعد منتشراً بين الجيل الشاب اليوم الذي لديه مشاغل مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها جمهور الأمس حين كانت السينما الإختيار الأول للترفيه وللثقافة على حد سواء٠

بعض المشاكل الحالية تكمن في انتشار الفضائيات وتبديلها مصادر الترفيه واولويات المعرفة. وبعضها ناتج، كما تقدّم، اختيار المسؤولين ترك السينما وشأنها لا يهم كيف تعيش إذا عاشت ولا كيف تموت اذا ماتت
على ذلك فإن الحلول ليست صعبة وتكمن أساساً في إنشاء أسواق أقليمية تستدعي إنتاجات إقليمية. فالعالم العربي عبارة عن أقاليم ومناطق، لذلك يستطيع المغاربة القيام بإنتاجات مشتركة فيما بينهم، إذا أرادوا، ويستطيع المموّلون اللبنانيون والأردنيون والسوريون العمل معاً، كما يستطيع سينمائيو منطقة الخليج الإتحاد فيما بينهم. من دون هذه الإتحادات لا يمكن للسينمات العربية أن توظّف النسبة السكانية الكبيرة لصالحها وهي نسبة تستوعب الإنتاجات ذات الميزانيات المحددة والمتوسّطة
أما السينما المصرية فهي كانت وستبقى أكثر سينمات العالم العربي شيوعاً. كل ما في الأمر أن عليها اليوم الإستفادة من فرص نجاحها الجماهيري والنقدي لبعض أفلامها لكي تستعيد ما خسرته من حجم إقبال عربي في الآونة الأخيرة٠


عن آخر فيلم لغودار الذي مات مناضلاً وولد فناناً
اشتراكية تنير عتمة التاريخ من أوديسّا الى فلسطين؟

هوفيك حبشيان


بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة٠
، رافق جان لوك غودار جيل "ثورة 68 فأغضبهم واسرهم بقدر ما يستطيع امرؤ فانٍ ان يفعل ذلك. سلط هذا السينمائي آلة تصويره كما يسلط الرجل سلاحه او قلمه: مقاتل في سبيل الحقيقة في عالم من العنف طالت فيه الحرب بين الصورة والمشهد. لقد غطى السكون الحوار على مر السنين، ولم يبقَ هو الا سيداً قديماً، متنبهاً لهذا العصر الذي يبتعد مع مرور الوقت، فما عاد يشغل باله الا الحرب والسلم. برعت أفلامه الأخيرة في ابراز مشكلة الحرب والسلم من دون ان يشوه أي حلّ. فعندما يموت مناضل، يولد فنان. لقد بلغ غودار ذروة فنه، اذ جعل المشاهد يرى ما ظن الانسان انه رآه. من جمال عبقريته يشع النور. بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة. قليلة هي الأفلام تملك هذه النعمة. لقد احتفل غودار بفنه، فكان جازماً انه الوحيد سينير عتمة التاريخ. نتيجة ذلك، يخرج المشاهد من "عند" غودار مفتوناً ومتصالحاً مع حضارة البشر. واذ بالعبث يبتعد للحظة.
بعد تأمل طويل، خلاّقاً ناسكاً في عالمه الانطوائي، يعود غودار قريباً مع "اشتراكية"، خارجاً من صمت دام خمس سنوات. لا ملخّص على النت عن هذا الشريط ولا معلومة عن تاريخ صدوره. من الأشياء القليلة التي نعلمها، مشاركة الفيلسوف آلان باديو في دور المحاضر. والحقّ أننا كنا ننتظر أن يشارك الفيلم في الدورة الفائتة من كانّ، لكن المخرج الذي صار على عتبة الثمانين لم ينهه في التاريخ الملائم. جلّ ما نعرفه عن الفيلم اليوم انه صوّر في بلدان أوروبية عدة، وربما فصل كبير منه في اليونان. أما الـ"تيزر" نوع من دعاية لاثارة حماسة المشاهد)، فهو غوداري "قح" في دقائقه ( الاربع، ويجعلنا نتوقع فيلماً عضوياً على طريقة "موسيقانا"٠
يفتتح الـ"تيزر" بامرأة تتمتم كلمات عن أوروبا، قبل أن تُكتب على الشاشة كلمة "أشياء". الى الآن الأجواء من باخ بامتياز. منذ اللقطة الثانية يلجأ غودار الى ابتكار تقني اصبح مع الزمن ماركته المسجلة وهو الـ"جامب كات" (القفزة المونتاجية)، لنرى صبياً يلمس عقداً من الذهب تلبسه فتاة حول عنقها، فتردّ عليه بلغة لا ادري ما هي، واذ بالفتى يرد عليها بالفرنسية: الصمت من ذهب. وعلى خلفية صوت فتاة تغني "دو ري مي"، نرى رجلاً كهلاً يأكل جالساً الى بار. ثم كلمة "أوغاد" على الشاشة تسبق منظراً ليلياً رائعاً وزمور باخرة. صوت أمواج فرجل يحمل كاميرا في يده ونذهب فجأة الى تمثال فرعوني قبل أن يأتي دور صورة مائلة الى البني والبرتقالي طُبعت عليها كلمة "مصر"، مما يمنح الانطباع بأن الفيلم سيكون في مزاج "موسيقانا" أو "في مديح الحب" اللذين تضمنا عدداً من الصور الأرشيفية. جملة من هنا واخرى من هناك ثم نصل الى عجوز يقول لفتاة "الاسلام هو غرب الشرق"، عابثاً على ما أعتقد برأي الشاعر روديارد كيبلينغ الذي قال ان "الغرب غرب والشرق شرق"، اي انهما عالمان لا يلتقيان أبداً. وهذه المقولة لا شك انها واحدة من مقولات كثيرة سترد على لسان الشخصيات في الفيلم، نظراً الى هوس غودار بهذا الشيء؛ فللعبارات الشهيرة، إن مشوهة او مقتبسة بحرفيتها، عبور اجباري في أفلام أحد أهم منظّري الصورة في العصر الحديث


يبدو أن لفلسطين المحتلة مرة أخرى حضورا لافتا في سينما المعلم. إذ نرى صوراً فوتوغرافية لجندي فلسطيني ينام وآخر اسرائيليي يدير عملية نقل أسرى فلسطينيين. "قبل أن أرى أوروبا سعيدة... قبل أن أرى كلمة روسيا وكلمة سعادة" هي المفاتيح الكلامية الغامضة التي تصدر من فتاة، ثم يحيلنا المونتاج الغوداري الحاد على أدراج أوديسا (روسيا) الأشهر من أن تعرّف، كونها خلّدتها كاميرا العظيم سيرغي أيزنشتاين في »البارجة بوتمكين (1925) وقد استعادها في القلب تشويقي ذكي مبدع، الأميركي برايان دو بالما. ترى ماذا يقول غودار عن هذه السلالم؟
موسيقى أخرى وأجواء أخرى ثم نقلة نوعية مع تداخل معزوفتين واختراق للروك لا يدوم الا ثواني قليلة، فعودة تدريجية الى الصفاء، والى ما يبدو انه مدرج روماني، ثم الى الباخرة ذات الجمال الملحمي، وعليها فتاة تركض. ثم يختلط الروائي والارشيفي، الحرب والسلم، الصورة النقية والرديئة، على وقع موسيقى الأرغن الربانية الملهمة. موزاييك من الصور تنهش شاشة الكومبيوتر، ثم يأتي رجل ليقول انه أمام خيارين، إما ان يعيش وإما أن يروي، فتبادر .فتاة تجلس الى جنبه الى القول: أنا سأروي 1789
ومعلوم أن هذا التاريخ هو تاريخ الثورة الفرنسية. وتتوالى المشاهد ويتصارع المشهد مع المشهد، بأقل قدر من التناغم، مع اطلالات هذه المرة لثور هائج في مدينة برشلونة. وسرعان ما يتحول المناخ مع سيارة نراها تمر أمام فتاة تنتظر شيئاً ما في محطة للوقود، ليفتح هذا المشهد فصلاً كاملاً عن الحيوانات! ثم نرى صبياً يقود ما يشبه الاوركسترا بعصا، ليحيلنا عقل غودار اللاذع على امرأة واقفة أمام جدار ينعكس عليه ظل مروحة. أما الصوت فيقول: "عشر دقائق، سأحلّ هذا". ويختتم مجموع المقاطع المحيرة بصوت اوبرالي هائل على خلفية بصرية لفتاة تحمل كاميرا وتصور مرتجلة تقنية الترافلينغ، وهي تقنية قال عنها رائد "الموجة الجديدة" إنها مسألة أخلاقية

هوفيك حبشيان: ناقد صحيفة "النهار" اللبنانية٠


نقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربعة أفلام مدرجة هذا الأسبوع لهذا العدد: إبراهيم الأبيض" لمروان حامد، "أحرق بعد القراءة" لجووَل وإيتان كووَن، "صلاح الحمداني" لإيمانويل لانغراج و"عدو الشعب" لمايكل مان


إبراهيم الأبيض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


إنه الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج الشاب، الذي أبدع في فيلمه القصير لي لي ، والذي أعلن عن موهبة جدّية وحرفية خطت خطواتها الأولى بثبات خفر ومحبَّب في فيلمه الروائي الأول «عمارة يعقوبيان»٠

أثار مروان حامد، عند إنجازه «عمارة يعقوبيان» في العام 2006، سؤال الولادة الإخراجية الحقيقية لابن السيناريست والمنتج وحيد حامد، وللمتعاون مع «شركة غوود نيوز» التي وضعت ميزانيات هائلة لإنتاج أفلام لم تكن كلّها ذات مستوى فني راق، خصوصاً «حليم» لشريف عرفه (آخر أفلام الممثل الراحل أحمد زكي) و«ليلة البيبي دول» لعادل أديب، وهو الأسوأ بينها. بمعنى آخر، وُلد مروان حامد كمخرج أفلام روائية طويلة في ظلّ سلطتين لا يُستهان بهما: سلطة الأب المحتلّ مكانة كبيرة في المشهد السينمائي المصري، ككاتب قدّم أعمالاً سجالية عديدة ورائعة، قبل أن يجمع الكتابة إلى الإنتاج، ما أدّى به إلى مسايرة ما لذائقة جماهيرية أوسع، أفضت إلى هبوط واضح في أفلام عدّة له؛ وسلطة شركة أقرب إلى الامبراطورية الإعلامية التي احتلّ واجهتها الأخوة أديب، أبناء السيناريست الراحل عبد الحي أديب، الموزّعون في مجالات الإعلام المرئي والإخراج والـ «بيزنس» السياسي والتجاري، من خلال فنون الموسيقى والغناء والإنتاج السينمائي٠

يد إخراجية
لكنه برع في إظهار شيء ذاتي في كيفية تحويله رواية علاء الأسواني إلى شريط مصوَّر. لم يخرج كثيراً على الوقائع المنشورة في الرواية، بحجّة قالها كاتب السيناريو الخاص بالفيلم وحيد حامد نفسه، مفادها أن المقتَبِس لا يستطيع تجاوز نصّ الرواية. ومروان، المبدع في تحقيق «لي لي» شكلاً ومضموناً وإدارة ممثلين واستخدام الكاميرا والزوايا، أدرك أن الإطلالة الجماهيرية الأولى له مع ممثلين «كبار» (عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس ممثلي «الصفّ الأول» بحسب التعبير السينمائي المصري، وخالد الصاوي وخالد صالح وسمية الخشاب وهند صبري وأحمد راتب وأحمد بدير وغيرهم) لن تكون سهلة، لأن إدارة هذا العدد الهائل من النجوم المتنوّعين، في فيلم أول بُنِيَ على أساس المتتاليات القصصية المرتبطة بفصول متلاحقة وحكايات متداخلة وسرد متقاطع والسياسة والمجتمع والعلاقات الإنسانية والعاطفية والأصولية وغيرها من المواضيع الساخنة والتحوّلات الخطرة، تطلّبت (إدارة الممثلين) حنكة وخبرة كبيرتين، إلى درجة أن البعض لم يتردّد عن القول إن هناك «يداً» خفية ساهمت في إنجاح العمل إخراجياً٠

