Jul 31, 2009

#440 | سينما وأفلام إنغمار برغمن | قراءة أولى لأفلام مهرجان ڤنيسيا

هذا العدد
قبل عامين توفي المخرج إنغمار برغمن ما أوعزني بتخصيص هذا المحور الجديد عنه متناولاً سينماه وعرضاً نقدياً لثمانية عشر فيلماً من أعماله. هذا الموضوع بالإضافة الى مستجدّات مهرجان »فانيسيا« حيث تم إعلان الأفلام المشاركة في هذه الدورة الضخمة أجّلا مواضيع أخرى كانت مبرمجة وكتابات من الأصدقاء والزملاء حتى العدد المقبل بإذن الله٠


ثلاثة أفلام مصرية وآخر تونسي في دورة فانيسيا
الجديدة
فيلم إسرائيلي جديد عن حرب 1982 في لبنان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

The Road (US)

قراءة مسبقة لأفلام الدورة 66 من مهرجان فانيسيا السينمائي بعد اعلان كافّة الأفلام المشتركة صباح يوم أمس. في هذه الحلقة من حلقتين تركيز على الإشتراكات المصرية (ثلاثة) وتقديم للفيلم الإسرائيلي »لبنان« كما في الأفلام الأميركية المشاركة٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما لم تصب دورة مهرجان "كان" الماضية بعوارض مرض الأزمة الإقتصادية، فإن دورة مهرجان فانيسيا التي تحمل الرقم 66 تخلو أيضاً من تلك العوارض ولو أن هناك فيلمين -على الأقل- يتحدّثان عن الواقع الإقتصادي الأميركي الذي ربما عانى أكثر مما عانته الدول الأوروبية الغربية الى اليوم٠

Capitalism : A Love Story

الفيلم الأول هو »الرأسمالية: قصة حب« وهو الفيلم الوثائقي الجديد للمخرج مايكل مور. الثاني هو الروائي الجديد لستيفن سودربيرغ وعنوانه »المخبر«. في »الرأسمالية....« يدق المخرج المعروف إسفينا جديداً في سياسة الرئيس السابق جورج و. بوش وكيف آلت التركة الإقتصادية الصعبة الى عهد أوباما. سنرى مور لا يزال يحاول التسلل الى عرين المؤسسات الإقتصادية الضخمة وسنرى الأمن يرفضه، لكنه لا يستطيع أن يلجم رأي مور بما قامت به تلك المؤسسات فيطلق على ما قامت به من تحويل بلايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الى مؤسسات اقتصادية خاصّة عبارة: "أكبر سرقة في تاريخ الولايات المتحدة"٠

فيلم سودربيرغ يختلف، ليس لأنه فيلم روائي بل لأنه يمنح الأزمة طابعاً كوميدياً متحدّثاً عن الموظّف ويتماكر الذي يتاح له الإطلاع على خفايا المؤسسة الإقتصادية الكبيرة التي يعمل بها وكشف تلاعباتها بأموال المودعين فيتبرّع بمعلوماته للأف بي آي ويرضى أن يكون مخبرهم داخل المؤسسة، لكن حينما تتعقّد الأمور سنرى ويتماكر (كما يؤديه مات دامون) يفقد توازنه وتحالفاته تبدو غير واثقة وبنتيجة ذلك يبدأ الخلط بين ما هو واقعي وما هو خيالي في العمليات التي يرصدها٠

فيلم مور آيل الى مهرجان تورنتو بلا ريب، لكن من غير المؤكد بعد إذا ما كان فيلم سودربيرغ سيحذو حذوه. في الحالتين هما في عرض عالمي أوّل في فانيسيا في حشد أميركي كبير نجح رئيس المهرجان ماركو موللر في استقطابه ومترجم عبر سبعة عشر فيلماً مختلفاً٠
في المسابقة الرسمية ستة أفلام أميركية، اي بزيادة فيلم عن السنة الماضية. بعدها تأتي فرنسا وايطاليا بأربعة أفلام لكل منهما ثم المانيا والصين بفيلمين لكل منهما٠ ثم فيلم من كل من مصر والنمسا وسري لانكا واليابان واسرائيل مع فيلم غير معلن عنه الآن وسيكون »مفاجأة المهرجان« كما أعلن مولر
ولا وجود لفيلم بريطاني في هذه المسابقة هذه السنة (ولم يكن هناك فيلم بريطاني في مسابقة العام الماضي أيضاً) لكن أيضاً لا وجود لأفلام أسبانية، برتغالية، هولندية او اسكندنافية (نروج، سويد، دنمارك، فنلندا)٠
لكن هناك مخرجون من هويات أخرى يقدّمون أفلامهم بهويات مختلفة. ذكرت هنا قبل أيام قليلة أن فيلما
Mr. Nobody جديداً للمخرج البلجيكي جاكو فان دورمل بعنوان
لابد آيل الى مهرجان رئيسي في هذا النصف الثاني من العام، وهو بالفعل آل الى رزمة فانيسيا داخل المسابقة، لكن ليس بإسم بلجيكا بل بإسم فرنسا علماً بأن جزءاً من التمويل جاء من بلجيكا وكندا- على الأقل، لابد لي من الملاحظة، أفضل ذكر إسم بلد كمصدر عوض ما يفعله "كان" من لفلفة لا معنى لها٠
والمخرج الألماني ڤرنر هرتزوغ يعرض فيلمه الجديد »ملازم سيء: مرفأ نيو أورليانز« تحت علم أميركي وذلك لأن الإنتاج من شركة ادوارد ر. برسمان الأميركية ٠ هذا الفيلم تم الإعلان عنه في "كان" السنة الماضية وهو ذاته الفيلم الذي قام المخرج آبل فيريرا بتحقيق قبل سبعة عشر سنة مع هارڤي كايتل في البطولة لاعباً شخصية ليوتاننت في شرطة نيويورك يقوم بكل الموبقات والمخالفات٠ آمل أن يكون الفيلم أفضل قليلاً من نسخة فيريرا علماً بأن السيناريو جديد علي أي حال وربما الأحداث، حسب العنوان، تنتقل من نيويورك الى نيو أورليانز

A Single Man الأفلام الأميركية الأخرى هي »عازب«٠
إخراج أول مرّة من ممثل ظهر في فيلم واحد من قبل لاعباً دور خيّاط في فيلم »كم العزاء« لمارك فورستر (آخر بوند) أسمه توم فورد ويعرض هنا دراما حول بروفسور (كولين فيرث) يحاول مواصلة طريقه في الحياة بعدما خسر المرأة التي أحب. في الفيلم البديعة جوليان مور أيضا٠
الفيلم الأميركي الثالث في المسابقة هو »الطريق« لجون هيلكوت وهذا من بطولة تشارليز ثيرون وفيغو مورتنسن وغاي بيرس وروبرت دوڤال وهو فيلم مستقبلي، إنما بنبرة قد تكون درامية أكثر منها خيال علمية، حول عائلة تحاول البقاء على قيد الحياة بعد دمار العالم٠
أيضاً »الحياة خلال زمن الحرب« كوميديا للمخرج المستقل تود سولونتز عن وضع العالم وحروبه المتتعددة مطروحاً في الأحاديث التي تتبادلها شخصيات الفيلم مع سياران هيتد، آلي شيدي وشارلوت رامبلينغ من بين آخرين٠

المخرج أحمد ماهر
الأفلام المصرية
هذه المرّة هناك ثلاثة أفلام مصرية واحد في المسابقة والآخران خارجها. إنها مفاجأة طيّبة ولابد أنها ستترك أثراً إيجابياً على تلك الرغبات المدفونة حالياً تحت غبار التجاهل، رغبات السينمائيين في مصر في نبذ ما استطاع من أفلام لا تتقدم بمسيرة الإنسان وتشجيع السينما المشغولة بطموحات وتبعاً لآفاق تتجاوز الحدود٠
طبعاً فيلم المسابقة هو »المسافر« لأحمد ماهر. فيلم عبر ثلاثة أزمنة (1948, 1973 و2001) وثلاثة أماكن (بورسعيد، الإسكندرية والقاهرة) ولا يخفي اختيار المخرج لتلك الأماكن ولا -أساساً- لتلك السنوات: النكبة الفلسطينية وحرب اكتوبر ثم العملية الإرهابية في نيويورك وما آلت إليه. وهو الإنتاج الأول لوزارة الثقافة لكن الفضل في لفت النظر اليه، كما يقول المخرج في حديث له في »الشروق" المصرية يعود الى الناقد ورئيس الرقابة علي أبو شادي الذي قرأ السيناريو وأعجب به٠
الفيلم الثاني هو »أحكي يا شهرزاد« للمخرج يسري نصر الله وهو الفيلم الذي وجد آراءاً متناقضة حوله، ثم هناك »»واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى المخرجة التي تصر، من حسن الحظ، على أنجاز أفلام مختلفة آمل أن يكون هذا واحداً منها٠
هناك فيلم تونسي بعنوان »اسرار مدفونة« لرجا عماري وهو، مثل فيلم كاملة أبو ذكرى معروض في قسم »آفاق« المائل الى الشبابية٠
لا شيء من لبنان، لكن هناك فيلم اسرائيلي يحمل إسم لبنان سبق لهذه المجلة أن ذكرته في تقرير عن الأفلام الاسرائيلية التي يتم تصويرها، وكان مفترضاً به دخول مهرجان برلين في مطلع هذه السنة: هل عرضه المخرج سامويل مواز على برلين ورفضه؟ على كان ورفضه وقبل به فانيسيا؟ أم أن الإنتاج تأخر ولم يلحق لا ببرلين ولا بكان ؟

Lebanon

مهما يكن فإن اختيار الفيلم لمسابقة فانيسيا هو فوز مشهود لمخرجه كونه أول فيلم يحققه. مثل فيلمين اسرائيليين خرجا على التوالي هما »بيوفورت« (2007) و»الرقص مع بشير« (2008) هذا فيلم ثالث عن الحرب اللبنانية- الإسرائيلية. الأول بقي على الحدود والثاني تمحور حول مذبحة صبرا وشاتيلا أما هذا الفيلم فيدور حول التوغّل الإسرائيلي في لبنان في العام 1982 (زمن »الرقص مع بشير«) من خلال قصّة أربعة جنود اسرائيليين في دبّابتهم التي تتعرّض للهجوم وكيف أن الكتائب اللبنانية (هي ذاتها التي يقف خطيبها في البرلمان ليقول إنه لا يمانع مصافحة اسرائيل) تهب لنجدتها. الفيلم يتحدّث عن جنود الدبّابة كضحايا الحرب لكن لا علم لي الآن ما إذا كان الفيلم ضد تلك الحرب او يتحدّث عن البطولة والواجب كما فعل قبله »بيوفورت«.. مثل آري فولمان، مخرج »الرقص مع بشير« خدم المخرج مواز في الجيش الإسرائيلي وكان من جنود احتلال بيروت حينها٠

المحوَر
صور وأحلام وذكريات معذّبة في سينما إنغمار برمغَن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا



حين سمعت بإنغمار برغمَن لأول مرة جاء الإسم مقروناً‮ ‬بكلمتين‮: ‬فنان صعب‮٠ ‬والفيلم الأول الذي‮ ‬شاهدته له،‮ ‬وهو‮ »‬عاطفة آنا‮« (1968) ‬مع الأربعة الذين شكّل برغمَن جزءاً من تاريخهم عبر الإستعانة بهم مرارا وتكراراً: ليڤ أولمن وبيبي أندرسن وإرلاند جوزفسون وماكس ڤون سيدو.‮ ‬لم أفهم ما‮ ‬ كان يدور وقتها جيّداً‮. لكن الفيلم كان غامضاً لي آنذاك وما ‬ توصّلت إليه من رأي لم‮ ‬يكن مقنعاً‮. ‬ ولم تكن الإجابات متوفّرة عندي حيال المواضيع المطروحة ولا حيال الوسائل المطروحة عبرها٠
لاحقاً ما يتعلّم المرء استخدام مفتاحه الخاص لفك افلام برغمن، خصوصاً الأولى. ليس لأنها لغزية ومستعصية، بل لأن الناظر إليها (للمرّة الأولى) سيواجه بسرد منفرد في نوعه ومختلف تماماً عن أي سرد آخر. ولأن الإنتقال الدائم بين عوالمه المختلفة (أماكن وأزمنة كما حالات وأوضاع ذهنية) لا يتم بتنازلات من أي نوع، بل يتطلّب أن تمعن وتفسّر مستنتجاً من قوّة الصورة واسلوب التواصل المفروض عليك مشاهداً٠

في‮ ‬تقسيم أفلامه الى ما هو سينمائي‮ ‬وما هو تلفزيوني‮ (‬ثم بين ما هو روائي‮ ‬وبين ما هو وثائقي‮ ‬او‮ ‬غير روائي‮) ‬تتبدّى‮ ‬أعمال برغمَن مثل جزر صغيرة داخل بحر بعيد‮. ‬إنها منفصلة من حيث النوع،‮ ‬متّصلة من حيث تلك النفسُ‮ ‬التي‮ ‬أخرجتها ومنحتها الفكر والرؤى‮. ‬آخر فيلم سينمائي‮ ‬قام بتحقيقه‮ (‬أي‮ ‬خصيصاً‮ ‬للسينما‮) ‬كان‮ »‬فاني‮ ‬وألكسندرا‮« ‬سنة‮ ‬1982
قمت بإحصاء‮ ‬غير معتمد على مسلّمات الإنترنت ووجدت أن برغمَن أخرج تحديداً‮ ‬37‮ ‬فيلماً‮ ‬سينمائياً‮ ‬بدءاً‮ ‬من‮ »‬أزمة‮« ‬سنة‮ ‬1946 ‮ ‬وإثنا عشر فيلماً‮ ‬للتلفزيون بدءاً‮ ‬من العام‮ ‬1957‮ ‬حين أخرج عملاً‮ ‬عنوانه‮ »‬السيد سليمان آت‮«‬
Mr. Sleeman is Coming
وحقق إحدى عشر فيلماً‮ ‬وثائقياً‮ ‬أوّلها‮ »‬وثيقة فارو‮« ‬سنة‮ ‬1969‮ ‬وأخرج فيلمين وثائقيين قصيرين أوّلهما‮ »‬وجه كارين‮« ‬وكارين هو أسم والدته وذلك سنة‮ ‬1984‮ ‬أي‮ ‬بعد تسع سنوات على رائعة‮ ‬أندريه تاركوفسكي‮ »‬المرآة‮« ‬التي‮ ‬تذكّر فيها وجه أمّه أيضاً‮٠ ‬كذلك كان له اشتراك مع نحو عشرة مخرجين آخرين في‮ ‬فيلم‮ ‬
Stimulantia
سنة‮ ‬1967 ‮ ‬ومن بين الذين أخرجوا الأجزاء الأخرى‮ ‬يورن دونر،‮ ‬وهو سينمائي‮ ‬متأثر ببرغمن،‮ ‬وأرلاند جوزفسون،‮ ‬وهو ممثل في‮ ‬العديد من أفلامه وفيغوت سيومان الذي‮ ‬قام بعد ذلك بتحقيق فيلم وثائقي‮ ‬عن برغمَن وهو فيلم نيّر‮ (‬ووحيد من نوعه‮) ‬يعمد الى تسجيل قيام مراحل عمل برغمن على أفلامه من الكتابة الى المونتاج وعنوانه
‮»‬إنغمار برغمن‮ ‬يصنع فيلما‮«. ‬وعدد الأفلام التي‮ ‬مثّلها ثلاثة عشر فيلماً‮ ‬اما تلك التي‮ ‬كتبها‮ (‬لغيره او لسواه‮) ‬فتبلغ‮ ‬68‮ ‬فيلماً‮٠‬
مثّل المخرج الراحل إنغمار برغمن الجنوح للأقصى في عملية البحث عن القضايا النفسية المغلقة في باطن شخصياته. ولم يكن ذلك بعمليات تصويرية معقّدة. لم يكن لديه رغبة في تحويل الكاميرا الى شكل قائم بذاته يعيق حركة الشخصيات ويقطع دابر التواصل بين المشاهد وبين ما يقع على الشاشة. بل جعلها عيناً راصدة، متابعة، متأمّلة ما زاد صعوبة استيعاب المعنى الماثل من وراء حركتها المحسوبة، ناهيك عن الصعوبة في تفسير التداعيات الفكرية وقد حوّلها المخرج الى بصريات تنتقل ما بين الخيال والواقع واليوم والأمس من دون حواجز او تمهيدات
الوسيلة كانت بسيطة. اللقطات واضحة. لكن الربط بين ما يقع في هذه اللحظة وبين ما يقع في اللحظة التالية لم يكن بالسهولة والبساطة ذاتها في تلك الأيام، ولا زالت تحدّياً بالنسبة لمن لم يشاهد أعماله بعد. واحد من الأمثلة في هذا المجال نراه في فيلمه الرائع »برسونا« (1966) من حيث ما يقع في تلك اللحظة واللحظة التي داخلها: بيبي أندرسون تتحدّث عن حكاية بدت ممتعة صالحة للترفيه حول ذكرياتها الشابّة على شاطيء البحر، لكن فجأة ما نجد أنفسنا نتّجه معها الى شكل الإعتراف، والى تحوّل الخفّة وانضوائها الى غموض وألم الذاكرة. الكاميرا هنا تترك بيبي أندرسن تتكلّم وتتعلّق بوجه مستمعتها ليڤ أولمان التي تتابع الإعترافات بصمت مطبق٠ لماذا؟ ما الذي في عمق تلك الذكرى/ النفس ما ينقل صاحبتها من حال الى آخر؟
في فيلمه الأسبق »الصمت« (1963) الحكاية مختلفة. النتائج متشابهة: شقيقتان سويديّتان أكبرهما سناً هي إيستر (إنغريد ثولين) الأخرى أسمها آنا (غونل لندبلوم) التي تصحب معها إبنها الصغير٠ يصل الثلاثة الى بلد غير محدد. لا يفهمان لغته (لكنه بلد أوروبي). تلازم ايستر حجرة العائلة في ذلك الفندق شبه المهجور، بينما تذهب آنا الى السينما وحين تعود، بعد مشاهدة شاب وفتاة يمارسان الحب في قاعة السينما، تجلب معها رجلاً لتمارس الحب معه. عمل يثير امتعاض شقيقتها إيستر... لكن ليس مطلقاً من زاوية أخلاقية. إيستر تحب آنا حباً مثلياً مكبوتاً٠
سيجد الباحث أن كلا الفيلمين المذكورين يتعاملان وقدر من العلاقات العاطفية بين إناثهما. في الأول، هي تلك اللقطات الصامتة لتقارب مزدوج المعنى. في »الصمت« يذهب التعامل الى حد الصراحة اللفظية٠ لكن ما يستوجب التوقّف عنده قبل الإسترسال وإلقاء الأسئلة أمر بالغ الأهمية قد يقلب المتوقّع من المفاهيم رأساً على عقب (وهذا المتوقّع هو الذي ساد في تفسير معظم النقاد الذين أدلوا بدلوهم في عملية فهم برغمن وأعماله)٠


نوع من الحلم

أعمال برغمن المختلفة التي أنجزها للسينما قلّما دارت عن مجموعة كبيرة من النساء. غالباً ما هناك إمرأتين أساسّيتين في الفيلم: الأمر كذلك في »الصمت« وفي »برسونا« وفي »وجه لوجه« و»سوناتا الخريف« و»الفريز البري« و»ساعة الذئب« و»العار« و»عاطفة آنا« و»اللمسة« الخ...
الإستثناء الكبير كان »صرخات وهمسات« (1972) حيث اقتبس المخرج الفيلم من مسرحية (كتبها لارس أو كارلبيرغ) واحتوت على أربعة شخصيات نسائية أساسية (قمن بها هاريت أندرسون، كاري سيلفن، إنغريد ثولين وليڤ أولمان) و»فاني ألكسندر« (1982) مع عدد كبير من الممثلات (والممثلين)، لكن حينها، كان برغمن قد بدأ يوسّع من إطار حكاياته خارجاً عن النطاق المحدود من الشخصيات التي كان يعمل عليها سابقاً وحتى خلال العقد الذي قدّم فيه »صرخات وهمسات«٠
حقيقة أن العديد من أفلامه تحمل ممثلتين رئيسيّتين تحتلان الشاشة متساويين وتتبادلان مواجهات نفسية وعاطفية عميقة يدفع بالناقد الممعن للتشكيك في أن الرغبة هي فعلاً الحديث عن قصّة فيها إمرأتين. لم لا يكون الأمر أن المخرج إنما يسرد قصّة فيها إمرأة واحدة وشخصيّتها الأخرى٠
هناك أكثر من إيحاء في فيلم »برسونا« على أن ألما الممرّضة (بيبي أندرسون) هي الإمتداد النفسي للممثلة إليزابث (ليڤ أولمان) التي فجأة ما آثرت الصمت وتطلّب الأمر الى توجههما الى منزل منعزل على البحر لفترة استجمام على أمل أن يحسّن ذلك من صحّة اليزابث النفسية٠ ما تسرده الممرضة دائماً ما يبدو كما لو أنه يحدث صدى في ذات المرأة الصامتة. وبل نرى في أحد المشاهد كلاهما وقد أصبحا شخصاً واحداً في نوع من الحلم. حتى حينما تعودان من المنتجع الى المستشفى... ليس هناك أي تأكيد أنهما خرجا من ذلك المستشفى على أي حال. ربما كل شيء هو في عقل اليزابث الباطني٠
كذلك يمكن النظر الى آنا وايستر... واحدة منطلقة في علاقات متحررة والأخرى كابتة عواطفها الى حد بعيد. كل منهما تواجه الأخرى من موقف مضاد. الحوار بينهما (في بلد لا يفهمان لغته) يؤكد هذا التضاد من جهة ويرسم صورة، ولو كلامية تتحوّل فيما بعد الى تعبيرية، لإمرأة تتبادل الحديث ونفسها٠

شريط

لقد عُرف عن برغمن إنه كان يمضي وقتاً طويلاً وهو يفكّر في عمله المقبل (أسابيع وأشهر او حتى سنوات وكثيرا ما كتب وهجر ما كتب ثم عاد إليه) وهو اتبع بعد ذلك الطريق الذي يتّبعه كل من يريد التأكد من أن ما في باله هو الذي سيصل الى الشاشة بطريقته هو. وأوّل خطوة في هذا الصدد هو أن يكتب السيناريو بنفسه. وهو كان في البداية شديد الحرص على إيصال رؤيته الى حد أن كل التفاصيل التي في باله عليها أن تُنفّذ كما يريد بما في ذلك الطريقة التي على الممثل او الممثلة نطق الكلمة وتحريك اليد او نوع النظرة٠ لكن لاحقاً ما أخذ يمنح ممثليه حريّة أكبر٠ إنها الفترة التي سبقت بأعوام قليلة الفترة التي بدأ فيها يفكّر بالتنوّع: الفيلم الملوّن، عوض الأبيض والأسود. الفيلم ذي اللغة الإنكليزية مع ممثلين أميركيين (ولو أنه كان أوّل المنتقدين لها)، الفيلم الأكبر إنتاجاً والأوسع دائرة أحداث مما كان يقدم عليه سابقاً. هذه كانت بمثابة خطوات إضافية قسّمت معجبيه بين من وجدها ضرورية ونوع من التطوير وبين من وجدها ابتعاد عن صرح أعماله السابقة٠
لكن بعض تلك المفاتيح الخاصّة التي في أفلامه السابقة إذا ما شوهدت اليوم لا تحمل ذات الغموض، على كثرة ما شاهدناه من أعماله، لكنها لا زالت بارعة٠
هناك ذلك المشهد في فيلم »الفريز البرّي« (1957) حيث بطل الفيلم د. اسحاق (قام به ڤكتور سيوستورم الذي كان بدوره مخرجاً) رجلاً ودّع سنوات الشباب وقرر العودة الى البيت الذي ترعرع فيه. وحيداً، نراه يقترب من أشجار الفريز (الفراولة) ويرى الفتاة التي كان يحبّها وهي تجمع الثمار في سلّة. يرى الشاب الذي كان يحبّها وقد اقترب منها ليساعدها (وفي الأساس لكي يستغل الفرصة ويصاحبها). بعد ذلك، د. اسحاق جالس حيث كانت هي وشريط الذكريات لا يزال يتواصل ولاحقاً ما نراه، شاباً، داخل المنزل ذاته٠
حين مشاهدة الفيلم اليوم، من السهل إدراك أن الشاب الذي كان يغازل الفتاة هو إسحاق نفسه وأن العجوز إنما يتذكّر ونحن نشاهد ما في باله. لكن آنذاك، كان الوقع غريباً. ليس أن المشاهدين لم يتبيّنوا ما نتبيّنه اليوم، لكنهم كانوا أقل استعداداً لمشاهدة تركيب بسيط في التقنية وعميق في الدلالة في فيلم دخل من تلك التي اعتبرت أنها وُلدت كبيرة حينذاك وبقيت على هذا الوضع الى اليوم

حسب مذكراته الشخصية المنشورة سنة 1988 تحت عنوان معبّر هو »المصباح السحري« وقع إنغمَر برغمَن في حب الفن منذ أن دخل المسرح لأول مرّة حين كان في الخامسة من عمره. كتب: "من حينه، عشت عالماً خياليا من صنعي لازمني ولم أحد عنه او أفكر في صدّه"٠

وُلد في 1918 في مدينة أوسالا، في السويد. والده كان راعي أبرشيه لوثرنية قبل أن يُصبح قسيساً للعائلة الملكية. الصبي برغمن نشأ في بيت محافظ ومتشدد فيما يتعلّق بالمناهج والتعاليم الدينية- لا عجب أن أفلام المخرج طرحت مفاهيم دينية مناوئة تكشف عن قدر ملحوظ من التمرّد على المسلّمات. الى الدين والأخلاقيات (أين الصواب وأين الخطأ في السكوك الإنساني؟) طرحت أفلام المخرج قضايا شائكة تتعلّق بدواخل النفس البشرية وما يدور فيها وبالسير على حافة ضيّقة بين الحياة والموت. لجانب معالجتها قضايا وحدة الفرد في أعماقه هرباً من المواجهة او خوفاً من كشف مستور أخفته لكنها لا تستطيع أن تنساه
تخرّج برغمَن من الجامعة في ستوكهولم سنة 1940 وبعد عام واحد عمل كمخرج مساعد في مسارح المدينة، ثم أخذ يعمل مستشاراً للسيناريوهات. في العام 1944 كتب: عذاب
Hets/Torment
Alf Sjoberg الذي أخرجه ألف سيوبيرغ
وكان أحد مشاهير السينما السويدية الى الستينات او نحوها. بعد عامين أخرج برغمَن : أزمة
Kris/ Crisis
‬وكان ذلك تمهيداً لعدّة أفلام كتابة أحياناً وإخراجاً وكتابة أحياناً أخرى، لكن لا شيء كان مميّزا من بينها لحين تحقيقه
fängelse/ The Devil's Wanton/ خليع الشيطان
وفيه حكي قصّة مخرج سينمائي بأزمة وجودية مع بعض أصدقائه إثر إنتحار صديقته العاهرة، تقترح ما كان أستاذ الحساب قاله له من قبل وهو أن الأرض هي الجحيم فعلاً.
في الخسمينات تبلورت المعالم الأولى لأسلوب برغمَن البصري والتنفيذي العام. كانت أفلامه آنذاك في خوض التجريب واستبدال بعض ما يُطرح في واحد من أفلامه بآخر ولو في حدود التفاصيل. هذه الأفلام كانت »الصيف مع مونيكا« و»ثلاثة قصص غريبة« و»نشارة الخشب والبهرجة«.
رغم أن بعض هذه الأفلام عُرض خارج السويد، الا أن برغمَن كان على موعد مع شروق شمسه في النصف الثاني من الخمسينات عندما أكمل ضبط شؤون وتفاصيل عالمه وأطلق »الختم السابع« و»الفريز البري« وكلاهما سنة ١٩٥٧
وما أن حلّت الستينات حتى كان إنغمَار برغمَن سطا على إهتمام المجتمع السينمائي الدولي بأسره عبر سلسلة لا تٌنسى من الأفلام مثل »الصمت« و»برسونا« و»ساعة الذئب« و»عار« الخ
في السبعينات استمرّت أفلامه تؤكد خامته الذكية وموهبته الفذّة في التعامل مع الذات البشرية: »اللمسة«، »صرخات وهمسات«، »وجهاً لوجه«، »سوناتا الخريف« وسواها
في الثمانينات خف زخمه السينمائي في مقابل إنشغاله المسرحي والتلفزيوني. لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز »فاني وإلكسندرا« (١٩٨٢) كواحد من أفضل أعماله قاطبة. في التسعينات خف الزخم أكثر والواحد يجب أن يذكر أنه بوجود جيل جديد من النقاد واختلاف الحياة الثقافية عما كانت عليه من قبل فإن إنجاز برغمَن (نحو ٠٥ فيلم ) حتى ولو كان لافتا وجيّداً لم يستقبل في النصف الثاني من الثمانينات وما بعد، بنفس الحرارة والحفاوة السابقتين. في العام ٢٠٠٣ أنجز لحساب التلفزيون فيلماً رائعاً عُرض سينمائيا أيضاً إنما بنسخة مختصرة هو »ساراباند«، لكنه أستقبل من النقاد الغربيية بفتور عام، مع استثناءات، علماً بأن ما حاكه المخرج فيه أسلوبياً وكمشاغل فكرية، هو ذاته الذي حاك به أفضل أعماله السابقة

أفلام

أول فيلم شاهدته لبرغمَن كان »عاطفة آنا« في بيروت سنة 1970 والثاني كان »صرخات وهمسات« بعد عامين والثالث »اللمسة« الذي سبق »صرخات وهمسات« بعام لكني لا أذكر لماذا شوهد لاحقاً. »عاطفة آنا« و»صرخات وهمسات« شوهدا أكثر من مرّة (الأول مرّتين الثاني ثلاث مرات). أما »اللمسة« فلم تتح لي مشاهدته مرّة ثانية مطلقاً ولا أعتقد إنه متوفّر على أسطوانات، لكن ملاحظاتي عنه ومقالتي المنشورة في صحيفة »المحرر« آنذاك تفي استخلاص الرأي فيه بعد كل هذه السنوات. هذا على عكس »وجه لوجه« الذي لم أجد مقالتي عنه ولم تفدني كثيراً تلك الأسطر القليلة التي وضعتها بعض تي له ما منعني من العودة اليه هنا فاستبعدته من هذا السجل٠
أفلام أخرى ليست مذكورة هنا وبعضها بالغ الأهمية بالنسبة لدارسي برغمن. لم أشاهد مثلاً »من خلال منظار داكن« ولا »الساحر« من قبله او »حافّة الحياة« سنة 1958 رغم أني شاهدت أفلاماً سابقة لذلك الفيلم بفضل عروض »معهد الفيلم البريطاني« وموسم لأفلامه على شاشة صالة متخصصة لا علم لي إذا ما كانت لا تزال موجودة تكمن ناحية ترافيلغر سكواير٠
معظم أفلام برغمن من العام 1962 شوهدت وإن لم يكن حسب تعاقب انتاجها (فيلمه البديع »فريز بري« شاهدته قبل ثلاثة أشهر لأول مرّة)٠
تتألّف هذه البانوراما من ثمانية عشر فيلماً أكثر من كافية لتقديم برغمَن لمن يرغب علماً بأن أفضل تقديم هو سعي القاريء لمشاهدة أي منها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1955: Smiles of a Summer Night *** | إبتسامات ليلة صيف

ملخص: فردريك (غونار بيورنشتراند) محام ناجح يصطحب زوجته الشابّة آن (أولا جاكوبسون) الى مسرحية تقوم ببطولتها عشيقته السابقة (ايڤا دولبك). فردريك كان تزوّج من آن مباشرة بعد وفاة زوجته، لكنه الى الآن لم يقم علاقة معها كما سيكشف الفيلم، لكنه مستعد لإعادة مجرى العلاقة مع عشيقته لولا أن الأمور ليست على سابق عهدها٠

تقييم: يسبر برغمن غور شخصياته متّخذاً إياها سبيله للتعليق الإجتماعي الناقد وللسخرية الكوميدية (في بعض المشاهد) من شخصياته: إنها لا يمكن أن تكون سويّة (خصوصاً تلك الرجالية) حين تكيل بمعيارين لتسمح لنفسها ما تمنعه عن الآخرين. والممثلة تريده (ما يدفعك للتساؤل عن السبب في رغبتها هذه، وهو سبب يتركه المخرج غير معلوم) لنفسها لكن ليس من قبل مصارحته بما كان يجهله حين افترقا٠ مفهوم الحب والخيانة وكشف الماضي من خلال تلك المواقف الصدامية تشكّل معالجة المخرج المفضّلة هنا وفي أعماله السابقة. إدارة شبه مسرحية للمشاهد (بالأبيض والأسود) واتكال شديد على الحوار. رغم أن الحوار هنا ليس ثرثرة الا أنه يقحم الفيلم في زاوية تاريخية تبدو عتيقة اليوم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1957: The Seventh Seal *** | الختم السابع


ملخص: يعود المحارب أنطونيوس (ماكس ڤون سيدو) الى بلدته السويدية بعد تمضيته عشر سنوات مشتركا في الحملة الصليبية مع خادمه (غونار بيورنشتراند). إنه ينشد الحياة التي ألفها سابقاً ليكتشف أنها تبدّلت: التطرّف الديني سائد والطاعون يبيد البشر. إيمان المحارب بربّه يتعرّض للشك وحين يظهر له ملك الموت يمستمهله عارضاً عليه لعبة شطرنج قبل أن يرحل يقررا التجوال في البلاد للإجابة على تساؤلات انطونيوس٠

تقييم: اقتبس برغمن الفيلم من مسرحية كان كتبها وقدّمها قبل سنوات. هذه المرّة لا يحمل الفيلم جذوراً من الفن الآخر الا بمقدار ما هو تلقائي الحدوث. الحوار المكثّف المختزن للكثير من الرمزيات بالغ الأهمية والمواقف كذلك وطريقة تصويرها (مدير التصوير غونار فيشر الذي تعاون مع برغمن قبل أن ينتقل المخرج بأفلامه الى سڤن نكڤست) إنها مواجهة بين الحياة والموت وبين بطل الفيلم ونفسه المتسائلة عن معنى الوجود إذا ما كان الألم ملازم للحياة٠ إنه ليس فيلماً تاريخياً بل دراما وجودية ميتافيزيقية كاسرة للتقليد في قالب من الأفلام التي تستثمر رحلة طريق لطرح اسئلة بعضها يبقى بلا إجابات ولعرض مجموعة من الإكتشافات الذاتية لدى القائمين بتلك الرحلة٠الفيلم معروف عنه أنه معاد لفكرة وجود الله (سبحانه وتعالى) لكن برغمَن لم يندفع في تبن ذلك من عدمه (هناك شخصية مؤمنة غير متطرّفة يعرضها المخرج علينا بإضاءة إيجابية). الفيلم مناسب بالأبيض والأسود لموضوعه القاتم ولتاريخ أحداثه (لكن برغمَن صوّر أفلاماً حديثة بالأبيض والأسود أيضاً وكانت جميلة). وهناك إيحاء بمعاداة الحرب عبر وضع الأحداث في الفترة الصليبية بالتوازي مع كتابة الفيلم وإنتاجه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1957: Wild Strawberry **** | فريز (فراولة) بريّة


ملخص: بورغ (ڤكتور سيوستروم) طبيب يحتفي بمنحه الدكتوراه الشرفية في يوم افتتاح أحداث الفيلم. إنه اليوم الذي يقرر فيه ترك المدينة الى بيت ريفي نشأ فيه. تتبرّع زوجة إبنه ماريان (إنغريد ثولين) بقيادته الى هناك. حين الوصول، بعد محطّات، تتداخل الأزمنة في بال بورغ ويستعيد بعض ماضيه صوراً وحواراً٠

تقييم: لا يزال الفيلم أحد أرق الأفلام التي أخرجها برغمن الى اليوم وناضح بكل الأفكار التي عرفتها سينماه منذ تلك الفترة والى نهاية عصره الذهبي مع مطلع السبعينات. الطريقة التي يدلف بها بطله العجوز من اليوم الى الأمس رائعة. فلاشباك من دون التمهيد والتقطيع التقليديين. بورغ يجلس في حرش قريب من البيت الذي يقصده وينظر بعيداً. تطلع له حبيبته الأولى. لقطة إليه، بورغ في شبابه. المشهد يفصح هنا عن بعض ما يقلق بال بورغ لذلك يتذكّره. ومنه يلج بورغ الى باقي ذكرياته وما تحمله، مرّة أخرى، من إرهاق نتيجة الشعور بالذنب حيال اختياراته تاركاً حبيبته تختار شقيقه عوضاً عنه. بعض مشاهد الفيلم هي أحلام رآها المخرج في مناماته وأغربها ساعة بلا عقارب كما لو أنها تعبير عن حياة فارغة تنتظر نهاية تماثلها. بعضها الاخر تداعيات من أحلام اليقظة، وأخرى هي مجرد ذكريات. كل ذلك بالإضافة الى الحدث الآني يتجانس في حياكة بارعة تحمل مستويات من العرض والتحليل كلها ممتعة وتؤدي، مثل غرف مفتوحة الأبواب، على بعضها البعض. الفيلم مميّز بسلاسته وأشكاله التعبيرية وعذوبة أداء بورغ مسنّا من قِبل ڤكتور سيوستروم، الذي سبق بيرغمَن للإخراج وأسس، لحد بعيد، السينما السويدية ذاتها. برغمَن سيكتب عن سيوستروم في كتابه اللاحق "حياتي في الأفلام" المنشور سنة
1994

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1962: Winter Light ***1/2 | ضوء شتوي

ملخص: الراهب (غونار بيورنشتراند) في الكنيسة الصغيرة في بلدة ما أمام حضور قليل لا يتجاوز خمسة أشخاص بينهم صيّاد (ماكس ڤون سيدو) وزوجته الحامل (غونل لندبلوم). عقب الصلاة يتقدّم الصيّاد الى الراهب يشكو له مخاوفه من الحرب النووية. لا يعرف الراهب كيف يجيب على ذلك والصياد ينتحر بعد قليل ما يشعل المزيد من الريبة التي كنّا تعرّفنا عليها في ذات الراهب والمتّصلة، بشدّة، حول إيمانه. الراهب في النهاية وحيد في عالم قليل الإيمان وصلاته في آخر الفيلم مسكونة بهواجسه وازدواجيّة اعتقاداته (بين الإيمان وعدمه) ويحضرها سكير ومعاق وعشيقة الراهب غير المؤمنة أصلاً٠

