Jun 30, 2009

Issue 434 | Gia Zhange | Bernardo Bertolucci

هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • ميسر مسكي يكتب عن برناردو برتولوتشي ويلقي نظرة فاحصة على فيلمه 1900
  • محمد رُضا يراجع أعمالاً للمخرج الصيني الشاب جيا زانكي
CoverStory


يبدأ المخرج الياباني تيكانو تاكيشي تصوير فيلمه الخامس عشر وذلك مع مطلع شهر آب/ أغسطس المقبل. ومع أن المخرج سيلعب دوراً رئيسياً في الفيلم (كما عادته) الا أنه استبدل الوجوه المحيطة به بممثلين آخرين في مقدّمتهم كاسي رايو وميورا توموكاتزو٠
الفيلم عن منظّمة الياكوزا الإجرامية وهو موضوع ابتعد عنه لحين٠
الصورة من فيلمه كمحارب أعمى في فيلم »إيزوإيشي« الذي عرضه مهرجان فانيسيا (اولاً) في العام 2004



تحوّلات برتولوتشي السياسية والسينمائية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ميسر مسكي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تـُشكـّل أفلام برناردو برتولوتشي سيرة مهنية للرجل كما للتحولات التي طرأت وأستجدّت في حياته أيديولوجيا ، و فكريا و بالطبع...سينمائيا . فالطريق يبدو طويلا و التحول كبير بين الصراع الدموي ضد الفاشية واليمين في خضم الحرب العالمية الثانية في مزرعة تغلي بالتوتر بين مالكها و فلاحيه في فيلمه 1900، و بين ذلك البيت الريفي الهاديء و المعزول على هضبة في توسكانيا حيث شابة تبحث عن والدها بين رهط من الفنانين المغلقين على أزماتهم الفردية في الجمال المسروق و الذي قدّمه بعد عشرين عاما حَفـَلت بالنجاح كما بالإنكسار على الصعيد المهني كما الأيديلوجي. العالم تغير و كذلك سينما برتولوتشي، وإن كانت أفلامه حملت دائما روعتها البصرية وقدرة صانعها على إثارة رغبتنا في الإقتراب أكثر من شخصياته حتى و هي في ذروة هذيانها العنيف أو يأسها الوجودي

برتولوتشي مثلهُ مثل أترابه الإيطاليين عملَ على تلك التوليفة المتضمنة الأيديولوجيا، الدين، الفاشية، البورجوازية، الجنس، و الثورة... بحيث أن كل من العناصر السابقة تصبح رمزا أو نقيضا للآخر.فلم يكن غريبا أن نرى في أفلامه العجز الجنسي مرادفا لعقم السلطة (مُمثلة بالفاشي أو بالإقطاعي أو حتى بالأبّ) كما لم تغب تلك الإشارات الصريحة عن تواطؤ الكنيسة مع الفاشيين. أما العنف فهو غالبا ما حَضـَرْ إما كفعل ثوري أو كإنتقام فاشي أعمى لتلافي إنكشاف العقم و العجز٠

برناردو برتولوتشي أتى من وسط بورجوازي مفعم بالسينما و الأدب و...اليسار! والده شاعر و ناقد سينمائي وصديق لبيير باولو بازوليني. إتجاهات والده الفكرية لعبت دورا حاسما في التكوين الفكري لبرتولوتشي في مراهقته. بعد سنوات و في شبابه إنضـَمّ برتولوتشي لجامعة روما لدراسة السينما لكنه تركها قبل أن يتخرج مُفضـّلا أن يتعلمها بذاته و على الواقع٠
في أول عمل سينمائي له وقف مُساعدا لبازوليني في فيلمه »أكاتوني» . و من ثمّ أخرَجَ ثلاثة أفلام الحاصد المرّوع"، "الشريك"، و "قبل الثورة") كلها لم تنل نجاحا يُلحظ لكنها لفتت النظر إلى مخرج يتـّقد برؤية فنية خاصة به و مغلفة بفكر يساري ماركسي يعلن وجوده بلا مهادنة٠

يقول برتولوتشي عن ذاته:٠
هناك دائما خوف كبير لدى الشخص البورجوازي
الذي تبنى الماركسية أن يعود يوما إلى جذوره
البورجوازية. أن يفشل أن يكون ماركسيا