السُلطة الإنتاجية
غير أن هذه اليد، إن وُجدت في الفيلم الأول، بدت كأنها يد المخرج الشاب نفسه في الفيلم الثاني «إبراهيم الأبيض»، لأن الدراية التقنية والفنية والجمالية أثمرت فيلماً جديداً متين البنية السردية وواضح الرؤية السياسية والاجتماعية المغلّفة بنمط بصري شبه متكامل، على الرغم من المشكلة الأبدية» التي تعانيها صناعة السينما المصرية منذ «الأزل»: التسجيل الرديء للصوت، وإكثار الصراخ النسائي تحديداً، إلى درجة لا تُحتمل « أحياناً في فيلم سينمائي، وإن استُمدّ الصراخ من عمق البيئة الاجتماعية المصرية الصرفة، والسلوك اليومي لناسها. واليد المذكورة أخرجت فيلماً جميلاً، عن عالم بائس وعنيف وموغل في تمزّقاته وانهياراته وجنونه. وهي اليد المتعاونة، مجدّداً، مع الشركة الإنتاجية نفسها (غوود نيوز)، من دون أي تدخّل من صاحب السلطة الأولى، عنيتُ به والده وحيد حامد (قصّة وسيناريو «إبراهيم الأبيض» لعباس أبو الحسن)؛ علماً بأن نجوماً من نوع آخر احتلوا واجهة الفيلم، أبرزهم محمود عبد العزيز (وحده، من بين الممثلين الآخرين، ينتمي إلى الرعيل السابق وممثلي «الصفّ الأول»)، إلى جانب أحمد السقا (أكثر ممثلي جيله الشباب تطوّراً أدائياً، لأنه أتقن تقديم شخصيات ممزّقة بين جانب إنساني صرف وعالم موبوء بالفساد والعفن والجريمة) وهند صبري وعمرو واكد وسوسن بدر٠

في «إبراهيم الأبيض» (قصّته مستوحاة من يوميات شخص حقيقي يُدعى إبراهيم الأبيض، تردّد في القاهرة أن عائلته استاءت من الفيلم وأثارت جدلاً مع منتجيه حول مسائل متفرّقة)، بدا واضحاً أن تبديلاً جدّياً طرأ على علاقة مروان حامد بهاتين السلطتين، وبعدد الممثلين وآلية اشتغالاتهم الفنية والأدائية، وبالمناخ الدرامي النابع من قاع المدينة وبؤس مجتمعها الإنساني، وبالسياق التشويقي المتماسك، إلى حدّ بعيد، في سرده حكاية إبراهيم الأبيض (السقا) منذ طفولته البائسة إلى نهايته المحتومة، المعمّدة بالدم والدمع معاً. فالسلطة الأبوية انزاحت، إلى حدّ ما (إنها غير مرئية تماماً، على الأقلّ)؛ والسلطة الإنتاجية نفسها حاضرة، لأنها قادرة على منح المخرج الشاب ميزانية كبيرة (ذكرت معلومات صحافية مصرية أنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري، في حين بلغت ميزانية «عمارة يعقوبيان»، بحسب المعلومات نفسها، ثمانية عشر مليون جنيه مصري) تخوّله التحكّم بمشروعه هذا. أما الممثلون، فمحصور عددهم بقلّة أمسكت بمفاتيح الحبكة الدرامية على مستويين: المستوى الأول أساسي (عبد العزيز والسقا أولاً، وواكد وصبري ثانياً، كداعِمَين رئيسين للأوَّلَين)، والمستوى الثاني مُكمِّل (شخصيات عابرة شكّلت منطلقات المتاهة الدموية التي سقط إبراهيم الأبيض فيها، وشخصيات ضرورية رافقته في سيرته، وأكملت معه وله وعبره صورة بيئة المجرمين وعالمهم ومجتمعهم)٠

قاع المدينة
لا يُعيب العنف الدموي الكثير فيلماً أُريد له أن يكون مرآة صادقة لواقع إنساني مأزوم. فالأنماط الراهنة للحياة اليومية منشغلة بشتّى أنواع العنف، في اللفظ والسلوك والنقاشات والعلاقات والحبّ والعمل... إلخ، والمسار المتحكّم بعلاقات الفرد بذاته وبالآخرين خاضعٌ للغليان والارتباك والتوترات المنبثقة من وقوع المجتمع المعاصر وناسه في فوضى الأنظمة (السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإعلامية وغيرها) وقمعها. بهذا المعنى، يُمكن فهم انجراف مخرجين سينمائيين مصريين عديدين إلى التقاط العنف بجوانبه المختلفة، لتقديمه في أفلام ملتصقة بيوميات الناس وأزماتهم المتنوّعة، ومنبثقة من حيواتهم وهواجسهم وذواتهم المقيمة في الوجع والقهر، سواء كان العنف مباشراً في التصرّف والتربية والحياة اليومية («السفّاح» لسعد هنداوي المستمرّ عرضه اللبناني في صالة «غراند سينما كونكورد»)، أو غير مباشر، تمّ التعبير عنه بمواربة سينمائية تكشف حضوره في هذه الحياة اليومية من دون تصوير شكله الحسّي («احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، المزمع إطلاق عروضه اللبنانية قريباً). وعلى الرغم من أن جديد مروان حامد أحال مصير إبراهيم الأبيض إلى طفولة معذّبة وفقيرة وبائسة ويتيمة الأبوين، تماماً كما فعل سعد هنداوي في «السفّاح»، المستلّة قصّته من واقعة حقيقية أيضاً، متمثّلة بالسفّاح حلمي أحمد المسيري، كما قال مطّلعون على خفايا المشروع، مع أن منتجيه (ميلودي للأفلام) تجنّبوا الإيحاء بأن الفيلم توثيق للسيرة الحياتية للشخصية الحقيقية؛ إلاّ أن المشاعر الإنسانية الصادقة إزاء الأم المتوفاة حنان ترك) والحبيبة المسلوبة منه بالإكراه والغصب (هند صبري) والصديق الذي غرق معه في بحر الدم والجريمة والتيهان وتعاطي شتّى أنواع ( المخدرات الرخيصة، قبل خيانته له (عمرو واكد)، أشاعت مناخاً شفّافاً وسط القتل والصراعات الحادّة والعجز عن الخروج من الموت المقيم في الأزقة والنفوس. ومع أن الفيلم تحاشى التحليل النفسي والاجتماعي المباشر، لأنه ركّز بنيته الدرامية على سرد فصول من الحياة القصيرة لإبراهيم الأبيض، إلاّ أن التشريح النفسي/ الاجتماعي، المُضاف إلى نقد قاس ومبطّن للتحوّلات الخطرة التي تعانيها البيئة المجتمعية المصرية في ظلّ سطوة الاقتصاد الليبرالي والانفتاح غير المشروط وتنامي سلطة التجّار وهيمنتهم على الناس العاديين (هناك مشاهد قليلة ظهر فيها زعيم المحلّة الزرزور الكبير، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، واقفاً على تلّة عالية وسط القبور والمنازل الفقيرة في ما يُشبه العشوائيات، كإله يأمر وينهي فيُطاع فوراً)، شكّل (التشريح) جانباً موازياً لتلك الحكاية المعروفة، المستمرة في نبش أعماق الذات الفردية وصداماتها مع الجماعة، و«انحراف» هذه الذات عن الطريق القويمة بحسب المعتقدات الاجتماعية والدينية والتربوية التقليدية. فهذا عالم يكاد يخلو من سلطة الأمن (وإن ظهر رجال المن في مشاهد قليلة جداً)، ومن سلطة القانون (المحكمة في لقطات سريعة)، لأنه خاضع بالكامل لسلطة أخرى هي سلطة (الزرزور)، استمدّت جبروتها من الديني والدنيوي، وإن لم ينكشف الأول كثيراً


بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «إبراهيم الأبيض» أكّد امتلاك مروان حامد أداوت سينمائية جدّية ومحترفة، وإن شَابَت فيلمه الثاني هذا هنات قليلة في تصوير بعض اللقطات وتسجيل الصوت والتقاط مشاهد وغيرها من التفاصيل الصغيرة، التي يتغاضى النقد عنها لأن الفيلم برمّته متماسك ومشغول بذهنية مخرج موهوب وجميل وصاحب مخيّلة، على أمل ألاّ يسقط في فخّ الميزانيات الضخمة التي يُمكن أن تُجرِّد الصنيع الفني من لغته الإبداعية، إذا لم يُحصّن المخرج نفسه من تلك الهيمنة الاقتصادية الخانقة

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية


أحرق بعد القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم


بعد أكثر من عام عى مشاهدتي لفيلم أحرق بعد القراءة !٠
Burn after Reading
وجدت نفسي، لأول مرة ازاء مفردة أو مفهوم يبدو من الصعب ربطه بالسينما الأمريكية وخاصة عاصمتها المهولة هوليوود