تقييم: يجمّد برغمن المشاهد أمام صوره ذات البساطة والقوّة. تصوير سڤن نكڤست الطبيعي (مقابل ما عُرف عن تصوير فيشر من صنعة) يمد الفيلم بوابل من الأبعاد البصرية الملائمة للمكان (بلدة صغيرة تبدو بلا حياة) والفترة الزمنية (شتاء قاس تنهمر فيه الثلوج) وللأبعاد (شكوك الراهب ودواخله المترددة). في ذلك كله صدى لفيلمه الأسبق »الختم السابع« (كلاهما يتناولان الدين والعنوان السويدي مستوحيان من الإنجيل) وكلاهما يضعان هذا المؤمن/ اللامؤمن بطل الفيلم أمام خطر كوارثي مطروح وواقعي (الطاعون في الفيلم الأول والخطر النووي في الثاني). إنه كما لو كانت الكوارث في شكل اوبئة او حروب هي مفتاح المخرج لطرح اسئلته الوجودية كونها تتعلّق بالموت والموت دائماً حاضر في كل فيلم من أفلام المخرج. الدارسون لسينما برغمن اعتبروا هذا الفيلم الثاني في ثلاثية الطرح الإيماني في سينما برغمن على أساس أن الأول هو »من خلال منظر سوداوي« (1961) والثالث هو »الصمت«، لكن حقيقة أن الموضوع طُرح سابقاً في »الختم السابع« يجعل القضية مفتوحة للنقاش. كالعادة الكثير مما يمكن قوله في علاقة الرجل والمرأة هنا، خصوصاً الراهب وعشيقته. هنا هي أقوى منه وأصلب ولو عبر عدم إيمانها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1963: The Silence *** | الصمت

ملخص: شقيقتان هما آنا (غونل لنبدبلوم) واستر (إنغريد ثولين) يقومان برحلة بالقطار ويصلان الى مدينة في بلد غير مُسمّى ومعهما إبن الأولى. ينزلان في فندق خال من الزبائن تقريباً. آنا إمرأة حسيّة تبحث عن الحب وشقيقتها مفكّرة ومثقّفة مُثلية ومريضة بداء صعب. في تلك الليلة تخرج آنا للبار القريب وتبقى إستر مع الصبي يوهان وذكرياتها وسعالها وزجاجة الخمر. اليوم التالي ترحل آنا وإبنها وتبقى إستر في تلك البلدة وبجانبها خادم يعمل في الفندق٠

تقييم: في مذكّراته كتب برغمن أنه سنوات قبل هذا الفيلم كتب سيناريو فيلم لم يتم تنفيذه دار حول لاعبي أكروبات يتعارفان بعدما خسر كل شريكه في السيرك. لكن ميتافيزيقية المدينة الغريبة التي قد تكون موجودة وقد لا تكون، مستوحاة من حلم: "كنت كثيراً ما أحلم بأني في مدينة غريبة متوجّهاً الى حي وضيع منها حيث كل شيء يمكن أن يحدث وكل شيء يحدث بالفعل. المزعج هو أنني في أحلامي لم أصل مرّة الى تلك المدينة. كان الحلم ينتهي وما زلت في طريقي اليها، او بدخولي حلماً آخر". الفيلم غريب بين كيانات المخرج الى حد بعيد. التعبير عن أزمة فردية وأخرى اجتماعية ربما ليس جديداً في أفلامه، لكن ما هو حسّي وموضوعي في المقدّمة (حكاية الشقيقين) مرمي على خلفية مدينة تشهد حركة عسكرية ما (كان المخرج في زيارة لأستونيا قبل كتابة هذا الفيلم لكن ربما برلين خلال الحرب كانت في البال أيضاً). الصمت، مرّة أخرى، مقصود به ما يفسّره المخرج بصمت الله عما يحدث. لكن المشكلة التي يواجهها هذا الإعتقاد في هذا الفيلم هو أن ما يحدث مشوّه في الأساس. ربما لو أن الفجيعة مجسّدة، دراميا وبصرياً، على نحو أكثر تماسّاً مع هموم المشاهد والزمن، لكان المغزى معبّراً ولو من وجهة نظر المخرج أكثر من سواه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1966: Persona ***** | برسونا


ملخص: الممثلة اليزابث (ليف أولمَن) تنهار خلال عرض مسرحي (لـ "أوديب ملكاً") وتلجأ الى صمت مطبق. يتم نقلها الى مستشفى للعلاج وتقترح ممرّضة أسمها ألما (بيبي أندرسن) أن ترعاها بصفة شخصية في بيتها على شاطيء خارج المدينة. هناك تمضي ألما الوقت في سرد ذكرياتها (وأوجاعها المستعادة) والكشف عن شخصيّتها المركّبة والعميقة ما ينتج عنه تنافر على مستوى نفسي وعاطفي٠

تقييم: التنافر الحاصل بين المرأتين ليس ذاته الذي قد نراه في دراما أخرى. ذلك لأن ما يفرزه تواجد اليزابث وألما في ذلك المنعزل الجميل على الشاطيء (الفيلم بالألوان هذه المرّة والتصوير لا يزال لنكڤست) ليس مجرد كشف الثانية عن تاريخها واستماع الأولى له واهتمامها به، بل شرائح من الإقتراحات تؤدي الى اسئلة لغزية لا إجابات محدّدة لها لأنه لو أجاب برغمَن عنها لانحسر سحر الفيلم وتقوقعت حكايته في معالجة حدثية. من جماليات الفيلم الفلسفية هو التداخل المقصود بين الواقع والخيال، وبين الشخصيّتين أيضاً ما يقترح أنهما واحد، وأن اليزابث -بعدما تم نقلها الى المستشفى- إنما تبتكر شخصية ألما لتعايشها كما لو كانت نصفها المخفي. حين يأتي الحديث على الجماليات البصرية نجد الفيلم يحلّق عالياً كواحد من أفضل أعمال برغمَن كشفاً عن مهارته في استخدام الكادر ومتى ينتقل من شخصية الى أخرى (ليس على غرار من يتحدّث ولا على غرار لقطة مقابل لقطة) كما عن مهارة نكڤست الرائعة في التصوير الشفافي وتوظيفه الإضاءة (طبيعية وداخلية) لتجسيد ما يورده الفيلم من طروحات٠ سبق لي أن نشرت في هذه المجلة، ثم في مجلة »فيلم ريدر« تحليلاً طويلاً عنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Hour of the Wolf *** | ساعة الذئب

ملخص: يوهان (ماكس ڤون سيدو) متزوّج من ألما (ليڤ أولمن) ويعيشان في بيت صغير فوق جزيرة مهجورة. يوهان فنان يعاني من جنوحه صوب الجنون. إنه يفقد القدرة على ضبط خيالاته المخيفة الكاشفة عن شروره التي تعتمل في صدره. لا يستطيع كبح »الشيطان الصغير« في نفسه ويبدأ بالإعتقاد بأن أوهامه والوحوش التي تتراءى له إنما حقيقية

تقييم: اعتبره نقاد عديدون فيلم رعب أكثر منه دراما نفسية، وهو بالتأكيد له جذوراً في النوعين٠ في الباطن هو نوع من السرد لمرحلة تساؤلات جديدة طرحها برغمن على نفسه: حول زيجاته المتعاقبة وأولاده الذين لا يعرفهم جيّداً ونوعية فنّه وما يود قوله للناس. بعد »برسونا« أراد برغمن البحث عن مادّة جديدة وكان هذا الفيلم المناقض للفيلم السابق من حيث أن الصراع هنا ليس بين إمرأتين (حتى ولو كانتا تشكّلان إمرأة واحدة مقسومة الى إثنين) بل داخل شخص واحد. هذا ما يؤكّد أن برغمَن انتقل هنا الى البحث في ذاته: كلاهما (هو وبطله) فنان، كلاهما يعاني من أزمة وجدانية (او بالأحرى أزمات) وكلاهما يرى نفسه غير قادر على أن يسيطر على مقدّرات حياته جالباً لعلاقاته تبعات عاطفية وآلاماً. لكن في حين أن بطله ينتهي الى جنون كامل سيطر المخرج على جنوحه والا لما استطاع تحقيق هذا الفيلم، او أي فيلم لاحق. يلفت أيضاً أنه يوصم البرجوازية السويدية بملاحظاته السلبية. ينتقدها وثراءها ويحوّل القصر الذي تعيش فيه (في امتداد للقصّة المسردة هناك صاحب أراض يقيم حفلة يدعو اليها يوهان وزوجته وتتحوّل الى منبع شر مع شخصيات دراكولية وذئاب بشرية) الى إدانة لمجتمع أكبر٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Shame *** | عار

ملخص: السيد والسيدة روزنبرغ (ڤان سيدو وأولمَن) يعيشان فوق جزيرة. عازفان موسيقيان يرعيان حقلاً صغيراً ملحقاً بمنزلهما . الحياة هادئة والسعادة متوفّرة ولو نسبية. هناك حرب قائمة والحرب تصل الى الجزيرة ويُلقى القبض عليهما ويُساقان الى التحقيق. قائد قوّات المقاومة، وأسمه جاكوبي (غونار بيورنشتراند) يطلب من الزوجة ممارسة الحب معه لكي يخلي سبيلهما. بعد إطلاق سراحهما يعلم الزوج بخيانة زوجته وحين تلقي القوّات الغازية القبض عليهما تطلب منه قتل جاكوبي لقاء تخلية سبيلهما فيفعل. مواجهة رزينة بين الإثنين تقودهما الى قرار مغادرة الجزيرة في قارب٠

تقييم: اختيار المخرج إسم روزنبرغ أسم عائلة بطليه قد يُفسّر، مبدئياً، على نحو محاولة المخرج (الذي مثل شخصياته الأخرى محمّل بالشعور بالذنب) للتبرّع بموقف متعاطف مع اليهود (رغم أن الفيلم لا يصفهما مباشرة هكذا) بعدما كانت انتباته، خلال أواخر الثلاثينات ومطلع الحرب العالمية الثانية، مشاعر تأييد للنازية. لكن حتى ولو كان ذلك صحيحاً، فإن حقيقة اختياره إسم جاكوبي لشخصية لا يمكن الشعور بالتعاطف معها، وحقيقة أن رسالة الفيلم المعادية للحرب هي الأطغى، يمنح المشاهد القدرة على تجاوز هذا الوضع إذا ما كان حقيقياً. إنه فيلم قوي في نبرته السياسية المعادية للحرب حتى من دون مشاهد حربية تاركاً للمشاهد تكوين رأيه وتحت تأثير المضمون المتراءى له. على أن الفيلم له وجهين: الوجه الأول حول ما يقع لآل روزنبرغ من محنة، والثاني لما يقع لهما بعد انحسار الحرب. المحنة الأولى تدهمهما وهما على قناعة بأن اللا-موقف من الحرب هو الموقف الصحيح (وهذا داء بشري منتشر في أركان العالم الأربعة اليوم أكثر مما مضى) لذلك بعض ما يقع لهما يبدو كما لو كان رغبة المخرج في إدانتهما (وسواهما في الصالة) لهذه اللامبالاة. المحنة الثانية تقع حين يعودان الى حياتهما »الطبيعية« فإذا بها لم تعد طبيعية على الإطلاق. ينفجر الوضع بعد مشهد نراهما فيه يعملان في الحقل صامتين. كل محمّل بتبعات ما قام به (الخيانة، القتل)٠ الحرب الفييتنامية كانت دائرة حين أنجز هذا الفيلم لكن برغمن لم يسمّها ولم يعرّفنا بأي من المتحاربين لكي يضمن شمولية الرسالة. في مذكراته يُبدي إعجاباً أقل بالمحنة الأولى (الحرب الأكبر) وإعجاباً أكبر بالمحنة الثانية (الحرب الصامتة بين الزوجين) وهذا مفهوم بسبب تفضيله العمل على الثيَم الصغيرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1968: Passion of Anna **** | عاطفة آنا


ملخص: أربع شخصيات فوق جزيرة (جزيرة فارو التي كان للمخرج فيها منزلاً) يعيشون حالات عاطفية متباينة. أحد هذه الشخصيات هو أندرياس (سيدو) الذي تركته زوجته وجارته التي تعرج آنا (أولمن) آنا التي تدّعي أن زوجها تركها، ثم إليس (إرلاند جوزفسون) وزوجته إيفا (بيبي أندرسن). كلما تشابكت العلاقات كلّما تفتحت عن خلفيات ومفاجآت من بينها سبب عرج آنا والماضي الذي تحاول أن تخفيه حول زوجها٠

تقييم: »عاطفة آنا« هو ما أراد برغمن تنفيذه في »العار« ولم يستطع: الحرب المدمّرة داخل شخصياته عوض التعامل مع حربين كبيرين٠ أبطاله هنا، كأبطاله جميعاً، مثل بركان لا تشعر بوجوده في مطلع الأمر لكنك بعد قليل تدرك أنه هناك وتتوقّع له أن ينفجر. وإنفجاره يترك شروخاً على الشخصيات. تلك الجروح الداخلية تخرج الى العلن. لكن هناك متوازيات أخرى بين الفيلمين استرعت انتباهي حين شاهدتهما مؤخراً بهدف الكتابة عنهما: الملامح التصميمية للمكان ولمعالجة المكان هي ذاتها. الجزيرة التي يعيش عليها أبطاله في كلا الفيلمين تصبح الكيان المصغّر لعالم هو المنعزل وليس أبطاله فقط. ما يقع في هذا العالم المصغّر لا يستدعي إنتباه أحد، لكنه بذاته عيّنة مما يقع بعيداً عنه. بذلك المشهد الأخير للفيلم السابق حيث سيدو وأولمن يمضيان في المركب تاركين الجزيرة يبدو مشهدا تائهاً بين نهايات أفلام برغمن من حيث أن شخصياته مهتزّة وستحاول أن تجد راحتها خارج المكان الذي اعتبرته سابقاً بمثابة جنّة صغيرة. هنا كيان الجزيرة يحتمل بعداً آخر هو ذاته كيان الجزيرة التي في »ساعة الذئب« مثلاً: إنها المكان المثالي للموت. شخصيات يهدر ما في داخلها ثم ينفجر وحين ينفجر تموت (ميتافيزيقيا) بالطبع. لا شيء على ما هو عليه فيما بعد. الفيلم ملوّن وهو ليس أوّل فيلم يخرجه برغمن بالألوان، لكن برغمن اعتبره أول فيلم ملوّن لعبت فيه الألوان دوراً أساسياً أخرجه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1971: The Touch ** | اللمسة

ملخّص: ثلاث شخصيات (الرابعة تنضم لاحقاً) في علاقة ثلاثية الأطراف: كارين (بيبي أندرسن) متزوّجة من أندرياس (ڤون سيدو) من خمسة عشر سنة ولديها طفلين وسعيدة بحياتها. فجأة يحط ديفيد (إليوت غولد) ويقلب هذه السعادة من دون أن تدري، فهي اكتشفت بوجوده أن سعادتها لم تكن متكاملة كونها لم تفهم نفسها من قبل. إذ ترتبط بعلاقة معه تكون هذه العلاقة مدخلاً لاستكشافه هو أيضاً٠

تقييم: بعد كل أفلام برغمن التي استوعبت مثل هذه الحالات النفسية/ العاطفية يأتي »اللمسة« برغبة متجددة لكن القليل منها مبرر كونها رغبات سبق للمخرج أن تعامل معها وعلى نحو أفضل. جزء كبير من المشكلة يكمن في السيناريو، كما أعتقد. لأن الفيلم في فترة تأسيسه للشخصيات وللأحداث الطارئة لا يبتعد عما ابدعه المخرج من قبل في هذا المجال. الإقتراب الراصد الذي يعد بأن الأمور ليست كما تبدو من الخارج. لكن حين يصبح على السيناريو أن يتطوّر لنقلة أخرى، يفقد ضرورته بسبب كم النتائج التي تفرزها تلك العلاقة: فديفيد يعاني من الذاكرة (قتل النازيون كل عائلته باستثنائه وشقيقته) وكارين واقعة في حبّه لدرجة اللحاق به الى لندن لتصارحه، كما في أي فيلم أقل مستوى من أفلام برغمن، بأنها حامل، ثم لتكتشف أنها لا تستطيع أن تعيل على ديفيد لأنه ليس شخصاً متّزناً بل ربما كان جانحاً صوب الجنون. هذا كله من بعد أن نسمح لأنفسنا قبول مبدأ أن حبها له كان من الكبر بحيث تلقّت معاملته الخشنة لها بكل رضى. الفيلم الأول لبرغمن بالإنكليزية وربما هناك ظروفاً دفعت لهذه الفوضى المركّبة. تمثيل أندرسن يعلو فوق كل الإداءات الأخرى. برغمَن يعترف أن النتيجة الفنية هي أقل مما طمح إليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1972 : Cries and Whispers **** | صرخات وهمسات


ملخص: ثلاث شقيقات يجتمعن في المنزل الكبير لإحداهن التي تعاني المرض وعلى حافّة الموت. وضعها لا يساعد الشقيقتين على إعادة النظر في سلوكياتهما الخالية من الحنان لا تجاهها فقط، بل تجاه بعضهما البعض، كما أن موتها، بعد طول صراع، سوف لن يغيّر من وضعيهما شيئاً٠

تقييم: خطوة مختلفة على أكثر من صعيد وفي ذات الوقت هذا هو إنغمار برغمَن كما عهدناه. هنا يعود الى مطلع القرن الثامن عشر والى منزل لعائلة ثرية لكنه يجلب الى الواجهة ثلاث شقيقات ويطلب منهن أن يعرّين أنفسهن، مجازياً، أمام الكاميرا. المناسبة هي الموت المرتقب لآغنس (هارييت أندرسن) أطيبهن وأفضلهن لأن كارين (إنغريد ثولين) المكبوتة عاطفياً والمتزوّجة من رجل لا تحبّه بينما ماريا (ليڤ أولمن) لا زالت غير قادرة على النضج (رغم عمرها) والعالم بالنسبة اليها يتألّف منها أساساً. متزوّجة أيضاً لكنها ليست راضية. كما في »برسونا« حيث تتواجه إمرأتين وكما في »الصمت« حيث تتواجه شقيقتان، هناك مواجهات تعكس أزمات او تنتج عنها. برودة الشقيقتين كارين وماريا حيال شقيقتيهما تقابلها عاطفة أمومية تمنحها الخادمة الآتية من عائلة مزارعين فقيرة آنا (كاري سيلفن) التي تكشف عن ثديها وتضع رأس أغنس على صدرها لتشعرها بالألفة والحنان المفقودين. ليس شذوذاً ولا حتى إيحاءاً بذلك، بل عطف مغدق هو الراحة الأخيرة لأغنس قبل موتها٠ الفيلم من تصوير نكڤست كالعادة، لكن هذه المرّة الصورة غارقة في اللون الأحمر الذي يعبّر، حسب المخرج، عن الروح المتحفّزة أكثر من سواه. اللون الثاني الطاغي هو الأبيض. نسائه (حتى الخادمة في ذلك المشهد الذي يتمشيّن فيه في الحديقة الكبيرة) يرتدين الأبيض الذي كما هو لون ملائكي بالنسبة لبعض هذه الشخصيات، هو لون خادع بالنسبة للبعض الآخر. لكن المشهد الآنف الذكر له مدلول آخر: سرداً يقع المشهد بعد أن تلفظ كارين نفسها فعلاً، لكن في الوقت ذاته، هي لم تغادر المكان. ميّتة لكنها موجودة وتطلب من شقيقتيها حناناً، لكن شقيقتيها مشلولتان. ليس لديهما ما يمنحانه. بذلك يعمد المخرج الى الدخول والخروج بين الموت وبين الحياة ليمنح المشهد، كما الفيلم بأسره، وضعاً خاصّاً لا يُنسى٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1973: Scenes From A Marriage ***1/2 | مشاهد من زواج

ملخص: بروفسور يوهان (ارلاند جوزفسون) متزوّج من المحامية ماريان (ليڤ أولمان) وكل شيء يبدو على ما يرام في الوهلة الأولى الى أن يتورط الأول بعلاقة مع إمرأة أخرى خلال رحلة عمل. يحاول أن يواصل حياته كما كانت لكن الحادثة تترك تأثيرها. في ذات الوقت هناك صديقان متزوّجان أيضاً (يان مالمسيو وبيبي أندرسن) والعلاقة متوتّرة بينهما أيضاً

تقييم: قام المخرج بتوليف هذا الفيلم من حلقات تلفزيونية بلغت ست ساعات من دون أن يبدو أي أثر للأصل على العمل. بعض ذلك يعود -طبعاً- الى أن المخرج يمارس الفن الواحد في كلا عمليه بما يحمله ذاك من تصاميم اللقطات واللغة البصرية. بين كل أفلامه، هذا العمل هو النموذجي على صعيد ما طرحه من علاقات بين الأزواج وكيف أن السائد ليس بالضرورة ما يتفاعل تحت السطح وأن الحب ربما كان نتيجة قسوة النفس على صاحبها والمشاعر المكبوتة هي كذلك لأن الخوف من المواجهة أبدي. لكن المواجهة تقع والأحاسيس العميقة تتجلّى أمام المتابع على نحو يذيب ما هو سويدي ليحل محله ما هو إنساني. فيلم برغمَن هذا هو أكثر أفلامه القديمة وضوحاً من حيث سلاسة عرضه من دون أن يتخلّى عن العمق والبعد . والتمثيل رئيسي هنا كما في كل فيلم آخر وجزء من التكوين الصوري الذي لا غنى عنه كما لو أن الإداء والحركة نابعان من الحياة المصوّرة ذاتها وليس من تشخيص لطرف يؤدي ويمضي. بعد ثلاثين سنة عاد المخرج الى هذا الفيلم في إطار آخر أعماله »ساراباند« ليتابع الحديث عن ماريان ويوهان بعدما تجاوزا منتصف العمر ولو أن المعضلات النفسية لا زالت تتفاعل في ذاتيهما٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: The Serpent's Egg ** | بيضة الأفعى

ملخص: برلين سنة 1923. آبل روزنبرغ (ديفيد كارادين) فقد شقيقه الذي انتحر والبوليس يرتاب في أنه تسبب في مقتله كما في جرائم تقع في الحي الذي يعيش فيه. آبل يرتبط بعلاقة غرامية مع عاهرة ومغنية أسمها مانويلا (ليڤ أولمَن) وخلال أسبوع يكتشف أن النادي الليلي الذي تغنّي فيه هو وكر للنازيين الذين حوّلوا غرفاً سريّة فيه الى خلية علمية تستخدم البشر في عملها ما يكشف جرائم القتل٠

تقييم: هناك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها برغمَن هذه المرّة وكلها تجمّعت في أنه اضطر للتخلّي عن مملكته السويدية ليحقق فيلمه الأول خارج بلاده. من المفترض أن لا يكون ذلك عاملاً مؤثراً، لكن العمل مع هوليوود من ناحية والمرور بأزمة ماديّة سببها مطاردة مصلحة الضرائب له من ناحية أخرى، أثّرا على اختياراته. فما يبدو لهذا الناقد من بعيد (إذ لم يقرأ شيئاً يُذكر عن المرحلة والظروف التي سادت صنع هذا الفيلم) هو أن الحاجة لنقلة عالمية من ناحية والحاجة للحفاظ على المزايا البرغمانية من ناحية أخري عطّلا العملية بأسرها. أحد المشاكل هي أن الفيلم أراد تسجيل ما دار في العشرينات (ألمانيا خرجت من الحرب الأولى، المد النازي بدأ الخ... ) من وجهة نظر يهودي هو ذاته في خطر. لكن الفيلم يخفق، بسبب سعته وكثرة مفارقاته على الأرجح، في توفير بطله كشاهد عيان وتبنّي وجهة نظره. شيء من الرغبة في سرد خارج إطار الأزمات النفسية المعبّر عنها بأقل قدر من الأحداث الكبيرة، عرقل الرغبة الأسبق في تقديم الحكاية من وجهة نظر ضحيّتها. النتيجة أن الفيلم، المشغول جيّداً كتصوير وكتصميم إنتاجي وفني، لا يملك الناصية الدرامية الصحيحة ويضيع في توهان بطله عوض أن يوظّفه لبلوغ غاية. الفيلم يحتج إنما على نحو مباشر وأحيانا زاعق والأفدح أن المخرج كان يعلم أن أفضل تعابير الغضب والإحتجاج هي تلك التي تتم في صمت. لقد جرّب ذلك طوال حياته ونجح. حين كتبت عن الفيلم لأول مرّة لمجلة عربية كانت تصدر من لندن آنذاك، وجدته تحيّة للضحية اليهودية، لكن مشاهدته مرّة ثانية بيّنت لي أن هذه التحية، وإن وجدت، الا أنها ممزّقة، مثل رسالة ثناء كتبها صاحبها ولم يبعثها٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1978: Autumn Sonata ** | سوناتا الخريف

ملخص: فنانة كانت هاجرت الى أميركا (انغريد برغمَن) تعود الى وطنها الأوّل حيث كانت هجرت أولادها وتلتقي بإبنتها إيفا (ليف أولمَن). في البداية يأتي اللقاء حارّاً عاكساً رغبة كل منهما في اللقاء وتجاوز الماضي، لكن الإبنة لا تستطيع أن تنسى ما سببته أمها من معاناة حين هجرتها٠

تقييم: فيلم خروج برغمَن من ورطته السابقة هو ثاني فيلم له خارج بلاده، لكن خارجها الى بلد قريب هو النروج حيث تعود الفنانة شارلوت (انغريد برغمن تحمل اسم العائلة نفسها لكنها ليست قريبة المخرج وهذا كان فيلمها ما قبل الأخير قبل وفاتها) لتزور إبنتها. الفكرة مناسبة أخرى من برغمَن لمواجهة صادمة بين شخصين واحدة تحمل في داخلها الشعور بالذنب (الأم) والثانية تحمل في داخلها الشعور بفقدانها الحنان حين كانت تحتاجه. من البداية تعرف الى أين سيتّجه الفيلم نظراً لأن برغمن لا يضيف جديداً على هذا الصدام الآيل للحدوث. إنه عالمه السابق حول تلك المرايا التي ينظر فيها أبطاله ليكتشفوا أنفسهم. المشكلة هي أن هذه المرآة تبدو شاحبة وقديمة. التمثيل من المرأتين يبقى حادّاً لكن لا شيء آخر في الفيلم كذلك٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1980: From the Life of the Marionettes **1/2 | من حياة الماريونيت

ملخص: يرتكب رجل الأعمال الثري بيتر (روربت أتزورن) جريمة قتل مومس (ريتا روزيك) ويحاول، مطلع الأمر التبرأ من التهمة خلال التحقيقات التي تشمل أيضاً زوجته وطبيبه النفسي٠

تقييم: برغمَن في فيلم نموذجي له باحثاً عن الدوافع النفسية وراء قيام شاب، ورد من طبقة مثقفة وثرية، بقتل عاهرة لا يعرفها. القصة مأخوذة عن واقعة حقيقية، لكن برغمَن لا يرويها ـ لحكايتها ـ بل يستند إلى نفس طريقته في سبر غور النفسيات التي يعالجها وتركهم يتحدثون عن ماضيهم وأحاسيسهم الداخلية في قليل من الثقة. حقق المخرج هذا الفيلم لحساب التلفزيون الألماني الذي باع حقوقه السينمائية ما أدّى لعرضه عالمياً مستنداً الي الإسم الكبير الذي يحتلّه المخرج بين هواة السينما والمثقّفين عموماً. لكن، وكما الحال في الفيلم السابق »بيضة الأفعى« تختفي طينة برغمَن التقليدية وتفقد لمستها وبعض سحرها. الشخصيات التي نطالعها مدفونة في فيلمه السابق »مشاهد من زواج« ذلك لأن المعضلة القائمة ليست بين بيتر والعاهرة، بل بين بيتر وزوجته والعاهرة هي ضحيتها المفاجئة. عانى الفيلم من حذر المموّلين. لا المموّل الألماني لفيلم برغمَن السابق »بيضة الأفعى« رغب في إعادة التجربة معه، ولا الممول الأميركي لفيلم برغمَن الآخر »اللمسة« تحمّس للمشروع. لكن على الرغم من أن الإنتاج تلفزيوني ألماني بحت الا أن في الفيلم ما يكفي لنقل الشخصيات من طبيعتها الألمانية الى السويدية لأن برغمن كاتباً لم يكن في وارد التخصص في "ألمانية" العمل لمجرد أنه يحقق فيلماً بالألمانية وهذه تُحسب له بكل تأكيد٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1982: Fanny and Alexander *** | فاني وألكسندر


ملخّص: عيد ميلاد في بلدة سويدية سنة 1907. ألكسندر وشقيقته فاني يترعرعان في كنف عائلة كبيرة . يموت والدهما وتتزوّج أمهما من رجل آخر أكثر شدّة. في بحثهما عن ملجأ آخر يتّجهان الى صديق العائلة اليهودي قبل أن يعود ألكسندر وشقيقته الى كنف العائلة وقد ازدادا معرفة٠

تقييم: سابقاً ما صرّح برغمَن بأن هذا الفيلم ليس سيرة ذاتية، لكن صرّح أيضاً بأن الفيلم مستوحى من مرحلته صبيّاً. في شتّى الأحوال، الفيلم أشبه بالسيرة الذاتية كون المخرج يلاحق بطليه (التركيز على الصبي ألكسندر) بكثير من التعاطف والرقّة مصوّراً ردّات أفعالهما على المحيط الأسروي. عالم الكبار المسيحي هنا على تقلّباته بين زوج أم صارم (هذا من خلفيات برغمَن نفسه) وأم لا تستطيع تأمين سعادة ولديها خشية زوجها القسيس وتاجر الأنتيكات اليهودي (كما لعبه أرلاند جوزفسون) هو شيء من الحلم والفانتازيا كونه يمارس بعض السحر في بيته الصغير. سحر يجذب الولدين الى عالم الخيال بعيداً عن الواقع. الفيلم أكبر حجماً من معظم أعماله (اي باستثناء »صرخات وهمسات« و»بيضة الأفعى« من حيث مساحة الحدث ونوعية الإنتاج) لكنه لا يزال يحوي كل تلك البرغمانيات الخاصّة من مشاهد تعكس أزمات الى أخرى تتسلل الى عمق الشخصيات، ومن مشاهد تكشف عن الماضي وشعور الذنب الى أخرى يبدو فيها ألكسندر يتحدّث فيها مناجيا ذاته . في مرحلة لاحقة يتدخّل الخيال في الحكاية محتلاً مساحة أكبر من تلك المؤلفة من السيرة او ما يشابهها. فألكسندر هنا يتمنّى موت زوج أمّه وفي نفس الليلة يقع قنديلاً في غرفة شقيقة الأسقف المقعدة وتنتشر النار في كل البيت. والدة الطفلين كانت تستطيع إيقاظ زوجها في الوقت المناسب لكنها لا تفعل. من ناحية أخرى، فإن مشاغل برغمَن القديمة الأخرى تعاود الإطلال من جديد: شكوكه في الخالق سبحانه وشعوره بالذنب كونه كان تحمّس للنازية في الثلاثينات، تعلّقه بفن العرائس والمسرح فيما بعد. وكل ذلك في الرونق الأنيق للفيلم البرغماني من حيث التفاصيل وتعامله مع الفترة حدثيا كما تعبيرياً والإنتباه الى دقائق الأمور وعناصر الإنتاج وعناصر الصورة (تصميم المناظر والألوان الخ...). بذا يستعيد برغمن هنا ما كان خسره مؤخراً من تلك الخصائص حين أم »بيضة الأفعى« مثلاً. ما يُثير إشكالاً هو تصدّيه للدين على أساس أنه ثورة غامرة في ذات ألكسندر معبّر عنه إثر تساؤل قلق يطرحه. لكن بحكم سنّ ألكسندر فإن القبول بتبنّي الفيلم هذا التعبير يبدو مريباً. كان يمكن مثلاً إبقاء تلك الشكوك مطروحة من دون تبنّيها او تصوير ألكسندر كما لو كان في ذلك السن الصغير أدرك موقعه المناقض للدين. كذلك فإن قيمة الطرح الديني المعادي لفكرة وجود الخالق (بناءاً على شخصية القسيس المتشدد وحدها) تتعرّض للإهتزاز حال تقديم برغمَن لشخصية اليهودي وشقيقه إسماعيل لأن الرفض المطلق الذي يدّعيه الفيلم لا يشمل رفض الديانة اليهودية أيضاً فهي، في الفيلم، تبقى مقبولة وخشبة خلاص للروح المعذّبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1984: After The Rehearsal **1/2 | بعد التمارين

ملخص: ثلاث شخصيات تتحدّث فيما بينها عن المسرحية التي يقدّمونها وعن خلفياتهم الحياتية وذكرياتهم الصغيرة منها والمهمة٠

تقييم: عودة الى عالم برغمن الصغير والمبسّط: مخرج بعد انتهاء التمارين يجلس على المنصّة وسط الديكور وكل شيء حوله يذكّره بشيء من قبل واليه تنضم ممثلة شابّة ثم ممثلة أخرى أكبر وما يتبادله الثلاثة هو الدواخل النفسية والعاطفية التي في كل ذات من ذواتهم. هذا انتاج تلفزيوني (بعدما كان المخرج أعلن أن »فاني وألكسندر« هو آخر فيلم سينمائي له) وُزّع سينمائياً حول العالم لكنه لم يلق ذات الصدى لأفلام المخرج السويدي السابقة. على ذلك، الفيلم شريحة من برغمَن كما كل من أفلامه وأسلوبه في تناول الحكايات واللعب بين ما يخرج من الذات وما يدخلها مُمارس بيد خبيرة رغم خلوّه من الجديد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
2003: Saraband **** | ساراباند


ملخّص: تقرر ماريان (ليف أولمن) زيارة زوجها السابق يوهان (إرلاند جوزفسون) لتجد نفسها تواصل رحلة كانت بدأت بينهما وفي ذات الوقت وسط مشكلة قائمة بين الأب وإبنه (الثاني يتّهم الأول بافتقاره الى الحنان ما أدّى بالإبن الى حياة غير مستقرّة عاطفيا) ولاحقاً بين الإبن وزوجته٠

تقييم: العودة مرّة أخرى الى شخصيات »مشاهد من عرس« تفرز شخصيات هذا الفيلم المثيرة للإهتمام وتمنح هذا آخر عمل عُرض لبرغمن سينمائياً (وهو بدوره إنتاج تلفزيوني) كل الخصائص التي تذكّر بأفضل أعماله السابقة. كل ما تشكّلت من اللقطة في أفلام برغمن الكلاسيكية وما أوحت به وسبرته من دواخل نفسية متوفّر هنا لجانب التمثيل الرائع من كل ممثليه. المناجاة التي في هذا الفيلم تأخذ أشكالاً متعددة من بينها النظر الى الكاميرا في شكل اعترافات، ومن بينها تأليف سبل دخول مشاهد من الفيلم عبر جعل الصورة الفوتوغرافية التي بحوزة ماريان تفتح الباب أمام المزيد من الذكريات/ الحكايات. موهبة المخرج الرائعة في الإستفادة من اللقطة والمسافة التي تفصلها عن الوجوه وتشكيلها الفني تمنحها العمق وتساعد على ولوج شخصياته في اهتمام يتزايد من مشهد الى آخر لأن ما يفتحه المخرج، كما في أفضل أعماله السابقة، يؤدي الى مساحات جديدة عليه المضي فيها. حين خرج الفيلم (العرض العالمي الأول في مهرجان "كان" خارج المسابقة) تحاشاه عدد كبير من النقاد الغربيين كون معظمهم جدد يعتبرون السينما التي ينتمي اليها برغمَن، وبل برغمَن نفسه، انتهيا. لكن الفيلم بعد سنوات قليلة من إنتاجه يتبلور أكثر كعمل ذهني وبصري من الصف الأول. هناك قدر من الإعتماد الكلّي على التصوير الداخلي لكن المخرج كان بلغ من العمر عتيّاً ما يمكن معه السماح له بذلك٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Jul 23, 2009

439 | مقالات لخالد ربيع السيد/ نديم جرجورة/ ميسر المسكي/ جلال نعيم/ هوفيك حبشيان/ محمد رضا

بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ30.7.09ـــــ
Blood Simple


شركة صوني (تملك شركة كولمبيا الأميركية) أبرمت مع المخرج الصيني زانغ ييمو عقداً ينص على إقتباس على اقتباس فيلم »دم بسيط«، فيلم الأخوين كووَن الأول (1984) الى فيلم صيني مع استبدال المناخات التكساسية التي في الفيلم الأول الى أخرى صينية. مثلاً، عوض الحانة التي تشكّل موقعاً مهماً في الفيلم الأميركي سنرى مطعما للوجبات الصينية الحارة (نودلز وأوز وأرانب) وقصّة بوليسية أتساءل في أي زمن ستقع وإذا ما كانت، وقد حاد المخرج الصيني عن مسيرته التي بدأها، ستحتوي على فنون قتال صينية يؤديها جت لي أم لا٠
الصورة: دان هدايا (من مواليد سوريا) في لقطة من نسخة الأخوين كووَن٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات تقف على الحافّة

المزيد من المهرجانات العربية في المنطقة والمزيد من المهرجانات العربية في أوروبا لكن النسبة ذاتها من الإنتاجات التي تتراوح ما بين 100 فيلم روائي طويل و50 فيلم وثائقي. في بعض السنوات يرتفع هذا المعدّل قليلاً او ينخفض قليلاً٠
طبعاً ليس كل الأفلام جيّدة تستحق المهرجانات او تناسبها. نصف هذا العدد ربما يستحق الترشيح. ربعه يستحق التسابق وهكذا٠
بإنضمام مهرجان الدوحة الى جملة المهرجانات المقامة في المنطقة، وبتجديد مهرجان أبو ظبي عدّته وتجهيزه فإن المنافسة بينهما ستكون قوية، ومنافستهما لمهرجان دبي كذلك٠
في البداية أشيع أن مهرجان الدوحة في قطر سوف لن يكون سوى نسخة من مهرجان ترايبيكا الذي تديره مؤسسة ترايبيكا التي من بين رؤساها روبرت دينيرو، لكن هل هذا صحيح؟ أهل المهرجان هناك يتكتّمون حول الموضوع ولهم الحق. المنطقة تستطيع أن تربح او تخسر تبعاً لخبر قد يبقى طي الكتمان او يتسرّب فينكشف٠
مهرجان أبو ظبي استبدل طاقمه القديم وجاء بجدد. رئيس مهرجان ترايبيكا النيويوركي استقال والان هو رئيس مهرجان الشرق الأوسط وهو ليس هاوياً بل من أهل الخبرة والمنافسة مع المهرجانات الأخرى ستنبع من أن عضد مهرجان الشرق الأوسط اشتد به٠
لكن ما العمل إذا ما كانت الأفلام العربية الصالحة (وكل مهرجان سيحاول استحواذ أفضلها، كذلك مهرجانات دمشق والقاهرة ومراكش) محدودة؟ كيف سيؤمن كل مهرجان أفلاماً ينفرد بها و-بالتالي- يتميّز بها عن سواه؟ وما الذي سيحدث لو أنه في عام او عامين على التوالي انخفضت نسبة الأفلام الجيّدة؟

وما يحدث في هذه البقعة من العالم مطروح للحدوث خارجه٠
حالياً في فرنسا وأوروبا أكثر من مهرجان للسينما العربية مقام او يتم التحضير له (في باريس وحدها هناك خمسة جهات تعمل على خمس مهرجانات!!)، هل تساءل مهرجان ما كيف سيؤمّن؟
هناك حلولاً لكن أهل الإختصاص والمعرفة عادة ما يتم تحييدهم فالأمور عربياً لا تتم حسب الخبرة والتجربة، بل حسب اقتراب او ابتعاد الهوى الشخصي٠
لكن المسألة برمّتها لا أعتقد إنها تقلق المخرجين العرب ذلك إنه إذا تم رفض فيلمه هنا، توجّه به هناك. وإذا كان فيلماً متميّزاً فالجميع يريده. بذلك يعتقد المخرج إنه هو الرابح في كل الأحوال وهذا خطر آخر يمكن اضافته فوق المخاطر الأخرى المذكورة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحياة السينمائية

حسب موقع »إيلاف« المتجدد فإن عدداً جديداً زاخراً صدر من مجلة »الحياة السينمائية« السورية التي أعتقد أن عمرها الآن جاوز الثلاثين سنة (العدد - اوبالأحرى العددين في عدد 65 و 66) يحتويان على العديد من المقالات الوافدة من نقاد وكتّاب من المغرب ومصر والأردن بالإضافة الى عدد كبير من الكتّاب السوريين، وهذا كلّه أمر جيّد لكن متى سيتم العمل على توزيع المجلّة توزيعاً يمكن غير الدمشقيين قراءتها؟ طبعاً هذا إن حدث فلابد أنه يتطلّب تطويرا صحافياً بالدرجة الأولى يربط المواضيع بمناسباتها وإن لم يفعل جرى تبويبها على نحو يلغي المعالجة التقليدية للمواضيع التي تبدو الآن، كما بدت سابقاً، رصفاً وتراكماً للمواضيع٠
لا غُبار على أهمية المجلة (وكل مجلة ذات شأن ثقافي جاد) و»الحياة السينمائية« صارت بعد كل هذه السنوات راسخة القدمين في الثقافة السينمائية ولو على النطاق المختار لها الى الآن. سيكون جميلاً معالجة موضوع الإنتشار وموضوع التبويب بما يجددها ويجعلها أكثر حتمية من العام المقبل وصاعداً- وياليت تصدر شهرياً طالما أن الإمكانيات متوفّرة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إعلان لجنة تحكيم فانيسيا الرسمية

تم الإعلان عن لجنة تحكيم المسابقة الرسمية للدورة الجديدة (2 أيلول/ سبتمبر الى الثاني عشر) منه وتحتوي على المخرجة الإيطالية المخضرمة ليليانا كافاني التي كان فيلمها الأول »فرنسيس الأسيسي« شارك في دورة سنة 1966 من المهرجان، والمخرج الأميركي جو دانتي وكاتب السيناريو الهندي أنوراغ كاشياب والمغني لوسيانو ليغابو (الذي له إسهام سينمائي شبابي واحد سنة 1998) وهناك الفرنسية ساندرين بونير التي اقتنصت جائزة أفضل تمثيل نسائي سنة 1995 عن دورها في فيلم »حكم ثابت« لكلود شابرول وأول اشتراك لها في فانيسيا يعود الى عشر سنوات قبل ذلك حين تقدّمت المخرجة أغنيس فاردا بشريطها »متشرّدة« واستحقّت عليه جائزة الأسد الذهبي حينها٠
والقيادة للأميركي أنغ لي كما ذكرت سابقاً- لكن هل هي لجنة تحكيم جيّدة بالفعل؟ ألم ينجح مهرجان القاهرة في بعض سنواته من جذب لجان أفضل؟ ألا ينجح مهرجان دبي في كل سنة من احتواء لجان بأسماء أفضل؟
تبقى هذه اللجنة المقبلة لفانيسيا أفضل من تلك التي أقامها مهرجان "كان" هذه السنة التي ضمّت خمس ممثلات علماً بأن الممثل الجيّد ليس بالضرورة محكماً فنياً ملمّاً وحين يكون لديك خمس ممثلات تمنح لجنة التحكيم هوية هي أساساً منحازة لآراء قد لا تكون بالضرورة فنيّة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ودوحة ترايبيكا تعلن إدارتها

اماندا بالمر، التي ترأس ما يُعرف بقسم »الترفيه« في في تلفزيون الجزيرة الإنكليزي استلمت منصب المدير التنفيذي لمهرجان دوحة ترايبيكا حيث ستعمل عن كثب تحت إدارة رئيسه جف غيلمور الآتي بخبرته من سندانس التي عمل له لسنوات تحت إدارة روبرت ردفورد
أيضاً في المناصب الأولى الزميل محمد مخلوف واسكندر قبطي اللذان سيتقاسمان مسؤوليات تتعلّق ببرمجة المهرجان الجديد الذي يُضاف الى مهرجانات المنطقة والذي سينطلق في التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل وحتى الأول من الشهر التالي (فقط؟)٠
يشرف على المهرجان إداريا وتمويليا "متحف الفن الإسلامي« الذي أنشأ حديثاً بمهام حضارية متعددة من بينها هذا المهرجان الذي سينضم الى المهرجانين الكبيرين المتنافسين حالياً في المنطقة دبي وأبو ظبي٠



بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ29.7.09ـــــ
Metropia

اللقطة من فيلم سويدي جديد بعنوان »متروبيا« تظهر رجلاً خائفاً مما يراه وما يراه بطل الفيلم هو نهاية اوروبا كما نعرفها حيث يكاد الغاز الطبيعي أن ينعدم الفوضى أن تسود واشتد عضد الحركات المناهضة للمجتمعات وروجر يحاول أن يبقى بعيداً وآمناً عن كل ذلك، لولا أنه يكتشف أن كل حياته مرهونة، وكل حركاته مراقبة٠
الفيلم من إخراج طارق صالح، وهو مصري يعيش في السويد بدأ حياته الفنية رسّام جدران (غرافيتي) والآن يحقق فيلمه (الأول كما أعتقد) مع ممثلين من أمثال فنسنت غالو، جولييت لويس، ستيلان سكارسغارد وأودو كير٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر خمسة أفلام شاهدها الناقد


علامة + تعني أن الفيلم شوهد سابقا

Cheri | Stephen Frears (2009) ***
+Miller's Crossing | Joal & Ethan Coen (1990) ***
+ Another Man, Another Woman | Claude Lelouch (1973) **1/2
Those Awful Hats | D. W. Griffith (1909) **1/2
The Redman's View | D. W. Griffith (1909) ***1/2

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماذا حدث لسام مندس؟

عشر سنوات فقط هي كل ما احتاجه سام مندس لكي يصعد ويهبط القمّة٠
من »جمال أميركي« سنة 1999 الذي سحب من تحت أقدام المنافسين خمسة أوسكارات وستة جوائز بافتا وثلاثة غولدن غلوبس، الى
Away We Go | بعيدا نذهب
الذي انطلق الى العروض قبل نحو شهر فمرّ مثل قطار في الأفق قد تسمع صفيره إذا لم تكن لديك أصوات أخرى أقرب تتناهى اليك وتشغلك

فشل الأفلام أمر يقع بوتيرة أعلى من نجاحها، حتى حين لا نشعر بذلك في مواسم الصيف حيث كل معظم الأفلام تأتي مضخّمة، استحقّت ذلك أو لم تستحق. »بعيداً نذهب« قصّة أميركية مئة بالمئة حول زوجين شابّين ينتقلان من مدينة أميركية الى أخرى بحثاً عن المدينة الأنسب للعيش. على الطريق يكتشفان المزيد عن نفسيهما وعن الآخرين، كما حال أفلام الطرق الأخرى ولو أن الإنتقال هنا كان يحدث بالطائرة في بعض الأحيان٠
إذ مرّ الفيلم من دون أن يثير انتباه أحد (مؤشر النقاد على أكثر من موقع منحه من ستين الى ثمان وستين درجة استحسان من قِبل النقاد الأميركيين) وذلك بعد أقل من عام على مرور فيلمه الآخر
Revolutionary Road | طريق ريفوليوشنري
مروراً شبه عابر بدوره، يتبدّى أن الهالة التي أحاطت به قبل عشر سنوات مع نجاح »جمال أميركي«، والتي استحقها على أي حال، قد تبخّرت سريعاً. بعد ذلك الفيلم قدّم »الطريق الى برديشن« (مثل »طريق ريفوليوشنري« يستخدم العنوان إسماً ذا معنى يطلقه على علم) الذي حمل -لجانب جودته- ملامح عالم من العنف كتعليق على وضع فردي/ اجتماعي، كذلك الحال في فيلمه اللاحق »جارهيد« الذي علّق فيه على خوض الولايات المتحدة الحرب في العراق خلال ما يوصف بـ »حرب الخليج الأولى«. ثم أنتج بضعة أفلام من بينها »عدّاء الطائرة الورقية« قبل أن يخرج فيلميه المذكورين »طريق ريفوليوشنري« و»بعيداً نذهب«٠
كل هذه الأفلام كانت تحتوي على تعليق للحياة الأميركية ولو أن أحداث »جارهيد« ليست أميركية. وهذا التعليق استكمالا لما وفّره في »جمال أميركي« في الأساس٠ مندس يدمج التعريض الذي يقدّمه للفرد بخلفية اجتماعية شاملة كما كان يفعل بعض مخرجي هوليوود في الأربعينات والخمسينات مثل دوغلاس سيرك وفرانك كابرا٠
مشكلة »بعيداً نمضي« أكثر من سواه بين أفلامه السابقة أنه يختار أن يكون »صغيراً«. طبعاً المشكلة ليست في الحجم طالما أن المفعول والتأثير جيّدان٠ لكن هذا الفيلم يختار، أكثر من سواه من أفلام المخرج، أن يتّخذ شكلاً بلا نتوءات يمكن لأحد أن يعتبرها دلالات ويطرحها لنقاش طويل. لا حدّة له لكي يُثير وضعاً حتى بين الذين ينظرون الى الفن وحده في السينما٠
على الأقل »طريق ريفوليوشنري« فيه شخصيات تصرخ وتتلوّى. تحلم وتهوى وتمر في أطر من الأفعال وردّات الأفعال المتوالية. »بعيداً نذهب« مثل عنوانه .... بعيداً يذهب ولا أحد شاهده يأتي فلم يكترث إذا ما ذهب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انغمار برغمَن والنقد

بعد وفاة المخرج إنغمار برغمَن كتب الناقد الأميركي الشائع جوناثان روزنبلوم مقالة نعي سمّاها »مشاهد
من مهنة مبالغ في تقديرها" او بالإنكليزية
Scenes from An Overrated Career
وذلك نسبة لعنوان فيلم برغمَن
Scenes from a Marriage
وفيه تحدّث الناقد عن كيف أن إنغمار برغمَن لم يكن بذلك المخرج الذي يستحق كل ما ناله من مدح وتقدير وبرر رأيه بأن أفلام برغمَن لم تعش مع الزمن وأن "نجمه اضمحل"، علماً بأن الناقد كتب قبل ذلك أنه إذا ما استعنت بغوغل ليبحث لك عن ما كُتب حول المخرج السويدي لخرجت لك ملايين النتائج التي تقرن إسم برغمن بكلمة "عظيم"٠ كيف إذاً يكون نجمه اضمحل؟
بعض أفلامه اليوم ما عادت جديدة الوقع كما كانت عليه، لكن ذلك فقط إذا ما كانت نظرتنا الى الأفلام إنطباعية، ذلك أن الناقد عليه أن يرى الفيلم لأول مرّة في كل مرّة دون أن يلغي مكتسبات المرّات السابقة بحيث يستطيع أن يضع نفسه في الزمن ذاته عوض أن يجرّب الفيلم على مقاسه هو في هذه الأيام٠
كلمة روزنبلوم لم تمر من دون حساب إذ كتب منتقداً رأيه كل من أدريان مارتن وكنت سميث وروجر إيبرت ولاري غروس وكلّهم من النقاد المعروفين٠
وردّ روزنبلوم على منتقديه غير مقتنع بوجهة نظرهم ولبضعة أيام وقع سجال امتد من الصحف المكتوبة، بما فيها مجلة »فيلم كومنت« الرزينة الى مواقع الإنترنت. لكن أحداً لم يفقد صوابه ويتعامل مع الجدال على أساس أنه معركة شخصية يجب أن يربحها. حتى حين كتب كنت سميث في مجلة »فيلم كومنت« مقالته منهياً إياها بالكلمات التالية: "إنغمار برغمَن ليس العدو، بل التعميم السائد والحكم المستعجل من قِبل ثقافة الفيلم الحالية الواقعة تحت تأثير الإعلان على نحو لم يكن سائداً أيام برغمن. إنه كما وأن روزنبلوم أفضل من ديفيد تومسون كناقد، فإن برغمن سيبقى دائما برجاً شامخاً "٠
تساءلت ما الذي حشر ديفيد تومسون في الدق، ثم تابعت الصحف التي يكتب فيها ديفيد تومسون (ومن بينها »فيلم كومنت« ذاتها) لأرى إذا ما كان سيرد على رأي يضعه تحت مستوى ناقد آخر من قِبل ناقد ثالث. لكن الرجل لم يكترث٠
هذا كله جعلني أعيب على نفسي حقيقة أنني منذ رحيل توم مايل ورتشارد راود ورايموند دارنت وفيليب ستريك وتوقف آخرين من نجوم النقد في السبعينات او ربما ماتوا أيضاً، لم أعد أكترث قراءة النقد بنفس الإهتمام والكثرة التي كنت أقرأ بها سابقاً. نقادي المفضّلون، الباقون من تلك الفترة، قلائل وقلّما يكتبون (تحديداً جوزف مكارثي، روبين وود ورتشارد كومز) ومعظم من يكتب اليوم لا يفي الجانب التحليلي حقّه على الإطلاق٠
لكن هناك سبباً مهماً لابتعادي عن قراءة النقد عموماً وهو أن الأيام الحالية ليست أيام برغمَن وكن راسل وانطونيوني وآرثر بن وأورسن ولز وبونويل وأوزو وكوزنتسيف وتاركوفسكي. كما مات معظم من ذكرت، مات معظم النقاد الذين صاحبوا أعمالهم وماتت مع الفريقين فترة ثقافية غنية بالمعرفة ومليئة بالإنجازات في كل أنواع الفنون في كل مكان٠

لقد كتبت ذات مرّة أن التاريخ توقّف في مطلع الثمانينات. نحن الآن نتنفّس فقط حتى لا نموت. لكن الأكسجين الحقيقي كان في ذلك التاريخ الثري من الثقافات المتنوّعة والفنون المختلفة. طبعاً لا زال هناك أشجار ترفض أن تموت، لكن سامحوني: بين الأخوين كووَن والأخوين تافياني هناك فرق شاسع، وبين لارس فون تراير (أعظم مخرج في العالم حسب قوله) وجان-لوك غودار سنوات ضوئية شاسعة. وقس علي ذلك ضروب الثقافة والفن الأخرى وهذا ليس فقط من منظوري وحدي، بل من منظور كل من عايش الجيلين ويدرك الفروقات المختلفة بينهما٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ميكلوش يانشكو والجوائز

إذاً فاز ميكلوش يانشكو بجائزة الإخراج في دورة من دورات فانيسيا عن فيلمه »موسم الوحوش«... او لم يفز؟
حين قرأت هذا القرار تساءلت، ثم تحدّثت مع زميل ترك المهنة من سنوات لكنه لا يزال متابعاً جيداً. يشاهد كناقد، يتحدّث كناقد، لكنه لا يكتب نقداً لأن النقد لا يطعم خبزاً وهو بحاجة الى الخبز. قال لي: هناك خطأ ما في هذا القول الا تعتقد؟ . سألته ما يقصد فقال: يقيني أن يانشكو لم يفز بأي جائزة من أي من المهرجانات الثلاث الأولى برلين وكان وفانيسيا٠
ارتبت في كلامه. قلت له: أمتأكد؟ أسم كبير مثله ... ربما لم يفز بجائزة من فانيسيا لكن ألم يفز بجائزة من برلين او سان سابستيان مثلاً؟
قال: تأكد بنفسك٠
IMDb Pro والحال هذه لابد من اللجوء الى مصدر موثوق- وشامل. مصدر مثل
فتحت على يانشكو وجوائزه. بالفعل الرجل رّشح هنا وهناك لكن أكبر مهرجان فاز منه بجائزة عن فيلم هو مونتريال سنة 1992 عن »رقصة الدانوب الأزرق« ونال عنه جائزة أفضل مخرج. أما باقي المهرجانات الكبيرة التي عرض فيها (برلين وكان وفانيسيا) فقد خرج صفر اليدين. حتى من كارلوفي فاري خرج صفر اليدين. معظم جوائزه من مهرجان الفيلم المجري، وهو مهرجان رائع لكنه محلي٠ لعل ذلك عائد الى أن يانشكو لم يشترك كثيراً في المهرجانات الدولية: مرة برلين، مرّة فانيسيا، مرّتين كان ٠
ولم أكن بحاجة الى ذلك المصدر الضخم والموثوق من المعلومات لأتأكد أن يانشكو لم يفز بجائزة أفضل مخرج سنة 1987 عن »موسم الوحوش« لكني كنت نسيت، وقد حضرت تلك الدورة بالفعل، من فاز بها فعلاً. مرّة أخرى ذلك الموقع حل محل الذاكرة. إنه العام الذي فاز فيه لوي مال بالجائزة الذهبية عن »وداعا يا أطفال« والعام الذي فاز فيه فيلم"لتحيا السيّدة« للإيطالي أورمانو أولمي (الفيلم الذي لم استطع مشاهدته الى الآن) وفيلم جيمس ايفوري »موريس« بالجائزة الفضية على نحو تناصفي٠
من الذي فاز بجائزة أفضل مخرج؟ لا عجب أنني لم أتذكر لأن فانيسيا لم يمنح هذه الجائزة في ذلك العام، ولا في العام الذي قبله ولا في العام الذي بعده ولا أدري في أي سنة منحها - إذا منحها- او في أي سنة حجبها لأن ذلك يتطلّب مراجعة تستغرق وقتاً لا أملكه

نعم خرج يانشكو عن فيلمه ذاك بشيء من فانيسيا أسمه
Honorable Mention ذِكر شرفي او
فقط للتاريخ٠



26.07.09

لديك بريد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأخت عبير من مكّة المكرّمة تسأل
ليش ما ترجع للتلفزيون يا أستاذ محمد. أنا ما كنت أطالع الا الأفلام التي تنقذها أنت بأسلوبك الساخر٠

جواب | شكراً جزيلاً يا أخت عبير على سؤالك . السبب هو أن معظم المحطّات التلفزيونية لم يعد يرضيها برنامج سينمائي موزون ورزين. يريدونه خفيفاً مثل محارم الورق ولا أستطيع والحالة هذه أن أستجيب واشترك في أحد هذه البرامج بالطريقة المطلوبة٠ آخر محاولاتي أنتهت قبل عشرة أشهر تحديداً٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسالة بإسم سهران من جدّة تقول

مبروك التحقيفات الجديدة والترتيب الجديد للعدد. ومع أني أصبحت الآن أمضى وقتا أطول لأقرأ كل شيء في هذا الموقع لكنن أعرف الآن عن السينما والأفلام أكثر من شهرين او ثلاثة أشهر حين بدأت بقراءة الموقع لكن أستاذ محمد عندي طلب: هل لك أن تكتب فعلاً عن ستيفن سبيلبرغ سبيلبرغ كما وعدت؟

جواب | عزيزي سهران شكراً للثناء وشكراً للتذكير. سبيلبرغ في غضون أسبوعين الى ثلاثة، لأني مشغول بمخرج آخر هذه الأيام ولسبب مهم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهناك رسالتان حول موضوع واحد بدأ التطرّق اليه تعليقاً على موضوع مخرجي السبعينات في هوليوود المغيّبين حالياً والمنشور في العدد 438
الأولى، حسب ترتيب الوصول كانت من الأخ عمر منجونة الذي كتب

بالنسبة لمخرجى هوليوود , أريد أعرف رأى حضرتك عن علاقة (ستانلى كوبريك) بشركات الانتاج وهى التى تبدو علاقة شاذة من نوعها وتصب فى صالح الطرف الأول. ترى ما الذى ميز كوبريك لهذا الحد رغم فشل أعماله الطويلة الاولى تجاريا. ولماذا حظى بهذا الاهتمام الكبير من الشركات الضخمة رغم إقامته بعيداً في لندن، ولماذا لا ينفرد سكورسيزي مثلاً بتجربة مماثلة بحكم الشهرة التي وصل إليها؟
الشهرة التى وصل اليها ؟

الرسالة الثانية هي من الأخ محمد العسكري الذي يقول
عندي سؤال على موضوع هوليوود والمخرجين. يا ترى من ضمن أسباب عدم التعامل استخدام عدد أيام أكبر في التصوير واستخلاك خام أكثر، زي مثلا ديفيد فينشر بيعيد اللقطة الواحدة 20 مرّة؟

جواب | شد كيرك دوغلاس، الذي كان نافذ الكلمة في الستينات، من أزر ستانلي كوبريك حين تمنّعت يونيفرسال عن الموافقة على بعض شروطه خلال تصويره »سبارتاكوس«. رغم ذلك، أدرك كوبريك منذ ذلك الحين إنه سوف لن ينصاع الى طلب شركة إنتاج في حياته٠حقق فيلمين لمترو غولدوين ماير واحد سنة 1962 هو »لوليتا« والثاني سنة 1968 هو »أوديسا الفضاء« وبينهما »دكتور سترانجلاف« لحساب كولمبيا، ثم التزم من العام 1971 بشركة وورنر حين أخرج لها »كلوكوورك أورانج«٠
أعتقد أنه مثال على أن المرء يُعامل كما يرغب من الآخرين معاملته وكوبريك أراد أن يعامله الآخرون على النحو الذي نجح في فرضه عليهم: حرّية كاملة، استقلال انتاجي وفني شامل وسيادة خلال التصوير وبعده حيث لا يستطيع أي من كبار وورنر زيارة موقع التصوير من دون دعوة كوبريك وكوبريك لم يكن يدع أحداً٠
لو أن كوبريك تنازل مبكراً لتنازل دائماً لأنه من الصعب تصحيح إعوجاج حدث٠ لكن أيضاً هناك استعداد وورنر من جانبها٠
على غير سواها من الاستديوهات الكبيرة تلتزم وورنر بطاقمها القديم من السينمائيين. المثال الحاضر كلينت ايستوود إذ لا يزال ينتج أفلامه من تمويلها٠ وهي التي رضيت أن تعتبر كوبريك فنّاناً مختلفاً الى حد المطلق وتعامله بالإستجابة الى متطلّباته وبصرف النظر عن طيلة فترة التصوير٠
باقي المخرجين، مارتن سكورسيزي بينهم، يشعرون دائماً بالضغط: فيلمان متتابعان يسقطان كافيان لأن يجعلا المخرج من هؤلاء يتساءل عما إذا كان سيجد التمويل المناسب لفيلم ثالث٠



25.07.09
بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Mr. Nobody


أحد الأفلام التي تعلّق عليه السينما البلجيكية آمالاً كبيرة ضمن الدورات المتتالية للمهرجانات السينمائية في هذه الفترة من العام الفيلم الجديد للمخرج جاكو فان دورميال »السيد لا أحد« عن رجل بلغ المئة والعشرين سنة من العمر في عالم ما عاد يموت فيه البشر. في الدور الرئيسي الأميركي يارد ليتو والألمانية ديان كروغر (كلاهما في الصورة) لجانب البريطاني ريز إيفانز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آخر خمسة أفلام شاهدها الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Bullets or Ballots | William Keighley (1936) ***
L'Atlandite | Jacques Feyder (1921)
****1/2
The Ugly Truth | Robert Luketic (2009)
*1/2
< G- Force | Hoyt Yeatman (2009)
**
Double Indemnity | Billy Wilder (1944) ****

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد الإنترنت

كل شهر أنتقل من البلدة التي أعيش فيها (توسون، أريزونا) الى هوليوود (ساعة بالطائرة) وأمكث أسبوعاً أحضر فيه مناقشات جمعية المراسلين الأجانب وعروضها السينمائية وبعض تلك اللقاءات التي تتم بيننا وبين السينمائيين المختلفين٠
هذا الأسبوع كانت هناك زيارة لموقع تصوير »الخطة البديلة« او
The Back-Up Plan
الذي تقوم ببطولته جنيفر لوبيز التي بدت في الحياة جميلة كما في السينما٠ وكنت في السيارة استمعت الى حديث مع عالم اجتماعيات حول موضوع الثقة من النظرة الأولى إذا ما كانت ممكنة او لا. وتساءلت: ماذا عن السينما؟ لم نمنح ثقتنا الى ممثلين ونحجبها عن آخرين بصرف النظر عن موقعهم من القصة. كان الوضع أكثر سهولة فيما مضى وحسب وصف كتاب: البطل بالقبّعة البيضاء والشرير بالقبّعة السوداء، والشرير هو الذي يبصق على الكلب بينما البطل هو من يربّته. طبعا المسألة تعقدت أكثر منذ أن عمد صلا أبوسيف وألفرد هيتشكوك الى تعيين ممثلين ضد النمط....٠
أيضا عروض لأفلام
The Ugly Truth, True Blood, Cold Souls
G Force وفيلم الأنيماشن
في اجتماعنا تناولنا موضوعاً لم يكن مطروحاً حتى لعامين مضت
(رغم وجوده من قبل ذلك): ماذا ستفعل الجمعية إزاء اختفاء الصحف المطبوعة، او اختفاء نقاد السينما وصحافييها من تلك الصحف (بدعوة شد الحزام) ولجوئهم الى الإنترنت٠
نظامنا ، كونه وُضع في الثلاثينات حين كانت هذه الجمعية عبارة عن بضع صحافيين ونقاد يلتقون في أحد المقاهي كلّما طرأ عليهم إجتماع ما، لم يعترف بالإنترنت، وفي السنوات القريبة أصدر تحريماً على الأعضاء بيع أي مقابلات يحصلون عليها او يقومون بها لأي إنترنت أميركي
(غير أميركي لا بأس). كذلك فإن عملية إثبات أنك لا زلت ناقدا او صحافيا ممارساً تتطلب الى اليوم (مرة كل عام) إبراز أربع مقالات مطبوعة وليس مقالات مكتوبة على الشاشة٠
هذه المرّة بدأنا نتحدّث عن موضوع الإنترنت على أساس أنه لم يعد هناك اي سبب لتجاهله وتركت الإجتماع والإدارة تخطط لإصدار قانون جديد يتيح استيعاب نقاد آنترنت من خارج أميركا
(كونها جمعية مراسلين أجانب) من بعض المواقع ذات السمعة الطيّبة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان فانيسيا يُعلن لجان تحكيمه

ثلاث مسابقات تتطلّب ثلاث مجموعات من المحلّفين في الدورة المقبلة من المهرجان الإيطالي العتيد.
في قسم »آفاق« يترأس المخرج الأسباني بير بورتابيللا فريقه المؤلف من الفنان بادي مينك
(لوكسمبرغ)، والمخرجة جينا كيم (كوريا الجنوبية) والمخرج جيانفرانكو روزي (ايطاليا) والمخرج غارين نوغرو (اندونيسيا)٠
في مسابقة الأعمال الأولى فإن القيادة منحت للمخرج الأفرو- أميركي المستقل هايلي جيريما الذي كان نال جائزة الأسد الفضي في العام الماضي عن فيلمه »تيزا«٠ تحت قيادته يتوزّع كل منه المخرج الأميركي، من أصل إيراني، رامين بحراني الذي منحه "أتحاد النقاد الدوليين" في العام الفائت جائزتها عن فيلمه »غودباي صولو«٠ أيضاً جياني دي غريغوريو الذي قدّم في الدورة الماضية فيلمه
Pranzo Di Ferragosto

الذي منح بالإنكليزية عنواناً مختلفاً يعني »غداء منتصف شهر أوغست« وفاز بجائزة الجمهور. أيضا في نفس هذه اللجنة
(الصعبة) المخرج الأميركي (أيضاً أفرو-أميركي) أنطونيو فوكوا ("يوم التدريب") والمخرج البريطاني تايلور وود٠
للأفلام القصيرة لجنة مؤلفه من الأميركي ستيوارت غوردون والروسية أوليفا سيتورا المسؤولة عن البرمجة
UCLA عن مهرجان كينوتور، كما ستيف ريكي مسؤول الأرشيف في جامعة

وكان المهرجان أعلن قبل أشهر عن أن المخرج أنغ لي
(الذي قدّم فيلمه الأخير »أخذ وودستوك« في مهرجان كان الأخير من دون إثارة تُذكر) سيقود لجنة تحكيم المسابقة الرسمية٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعقيب | المحلّية ليست الطريق الى العالمية بالضرورة

لا يزال القول سائداً في بعض الأوساط السينمائية العربية بأن الفيلم المحلي هو الطريق الى العالمية٠
هذا قول قديم تردد في الستينات وربما من قبل وكان يحمل نصيباً كبيراً من الصحّة حينها. أيام ما كان العالم لا يزال متباعداً بحدود من كل نوع ولون ما جعل التبادل والعروض العالمية للأفلام غير الأميركية أمراً ممكناً، فكنت ترى في نيويورك ولوس أنجيليس او في ريو دي جنيرو او أثينا او باريس او سيدني، في استراليا، فيلم الياباني ياسيجيرو أوزو الغارق في المحلية »الربيع الباكر« وبجانبه في ذات العواصم او سواها فيلم فيتوريو دي سيكا »سائق الدراجة« كما العشرات وبل المئات من الأفلام المتنوّعة القادمة من كل تلك السينمات التي ليس لديها آلية توزيع شاسعة ودُولية مثل السينمتين الأميركية والهندية٠
بيروت ذاتها كانت تشاهد أفلاما برازيلية وتركية وسويدية وفرنسية وأميركية ومصرية واسبانية وهندية وايطالية وسواها على حد سواء وفي صالات على مسافات قريبة٠

كان العالم مختلفاً حين كان يجهل بعضه بعضاً ويريد أن يتعرف. تثيره المسائل من نواحيها الثقافية والفنية كما العلمية وجزء كبير منه تراه مقبلاً على الأفلام التي تتحدّث عن الإنسان مصرياً كان او تونسيا او سويدياً لأنه مختلف عن القابع في البلد الآخر ولدى جمهور ذلك البلد فضول شديد٠

حينها كانت أفلام صلاح أبوسيف وتوفيق صالح وسواهما المحلّية تزيّن صالات وعروض ومهرجانات دولية- بقدر ما استطاعت هي أن تعلن عن نفسها. وأفلام هذين المخرجين- المثلين كانت محليّة في كل شيء
(على عكس أفلام يوسف شاهين التي تحدّثت مصري وفكّرت أوروبي منذ البداية)٠

القصد هنا هو القول أن مفهوم أن الفيلم بقدر ما يكون محلياً بقدر ما يكون عالمياً كان صحيحاً في الستينات ولنهاية السبعينات فقط. حال أخذ العالم يتوحّد ضمن مفاهيم اقتصادية وتقنية وعلمية ومناخية واحدة، وتقدّمت وسائل التواصل وصار الخبر الحاصل في دالاس يصل الى طنطا في غضون دقائق، والعكس صحيح، بات الآخر يعرف عن »المحلي« والمحلي يعرف عن »الآخر« أكثر مما يعرف كل منهما عن نفسه ولم يعد هناك حاجة
(نظرياً على الأقل) لمعرفة ذلك الآخر عبر الأفلام. بالتالي، المحلية ليست مطلقاً شرطاً للعالمية


هذا العدد
  • أزمتان بلغتين: "أمريكا" الفلسطيني و"عيون مفتوحة " الإسرائيلي | نديم جرجورة
  • فيلم "البشارة": الغياب والفقد وهوية الإنسان البحريني | خالد ربيع السيد
  • نجما موسيلليني بين الدكتاتورية والثورة في فيلم »دماء جامح« | ميسر المسكي
  • العالم الغريب والشقاء المرعب للكاتب والمخرج تشارلي كوفمَن | جلال نعيم
  • انطونيو بانديراس يتحدّث عن هوليوود والسينما الأوروبية ومستقبله | هوڤيك حبشيان
  • أين أختفى الممثل الحي في أفلام هوليوود هذا الصيف ؟ | محمد رُضا
مقالات نقدية


أزمتان بلغتين: "أمريكا" لدعبس و"عيون مفتوحة على اتساعها" لتبكمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة

أميركا
------------------------------------------
يسلط نديم جرجورة الضوء على فيلمين ، فلسطيني
واسرائيلي، بعد تحريرهما من النيات والأحكام
المسبقة٠
------------------------------------------
في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار الفائت، عُرض فيلمان روائيان طويلان هما الأولان لمخرجيهما: «أمريكا» للفلسطينية شيرين دعبس المقيمة في الولايات المتحدّة الأميركية (برنامج «نصف شهر المخرجين»)، و«عيون مفتوحة على اتّساعها» للإسرائيلي حاييم تَبَكمان المقيم في إسرائيل (برنامج نظرة ما»)٠«
إن المقارنة النقدية بينهما متحرّرة من النيات السياسية والأحكام المسبقة، لأنها مهمومة بتبيان أسلوب العمل السينمائي وكيفية التعاطي مع المسائل العامّة من خلال النماذج الفردية. والأهمّ أنها لا تأبه بالجغرافيا والتاريخ والنضال إذا كانت هذه كلّها مشغولة على حساب الفن والإبداع، على الرغم من الأهمية القصوى للجغرافيا والتاريخ والنضال، لكن ليس على حساب الفن والإبداع بل بالتكامل معهما شكلاً ومضموناً، علماً بأن السينما الفلسطينية أنتجت أفلاماً مهمّة لقيت اعترافاً عالمياً، كأفلام إيليا سليمان وميشال خليفي وهاني أبو أسعد وآن ماري جاسر وغيرهم، يجمعها موضوع واحد، تقريباً، هو صراع الشعب الفلسطيني في سبيل هويته وثقافته وشخصيته. ومن المؤكّد أن المستوى الفني أساسيّ في الدفاع عن فلسطين القضية والشعب، وأن هبوطه ليس لصالح لا السينما ولا القضية٠
هذه المقارنة هي بين أسلوبين في التعامل مع المجتمع ومعاناة ناسه، ولا تعني إطلاقاً أي مساواة في النظر بين المسألتين، فالانحياز بديهي وبلا شروط إلى الحقّ الفلسطيني. وليست المقارنة إلاّ لتعميق رؤية هذا الحقّ٠
هذان الفيلمان هما الروائيان الطويلان الأولان لمخرجَيْهِما، وقراءتان مختلفتان للواقعين الفلسطيني والإسرائيلي، على الرغم من تناقضهما في مقاربة الموضوعين، إذ بدا الأول متزلّفاً، إلى درجة ما، للغرب؛ في حين بدا الثاني تشريحاً قاسياً للبيئة الإسرائيلية المتزمّتة، أو مرآة شفّافة عكست واقع الحال، على الأقلّ. إنهما متشابهان على مستوى الإنتاج المتواضع، مع أنهما مختلفان كلّياً على مستوى آلية المعالجة، إذ سقط الأول في فخّ الخطابية والتسرّع في تقديم المادّة والمعالجة الفنية والدرامية، بينما حافظ الثاني على سوية إبداعية متواضعة. والمقارنة بينهما «قد» تجعل البعض يقسو على مقالة تهدف إلى القول إن هناك مشكلة إبداعية خطرة في النتاج الفني العربي، وإن بعض أسباب هذه المشكلة مرتبطٌ بانغلاق متنوّع الأشكال والمستويات، يحول دون إعمال العقل وتحرير المخيلة، علماً بأن أفلاماً إسرائيلية مُنتجة في الأعوام القليلة الفائتة على الأقلّ بدت أجمل درامياً وأهمّ فنياً وأقسى سجالياً من أفلام عربية كثيرة. ثم إن اختيارهما معاً في هذه القراءة النقدية نابعٌ من رغبة شخصية في تبيان نموذج فني عربي في التعاطي مع المسائل العربية، منسحب أيضاً على نماذج كثيرة، تغرق في الخطابية والندب وتحميل الآخر مسؤولية الهزيمة الذاتية؛ في حين أن النموذج الإسرائيلي يقسو كثيراً، أحياناً، في نقد الذات والبحث في خللها، وفي مواجهة إحدى أقسى المؤسّسات اليهودية في إسرائيل: المؤسّسة الدينية المحافظة والرجعية؛ علماً بأن هذا النموذج يُقابل خطاباً سينمائياً إيديولوجياً إسرائيلياً مناقضاً له تماماً، لأنه يزوّر حقائق ووقائع عربية، تاريخية وجغرافية وإنسانية، ويتجاهل الواقع الإسرائيلي بتغطيته بنِفَاق خطابي تجميلي٠