هل هو كافكا أم غونتر غراس من أعلن بأن الفن لعب في أغلبه! وهذا بالضبط ما فعله جويل وناثان كوين في أحرق يعد القراءة!٠
يقول جويل كوبن: "كنا نريد أن نرى هؤلاء النجوم: جورج كلوني، براد بيت، جون مالكوفيتش والآخرين بأدوار مختلفة تماما فاهتدينا لخلق هذه الشخصيات وهذه التركيبة التي شكلت هذا الفيلم" !٠
هل هو نوع من الترف؟ أم الزهد؟ أن ينتقي اثنين من أكثر المؤلفين والمخرجين في هوليوود سلطة وحظوة، خاصة بعد فوزهما باربعة اوسكارات كان آخرها عن فيلم
No Country for Old Man
لكي يجسدا ما يجري في مخيلتهما، وما يكلف ملايين الدولارات، لتحقيق رغبة ما أو ربما مجرد نزوة سينمائية بفعل الترف أو بفضل الزهد! الترف في أن تفتح لك أبواب أكبر مصنع للسينما في العالم: هوليوود.. فتختار أن تصنع فيلما من نوع أحرق بعد القراءة الذي يندر أن تجد له مثيلا.
فلو أمتلكت الأرض الواسعة والمواد الكافية والمال الكافي لتشييد قصر كبير وأستعضت عن ذلك ببناء كوخ صغير وجميل يناسب مزاجك وبنفس مواد القصر أو بعضا منها.. اليس في ذلك نوع من الزهد؟ فبامكان ألاخوين كوين خلق فيلم مثل" سبايدر مان" او "بات مان" او "ايرون مان" أو أي من الافلام التي تنتهي بمان أو تبدأ به والتي تخصص لها ميزانيات خرافية.. ولكنهما فضلا الكوخ الصغير لأنه سيحقق شيئا عنّ في مخيلتهما!٠
ولم يكن في مخيلتهما شيئا عظيما، ولكنه مميز الى حد لا يصدق: فيلم كوميدي عن الـ
CIA
فيلم لا يتوسل الضحك: لا أحد يطلق النكات، لا أحد يصنعها أو يصطنعها! فيلم مليء بالوجوه الجادة، الصارمة والمنفلته الاعصاب في أغلب الأحيان.. يبدأ بموظفين كبار في ال
CIA
يبلغون جون مالكوفتش (المدير في قسم التحليلات هناك) بأنه مطرود من العمل بسبب ادمانه على الكحول.. ومنها تنفجر الأحداث التي وصفها الناقد ابراهيم العريس باللئيمة، وهو ادق وصف للفيلم كله، حيث تقرر زوجته التي ترتبط بعلاقة مع آخر (جورج كلوني) الطلاق منه، فتأخذ معلومات مهمة عنه من كومبيوتره الشخصي وتضعها على قرص مدمج وتسلمه لمحاميها لكلي يبدأ باجراءات الطلاق، وبمفارقة تافهة تضيع سكرتيرة المحامي القرص في مركز اللياقة البدنية الذي تتدرب فيه، يعثر عليه هناك براد بيت الشاب النزق الذي يعلك طوال الوقت وال
IPOD
لا يفارق اذنيه، فيجد فيه فرصة للاغتناء السريع، فيشترك مع زميلته الخمسينية التي تفتقر لأدنى حدود الجمال فرانسس ماكونمارد والتي تخطط لاجراء اربع عمليات تجميل تتجاوز فيها قبحها، فيبدآن في محاولة ابتزاز جون مالكوفيتش الذي يستشيط غيضا دون ان يحصلا منه على شيء، فيتفاوضان مع السفارة الروسية لبيعها، باعتبارها معلومات سرية، ولكن الحرب الباردة كانت قد انتهت، والروس ليسوا مهتمين بذلك، رغم انهم يفحصون المعلومات ويدققونها قبل ان يعلنوا رفضهم، وهنا يحقق المخرجان مجموعة من أجمل المشاهد سخرية من خلال عرض مبنى السفارة الروسية وممراتها والاجواء التي تكتنفها حيث مازالت تفوح منها رائحة الـ
KGB
ويبدو مجرد سؤال موظف السفارة لهما عن القرص المضغوط إن كان ويندوز أم ماكينتوش نكتة كبيرة تستدر ما هو أعمق من الضحك..!٠
وبعد فشلهما في ذلك يذهب براد بيت الى العنوان الموجود في القرص ويتضح بأنه عنوان عشيق زوجة مالكوفيتش، الموظف الكبير في الخزانة الامريكية جورج كلوني الذي يخون زوجته بمواعدة النساء اللواتي يتعرف عليهن من خلال الانترنت والمغرم بتصنيع الآلات الجنسية.. وبينما يختبيء براد بيت في بيته، في محاولة للحصول على أسرار أخرى، يعود كلوني الى بيته ويرديه قتيلا بعد أن يجده في مختبئا في خزانة ملابسه، من دون ان تسنح له فرصة معرفة من هو وماذا يفعل هناك ومن أرسله، فيتصاعد رهاب الغموض والاحساس بأنه مراقب من جهة ما خاصة وان سيارة تتبعه اينما يذهب. ثم لأنه تعرف على رفيقة براد بيت فرانسس ماكونمارد في احدى مغامراته، فان الأخيرة تطلب منه مساعدتها في البحث عن براد بيت المفقود منذ أكثر من يومين، وما أن تعطيه خيوط تدل عليه وهما يجلسان في حديقة عامة حتى يتصاعد رعبه فيصرخ فيها: من أنت؟ وماذا تريدين؟ ومن أرسلك؟ ونرى بعينيه بان الجميع يراقبه – وكأنه يترجم مشاعر المواطن الامريكي الذي خضع للمراقبة بعد أحداث ايلول من مختلف الأجهزة- فينفلت هاربا.. ثم يتصل بزوجته التي ذهبت برحلة للترويج لكتابها الجديد الموجه للاطفال، والتي لا ترد على مكالماته لأنها منشغلة بخيانته مع شخص آخر.. ويرتفع منسوب جنون (كلوني) عندما يصدم متعمدا سيارة الرجل الغامض الذي يراقبه وما أن يهدده حتى يعترف بانه يراقبه لصالح زوجته التي تريد الطلاق منه.. فيترك صديقته (زوجة ماكوفيتش) ويحطم الأجهزة الجنسية التي يصنعها بنفسه!
والمضحك في كل ذلك ان وكالة المخابرات الأميركية تراقب كل شيء، وتدون ذلك في تقارير تقدم للمسؤولين فيها، وتكون التوصية دائما: راقبوا كل شيء حتى تتضح الامور!
وبسبب غياب (براد بيت) أو مقتله تلجأ رفيقته فرانسس ماكونمارد الى مدير مركز التدريب البدني الذي تعمل فيه: القس السابق آلن الدا الذي أوحى بغرامه بها لأكثر من مرة لكن من دون جدوى، فيتطوع للذهاب الى بيت مالكوفيتش ليحصل لها على معلومات أستخباراتية أكثر لتبيعها الى الصينيين، وبينما هو في بيت مالكوفيتش يكتشفه الاخير ويعلن له بانه قد قضى حياته في مصارعة اناس تافهين مثله يصيبه في كتفه اول الامر، ثم يلحقه الى الشارع بساطور كبير ويهشم رأسه!
هكذا تصل الأحداث الى ذروتها، التي يكسرها المخرجان/المؤلفان بمشهد الخاتمة الذي جاء قمة في الاداء والحوار المختزل والذي يضع السي آي ايه


نواة الفيلم، حيث يقدم المدير الكبير فيها تقريره الى رئيسه الذي يبدأ بسؤاله عن موظف الخزينة (جورج كلوني) فيجيبه بانه مقبوذ عليه في المطار لأنه حاول السفر الى فنزويلا! فيرد عليه بان السفر غير ممنوع الى فنزويلا.. فليطلقوا سراحه اذن! أما عن جون مالكوفيتش فيذكر بان رجلهم المكلف بمراقبته أطلق على رأسه الرصاص بينما كان يضرب آلن الدا بالساطور في الشارع، وقد مات الأخير بينما نقل مالكوفيتش الى المستشفى وهو في غيبوبة قد لا يخرج منها.. ماذا تبقى اذن؟ نعم المرأة (فرانسس ماكونمارد) تطلب بأن تدفع لها مصاريف عمليات التجميل الأربع! يأمره بأن تدفع لها الأجور ليبقى كل شيء طي الكتمان..
ثم :٠
- يا الهي.. مالذي تعلمناه من هذه التجربة؟
- لا أعرف سيدي..
- وأنا لا أعرف أيضا!
ثم وكأنه يواسي نفسه:٠
- أعتقد تعلمنا بأن لانفعل ذلك مرة أخرى.. أذا عرفت بما فعلناه أصلا!٠
- نعم سيدي.. يبدو من الصعب قول ذلك!
- يا الهي.. اللعنة!
يغلق الملف فتنسحب الكاميرا الى الاعلى ونرى العالم وكانه كله مراقب من الفضاء بأحدث التقنيات!
هكذا يتم حرق الملفات حال قراءتها كما تشير أقدم الطرق المخابراتية أو وسائل المحافظة على السرية.. ولكن ليس بالامكان طبعا حرق هذا الفيلم/ الكوخ الصغير الذي شيده الأخوين كوين بمواد تكفي لقصر لأن أحرق بعد المشاهدة الذي صنع بزهد (ألأخوين كوين) الخاص، زهد هوليوودي لا يكلف غير ملايين من الدولارات! ٠

جلال نعيم: سيناريست وناقد عراقي مقيم في لوس أنجيليس٠


بغداد- باريس: سيرة شاعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلاح سرميني


السينما العربية مُتقوقعةٌ على ذاتها بموضوعاتها، وجغرافيّتها. هذا كلامٌ خطيرٌ، ومُثيرٌ للجدل٠
منذ بداياتها، وحتى اليوم، لم نشاهد فيلماً روائياً، أو تسجيلياً، قصيراً، أو طويلاً (ماعدا القليل جداً منها) يتخطى حدود الهموم الشخصية ـ المُغرقة في ذاتيّتها أحياناً ـ أو العامّة، وجغرافية بلد الإنتاج، وكي أُطمئن المُعترضين، أؤكد بأنه أمرٌ تشترك فيه سينمات وطنية كثيرة لا يهمّها ماذا يحدث خارج حدودها، على العكس تماماً من أخرى (وطنيةٌ أيضاً) ثقيلة التاريخ، والإنتاج، مثل فرنسا التي تعتبر الكون كلّه تيماتٍ مُمكنة لمُنتجاتها السينمائية، والتلفزيونية، ولهذا، سوف نجد بأنّ الأفلام الأجنبية التي تطرقت لقضايانا المصيرية أكثر عدداً مما صوّرته السينمات العربية مُجتمعةً، وما التقطته كاميرات العالم عن العراق يتحلّى بالتعددية السياسية، والفكرية، ويفوق كماً، ونوعاً ما أنتجه السينمائيّون العراقيون أنفسهم٠

٠"بغداد ـ باريس، سيرة شاعر" فيلم تسجيليّ فرنسيٌّ (54.40 دقيقة) من إنتاج 2008 وإخراج الفرنسية إيمانويل لاغرانج ، واحدٌ من تلك الأفلام الكثيرة التي اهتمّت بالآخر، بدون الاتفاق، أو التعارضَ معه، ولكن، فقط، بهدف إثارة الجدل حوله، ومحاولة إيجاد أرضية تفاهم مشتركة٠
اللقطة الافتتاحية للفيلم قريبةُ بما يكفي، أصابعٌ تسحب محفظةً، ومن ثمّ صندوقاً حديدياً، بدايةً، فكرتُ بأنّ الشخصية الرئيسية للفيلم، الشاعر العراقي صلاح الحمداني، سوف يفتحهما، ينبشهما، ويستعيد ذكرياته من خلالهما٠

لم يكن الأمر كذلك، ما شجعني على الاستمرار بالمُشاهدة باطمئنان، إذّ حالما أخرجت تلك الأصابع كتباً كثيرة كتبها الحمداني خلال فترة منفاه الثلاثينيّة٠

بدأ الفيلم بصمتٍ، لازمةٌ شعريةٌ بامتياز، ماعدا بعض مُؤثراتٍ مُتوارية في شريط الصوت، وصدى موسيقى مخنوقة يتعالى تدريجياً، ويختلط مع صرير عجلاتٍ حديدية، وتتداخل صور الكتب التي تُراكمها الأصابع واحداً بعد الآخر مع أطيافٍ سريعة لاختراق قطارٍ للصورة، حالما تنتقل المخرجة من اللقطات الكبيرة إلى واحدةٍ عامة، أسلاكٌ كهربائية، وقضبانٌ مُتشعبة، قطارٌ يزحف نحو وكره، ثعبانٌ حديديّ رصاصيّ اللون، رمز الحركة، الزمن المُنقضي/أو القادم، كما السفر، الغياب، والعودة٠

Gare du Nord
محطة الشمال في باريس، وخارجها، تتباهى الشوارع بأشجارٍ مُصطفة على الجانبيّن مُزينة بمصابيح كهربائية مُلونة.
في تلك اللحظة بالذات، يُشير التعليق (بصوت المُخرجة) إلى الفترة الزمنية للتصوير، السبت 30 من شهر ديسمبر2006، اليوم السابق للاحتفالات برأس السنة الميلادية، والتي تزامنت وقتذاك مع حلول عيد الأضحى٠
خطةٌ دراميةٌ مدروسةٌ لإظهار التناقض الفظيع بين طقوسٍ اجتماعية/جماعية، وحالةً من الوحدة الإبداعية، التيمة الغالبة على الفيلم٠
كان ذاك التاريخ، حداً فاصلاً بين عامٍ، وآخر، هناك من يرغب بأن يمضي بأسرع وقتٍ، وآخرون يتشبثون بأعمارهم الماضية، يتأرجح الزمن ما بين عاميّن، كما الكاميرا التي تلتقط شذراتٍ من مكانيّن، وزمنيّن مختلفين، يتصارعان بحبٍّ، وجفاءٍ في العالم الداخلي، والخارجي لـالحمداني: الوطن، وبلد الإقامة/المنفى، ماضياً، وحاضراً(يبدو لي بأن الفيلم تفادى المُستقبل)٠
تراكم الكتب في لقطةٍ واحدة كبيرة، حتى وإن انسابت إلى الفيلم بدون قصدٍ، هي وسيلةٌ جماليةُ إستعارية تُشير ضمنياً إلى انقضاء السنوات الماضية، مفردةٌ سينمائيةٌ استخدمها السابقون زمن السينما الصامتة بطريقةٍ مختلفة، ومازلنا نشاهدها من وقتٍ إلى آخر في هذا الفيلم، أو ذاك : المزج بين لقطاتٍ مُتعاقبة، وأصابع تُراكم الكتب واحداً بعد الآخر.
أعرف بأن صلاح الحمداني باريسيٌ منذ أن وطأت قدماه أرض الغربة، وأكثر من ذلك، يسكن بعيداً عن "محطة الشمال"، وهذا يعني، بأنّ المخرجة تعمّدت تتابعاً درامياً مدروساً منذ لحظات كتابة السيناريو، أو خلال التصوير، وتخيّرت بأن تُراكم مفرداتها بطريقةٍ سردية شعرية، وتبدأ رحلتها اليومية مع صلاح الحمداني في فترةٍ فاصلة ما بين عاميّن.
ولكن، حالما نعرف بأننا فعلاً أمام تاريخٍ حاسمٍ، ومفصليّ، هو اليوم الذي أُعدم فيه الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" شنقاً، ويبدو بأن المخرجة اختارت كلّ عناصر فيلمها بعناية، حتى ذاك التعليق بصوتها الذي تتحدث فيه عن حدث الساعة، وكأنّ المتفرج يعرف صلاح الحمداني مُسبقاً، وهي بدايةٌ غير تقليدية للكشف عن عوالمه٠
اختارت المخرجة التواري خلف الكاميرا التي وصلت إلى المحطة، ومن ثم تجوّلت في باريس، ومع لقطاتها البانورامية للمحلات المُصطفة على جانبيّ الشوارع، بدأت تُمهدّ للشخصية المُحورية، ومازالت اللقطات تتمازج مع أصابعه يكتب أشعاراً، مُوحيةً بأنها تريد أن تتعرّف/أو نتعرّف على صلاح الحمداني الشاعر أولاً، والمنفيّ المُعارض للنظام العراقي السابق ثانياً.
هي تحكي عنه بطريقةٍ حميمة، وكأنه قريبٌ جداً منها، تنطق اسمه الأول "صلاح"، وتتوقف عنده بعض الثواني قبل أن تُكمل حكايته
ـ يعيش في باريس منذ 32 عاماً (حتى تاريخ التصوير في عام 2006) لاجئٌ سياسيّ، ....
ومازالت لقطاتها كبيرةٌ تتمازج فيها أصابع الشاعر تكتب بالعربية، والفرنسية، تختلط بصورٍ ضبابية لشارعٍ بغداديّ تصطفّ على جانبيه نخلاتٌ عاليات٠

لقد تخيّرت درامياً أسلوب الرحلة، الانتقال من مكانٍ إلى آخر من أجل اللقاء معه، وهو الذي سوف ينقلنا لاحقاً إلى بغداد، فتختلط الرحلة الرمزية للمُخرجة مع تلك الحقيقية التي عاشها الحمداني في عام 2004، وصوّر لقطاتٍ منها سوف تتوازى مع الرحلة الباريسية في فتراتٍ مُتقطعة من المدة الزمنية للفيلم، وتتمازج معها أحياناً.
تتجوّل كاميرا المخرجة في شوارع باريس المُنتظرة للعام الجديد، يُرافقها نُواح موسيقى، والسيناريو يُؤجل ظهور الحمداني، ويُمهدّ له بلقطاتٍ قريبة جداً لوجهه، وبالكاد نرى عينيّه الساكنتيّن، كان علينا الانتظار قليلاً كي نسمع أخيراً صوته مصحوباً بدندنةٍ خفيفة على العود، صياغةٌ سينمائيةٌ تقترب من الحكاية، وتبتعد عنها في مراتٍ أخرى لصالح الجانب الريبورتاجي في الفيلم٠
المخرجة في رحلة بحثٍ رمزية (نعرف بأنّ تحضيراتٍ دقيقة سبقت التصوير) عن صلاح الحمداني الذي يُقاوم حيازة هاتفٍ محمول (بالإمكان تحويل فكرة البحث إلى فيلم قائماً بذاته)، ويقدمه المونتاج قطعةً، قطعة في لقطاتٍ قريبة جداً٠
في البداية، فكرتُ بأنّ الصدفة وحدها (والسينما تكتشف لغتها، وتُجددها من خلال الصدف الجمالية)، وربما الرغبة هي التي جعلت المخرجة تختار بأن نتعرف على صلاح الحمداني في أحد صالونات الحلاقة يقصّ شعره، ولكن، بالإصغاء إلى أشعاره التي نسمعها صوتياً، فهمت بأنها كانت ركيزةً جوهريةً للأسلوب الجماليّ الذي تخيّرته، والذي قادها إلى نظم نصف قصيدة (النصف الآخر ريبورتاجيٌ تماماً) تكشفت من خلال الطريقة المونتاجية في تقديمها له : أصابعه، فمه، خصلات شعره المقصوصة،...٠
اكثر من ثلاثة دقائق من الفيلم انتظاراً للتعرّف على الشخصية الرئيسية، عيناه المُكتئبتان حزينتان حدّ البكاء٠
هاهي الكاميرا أخيراً تتابع الحمداني في جولةٍ إسترجاعية يحكي عن الماضي، وهي بالأحرى تتابعه من الخلف، ومن الجانب، ويبدو بأنها تُحاذر إظهار الحزن الغارق ألماً في عينيّه.
وسوف يكون المترو الباريسي لازمةً بصريةً/صوتية يحتفي بها السرد الفيلميّ من وقتٍ إلى آخر، وظلال المارة مثل أشباحٍ فوق جسرٍ، يختفون، ويظهرون في حركةٍ سريعة، لقطةٌ شعريةٌ فاصلة ما بين عالميّن، وأسلوبيّن في الكتابة السينمائية
ـ الأماكن الخارجية تتوافق مع الأسلوب السينمائيّ الشعريّ٠
ـ الأماكن الداخلية في منزل صلاح الحمداني، ومكتبة المستشفى حيث يعمل، والحوارات المُباشرة مع الكاميرا/المخرجة تتوافق مع الأسلوب الريبورتاجيّ ٠
ومع ذلك، من المُفيد الإصغاء إلى ما يقوله المنفيّ الذي أصبح شاعراً
ـ ...كان الهمّ الأكبر، بالنسبة لي، كيف أترك بغداد، وعندما وصلت إلى باريس، أصبح شاغلي الأساسيّ كيف أعود إليها٠
في عام 2004 عاد الشاعر إلى بغداد في زيارةٍ قصيرة، صوّر مقتطفاتٍ منها بكاميرا فيديو رقمية، استخدمت المخرجة بعضها بحذقٍ، وقدمتها في موعدها المونتاجيّ المُناسب تماماً.
تُطعمّ فيلمها بتلك اللقطات المُوجعة المأخوذة في حارةٍ بغدادية شعبية قديمة (تشبه كثيراً الحارات الدمشقية)، وفيها نرى صلاح الحمداني مُحاطاً بأناسٍ يتحركون، ويؤشرون للكاميرا بأصابعهم، وهو في حالة ابتهاجٍ، وفرح، يبتسم، ويضحك.
اللقطات جيدة تقنياً، تقدمها المخرجة بما تحويه من أصواتٍ طافحة بمُؤثرات الحارة، والأحاديث المُختلطة، والصراخ، على العكس تماماً من اللقطات التي صوّرتها المخرجة في شوارع باريس، وهي غالباً مُنتقاة، ومُصفاةٌ من مؤثراتها الصوتية بما يُناسب النفسَ الشعريّ للفيلم
يتجسّد في الفيلم إذاً عالميّن على مستوى الزمان، والمكان
ـ باريس، المنفى، الوحدة، السكون، اللقطات القريبة جداً، الصورة المُتشظيّة للشخصية الرئيسية، الحدّ الأدنى من الأصوات المُحاذية لحدود الصمت، والموسيقى المُتوارية في الصورة٠
ـ بغداد، الوطن، الحارة الشعبية، الجماعة، العائلة، اللقطات العامة، الضجيج، صدى ترديد القرآن من مذياع، الحوارات المُتشعبة، الابتسامات، الضحكات، القبلات، الأحضان، لحظات الالتباس بعد 30 عاماً من الغياب، وبراءة الأطفال الفضولييّن بطلباتهم المعهودة في لحظات تصويرٍ مُماثلة : صوّرنا عمّو ... صوّر، صوّر...٠
ومن المُفيد أيضاً الإشارة إلى أفراد العائلة، وهم يتوجهون بابتساماتهم، وضحكاتهم، وتعليقاتهم، إلى الكاميرا، وكأنها الحمداني نفسه٠
ـ شلونكم، آني أحبكُم، آني "مائدة" عمتكم، أتمنى أشوفكم، مشتاقتلكم هواية، "صلّوحي" هلا، آني أموت عليكم...
صلاح الحمداني في لقطاته التي صوّرها في بغداد، يختلف تماماً عن "صلاح الحمداني الذي نشاهده في باريس، حيث تخيّرت المخرجة زوايا مُحددة تُظهره إما خيالاً في مرآةٍ كبيرة في مقهى، أطيافاً شبحية في منزله، أو قطعةً، قطعة، وكأنها تجمع أجزاءه المُبعثرة في منفاه.
وكم كنت أتمنى بأن يحافظ الفيلم على سينمائيّته، ونفًسَه الشعريّ، ويُقلص ما أُمكن من أسلوبه الريبورتاجيّ، وخاصةً تلك التي يتحدث فيها صلاح الحمداني بشكلٍ مباشر إلى المخرجة/الكاميرا(وصلت المدة الزمنية لتلك اللقاءات إلى حوالي 29 من أصل 55 دقيقة)٠
بدونها، أتخيّل الفيلم قصيدةً سينمائيةً تتسامى مع أشعار الحمداني التي يُلقيها بصوته المسرحيّ الخشن (مثلّ صلاح الحمداني في السينما، والمسرح) المصحوب بأنين نغمات آلة موسيقية شجيّة٠
تكشف الكاميرا أرجاء منزله في لقطاتٍ متوسطة متتالية، وتتفادى استخدام الحركات البانورامية، شغوفةٌ بالمكان، والسكون، واللوحات، والصور المُعلقة على الحوائط، وهي عندما تدرك بأنها منتشية بصوته، وهو يلقي أشعاره، تقدمه في أطيافٍ شبحية، يروح، ويجئ من غرفةٍ إلى أخرى، ولكنها لا تستمر، وتقطع ذروة الانتشاء حين تعود إليه في لقطةٍ متوسطة هي جزءٌ من مشهدٍ تمّ تقطيعه، وتوزيعه على طول المدة الزمنية للفيلم٠
ولحسن الحظ، لا تتمهل كثيراً عنده، وتعود مرةً أخرى إلى الجانب الشعريّ في الصورة، والصوت، ودائماً في لقطاتٍ كبيرة تجمع شتات الجسد، والروح، وربما تكون تلك اللقطات التي تتداخل فيها أشعار الحمداني بالفرنسية، والعربية من أجمل لحظات الفيلم، وهي تُمهد الطريق نحو مكانٍ آخر ٠
وعلى الرغم من الجمال، البهاء، والصفاء الذي تتباهى به مقبرة
Père-Lachaise
، إلاّ أنها، بالمُقابل، لا تخفي جانباً سوداوياً، مُوحشاً، ومُقبضا، وتُضفي على الفيلم إحساساً طاغياً بالموت، لم ينفع معه المنفى هروباً، ولا الشعر مُنقذاً من نهايةٍ مُؤجلة، ولكنها حتميّةصلاح الحمداني في لقطةٍ متوسطة أمام قبر المخرج المسرحيّ "فيكتور غارسيا" يتحدث عن ذكرياته معه، وتمثيله لدور "أنكيدو" في "ملحمة جلجامش" التي عُرضت على مسرح شايو" عام 1979٠
هنا، وعلى الرغم من الأهمية المعلوماتيّة القصوى، تشدّ المخرجة أسلوبها إلى الجانب الريبورتاجي، وهي لم تنتبه/أو انتبهت إلى ظهور الميكرفون في طرف بدلته، وأكثر من ذلك، عندما تؤكد حضورها الصحفي خلف الكاميرا، وتُوجه له أسئلةً عابرةً كنت أتمنى تفاديها مونتاجياً، واستبدالها باختياراتٍ سينمائية تتوافق مع عظمة المكان جمالاً، وقدسية، في تلك اللقطة بالذات، تقترب الكاميرا من وجه الحمداني أكثر بدون تغييّر زاويتها، فنشعر بحركتها، وتُعيدنا قسراً إلى الحالة الريبورتاجية
ولكنها، حالما تعود إلى أسلوبها الشعريّ، وخصوبة الحياة مطراً في لقطاتٍ قريبة جداً, ودندنة خجولة لآلةٍ موسيقية، ومتابعة بانورامية جانبية/ومن الخلف للشخصية الرئيسية، بينما يُعيدنا شريط الصوت إلى الماضي من خلال خبر إذاعي، وبالتحديد شهر أبريل من عام 2003 يُذكرنا بحادثة اعتداءٍ جسديّ تعرّض لها صلاح الحمداني من طرف مجموعةٍ متظاهرين احتجاجاً على غزو العراق
وكي لا يختلط الأمر على القارئ، والمُتفرج، يشرح الحمداني موقفه:
ـ إنني ضدّ الاعتداء على العراق من طرف القوات الأمريكية، والانكليزية، ولكنني، بالمُقابل، ضدّ "صدام حسين"....
وفي ختام تلك اللقطات التوثيقيّة المُستعارة من برنامجٍ تلفزيونيّ، تُعيدنا المخرجة إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية، وكان بإمكانها تفادي ذلك التأرجح بالاستغناء مونتاجياً عن الأسئلة التي طرحتها مباشرةً على صلاح الحمداني:
ـ حسناً، كان ذلك في عام 2003، ما هو شعورك، وأنت تشاهد هذه الصور من جديد ؟
ستّ دقائق تقريباً، وهي أطول فترةٍ زمنية تراخت فيها الكاميرا أمامه، وتركته يتحدث عن تلك الحادثة.
منذ مشهد المقبرة، أصبحت المخرجة مُغرمة بطرح أسئلة أكثر مباشرة، وضوحاً، وتقريرية.
وبعودتها إلى الحمداني في شوارع باريس، تمنح الإيحاء باختلاط الأزمنة، والأمكنة، وكأنه يرى شوارع بغداد من منفاه من خلال مونتاج متوازي هي من أكثر اللقطات توافقاً مع الحالة المُنشطرة التي يعيشها الحمداني
في تلك اللحظات، تنحو الموسيقى في اتجاهٍ آخر أكثر اقتراباً من التراث الموسيقيّ العراقي الشعبي، حيث ضربات طبلة في إيقاعٍ متكررٍ رتيب