لقطة أخرى من فيلم "أمريكا" إخراج: لشيرين دعبس

واقع حيّ
أرادت شيرين دعبس أن تجعل «أمريكا» مرآة لواقع فلسطيني في البيئة المجتمعية الأميركية؛ وسعى حاييم تَبَكمان إلى تشريح البنية الداخلية للمجتمع اليهوديّ (وليس الإسرائيلي فقط) المحافِظ والمتزمّت. قدّمت الأولى صورة عن المواجهة الأميركية للفلسطيني المهاجر أو المنفي، خصوصاً بعد جريمة الحادي عشر من أيلول 2001؛ ورسم الثاني لوحة لثقافة منغلقة على ذاتها ورافضة الخروج من تقوقعها الديني والاجتماعي والثقافي والحياتي من دون أن يغرق الفيلم في تحليل سوسيولوجي أو نفسي مسطّح؛ مستنداً، في الوقت نفسه، إلى أدوات سينمائية بسيطة، على غرار استناد دعبس إلى مثل هذه الأدوات نفسها، وإن بدت النتيجتان متناقضتين، إذ ظلّ «أمريكا» خطابياً ووطنياً، بالمفهوم الساذج للخطابية والوطنية معاً، بينما تحرّر الثاني من وطأة السجال النقدي المباشر، لأنه غاص في التشعّبات المختلفة لهذه البيئة، من خلال نماذج فردية معينة. حاولت المخرجة الفلسطينية أن تُشرِّح العلاقة الصدامية بين الطرفين (الفلسطينيين والأميركيين تحديداً، من دون أن تتغاضى عن العلاقة الصدامية والعنفية القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين)، لكنها لم تشيّد عمارة سينمائية جدّية، لأنها مالت إلى مقاربة عادية لا تخلو من سرد حكائي مبسّط لأحداث مهمّة، علماً بأن الفيلم واقعٌ في مشكلات عدّة، أبرزها ضعف السيناريو وغياب الإدارة الفنية للممثلين تحديداً؛ بينما اختار المخرج الإسرائيلي البساطة الفنية أساساً للتوغّل في العالم المتديّن والصارم لمجموعة من الأرثوذكسيين المتشدّدين، من خلال علاقة حبّ عاصف بين رجلين متديّنين٠
لم تشذّ دعبس عن الجانب الفردي في فيلمها هذا، إذ تناولت أفراداً ينتمون إلى عائلة واحدة، يجتمعون في الولاية الأميركية إلينوي، لأسباب عدّة: الأم منى (نسرين فاور) أرادت إنقاذ ابنها الوحيد فادي (ميلكار معلّم) من الجحيم الإسرائيلي، فوافقت على السفر إلى شقيقتها رغدة (هيام عبّاس) المتزوّجة بطبيب يُدعى نبيل (يوسف أبو وردة)، علماً بأن الزوجين رغدة ونبيل جاءا الولاية نفسها قبل أعوام عدّة بهدف العمل وتحقيق الذات والبحث عن فرص حقيقية للعيش، قبل أن تكتشف رغدة أن الوطن أهمّ، على الرغم من كل شيء. غير أن التأقلم مع الواقع دونه صعوبات، في ظلّ تنامي الحقد الأميركي على العرب والمسلمين في مؤسّسات المجتمع المدني؛ والنزاع الذاتيّ بين البقاء والعودة مردّه العزلة التي تنامت حول العائلة الفلسطينية. انتبهت المخرجة إلى أن هناك أفراداً أميركيين غير ملتزمين سياسة هذه المؤسّسات، فجعلت أبرز شخصية أميركية إيجابية في تعاطيها مع هذه العائلة الوافدة حديثاً إلى «أرض الأحلام» رجلاً يهوديّاً من أصل بولنديّ، نجا من المحرقة النازية على نقيض أهله وأقاربه وأصدقائه هذا موقف خاصّ بالمخرجة، لكنه واضح النيات الإنتاجية والتسويقية). انتبهت إلى أن النهاية السعيدة ناشئة من قدرة الجميع على استعادة تأقلم ( ما، وإن ظلّ التأقلم معلّقاً في فراغ الأسئلة الأخلاقية والإنسانية العامّة٠

عينان مفتوحتان بإتساع

سلاسة المعالجة
من جهته، أبدى تَبَكمان سلاسة بصرية متواضعة في مقاربته إحدى أخطر المسائل الأخلاقية بالنسبة إلى الدين والمتدينين: المثلية الجنسية. يزداد الأمر خطورة، إذا أُدخل سؤال المثلية الجنسية إلى قلب المؤسّسة الدينية المتزمّتة والمنغلقة على نفسها. بدا اختراق المخرج هذا العالم، المحاصَر بالتقاليد المجمَّدة في الكتب القديمة والعادات الصارمة، بسيطاً وهادئاً، كأنه حريصٌ على عدم إشعال فتيل الغضب منذ اللحظة الأولى. فهو روى فصولاً من سيرة بيئة وأناس، من خلال اللحّام آرون (زوهار شتراوس)، المحترَم في بيئته الأرثوذكسية المحافظة في قلب أورشليم القدس، والمتزوّج من ريفكا (تينكربال)، التي أنجب منها أربعة أولاد، قبل لقائه الشاب إيزري (ران دانكر)، الخارج من صدمة عاطفية حادة أوقعه فيها تخلّي عشيقه السابق عنه (وهما أرثوذكسيان متديّنان أيضاً)، فإذا بأحوال الجميع تتبدّل: العائلة والحيّ والبيئة، والحبيبين أيضاً. وهذا كلّه مُصَوَّر بشفافية أقرب إلى سرد شعريّ يلتقط نبض العشق والتفكّك الأسري والعائلي والبيئي في آن واحد، ويصنع من المواجهات اليومية بين أطراف متناقضة وقوداً للاشتعال المؤجَّل. لا ينسى تَبَكمان إظهار التناقضات في ذات آرون، كاختزال سينمائي لتناقضات مشابهة لها يعيشها متعصّبون آخرون: فآرون يمارس عنفاً كلامياً ضد شاب مغرم بابنة الجيران، لأن والدها لا يريده لها؛ في حين أنه يمارس الممنوع (بالنسبة إلى المؤسّسة المنتمي إليها) في الخفاء. أي إنه ينضوي في الجماعة عندما لا يتعلّق الأمر به، ويخرج على الجماعة في المسائل الشخصية. ازدواجية أم خداع أم تحايل؟ الأهمّ من هذا، أن التفكّك ينخر جسد البيئة الضيّقة والمتشدّدة هذه، لكنه لا يقوّض أسسها، ربما بسبب مناعتها، بل ينسحب على أفراد رافضين لها، كآرون نفسه، وكابنة الجيران التي ترضخ لمشيئة الجماعة٠
إذا أخفقت شيرين دعبس في إدارة ممثليها (حافظت هيام عبّاس على أناقتها المعهودة في تقديم الشخصية وأداء الدور، من دون أن يعني هذا غياب التمثيل الاحترافي عند الآخرين، الذين لم يبلغوا مرتبة الإبهار، وإن التزموا تقنية عادية في التمثيل)، المنشغلة شخصياتهم السينمائية بالخطابية الوطنية على حساب الفن؛ فإن ممثلي حاييم تَبَكمان برعوا في جعل الشخصيات أقرب إلى الواقع الإنساني ومآزقه الأخلاقية والدينية والاجتماعية. وإذا أصيب سيناريو «أمريكا» وحواراته بشيء من الخلل والارتباك، فإن النصّ السينمائي لـ«عيون مفتوحة على اتّساعها» قدّم مادته ببساطة تملك عمقاً إبداعياً في مقاربة المسائل ومعالجتها درامياً وجمالياً٠

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية *


فيلم »البشارة» ... الزوال وأدبية التراث البحريني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد


------------------------------------------
الناقد السعودي خالد ربيع السيد يجد في فيلم محمد
بو راشد "البشارة" أكثر من سبب للإحتفاء به وبسينما
خليجية تتطوّر٠
------------------------------------------

في الغياب والفقد، وما يتولد عنهما من هواجس وبوح مكتوم وخلجات إلتياع مؤرقة، وبما يقودان اليه من هذيان الألم ومكابدة حرقة الفراق وتغييب الموت للأحباء، وأيضاً في ما تستوجبه الحياة العصرية من هجر المكان .. الأرض والمنشأ، الموطن بكل حمولاته الحميمية، والإنتقال الى مدن الخرسانة العصرية بكل ترسانتها الإصطناعية، وكذلك في دقائق التراث الموغلة في هوية الإنسان البحريني.. في كل ذلك يغوص المخرج محمد راشد بو علي بلغة سينمائية هادئة ليستخلص من قصة الروائي فريد رمضان معانٍ إنسانية عميقة، وليخلق من السيناريو رؤية بصرية زاخرة بالصورة المليئة بالتفاصيل الجمالية، ليقدم منهما فيلمه الأخير
The Good Omen | البشارة
عرضته شاشة مهرجان الخليج السينمائي في دبي مطلع هذه السنة، بإنتاج متميز أداره محمد عبدالخالق لشركة البحرين للإنتاج السينمائي ، ناجحاً في إستنطاق أحدوثة الوجع الشعبي المتوارث والضاربة في قسوة الزوال: موت الإنسان وإندثار المكان٠

إذن هو الموت بتأثيره النفسي الغائر، يتطرق إليه بو علي، سواء في فيلمه هذا أوفي فيلمه السابق "الغياب" ، حيث يتناوله في كلا العملين بأدبية رفيعة تجيّش المشاعر للتداخل مع خلجاته اللانهائية، بإعتباره أرقاً عرفه البحارة والصيادون والناس عامة في الخليج العربي، ربما بسبب إرتباطهم بحياة البحر المليئة بالمغامرة والسعادة والجحيم في آن واحد. أو بسبب ثورة البترول التي عصفت بالمنطقة فاجتاحت الإنسان وغيرت المعالم ..هو ألم لا يذبل مع مرور الزمن ويبقى جاثماً على الصدور كما صوره بوعلي برهافة حسية بالغة في 26 دقيقة٠

يصدح حسين بورقبة بمواله:٠
نيران قدر الدهر توقد في قلبي بحر
وعليّ سِلَّتْ سيوف الماضيات وبحر
الناس في ظلهم وربعي بشمس وبحر
يسرد الفيلم منطلقاً من الموال الفصل الأخير في حياة جاسم، أبومحمد (عبدالله ملك)، الذي يواجه حالة فقد مركّبة، تَفتُق حنينه أولاً للحبيبة الغائبة، زوجته أم محمد (مريم زيمان)، التي رحلت وفي قلبها جمرة فقدان إبنها البكر. وثانياً إشتعال مواجعه على المكان الآخذ في الإندثار، المتمثل في حارته/الجزيرة وأصدقائه وناسه القدامى ..آخرهم صديقه حسين (أحمد عيسى). ذلك الحنين يعصف به ويضعه في مأزق الحياة العديمة الروح، وهوالذي عاش حياة الحارة العتيقة بكل زهوها، وعاقر القيم الأصيلة وعرف معنى الألفة والمحبة الخالصة. لكنه يفيق بعد تبدل الأحوال فلا يجد في راهنه سوى الإنتظار والشرود بذهنه الى ماضيه المفعم بالطمأنينة وراحة البال٠

هذه الشخصية المأزومة جسّدها الممثل عبدالله ملك بتعايشٍ عميق إنعكس على لغة جسده وتعابير وجهه، وأسهم في الإحساس بذلك مكياج ياسر سيف مُظهره في سن متقدمة، في مقابل لقطات الإرتجاع بالزمن (فلاش باك) التي برزت فيها مريم زيمان بأدائها التلقائي ، لاسيما وأن طريقة أدائها تسعى الى الوصول لأقصى درجات الطبيعية. تظهر أم محمد في لقطات ضبابية وهي باسمة، كما تبتسم الأمهات اللائي تركن أحبائهن وهن راضيات . مشبعة بألق الدعة، مرتدية ثوب المكورر الزاهي ، تتهادى بين الواقع والخيال في تكامل سحري سينمائي يبديه بوعلي وقد إتضحت سمات حرفته الإخراجية في نهج الواقعية الأدبية، خاصة وأن موضوع وقصة الفيلم يتطرقان الى الواقع من زاوية نستولوجية توطد مفاهيم الأصالة وتماحك صراعها مع الحداثة٠

لكن هذا الواقع بهوته الواسعة الرابضة بين جيل جاسم وجيل حفيده، جيل الإنترنت والعلاقات الإلكترونية التخيلية، كما صورها مشهد إنشغال الحفيد بالتخاصب عبر المسنجر .. ذلك الواقع الإفتراضي والتواصل الوهمي لا يمت لعالم جاسم بصله أورابط مادي حقيقي، لذا يجد نفسه غريباً وحيداً فقد زمنه وكينونته، بعد أن ناطحت سنوات عمره العقد السابع. ومع إشتداد إحساسه بالغربة والخوف من خواء الآتي، يعرض عليه إبنه محمد(جمال الغيلان) الخروج والإنتقال من منزله القديم الى منطقة سكنية حديثة. يرفض العرض بشدة، وتبدأ روحه في التمزق، لتكتمل عقدة الفيلم، ويلتمع بداخله سؤال : كيف سيترك الحيّ الشعبي الذي عاش فيه أجمل أيام حياته مع زوجته وأهل حارته الطيبين؟

تَحمى وتيرة الصراع الداخلي عند جاسم، فلا يجد أمامه سوى الإنتصار لجوانيته الحزينة بأن يظل مترقباً للأمل وللبشرى القادمة مع عودة زوجته (عمرك ما تعرف إن اللي يحب ما يترك محبوبه وبشارة جيتها بتشوفها معلقة على سطح البيت) ٠
يأخذ ثوبها النشل المطرز بخيوط الذهب، كانت ترتديه في مناسبات الأعياد والأفراح، ثم يصعد الى صارية البيت ليعلقه كعلم بحسب العادة المتوارثة، للكناية عن البشارة بقرب عودة الغائب المنتظر. لكن البشارة لم تكن بعودة أم محمد بل بدنوأجله وموته المحتوم

على هذه المحاور رسم فريد رمضان سيناريو الفيلم، متخذاً من الأحياء الشعبية في الجزيرة القديمة مواقعاً للتصوير بما يتلائم مع أجواء القصة وزمنها السردي والإسترجاعي ، متخلصاً ـ السيناريست ـ من كثرة الإكسسوارات البصرية التي لا تخدم الفيلم القصير، فلا مظاهر زائدة تبرهن على العصر، لا حاجة لظهور سيارات وأجهزة ومبان شاهقة ومظاهر مدنية كبيرة ..فقط يركز السيناريوعلى يملأ مخيلة المشاهد بزمن جاسم المفقود، ناهيك عن لقطات غنية بالمكونات البيئة المنسجمة مع موضوع الفيلم لجهة التأكيد على أصالة الحياة البحرينية القديمة والتي تبرق بلونية جمالية آخّاذة أبرزتها حرفية مهندس الإضاءة خالد العميري، خاصة في المشاهد التي تصور تفاصيل البيت من الداخل: اللحظة التي ينفتح فيها الباب قبل دخول أم محمد المتخيل ،يشع الضوء ممتداً على أرضية المجلس، وتشكل ثنائية الضوء والظلال حُلمية المشهد. وفي اللقطة التي تصور ثوب النشل وقد رفرف على الصارية يصعد النور ليبدد الظل عن أزقة الحارة/ الجزيرة، وأثر الشمس يلوح والرياح العاتية تنعكس على ملامح الشخوص، كل هذا يأتي في تكامل بصري مع الديكورات المدروسة من قبل راشد كويتان وفاضل علي٠


لم يغيب عن المخرج تضمين الفيلم بلفتات رمزية بالغة الأهمية : دلة القهوة وملة التمر، البخور، أدوات الشاي، الملابس، المقهى، فرحة الصيد، أصوات السيارات التي تعبر جسر المحرق/البحرين دون أن يراها المشاهد . . في إحدى اللقطات بينما جاسم وصديقه حسين يتبادلان الحوار على ظهر قارب الصيد، يظهر في خلفية الأفق البعيد العلم البحريني في دلالة تومئ ،ربما، الى البشارة بالمستقبل الواعد الذي ينتظر البلاد، تلك الرسالة التبشيرية بالمستقبل بثها الفيلم من ضمن عشرات الرسائل التي عكسها محمد راشد بوعلي بفنية تبتعد عن المباشرة وتترك للصورة حرية التعبير الكاملة بحسب إجتهاد مدير الكاميرا حمد الماجد في إلتقاطها، لتكمل الخفي وغير المفصوح عنه في الحوار الجزيل الذي كتبه فريد رمضان برهافة الشعر وجمالية الأدب :٠
أم محمد: كان لازم آييك.. أنت نَفَسْ البيت، ما يصير أخليك تتعب أكثر.. ولهانه عليك مثل ما أنت ولهان عليّ. اللحين بيغرد ثوب النشل، وبيسمعه كل أهل الفريج.
بدلا من يذهب الأحياء للموتى ، تأتي هي (كان لازم آييك) ، لأنها عرفت الحياة هنا، ولم تعرفها في الزوال ٠
يضع بوعلي بصمته في الحوار بما يكون ركيزة الفيلم الإضافية:٠
جاسم: البيت وآحشني وايد
أم محمد: أنت في البيت
جاسم: أنتي البيت، تعالي، خليني أحط على جروحك دوا، تراني أدري فقدان الضنى صعب، موسهل، تعالي يا سدرة البيت جلسي يمي٠

يترنم بورقبة :٠
من حيث أهل الوفا ما عاد فيهم وصل
وانقص حبل الرجا منهم فلا له وصل
لوكان بالسِّيفْ قطعت الاعادي وصل ٠

خالد ربيع السيد: ناقد وباحث سينمائي من المملكة العربية السعودية *


Sangue Pazzo الدم الجامح والطموح المخذول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي



------------------------------------------
يفتح الناقد ميسر المسكي النافذة اليوم على فيلم إيطالي
يتعامل ونجمين من الأربعينات وُجداً مذنبين بتهمة القبول
بماسوليني فاشياً٠
------------------------------------------

نحن في الثلاثين من نيسان 1945. منذ خمسة أيام فقط سقطت الدولة الفاشية في إيطاليا التي أستسلمت للحلفاء٠
ولدان مُشردان في أنقاض مدينة ميلانويعثران على شريط سينمائي وبجانبه جثتان لرجل وأمرأة ولوحة صغيرة كـُتبَ عليها: "لقد تم إعدام أوزفالدوفالنتي ولويزا فيريدا"٠

لكن من هما فالنتي وفيريدا؟ للإجابة، علينا بنظرة سريعة إلى تلك الأيام ليكون القاريء الراغب بمشاهدة الفيلم في مناخ الأحداث٠
عام 1943 نَزَلت جيوش الحلفاء على البرّ الإيطالي وأنهارت الحكومة الفاشية في روما وتمّ إعتقال الديكتاتور وسيّد روما السابق بنيتو موسوليني. لكن أدولف هتلر أرسَلَ خيرة وحداته الألمانية الخاصة التي حررت موسوليني من أسره وأعاده إلى شمال إيطاليا حيث ترأسَ جمهورية فاشية صغيرة عاصمتها بلدة سالو الصغيرة. هذه الجمهورية كانت بتمويل الألمان وحمايتهم وحين غادروا شمال إيطاليا بعد عام ونصف أنهارت هذه الجمهورية المسخ وألقي القبض على موسوليني واُعدم مع صديقته وبعض أعوانه٠
جمهورية سالو هذه هي التي أستعارَ بيير باولو بازوليني أسمها لفيلمه المعنون "سالو" المفعم بالعنف السادي الذي أراده بازوليني رمزاً للفاشية. والفيلم أستعاده الناقد هوفيك حبشيان على صفحات هذه المجلة منذ أسابيع٠

حين فرّ الفاشيون إلى جموريتهم في الشمال، رافقهم بعض من خشي من نقمة الثوار وبعض من لم يكن قد أختـَبَرَ العيش إلاّ في ظلّ الفاشيين الذي دامَ حكمهم واحد وعشرين عاماً. من أولئك كان الممثل الشهير وقتها في إيطاليا أوزفالدو فالنتي وصديقته الممثلة والنجمة لويزا فيريدا. فالنتي وفيريدا أرتبَطَ أسمهما بالنظام الفاشي لصداقتهما مع بعض أهمّ رموز ذلك النظام أيام عزّه كما أيام إحتضاره٠

أليسو بوني ومونيكا بيلوشي

يلقي المخرج ماركو توليو جيوردانا في فيلمه "الدم الجامح" نظرة على سيرة الممثلين ونهايتهما المأساوية محاولاً فكّ الإرتباط بين فيريدا وفالنتي وبين النظام الفاشي. جوردانا يحاول ذلك عبرَ تقديم تفسيرات درامية لبعض الأحداث. فما اُشيعَ عن أن فالنتي قد سَاهَمَ في تعذيب المعتقلين الشيوعيين في سجون سالو، يقدّمه جيوردانا هنا على أنه سهرة صاخبة جمعت فالنتي وفيريدا مع ضابط أمن فاشي وحاشيته وقد خرجت السهرة عن السيطرة حين طلبَ فالنتي أن يلقي نظرة على المـُعتقلين في أقبية التعذيب ليصورهم بكاميراه، وهوالذي كان يوثـّق أغلب مراحل حياته على أشرطة سينمائية. كما أن جيوردانا لا يترك فرصة إلاّ ليُظهر سخرية فالنتي من رأس النظام الفاشي، موسوليني. أما فيريدا فقد ربطها جيوردانا بعلاقة ملتبسة مع كونت مثلي جنسياً وعاشق للسينما وكاره للفاشية. شخصية يقول من يعرف سيرة النجمة لويزا فيريدا أنها درامية صرف ولم يكن لها وجود على الواقع٠
الفيلم يبدأ خمسة أيام قبل إستسلام إيطاليا وينتهي أربعة أيام بعدها. تسعة أيام لرواية الهروب الأخير والمستحيل لممثلان نجمان أصطدمت أفلام المغامرات الوهمية التي قدماها على الشاشة بالواقع الدامي لبلد مزقته الديكتاتورية كما الثورة٠
يلجأ جيوردانا إلى الفلاش باك لإستكمال بانوراما سيرة فيريدا وفالنتي منذ صعودهما إلى الشهرة إلى يوم حتفهما برصاص الثوار في خرائب ميلانو الثائرة. لكن المشكلة هي أن الفيلم يفقد زخمه بعد فترة ولا ينفع الفلاش باك الغزير ولا بعض التشويق الذي أضافه المخرج إلى رحلة هروب المـُمثليَن ولا سحر مونيكا بيللوتشي ولابعض الدلالات البصرية اللافتة ولا مَشاهد الجنس الرمزية في دفعه إلى التحرك إلى الأمام.
ورغم أن المادة الروائية الدسمة تسمح بالإنفتاح على إحتمالات كثيرة بصرياً وفكرياً، لكن النصّ المكتوب وفقر الخيال والمعالجة أطاحا بفيلم كان يمكن أن يكون بديعاً في سرد تماهي وإلتباس السينما (الخيال) مع السياسة (الواقع). هذا الإلتباس الذي يودي بنجمين إلى نهاية شكسبيرية في عالم كان يهذي بالعنف٠
يملك الفيلم بعض لحظات البريق من حيث التنفيذ كما الدلالة. فحين يهرع فالنتي للهرب في يومه الأخير يكون عليه الإختيار بين علبة المجوهرات وبين علبة معدنية تحتوي شريط واحد من أفلامه، فيختار الأخير. كما أننا طوال الفيلم نرى فالنتي يحمل علب أفلامه (إرثه البصري) التي تتناثر على درب الهروب وتنتهي إلى علبة واحدة إلى جانب جثته حيث يـَلمّ الشريط السينمائي المهدور طفلان مُشردان٠
عُرضَ الفيلم في مهرجان كان عام 2008 دون أن يحظى بالكثير من الترحيب. لكن في إيطاليا كان له وقع آخر خصوصاً مع صعود اليمين إلى سدّة الحكم هناك٠

لمحة عن لويزا فيريدا وأوزفالدو فالنتي
ولدت لويزا فيريدا (وأسمها الأصلي لويجيا مانفريني) عام 1914. بدأت حياتها المهنية كممثلة مسرح في أدوار ثانوية، ثمّ أنتقلت إلى السينما حيث لعبت أدواراً مساعدة قبل أن يتيح لها جمالها وموهبتها أن تحوزأدواراً أولى كثيرة كان أهمها عام 1936 في فيلم "الصمت الكبير". صعود فيريدا إلى النجومية ترافق زمنياً مع توطيد الفاشيين لسيطرتهم على السينما كما على إيطاليا كلها.
عام 1939 وفيما كانت فيريدا تصّور فيلمها "مغامرة سلفاتوري روزا" ألتقت بأوزفالدو فالنتي (1906 – 1945) والذي كان قد سبقها إلى الشهرة وتطورت علاقتهما وأنجبا ولداً (فيلم الدم الجامح يتصرف في هذه التفصيلة حيث يتم إجهاض الطفل)٠
في الأربعينيات تحولَ كلٌ من فيريدا وفالنتي إلى رمزين لإزدهار الحقبة الفاشية في السينما الإيطالية وتوالت أدوارهما بحيث لعبَ فالنتي في أكثر من ستة وخمسين فيلماً، فيما قامت فيريدا ببطولة سبع وثلاثين فيلماً ونالت جائزة أفضل ممثلة إيطالية في أول الأربعينيات٠
علاقة فالنتي القوية مع رموز السلطة الفاشية وضعته، ومعه فيريدا على لائحة إنتقام الثوار والشيوعيين. في الثامن والعشرين من نيسان 1945 أعتقلَ الشيوعيون موسوليني وصديقته وأعدموهما، وبعد ذلك بيومين وفي الثلاثين من نيسان عام حظي الثوار في مدينة ميلانوبفيريدا وفالنتي، وتمّ إعدامهما فوراً في أحد شوارع المدينة دون أي محاكمة. لويزا فيريدا كانت في الواحد والثلاثين من عمرها وحامل في شهرها الثالث حين أرداها رصاص الثوار٠

ميسر المسكي ناقد سينمائي سوري يكتب مقالاته خصيصاً لهذا الموقع *


Synecdoche, New York
العالم الغريب والشقاء الروحي المرعب لتشارلي كوفمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم

فيليب سايمور هوفمان في البطولة

------------------------------------------
ترحب مجلة "ظلال وأشباح" بقلم جديد
ينضم إليها ويكتب خصيصاً. الزميل جلال
نعيم يكتب من لوس أنجيليس عن فيلم تشارلي
كوفمان الجديد الباحث في النفس والذاكرة والمتألّم
حسرة على وجود لا يتوقّف عن التغيّر٠
------------------------------------------

منذ فيلمه الأول
Being John Malkovich (1999) | أن تكون جون مالكوفيتش
وتشارلي كوفمان لا يكف عن محاولة اختراق الحصن، الحصن الذي عجزت كاميرات السينما عن اختراقه، الا باستثناءات نادرة: الا وهو ذهن الإنسان! ولعل أدواته، ككاتب، قد شحذت جيدا عبر افلامه
Human Nature (2001) | " طبيعة بشرية
Confession of a Dangerous Mind (2002) | اعترافات عقل خطير
Adaptation | (2002) اقتباس
Eternal Sunshine of the Spotless Mind (إشراقة أبدية لعقل نظيف | (2004

ولعل هذه التحصيلة العميقة من الأفلام وضوحا، أكثر عمقا، وأعنف حضورا في الذاكرة! هو ما قاده الى صنع فيلم جديد أكثر توجهاً هو
Synecdoche, New York

حكى "اقتباس" قصّة كاتب سيناريو يريد ان يؤلف فيلما عن الزهور وأمام رفض شركات الانتاج لهكذا موضوع في هوليوود يلجأ الى أخيه المغرم بأفلام القتل والمطاردات ليضيف له من عندياته ويخضب فيلمه بالدم. وقد أوهم كوفمان حينها الجميع، بمن فيهم أعضاء أكاديمية الأوسكار بشخصية أخيه التوأم المختلقة من عندياته، وللعب بتجاريات هوليوود ربما وضع اسم اخيه المختلق ككاتب مساعد وكمشارك في كتابة السيناريو وحصل كليهما على ترشيح للأوسكار وكأنه شخصية فعلية٠
يستعير هذا الاسم الغريب واقعية لها وجودها الحقيقي، وهو شيء له دلالته، فهو في هذا الفيلم
Synecdoche
والذي يعني باليونانية "الفهم المتوازي او المزدوج" ، او ما يعطي معنيين مختلفين في الوقت نفسه! ووضعها في مقدمة الفيلم وكأنها توطئة لكشف حالة التوازي. بان لا يغيب عن بالنا بان ذلك يأتي بعد سرد التكامل ما بين الواقع والخيال.. ولكن يجب على الحقيقة المرة أن تحتفظ بانفصالها، ومن ثم تداخلها مع نسيج الفيلم، والتي جاءت على وفيها شكل فيلم قصير مصور بطريقة الابعاد الثلاثة يروي واقعة غزو بيروت عام 1982 يعبر عن المفارقة الكبيرة في أنه كلما أراد استعادة ذاكرته وجد نفسه يبحث عن أناس لا يمكن نسيانهم.. وهو ما يمكن قراءته بان الواقع يضغط على الذاكرة حتى يسحب منها فتيل المخيلة وبالتالي تبقى الاشياء والكائنات المفروضة عليها.. ولعل هذا ما يفسر القسوة والحزن الذي يحيك خيوط هذه القصة/الفيلم!٠

من هو "كادن كوتارد"؟
هو رجل بلا ذاكرة، كما تقترح المقدمة. مخرج مسرحي ناجح، وكثمرة لنجاحه يحصل على المسرح الضخم في مدينة المعاني المزدوجة الذي لا يريد تقديم ليس حلم حياته فيها، ربما لأنه بلا ذاكرة وبلا مخيلة، وإنما يرغب في وضع اسقاطاته فيها، او الكائنات التي تضغط عليه، والتي لا يمكن نسيانها، لذا يسطر جيشا يتنامى من الممثلين، "ليس فيهم كومبارسا واحدا" كما يعلن دائما، لأن كل منهم يؤدي دورا اثر فيه، وله كيانه الخاص به. فالعالم فيه مليارات من البشر / الأبطال وليس فيهم كومبارس واحد٠
هو عالمه اذاً، نعم لأنه فرض عليه.. هكذا يعرف شخصياته، او ترتسم أمامه، تتوسل اليه بأن يكون كما كان أكثر من عشرين عاما مضت. يرسم شخصيات لأنه يخرج مسرحية في مسرح بلا جدران عبر زمن يتسلل الى رأسه وحياته حيث تهجره زوجته الى حبيبة لها في المانيا بعد ان تقيم معرضا هناك لصور حياتهما والناس المحيطين بهما ولكن على شكل صور صغيرة لاترى الا بعدسات مكبرة. وتأخذ معها ابنته الصغيرة التي يظل يتصور بأنها لم تغادر الرابعة حتى بعد ان يراها وقد تحولت الى عارضة وشم على جسدها العاري. يراها من وراء زجاج العرض، يصرخ فيها ولكن لاتبالي او لا تسمع، حتى يأتي أمن المترجم المعرض ليسحلوه خارجا.. ثم تموت بعد سنوات، يراها وهي تحتضر، يتحادثان عبر الآلي ويعرف بانها تحتضر لأن زهور الوشم (التاتو) على جسدها بدأت تذبل.. ينتحب أكثر من مرة ولكن بصمت٠

ممارسة الجنس مع اية امرأة وخاصة عشيقته تستدر دموعه. شقاء روحي مرعب. وأناس يدفنون، بينما مسرحيته تنمو وتتشعب، الشخوص التي خلقها، والتي فرضت نفسها اصلا بحكم الواقع المفروض، أشدد، وليس الذاكرة، يتنامون ويخلقون شخوصا أخرى تشبههم، وتؤدي أدوارهم، تناسل من نوع غريب لا يشبهه غير الرحيل المتكرر لأبيه وأمه ومن ثم عشيقته.. الزمن يجري ولا يسرطن غير أمراضه وكوارثه الداخلية العميقة.. نسيج غريب، الشيخ الذي كان يراقبه على مدى عشرين وكأنك تفرش أعماقك في الشارع مثل غسيل.. سامي عاما كظل او كشبح يدخل الحلبة، حلبة المسرح الذي تنمو فيه الشخصيات مثل أعشاب ضارة يلقي بنفسه من أعلى المخازن الكبيرة ثم سرعان ما يتطوع بدله بديل آخر.. ثم يحدث ما هو أخطر: فعندما تنفرط من أصابعه شخوص مسرحيته التي لم يؤلفها أصلا، وينشغل هو باستمتاع بتنظيف شقة زوجته التي عادت من المانيا بعد أعوام، وحال عثوره على عنوانها يذهب اليها وبينما هو يطرق الباب تتقدم منه عجوز تسأله ان كان الأن وتعطيه مفتاح شقة زوجته التي يدخلها بقدسية نادرة يقلب اشياءها ويعثر على رسالة قصيرة منها لألن توجهه في الذي يستمتع به كثيرا، فتنخلق عنده شخصية مرادفة لشخصية عثر رآها عملية التنظيف في احدى صور زوجته السابقة، فتأخذ الدور العجوز بالملامح الصينية، وبعد وفاة عشيقته، التي قضت حياتها محاطة بحريق لا ينتهي ولا يخمد في بيتها، فتتقدم العجوز الصينية لتأدية دورها الذي تقرأه بغرابة وعمق، ثم تبدأ بالاستيلاء على ادارة المسرحية مكانه، وتعطيه لاقطا صوتيا ليردد ما يريد قوله ويستسلم لها طائعا لأنه تعب من تأليف دوره وراح يستسلم لقدره الغائب والذي يحيط به من كل شخصياته التي لا ارادة له الآن على رفضها أو تغييرها او زوجته التي باتت متهالكة وقديمة يسمع تحويل مساراتها وبينما هو مستسلم لقدره في شقة أصوات انفجارات وحربا اخرى ترج الأرض، يهبط بعدها على مهله بينما العجوز الصينية تقرأ في أذنه تداعياته وكأنها هو او وكأنه هي، لم يعد هنالك فرق.. يدور بين الخراب والحرائق والجثث.. يسأل المرأة الوحيدة المتبقية ان كان يعرفها فتدله على دورها.. يجلسان على اريكة ويخبرها بانه قد أوغل بالشيخوخة ولم يذكر شيئا، تلقنه العجوز ذات الملامح الصينية بأن يطلب منها ان يضع رأسه على كتفها فيفعل.. ترتفع حدة البياض في المشهد ونسمع العجوز الصينية تأمره بأن يموت!٠

إيما تومسون
يموت "كادن كوتارد" ويترك لنا سؤالا كبيرا عن من هو "كادن كوتارد" ثم سرعان ما ينحرف ذيل السؤال لتجد نفسك تسأل " من أنا؟
يقول ناقد سينمائي أمريكي بانه شاهد الفيلم أول مرة في مهرجان كان، ولأول مرة في حياته وجد نفسه يتسلل وحيدا الى بار.. ويشرب الوسكي حتى الصباح!