وحدها السينما، وعن طريق المونتاج، التحام اللقطات، تعارضها، تصادمها، أو توافقها،.. تمتلك القدرة الإبداعية على الإيحاء بتباعد، وتقارب الأمكنة، والأزمنة من بعضها حتى التمازج، وأعتقد بأن كلّ منفيّ، أو مهاجر يعيش هذا الانصهار الذهنيّ الدائم بين الوطن، والمنفى، أو بلد الهجرة٠
اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد، أو على الأقلّ، تلك التي اختارتها المخرجة لتطعيم فيلمها، هي لقطاتٌ حانيةٌ، حنينيةٌ، صادقةٌ، ومُوجعةٌ.
وبين قوسين، أشير بأنّ معظم التحقيقات التلفزيونية التي رافقت بعض العراقيين العائدين إلى الوطن بعد الغزو (التحرير)، امتلكت جانباً فضولياً منحرفاً (البصبصة): بكاءٌ، نحيبٌ، عويلٌ، وضياع،..٠
وطفحت بعض الأفلام التسجيلية بالتكلف، والزيف: تقبيل الأرض، يعقبها مباشرةً نظرةً سياحيةً مُتعالية، وكأنّ المخرج العائد يردد في داخله: "الحمد لله لأنني أعيش في بلدٍ أجنبيّ، كم أنا محظوظ،....
ونبشت أفلامٌ أخرى الماضي المُتمثل بالنظام السابق(ديكتاتورية، إعدامات، مذابح، سجون، معتقلات، أنفال، قطع آذان،...)، واجترّت كلّ مفردات التحقير، والذمّ المُتداولة، واصطنعت بطولاتٍ وهمية إلى درجةٍ فاقعة، وصلت أحياناً إلى حدّ الكذب العلنيّ (في أحد التحقيقات التلفزيونية الفرنسية، عثر أحدهم على ملفه الأمنيّ وسط مكانٍ مدمرّ كان ـ على حدّ قوله ـ مقراً للمُخابرات، أو الأمن، سجناً، أو معتقلاً) ٠
يا الله...٠
وأظهرت بعضها الجنود الأمريكان المُخلّصين مصحوبين بعراقيين، يتجولون بعشقٍ، ورعونة في شوارع بغداد، أو يجولون في سياراتهم المُصفحة، ودباباتهم، ويبتسمون للكاميرا، أو على أكثر تقديرٍ، يطلبون رخصة التصوير، فيحتدّ المخرج مُعترضاً ـ أليسَ بطلاً ـ ويستلّ سيفه من غمده، أقصد جواز سفره الأجنبيّ، ويرطن بإنكليزيةٍ تشوبها لكنةٌ عراقيةٌ واضحة لم تمحيها باريس، لندن، برلين، مدريد، أو كوبنهاغن،..٠
I am a European citizen, you do not have the right to prevent me from filming in my own country
أنا مواطنٌ أوروبيّ، ليس لك الحقّ بمنعي من التصوير في بلدي٠
وعلى طريقة المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، أتخيّل إجابة الجندي الأمريكي : طزّ فيك٠
والحقيقة التي لا تقبل المُجاملة، لم أجد في لقطات صلاح الحمداني ، وفيلم إيمانويل لاغرانج أيّ نزعةٍ من تلك "البطولات الملحمية"، حيث أظهرت الجانب الإنسانيّ منه، وحالات الافتخار، والانكسار، إنه منفيٌّ مناهضٌ للنظام السابق، قاوم الديكتاتورية شعراً، ويتحلى بالصلابة مثل: أنكيدو، غارسيا، كامو، وسيزيف،....٠
ولولا علاقتي القديمة بـصلاح الحمداني منذ منتصف الثمانينيّات، ومعرفتي بسلوكه المُختلف تماماً عن بعض رافعي راية معارضة النظام السابق، والذين تاجروا بها حتى العظم، والخيانة، لما صدقته أبداً
كان اختيار المخرجة لبعض اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد دقيقاً، لم تجنح إلى إظهار الحالة الميلودرامية في رحلته، ماعدا لقطةً واحدةً مُؤلمة تلك التي جمعت الحمداني مع أحد أصدقاء الطفولة، ويبدو بأنه لم يتعرّف عليه بعد، فيجرّه الحمداني، ويحتضنه، عندها يتفطنّ الصديق، ويضرب بكفه على صدغه، وتنفرط دموع الاثنين بكاءً رجولياً، خجولاً، وبدوري، لم أستطع التحكم بمشاعري (وأنا المُدمن أفلاماً هندية)٠
تكشف اللقطات الأخرى المُتبقية جانباً إنسانياً فريداً، تُوحي للمتفرج بأن صلاح الحمداني لم يغبّ عن عائلته يوماً واحداً، وخاصةً تلك التي جمعته بأمّه المُثقلة بملابسها السوداء، ونظارتيّها الكبيرتيّن، صامتةٌ، هادئةٌ، صلبة، جبارة،.. ورُبما كانت رغبة الحمداني، و/أو المخرجة الابتعاد ما أُمكن عن البكاء، والعويل المُتوقع في لقاءاتٍ مُماثلة بعد غيابٍ طويل٠
بدوري، وفي حالة اللقاء مع شخصيةٍ ما في فيلمٍ تسجيلي، أميل إلى الصوت من خارج الصورة، وهو ما حدث في المشهد الذي يدور في فناء المستشفى حيث يعمل الحمداني أميناً لمكتبته، وحسنا فعلت المخرجة بـ"تحريره" من الأماكن الداخلية، ولكنها للأسف، حالما تركته يتحدث إلى الكاميرا مباشرةً كي تعود من جديدٍ إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية
وفجأةً، تبيّن لها جماليات المكان، فعادت لتصويره يهيم في فناء المستشفى، طيفاً في حركةٍ بطيئة، يصحبه صدى فحيح بعيد، وهو الأمر الذي نسيت أن تفعله في المقبرة٠
ومن المُؤسف أيضاً بأنها أدخلته إلى المكتبة، وعادت إلى دور الصحفية تُوجه له الأسئلة من جديد، كي تُرافقه فيما بعد إلى شارع
Faubourg Saint Denis
في الدائرة العاشرة، وبالتحديد إلى ممرّ
Brady
في تلك اللحظة، توقعتُ مباشرةً، وأنا المُهاجر مثله، والعاشق للأحياء الهندية، بأنه سوف يتحدث عن رائحة التوابل، ولكن، ....بأسلوبٍ ريبورتاجي (ماذا أفعل بك يا إيمانويل ؟)٠
ومن ثم تعود إلى المزج مابين لقطاتٍ صُورت في بغداد، وأخرى في باريس تتوافق بشكلٍ ما مع ذاك الشارع، وممراته، الأمّ حاضرةٌ فيها صورةً، صمتاً، وشعراً، حباً، احتراماً، وتبجيلاً، والأبّ غائب
مركبٌ سياحيّ يتهادى في نهر السين، يلتقي بقارب صيادٍ عراقيّ يرمي شبكته، ينهل من خيرات دجلة، المترو الباريسي يتسابق مع السيارات المُنهكة في شوارع بغداد
بالوصول إلى أعالي هضبة
Montmartre
حيث كنيسة "القلب المقدس"، بدأتُ أشعر بنوعٍ من التحفظ إزاء اختيارات أماكن التصوير، حيث، وبشكلٍ عام، لا أجد ضرورةً قصوى بأن يمسح الفيلم جغرافياً كلّ الأماكن التي تحبها، أو ترتادها الشخصية الرئيسية، إلاّ إذا كانت تتضمّن قدراً كبيراً من الأهمية في علاقتها بتيمة الفيلم، كحال المقبرة، المستشفى، أو مقهى الحيّ،...حتى وإن التقطت الكاميرا هناك بعض اللقطات الجميلة، والتي جعلها المونتاج تتناغم بشعرية: طيورٌ، ملاهي الأطفال الدائرية، مياه إحدى القنوات، لقطةٌ كبيرةٌ لعينيّ الحمداني،....٠
وكم تمنيتُ حقاً بأن ينتهي الفيلم عند تلك اللقطة المُتوسطة، وفيها يتنزه الحمداني (بطلبٍ من المخرجة طبعاً) في مركبٍ يعبر إحدى القنوات المائية، يتقدم نحو نفقٍ حتى تتحول الصورة تدريجياً إلى شاشةٍ سوداء، ولكن، بعد تلك اللقطة الدالة، السوداوية ـ رُبما ـ، الشعرية بامتياز، تعود المخرجة مرةً أخرى إلى الحوار المُباشر مع الحمداني، ومن ثم إلى شوارع باريس، وتنطلق تلك التيمة الموسيقية التي يغلب عليها ضربات الطبلة تغازل ترنيمات العود٠
ولكن، أخيراً، تحقق جزئياً ما كنت أتخيله، فقد أنهت المخرجة فيلمها (بغداد ـ باريس، سيرة شاعر) بمرور سيارة عابرة يُحدث إظلاماً مُفاجئاً للصورة.
هل انتهت سيرة شاعر ؟
لا، أبداً، إنها بدأت للتوّ، منذ اللحظة التي سوف يبحث القارئ عن الفيلم لمشاهدته....