لعلها الطريقة الوحيدة لمشاهدة هذا الفيلم، لأنه عندها، أو بعدها، سيصبح فيلمك الخاص الذي لن يشاهده أحد غيرك!٠

أنه "شارلي كوفمان" الذي حضر في فلمنا هذا مؤلفا ومخرجا ومساهما في وضع الموسيقى ليلغي الحواجز ما بين السينما والمسرح والمخيلة والذاكرة ورؤوسنا وأذهاننا.. وتمكن من الوصول الى ما يصعب علينا التكهن بوجوده!٠


جلال نعيم: ناقد سينمائي من العراق يعيش في لوس أنجيليس٠


مقابلات

أنطونيو بانديراس يتحدث عن نظرته الى هوليوود وطموحاته الضائعة بين قارّتين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



-----------------------------------
خلال تواجد الزميل هوڤيك حبشيان في مهرجان كارلوڤي
ڤاري، التقى بالممثل الأسباني أنطونيو بانديراس الذي
الذي تحدّث عن كل شيء من تشي غيفارا الى فيلمه المقبل
والسوق الأسبانية المحدودة رغم أربعمئة مليون ناطق
باللاتينية حول العالم٠
-----------------------------------

يُعتبر الممثل الأسباني انطونيو بانديراس (مواليد ملقة، 1960) أحد نجوم السينما الهوليوودية المنتشرة بوفرة والتي تنهش الأخضر واليابس في أرجاء المعمورة. مع ذلك، هناك في عقل هذا الممثل اللاتيني، رمز الاغراء والذكورية اللاتينية، طموح يتخطى التربع العابر على عرش شبّاك التذاكر. فأوروبيته الصارخة والكاملة، كانت لا بد ان تسود على هويته المكتسبة في هوليوود، عاجلاً أو آجلاً، وسط هذا الكمّ من النجوم الاميركيين الذين يمضون اعمارهم امام الكاميرا من دون أن يفكروا، ولو لمرة، ان يمروا خلفها. لكن عند هذه الطينة من الممثلين كثيراً ما يغلب الطبع على التطبع. لذا، كان طبيعياً أن تظهر عنده رغبة متنامية، منذ سنوات، لإنجاز سينما تعبّر عن هواجسه بعيداً من خدمة مصنع "الانترتنمنت" الذي ذاع صيته من خلاله. واذا بدا نجاحه نسبياً في باكورته٠ فالآفاق تتوسع أمامه مع قيامه بإخراج »طريق الإنكليز« الذي يعود به الى أيام الصباً في الأندلس زمن فرانكو. وهو ثالث فيلم من إخراجه بعد »كرايزي في ألاباما« (1999 ) و»مطر صيفي« (2006- وحققه في اسبانيا ايضاً)٠

هذه النجومية كلها نشأت مع دور صغير عند بيدرو ألمادوفار قبل 27 عاماً في فيلم متاهات الشغف" لكن »فيتشية« المخرج الأسباني وتعلقه المعروف بممثليه، إضافة الى موهبة الشاب أنطونيو، جعلت التعاون يمتد على خمسة أفلام، ويتبلور تصاعدياً حتى البطولة المطلقة في أفلام مثل ماتادور" و"اربطني" و"نساء على حافة الانهيار العصبي"٠
واذا " كان تأثير المودوفار فيه مهنياً وانسانياً، في اعوام البدايات تلك، فآخرون ايضاً ساهموا في خروج بانديراس الى الضوء، بعدما كان يحلم ان يكون لاعب كرة قدم، ومنهم كارلوس ساورا وخوسيه لويس غارثيا سانشيز٠

في منتصف الثمانينات، انهالت العروض على بانديراس. وبين عامي 1986 و1990 أفلام أسبانية كثيرة له معظمها لم يُصنع ليبقى. أما تبني السينما الأميركية له فجاء من طريق المصادفة. خلال حملة دعائية في أميركا لأحد أفلام المودوفار في أواخر الثمانينات. وبدأت حكايته معها، من خلال فيلم »مامبو كينغز« لأرنولد غليمشر (1991)، ثم كرّت سبحة مجموعة أعمال فيها الطالح والصالح٠
في تلك المرحلة لم يكن يتكلم الانكليزية بعد، فتعلم نصوصه سمعياً، وصار ينتقل من فيلم أوروبي الى أميركي فأسباني. منذ البداية، صنّفته هوليوود "عشيقاً لاتينياً" امتداداً لتراث قديم يعود الفضل في تأسيسه الى الراحل الكبير رودولف فالانتينو، منذ عهد السينما الصامتة). في البداية وظّف هذا الاتيكيت لمصلحته من اجل الشهرة، ثم استطاع ان يعطّل هذا التنميط نسبياً مذ تعاون مع سينمائيين اكثر جدية أمثال جوناثان ديمي، نايل جوردان وبيل أوغست. وفي حين اطلقه "ديسبيرادو" لرفيقه روبرتو رودريغيز و"مجرمون" لريتشارد دونر، الى جمهور اوسع وأقل تطلباً، كان نصيبه ان يتعرف الى ابنة الممثلة تيبي هادرين، أي ميلاني غريفيث، في موقع تصوير احد الأفلام، فتزوجا، الأمر الذي حتّم عليه البقاء في "وطنه" الجديد، تحديداً في لوس أنجلس، حيث تُبرَم العقود وتناقَش السينما في تجلياتها كلها٠
نتيجة هذا الاغتراب، بات انتاجه محصوراً في الأفلام الهوليوودية الضخمة، فبلغ الذروة مع ميوزيكال ألان باركر افيتا" وفيلم محض تجاري لمارتن كامبل، "قناع زورو". عملان " وضعاه على عرش اكثر الرجال اثارة جنسية في العالم. لكن مع بلوغه الأربعين بدأ قلب بانديراس يهتف لشيء آخر هو الاخراج، فكان "كرايزي في الاباما"، حيث أدار زوجته ميلاني غريفيث في واحد من اهم ادوارها.
في الألفية الجديدة، غرق بانديراس في معمعة الأفلام التجارية، مع بعض القفزات النادرة الى المسرح ("تسعة" على خشبة برودواي) الذي صنعه في بداياته ممثلاً جاداً. طبعاً لم يبق هو النجم الذي كانه في اواسط التسعينات، بعدما اكلته هوليوود لحماً ورمته عظاماً، ولأن العمر، هو الآخر، لم يعد يسعفه لأدوار الـ"جون برومييه". واليوم، "طريق الانكليز" محاولة للملمة الأشياء الخاصة، بعدما أدرك صاحبه ان الشهرة لا تدوم، وخصوصاً في هوليوود حيث كل شيء قابل للتصنيف، للبيع والشراء. ، 44في مهرجان كارلوفي فاري، الذي اختتمت قبل ايام دورته الـ أتيحت لـ"النهار" الفرصة لمقابلة بانديراس، في توقيت حاسم من مساره؛ زمن التغيير والنضج والعودة الى الينبوع...٠

مع كاثرين زيتا جونز في "علامة زورو"٠

 ليست هذه المرة الاولى تزور فيها كارلوفي فاري، أليس كذلك؟
ـــ نعم، سبق ان كنت هنا. لا احد يتذكر ذلك (ضحك). كان ذلك عام 1992. كنا نصوّر مسلسلاً تلفزيونياً من انتاج ايطالي والماني مع مشاركة لإحدى القنوات الاسبانية. كان المسلسل يروي فصولاً من حياة موسوليني شاباً. ما كان يهمّني فيه أن موسوليني كان اشتراكياً قبل أن يكون فاشياً. لم أكن اعرف ذلك، واعتقد ان كثيرين مثلي لا يعرفونه ايضاً. لذا كان الفيلم يضيء على هذا الجانب. آنذاك بقيت في جمهورية تشيكيا فترة غير قليلة: امضيت نحو سبعة اشهر في براغ، واسبوعين هنا، وكنا ايضاً في امكنة مجاورة، منها تيوسن، بهدف التصوير. كانت تجربة غنية، احببتها كثيراً. آنذاك ذكّرتني البلاد، في طريقة ما، بما عشته قبل سنوات في اسبانيا، أي 1975 ، عندما مات فرنكو، وسلكت بلادنا درب التغيير. شاهدت حالة مشابهة لحالتنا في منتصف السبعينات. كان مرّ على سقوط الجدار ثلاث سنوات، حين جئت الى هنا، ولكن رأيت هذه الديناميكية غير المسبوقة، وهي كانت شيئا ألفناه نحن الاسبان. الآن اشعر برضا كبير لعودتي الى هنا بعد 17عاماً، واعادة اكتشاف البلاد ومعرفة أن أحلاما كثيرة من التي كان التشيكيون يداعبونها قد حققت. تبقى أشياء كثيرة للتغيير، وهذه حال العالم أجمع، لكن على الاقل هناك حراك، وتوجه نحو الأفضل٠

 لكن أنت تعرف جيداً هذه المنطقة (اوروبا
الوسطى)، لقد صوّرت فيها قبل سنوات "لا تتكلم
أبداً مع الغرباء" (بيتر هال - 1995 )، أليس كذلك؟
ـــ لا، بل صوّر هذا الفيلم في تورونتو. أي في مكان بعيد جداً عن بودابست (ضحك). صدّقني كان هناك! لكن سبق أن ذهبت الى بودابست، واتذكر انني قلت لزوجتي إنها شبيهة ببراغ لكن حجمها أكبر. كنا نشعر ان ثمة ثقافة تنهض عليها المدينتان. هي لا شك ثقافة أوروبا الوسطى التي نتلمسها في هذه البلدان. شعرت بها ايضاً عندما كنت العام الماضي في صوفيا بلغاريا)، للمشاركة في فيلم جديد مع مورغان فريمان ("الرمز"،( من إخراج ميمي ليدر). لديّ صديق منتج، كان سبق أن عمل على انتاج "افيتا"، اليوم ترك هوليوود للاستقرار في بودابست حيث ينتج أفلاما من السلسلة باء ٠

 ما دمنا نتحدث عن "افيتا"، ما رأيك بشخصية
تشي غيفارا التي لعبها بينيتشيو ديل تورو في
فيلم ستيفن سادربرغ، كونك جسدتها انت ايضاً
في فيلم باركر؟
ـــ على النحو الذي انجز فيه "افيتا"، كان من الطبيعي أن تعتبر الشخصية التي ألعبها مستلهمة من تشي غيفارا. لكني اتذكر الحديث الاول الذي دار بيني وبين باركر قبل البدء بالتصوير، اذ قال لي: "إنسَ امر تشي غيفارا. انت فقط تشي". كان يريدني ان اتخيله ممثلاً في المسرح الروماني يوجه الحضور الى حيث يريد من دون ان يمنحهم المفاتيح. وقال لي ايضاً: "انت تجسد الناس". كان يريدني أن أكون "وجهة النظر النقدية" في الفيلم. وعندما تغنّي افيتا "أرجنتينا، لا تبكي من أجلي"، نراه يوزع المحارم على الناس قائلاً لهم: "لا تبالغوا في البكاء، فلا حاجة الى ذلك، وسأريكم وجهاً آخر عنها لا تعرفونه". لكن الجانب المناضل من تشي وضعناه على حدة. اتذكر عندما حضرت الى الاستوديو في لندن في اول يوم تصوير، كنت وضعت لحية اصطناعية (ضحك). اقترحت عليهم أن اضع قبعة (بيريه) وأكون كما يكون الممثلون على خشبة المسرح. قال لي باركر: "اياك أن تفعل ذلك. فلا يتناسب مع رؤيتي. المسرح شيء والسينما شيء آخر. انهما نوعان مختلفان من الفنون. وما يصلح للخشبة لا يصلح للكاميرا. في السينما نحاول ان نكون أكثر واقعية. لكن، مما لا شك فيه ان شخصية غيفارا سينمائية بامتياز. وهو آخر الابطال في مجتمعاتنا الحديثة. كعمل تمثيلي، احدث بينيتشيو، وهو صديقي، انجازاً رائعاً. لكن لم ترضني الحبكة. كما انه كان مبالغاً في طوله وفي الاعجاب الذي يكنّه لشخصية غيفارا. ارى ان هناك لحظات مفقودة. لو كنت مخرجاً لكنت ركّزت على الوقائع٠

 في إخراجك الجديد، "طريق الانكليز"، تعود الى
الجذور الاسبانية من خلال مجموعة شبان اسبان
في سبعينات القرن الفائت، علماً انك من ملقة
والقصة التي تحكيها تدور حوادثها في
الاندلس. ما مدى اهمية ان تعود الى هذا النطاق
الضيق (والواسع ايضاً لم لا؟) بالنسبة الى فنان
حقق ما حققه خلف الاطلسي؟
ـــ اهميته نسبية. ربما لا تكون هذه العودة مهمة بالنسبة الى غيري لكنها مهمة لي. انجزت الفيلم بهذه العقلية. انه عمل شبه تجريبي. قلت لنفسي: "أوكي، عليك يا انطونيو أن تجد شخصيتك ونفسك كمخرج". من اجل أن ابلغ تلك الغاية، كان عليَّ أن احطم بعض القواعد، واخطو خطوة الى منطقة مجهولة. لذا، وقع اختياري على هذه الرواية التي كتبها صديق مقرّب لي، تشاركت وإياه هذه الفترة من حياتنا، وهي حافلة ومملوءة بالعنف والمعارك والحزن، ولا تزال في ذاكرتينا نحن الاثنين، هذا ما يجب أن يكون عليه كل فيلم. في النهاية، انه فيلم عن الذكريات. تلك التي صنعتني وصنعت الكاتب وصنعت كثيرين. انطلق فيه من الاحاسيس، وليس من معطيات موثوق بها ونهائية. كل ما اريه قد يكون محل جدال أو أخذ وردّ. لا انطلق من قاعدة "هذا ما حصل"، الى حدّ انك تستطيع اعتباره فيلماً "مفتوحاً" او غير منتهٍ. لا ادّعي ذلك، وليست تلك السينما التي اريدها. فهذا الحديث الذي أجريه معك الآن هنا، قد اتذكره بعد فترة طويلة، لكن لن أتذكر ما قلته، ولن اتذكر ان هناك هذه الكأس، أو كيف كانت خامة صوتك. لذا حاولت العودة الى مكان حيث المادة ملتبسة. عملي كمخرج هو الدخول في تلك المعمعة والخروج منها بأسئلة سوية. انا، كسينمائي، حاولت البحث عن أجوبة تماماً مثلما الشخصيات تبحث عنها، ولكن ايضاً بالطريقة نفسها التي تبحث بها عنها. اذاً، كان فيلمي هذا بمنزلة امتحان. وهو شيء ما كان في امكاني انجازه في هوليوود (يقولها بحسرة). ولو اقترحتُ عليهم مثل هذا المشروع التجريبي، لكانوا رموني من نافذة مكتب احد المنتجين، بعد أن أكون تلقيت ركلة على مؤخرتي (ضحك). حالياً، الكثير من السينمائيين يأتون من الفيديو كليب. افلامهم سريعة التقطيع وعدوانية. أما أنا فأردت أن تكون لفيلمي نغمة. استطيع أن اقول اني بحثت من خلاله عن ذاتي مخرجاً. وأيضاً عن لغتي السينمائية التي تتضمن بحثاً عن العدسات والألوان وكل ما يشبه ذلك. آمل ان اصل الى تطوير هذه التجربة، علماً ان الفيلم المقبل سيكون أكثر "انفتاحاً" على الجمهور ولن يكون على هذا القدر من القسوة.

 ما الذي افتقدته من السينما الأسبانية خلال
وجودك في الولايات المتحدة؟
ـــ لا افتقد شيئاً (...). مرّت فترة في حياتي اعتُبرت فيها ممثلاً مستقلاً. لكن مهنتنا تخدم وظائف عدة. الانغلاق خطأ. يمكنك التمرد على القيود المفروضة عليك، لكن ليس في وسعك أن تفعل ذلك الاّ لفترة وجيزة. مع المودوفار، كنا ننجز أفلاماً تنتمي الى سينما الاندرغراوند ونحرص على عدم مراعاة الأصول. كنا نشارك في المهرجانات ونصبح مادة للمناقشة. منهم من يؤيد ومنهم من يعارض. ترى الناس ينقسمون حول فيلم. هذا يقول عنه جيد، وآخر يرى العكس، وتدور المناقشة والجدال. ثم قفزت الى اميركا ودخلت المصنع الكبير وعالم الانترتنمنت الذي أقل ما نستطيع القول فيه انه مختلف. المشكلة هناك انهم يصنّفونك. هذا هو النمط الاميركي في التعامل مع الاشياء. اذا صنّفوك في خانة ما، فعليك ان تكون ما صنّفوك به. قال لي انني "عشيق لاتيني". وهذا ما يعوق تحرك الممثل والقفز من نوع الى آخر. فكيف يمكنك أن تكون بطلاً في فيلم اكشن وانت من المفترض ان تكون عاشقاً رومنطيقياً. فما بالك اذا اردت ان تكون ممثلاً تنمّ خياراته عن ثقافة ما. الكثير من الممثلين يعانون ازمات جراء هذه المسألة. لكن لحسن الحظ، استطعت على رغم ذلك أن أكسر الأغلال وانوّع خياراتي: لي أفلام رعب وحركة وميوزيكال وسياسة او اجتماع مثل "فيلاديلفيا". خضت كذلك مجال التحريك واخرجت فيلمي الاول ثم الثاني، وهذا لم يمنعني من أداء دور مسرحي في برودواي! الى هذا كله، أسست شركة انتاج في جنوب اسبانيا نمول من خلالها افلام تحريك وندعم سينمائيين جدداً في تجاربهم الاولى. هذا نشاط يسرّني فعلاً، اذ تغمرني السعادة حين اعطي غيري ما كنت في حاجة اليه في شبابي ولم املكه. في الوقت نفسه اسعى الى انجاز افلامي الخاصة. لكنه مشروع على مدى طويل وصعب، وخصوصاً الآن مع ظهور هذه الازمة الاقتصادية التي جاءتنا على حين غرة، ولا نعرف الى أين تقودنا. اليوم، بات من المستحيل أن تحصل على فلس واحد من مصرف. حتى لو ذهبت اليهم حاملاً ورقة من وزارة الثقافة تدعمك بـ 250 ألف أورو، فالجواب قاطع: "لا نأبه. لن نعطيك المال". لذا، نستطيع وصف وضعنا بالمزري الآن. على رغم ذلك، نبدأ في تشرين الثاني تصوير فيلم لمخرج جديد تدور حوادثه في بلدان عربية، وهذا الفيلم يجب انجازه مع العرب. ذهبت الى قطر والسعودية والامارات وطرقت باب الملكة نور. فأنا أحتاج الى كل من يستطيع مساندتي في هذا المشروع عربياً. أملي كبير٠

Once upon A Time In Mexico

نمطك التمثيلي ليس اوروبياً وليس "اكتورز
استوديو". لديك  طريقة ما في التعبير عن
الشخصية. لكن هل يمكن القول انك وجدت
اسلوبك الخاص؟
ـــ في الواقع، تابعت دروس معهد الفن التمثيلي الوطني في ملقة. ثم تمرست بالعمل التطبيقي في افلام كثيرة. اليوم، لا اعتقد ان من الممكن البقاء على منهجية واحدة. لسبب بسيط ان عليك العمل مع انواع مختلفة من المخرجين، وكلٌّ منهم يأخذك في اتجاه خاص برؤياه وتطلعه. الامر يتعلق ايضاً بالممثلين الذين تتشارك واياهم الفيلم. أحياناً تحاول ان تمشي على خطى المعلمين من الـ"أكتورز استوديو"، ولكن سرعان ما تجد ان المسألة لا تلائمك وعليك في أسرع طريقة العودة الى الرؤية الخاصة بك، قبل ان تتحول المسألة الى مضيعة للوقت. لذا، عليك ان تتأقلم مع الوسط المهني بطريقة او بأخرى، وأيضاً ان تستجيب ما يُطلب منك. احياناً ترى انك اضطلعت بدور ما جيداً، لأنك كنت تملك متسعا من الوقت ولأن التعامل بينك وبين المخرج كان ايجابياً. لذا، تحاول أن تجعل الامور تتلاقى لا أن تتصادم. في مرحلة سابقة من حياتي، واكلمك عن زمن بعيد، كان عليّ أن استعين بهذه الالاعيب كافة، واستعين بمدارس تمثيلية مختلفة. ثم قفزت الى عالم مختلف تماماً له قواعده. اليوم، اشعر ان عليَّ الذهاب في اتجاه آخر، وما قمت به في "طريق الانكليز" هو ترجمة لهذه الرغبة. ما اريده الآن هو ايجاد جسر بين عالمين: اوروبا واميركا. ويجب الا نخطئ في التقويم: فهناك ما يُصنع في هوليوود وما يُصنع على هامش هوليوود. كل واحد مختلف عن الآخر. هناك سينما مستقلة جديرة بالاحترام، وتخاطب تقريباً ما نخاطبه نحن الاوروبيين في سينمانا، لكن مع فرق واحد، ان هذه الافلام لا تستعين بأموال عامة. أموال السينما الاميركية المستقلة مصادرها مختلفة وعالمية. قد تأتي من اسرائيل مثلما قد تأتي من اليابان. هذا كله يأتي الى هوليوود، لأنها اشبه بماركة. ولا يهم من اين يأتي، طالما انه يأتي. فالفيلم الذي تشاركت بطولته مع مورغان فريمان هو من تمويل اسرائيلي. الشركة هي "ميلينيوم" وصاحبها المعروف جداً أفي لرنر تترجح انتاجاته بين المستقل وافلام الـ"مايجرز". اعمل ايضاً على فيلم تمويله محض اسباني لكن فريق العمل انتقل من أجله الى هوليوود. اذاً، هوليوود تنام على شبكة احتمالات تمويلية تبدأ ولا تنتهي. أما العمل في نظام الاستوديوات، فهذه حكاية أخرى. هؤلاء لهم بنيتهم الخاصة. "زورو" و"افيتا" وكل الافلام التي مثلت فيها هي افلام استوديوات، ولها اطر خاصة لا تزيح عنها، كما عندها الكثير من المال لإنفاقه يميناً وشمالاً، بحيث ان نصف موازنته، نحو خمسين مليون دولار، تنفق أحياناً على الحملة نحو الدعائية. اليوم، اسمع الكثير من الممثلين يقولون انهم يريدون ان يكونوا اكثر عالمية. في الامس قابلت جون مالكوفيتش الذي، بحسب ما قال لي، لا يعرف اذا كان من الممكن اعتباره ممثلاً أميركياً. وقال: اعيش في باريس، واعمل في ايطاليا أحياناً واذهب الى اسبانيا واصعد على خشبة المسرح في المكسيك. وازور انحاء العالم. فهذه هي العولمة في السينما (ضحك)٠

 بين كل هذه القبعات التي تضعها على رأسك، أي
واحدة منها تليق اكثر بتطلعاتك؟
ـــ المكان الذي ارى نفسي فيه هو المكان حيث أجد مادة تثيرني. قد تكون مادة للاخراج او للتمثيل او للانتاج. وقد تكون هذه المادة المسرح. لكن لا استطيع ان اقول لك شيئاً محدداً. لو سألتني أين تفضل الاقامة؟"، أو "أين تحب أن تنوجد جسدياً؟"، فسأقول " لك "أسبانيا". لكن هذه ليست القضية. ربما الافضل ان أجيبك قائلاً ان المكان الافضل لي هو حيث أُمنَح امكان أن افعل ما يلائم ذوقي وحاجتي الفنية. أيضاً؛ لا مانع عندي أن ارد على سؤالك قائلاً: "المكان الأكثر راحة لي أن اقبض راتباً قدره عشرة ملايين دولار للتمثيل في فيلم استوديو، وارى صوري على ملصقات موزعة في كل انحاء العالم. لا مانع عندي ان اقول لك مثل هذا الكلام، لأن من الممكن أن يكون هذا المكان مكاني أيضاً. لأكن صريحاً معك: فيلم مثل "زورو" مثلاً، لا يمكنك الاّ ان تقدمه كفيلم ينتمي الى السلسلة باء. انه فيلم مغامرات مشغول على نحو جيد ويليق بكل افراد العائلة، خلف المشروع شخص اسمه ستيفن سبيلبرغ، وايضاً تتلقى عليه ردود افعال جيدة، لكن الامر ينتهي عند هذا الحدّ. في المقابل، يكون هناك فيلم لألمودوفار، وأنا احب الاثنين. ولي مكان مريح في كليهما. لذا، التخصص والبقاء في حالة جامدة ليس ممكناً. في النهاية، هذه هي فلسفة مهنتنا: التغيير والتحول والذهاب من نقطة الى أخرى. وأنا اريد ان أبقى في منتصف هذا الطريق٠

Femme Fatale

ماذا عن تعاونك الجديد مع المودوفار الذي سيجمعك
مع * بينيلوبي كروز للمرة الاولى في فيلم عن طبيب
جراح ينتقم من مغتصب ابنته بخطفه وتحويله امرأة؟
ـــ لا اعرف. أود ذلك. لن ارفع السماعة وأقول لأيّ كان "أريد ان أكون في هذا الفيلم". اذا ارادني يجدني. ما استطيع قوله إن علاقتي به جيدة جداً، وفي السنة الماضية تسلمت جائزة تكريمية من يده في مهرجان سان سيباستيان. هو اصر على اعطائي الجائزة بنفسه. نحن نعرف أحدنا الآخر منذ سنوات طويلة، منذ بداية الثمانينات، مسارنا التقى ثم افترق. تحدثنا قليلاً حين التقينا، وكنا متحمسين، لكن ينبغي ان يكون في حوزته مادة يعتبرها تليق بي. حينذاك نرى.

 كيف تأثرتم اليوم بالأزمة العالمية الحاصلة؟
ـــ في الحقيقة، الطبقة الكادحة هي التي تأثرت. تذهب الى الميسورين الذين يعيشون في شقق فخمة في مانهاتن او سانترال بارك، فتجد انهم لا يشعرون بفرق كبير. كان لأحدهم خمسين مليون دولار. اليوم لديه 25 مليونا. حسناً! (ضحك). أما الاستوديوات الكبيرة، فنعم، هي في معاناة وقلق، لكن ذلك نسبي ومعقول مقارنة بالمشكلة التي تواجه السينما الأوروبية. هنا المشكلة كبيرة. اولاً لأننا لا نملك سوقا واحدة؛ من موسكو الى مدريد نحن نتكلم ستة عشر لغة مختلفة. نحن في أوروبا نشكل 300 مليون مشاهد، أي عدد سكان الولايات المتحدة، لكن متفرقين، لذا لا نستطيع منافستهم. تخيل أن عدد الذين يتكلمون اللغة الأسبانية 450 مليون مواطن. اذاً، هناك سوق محتملة في العالم لهم. لكن لا أحد استثمرها بعد على ما يبدو. لدينا الكثير لنتعلمه من نظام الاستوديوات في اميركا، واذا كان نظامهم هو الحل الامثل لسينما يمكن ان تخاطب هذا الكم ّمن الناطقين بالاسبانية، فليكن! وليكن مكان استوديوهاتنا في هوليوود. مصدره هوليوود لكن الهوية اسبانية. لا اقول ان المسألة سهلة. عليك أولاً ان تجمع كل التلفزيونات الناطقة بالاسبانية، ولكن سرعان ما ستقع في مشكلة العثور على موزعين، وكما تعلم فهؤلاء كلهم متعاقدون مع الاستوديوات الهوليوودية الكبرى. الا اذا أسسنا شركات توزيع خاصة بنا. طبعاً هذا مشروع كبير وعلى قدر كبير من المجازفة. لكن حتى الآن لم أجد مغامراً يقول: "هيا بنا، وَلْنَرَ اين نصل". اذا تبنى احدهم المشروع فأنا أضمن انه سيكون ناجحاً (ضحك)٠

الناقد هوڤيك حبشيان يكتب المادة النقدية لصحيفة "النهار" اللبنانية *

تحقيقات
وداعاً للممثل البشر ٠٠٠
نجوم السينما الجدد: بايبي دوينوصورات و عمالقة من حديد
٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

Transformers 2
-----------------------------------
نظرة على ما راج من أفلام أميركية في الأسابيع
القليلة الماضية تكشف هوَس تلك السينما وجمهورها
بالكرتون والكوميكس وكل شيء غير بشري٠
-----------------------------------

معارك موسم الصيف لا زالت مستمرّة وهي تشبه صراع العمالقة وآخر فصولها ما حدث في مطلع هذا الأسبوع حين حط على الشاشات فيلم كرتوني جديد أسمه »عصر الجليد: فجر الدينوصورات« مسلّح بنظام الأبعاد الثلاثة وبشخصيات من المخلوقات ذات الملامح النافرة، وحاول احتلال المركز الأول٠
أبطاله هم دينوصورات صغيرة وحيوانات من الثديّات التي كنا نرى صورها في الموسوعات فقط٠

تلك المحاولة نجحت في اليوم الأول والثاني من الأسبوع، ما جعل الفيلم الذي كان احتل المقدّمة في الأسبوع الماضي ، وهو »ترانسفورمرز 2« يتراجع للثاني. لكن الغريب هو أن المخلوقات التي في هذا الفيلم، وهي من صلب وحديد وإلكترونيات عزّ أن تخسر المجابهة أمام الحيوانات التي في الفيلم الكرتوني فإذا بها مع نهاية اليوم الثالث تستعيد مكانها ولو بفارق ألوف قليلة من الدولارات٠

إذ يراقب المرء ما يحدث من عراك حول المركز الأول، يكتشف سريعاً أن الضحايا ليسوا أحد الطرفين، المخلوقات الحيوانية او الآلات العملاقة، بل الممثلين وقصصهم وشخصياتهم البشرية٠
وفي حين أن مثل هذه المعارك عادة ما ترى النور في كل موسم إذ تبقى الغلبة للأقوى في سوق العروض، الا أن الخسائر الناجمة عن النجاح لأفلام غير بشرية، بنفس الحجم الكبير لتلك الأفلام الكومبيو- صناعية٠ وبل ربما هي مضاعفة بالنظر الي حقيقة أن الأفلام التي لا زالت تتحدّث عن بشر عاديين، ولو بظروف استثنائية، حوت- في الغالب- ممثلين متدرّجين بين المعروفين جدا والنجوم. في العموم هي أسماء لامعة اعتادت أن تثبت قدرتها على جذب الجمهور في أي وقت من اوقات السنة
ول فارل في »أرض المفقودين«، ايدي مورفي في »تخيّل ذلك«، دنزل واشنطن وجون ترافولتا في الفيلم التشويقي »اختطاف بلهم« وجاك بلاك في »العام واحد«، جوني دب وكرشتيان بايل في »أعداء الشعب«. جميعاً واجهوا جمهوراً جذبته الآلات التي لا أسماء آدمية لها، وخسروا المواجهة، ما يطرح جملة اسئلة تنضم الى ملاحظات سابقة في هذا الشأن حين واجه نيكول كيدمان وجوليا روبرتس وكلايف أوون وول سميث وروبرت داوني جونيور مصائر متشابهة خلال الأشهر القليلة الماضية: عروض الجمهور عن الممثل الحي لصالح الممثل المصمم إلكترونيا او المرسوم كرتونياً٠

أجور باهظة
الفيلم الوحيد الذي يحتوي تمثيلاً بشرياً والقليل جداً من المؤثرات (تكاد لا تكون موجودة) ونجح في هذه الفترة هو الكوميديا المسمّاة بـ »آثار السهرة«. هذه أنجزت للآن نحو 200 مليون دولار- لكن المفارقة أن قوامها ممثلين لم يحقق أي منهم نجاحاً سينمائياً من قبل. أسماء جديدة او جديدة نوعاً مثل زاك غاليفياناكيس، جوستين براثا، اد هلمز وبراد كوبر. أما هيذر غراهام المعروفة فدورها محدود جداً٠
وهو مبلغ طائل لأن الفيلم تكلّف نحو 35 مليون دولار، في حين أن أقل ميزانية لأي من أفلام النجوم المذكورين تجاوزت الخمس وسبعين مليون دولار، وفي حالات متعددة جاورت المئة والثلاثين مليون دولار٠

The Hangeover

أما تلك الناجحة، فإن الممثلين الذين وجدوا أنفسهم في أوضاع تحتّم عليهم التمثيل فرادى في مواجهة فراغات داخل الاستديو سيتم ملؤها لاحقاً بالشخصيات المصنوعة كومبيوترياً، فإن أدوارهم نوع من الكماليات. فالجمهور لم يقبل بغزارة لمشاهدة شاي لابوف في بطولة »ترانسفورمرز 2« ولا لمشاهدة بطلة الفيلم الفاتنة ميغان فوكس. كذلك فإن أحداً لم يشاهد فيلم »فوق« لكي يسمع صوت ممثله إد أزنر- ربما باستثناء إد أزنر نفسه٠
ومجموعة أبطال »ستار ترك« كان يمكن لهم أن يكونوا أي مجموعة أخرى تم استئجارها لإداء تلك الأدوار. الأسماء ليست مهمّة. المهم المغامرة الفضائية ومشاهد المعارك المستقبلية فوق الكواكب٠

كل هذا يعزز السؤال الجاهز: هل هناك حاجة لدفع كل هذه الأجور الى ممثلي الصف الأول؟
هذا السؤال طرح حين ضرب إعصار من التجاهل فيلم »استراليا« مع هيو جاكمن ونيكول كيدمن. الفيلم الذي تكلّف أكثر من 200 مليون دولار أنجز أقل من نصف ذلك أميركياً علماً بأن كل من هذين الممثلين حصل على خمسة عشر مليون دولار نظير دوره٠
جوليا روبرتس حصلت على خمسة عشر مليون دولار عن دورها في »ازدواجية« (ومصادر تقول ثمانية عشر مليوناً) الذي اكتفى بأربعين مليون دولار من الإيرادات علماً بأن ميزانيّته بلغت مئة مليون دولار من دون تكاليف الدعاية والترويج. وحتى ولو أضفنا ايرادات الفيلم العالمية (75 مليون دولار) فإنها لا تزال أقل مما تكبّده انتاج هذا الفيلم٠

Star Trek

جمهور جديد
ذلك كله يثبت أن الإقبال على الأفلام يدخل مرحلة تغيير جديدة. للمرّة الثانية في غضون عشر سنوات او نحوها٠ التغيير السابق حدث حينما بات واضحاً في مطلع هذا العقد أن المؤثرات التقنية فصلت بين الإهتمامات: الجمهور الشاب يريدها والجمهور الناضج والمتقدّم في السن يريد تلك الأفلام التي لا زالت تعتمد على الممثل الحقيقي. ومع أن الكفّة رجحت للفئة الأولى، الا أن تلك التي اختارت الممثل عوض الآلة كان لها انجازاتها طوال تلك السنين وهي التي صانت نجومية العديد من الممثلين المعروفين حال تخطّوا سن الأربعين مثل توم هانكس وتوم كروز وايدي مورفي وول سميث وسواهم٠

التغيير الحاصل اليوم هو أبعد من ذلك: أفلام هؤلاء حتى إذا ما كانت من المغامرات الفانتازية وتم تزويدها بمؤثرات خاصّة ليست محصّنة ضد الفشل والفشل الذريع أيضاً٠
ما يجلبه ذلك الى الواقع اليوم هو حالة جديدة يتم فيها تغيير الحافز على مشاهدة الفيلم، فعوض العبارة التقليدية: هذا فيلم لجورج كلوني او فيلم لنيكول كيدمن يستدعي المشاهدة لهذا السبب وحده، صارت العبارة المتداولة: هذا فيلم الآلة التي تتحوّل الى سيارة عملاقة او الى وحش على شكل عنكبوت من الصلب او-في أفضل الأحوال: هذا هو الجزء الثاني من الفيلم الذي أبادت مخلوقات الفضاء مدن الأرض٠
وضمن هذا التغيير الحاصل، فإن اساليب المعرفة بالأفلام صارت تعمل ضد نجاح تلك التي لديها قصّة ذات قيمة تريد طرحها٠
جمهور اليوم الذي يجلس وراء الكومبيوتر ويمضي الوقت في مطالعة الفايسبوك والتواصل مع الآخرين على الشاشات الصغيرة بات على اطلاع مسبق بكل تفاصيل الفيلم بفضل المواقع التي تتسابق في الكشف عن مضامينه وأجوائه وتفاصيله وهي بالمئات. الجمهور الجديد يكتفي بذلك من دون أن يقيم وزناً لمن يقوم بالبطولة٠ هو يعرف مسبقاً »ترميناتور 4« وما يرويه والكثير عن مخلوقاته الحديدية وما ستفعله في هذا المشهد او في ذاك، وهذا ما يبني عليه قراره بمشاهدة الفيلم من عدمه٠ وليس أن أرنولد شوارتزنيغر لديه مشهداً من بضع ثوان، او حتى أن كرشتيان بايل الذي يؤدي بطولة أفلام »باتمان« الناجحة، هو من عليه التصدّي للوحوش الفضائية٠
لقد بات واضحاً أن معظم الممثلين الرئيسيين صاروا يدركون أن عليهم الإرتباط بشخصية خرافية لأجل البقاء في المناصب الأولى. كرشتيان بايل تبوّأ الصدارة بسلسلة "باتمان". توبي ماغواير سجّل كل انتصاراته التجارية في سلسلة أفلام »سبايدر مان«. روبرت داوني هجم على فرصة توليه بطولة »ايرون مان« واد نورتون ضمن لنفسه مكاناً بين كل هؤلاء عبر »الرجل العملاق«٠
وكل واحد من هؤلاء ممثل جيّد موهوب بدرجة فاعلة وعلى قدر كبير من القدرات الإدائية التي برهن عليها في أفلام ذات معالجات إنسانية او قضايا اجتماعية او حتى قصصاً درامية لا دخل لها بالآليات المستوردة من تصاميم فنيي الرسوم والمؤثرات



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Jul 18, 2009

ISSUE 438 | عماد حمدي | الفيلم السعودي »الظلال«| كتاب السينما | مخرجو السبعينات

21.7.09
بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Marching Band

أخرج الفرنسي كلود ميلر أكثر من خمس وثلاثين فيلم في حياته المهنية الممتدة من منتصف الستينات والى اليوم من دون أن يكتسب المكانة التي يعتقد المعجبون بسينماه أنه يستحقّها. لكنه انجز في الأعوام الخمس الأخيرة نوعاً من الحضور والتقدير الذي عادة ما تتسبب به المثابرة والجديّة وتراكم الأعمال٠ مهرجان لوكارنو المقبل (يبدأ في الخامس من الشهر القادم) سيبدأ دورته بفيلم مولر الأخير »فرقة الإستعراض«، وهو وثائقي وأحد فيلمين حققهما مولر هذه السنة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنسان، السينما، القمر٠

يوم أمس الإثنين احتفى العالم بمرور 40 سنة على قيام نيل أرمسترونغ بالسير على سطح القمر وكان أوّل إنسان يفعل ذلك. يا لحظّه. دخل التاريخ ومن عاصره شهد زمناً غير زماننا. لكن التالي هو أعجب: كنت بالطبع فتى صغيراً آنذاك، ولم أكترث من يمشي أين، لكني اكترثت أن أعرف من الصور وحدها أن هناك فيلماً سبق هذا الإنجاز بأكثر من 67 سنة على صعود أرمسترونغ الى القمر٠
طبعاً صعود أرمسترونغ كان الواقع. صعود شخصيات جورج ميليس سنة 1902 كان خيالاً لم يكلّف أكثر من الديكور والخدع البصرية البدائية المستخدمة. لكن في الواقع كلاهما علم أيضاً. لأن فيلم ميليس لم يخل من العلم في إنجاز وفي استخدام الخدع البصرية التي شاهدناها في فيلمه «رحلة الى القمر»٠
هذا مثير للملاحظة، فيما اعتقد، كذلك أن السينما هي التي سبقت الواقع في هذه المناسبة كما في العديد من المناسبات الأخرى. ما تنبّأ به الكاتب جورج أوروَل في 1984« والذي حدث لاحقاً من إنتشار الفاشية الحديثة بين الأفراد والأمم كان آنذاك نوع من قراءة المستقبل القريب. كذلك الحال حين أخرج ستانلي كوبريك »2001: أوديسا الفضاء« متناولاً فيه، سنة 1968، رؤيته لعام 2001 وما بعد في إطار الأزمات القائمة بين العلم والإنسان، التكنولوجيا والأخلاق والتي أكّد عليها، وربما بصورة أكثر التزاما أندريه تاركوفسكي في »سولاريس«٠
وفي حين يتطلّع العالم الى المستقبل بعيون حظرة (كثافة سكّانية، شح المياه والموارد البشرية، انتشار الأوبئة والفيروسات، الجوع، التغيير في المناخات والتلوّث في الأرض والجو والبحر الخ....) لابد أن يتذكّر المرء العديد من الأفلام التي تبرّعت، اقتباسا عن روايات من أيام جون فيرن وهـ. ج. ولز وما بعد او مباشرة للسينما، بتحديد هذه المخاطر والتحذير منها٠
أرمسترونغ مشى على القمر، لكن حجم الإستفادة البشرية مما قام به أقل بكثير جدّاً من حجم الإستفادة التي أنجزها جورج ميلييس وباقي المبدعين في العالم. لقد علّمونا الحياة٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة "فيلم ريدر" تتأخر عن الصدور

حاولت إنجاز عدد جديد من "فيلم ريدر" وكاد أن ينتهي من بين يدي حين طار الأصل في أنحاء الكومبيوتر وباءت كل محاولاتي لمعرفة أين اختفت الصفحة بالفشل. لم يكن لدي وقت أعيد فيه الكتابة (ومن حسن الحظ أن المادة الأساسية حفظتها في مكان آخر قبل أن تخفق التكنولوجيا في عملي) لذلك عمدت الى انجاز حلقة اليوم من »ظلال وأشباح« قبل أن التفت الى أشغالي الأخرى٠
إذاً، أقول ذلك لكي أعتذر عمن اعتاد مطالعة المجلة النقدية في مثل هذا اليوم ولم يجدها بعد حاضرة. سأنشرها خلال اليومين المقبل بإذن الله٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ڤانيسيا ولوكارنو والعرب

تسأل مخرجين عرب وتجد أن عددا لا بأس به منهم بعث الى ماركو مولر بأفلامه آملاً أن يتم اختيارها، لكن لا كلمة بعد من مكتب مولر حول الموضوع ولو أن الوقت يقترب لإعلان الأفلام الرسمية وسنعرف إذا ما كان هناك أفلام مصرية او لبنانية او تونسية او مغربية (او لمخرجين من هذه الدول) في العروض الرسمية أم لا٠
لكن لائحة لوكارنو الرسمية صدرت ولا يوجد أفلام عربية في هذه المناسبة التي أنطلقت، مثل "كان"، مباشرة بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها٠
هل فعلاً لا يوجد أفلام جديرة؟
هل هناك تعامل فوقي من قِبَل المشرفين على لوكارنو أو أي مهرجان كبير آخر؟
أم ليس هناك من مبرمج يعرف قيمة الأفلام العربية فيشاهد ويرفض على نحو لا علم او بحث فيه؟
حين يصبح الحضور او الغياب أمرا تقليدياً فإن المزيد من هذا الحضور او من هذا الغياب لابد أن يقع٠
السينما العربية اعتادت الغياب. المهرجانات اعتادت على غياب السينما العربية٠
كيف - كيف، كما يقول أخواننا المغاربة٠
أليس كذلك؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ستة عشر ألف عين

فردريك ماير، المدير الفني لمهرجان لوكارنو سيغادر المهرجان بعد أربع سنوات من العمل فيه وسيخلفه الفرنسي أوليفييه بير
Pere تُكتب
الذي سيحضر دورة هذه السنة ويُباشر عمله مع نهايته مباشرة من دون أي تأخير. وسيعمل في نطاق الميزانية التي توفّرها مؤسسات خاصّة وحكومية (بحدود) والتي تبلغ عشرة ملايين يورو. ونظراً لأن مهرجان أدنبره انتقل من الفترة ذاتها التي كان يُقام فيها حتى العام 2008 الى حزيران/ يونيو فإن حسنة ذلك إيجابية: الآن لوكارنو هو المهرجان الرئيسي الوحيد الذي يُقام في آب/ أغسطس٠
تميّز لوكارنو الآخر يكمن في صالة هواء مفتوحة تكمن في ساحة بياتزا غراندي التي تسع لنحو 8000 شخص ولا تقل أنه لا يوجد جمهور يملؤها. لقد شاهدتها ممتلئة سابقاً بستة عشر ألف عين تنظر الى الشاشة المنصوبة من الرصيف الى الرصيف٠


20/7/09
بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنجز المخرج الفرنسي جان- لوك غودار تصوير مشاهد فيلمه الجديد "إشتراكية" الذي يجول فيه في مناطق جغرافية وتاريخية مختلفة محيطاً بالأوضاع في فلسطين ومصر وايطاليا وفرنسا وأسبانيا واليونان وسواها ومتعاملاً، كما توحي المقدّمة الإعلانية، مع عشرات من المتغيّرات التي أصابت اوروبا، وخارجها، بعد الحرب العالمية الثانية- وبطريقته من حيث تقديم مشهد ثم قطعه بعنوان ثم مشهد آخر وعنوان آخر وعليك أن تركّب المفهوم بالشكل الذي يتراءى لك٠
خلال التصوير أعرب غودار عن نيّته في أن يكون هذا الفيلم آخر أعماله، لكن قبيل انتهاء التصوير صرّح بأنه معجب برواية »الضائع«، وهو إحدى روايات الكاتب دنيال مندلشون الستة، ويريد نقلها الى فيلم سينمائى٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجان جدّة

أما وقد تقرر منع إقامة المهرجان السينمائي في جدّة فإن المسألة تُعيد الغلبة الى النظام المحافظ والى إشعار آخر. قيادة المهرجان نشرت تقول أن التجهيزات لم تكتمل بعد لكن الواضح أن ما لم يكتمل بعد هو قبول المسؤولين بحقيقة أن السينما هي أداة تستطيع أن تُستخدم ايجاباً او سلباً وأنها لا تعارض الدين ولا تتنافى مع الأخلاق بل تدفع العقول الى التنوير خصوصاً وأن الكثير من هواة السينما ومخرجيها في المملكة هم متديّنون ملتزمون٠
المحطات الفضائية أكثر ضرراً منها. كذلك الإنسان بحد ذاته. كل واحد منا مؤهل لأن يحمل الجانبين معاً. بعضنا يهديه الله وبعضنا يضلّه إذاً ماذا تفعل بالإنسان نفسه؟
لا أعتقد أن المسألة تستدعي كتابات عدائية وصاخبة او متشنجة وعنصرية ولا أن هذه الكتابات ستؤدي الى شيء. من يريد التغيير يسعى الى ذلك بالتواصل والإقناع مع المسؤولين مرة تلو المرّة حتى يتم في نهاية الأمر تفهّم الوضع على حقيقته خصوصاً وأن المتغيّرات لابد قادمة ومن نواحي متعددة ليست السينما سوى واحد منها٠
آمل ذلك لأن الأعين الآن، ولابد أن الموضوع وصل الى كل تلك المراكز والهيئات الأجنبية التي لديها أجندتها الخاصّة، على المملكة لترقب الخطوة المقبلة. ويقيني أن الدين والإلتزام ليسا حائلاً ضد التطوّر الإجتماعي في أي مجال، بل هو دافع مهم لهذا التطوّر إذا ما التزم المرء بروح الدين ومارس الدنيا بمسؤولية وهي حق علينا أيضاً٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أبو عزيز

ابتلاني الله تعالى بواحد أسمه أبو عزيز يكتب مرتين او ثلاث يومياً وما يكتبه هو تكرار لموقفه المضاد للسينما فيكيل، في كل رسالة وبعد مدح يطال المسؤولين، للسينما ولكل من يعمل فيها وكان شديد الفرح أن مهرجان جدّة تم الغاؤه وهاجم القائمين عليه كما سبق له وأن هاجم أي فكرة تطوّرية تقع هناك. وهو في ذيل كل رسالة يكتب "رحم الله من أهدى الى عيوبي" لكنه لا يترك عنواناً لكي يهديه أحد الى عيوبه. حاولت وضع رسائله في الزبالة حيث تنتمي لكنها تتحاشى الذهاب الى هناك اوتوماتيكياً وتطالعني كل ما فتحت البريد. حاولت أن أردّها الى صاحبها، اوتوماتيكياً أيضاً فيبدو كما لو أن عنواني غير صحيح فيكف عن مضايقتي، لكنه يعاود إرسالها٠
يا أبو عزيز، إذا كان مفهومك للدين يسمح لك بأن تقرأ هذه المدوّنة وهذا الكلام فيها فأرجو أن تحذفني من لائحة بريدك ولا تفرض ما تكتبه على الآخرين. والى القراء، إذا كان أحدكم يعرف كيف يمكن التخلّص من رسائل غير مرغوبة بطرق غير التي اتبعتها حتى الآن فليكتب له وله الأجر والثواب٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هيفاء وهبي الى شارون ستون

عدد يوم السبت الماضي من جريدة »القدس العربي« التي تصدر من لندن حمل في صفحة »منوّعات« التي عادة ما تضم معظم المواضيع السينمائية، عدة مواضيع وأخبار وجدت أن أعرضها عليكم ومن يريد الإستزادة عليه أن يتوجّه الى الصحيفة ذاتها٠
الموضوع الرئيسي في أعلى الصفحة كان عن المغنية والممثلة هيفاء وهبي تحت عنوان: "هيفاء وهبي ملكوت تائه لم تعثر عليه السينما بعد"٠ وهي مناسبة وجدتها الكاتبة، الآنسة لينا أبو بكر، ملائمة لبحث موضوع مهم عن "الغواية في السينما العربية« منذ "باب الحديد" وحتى "دكان شحاتة"٠ موضوع جيّد لكن استوقفني خطأ فادح فيه. الكاتبة تقول أن فيلم
Basic Instinct 2 | غريزة أساسية
نال أربع جوائز غولدن غلوب "تم تخصيصها لأسوأ أربعة عناصر في الفيلم من بينها الأداء". ليس لأني عضواً في الجمعية التي تمنح الغولدن غلوب ولكن تبياناً لحقيقة الأمر، لم ينل ذلك الفيلم ولا أي من العاملين فيه أي جائزة غولدن غلوب والأرجح أن الكاتبة كانت تقصد
Razzi Awards
وتمنحها جمعية أخرى بالإسم ذاته وهي منحت بالفعل أربع جوائز لهذا الفيلم من بينها جائزة لممثلته شارون ستون. لكن لا تدع هذا التصحيح يفتر من همّتك إذا ما أردت قراءة المقال الجيّد٠

هناك أيضاً مقال عن توأمة بين مهرجانين الأول فرنسي للأفلام القصيرة، إسمه -على ما أعتقد واستناداً للصحيفة- إيفران المتخصص بالسينما القصيرة، وبين مهرجان القدس. يسألني صديق: هل هناك فعلاً مهرجان في القدس؟ الجواب هو أن الإستعمار القائم في فلسطين لديه مهرجانا أسمه القدس، لكن ليس، حسب علمي، من مهرجان عربي مقام فكيف إذاً تتم التوأمة بين مهرجان قائم وآخر لم ير النور بعد؟
أيضاً كيف تقام بين مهرجان متخصص بالأفلام القصيرة وآخر يبغي عرض أفلام من أنواع مختلفة؟ لا أريد أن أكون كمن يشكك بالجهود. القدس تحتاج الى أي نشاط عربي يحييها في مواجهة جيوش الظلام حولها، لكن الأفضل، والكلام موجّه الى المخرج عز الدين شلح الذي سيترأس المهرجان المنوي عقده، التوجّه الى مهرجانات عربية لأجل التوأمة علي أساس أنها -إذا ما تمّ الإتفاق- ستمنح مهرجان القدس السبب الذي من أجله سيجد المقدسيون سبباً وجيهاً لتشجيع الظاهرة٠

أخيراً، خبر في ذات الصحيفة عن الشروع في إنتاج فيلم هوليوودي عن السندباد، وآخر أكبر حول قيام الرقابة في مصر بحذف مشهد من فيلم كان جاهزاً للعرض بعنوان »طير إنت« لأحمد الجندي، لأنه، حسب ممثله الأول أحمد مكّي، يظهر عبارة "أدخلوا مصر آمنين" وبعد قليل يقع حادث مع العائلة العائدة. أليس هذه حساسية زائدة قليلاً يا أخ علي؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحث وتنقيب

شاب لبناني يعمل في السينما أسمه سعيد الماروق دعا الى عرض خاص لفيلم
Transformers 2
ليؤكد للصحافيين أن عمل في فيلم مايكل باي وأن أسمه موجود في عناوين وأسماء النهاية بعدما كان ذكر ذلك في معرض حديثه، على ما يبدو، فتم التشكيك بذلك. الذي قرأته أن المخرج مايكل باي تبنّى 95 بالمئة من أفكار الشاب وأنه عمل كمستشار وكمخرج وحدة ثانية٠
Imdb.pro لتبيان الحقيقة ومعرفة ما إذا كان الأمر على هذا النحو او لا ذهبت الى
وراجعت الأسماء الواردة في قائمة العاملين في الفيلم وهم ربما بالمئات٠ وجدت أسماءاً عربية عديدة اشتغلت في التصوير حين تم جزء منه في مصر وجزء منه في الأردن، لكن إسم سعيد الماروق ليس من بينها. رغم ذلك، فإن إقامة عرض (او عرضين كما ذكر لي صديقي من لبنان) للفيلم للبرهنة على أنه اشترك في الفيلم بهذه الصفة الأساسية لا يمكن أن يتم الا وبحوزة الشاب اللبناني دليل وهو كناية عن ورود إسمه في »التيترات« الأخيرة مثلاً٠


لديك بريد

الصديق محمد موسى يسأل عن عن المقابلات التي اجريتها في حياتك المهنية الطويلة واستمتعت فيها شخصيا ، وشعرت ان الشخص الذي تلتقيه ، قد خرج ايضا من الاطار العادي للمقابلة ، وبدأ في حوار جدي معك ٠

جواب | كوني عضو في جمعية المراسلين الأجانب في هوليوود يتيح لي حضور المقابلات الصحافية التي توفّرها لنا شركات الأفلام طوال العام. حين كنت أعيش في هوليوود نفسها كان حضوري أكثر كثافة. الآن وأنا أعيش خارجها وأنتقل اليها أسبوعاً واحداً كل شهر، فإن حضوري قل كثيراً نسبة لما كان عليه. كذلك قلّت المقابلات التي أجريها عموماً قياساً بسنوات العمل الأولى حين كنت أسعى للجلوس والدخول في مناقشات ومحاورات حول الأفلام٠
لقائي مع أحد الممثلين الأميركيين حين كان في زيارة الى لندن وجاءته نوبة عاطفية فبكى أمر لا أنساه. كنت مع زميلة إنكليزية ولم نعرف كيف نتصرّف. أيضاً لقائي مع الممثل كريستوفر لي ("دراكولا") تحوّل الى صداقة طيلة أسبوع ولم يعد علاقة ناقد او صحافي بممثل بل شملته دعوات غداء وتعريفي بالأسرة وما الى ذلك٠
أيضاً ترحيب ستيفن سبيلبرغ بي حين قابلته ثاني مرّة (من ثلاث او أربع مرّات) من النوع الذي خرج فيه السينمائي المعروف عن الكلام المبرمج ليكون نوعاً من الترويج لفيلمه الى حديث شامل حول السينما. كذلك الحديث مع مارتن سكورسيزي عندما جمعتنا طاولة عشاء شاركنا عليها ثلاث زملاء أجانب لكن أيا منهم لم يوجّه ما أثار سكورسيزي الا بحدود اللياقة وحين بدأت أطرح الاسئلة عليه مظهراً معلوماتي عن خلفيّته استجاب سريعاً لأنه يحب الحديث في السينما ويا ليتني مليونير لأعرض عليه الكتابة في مجلة سينمائية (ورقية) أصدرها. هذا هو منجم معلومات وآراء٠
هناك المقابلة مع الراحل أنطوني كوين التي بدأت بسؤالي حول رسوماته. وبما أنني لست من أهل المدح وجدت نفسي أتحاشى التعليق على تلك الرسومات وأدخل الحوار معه على نحو سينمائي بحت. المقابلة التي كان من المفترض بها أن تكون نصف ساعة استمرت ساعة ونصف وفي نهايتها قال: لن أتركك تمضي قبل أن تخبرني رأيك بما أرسمه. قلت له: خبرتي قليلة في هذا الفن لكن عيني تعجب ما رسمت٠
أخيراً أذكر تلك المقابلة الطويلة مع الممثل البريطاني الراحل بيتر استينوف وهذه تمّت في إطار مهرجان كان سنة 1992 على شاطيء البحر. كانت أيضاً محددة بنصف ساعة لكنها استمرّت لثلاث ساعات اضطررت خلالها الإستغناء عن فيلم المسابقة بينما طلب هو من المشرفة على موعيده إلغاء المواعيد التي بحوزته ما فرض عليّ مبادلة ذلك بإلغاء الفيلم بدورها انطلقت من اسئلة عادية حول الفيلم الذي
Lorenzo Oil جاء لأجله حينها وهو، كما أعتقد الآن، كان فيلم
الذي اشترك بتمثيله٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأخ تامر عبد الخالق يكتب لأول مرّة وبدأ رسالته بالعبارة المصرية المحببة "يا صباح الفل"٠ يقول
هو أنا ليا تعليق على حتّة صغيرة في »دكان شحاتة« في لقطة لما كان أبو شحاتة بيفطر الناس في المغرب في رمضان. الغريب أن الساعة تقريباً كانت الثالثة العصر وظل الشمس مالي المكان وعامل ظل واضح للعربيات والشجر . وعدت الحتة ده على المخرج خالد إزاي مش عارف. يمكن إنه ماكنسي يعننيه أي حاجة خاصة بالإسلام وهو بيعمل الفيلم، والسلام ختام وشكرا

جواب | عملياً، التصوير الليلي قد يؤخر بعض الممثلين عن مواعيد أخرى، او ربما تطلّب انتظار مغيب الشمس. او ربما اعتقد المخرج ومدير تصويره أن المشاهد لن يلحظ. أنا يا أخ تامر لم أر الفيلم لذلك أرجو من الذين حضروه إيضاح المسألة إذا استطاعوا٠
لكني لا أعتقد أن المسألة أن خالد لا يعنيه أي شيء يخص الإسلام، لأن هذه المسألة مسألة سينمائية بحتة. أنت إما تضبط كل شيء او تقع في أخطاء٠ لنرى ما سيفيدنا به الأصدقاء من القراء٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأخ جودت الكيلاني يكتب من السعودية

أتابع ما تنشره حالياً بخصوص تاريخ "كتاب السينما" وبصرف النظر عن الحملة ضده. وبعد الحلقة الثانية أصبحت راغب بأن أشترى الأعداد الأولى علماً بأن الأعداد التي اشتريتها هي كما أعتقد العددين الأخيرين 2004 و2005 وقد اشتريتهما في زيارتي لمهرجان أبو ظبي ومن مكتبة المجمّع الثقافي. فهل لا زال بالإمكان شراء تلك الأعداد، بخاصة العدد الأول الذي كتبت عنه؟

جواب| للأسف أخ جودت الأعداد مفقودة وأملك نسخاً قليلة جداً لمكتبتي٠ لكن "كتاب السينما" تم توزيعه في المملكة كما أخبرتني شركات التوزيع حينها ولا أدري إذا كان هناك من أعداد في مخزن ما. إذا وجدت أخبرني٠
بالنسبة للعددين المذكورين صدرا أيام مهرجان دبي السينمائي حين كان الصديق مسعود أمر الله مسؤولاً عنه. بعده صدر عدد واحد لاحق يحمل تاريخ 2008 وهذا لا يبدو قد وصلك٠
سأعمل على إصدار الأعداد الأربعة الأولى في كتاب واحد لأن طلبك هذا ليس الطلب الوحيد الذي وصلني منذ نفا



18.7.09

بين الأفلام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Harry Potter And the Half Blood Prince


لست من أتباعه لكن الخبر خبر: أنجز هذا الفيلم المنتمي الى سلسلة هاري بوتر (الجزء السادس من ثمانية) في عروض اليوم الأول في الولايات المتحدة وكندا ٥٨ مليون دولار بما في ذلك عروض منتصف الليل التي جاوزت الـ ٢٢ مليون دولار٠
فوق هذا، فإن اجمال ما ضخّته الأسواق في 33 موقعاً عالمياً وصل الى قرابة ست وأربعين مليون دولار وهذا رقم قياسي إذ أن مجموع ما حصده الفيلم في يوم واحد وصل الى 104 مليون دولار٠
المزيد عنه في موضوع حول سلسلة هاري بوتر في هذا العدد٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صباح الخير

سعيد اليوم لاستقبال موافقة الزميل والصديق سمير فريد على إعادة نشر مقالة حديثة كتبها عن الممثل الراحل عماد حمدي وذلك في طلّة نوعية تعني الكثير لجهود هذا الموقع والتزامه بثقافة سينمائية واسعة٠
وكما يعلم المتابعون، كنت أعلنت سابقاً عن رغبتي في ضم أصوات مصرية حتى لا تبقى الكتابة من طرف او طرفين فقط، من ناحية ولشمولية ونوعية الموقع/ المجلة في ذات الوقت. ويسرّني ان أعلن أن مباحثات بدأت بيني وبين رفاق قلم نقدي واحد ممن نحترم في مصر لهذه الغاية وسأعلن عن المزيد لاحقاً٠

سعادتي كبيرة أيضاً باستقبال الناقد السعودي خالد ربيع السيد الذي انفرد بكتابة النقد السينمائي في المملكة قبل سواه وذلك منذ سنين ومؤخراً صدر له كتاب بعنوان »الفانوس السحري« تجدون عنه مراجعة، بين كتب جديدة عديدة وصلتنا في الأعداد القريبة القادمة٠
كل من مقالة الصديقين سمير فريد وخالد ربيع السيد موجودان في هذا العدد

أيضاً يسرني هنا أن أعلن عن انضمام الزميل الناقد صلاح سرميني الى جملة من يختارون هذا الموقع لنشر او إعادة نشر ما يكتبونه. الزميل صلاح بعث بما يمكن اعتباره بانوراما واسعة لسينما لا تأخذ حقّها من الإهتمام هي السينما اليلوودية. هذا تعزيزاً لسينما نظرنا اليها وحكمنا عليها غالباً بأنها ميلودرامية وفي بعض الأحيان لا تستحق الإهتمام (ليس هناك سينما لا تستحق الإهتمام أصلاً) رغم أنه في صلب ذلك عرفت تنوّعات واتجاهات لا زالت غائبة عن النقد العربي وصلاح سرميني سيؤمن هذا الجانب٠

هناك أسماء أخرى قيد الإتصال لكني سأنتظر الإعلان عنها حين استلم كتاباتها (والبعض سيكتب خصيصاً لهذا الموقع) وهي قادمة من الولايات المتحدة والعراق وهولندا والإمارات العربية المتحدة٠
والمسألة ليست سوى خلق حلقة تعاون مثمرة في صعيد الثقافة السينمائية بعينها من دون تحزّبات او شللية او تحالفات مع او ضد أي فريق٠ ولا يعنيني أن أكون رئيسا او مرؤوساً واسهاماتي في مواقع ليست لي دليل على هذا٠

قريباً يبدأ »ظلال وأشباح« عامه الثالث ولا يزال الهدف منه واحد: الحديث في السينما من دون غايات أخرى والرغبة في تعزيز موقعها كثقافة سينمائية ضروية لخدمة الإنسان اولاً وإبداعه وتقدّمه. واليد ممدودة الى الجميع٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رشيد مشهراوي في الإسكندرية

الصديق رشيد مشهراوي، مخرج »عيد ميلاد ليلى« الذي تحدّثنا عنه أكثر من مرّة هنا، سيكون في الإسكندرية لحضور مهرجانها السينمائي الذي ينطلق قريباً. ويخبرني أن وجوده يعود الى أن المهرجان اختار فلسطين كضيف شرف هذا العام. لا أدري من سيحضر أيضاً عن السينما الفلسطينية لكنها مناسبة طيّبة للإسكندرانية وللمصريين والمتواجدين في مصر عموماً حضور الندوة التي ستُقام للغاية واللقاء مع المخرجين الفلسطينيين المشاركين في هذه المناسبة٠
وصوله الى الاسكندرية سيكون من بعد تواجده في مهرجان وهران، خلال أيام قليلة قادمة، كرئيس لجنة التحكيم٠ بعد وهران والاسكندرية سيعود الى باريس حيث يعيش ويعمل الآن لمتابعة عروض فيلمه »عيد ميلاد ليلى« في الصالات الفرنسية. الفيلم الذي جال عدداً كبيرا من المهرجانات، ولا يزال، سوف يوزّع في نحو 15 دولة. اما عروضه الفرنسية فتشمل 40 صالة عرض في مختلف أنحاء الجمهورية٠
أخبار رشيد لا تتوقّف عند هذا الحد، هناك فيلم وثائقي جديد قد يُعرض في مهرجان دبي المقبل وبعد عام تقريباً سيباشر، بإذن الله، تصوير فيلم روائي جديد٠
بالتوفيق يا رشيد٠


مقالات وتحقيقات


هذا المقال نشره الناقد السينمائي سمير فريد في
صحيفة »المصري اليوم« بمناسبة إحتفال مكتبة
الإسكندرية بمئوية الفنان الراحل عماد حمدي هذا
العام. وقد عرضت مكتبة الإسكندرية فيلم »السوق السوداء« يوم الخميس وفيلم »حياة او موت« يوم
الجمعة (أمس)٠


عماد حمدى نجم الطبقة الوسطى فى العصر الذهبى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سمير فريد


يعتبر عماد حمدي (١٩٠٩-١٩٨٤) من كبار نجوم التمثيل في تاريخ السينما المصرية في العصر الذهبي الأول لهذه السينما، من ١٩٤٥ الى ١٩٦٥. . وقد ظل يمثل منذ ١٩٤٥ الى ١٩٨٢، وحافظ دائماً على تمثيل الأدوار الملائمة لعمره، والتكيف مع كل مرحلة من مراحل هذا العمر. وفي أفلامه مثّل مع كبار نجوم العصر الذهبي وكبار مخرجيه٠
كان عماد حمدي أول نجم كبير في السينما المصرية يعبّر عن الطبقة الوسطئ تعبيراً دقيقاً منذ أول أفلامه "السوق السوداء"، إخراج كامل التلمساني (١٩١٥-١٩٧٢) عام ١٩٤٥، الى آخرها "سواق الأوتوبيس" إخراج عاطف الطيب (١٩٤٧-١٩٩٥) عام ١٩٨٢

وقد أهله لذلك موهبته الأصيلة، وملامح وجهه المصرية الخالصة، فهو فارع الطول، أسمر البشرة، أسود العينين، مجعد الشعر، وفى كلمة واحدة كان يبدو رجلاً «عادياً» يمكن أن تلتقى به على قارعة الطريق فى أى مدينة مصرية، وليس مثل كبار النجوم الآخرين فى عصره، والذين يتمتعون بمزايا «خاصة» مثل كبار نجوم هوليوود ونجوم السينما فى كل مكان٠

يقول الصحفي والشاعر صالح جودت (١٩١٢-١٩٧٦) في مقال عن عماد حمدي (الكواكب ١٨ نوفمبر ١٩٥٢) وكان زميله في مدرسة التجارة العليا "لو تأملت وجه عماد حمدي لما وجدت فيه هذا
الجمال الذى تجده فى وجوه أنور وجدى وكمال الشناوى ومحمد فوزى وغيرهم من فتياننا الأوائل على الشاشة٠ ولكن فى عماد شيئاً أقوى من الجمال، هو الرجولة فى وجهه وفى صوته وفى قوامه وفى مشيته وفى تصرفاته". وما يعتبره صالح جودت من سمات «الرجولة» فى عماد حمدى صحيح، ولكن اختيار كامل التلمسانى له لتمثيل دور أفندى الطبقة الوسطى فى «السوق السوداء»، لم يكن بسبب تلك السمات، وإنما لأنه كان يبدو «عادياً»، وليس مثل نجوم السينما الآخرين٠

وكان التلمسانى ضد نظام النجوم وضد مدرسة هوليوود فى السينما عموماً، وكان «السوق السوداء» أول أفلامه كمخرج، كما كان أول أفلام عماد حمدى كممثل، وأول فيلم مصرى واقعى سياسى بالمفهوم الحديث للسينما السياسية فى العالم أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩-١٩٤٥)٠

فشَلَ «السوق السوداء» تجارياً مثل أغلب الأفلام الطليعية التى لم يعتد عليها الجمهور، ولكنه نجح فى جذب الانتباه إلى »الوجه الجديد» عماد حمدى، ومواصفاته الجديدة كنجم. ولم يكن من الغريب أن يكون الفيلم الثانى للفنان «دايماً فى قلبي« إخراج صلاح أبو سيف (١٩١٥-١٩٩٦) عام ١٩٤٦
وكان الفيلم الطويل الأول لمن سيصبح سيد الواقعية فى العصر الذهبي، فمن يكون غير عماد حمدي لتمثيل دور الأفندي عند أهم من عبّر عن الطبقة الوسطئ في السينما المصرية٠
وكما ارتبط أبوسيف بالكاتب نجيب محفوظ (١٩١١-٢٠٠٦) أديباً وسينمائياً، وهو أيضاً أهم من عبّر عن الطبقة الوسطى في الأدب المصري، ارتبط عماد حمدي بالعديد من الأفلام التي كتبها محفوظ او أعدت عن أعماله الأدبية، وفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام ١٩٧٦ فاز بجائزة أحسن ممثل عن دوره في »المذنبون« إخراج سعيد مرزوق عن قصة »صورة« من قصص محفوظ القصيرة٠
وعندما توفي عماد حمدي قال عنه نجيب محفوظ (الجمهورية ٢٩ يناير ١٩٨٤) "كان من القلّة النادرة التي كلما تقدم بها العمر ازدادت مواهبها نضجاً. لقد جسّد دور أنيس زكي في (ثرثرة فوق النيل) افضل مما تخيلته، ولا أنسى له دور أحمد عاكف في (خان الخليلي) على المسرح وعلى الشاشة٠


حياته
ولد محمد عماد الدين حمدى الذى عرف بعد ذلك باسم عماد حمدى يوم ٢٤ نوفمبر ١٩٠٩
فى مدينة سوهاج لأم فرنسية وأب مصرى كان يعمل مهندساً فى هيئة القطارات، وولد معه فى نفس اللحظة توأمه عبدالرحمن٠
وقبل أن يتم التوأم شهراً نقل الأب إلى القاهرة، وسكن فى حى شبرا، وألحق ولديه بمدرسة ٠«شكور» الفرنسية بجزيرة بدران٠
وكان الكاتب المسرحي والشاعر بديع خيري (١٨٩٣-١٩٦٦) من الجيران. وعهد اليه الأب بأن يعلم محمد وعبد الرحمن اللغة الإنجليزية. وبينما درسا المرحلة الإبتدائية في مدرسة عباس حلمي، درسا المرحلة الثانوية في مدرسة التوفيقية٠

وفى المرحلة الثانوية بدت ميول التوأم إلى التمثيل حيث اشتركا فى فريق التمثيل بالمدرسة، وكانت أول مسرحية اشتركا في فريق التمثيل بالمدرسة، وكانت أول مسرحية اشتركا في تمثيلها كوريالينوس شكسبير إخراج عبد الوارث عسر (١٨٩٤-١٩٨٢)، ثم التحقا بمدرسة التجارة العليا، واشتركا في فريق تمثيل هذه المدرسة أيضا، ومرة أخرى كان المخرج هو عبد الوارث عسر الذي لاحظ ميول التوأم، وتوسط لهما للإنضمام الى جمعية أنصار التمثيل والسينما، وهي أول جمعية أنشأت للتمثيل في مصر عام ١٩١٣، وكان عسر من مؤسسيها وأعضائها النشطين٠

وقد قام عبد الرحمن بدور قصير في فيلم »عايدة«، إخراج أحمد بدرخان (١٩٠٩-١٩٦٩) عام ١٩٤٢
ولكنه لم يحقق نجاحاً يشجعه على الإستمرار في التمثيل٠
تخرج التوأم عام ١٩٣٢ واشتركا مع اخرين في تأسيس شركة للدعاية والإعلان بإسم »شركة لوتس« . وبعد عامين حققت الشركة نجاحاً ملموساً في مجال كان مقصوراً على »الأجانب« بدرجة كبيرة حتى إن طلعت حرب (١٨٦٧-١٩٦٩) قام بشراء الشركة لتكون إحدى شركات بنك مصر، ووافق كل الشركاء ما عدا عماد حمدي الذي فضّل العمل في حسابات مستشفى ابو الريش الحكومية٠

وبالفعل قام بالتمثيل فى بعض الأفلام القصيرة الإعلانية حتى شاهده كامل التلمسانى فى إدارة الحسابات، وأسند إليه الدور الرئيسى فى فيلمه الأول مقابل مائتى جنيه. ويقول عماد حمدى إن هذا المبلغ كان أكبر مبلغ حصل عليه فى حياته حتى ذلك الحين. وبعد أن لمع اسمه كممثل فى أفلامه الأولى، استقال من استديو مصر عام ١٩٤٩

يذكر صالح جودت فى مقاله عن عماد حمدى أنه كان فى شبابه «كثير القراءة إلى أبعد الحدود، وكانت لكثرة قراءاته يد طولى فى تكوين شخصيته، ويأخذ عليه أنه لم يعد يقرأ كما كان فى شبابه. ويقول عماد حمدى فى مقاله «قصة حياتى» إنه عندما كان يعمل فى مستشفى أبو الريش التحق بمعهد «بتجرمان» للموسيقى، وبدأ يترجم بعض المسرحيات. ويقول إبنه نادر عنه (أخبار النجوم ٥ أكتوبر ٢٠٠٦) إنه كان يجيد العزف على البيانو مثل والدته الفرنسية ويجيد رسم البورتريهات، ويهوى تربية الخيول وصيد الأسماك٠

تزوج عماد حمدي أربع مرات: الراقصة حورية محمد عام ١٩٤٥ لمدة سنة، والممثلة فتحية شريف عام ١٩٤٦
لمدة ثماني سنوات وأنجب منها نادر، والممثلة والمغنية والنجمة الكبيرة شادية عام ١٩٥٣ لمدة سنتين، ثم الممثلة والنجمة نادية الجندي عام ١٩٦٢ لمدّة اثنتي عشرة سنة. وأنجبا هشام. وفي السنوات العشر الأخيرة من حياته، وبعد طلاقه من نادية الجندي عام ١٩٧٤، عاش عماد حمدي مع ابنه نادر، وأصيب بالإكتئاب بعد وفاة توأمه عبد الرحمن ، ولحق به بعد شهور قليلة يوم ٢٨ يناير ١٩٨٤


أهم أدواره
ليس هناك إحصاء دقيق بعدد الأفلام أو المسرحيات أو مسلسلات الراديو والتليفزيون التى اشترك عماد حمدى فى تمثيلها. ولكن يكفى للدلالة على أنه كان يختار أدواره بعناية فى ذروة تألقه أن هناك ثمانية من أفلامه فى قائمة أهم مائة فيلم مصري صدرت عن مكتبة الإسكندرية، وهي فيلماه الأول والأخير و»حياة او موت« إخراج كمال الشيخ (١٩١٨-٢٠٠٤)، عام ١٩٥٤، و»لا أنام« إخراج صلاح أبوسيف عام ١٩٥٧ و»أم العروسة« إخراج عاطف سالم (١٩٢٧-٢٠٠٢) عام ١٩٦٣، و»خان الخليلي« إخراج عاطف سالم عام ١٩٦٦، و»الكرنك« إخراج علي بدرخان عام ١٩٧٥ و»المذنبون« إخراج سعيد مرزوق عام ١٩٧٦

سمير فريد: ناقد ومؤرخ سينمائي مصري يكتب يومياً في صحيفة »المصري اليوم«



ريم البيّات" تلامس الـ "ظلال" بلغة سينمائية شعرية حالمة"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع


بتجربتها السينمائية الأولى في فيلم "ظلال" الذي عُرض مؤخراً في مهرجان الخليج السينمائي في دبي، تكون المخرجة السعودية الشابة "ريم البيات" قد وضعت لنفسها إطاراً فنياً عصياً عن التراجع، حيث تتضح حنكتها الفنية بجلاء تام في جميع لقطات ومشاهد الفيلم القصير ذو الدقائق الثمانية، والذي كتبه الشاعر أحمد الملا، ليزخرفه بلغة سينمائية شعرية فاتنة، وظفتها البيّات في سيناريو مكثف لتلامس مشاعر المتلقي ، وتتكامل فيه عناصر التأثير الشعري الصوري، لتكون بذلك أول سينمائية خليجية تسلك هذا المنحى المتفرد من الأساليب الإخراجية، مستعينة بما رسخته لديها ثقافتها ودراستها بمعهد الفنون في برونيمورث ببريطانيا، الأمر الذي حدا بها للإستعانة بزملاءها الإنجليز لإنجاز الفيلم٠
يصور الفيلم اللحظات الأخيرة التي كابدها رجل غابت عنه حبيبته، قبل أن يتخذ قراره لإنهاء حياته، فمنذ غيابها لم يحدث ما يستحق الذكر، هكذا يهمس، وبقيت الظلال والحقول الخاوية هي كل ما يملأ حياته..فما حاولته المخرجة، بقيادة فريقها من الزملاء روث تورجوسين، ديفيد سميبسون، روزانا مينار والمصوّر دانيال مكرومِكد ، هو التعبير سينمائياً عن لوعة الغياب والفقد٠

في الدقائق الأخيرة إكتمل فراغ الحياة بدونها، فراح يخاطب صورتها، فيما تبدت له ظلالها على جدران الغرفة الخاوية.. تنساب لقطات الفيلم التمهيدية بوداعة ممتزجة بخلفية صوتية لأمواج البحر وبمقطوعات موسيقية للبيانو بنغم غربي مع تداخل عزف شرقي على العود من مجموعة الموسيقي أنور إبراهيم، المعنونة "خطوة القط الأسود" ٠
(Le pas du chat noir )
لتصور الطبيعة الخالية من البشر. حشائش هاجعة في البرية وأشجار باسقة في الغابات وشطآن مهجورة، هكذا هي الحياة في نظره، ثم تلحقها لقطة لبناية متوارية خلف الأشجار القابعة في هدوء بينما تحيط بها السحب الملبدة بالغيوم، ليترسخ معنى الوحدة والفراغ . لكن هذه الدقة في إختيار الصور إجتهدت في إبرازها المخرجة مع مخرج الصور (فيل بيل)، لا سيما وأن ريم البيّات مصورة فتوغرافية تعرف معنى الصورة وإيحاءاتها٠
وأيضاً تلك البداية العابرة تفعل تأثيرها البصري والنفسي على المتفرج قبل تثبيت الصورة على البطل الممثل البريطاني بيل هوتشينير وهو جالس في حجرة تغشاها النسمات عبر النافذة لتحرك معها الستارة المجاورة له، حالة إنهيار كاملة تعتريه، ويبدء بالحديث الى صورتها وظلالها الممثلة كاتي بلفور لم تترك أمامي سوى أبواباً مغلقة. تجاوبه : كنت متيقناً من لحاقها وكأنك تراها . يرد : دمرني غيابها. يستمر الحوار المختصر في لغة موحية لا تفصح عن الألم بقدر ما تحوم حول المعاناة حيث يكتسب مسحة شعرية . تقول له : تراجع هما تفكر به ، وكأنها تقرأ ما يدور بباله. لكنه يلقي بنفسه من النافذة في لقطة إحترافية. يسمع في الخلفية صوت صافرة سيارة الإسعاف وهو على الأرض بملامحه الشبيهة بفناني وشعراء العصر الكلاسيكي، بينما أخذ أناس يقتربون منه٠

تنثال موسيقى مع الوان بهيجة لقطع قماش ملونة تهفهف على حبال معلقة بين الأشجار، تمثل ألوان الحياة المفقودة. تظهر كاتي لترقص رقصة لقاء الحبيب في العالم الآخر، ربما، أو رقصة السعادة التي إفتقدها بيل وهي غائبة عنه لينعم بها وهو مسجى في رقدته الأخيرة.. و أيا كان تفسير رقصة الجنازة في الفيلم فإنها دون شك تمثل المعادل الدرامي لمعنى إلتقاء ظلال الجسد بمادته، وتلاشي خيال الغياب بحقيقة حضوره، بتعبيرية لغة الجسد وحركته الإحتفالية٠
الظلال، فيلم يؤسس لبصمة جمالية وأسلوبية ستترك أثرها في القادم على النماذج الفيلمية الشعرية القصيرة،غير أن قصر العرض لدقائق معدودة قد لا يمكّن للإنزياح الشعري الصوري من إحتلال مخيلة المشاهد وتأثيره عليه بشكل كامل، وهو ما يجب أن تنتبه إليه ريم البيات في أعمالها القادمة٠

خالد ربيع ناقد سينمائي يراسل جريدة »الحياة« من المملكة العربية السعودية٠


تاريخ "كتاب السينما" - الحلقة 2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


Kagemusha
توضيحاً يجب أن أقول أنني منذ البداية لم أضع كتاباً يقوم على مبدأ تجميع مقالات. كنت دائماً ما انتقد هذا الأسلوب إذا لم يكن بهدف تقديم كافّة أعمال الناقد في خطّة معيّنة. وكنت أعرف أن قاريء الكتاب هو غير قاريء الصحيفة لذلك لم يكن همّي أعيد نشر المقال النقدي او نشره كما هو. هذا يعني أنه بطبيعة الحال كانت هناك أفلام كتبت عنها في »الحوادث« او »الشرق الأوسط« او في أي مكان كنت أعمل فيه آنذاك، لكني لم أنقل المقال ذاته، حتى ولو كان ذلك يعني استهلاك المزيد من الوقت لكتابة موضوع جديد٠

الموضوع الثاني الذي لابد من تنظيف ما علق به هو أنه بجانب الإعلانات المباشرة لم يكن هناك أي دفع مقابل الكتابة الإعلامية. لا من ممثل ولا من ممثلة ولا من منتج او مخرج او بوّاب٠ هذا أسلوب الإنسان الرخيص . كانت هناك مساهمة مادية من الراحل مصطفى العقاد لم تكن مشروطة على الإطلاق ولم تتم -على غالب ما أذكر- الا من بعد صدور العدد الأول. كنت ذهبت اليه كما ذهبت الى حسين القلا ونادر الأتاسي وسواهما وطلبت منه نشر إعلان، لكنه قال أن لا إعلان لديه وإذا ما فعل ذلك فإن الجميع سوف يكتب له طالباً إعلانات. لذلك يفضل أن يسهم بما يوازي سعر الصفحة الإعلانية من دون الإشارة للمصدر. هذا قراره ومن أخلاقه رحمه الله.
لك أن تسألني هل من الخطأ نشر إعلانات تجارية في كتاب سينمائي؟ وجوابي هو التالي: لم أمر الإعلان المباشر أمر مقبول في الصحف والمجلات ومرفوض من قِبل كتاب يصدر سنوياً؟ الفكرة ليست من عندي. كنت أكتب حينها في كتاب دوري إنكليزي لا يزال يصدر سنوياً (غالباً لأنه توقف قبل عامين ثم عاد) أسمه
International Film Guide
كان يرأس تحريره الناقد بيتر غاوي وكان مليئاً بالإعلانات. وبالطبع كان هناك سواه على هذا النحو. الكتاب السينمائي الوحيد الذي ممكن نشر إعلان تجاري فيه هو الكتاب الذي يعمد الى البانوراما الشاملة لأفلام السنة وليس، مثلاً، الكتاب القائم على دراسة سينمائية او سيرة مخرج او تيار سينمائي٠
بالنسبة إليّ لم يكن هناك خياراً: إما صدور كتاب ينقل لجمهور ذلك الحين نقداً سينمائياً متتابعاً بحيث يكون، على تكرار أعداده، مرجعاً متكاملاً، وهذا يتطلّب تمويلاً لا أنا ولا ناقداً غيري يملكه، او لا يصدر٠