صلاح سرميني: ناقد سينمائي يعمل ويعيش في باريس٠



Puplic Enemeis | أعداء الشعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



رجل العصابات الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية فيلم مايكل مان الأحدث عهداً، حتى يخرج منه مصحوباً بالأسلحة وأزلام الظلّ والذخيرة، ضامناً الاستمرار و"النضال". بين الدخول والخروج هذين، حفنة لقطات قصيرة متعبة وبضع دقائق فاصلة وحاسمة، كان يمكن مخرجها مان، وهو سيد من أسياد التجريب في هوليوود، أن يستعرض خلالها "الطاقة" الاخراجية التي صنعته خلاقاً قادراً على تشكيل مناخات اقوى، من اجساد تتهاوى الى تشابك وتبادل رصاص على طريقة الباليه. لكن مان يفضل، على هذه الاسلوبية، ادارة العملية بيد فاعلة ومقتصدة: بضع طلقات نارية وعراكات بالأيدي، ثم يصبح جون ديلينجر (جوني ديب) حراً طليقاً مجدداً، وينطلق الفيلم الحادي عشر لسينمائي لا يقارَن مع ايٍّ من الذين تركوا بصمات في سينما الجريمة. السبب في ذلك انه صاحب اصالة، من الجنريك الى الجنريك. في خياراته التقطيعية ونقلاته المستمرة بين الداخل المتوتر والخارج الهادئ، تذكّرنا هذه الافتتاحية بملفيل في افضل انجازاته: جدار عال يشطر السماء اثنتين، رماديات واخضرارات باهتة تلون الصورة، أجساد فيها حضور وعزم تكسر الكادر منذ اللحظة الاولى. والآتي لا شك أعظم

ما أن يصبح دلنجر (1903-1934) في ذمة الجريمة المنظّمة من جديد، حتى حتى تنبعث فيه الحياة، سرقة ونهباً والتهاماً لأموال المصارف التي يختارها من بين أقلها لطفاً مع الزبائن. هنا أيضاً، لا نحتاج الى أكثر من مشهد - دليل لنتدارك سهولة الأمر بالنسبة الى أفراد عصابة سرعان ما يتحولون الى أعداء الشعب. ولئن ليس من حكاية عند مان تكتمل من دون ان يكون لها وجهان أو طرفان، الخارج على القانون ومَن يعمل على تطبيقه، فإن الشريط يأخذنا من مطاردة الى أخرى، تنتهي فصولها المختلفة أمام صالة سينما. كنا نعلم أن عمل مان يتشكل من هذا المكوث التأملي على الخط الرفيع الفاصل بين الخير والشرّ، وهنا حلقة مستجدة من صراع القط والفأر اللذين يتطلع الواحد في عين الثاني، قبل أن تأخذهما جولة جديدة من المطاردة. فالاضداد عند مان لا يكره بعضهم بعضاً بل يتبادلون احاسيس الودّ الباطنية وغير المعلنة٠
ديلينجر هذا، أقله في جانبه المعروض هنا، لا يختلف عن سائر المخربين في سيرة افلام العصابات الهوليوودية. بيد أننا نراه مرغماً، لسبب من الأسباب، على التذكير دائماً بأنه "ليس كسائر الرجال"، وخصوصاً عندما يكون في صحبة فتاة متواضعة الأصل (ماريون كوتيار) ينقضّ عليها بطريقة فحلوية منذ نصف الساعة الاول من الفيلم، موجداً حلاً سريعاً لأزمتيه البيولوجية والعاطفية (قبل ذلك كان يعاشر العاهرات) كأنما يضرب عصفورين بحجر واحد. ( واذا كان على قدر عال من الذكورية في اختيار اسلحة الاغراء، فذلك يتأتى أيضاً من تورط مان في هذه الذكورية المفرطة التي تُحسب نقطة سوداء على سينماه منذ بدايتها، وهي منعته دائماً، لكن بدرجات متفاوتة (هنا الهنة الوحيدة)، من ان يجيد بلورة الشخصيات النسائية والذهاب بها الى ابعد من جعلها مجرد اكسسوار


خلافاً لرجال عصابات آخرين من اصحاب العقول النيرة، لا يملك ديلينجر مخططاً. وهو، كما يقول لصديقته في لحظة دفاع عن خياراته المخبولة، "كثير الانشغال بالحاضر كي يفكر في المستقبل". هذا الكلام وهذه الباطنية التي عند الشخصية، كان لا بدّ أن يُترجما بشكل من الاشكال. ولئن كانت سينما مان هي ايضاً سينما تعتمد على المساحة المعطاة الى الممثل وادائه، فإن خيار جوني ديب يبدو هنا خياراً صحيحاً لأنه يترجم هذه الحيرة التي لا يرتاح اليها لا المشاهد ولا المخرج، لأننا سنظل، طوال ساعتي الفيلم، نجهل ماذا يدور في عقل هذا المشاغب، ولا نعرف حتى النهاية ما اذا كان على قدر من الذكاء أم السذاجة! أما أسوأ ما يملكه فهو عندما يحاول مغازلة صديقته واقناعها بأنه "مخلصها" المنتظر وبأنها لن تعود مجدداً الى مزاولة مهنة متواضعة في احد الفنادق. فهل يحاول بذلك اطالة حبل الكذب أم هو لا يدرك اصلاً ان ما يقوله كذب؟ لا النصّ ولا عينا جوني ديب، الذابلتان في تلك اللحظة، يفصحان الكثير عن هذا السرّ، سرّ شخصيةٍ صوفُها أحمر منذ البداية، لكن مان يحمل ديلينجر واثمه على الراحات، لسبب واضح وصريح هو ميله الفطري الى الخارجين على القانون والعدالة، ولزادهم التراجيدي الرومنطيقي الأخاذ (جيسي جيمس نموذجاً) المتبلور على الشاشة، لقطة خلف لقطة
يصوّر مان مشاهد الحبّ كمشاهد صراع، ومشاهد الصراع كمشاهد حب. واذا هتف قلب مخرجنا الكبير الى هذا البطل بالذات الذي اهتزت العروش من أجله في الثلاثينات الأميركية، فذلك لأنه ينتمي الى طينة أخرى من الابطال الذين كان لديهم يد طولى في صناعة التاريخ الأميركي المعاصر، وليسوا مجرد وصوليين منهمكين في سرقة ما يوفر لهم عيشاً هانئاً. أمثال ديلينجر يدركون تماماً ان كل خطوة لهم هي خطوة في اتجاه الأخرى لكن هذه المعرفة لا تغير شيئاً في سلوكهم.
تفصيل آخر ذو شأن قد يكون حثّ مان على الانكباب على الشخصية: كان ديلينجر هو الذي ساهم في تطوير الشرطة الأميركية. ومن أجله أبتكر ما بات يعرف اليوم بالشرطة الفيديرالية (أف بي أي). ويقال إن ديلينجر هو أول من لجأ الى خطف رهائن خلال عملية سطو على مصرف. وكان بذلك كله "مدرسة" لمشاغبي العقود التالية

يدور النصّ حول زوايا الشخصية، مسلطاً الضوء على سحرها وذكائها، ممتنعاً عن قول الكثير في شأنها (اعجابه بجيسي جيمس مثلاً)، مما يتيح لمان الفرصة كي يظهر صراعات كبيرة داخل صراعات أصغر لكنها تبدو كبيرة، اذ يتبدى فجأةً مدى تضعضع النظام البوليسي وارتباطه بالسياسة والمصالح العليا، وهشاشة رجال الشرطة وعدم كفايتهم. ويحرص النصّ دائماً على كسر هيبتهم وتحويلهم زمرة من الفاشلين. وأن يصرّ مخرجٌ على تبيان أن لا فرق كبيراً بين الطرفين، وأن الخير والشر صنيعة ظروف، فهذا ليس بخطاب جديد (العودة الى "رجل عصابات أميركي" لريدلي سكوت)، لكن مان يفعل ذلك على طريقته الخاصة جداً، بعيداً من الشعبوية وقيم المحافظين، فتتدخل الصورة الفيديوية، بفظاظتها أحياناً، لمزيد من الابهام والتغبيش والمساواة بين الأطراف المتخاصمين. الصورة الفيديوية البالغة أحياناً حدّ الرداءة (نكاد نرى البيكسيل) هي ضباب مخيم على هذا الفيلم

يضع مان عالمين أحدهما في مواجهة الآخر: الكلاسيكية الهوليوودية الملابس، الديكور، الأفكار، الموسيقى، نصف التصوير) في ( مقابل الحداثة الرقمية المتمثلة في الاستعانة بالفيديو. هذا الفيديو الذي عرف مان كيف يدفعه الى ذروته التشكيلية منذ استخدمه في "علي" (2001)، يمنح الحقبة المستخعادة إطاراً جمالياً فريداً يكسر روتين الأفلمة الأكاديمية لحقبات مضت. وهذا ما يجعل من المخرج شاعر الديجيتال الأهم. التضاد أو الكونتراست يتجلى ايضاً في المنظومة الفكرية التي يمتلكها ديلينجر وفي تلك التي عند مطارديه الذين يبحثون عنه "حيّاً أو ميتاً"، كما يتناهى الى مسامعه. من هذا الصراع خرجت أميركا ما بعد الثلاثينات أمة قوية واثقة بذاتها. واذا بدا ديلينجر قوياً وواثقاً بنفسه أيضاً، فذلك لأن خصمه كان ساعتذاك لا يزال ضعيف البنية وصاحب شكوك مزمنة واضحة في المشهد حيث يتحدى ديلينجر الشرطي ملفين برفيس كريستيان بايل، الممثل المناسب في الدور المناسب). وهذه الثغرة ( يراهن عليها رجل العصابات لكسب معركته الملحمية الطويلة التي تقودنا عبر الغابات والطرق الخاوية والملتوية في قرى نائية، فيما تتراقص كاميرا مان على وجوه شخوصه ساعياً الى البقاء أقرب ما يمكن من مسامات جلودهم.
لم يعد سراً ان الأبطال في السينما غالباً ما يستمدون نفوذهم من أعدائهم. هذه ثابتة من ثوابت الفن السابع. اذاً، هريان السلطة هو قوة ديلينجر، وهو يدركه جيداً، وهذا ما يشجعه على الدخول الى مقر الشرطة ذات مرة، وتحديداً الى الوحدة المخصصة للقبض عليه، ويتسكع في أروقتها، في واحد من أروع مشاهد الفيلم

تفصيل آخر ذو أهمية قصوى: من بين الأشياء التي يحبها ديلينجر هناك السينما. يرتاد الصالات المعتمة دورياً. في الدقائق الهيتشكوكية التي يُختتم الفيلم على اثرها، سيذهب ديلينجر لمشاهدة "مانهاتن ميلودراما"، من بطولة وليم باول وكلارك غايبل، الذي منه "سرق" شاربيه المقصوصين بعناية شديدة. هذا الحوار بين الفيلم على الشاشة والفيلم الذي أمامنا نحن المشاهدين، ذو دلالات عميقة. وسرعان ما يتحول الحوار الى لعبة مرايا متبادلة بين غايبل وديلينجر. نسمع غايبل في "مانهاتن ميلودراما" ينصح شريكه بـ"مت سريعاً"، قبل أن يهندس تفاصيل موته، وهو موت سرعان ما يأتي ليخطف ديلينجر أيضاً. انه تحالف سامٍ بين السينما والحياة! مع هذا المشهد، الذي يجسدّ قمة الروعة في سينما مان، يتأمل الفيلم مسألة تحويل المجرمين والسفلة رموزاً خالدة. لكن حيال هذا الشيء لا يشعر مان بأي عيب أو أسف. مثل سلسلة كبيرة من المجرمين خلّدتهم الشاشة، يدين ديلينجر الى السينما بالكثير، في حياته كما في موته، لذا يتيح مان له مشاهدة نفسه، للمرة الثانية قبل أن يهوي، علماً ان المرة الاولى كانت حينما ذهب الى مقر الشرطة وتأمل صوره على لوحة مملوءة بمذكرات التوقيف. بين المرتين، الاولى والثانية، ثمة فرق كبير، اذ ينتقل بصر ديلينجر من النظر في شخصه الى النظر في تجسيده. مع هذا المشهد، لا نستطيع الا ان نرى مساواة بين النجم السينمائي وعدو الشعب الاول، والاثنان يمتلكان شعبية، لا تقاس بأفعالهما انما بما يمنحان الناس من أحلام للهرب في زمن اقتصادي صعب. ويبقى أعداء الشعب" وفيّاً لهذا التراث الذي كرسه "الفيلم الاسود"، في " ترجحه الدائم بين زمن غابر وحاضر يتسرب من بين أنامل أيقونات الشاشة. مرة أخرى يبرع مان في خلط الحاضر والماضي، مستحضراً عناصر من خارج الشاشة ومن داخلها. ودائماً ثمة شيء يذكّر بشيء آخر. هناك شبح جيمس كاغني واشباح أخرى كثيرة تلازم هذا الفيلم الذي سرعان ما يتحول في ادارة مان الى انشودة ليل، قاتمة، عبثية...٠
تتشكل سينما مان في الدرجة الاولى من لقيات بديعة. من عملية بسيطة لنقل السجين ديلينجر، تراه يؤلف قصيدة يقتبس فيها جماليات من الانطباعية الألمانية. كذلك الأمر بالنسبة الى مصابيح السيارات التي تنير ليل سينماه. وأخيراً، بسلاح أوتوماتيكي اصبح اليوم في المتاحف، يفتح النار على سينما الحركة البليدة التي لا تبعث على التفكير. بالنسبة الى مان، ثمة حقيقة واحدة لا غير: اذا اردنا فهم الواقع (الأميركي) الآني فعلينا أن نفهم أولاً الماضي


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Aug 8, 2009

Year 3. Issue 443 | Kubrick's 2001: Space Odyssey | Antonioni's Zabriskie's Point | الزمن المتبقّي لإيليا سليمان

بين الأفلام | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ12.08.09ــــــــــ
ساراييفو بعد الموت

Snow | Dir: Aida Begich (Bosnia/ Germany ...)