إذاً صدر العدد الأول وحمل في الواجهة تقديماً لثلاث شخصيات كتبته. أنا ومستر أكس وكمال رمزي٠
في تقديم نفسي كتبت (وأنا لا أملك نسخاً من الكتب الثلاث الأربعة الأولى في أميركا معي لكن هذا التقديم موجود) التالي

محمد رضا
الاسم الكامل محمد رضا إسماعيل. مواليد بيروت 1952. بعد دراسة سينمائية في مرحلة باكرة من حياته اشترك في تحقيق ثلاثة تجارب فيلمية قصيرة في 1967. في 1968 باشر الكتابة، وهو بعد على مقاعد الدراسة، في عدد من المجلات والصحف اللبنانية ومنها: «الحوادث»، «الحسناء»، «الجيب»، «الأنوار»، و«الدستور». في 1971 انتقل إلى صحيفة «المحرر» اللبنانية حيث كتب السينما يومياً لقرابة سنة ونصف من قبل أن يرأس تحرير أول مجلة سينمائية لبنانية مختصة (باللغة العربية) هي «فيلم» (الناشر جورج شمشوم). من المجلات الأخرى التي كتب لها: «بيروت المساء»، «الوطن العربي»، «المجلة» و«الشرق الأوسط» (الصادرتان في لندن). كما كتب للمجلة المختصة «الحياة السينمائية» التي تصدر في دمشق، وفي «دليل الفيلم العالمي» الذي يصدره بيتر كاوي، كما في مجلة «دراما لوغ» في لوس أنجلس

في الحقيقة هناك خطأ حيث بدأت الكتابة في جريدة »المحرر« سنة 1968 او 1969 ثم توقفت *
قليلاً سنة 1970 وعدت مع الزميل عدنان مدانات في العام 1971

في تقديمي للمستر أكس كتبت التالي
مواليد 1950، في المنصورة، مصر. تخرج من كلية الطب عام 1975. أسس، وهو طالب جامعي، نادياً للسينما أشرف عليه لمدة ثلاثة سنوات. يمارس النقد السينمائي منذ 1973. انتخب في 1979 سكرتيراً لمجلس إدارة جمعية نقاد السينما المصريين. نشرت له العديد من المقالات والدراسات في «نشرة نادي سينما القاهرة»، كما في «صحيفة المساء»، مجلة «الطليعة» ، ومجلة «الحياة السينمائية» السورية ومجلة «الثقافة» العراقية، كما في صحيفة «الرأي» الأردنية. يعمل حالياً في الجزائر منذ 1980 حيث يكتب لمجلة «شاشتان» التي تصدر عن هيئة الإذاعة والتلفزيون الجزائرية. يستعد حالياً لنشر كتابه الأول «قضايا السينما المعاصرة«٠

أما تقديمي لزميلي كمال رمزي فجاء فيه
مواليد القاهرة. ناقد سينمائي معروف، مارس الكتابة السينمائية منذ بداية الستينيات، ونشرت له مجلات عربية عديدة منها «السينما والمسرح» و«مجلة السينما» كما في «سينما 80» التي أصدرتها الثقافة الجماهيرية في القاهرة. كما نشر العديد من كتاباته المختصة في مجلة «الطليعة» المصرية خلال الستينيات. عضو ناشط في أندية السينما وجمعياتها في القاهرة

كمال رمزي كتب دراسة أعدت نشرها قبل عام في 'ظلال وأشباح" بعنوان »سينما الفتوة- فريد شوقي«٠
مستر إكس نشرت له مقابلة مع آسيا جبّار ومقالة نقدية عن فيلم »وست أنديز« ومقالة أصغر عن المخرج مد هندو٠
هذا ما أذكره على نحو شبه موقن كوني لا أملك نسخة معي كما ذكرت بل هي في أرشيفي في بيروت٠
أما المقال المُعاد فكان من المفترض أن يُنشر في الفصل الأول أيضاً لكني لا أذكر مادّته ، أي أيُّ فيلم، لكني أذكر أن سرد حكاية الفيلم احتل معظم صفحاته الإثني عشر٠

علاوة على ما سبق أضفت في التقديم الفقرة التالية تحت عنوان »شكر« ٠
إنه من التسجيل للتاريخ ومن الإيفاء بالواجب الذكر بأن فكرة إصدار »دليل
سينمائي عربي وعالمي يحوي الأفلام والأشخاص" قد اشترك في ولاد
تها الأولى الزميل صلاح هاشم، الناقد السينمائي الذي يعيش في باريس٠


The Shining
وبعد تمهيد تحدّثت فيه عن غاية الكتاب ولماذا يصدر وما يأمل تحقيقه جاء الفصل الأول الذي تألف من مراجعة نقدية لأهم الأفلام العربية والأجنبية حسب ورودها الأبجدي
الأفلام العربية كانت التالية (كل فيلم مع بطاقته الفنية ولمحة عن المخرج ثم مقابلة معه او دراسة عنه)٠
بقايا صور | نبيل المالح - سوريا
حادثة النصف متر | سمير ذكرى- سوريا
ذكريات خصبة | ميشيل خليفي - فلسطين/ بلجيكا/ ألمانيا الغربية
الشيطان يعظ | أشرف فهمي- مصر
وست إنديز | مد هندو- موريتانا
Cserepek
وهو فيلم مجري تركت عنوانه غير مترجم لأنه لم يكن وهو لا يزال بعنوانه المجري حسب مصادر حديثة٠
Cutter's Way | طريقة كاتر
إخراج ايفان باشر وهو وُلد في جمهورية تشيكيا لكنه هاجر الى أميركا وحقق هذا الفيلم هناك٠
Man of Iron | رجل من حديد
هذا فيلم بولندي لأندريه ڤايدا كان سبباً لبداية التغيير الذي وقع في تلك البلاد- نعم السينما يمكن أن تغير
Kagemusha | محارب الظل
وهو للمخرج الرائع أكيرا كوروساوا حققه كإنتاج ياباني لكن جزءاً من التمويل جاء من شركة فوكس بفضل تدخل فرنسيس فورد كوبولا وجورج لوكاس٠
Lion of the Desert | عمر المختار/ أسد الصحراء
لمصطفى العقاد كفيلم ليبي، أميركي، بريطاني، لبناني مشترك لكني أتمنّى لو أني وضعته فيلماً عربياً ولو أن وجوده هناك يبدو مختلفاً عن سواه٠
Mephisto | مافيستو
ايستفان شابو (وربما كتبتها آنذاك زابو قبل أن أعرف أنهم في المجر ينطقونها شابو) وهذا إنتاج مجري/ الماني مشترك٠
Prince of the City | أمير المدينة
هذا الفيلم الأميركي من أعمال المخرج سيدني لوميت٠
The Shining | اللمعان او التألّق
فيلم ستانلي كوبريك طبعاً وهو أميركي٠
The Stalker | المقتفي
للمخرج الرائع أندريه تاركوفسكي وهو من إنتاج الإتحاد السوفييتي عبر تلك الشركة الضخمة التي كان أسمها موسفيلم٠
Tre Fratelli | الأخوة الثلاث
هذا فيلم بديع من المخرج الإيطالي فرنشسكو روزي وهو إنتاج ايطالي/ فرنسي٠

هذه هي الأفلام الأولى (بعدها نحو مئة فيلم تحت قسم بانوراما) والسبب إني ذكرتها هو التالي
معظم من يقرأني (ويقرأ سواي اليوم) هو أصغر سنّاً من معرفة هذه التحف الخالدة. مجرّد ذكرها يحضر دمعة الى عيني، فما البال إذا ما تسمّرت أمام واحد منها للمرة المئة؟ أذكرها وسأنشرها لأني أملك مسودّاتها، لأنها جزء من التاريخ على هاوي السينما أن يعرفه. ولأنه لا يوجد فيلم قديم وفيلم جديد. كل فيلم لم تره بعد هو جديد عليك٠

والى اللقاء٠


الحياة القصيرة لمخرجي هوليوود الجادين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


مانويل دي أوليفييرا
بينما يواصل المخرج البرتغالي مانويل دي أوليڤييرا العمل من دون توقّف فإن العديد من أترابه في هوليوود متوقّفون عن العمل٠ المفارقة هي أن دي أوليڤييرا يبلغ المئة سنة من العمر، بينما معظم المتوقّفين عن العمل لا زالوا أعلى من منتصف العمر بقليل٠

المفارقة مهمّة لأنها إعلان بحد ذاته عن ثقافتين سينمائيّتين: واحدة مبنية على احترام ملكية المخرج المثقّف والجاد، والثاني مبنية على استبعاد هؤلاء من العمل بسبب من غياب الواعز الفني او الثقافي من السينما التي تبغي النجاح التجاري وحده
وهذا لا يحدث في هوليوود فقط، بل في العديد من الدول العربية المنتجة، حيث تحقيق الأفلام بالنسبة لعدد كبير من المخرجين الجيّدين بات مهمّة شاقّة. من هؤلاء علي بدرخان وداوود عبد السيد وخيري بشارة ومحمد خان وسمير سيف في مصر، جورج نصر وزياد دويري وبرهان علوية وبهيج حجيج في لبنان، رضا الباهي والناصر خمير في تونس وسواهم في المغرب والجزائر أيضاً٠

في هوليوود، حيث اي مشكلة تتبدّى أكبر نسبة لحجم الصناعة هناك، فإن مخرجين مؤهلين ومعروفين أمثال جيم مكبرايد، جوناثان ديمي، جوناثان كابلان، فيليب كوفمان، برايان دي بالما، فرنسيس فورد كوبولا، وولتر هيل، جون ميليوس، لورنس كاسدان وسواهم العديد، مبعدين من دون خيار منهم لمجرد أن احداً منهم لم ينجز في السنوات العشر الأخيرة عملاً تجارياً رابحاً. بعض المبعدين، مثل آرثر بن، جيري تشاتزبيرغ وجون ميليوس لم ينجز فيلماً منذ عشرين سنة وغالباً بسبب رفضه القبول بعمل تديره شروط المنتجين من مكاتبهم ولا يتيح للمخرج الدور الذي يعتبره أساسياً له. فضمن المفهوم الهوليوودي الماثل (من مطلع الثمانينات والى اليوم) المخرج ليس سوى دمية يتم تحريكها تبعاً للشروط الموضوعة له من قبل الشركة المموّلة٠
لا عجب أن معظم هؤلاء المخرجين بعيدين عن الإشتراك في جوقات العمل، ولا أن مخرجين عالميين من أمثال الأسباني بدرو ألمادوفار والبريطاني جون بورمان والايطالي جوزيبي تورنتاتوري رفضوا اما العودة لإنجاز أفلام أميركية بشروط تلك الشركات او رفضوا الإشتراك أساساً كما حال ألمادوفار الذي رفض حتى البحث في مثل هذا الإحتمال أساساً٠

حلول مبتكرة
طبعاً، هناك مخرجين لا تستطيع هوليوود أن تفرض عليهم شيئاً كونهم يعرفون الشروط ويطبّقونها بقناعة مع نتائج تجارية جيّدة طوال الوقت وهي فنياً أما متفاوتة (كما الحال بالنسبة لستيفن سبيلبرغ) او نتائج غالباً جيّدة (كما الوضع مع مارتن سكورسيزي). لكن مارتن وستيفن ليسا كل هوليوود الجيّدة وهما ليسا بمنأى عن الضغوط ولو ذاتية. في الحقيقة المشاهد المسبقة من فيلم مارتن سكورسيزي المقبل وعنوانه
»الجزيرة المغلقة« توحي بأنه عمد الى فيلم تجاري القالب والأسلوب ربما لكي يشتري استمراره٠

فرنسيس فورد كوبولا
بعض المخرجين القدامي ذوي الخبرة يبتكرون الحلول. حين وجد وودي ألن أن كلمته ما عادت مسموعة حمل متاعه وحط الرحال في أوروبا حيث ينجز الآن كل أعماله. وولتر هيل، الذي أنجز لهوليوود سابقاً أفلاما بالغة النجاح مثل »24 ساعة« و»حرارة حمراء« ينجز أفلاماً لحساب المحطات الفضائية. أفلام وسترن موجّهة لمن بقي من جمهور لهذا النوع الأميركي الخالص. جوناثان ديمي الذي أنجز فيما أنجز فيما أنجز »صمت الحملان« قدّم في العام الماضي فيلما صغيراً مستقلاً بعنوان »راشل تتزوّج« أما فرنسيس فورد كوبولا فقد عاد أيضاً الى الأفلام المستقلة (»شباب بلا شباب« و»تيترو«) وهو الذي وضع شركة باراماونت على قمّة فنية وتجارية عبر فيلمي »العرّاب« في السبعينات٠

لكن خيار الفيلم المستقل لم يعد مغرياً بحد ذاته. السينما الأميركية المستقلة تشعّبت ثم توزّعت ثم ضعفت خلال السنوات الخمس الأخيرة بسبب من محاولة هوليوود ذاتها احتواء هذه الإنتاجات ما نتج عنه قيام المخرجين الشبّان الذين يقفون وراء معظمها من الكتابة والإخراج بنفس أسلوب هوليوود لكي يضمنوا النجاح متجاهلين حقيقة أن أحد أهم ملامح السينما المستقلّة هي أن تخرج عن الأسلوب والموضوع الهوليووديين وتختار طريقاً من حريّة التعبير وحريّة اختيار الموضوع ومعالجته٠
لذلك نجد أن المخرجين الذين أبدعوا في هذا المجال منذ سنوات بعيدة باتوا بدورهم قليلي العمل. ها هو جون سايلس الذي كان أحد أغزر العاملين في السينما المستقلّة في التسعينات مضطر للغياب أكثر من الظهور. ومثله في ذلك مخرجان مستقلان مشهود لهما بالجودة هما بيتر بوغدانوفيتش وألان رودولف الذي يحتفي به مهرجان كارلوڤي ڤاري المنعقد حالياً في جمهورية التشيك٠

هاري بوتر الجديد: الأولاد كبروا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


في الخامس عشر من تموز/ يوليو إنطلق الجزء السادس من سلسلة »هاري بوتر« حاملاً الى المشاهدين مزيداً من تلك الحكايات الفانتازية الداكنة التي تترجم عالم الكاتبة ج. ك. رولينغ الى صور مثيرة للغرابة والدهشة. واحد من مفاجآت الفيلم الجديد، وعنوانه »هاري بوتر والأمير نصف الشقيق«، هو أن الأبطال الثلاثة ما عادوا صغاراً كما كان وضعهم قبل تسع سنوات. كل منهم الآن أصبح شاباً يافعاً ما يجعل مهمّة صانعي هذا الفيلم صعبة إذا ما رغبوا في الحفاظ على شيء من البراءة السابقة التي سادت تلك الشخصيات الرئيسية٠
لعل هذا ما يفسّر السبب في أن هذا الفيلم يختلف عن سابقيه من ناحية مهمة: ما بدأ قبل أقل من عقد بقليل كفانتازيا خالصة أبطالها مجموعة من الأولاد الذين يُسيّرون معظم الوقت، صار يتطلّب معالجة مختلفة. معالجة تضع القرار في أيدي هذه الشخصيات وفي نفس الوقت تشحن الأحداث بقدر من الإنعكاسات الحياتية التي كانت مفقودة في الأفلام السابقة٠
الثلاثي الذي قاد الأحداث
شيء واحد من الصعب أن يتغيّر في هذه السلسلة هو اعتبار هاري بوتر، من قبل الفيلم كما من قِبل المشاهدين، الفرد الذي اختارته الأقدار ليكون متميّزاً عن أترابه. كما علّمتنا الأجزء السابقة، كان هاري (دانيال ردكليف) دائماً محط الإهتمام الخاص: الأفلام بدأت به في بيت عمّه القاسي وزوجته المتواطئة وإبن عمّه الغبي الذي يكن لهاري العداء. هذا قبل أن يتم إنقاذ هاري بتدخل من روبيوس هاغريد (روبي كولتران) الذي كان يعيده الى مدرسة هوغوورتس لكي يدخل إمتحاناً إما مقصوداً او غير مقصود. ليس فقط أنه بطل الأحداث ومن هنا هو بطبيعة الحال محورها، لكن أيضاً هو الجسر العابر بين الشخصيات الأخرى الخيّرة منها والشريرة والفرد الذي سيجد أن عليه الدفاع عن نفسه ضد فولدرموت وأعوانه، وبل وحوشه التي تحط من فوق على مدينة لندن ناشرة الذعر حتى من قبل أن يبدأ الفيلم توضيح خيوطه القصصية٠
اللافت أن الممثل دانيال ردكليف لم يكبر وحده٠ هذا الممثل الذي كان سيشق طريقاً مختلفة تماماً لو لم يصطدم بهذه السلسلة من الأفلام (او لم تكتب الرواية المؤلفة رولينغ أساساً) كان في الحادية عشر من عمره حين مثّل الجزء الأول من السلسلة تحت عنوان »هاري بوتر وجوهرة الفيلسوف« (2001). قبل ذلك كان لعب دوراً واحداً على الشاشة في فيلم من بطولة بيرس بروسنان وجفري راش وجامي لي كيرتس بعنوان »خياط باناما«. في ذلك الفيلم كان إبن جفري وجايمي لي الصغير ولسبب ما لفت أنظار المنتج ديفيد هايمان وفريقه كما المخرج كريس كولمبوس الذي أحسن اختيار و إدارة الأولاد في السينما إذ هو من سبق له أن قدّم ماكولاي كولكين حين كان لا يزال في العاشرة من عمره وصنع منه نجماً لسنوات٠

اليوم دانيال ردكليف في التاسعة عشر من عمره ولا يمكن أن يواصل التنفس برئة إبن الثانية عشر او حتى الخامسة عشر. ليس أن الفيلم السابق (الخامس في السلسلة) »هاري بوتر ونظام الفينكس«) أغفل هذه النقطة، لكنه لا يحتوي على أي من المشاهد التي تعالج بلوغ الممثل سنّاً يجعله يتعامل ومشاعره البشرية كما تعامل معها رايان أونيل -مثلاً- في »قصّة حب« أمام آلي ماكغرو٠
فإنفرادية هاري بوتر ومحاولة رسمه كإنسان مُختار عنوة عن الجميع تتبددان حين يهفو الصبي الى الفتاة التي يحب وهي ليست الفتاة الجميلة التي صاحبته في كل مغامراته هرموين (ايما واتسون) بل شقيقة صديقه رون ويزلي (روبرت غرينت) وأسمها جيني (بوني رايت)٠
وكما يعلم كل من شاهد الأجزاء الخمسة السابقة، فإن هؤلاء الثلاثة، هاري ودون وهرموين، قادوا الأحداث لكن هاري طغى عليهما كما على كل من عداهما٠ في بعض الأفلام طغيان هاري نتج عنه إضعاف الشخصيّتين القريبتين منه. وفي الفيلمين السابقين »شعلة النار« و»نظام الفينكس« تحوّلتا عملياً الى جزء من الديكور البشري المحيط بهاري من دون كثير تأثير. هذا الوضع يتغيّر هنا: هاري لا يزال يقود المغامرة لكن الثلاثة يشتركون معاً في وضع مماثل حين يأتي الأمر الى مسألة البحث في العلاقات العاطفية التي يعيشونها٠

المنتج ووالدته
كل ذلك من دون أن تخل السلسلة السينمائية بالسلسلة الروائية. المتّفق عليه أن يتعامل الإنتاج مع روايات الكاتبة رولينغ بأمانة وهي حتى الآن راضية ما يعزز العلاقة الغريبة بين عالمي الرواية والأفلام. ففي حين غذّت الروايات هذه الأفلام وجعلتها محبوبة وناجحة، غذّت الأفلام الروايات وساهمت في مدّها بمزيد من الإقبال. لكن على صعيد الأفلام فإن المنافسة قائمة ليس بين جزء وآخر بل بين هذه الأجزاء وسلسلة جيمس بوند٠
فالأفلام الخمسة الأولى من هاري بوتر، وهي »جوهرة الفيلسوف« و»غرفة الأسرار« و»سجين أزكابان« و»شعلة النار« ثم »نظام الفينكس« جمعت حتى العام 2007 قريبا من 4 بلايين و500 مليون دولار عالمياً وهذا أكثر مما جمعته سلسلة جيمس بوند الى أن خرج في العام الماضي الفيلم الأخير من تلك السلسلة »كم العزاء« ليضيف ما يجعل سلسلة بوند أعلى إيراداً من أي سلسلة أخرى في تاريخ السينما٠


ما سيفعله الجزء السادس إذاً هو أنه سيتولّى، إذا ما نجح فعلاً (كل شيء جائز) هو التقدّم على سلسلة بوند الى أن يأتي بوند جديد وهكذا٠
المحرّك الفاعل في هذه العملية بأسرها هو المنتج البريطاني ديفيد هايمان٠ هو منتج بريطاني سبق له أن مثّل خمسة وأنتج ثلاثة أفلام قبل قيامه بإنتاج هاري بوتر الأول، وخلال الأفلام الأربعة الأولى لم يُتح له العمل على أي مشروع آخر، ثم مباشرة بعد »هاري بوتر ونظام الفينكس« سنة 2007 قام بإنتاج »أنا أسطورة« مع ول سميث في دور الناجي الوحيد من دمار شامل وهذا الفيلم حقق نجاحاً لا بأس به. بعده أنتج فيلماً عن الهولوكوست بإسم »الولد في البيجاما المخططة« لم ينجز أي نجاح ثم أنتج »هل هناك أحد؟« من بطولة مايكل كاين وهذا ايضاً لم ينجز أي نجاح، والإخفاق نفسه كان من نصيب فيلمه الأخير(خارج نطاق السلسلة) وهو الكوميدي »رجل النعم«
The Yes Man
الذي قاد بطولته جيم كاري٠
والدة ديفيد هي منتجة بدورها وهي التي كادت أن تموّل فيلم المخرج التونسي رضا الباهي »براندو براندو«، الفيلم الذي كان من المفترض به أن يكون آخر فيلم من ظهور الراحل مارلون براندو لكن المنيّة وافته بينما كان المخرج التونسي يطرق باب مكتب المنتجة في الموعد المحدد لتوقيع العقد٠

المخرجون
إذا ما كان المنتج هايمان واصل العمل على السلسلة من دون أنقطاع، وهذا ليس غريباً نظراً لنجاحها الكبير، فإن المخرجين الذين أنجزوا هذه الحلقات الستة تفاوتوا واختلفوا. وكان المنتج- المخرج ستيفن سبيلبرغ أول من جذبت الروايات اهتمامه، لكنه رغب في شراء حقوق رواية واحدة من المجموعة و»تجربتها«. كذلك رغب في أن يصنع من هذه الرواية فيلم أنيماشن. ستيفن بذلك لم ير المخرج، على غير عادته، احتمالات نجاح كبيرة فيما لو حاول صنع فيلم حي منها٠
لكن الكاتبة رولينغ لم توافق على عرض سبيلبرغ لأنها كانت حريصة على أن تحافظ الأفلام التي سيتم تحقيقها على »بريطانيّة« الرواية وشخصياتها وعوالمها. لذلك حتى ديفيد هايمان كان عليه التأكيد لها في كل مناسبة على أنه سيتعامل مع رغباتها بكل جدية. رغم ذلك كله اشترطت في عقدها على أن يكون كل الممثلين بريطانيين (ولا مانع من بعض الأيرلنديين) ٠
خلال مباحثات ديفيد هايمان مع رولينغ كان سبيلبرغ لا يزال مطروحاً لديه. حين تبدّى أنه يتحدّث اللغة التي لن تقبل بها المؤلّفة أخذ هايمن يبحث بين عدد كبير من المخرجين المحتملين: الأسترالي بيتر وير، الأميركي تيم روبنز، الألماني وولفغانغ بيترسون والبريطاني ألان باركر من بين آخرين٠
الإختيار وقع على الأميركي كريس كولمبوس للفيلمين الأول والثاني (»جوهر الفيلسوف« و»غرفة الأسرار«، ثم تبعه المكسيكي ألفونسو كوارون (»سجين أزكابان«) فالبريطاني مايك نيووَل للفيلم الرابع (»شعلة النار«) ثم البريطاني ديفيد ياتس للفيلمين الخامس والسادس (»نظام الفينكس« و»الأمير نصف الشقيق«)٠


وديفيد ياتس (الصورة) هو من يؤول اليه اختتام السلسلة. القصّة السابعة والأخيرة من هذا المسلسل (الذي يتم تصويرها حالياً بعنوان »هاري بوتر والتقديس المميت«) تم تقسيمها الى فيلمين (ليس في العقد المبرم ما يمنع ذلك) وذلك لتحقيق نجاح أعلى ولأنها أيضاً القصّة الختامية وبعدها ستتحوّل الأجزاء كلّها الى أرشيف في تاريخ السينما٠

الممثلون
وحسب رغبة المؤلّفة وحتى آخر مشهد من الفيلم الثامن، ابتعدت السينما عن الإتيان بممثل أميركي (او غير بريطاني) للظهور في أي من الأدوار الكبيرة او الصغيرة بإستثناء الممثل البلغاري ستانليسلاف إيفانسكي وذلك تبعاً للشخصية التي أدّاها في فيلم »هاري بوتر وشعلة النار«. في ذات الفيلم تم جلب الممثل البريطاني، ذي الأصل الإيراني أصفهان أزاد ليؤدي دور الشرير بادما والممثل الهندي شيفلالي شودوري لدور شقيقه٠
لكن الجميع وفي كل الأفلام كانوا من خيرة نجوم المسرح والسينما في بريطانيا: تيموثي سبول، ماغي سميث، روبي كولتراين، فيونا شو،
ديفيد ثيوليس، هيلينا بونام كارتر، جيم برودبنت، مايكل غامبون، ألان ريكمان من بين آخرين عديدين٠


أما من ايرلندا فظهر الممثل الراحل رتشارد هاريس في دور بارز في »هاري بوتر وشعلة النار« الذي حضر هذا الناقد تصويره وجلس مع الممثل المخضرم واستمع اليه وهو يحكي عن مسيرته وصولاً الى »هذا اليوم الذي أصبح فيه الممثل شخصية محاطة بالحرس الشخصي« وكمثال ومن دون خشية أحد أكمل قائلاً: "مثل ذلك الممثل ...ما أسمه؟ توم كروز. لقد بحثت عنه ذات مرّة وكان عليّ أن أقف على أصابع قدمي لكي أره بين حرّاسه"٠
هذا هو شأن دانيال ردكليف، نفسه. فالشاب إبن التاسعة عشر قصير القامة وهذا ملاحظ في الفيلم من حيث لم يقصد أحد أن يلاحظه. ففي الوقت الذي كبر فيه عمراً لم تمتد قامته لتوازي السنوات المتعاقبة موازاة حقيقية فإذا به أقصر من أعدائه. طبعاً بالأمس كان ذلك أمر مقبول كونه يمثل وهو ولد، لكن اليوم، وقد كبر كذلك الأولاد الصغار الذين صاحبوه من فيلم الي آخر فإن قامته لا زالت أقصر من قامة سواه خصوصاً بعد اولئك الطلاب الذين من المفترض بهم أنهم أعداؤه٠
في الفيلم الجديد، سيعمد بعض هؤلاء الى الجريمة في محاولة القضاء على هاري ومساعدة أعدائه السحرة الذين يريدون الإنتقام منه كما كانوا انتقموا من أبيه٠ لكن هاري بوتر عليه أن يعيش لفيلمين قادمين على الأقل٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Jul 15, 2009

ISSUE 437 | بين الأفلام | دكان شحاتة مرّة أخرى | محور العدد: النقد السينمائي وشجونه | اسماعيل يس

17.7.09

بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مع الملك



حفصية حرزي لديها بطولة جديدة في فيلم فرنسي بالكامل أخرجه ألان غويرودي بعنوان
Le Roi de L'éasion | ملك المراوغة
الممثلة العربية التي لفتت الأنظار ونالت الجوائز عن دورها في فيلم عبد اللطيف كشيش »كُسكس بالسمك" ظهرت بعده في الإنتاج الفرنسي/ العراقي »فجر العالم« للمخرج عبّاس فاضل. »ملك المراوغة« الذي يشاركها بطولته لودفيغ بورتيو، بوشر بعرضه من الخامس عشر من هذا الشهر (ثمانية من أصل إحدى عشر ناقداً فرنسيا منحه ثلاث نجوم وما فوق)، بينما »فجر العالم« مازال يعرض في صالة واحدة من صالات باريس٠


زوبعة في فنجان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا أدري من أين أبدأ: بشكر الأعزاء الذين تدخّلوا، او عرضوا التدخل، لتسوية الموضوع الذي طغى على يوم أمس، او القراء الذين بعثوا على الموقع كما على البريد ينتقدون وينصحون٠
الرأي الجامع، بإستثناء رسالتين، كان تحاشي الرد مهما بلغ الأمر، وأن ما أثير ضدي لم يكن له لزوم خصوصاً وإن كتاباتي السابقة كانت دائماً تسدي الطرف الآخر الإعجاب في كتاباته واحترام مواقفه. ولا أريد الدخول في الموضوع من جديد، لكني أريد فقط القول أن التكتيك الفاشي والصدامي لا ينفع في الحوار وأنه إذا ما كان هناك تعليق على الكتابة بروح النقد المحترف فأهلا وسهلاً به. جُل من لا يخطيء او ينسى ولا تحكّم لي، ولا لأي إنسان، على ما يتذكّره او ينساه٠

الأخ محمد حمّود يسأل إذا ما كنت سأتوقّف عن »تاريخ كتاب السينما« وأقول له لا داعي لأن أتوقّف فلا حجر على رأي أحد لكني سأكون أكثر حذراً في ذكر أي إسم لأني بت أعرف أن الحساسية مرتفعة هذه الأيام ومن الأفضل أن لا أنام وسط القبور حتى لا أرى الكوابيس٠

الأخت إيمان من بيروت بعثت بأبيات شعرية للمتنبّي. أشكرها واعتذر عن نشرها رغم صوابها٠

الشكر أيضاً لأول من بادر بإرسال رأيه وهو الأخ معاذ الذي تستطيعون قراءة ما كتب في رسائل العدد٠ رأيك ورأي القراء مهم جدّاً وكنت ميّالاً الى التوقّف او عدم تكبير حجم الموضوع لكن رسالتك هي التي جعلتني أقرر ذلك فعلاً٠

الصديق عبد الرحمن عيتاني، أتبع رسالته باتصال هاتفي لكي يتأكد، حسب قوله، من أنني بخير وعرض أن يعيدني على حسابه الى لندن "حتى ما تبقى وحدك"٠ أشكرك جدّاً يا عبد الرحمن لكني أفضل الإنتظار حتى تأتي الفرصة المناسبة (وستأتي) وسأعود الى وطني حينها

نقلب الصفحة وأعود غداً الى جملة من رسائل القراء التي لا علاقة لها، أولها رسالة الزميل محمد موسى وأخرى من محمد العسكري وثالثة من الأخ (أول مرّة) تامر عبد الخالق ٠

تحياتي لكل من كتب ومن لم يكتب لكني أعرف موقع القلب من الهوى أحياناً٠


16.7.09

بين الأفلام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Creation

أعلن مهرجان تورنتو على أن افتتاح الدورة المقبلة (الرابعة والثلاثين) من هذا المهرجان الكبير سيكون من نصيب الفيلم البريطاني »خلق« لجون أمييل الذي يسرد سيرة حياة العالم المعروف تشارلز داروين٠ وهو من إنتاج جيرمي توماس عن سيناريو شارك في كتابته راندال كاينس الذي تستطيع أن تقول أنه تخصص في أعمال حول تشارلز داروين منذ بضع سنوات، فهو كتب الفيلم التلفزيوني »إبنة داروين« (قامت بها أنابيل أبسيون) وكان مستشاراً لفيلم وثائقي بعنوان »تشارلز داروين وشجرة الحياة« الذي أخرجه المقدّم التلفزيوني ديفيد أتنبوروه. ٠
البطولة في »خلق« لبول بيتاني في دور داروين، مع جنيفر كونلي وجيريمي نورثام٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مزيد من أخبار ڤانيسيا

على حلقتين سابقتين قدّمت بعض ما هو مؤكد وشبه مؤكد من أفلام أميركية وآسيوية وفرنسية موجودة على شاشة ماركو مولر، رئيس مهرجان فانيسيا، واليوم وصلتني عناوين أخرى أحيلها إليكم. الفيلم النمساوي
Lourdes
لجسيكا هاوزنر الذي أعتقد أن مهرجان تورنتو اختاره أيضاً للعرض في رحابه (وينطلق خلال الأيام الأخيرة من أعمال فانيسيا)- من كندا، بما أننا نوصل الغرب البعيد بالقريب، وفّر المخرج الكندي أتوم إيغويان نسخة من فيلمه الجديد »كليو« من بطولة ليام نيسون (الصورة) والتي ربما آلت الى المسابقة أيضاً٠ كذلك فيلم من المخرجة الجديدة رايشل وورد بعنوان »استراليا: كايت الجميلة« او كما يكتبها العنوان على هذا النحو
Australia: BeautifulKate

Triage والفيلم الجديد للبوسني دنيش تانوفيتش
تم إرساله الى مولر للمعاينة وكذلك فيلم أول من ستيفن بولياكوف عنوانه
Glorious 39
سمعت أنه يتعاطى وموضوعاً يقع قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية٠ وهناك فيبلم بريطاني لأوليفر باركر بعنوان »دوريان غراي« وكان تم تصوير الرواية أكثر من مرّة سابقاً يقوم ببطولتها هذه المرّة بن بارنز٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كلما تقدّمنا تأخرنا

وهناك أسباباً موجبة لمثل هذا اليقين. فالتقدّم الذي نقوم به ليس التقدّم السليم. نحن لا نتقدّم ثقافياً ولا نتقدم مهنياً ولا حضارياً او إنسانياً. نحن نتقدّم تكنولوجيا٠
والتكنولوجيا ملُك رجال الأعمال والصناعة وهم يستفيدون من إقبالنا عليها. لكنهم لا يكترثون ما إذا تقدّم المجتمع في النواحي المذكورة الأخرى٠
ولا بأس من الصناعة والتجارة والأعمال إذا لم تستحوذ على الضروريات الأخرى وهي تفعل اليوم في سرعة متزايدة٠
ولعل التلفزيون هو المثال النموذجي لهذا الوضع. لقد انتشر بفضائياته واستولى على الحياة الإجتماعية٠ قلت في العواصم العربية، كما الغربية، الزيارات على أشكالها، فلا زيارات بين الأسر ولا زيارات بين الأصدقاء ولا زيارات للمكتبات حيث الثقافة مطروحة بين دفف الكتب ولا أحد يريد أن يقرأ٠
في هذا الحين، تزداد البرامج التلفزيونية تنوّعاً وتفننا من دون أن يكون من بينها (الا فيما ندر) ما يعود بالفائدة على المجتمع الذي تبث له٠

وفي شطحة قلم وعودة الى الوراء لنحو من عشرين سنة مضت، يستطيع المرء أن يرى ان الفارق بين تلفزيونات هذه الأيام، هو بدوره تقني ليس الا٠ التلفزيونات حينها كانت تخصص تنوّعاً مفيداً. وكانت أقل تشنّجاً وتوتراً مما كانت عليه اليوم. أكثر قناعة بما لديها من جمهور وليست في حاجة لأن ترقص وتغني أربع وعشرين ساعة في اليوم لكي تستقطب النظّارة٠
كانت تعرض البرامج الأجنبية من دون أن تجعلها محورها ومن دون أن تسهم، بألف طريقة وطريقة، في تفتيت الثقافة الوطنية او المحلية واستبدالها بالثقافة الأجنبية٠
لم تكن البرامج المحلّية نسخة من تلك الغربية، ولا كان العمل التلفزيوني عبارة عن سمسرة كما هو الواقع اليوم. كان لا يزال هناك من يؤمن بالبرنامج الذي يتم إنتاجه محليّاً عوض شراء البرامج مصنوعة وبثّّها كما هي٠
كانت الحوارات راقية وكانت اللغة العربية محفوظة تتداولها كل القنوات. كان مذيع النشرة يؤكد أنه ضيف عندك عوض التصرّف، كما الحال اليوم، كما لو كنت من أتباعه. كان المفهوم بأسره مختلف٠
نعم تقدّمنا في التكنولوجيا وتأخرنا في كل شيء آخر



هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • متابعات | الزميل ميسر المسكي دخل دكان شحاته ووجده فارغاً من المحتويات
  • محور العدد | النقد وفلسفة الفيلم تمتد لتشمل شؤوناً نقدية ونظريات مختلفة و لماذا الفيلم نوار مهم للناقد | محمد رضا
  • شخصيات | قريباً ينطلق مسلسل عن حياة الكوميدي الراحل اسماعيل يس. ريما المسمار تقدم تحية خاصة له وللونه الكوميدي

متابعات | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دكان شحاته...الفارغ!٠


منذ أسابيع و المخرج خالد يوسف ينتقل بين أستوديو فضائي و آخر مُقدماً فيلمه الأخير "دكان شحاته". وغالباً ما رافقه في هذه اللقاءات عدد غير قليل من مُمثلي العمل الذين أشادَ بهم المخرج وبحرفيتهم، وهم في المقابل ردّوا له التحيّة بأحسن منها وأفاضوا بالحيث عن حُسن إدارته لهم وللعمل. بل وحتى البعض رددَ أكثر من مرّة الحديث عن "عبقرية" خالد يوسف. والعبقرية كلمة يرددها مؤخراً الكثير من الفنانين العرب بشكل عام بإستخفاف و إستسهال لافت للنظر٠
المهم، من كل هذه اللقاءات فهمنا أن المخرج خالد يوسف يؤمن أن الشخصية المصرية (لاحظ التخصيص و ليس الإنسانية بشكل عام) مفطورة على الطيبة. لكن ما تعرضت له هذه الشخصية على أمتداد العقود الماضية ولا زالت من قهر و قمع و فقر و جهل و تهميش قد يودي بها إلى فقدان هذه الطيبة، التي هي بحسب المخرج، إحدى أهمّ ميزاتها. لذلك يضيف السيد يوسف أن فيلمه ليس عن اليوم، لكنه عما يمكن أن تؤول إليه الحال بعد سنوات لو لم يتدارك المجتمع، ناس وسلطة، هذا الإنهيار في تركيبة الشخصية الإجتماعية والفردية المصرية
حسناً، كلام يحتمل الجدل لكنه معقول، لكن الأهم هو كيف يتجلى هذا الكلام في شريط سينمائي بإعتبار خالد يوسف واحد من أهم من عملوا مع الراحل يوسف شاهين في سنواته الأخيرة٠