قبل يومين بدأ مهرجان ساراييفو دورته الخامسة عشر بعرض فيلم من رومانيا بعنوان »حكايات من العصر الذهبي« مؤلف من أفلام قصيرة تتحدّث جميعها عن فترة الرئيس المخلوع (ثم الراحل) شاوشيسكو من باب النقد طبعاً٠
المهرجان يؤمه اليوم جمهور يصل عدده الى مئة ألف شخص، كما يتوقّع مصدر من المهرجان الذي يعرض هذه السنة أفلاماً من شتّى أنحاء أوروبا وبعض الأفلام الأميركية (دون أن يتهافت على هوليوود كما تفعل المهرجانات الكبيرة)٠
أتمنّى أن أحضره في العام المقبل إن لم يكن لشيء فتحيّة لمؤسسيه الذين رأوا أن السينما أفضل من يرأب الصدع بين الناس وأنها الفاصل بين الموت متمثّلاً في حرب بغيضة مزقت المقاطعة البوسنية وقتلت قرابة تسعين الف ضحية في ثلاث سنوات، وبين الحياة التي تترعرع الآن ولو أن الذاكرة لا يمكن أن تخبو سريعاً. هناك أفلام عديدة تم إنتاجها في الدول الثلاث: بوسنيا، كرواتيا وصربيا تدور حول الحرب الطاحنة التي مزّقت العائلات والأوطان (من 1992 الى 1995) وبما أن نحو ثلاثين بالمئة بالمئة من الضحايا كن من النساء لا عجب أن السينما البوسنية تناولت هذا الجانب أكثر من سواه الى الآن٠
في العام الماضي عرض المهرجان فيلما بوسنيا/ المانيا// ايرانيا/ فرنسيا مشتركاً بعنوان »ثلج« (الصورة) حول قرية كل من فيها من النساء: أمهات او زوجات او شقيقات او بنات... الرجال ماتوا٠


أنا وسلفستر ستالون وايلي سماحة


وأحد المواقع الأجنبية يتحدّث عن أن الممثل سلفستر ستالون سوف يُمنح جائزة شرفية من مهرجان فانيسيا المقبل. هل هذا صحيح؟ هل يستحق رامبو جائزة؟ لم لا يستحقّها مثلاً روبرت ردفورد او وورن بايتي او عمر الشريف او محمد بكري؟ ماذا قدّم ستالون في عمق الإداء وعمق الوجدان ما لم يقدّمه سواه؟
وعلى ذكره، التقيت مرّتين بالممثل ستالون، مرّة في حوار مع شلّة من أعضاء جمعية المراسلين الأجانب في هوليوود وكان لطيفا ووديعاً للغاية وصاحب نكتة ( "قلت لأرنولد شوارتزنيغر تعال نمثّل معاً في فيلم واحد قبل أن نشيخ" ولحمنا يترهّل")٠
المرّة الثانية حين سألني الصديق يوسف شريف رزق الله إذا ما كان يمكن لي الإتصال بسلفستر ستالون لكي تتم دعوته الى مهرجان القاهرة وكان ذلك قبل نحو خمس سنين. كان ستالوني حينها يعمل مع المنتج اللبناني إيلي سماحة، فاتصلت بايلي فأعطاني موعداً وذهبت الي بيته ولم أجده. لم أجد أحداً على الإطلاق. لكن البوّابة التي تتقدّم الفيلا كانت مفتوحة، والباب الداخلي للفيلا كان مفتوحاً وأول ما تدخل من الباب يصدح الموسيقا تلقائياً٠ فضلت البقاء في السيارة منتظراً وبعد ربع ساعة وصل وبدا كما لو أنه فوجيء بي. ذكّرته سبب زيارتي: "أنت تعرف ستالون وتستطيع أن تتحدّث معه بحرية. هل يقبل دعوة مهرجان القاهرة له. نعم او لا"٠
اتصل ايلي بستالون فعلاً وجلست استمع الى حوار من طرف واحد بعدها قال لي
يريد طائرة خاصّة تنقلنا من لوس أنجيليس الى القاهرة٠
تنقلكم؟
نعم. أريد أن أذهب أيضاً ولم لا تأتي معنا؟
ستالوني كان الوحيد الذي لا يزال يعتبر نفسه أنه يستطيع الحصول على طائرة خاصّة من لوس أنجيليس الى القاهرة... ربما ايلي لا يزال يعتبره كذلك أيضاً. لقد أنتج له فيلماً رديئاً بعنوان
Get Carter
إعادة صنع لفيلم أفضل من بطولة مايكل كاين في السبعينات٠
اتصلت بالقاهرة وتحدّثت مع الصديق يوسف فوعدني بالرد عليّ خلال أيام. وبعد يومين جاءني الرد: يستطيع المهرجان إرسال طائرة خاصّة الى لندن، أما لوس أنجيليس- لندن ولندن- لوس أنجيليس فسيرسل تذاكر درجة أولى لستالون وللمنتج سماحة٠
أخبرت ايلي على الفور (هاتفياً هذه المرّة) وايلي اتصل بي في اليوم التالي وأخبرني أن ستالون مصر على موقفه. قلت له
مُصر؟ لا توجد طائرة خاصّة يستطيع المهرجان توفيرها تطير حول الكرة الأرضية. هذا ليس قراراً. هذا واقعاً٠
الى أن أخبرت المهرجان بالحديث كان الرأي هناك تغيّر. لم تعد هناك الرغبة في استقباله. أما أنا فلزمت السؤال: إذا كان ستالون يريد معاملة ملكية بعدما هوى نجمه، ما كان الحال عليه لو أنه كان لا يزال في قمّة نجوميّته؟

لديك بريد

بعض الرسائل المتراكمة. سمر على العنوان البريدي كتبت تسأل عما إذا كنت أنا من يكتب أيضاً في موقع »رابطة أدباء الشام« وقد بعثت برابط ما أن فتحته حتى طالعني إسمي على موضوع ليس لي٠ لكني يا أخت سمر لست أنا الكاتب الذي يحمل الإسم نفسه والموجود في ذلك الموقع. ولا أعتقد أن أحداً يستعير إسمي بل يخلق من الأسماء الملايين٠

والأخ أحمد لطيف كتب يقول

قرأت تحليلك النقدي الجميل لفيلم أنطونيوني الذي كنت اشتريته على ديسك قبل عدة أشهر لكني لم أشاهده من باب الكسل رغم إعجابي الكبير بالمخرجين الأوروبيين عموما، وحالما انتهيت من قراءة النقد الوارد في مجلتك الإلكترونية التي تزداد إبداعاً عدداً وراء عدد سارعت وشاهدت الفيلم ولا أستطيع أن أعبر عن مدى سعادتي خاصة وأنك فسّرت بسهولة فريدة بعض الغموض بالنسبة للشخصيات وتصرفاتها. وبالمناسبة أشكرك وفريق العمل على كل تلك النوافذ التي تفتحونها للنوستالجيا وافلام الأمس. أنا رجل فاتني سن الشباب ولا زلت متمسّكا بالقديم. لكن القديم ليس له معنى اليوم الا إذا تم تقديمه كما تقدّمه أنت والأخ ميسر المسكي والأخ ابراهيم العريس والأخ جلال نعيم

جواب | لا شكر على عمل أقوم به عن حب. أعتقد أن مهرجانات السينما العربية عليها أن تفعل شيئاً حيال هذا النقص فتستعيد أفلاماً لأنطونيوني وبيترو جيرمي وغودار وآرثر بن وروبرت ألتمن وانغمار برغمن وكل العمالقة التي أحببنا السينما بسببهم. ولا تنسى المثل المصري الحكيم: من فات قديمه تاه٠

ومجهول كتب يقول

كل الإحترام لما ينشر حول الأفلام من نقد ايجابي وبنّاء ومن إعجاب شديد فإني لا أرى سبباً لهذا كله وذلك لسبب بسيط جدا: نحن محرومون من هذه الأفلام. وأنت بنفسك ذكرت في مقالاتك أن الناقد عليه أن يتواصل تواصلا جيدا مع جمهوره لكن الا ترى أن هذا التواصل لا يمكن ان يتم اذر لم يكن الجمهور قادر على مشاهدة الفيلم؟ طبعا أتحدث ٠

جواب | الناقد عليه أن يتواصل مع جمهوره سواء كتب عن فيلم لستيفن سبيلبرغ او لياسيجيرو أوزو، أي سواء أكان هناك أمل في أن يجد الفيلم طريقه الى العروض العربية او لا. بالنسبة للكتابة عن فيلم لا يستطيع المشاهد العربي مشاهدته، فأعتقد، وربما القراء معي في ذلك، أن الكتابة عن الفيلم تثبته في الوجدان والمعرفة وتحاول أن تعوّض النقص الحاصل. لنبقى متفائلين ونقول: يوماً ما سيشمّر أحد المستثمرين عن ساعديه ويفعل الشيء الصحيح فيؤسس شركة توزيع للأفلام البديلة والفنية. يوماً ما سيقرر مهرجان سينمائي عربي حفر خندق لكل سينما الأمس وأسماءه الكبيرة. الى ذلك الحين، نحن هنا سنواصل الكتابة عنها٠

والى الأخ عبد الله العيبان الذي كتب يقول معلّقا -أوّلا- على ما ورد هنا حول الممثل توم سايزمور
توم سايزمور، هذا غريب لكن أرجوك أن تكتب المزيد عن تلك اللحظات الخاصة في حياتك. مقال ابراهيم العريس كالعادة ممل. بلا رسالة كما لو كان يريد أن يملأ الصفحة٠

وينتقل الأخ عبد الله الى مجلة »فيلم ريدر« ويكتب
مقالة لطيفة عن رأفت الميهي. رائعة كما لو كنت أشاهد الفيلم نفسه. لكن ماذا عن الأخوين هيوز٠

جواب | لا أوافقك الرأي بالنسبة لكتابات الأخ ابراهيم العريس مطلقاً. هي بالطبع لها رسالة وفيها رأي لكن الأسلوب يختلف من ناقد الى آخر. بالنسبة لمقالتي عن »للحب قصّة أخيرة« أشكرك على ما ذكرته. أما الأخوين هيوز، هناك الأخوين فارلي مثلاً والأخوين وايتز وزوكر ...و هل لاحظت أنه عربياً لا يوجد أخوين عملا معاً كمخرجين الا الأخوين لاما في العشرينات؟ غريب. أليس كذلك؟

أريد أن ألفت نظرك الى أمر ما طلبته. الرجاء أن تبعث لي بعنوانك البريدي من جديد لأن لدي ما أكتبه اليك. تحياتي

والصديق عبد الرحمن عيتاني عاود الكتابة بعد انقطاع معلّقاً على موضوع العنصرية الذي نشرته هنا يوم أمس. يقول

والله يا عمّي متل العادة. حطيت إيدك على الجرح النازف في سلوكيات إبن العرب. العنصرية (الموضوع أدناه) داء ونحن اللبنانيين، كما قلت، خبرناه ولا نزال. جرّبناه على غيرنا وغيرنا جرّبه علينا. شكرا لهذا المقال الأكثر من جيد

جواب | والله يا عمّي كان يمكن أن أقول أكثر من ذلك، خصوصاً وأن اولئك الذين يمارسونه من السينمائيين والصحافيين منتشرين وهم مثل من يصب الزيت على النار. منتهى عدم الحضارة٠


بين الأفلام | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1 13.08.09 ــــــــــ
ملامح أفلام المهرجانات الخليجية الرئيسية الثلاث بدأت تتشكّل
3
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما الخليجية حقيقة موجودة .... حالها في ذلك حال كل السينمات الأخرى

من فيلم فيصل العتيبي الوثائقي "الحصن" (السعودية)٠

ذات مرّة، قبل نحو ثلاث سنوات، استوقفتني عبارة، على شكل سؤال، قالها لي زميل في المهنة: "هل تعتقد فعلاً أن أبناء الصحاري يستطيعون تحقيق سينما او حتى إقامة مهرجان؟ مهرجاناتهم هذه ما هي الا استعراضات للإبهار"٠

هذه العبارة كانت مدخلاً لحديث طويل تبعه بعد ذلك تحوّل محدود في موقفه غير عائد لجوابي على تساؤله ذاك (واستهجاني له في الأساس) بل لما رآه وتابعه من نتائج حققها أحد المهرجانات الخليجية وكيف أنه (المهرجان وليس الزميل) تبلور الى ما هو أكثر وأعمق من واجهة استعراضية٠

المشكلة التي يواجهها البعض منّا ربما نجد لها مماثلاً فرويدياً حيث أن الإنسان إنما يحاول طمر ما لا يرغب في مواجهته او التخلّص منه. وإنه حين يرتكب أثماً يحاول غسله. حين ينام مع عشيقته في أول خيانة لزوجته فإنه يستغل أوّل فرصة للإتصال بها (بعيداً بالطبع عن سمع عشيقته) ليقول لها أنه يحبّها. بذلك ردم الذنب بإتصال يبدو من الطرف الآخر بريئاً. لذلك، أيضاً، فإن مشهد جانيت لي في فيلم ألفرد هيتشكوك »سايكو« مشهد فرويدي بإمتياز. إنه المشهد الذي تدخل فيه ماريون (لي) الحمّام وتقف تحت الرذّاذ (او الدوش) لتغتسل. تغتسل من ماذا؟ من الإثم الذي ارتكبته متمثّلاً بسرقة مال مديرها والهرب به. لكن هنا، خلال غسل الذنب، يدخل عليها القاتل نورمان متخفّيا في زي أمّه (ولو أننا لا نعرف آنذاك إنه متخف) وينهال عليها طعنا. لقطة الى أرض الحمّام والدم (الفيلم بالأبيض والأسود) يتسارع نحو البالوعة. البالوعة بدورها (كذلك المرحاض في أفلام أخرى) رمز لوسيلة التخلّص من النفايات النفسية

من ناحيتها، وأنا لا أدّعي إنني عالماً نفسياً لكني أقرأ، فإن عملية التعميم قد تنتمي الى محاولة المعمّم أن يتخلّص من أشياء كثيرة عوض مجابهتها. في الحالة المذكورة أعلاه فإن التعميم يرضي القائم به من حيث هو استناد الى مفهوم عام لا يريد الغوص فيه لأنه لا يملك مقوّماته. لم يشاهد الأفلام الخليجية التي خرجت للعرض في السنوات العشر الأخيرة. لديه قناعة لا يستطيع الدفاع عنها جيّداً وهو لم يحضر مهرجاناً خليجياً (لنقل مهرجان السينما العربية الذي أقامه بسّام الذوادي في البحرين في نهاية التسعينات وتوقّف للأسف) ليقف على الجهد المبذول والنيّة الصادقة لإنجاحه. ولا مهرجان دبي الذي ليس أقل بذخاً من مهرجانات عربية وغير عربية أخرى، لكنه يتلقّى النقد على هذا البساط كما لو أنه ليس أكثر من حفلات وولائم وبضع ممثلين وكاميرات٠

من هذه الزاوية إذا ما كان من الخطأ تعميم الحديث عن السينما البرتغالية والسينما الأرجنتينية والسينمات الإسكندنافية، كيف يمكن تعميم الحديث عن السينما الخليجية؟ لماذا الممنوع هناك ممكن هنا؟
وشعب الصحراء؟ أليست الصحراء جزءاً من مكوّنات الثقافة في المغرب والجزائر وموريتانيا؟ ما علاقة ذلك بالإبداع؟ اليس الشعر العربي إبداعاً؟ أليس أسلوب الحياة الجاف الذي يولّد فهماً مختلفاً وعميقاً وموحياً للصحراء وللطبيعة ويفرز لُحمة الإنسان مع البيئة كما لو كان الشجر النابت فيها هو أيضاً نوعاً من الإبداع؟

بالتالي، قيام المخرجين بالوقوف وراء الكاميرا هو إبداع بقدر ما هو، بالنسبة لعديدين، تقليد. العين التي تقف وراء الكاميرا في السويد هي ليست ذاتها التي تقف وراء الكاميرا في السعودية او الكويت او في أي بلد خليجي آخر. كل عين مرتبطة عضوياً بأسلوب حياة وشبكة من المفاهيم وكنز من السلوكيات. الإختلاف جذري أيضاً من حيث أنه لا توجد جنّة على الأرض في أي مكان وبالتالي لا يوجد مكان أفضل من مكان الا بقدر ما يستطيع المرء إنجازه في مكانه. ما يمنع عن قسم كبير من المخرجين العرب، في أي بلد ناطق بالعربية او مشتقّاتها، من الإنتاج هو أمر منفصل عما يمنعه من الإبداع رغم أن كليهما متّصل بالآخر عبر شريان أو أكثر
العملية الإنتاجية تستند الى استعداد المنتج (فرداً، مجموعة أفراد، مؤسسة الخ...) الإيمان بفعل الإستثمار في هذا الشيء الذي أسمه سينما٠
العملية الإبداعية تستند الى إستعداد الكاتب والمخرج (معاً او في شخص واحد) ممارسة دوره في المعرفة أساساً والتعبير بعد ذلك عما يود الوصول اليه من خلال الصورة. وهو لا يستطيع فعل ذلك بمنأى عن الظروف التي تسمح او لا تسمح بعملية الإنتاج

السينما الخليجية موجودة واستخدام كلمة سينما ليس خطأ دون أن يعني ذلك أن وجودها هو وجود للصناعة ذاتها. ليست هناك صناعة بل هناك سينما تبحث عن ترتيب البيت الإنتاجي والصناعي لكنها لم تستطع كبح جماح رغبتها في الإنتقال من المتلقّي (لابداعات الغير) الى المورد لها. بالنتيجة الحتمية، وكما هو الحال من الهند الى بريطانيا ومن جنوب أفريقيا الى الصين، لا يمكن أن تكون كل الإنتاجات متساوية، وبل لا يمكن أن تكون متناصفة بين الجيد والرديء منها. أكثر من ذلك، معظم الإنتاج لابد أن يكون رديئاً او ضعيفا وما فوق وصولاً الى مستوى الوسط حيث ناحية او أكثر تعكس ما يستدعي الثناء وناحية او أكثر تستدعي الإنتقاد
هذا مطبّق في المغرب وفي مصر وفي لبنان وفي أذربيجان على حد سواء. في الدنمارك وفي فرنسا وفي الولايات المتحدة كما في البرازيل واستراليا وكل ما بين أي من هذه الدول. لمَ التعامل مع السينما الخليجية على أساس التعميم ثم لم التعامل معها على أساس التشويه؟

طبعاً هناك قدر من العنصرية ونحن العرب، ليس تعميماً ولكن على مستوى غالب، عنصريون (ولو أن العنصرية منبوذة دينياً، أسلامياً ومسيحيا) . هناك عنصرية تجاه المصريين وهناك عنصرية تجاه الخليجيين (وبينهم هناك تمايز قد يصل الى العنصرية) كما هناك عنصرية في كل بلد على حدة لا في العالم العربي بل في العالم بأسره. ولن أدخل في مفهوم العنصرية حتى ولو كان فهمها ضرورياً لمعرفة المسببات التي تدفع البعض لأن يكون سواء أكان سائق تاكسي ،مخرج او ناقد سينمائي، جزّار او حتى معلّم مدرسة. لكنها موجودة وفي أحيان كثيرة مدفوعة من الخلف لغايات سياسية هي ذات الغايات التي تريدنا أن نبقى متفرّقين: المصري غير السوري واللبناني غير الفلسطيني والجزائري غير التونسي والكويتي غير السعودي وهكذا دواليك. أكبر من ذلك: كل منطقة هي غير المنطقة الأخرى وأصغر من ذلك كل بلد يحتوي في داخله أقليّة تمارس ضرباً من ضروب العنصرية عليها (وهذه الأقلية قد تدافع عن نفسها بعنصرية مماثلة)٠
جئت من بلد خاض الحرب بمسميات مختلفة، لكن العنصرية هي القاسم المشترك: الطائفية، المذهبية، العنصر البشري، الأصول الوطنية. هذا مسلم وذاك مسيحي والآخر درزي ثم هذا سُنّى وذاك شيعي . وهل رأيت ذلك الكردي؟ والله الأرمن رأسهم ناشف وعنيد. او هؤلاء المارونيين... ينقلبون عليك في أي لحظة. البيروتي مغفّل والسوري متخلّف والجبلي غليظ والجردي جاهل ... وهل سمعت النكتة عن ذلك الحمصي، او ذلك اليهودي، او ذلك الخليجي او ذلك المصري (وفي مصر عن ذلك الصعيدي) وهل سمعت تلك النكتة عن أبو العبد البيروتي؟
في كل حرف منطوق تنضوي نمطيات يستخدمها المتحدّث معممّاً خصالاً سلبية ليمنح نفسه مستوى مميّزا وليباعد بين ما هو عليه (عنصراً، ديناً، جنساً الخ...) عن الآخر. بذلك يشعر لا بتفوّقه فقط (وهو تفوّق واهم)، بل ليدخل شرنقته التي اعتاد عليها والتي يأمن لها لأنها ما نما عليها وتآلف معها وأصبحت من خصاله وهي شرنقة محطّة نقد الآخرين من ذات الزوايا

من الروائي القصير »القنّاص« لداوود شعيل (الكويت)٠

ولادة ثانية
أعتقد ما سبق هو جزء من الجواب حول السينما الخليجية من حيث أن معارضتها عليها، إذاً، أن تستند الى مفاهيم واقعية لا علاقة لها بالنظرات المُسيّسة عنصريا. وأسوأ ما قد يعتقده البعض أنني أذ تحدّثت في هذا الموضوع، نصبت نفسي مدافعاً. فلا يوجد فريق بحاجة لدفاع فريق اخر الا إذا كان مستضعفاً ولا أخال أن هذا هو الوضع هنا. كل ما في الأمر أنني حاولت التمييز بين نظرة سائدة من الخارج تمهيداً للإنتقال الى الداخل الذي عشته من خلال ترددي على المنطقة وعملي في مهرجان دبي لثلاث سنوات ومشاهدتي أرطالاً من الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات العشر الأخيرة

ما كان ينقص السينما الخليجية هو الشاشة
الأفلام التي تم إنتاجها سابقاً في الكويت والبحرين والإمارات لم تخطو نحو درب مفتوح ولا هي كانت المقدّمة لأفلام تمشي وراءها. لم تفتح ولم تغلق بابا لأنه لم يكن هناك باب. بل شغف في البال لدى عدد من المخرجين الذين رادوهم الحلم فعملوا عليه وعانوا في سبيله ثم حققوه٠ حققوه من فراغ ولا يمكن لفيلم واحد أن يخلق سينما. السينما الفرنسية وُلدت بفعل سينمائيين وكل سينمائي بعدة أفلام في وقت واحد وفي ظرف مشترك لم يكن من الممكن إغفاله. الجمهور العريض طلبه

وولادة السينما الخليجية اليوم هي أقرب الى