يريد »دكان شحاته" أن يناقش الظلم، الفقر، الكبت، الجنس، العنف، التطرف، الفساد، الإنتخابات المغشوشة، إنهيار القيم، و مواضيع عديدة اُخرى في فيلم واحد! قد يبدو هذا مفهوماً لمخرج حَصَلَ على تمويل لفيلمه الأول، ولإنه غير ضامن أن يحقق فيلماً آخر فإنه يقوم بحشر كل مشاكل مجتمعه في فيلم واحد. أما بالنسبة لخالد يوسف الذي أصبح له حَيّز لا جدال فيه في السينما المصرية فإن هذه الخلطة الغريبة تبدو غير مفهومة و لا مُبررة٠
قد يقول قائل أن المواضيع السابقة الذكر هي أصلاً متداخلة في الحياة و لايمكن فصلها بالكامل. نعم، لكن كل عمل سينمائي ذو قيمة له عمود فقري يستند إليه. أو سياق يقوده (ويقود معه المـُشاهد) إلى الحصيلة النهائية لفكرة الفيلم و ذلك بغض النظر عن الأسلوب السردي للفيلم إن كان تقليدياً، مُجدداً، أو طليعياً٠

عبر سيرة شحاته (عمرو سعد) الذي فـَضّله و الده (محمود حميدة) عن بقية أخوته فنالَ حقدهم و تآمرهم ضده بعد وفاة الوالد، يتناول الفيلم قضايا الظلم و الفساد السياسي و الإجتماعي و التي تؤدي إلى إنهيار منظومة القيم الإجتماعية و التي من أهمها الطيبة مُمثلة هنا بشحاته الذي لا يكف عن البحث عن حضن شقيقيه الدافيء رغم كل الظلم الذي انزلاه به٠
هنا يبدو فيلم خالد يوسف و كأنه الفهرس الذي يسبق الكتاب. حيث في الفهرس تجد العناوين الرئيسية للمواضيع التي سيتم سردها و تحليلها في الكتاب. "دكان شحاته" لم يتجاوز الفهرسة. فمن كل قضية تهزّ أركان المجتمع المصري (و العربي لتشابه الحال) تناولَ عنواناً و هَروَلَ إلى القضية التالية قبل أن تنتهي ساعتيّ الفيلم. و على هذا المنوال نمضي من مشهد إلى آخر حتى نصل إلى نهاية قد لا تكون محتومة لكن يمكن التنبؤ بها لإن الكاتب والمخرج قد أوصلا الأمور إلى عقدة لا مخرج منها إلاّ بتراجيديا شكسبيرية بنكهة محلية عالية النحيب٠
أكثر ما يزعجك في "دكان شحاته" هو هذا الصخب و الصراخ والعويل الذي يدفعك بعد حين إلى أن تتمنى لو أن الجميع يسكت. لو أن مشهد يمرّ دون أن يرهقك سمعياً. لو أن تلك الأغاني المُـرافقة (والتي من المـُفترض أنها تساهم في التعبير عن الوقف وحال الشخصيات) تصمت عن الإنتحاب. شريط صوتي مزعج و لا يفوقه إزعاجاً إلا مشاهد الصفعات التي لا تنتهي و التي يتبادلها الممثلون في الفيلم في كل مناسبة يلتقون بها، بحيث أنك تكاد تعتقد أن إجتماع أي ممثلين في لقطة هو ذريعة لموجة جديدة من اللطم و والصفع. أما مشاهد العنف المجاني في الشارع فتبدو مهزوزة التنفيذ و رديئة٠
وكالعادة، جاء أداء الممثلين على نبرة عالية و مبالغ بها على قدر الصراخ و الصخب في الفيلم. ربما يقف عمرو سعد على بعض التميز. أما هيفاء وهبي فلم يكن من المتوقع منها أكثر مما أعطت. أداء باهت، دون روح و ببعد واحد. لكنها في هذا ليست أسوأ بكثير من العديد من العاملات اليوم في الإنتاج القاهري٠
لايُخفي خالد يوسف ميوله السياسية خلال الفيلم إما بدلالات صارخة أو مخفية في ثنايا بعض اللقطات. الناصريون سيصفقون بحرارة، أما الساداتيون، و بعض من لهم زمام الأمر اليوم، فلن يغفروا. لكن الطرفان لا يهمهما هنا إلاّ الرسالة السياسية. لكن القيمة الأساسية لأي فيلم هي في أدوات تعبيره البصرية و تمكنه منها. هنا يبدو دكان شحاته لمن يقصده خالي الرفوف و .... فارغاً!٠

ميسر المسكي ناقد وباحث سينمائي سوري يكتب خصيصا *
لـ 'ظلال وأشباح"٠


محور العدد | النقد للسينما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بدءاً من هذا العدد، وعلى نحو شبه منتظم، سيتم تخصيص جزء المنتصف من العدد لتسليط الضوء على شخصية او على تيار او على نوع او تاريخ، او ربما على فيلم واحد من عدّة زوايا٠ يمكن تسميته بالملف إذا شئت، لكن مع مراعاة أن الملف لا يشمل كل ما يمكن أن يُقال وأن تجزئة موضوع كبير (لنقل "الرقابة على الأفلام" او "سينما روسيا خلال الفترة السوڤييتية") الى ملفّات صغيرة أكثر تحديداً أمر وارد٠
المحتويات | هل يستطيع الناقد أن يفيد المخرج؟ | كيف بدأ "كتاب السينما" خطواته الأولى؟ | خمس مصطلحات نقدية موجزة | لماذا لا غنى عن الفيلم نوار للناقد والمشاهد؟

الناقد وفلسفة الفيلم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يستطيع الناقد أن يُفيد المخرج ولم لا يفعل؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يكتب معظم نقاد السينما في كل مكان وفي بالهم القاريء المواظب على قراءة النقد٠
على قلّة هذا القاريء النسبية في الغرب، وقلّتها الأكبر في بلادنا، الا أنه قاريء مثقّف في العموم، يحب السينما ويحب أن يعرف عنها ويقارن ما كوّنه من رأي مع ما كوّنه الناقد من رأي. أين يلتقيان وأين يختلفان٠
إذاً يكتب الناقد وفي البال القاريء لكن هذا لا يعني أن القاريء هو الذي يوجّهه الا في حالة واحدة: حالة إذا ما كانت الصحيفة تطلب من الناقد الإهتمام بأفلام معيّنة هي ذاتها الأفلام التجارية التي سيقبل عليها معظم النقاد٠
تصوّر أن هناك فيلما فرنسياً جديداً للطليعي جاك ريفيت وفيلما أميركياً جديداً لمايكل باي٠ في معظم الصحف الغربية صار معتاداً أن ترى الناقد وقد خصص فيلم مايكل باي بالمساحة الأكبر وفيلم جاك ريفيت بالمساحة الأصغر. ربما لو كان الأمر من إختياره لعكس الآية٠

لكن لم لا يكتب الناقد للمخرج أيضاَ؟
لا أريد أن أتوسّع جغرافياً لأتحدّث عن النقد الغربي (او الآسيوي او اللاتيني او الأميركي الخ...) بل سأحصر -قدر المستطاع- حديثي بالنقد السينمائي في العالم العربي رغم أن الكثير مما سأذكره هنا متداول خارج إطار العالم العربي أيضا٠

بإيجاز تضطره الرغبة في الجواب على السؤال ذاته عوض التمهيد له، فإن السبب الذي يكتب فيه الناقد وفي باله الجمهور وليس المخرج بسيط: المخرج لا يقرأ النقد او هو يقرأه ولا يجاهر بقراءته الا في حالات محدودة٠
لأن كثيرين من المخرجين ينفون أنهم يكرهون النقد، فإن الناقد عليه -وهو لا يستطيع إثبات ما يقومون بنفيه على وجه او على آخر- أن يقبل احتمال أنهم لا يقرأوون صدّق ذلك ضمنيا او لم يصدّق. لذلك يلغي في معظم الأحيان المخرج من باله حين يكتب ويفضل التوجّه للجمهور الذي هو في موقع وسطي بين الناقد وبين المخرج. بين النقد وبين الفيلم٠

عليّ أن أفتح قوسين وأقول هنا أنني استخدم هنا تعبير المخرج وأقصد به المخرج المحترف، ذلك لأن المخرجين الذين لا زالوا في مطلع الطريق خصوصاً في دول الخليج برهنوا خلال الأعوام الثلاث الأخيرة على أنهم يريدون التعلّم والمعرفة ويقرأون النقد ليروا فعلاً أين أخطأوا وأين أصابوا. طبعاً هذا في الغالب إذ أن الإستثناءات موجودة في كل ظرف وحال٠

هناك حفنة أسباب تدفع المخرج لأن لا يقرأ النقد٠
هو فعلاً لا يقرأ النقد لأنه لا يكترث له -
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه لا يعتبر ان النقاد يفهمون في السينما ولا يعرفون خطواتها -
وتقنياتها٠
هو لا يقرأ النقد (أو هكذا يدّعي) لأنه يعتبر نفسه فوق النقد -

في الحالة الأولى هذا شأنه ولا علاقة لهذا القرار بجودة او رداءة أفلامه٠
في الحالة الثانية فإن المخرج الذي لا يكترث لأنه لا يعتبر أن نقاد السينما يعرفون في الخطوات والتقنيات والأمور الفنية لم يبحث كفاية ليتأكد. لكن معه حق: معظم النقاد الذين يكتبون ( نحو 80 بالمئة) ليست لديهم الثقافة التقنية والفنية الضرورية لكي يكتبوا نقداً سينمائياً- لذلك تراهم يكتبون نقداً سياسياً او روائياً او يطرحون قضايا يستخلصونها مما يثيره الفيلم٠

في الحالة الثانية كما ليس هناك فيلما فوق او تحت النقد، ليس هناك مخرجاً فوق او تحت النقد٠

أعتقد أن نصف النسبة التي ذكرت عن النقاد الذين يكتبون من دون معرفة كافية او كاملة يستطيعون تطوير ملكيّتهم ومعلوماتهم لو شاؤوا٠ لكن الآن، وبوجود هذه النسبة المرتفعة فإن المخرج لديه عذر محدود لجهله بالعشرين بالمئة الباقية٠

طبعاً هناك الغاية من وراء قراءة النقد
الجمهور، كما ذكرت، يقرأ النقد ليعرف وليقارن -إذا ما شاهد الفيلم- ولأنه يهتم بالسينما كوضع ثقافي٠ لكن المخرج لديه، إذا ما قرأ النقد، سبب مختلف: غالباً يريد معرفة ما قيل في فيلمه الأخير. وهو سيسعد من نقد ايجابي وسيتجاهل نقداً سلبياً٠
لنقل أن النقد الإيجابي الذي قرأه عن فيلم له كان يعكس دراية بالفيلم، ولنقل أن النقد السلبي الذي لم يعجب المخرج كان أيضاً، وبذات المستوى، يعكس دراية بالفيلم نفسه فإن المختلف إذاً هو قراءة كل ناقد للفيلم حسب معطيات معيّنة٠

ما يتدخّل في وسط العملية هو الكبرياء الخاص بالمخرج إذاً٠ لأنه إذا ما كان الكاتبان مصيبان، كل من ناحيته، فإن اعجابه بالمقالة المادحة بالفيلم ليس قائماً على بحث من جانبه حول عمق المسببات التي دفعت بالناقد الآخر لعدم الإعجاب٠
ولكن هل يستطيع أن يكون هناك ناقدين مصيبين لكنهما على طرفي النقيض؟
في الحالات النموذجية فإن الذي يحدث هو أن ما يُعجب الناقد الذي كتب مقالة مؤيدة للفيلم هو ما يراه أهم من المسائل التي يمكن اعتبارها ثغرات. بالنسبة للناقد الذي كتب مقالة معارضة للفيلم فإن تلك المسائل التي اعتبرها الأول ثغرات قد تكون هي ذاتها التي يراها هو بالغة الأهمية٠

التالي مثالاً محدداً
الممثل محمود عبد العزيز قاد بطولة فيلم داوود عبد السيد »كيت كات« سنة 1991
الآن هذا ما يحدث
الناقد المعجب بالفيلم: قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز جيّد لانصهاره بدور الأعمى وتجسيده الحركة والإيماءة الى درجة كبيرة٠
الناقد المعجب بالفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان مقبولاً وليس جيّداً، لكن هذه الناحية لم تؤثر على مستوى الفيلم٠

الآن الطرف الثاني
الناقد المعارض للفيلم قد يعتبر أن تمثيل محمود عبد العزيز كان ضعيفاً للغاية ولديه هنا وجهتان، أما سيجد أن هناك خطأ أكبر من هذا الخطأ في الفيلم، فيحجّم هذا الى حد، او سيرى أن الممثل الأول (أي محمود عبد العزيز في هذا المثل) لم يستطع حمل الفيلم على كتفيه كما هو مفروض او أنه كان أكبر او أصغر سنّا او أن تشخيصه كان استعراضياً وليس عميقاً وسيرى أن هذه المسائل (او اي منها) مسائل أساسية يمكن رفض معظم الفيلم على أساسها لأن الفيلم يتمحور حول الشخصية الواحدة٠

الذي يحدد من هو الناقد (من بين هذين الناقدين) الذي على حق، هو متابعة الفيلم من كلا وجهتي النظر في الممثل للتأكد من الحقيقة، وكي يفعل الناقد ذاته او ناقداً ثالثاً فإن عليه أن يكون ملمّاً بالعمل السينمائي ومعنى إدارة الممثل واللغز الذي يفصل بين التمثيل للكاميرا والتمثيل للحياة بأسرها أمام الكاميرا

هناك فريقاً كبيراً جدّاً من المخرجين لا يقرأون للنقاد. حين يتحدّث مايكل باي في مؤتمر له قائلاً: "معظم النقاد كره فيلمي هذا (يقصد »ترانسفورمرز: انتقام الساقطين") لكني لا أهتم فالجمهور معي" فإنه على الغالب ينظر الى نسبة النقد الي هاجم الفيلم وهناك مواقع الكترونية تحصي النقد وتبني نسباً محددة حيال كل فيلم. فتجد أن الإعجاب بفيلم مايكل باي بين النقاد الذي شملهم الإحصاء لا يتعدّى الإثنين والخمسين بالمئة٠
هو لم يقرأ المئة مقالة (ربما قرأ -إذا ما قرأ- ثلاثة او خمسة) لكنه نظر الى الرقم وسخر منه لكنه لم يكن سيفعل لو أن معظم النقد كان إيجابياً حيال فيلمه٠
ما أريد الوصول اليه هنا هو هذا الموقف يُلغي مسألة مهمة وهي: أهمية النقد السينمائي لدى المخرج بصرف النظر عن موقف النقد من الفيلم الأخير للمخرج٠
ما يقودني وإياكم الى السؤال حول كيف يستطيع أن يكون الناقد مفيداً للمخرج؟
يستطيع الناقد أن يكون مفيداً للمخرج إذا ما سمح المخرج لنفسه بأن يستفيد. حتى يفعل ذلك، عليه أن يبحث عن الناقد الجيّد الذي يستطيع الوثوق بكلماته٠
واعترف بأن هذا البحث ليس سهلاً لأن الميدان مليء بأصحاب المواقف والآراء وبالقليل من النقاد الفعليين٠ على أن سهولة او صعوبة البحث عليها أن تبقى مسألة ثانوية في هذا المضمار والمسألة الرئيسية هي تلك النابعة من داخل المخرج ورغبته في المزيد من المعرفة عبر القراءة٠

المطلوب ليس أن يختلف المخرج تماماً في فيلمه التالي، او أن يصنع الفيلم الذي لا يستطيع المخرج صنعه لمجرد أن النقاد قالوا له هذا. يكفي أن يُدوزن عمله او أن ينتبه أن ما اعتقد أن التصوير بالكاميرا المحمولة -مثلاً- سيؤمنه من وقع واقعي، لم يفعل وبناءاً عليه فإن الخطوة التي عليه القيام بها عن قناعة هي البحث عن السبب الذي غالباً ما هو مرتبط بسياسة التصوير بينه وبين مدير تصويره٠ إذا ما وردت هذه الملاحظة لدى ناقد وقرأها المخرج وبحث فيه او اقتنع، فإن رسالة الناقد صوب السينما ارتقت. صار لها وظيفة إضافية فوق وظيفته الأولى وهي أن يكون صريحاً وصادقاً ومفيداً للقاريء غير المحترف أساساً٠

تاريخ كتاب السينما

حبّاً بالسينما وحبّاً بالنقد ثم حبّاً بالتوثيق وضعت سلسلة من الكتب التي سمّيتها "كتاب السينما: الدليل السنوي المصوّر للسينما العربية والعالمية" الذي صدر منه سبعة أعداد لكنه كُتب إحدى عشر مرّة٠ التالي تاريخ هذا الكتاب وظروفه من العدد الأول الى اليوم٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

راودتني الفكرة في يوم ما من أيام لندن 1983
وراودتني معها على الفور أن أقوم بنشر الكتاب بنفسي. ليس لأني كنت يوماً ثرياً، بل لأني نظرت الى ما يصدر من كتب عربية في السينما ولم أر شبيهاً لما أقصد القيام به٠
نعم في مصر صدرت أكثر من سلسلة تؤرخ للأفلام كل سنة، لكن للأفلام المعروضة في داخل مصر. في بريطانيا كان هناك (ولا يزال) كتاب يصدر بالإنكليزية لتوثيق الأفلام كل سنة، لكنها الأفلام المعروضة داخل بريطانيا. في فرنسا، في روما، في الولايات المتحدة وربما في زمبابوي.... لكن دائماً ما يوزّع ويعرض فقط داخل الدولة التي ينتمي اليها المؤلّف٠
قلت في نفسي: لكن هذا الكتاب بانورامي لكل ما أشاهده في أي مكان. وفي صالات السينما كما في المهرجانات. وهناك ما لا يقل عن 350 فيلم أشاهدها في كل سنة (معدّل قد يرتفع قليلاً في سنة او يهبط قليلاً في سنة أخرى) لم لا تكون نواة كتابي؟

من أين لي المال؟ حسناً. سألجأ الى المنتجين والموزّعين وأطلب منهم نشر إعلانات في الكتاب. كان هذا المنوال لا يزال جديداً. الإعلان عادة ينشر في المجلات - لكن في الكتب؟ رددت على هذا التساؤل بالقول: لكنه كتاب سنوي. مرجع. موسوعة. يحتفظ به القاريء طوال حياته٠
هذا ما رددته لكثيرين من الذين طلبت منهم إعلانات. المفاجأة الكبرى أن معظم من تقدّمت اليهم وافق اي نحو خمسة من سبعة او من ثمانية... وصدر الكتاب سنة 1984 وعليه صورة أنطوني كوين ملتحفاً بالثياب الليبية الوطنية في لقطة من فيلم المرحوم مصطفى العقاد »عمر المختار« (المعروف أيضاً بعنوان عالمي هو »أسد الصحراء«)٠

وضعت خطّة للكتاب: أفضل عشرة أفلام في فصل أول. ثم أفلام أخرى مهمة، في الثاني، وبانوراما في الثالث. ثم فصل عن السينمائيين يبدأ ايضاً بأكثرهم تأثيراً، ثم بانوراما وسجل للراحلين منهم٠

توجّهت الى زميلين للبحث معهما إمكانية الإسهام٠
لا أتذكر من منهما توجّهت اليه قبل الآخر، لكني أعتقد صلاح هاشم كان الأول (تعرّفت عليه خلال رئاستي مجلة »الفيديو العربي« من العدد 2 الى العدد 12 وهو أكمل رئاسة تحريرها بعدما استقلّيت من العدد 13 الى عدد او عددين بعد ذلك حين قرر صاحبها إيقافها)٠
تحمّس الزميل كثيراً، وهو دائم الحماس لما يراه سينما مستقلّة معتبراً أن الكتاب بحد ذاته تعبير عن هذه السينما طالما أن المؤلف هو الذي سينشره على حسابه٠
لكن هذا الإعتبار هو الذي جعلني أوقن أننا نتحدّث لغتين مختلفتين: أحب السينما الجادة بلا ريب، وأحب المستقلّة (إذا كانت جيّدة) وأحب سينما الزعل والنقد والتجريب (إذا كانت فنيّاً على مستوى) لكني أحب كل السينما أيضاً٠ لا يمكن أن أحصر نفسي او كتابي الى تمجيد او رفع شأن سينما معيّنة مهما كانت٠ الفيلم الجيّد هو الرابح عندي٠
حين أيقنت ذلك انسحبت بمشروعي لأني لم أرد له أن ينجرف في نواحي أخرى٠
قبل الإنسحاب بقليل (أذكّر التوقيت ربما كان غير دقيق هنا) اتصلت بالزميل أمير العمري الذي كان انتقل من مصر الى الجزائر (كان طبيباً) ثم الى لندن٠ ومجلة »الفيديو العربي« هي التي استقطبتنا أيضاً. على ما أذكر كانت المرّة الأولى التي التقيته فيها حين جاء المكتب (أعتقد بعد مراسلات) يؤكد لي أنه من فرط حبّه للسينما سيترك الطب ويريد أن ينشر في »الفيديو العربي« بأي وسيلة كانت. وبالطبع توقّف ذلك على ما سيكتب ومدى جودته٠ أنا وهو وصلاح من أعمار متقاربة لكن الظرف وضعنى رئيس تحرير حتى قبل التعرّف اليهما والفضل لإداري أسمه ماهر توفيق (مصري أيضاً) طلب منه الناشر الكويتي رئاسة تحرير المجلة (التي كان من المفترض بها أن تكون لأفلام الفيديو التي كانت في ذلك الزمن صرعة عربية وعالمية) فلجأ اليّ وهو لا يعرفني وعرض عليّ أن أرأس تحريرها. تعجّبت (رغم أنني رأست تحرير مجلة »فيلم« حين كنت لا زلت طالباً في الثانوية) لكني وافقت٠

أمير العمري كتب وأعجبني ما كتبه ونشرت له في »الفيديو العربي« وتوجّهت اليه لكي يكتب في »كتاب السينما« ووافق واشتريت منه مقالات (واحدة فقط لم أنشرها لأنها حوت قصّة الفيلم على معظم صفحاتها)٠

ذهبت الى بيروت مع موادي (نسبة 95 بالمئة) ومواد غيري واتصلت بمصمم فني (أسمه نزيه كركي وسكن بعد ذلك في بناية تبعد ثلاثين مترا عن مسكن أهلي لكني قابلته مرّة واحدة بعد ذلك) الذي وضع تصميم الكتاب الذي جاء في نحو أربعمئة صفحة. أخذته الى دار توزيع كانت أكبر دور التوزيع في العالم العربي وأسمها »الشركة العربية« وهذه وافقت على توزيعه٠

وصدر الكتاب وتم نشره وكان أول كتاب سينمائي، كما قيل لي، يدخل المملكة العربية السعودية. وشركة الأهرام الصحافية العتيدة قامت بتوزيعه في القاهرة والنسخ كما عرفت بعد حين كانت تنفذ وكانت الأهرام تعيد طرحه مرّة بعد أخرى٠

هناك سبب جوهري واسمحوا لي أن أقول أنه سبب ذكي، وراء اتجاهي الى شركة توزيع توزّع الصحف والمجلات، وليس الى دار توزيع كتب: السبب هو أنه سيكون بمتناول القراء. فمعظم المشترين يشترون من أكشاك الصحف على قارعة الطريق ومن المكتبات التي تبيع مجلات وجرائد، بينما المتخصصون غالباً هم من يشترون الكتب من المكتبات التقليدية٠

بعد أقل من سنة حين ذهبت الى بيروت ثانية وطالبت بحصّتي من الإيرادات أعطوني كشف حساب يعرف الله وحده كم كان دقيقاً وسليماً وحسبوا فوق المبيع أجور الشحن والباقي بلغ نحو 400 ليرة لبنانية او ما كان يوازي قرابة 150 دولار. كنت سعيداً٠ أنا في البزنس٠

لكن كنت في البزنس حين جلبت له إعلاناته أيضاً. كل ما حدث هو أن دفع المبلغ جعلني أشعر بأني أنجزت عملاً ناجحاً ونلت عليه الجانب المادي من ثماره مهما كان ضئيلاً٠
في الحقيقة لم أخسر في أي من الأعداد التي قمت بتأليفها ونشرها على حسابي. دائماً ما كنت أوفي الكلفة (والكلفة كانت قليلة بالمقارنة مع اليوم) وكنت أوفّر بعض المال من بيع الإعلانات٠

بذلك »النجاح« رصدت خطواتي للعدد المقبل٠

يتبع٠٠٠٠٠


خمس مصطلحات نظرية: قاموس يدوي سريع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفيلم حقيقة ووهم
في الواقع الفن الوحيد الذي يقدر أن يضم الزمن على هذا النحو. الفيلم حقيقة من حيث أن المشهد الماثل أمامك، في لحظات اندماجك فيه وموافقتك اللا شعورية على قبول ما يعرضه، يمثّل لك حقيقة . هذه الحقيقة هي بذاتها وهم إذ أنه حالما تخرج من اندماجك خلال العرض تتذكّر أن لا شيء يقع فيه هو حقيقي٠ خلال هذا الفارق بين مشهد/ فيلم منفّذ جيّداً ومشهد/ فيلم غير منفّذ جيّداً يبرز كعنصر فاصل بين الحقيقة والوهم٠

الحضور مقابل الغياب
الفيلم تم تصويره قبل حين ومن قام بتصويره (كل من عمل فيه) هو الآن في زمن آخر ومكان آخر٠ توهيم المشاهد بأن الفيلم حقيقة أنتهى في جزء منه حال انتهى العمل. لكن ما لا ينتهي أمران: إعادة هذا التوهيم حين عرض الفيلم وحضور الغائب فيه. هذا الحضور يأتينا من الغياب ذاته. في الواقع ما نشاهده الان على الشاشة يحضر بينما من فيه مات او اعتزل او لا يزال يعمل في مكان آخر او فيلم آخر٠ أيضاً المشاهد غائب عن هذا الواقع إذا ما نجح الفيلم في تقديم الحالة تقديما جيّداً مقترحاً واقعاً محدداً، فإن المشاهد ليس طرفاً عينياً فيه. كيف يكون هذا الواقع حاضراً (او واقعاً) إذا لم يكن المشاهد فيه. هنا يتدخل طرح كان طبّقه فرويد على شكل علاقة الواحد منّا بالمرآة: يقول أنه حين تحملنا أمّهاتنا آطفالاً الى المرآة وتشير لنا أن نرى أنفسنا في المرآة، فإن الشعور آنذاك بأننا في واقع الأم. حضورنا معاً دائم٠ بعد سنين حين ننظر الى المرآة من دون الأم فحضورنا السابق هو الغائب. الأم غائبة ما يولّد فينا تقدير الماضي حين كانت الأم في الصورة. في مرحلة ثالثة من المعرفة تبدأ عملية النظر الى المرآة كحالة وجودية والمرآة تصبح رمزاً لانعكاسات متداخلة تتجاوز انعكاسات الناظر اليها، تماماً كما الشاشة٠

الغموض / المعنى مزدوجاً
تأسيس المشهد (وبالتالي الفيلم الجيّد) على النحوين السابقين يقترح حالة ثالثة في بعض الأحيان حين يطلب المشهد من المشاهد أن يعايش حالة مزدوجة من التفسير: هل هذه الشخصية بريئة فعلاً؟ هل سيكتشف احدهم اختباء الشخصية المعيّنة في الخزنة؟ ما المعنى المقصود بذلك اللوح الهائل في فيلم ستانلي كوبريك »أوديسا الفضاء« الخ٠٠٠ هذا السؤال من المفترض به أن يعيدك الى عملية التفكير. الى قدر من الخروج من الفيلم (ولو من دون انقطاعك عن اندماجك) لتطرح على نفسك السؤال- بل أن هذا هو ما يودّ المخرج منك أن تفعله. لماذا تشعر بتوتر مسبق في تلك المشاهد التي تسبق قيام انطوني بيركنز مرتدياً ثياب أمّه باقتحام حمّام جانيت لي وقتلها بإسم الأم؟ لا يمكن أن تعرف. لاحقاً ما يمكن أن تحلل اللقطة والمونتاج والحوار وتتبدّى لك كيف بنى المخرج هذا التوتّر. لكنه توتّر يؤدي الى معاني مزدوجة خلال عرضه مستمدّة من الشخصية التي دخلت علي الخط (بيركنز) مع ما سبق تأسيسه حول شخصية جانيت لي٠

الإستعارة المجازية
اللوح الأسود في فيلم ستانلي كوبريك هو إستعارة مجازية. العموض في مشهد هيتشكوك ليس رمزياً او مجازياً٠ الإستعارة المجازية تقوم على مبدأ قيام المخرج بطرح موضوع عيني (اي قابل للرؤية) للحديث عن موضوع لا يمكن تصويره مثل الإدراك، العقل، الموت الخ... كذلك هو مطروح أحياناً عبر ما يمثّله الفيلم بأسره . مثلاً هناك ما يستدعي تذكّر حرب فييتنام من خلال فيلم عن مذابح للهنود الحمر مثل فيلم لامونت جونسون »الجندي الأزرق«٠ كون المجاز ليس غموضاً مفتعلاً يعني أن عليه أن يُطرح في سياق. هذا السياق قد يأخذ شكل أي عمل من فيلم غير قابل للتصنيف نوعياً (كأفلام جان-لوك غودار) الى افلام فيلليني وبرغمان وصولاً الى أفلام هوليوودية معيّنة٠

الحداثة وما بعد الحداثة
السجال دائر كذلك محاولات تفسير تلك العلاقة بين الإثنين. متى تنتهي الحداثة ومتى تبدأ ما بعد الحداثة وما هو مفهوم كل من الإثنين خصوصاً الثانية [هل هي استمرارية للأولى؟ نقلة نوعية؟ استحداث ما ورائي؟ او تمرّد على؟ الخ...). سبب السجال أن التعريف الأساسي غير متّفق عليه لكلا المفهومين كما للتنوّع الشديد في القراءات وعلاقة كل منهما بالسينما أسلوبياً او طرحاً ذهنياً. الزمن المتفاعل أيضاً من تلك الأمور التي تجعل نقطة النهاية لما هو حدثي ونقطة البداية لما هو بعد حدثي نقطة غير متّفق عليها. الحديث هنا شاسع جدّاً وفي العملية السينمائية ذاتها، من حيث فلسفة الفيلم وتلقّيه لا يزال يخضع لذلك الإختلاف في قراءته. كعنصر فني لا قيمة للحداثة او ما بعدها في صيرورة الفيلم الفعلية. الحداثة وما بعد الحداثة يقترحان لدى المشاهد قراءة إضافية إذا ما تطوّع لذلك (والكثيرون يفعلون) لكنه لم يشكّل ركنا او أساساً في الطرح النقدي الى اليوم٠


لماذا لا غنى عن الفيلم نوار لدراسة السينما٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يختزن الفيلم نوار عناصر فنية متعددة تلتقي وحالات في النفس والتشخيص والدراما والأسلوب التعبيري على نحو فريد لا يمكن تجاهله لأي ناقد سينمائي او لأي هاو فعلي للسينما. »الفيلم نوار« ليس مجرّد معرفة بفصيل من الفيلم البوليسي والكثير منا لا يعتبره أكثر من ذلك، بل معايشة أكيدة لجوهره كحالة في السينما وكحالة سينمائية في ذات الوقت٠
صحيح إنه ليس نوعاً كما الفيلم البوليسي (بصوره العامّة) او كما الفيلم الوسترن او الكوميدي الخ... لكنه نوع من الأفلام البوليسية التي استبدلت ما كان سائداً من أفلام الجريمة المتطرّقة الى ارتكاب الجريمة كلغز او كسؤال محيّر فيمن ارتكبها ومن تراه يستفيد منها وكيف سيتم كشفه او كيف ستكون نهايته، بأفلام الجريمة فيها ما عادت محكّا اخلاقياً من نبرة واحدة ولون معيّن٠ الفيلم نوار الجيّد هو تعليق نفسي وفردي واجتماعي وحديث في هموم المدينة (في معظم الأحوال) من حيث التطرّق الى هموم أبطالها. وهؤلاء الأبطال هامشيون وليسوا »سوبرهيرو«٠ قد يكون أحدهم على هذا الجانب من القانون او ذاك، لكنهم ينبرون كضحايا تدرك مقدّراتها وتنقاد إليها دافعت عن نفسها جيّداً وتحاشت النهاية او لم تستطع٠
بالنسبة للمُشاهد العام، ناقداً كان او لم يكن، فإن الفيلم نوار أيضاً تكثيف لعوامل في التصوير والإخراج والموسيقا والمونتاج لا يمكن التغاضي عنه٠ عدم الإعجاب بالفيلم البوليسي بين أوساط كثيرة من المثقّفين العرب يعود الى اعتبارهم أن الفيلم البوليسي أقل مستوى من سواه. حسب هذا الإعتقاد »الشيطان الصغير« لكمال الشيخ أقل قيمة من »حدوتة مصرية« ليوسف شاهين، او »قبلني موتاً« لروبرت ألدريتش أقل قيمة من »زد« لكوستا-غافراس٠ وهذا خطأ فادح في قراءة الفيلم والسينما بشكل عام٠

حقيقة أن بعض المسائل، مثل الذاكرة الخاصّة بالمخرج في »حدوتة مصرية« او مثل الكشف عن فساد السُلطة في »زد« او مثل العداء للعربي في »علاء الدين« حسب ديزني، هي قضايا مكشوفة لا تتطلّب الكثير من التمحيص لاتخاذ الموقف وبل تساعد العديد من الكتّاب في السينما بلورة مواضيع تطرح القضايا المثارة او تستغل الأفلام لطرحها بصفة المفكّر او المثقّف او صاحب الرأي، تواجهها حقيقة أهم وهي أن المواضيع ذاتها قد تكون مطروحة في أفلام لا تتخّذ صفات الإعلان ومصاغة أسلوبياً بما لا يقل فنّاً وتفنناً من أي فيلم يحمل قضيّته او يكشف عن موضوعه المطروح على باطن يده٠
شخصياً، أفضّل الموضوع المبطّن على ذلك الظاهر، والفيلم نوار نموذجي في طرح الأمور المبطّنة، تلك التي عليك أن تتعب قليلاً لفضّها ومعرفتها، لأنها مؤلّفة -صياغة وسرداً- من عناصر ملتحمة. الحرفة الصناعية للفيلم بشتى أشكالها عليها أن تمتزج مع الطروحات المختلفة التي تأتي في القصّة المسردة سواء أكانت تلك الطروحات إجتماعية، فردية او -كما في معظم الحالات- فردياً/ اجتماعياً في آن معاً٠

DOUBLE IDEMNITY | تأمين مزدوج

OUT OF THE PAST | من الماضي

إذا كان »البلوز« هو أغاني الأحزان بين كل أنواع الغناء الأميركي (جاز، فولك، كانتري، بوب الخ...) فإن الفيلم نوار هو البلوز بين الأفلام٠
الفترة التي خرجت فيها أفلام النوار، مع مطلع الأربعينات، تعكس الإختلاف البيّن الأول للمفاهيم الإجتماعية في الحياة الأميركية. البلاد خرجت من وضع الفترة الإقتصادية الصعبة وباركت هوليوود ذلك الخروج بتيارات من السينما المتفائلة، سواء أكانت قصص حب، او وسترن، او كوميديا او ميوزيكال٠
موقف الفيلم نوار من كل ذلك هو السير عكس التيّار: النظرة الساخرة من المحيط، المنتقدة للتقاليد والمتشائمة من التغيير المنشود٠ بكلمة واحدة: هي أفلام سوداوية لكن لكي تكون ناجحة وفاعلة وسوداوية كان عليها أن تطرح ما هو مخالف لقصص النهايات السعيدة٠
إحدى النهايات المثالية للفترة هو أن بطل فيلم »قبّلني موتاً« لروبرت ألدريتش يفشل في منع التلوّث النووي وينهي المخرج الفيلم بإنفجار كبير لا مهرب منه٠

البطل في الفيلم نوار، كما أسلفت، لم يكن بطلاً خالصاً. هو بطل بموضعه كقائد للحدث. لم يكن من النوع الذي يسقط على قدميه واقفاً بعد كل محنة. بل ما يجذبنا اليه كونه قابل للكسر وللعطب. في فيلم بيلي وايلدر »تأمين مزدوج« البطل (فرد مكموري) يسقط في فخ إمرأة (باربرا ستانويك) تستخدمه للوصول الى مبتغاها وهو قتل زوجها وقبض قيمة تأمين عالية٠ يساعدها من دون أن يدري أنه جزء من المؤامرة وليس شريكاً مناصفاً فيها٠ روبرت ميتشوم في »من الماضي« [جاك تورنور- 1947] نأى بنفسه عن ماضيه وعن المدينة في العيش والعمل في بلدة صغيرة، لكن حين يأتي الماضي اليه، يعيدانه الى المدينة حيث بؤرة الجريمة، كما الى المرأة التي خدعته وخدعت المجرم الأول (كيرك دوغلاس) والآن ستحاول أن تخدعه من جديد٠
في كلا هذين المثلين، وفي معظم افلام النوار الأخرى، شرط من شروط هذه السينما أن لا تكون النهاية سعيدة: لذلك فرد مكموري يموت بعد اعترافه، روبرت ميتشوم يموت وهو يقود المرأة الشريرة الى حتفها٠
والمرأة الشريرة ذات الحضور الأنثوي الطاغي في عشرات الأفلام من هذا النوع وسببها أنه في الأربعينات أخذ تخرج عن نطاق التقليد السابق من الحياة٠ عرفت قدراً أكبر من الإستقلالية. وجدها الرجل خطراً او كانت، في كل الأحوال، تمثل الخروج عن ما كان متداولاً بالنسبة لدورها كما بالنسبة للرجل المعتاد على تلك التقاليد٠
هناك الكثير جداً مما يجب قوله في هذا النوع، ولابد من العودة اليه في عدد خاص عنه. لكن ما بدأت به أعود إليه: هذا لون من ألوان السينما الذي يختزن في كل مشاهده كثافة في المعطيات على كل صعيد، وفي المضمون كما في الشكل والسياق والأسلوب. عدم اكتراث النقاد العرب به خطأ مارسوه جيلاً وراء جيل٠


شخصيات | ريما المسمار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الكوميديا الصافية والشخصية المب