عام 1970 عَثـَرَ برتولوتشي على النصّ الأدبي الذي سيحوله إلى فيلم سيقول عنه البعض لاحقا أنه أفضل ما صَنـَعَ برتولوتشي إلى اليوم. كان ذلك رواية الإيطالي الكبير ألبرتو مورافيا "المـُمتثل" او
The Conformist
حَمَلَ الفيلم ذات العنوان و فيه روى برتولوتشي، برؤيته البصرية الفريدة، قصة مارتشيللو كليريتشي الذي يحاول الإنضمام إلى الحزب الفاشي أيام موسوليني لتورية ماضيه المشبوه. لكن سرعان ما يطلب منه الحزب الذهاب إلى باريس و التربص لإستاذه القديم و إغتياله. مارتشيللو يمتثل للأمر كما كان قد أمتثلَ من قبل للمفاهيم الدينية للمجتمع الفاشي حيث تزوجَ (و هو المثلي جنسيا) من فتاة من البورجوازية الصغيرة٠
في باريس تتداخل الأمور و لا أريد أن أسردها هنا لإمنح للمشاهد فرصة الإستمتاع بالفيلم. لكن يجب القول أن برتولوتشي لا يروي فيلمه، كما رواية مورافيا، بتسلسل زمني تقليدي، بل يتداخل الماضي بالحاضر عبر سلسلة من الفلاش – باك التي تتضمن أيضا فلاش – باك بحيث يتطلب الأمر من المـُشاهد متابعة متأنية لفيلم حافل بحركات كاميرا متينة البنيان و التخطيط لتحقق الحالة المطلوبة ما بين توتر في بنية المشهد أو تأمل في ماضي الشخصية و إمتثالها للقمع الفاشي. البنيان السردي و الرمزي لـ المـُمتثل و الذي لا يحمل أي مهادنة للطريقة التقليدية جَلبَ للمخرج نجاحه الكبير الأول ووضَعَهُ على لائحة كبار السينما الإيطالية٠

إذا كان المـُمتثل قد أتى لبرتولوتشي بالشهرة فإن فيلمه التالي قد زادها أضعافا مضاعفة. لكن هذه المرّة عن طريق الفضيحة، كما أرادَ البعض حينها أن يتعامل مع آخر "تانغو في باريس" (1973)٠

بول (مارلون براندو) رجل في خريف عمره. وحيد. تأكله الكآبة التي لا تلبث أن تشي بغضب دفين. جين (ماريا شنايدر) شابة تعاني من فراغ حاضرها و إضطراب ماضيها. يلتقي الإثنان صدفة في شقة في باريس يقصدانها للإستئجار. في تلك الشقة الخالية من أي أثاث تدور رحى مواجهة الإثنان مع ذاتهما كما أحدهما الآخر. مواجهة سلاحها الأساسي الجنس الذي يتبادلانه كما لو أنهما يتبادلان اللكمات. مواجهة زاخرة بالسادية و القسوة و محاولة إخضاع الآخر كلما حاولا أن يغوصا أعمق في ذاتهما٠

هنا أيضا رأى البعض ترميزا للفاشية و سادية إخضاع الآخر. فيما رأى آخرون أن الفيلم قد يكون تصفية حساب مع القيم البورجوازية التي طالما نَظـَرَ إليها برتولوتشي على أنها واحدة من أسس أزمة الوجود الفردي في الغرب٠

الدور النسائي كان الأساس أن تلعبه دومينيك ساندا (واحدة من المـُفضلات لدى برتولوتشي) لكنها إعتذرت لكونها حامل، فذهَبَ الدور إلى كاثرين دونوف التي إعتذرت لنفس السبب فأنتهى الأمر إلى المغمورة (حينها) ماريا شنايدر. لكن ليس من المعروف كيف كان يمكن لنجمة شديدة التطلب مثل دونوف أن تلعب دورا جنسيا صارخا . هل كان برتولوتشي سيرضخ لشروطها لتأمين وجودها الضروري لشباك التذاكر؟ على أي حال النسخة التي أطلقها برتولوتشي مع ماريا شنايدر لم تكن بحاجة للترويج في شباك التذاكر. فالصدمة التي أحدثها الفيلم قاربت حدود الفضيحة العالمية حيث تم منعه في العديد من الدول الأوروبية و هاجمته الكنيسة الكاثوليكية بضراوة فيما لاحقه مقصّ الرقيب في أغلب الدول التي سمحت بعرضه٠

اليوم، و بعد أن أصبح الجنس مُشاعا على الشاشة في الكثير من الأفلام، فـَقـَدَ "آخر تانغو في باريس" تلك الصفة الفضائحية والتي لعبت دورا سلبيا (برأيي) في حيادية الحكم عليه. اليوم، ذهبت الفضيحة وبقيت تلك المناخات القوية، الداكنة، الصارخة بعذابات روح الشخصيتين و التي تقودهما إلى المأساة الأخيرة٠

لم يكن غريبا بعد الزوابع التي أثارها "آخر تانغو في باريس"، أن يجد برتولوتشي العديد من الراغبين بتمويل فيلمه القادم. حتى أن أستوديو باراماونت الأميركي تعاقد على توزيع فيلم برتولوتشي دون أن يعرف مديرو الأستوديو التنفيذيين أي شيء عما يمكن لبرتولوتشي أن يُخرج من جعبته الإبداعية٠
بعد أسابيع من بدء مخرجنا بالعمل على فيلمه 1900 (نتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل) تواترت أنباء عن أن الفيلم سيتجاوز الخمسة ساعات مما أثارَ قلق المنتج الإيطالي و أطارَ صواب الموزع الأميركي لإستحالة توزيع عمل سينمائي بهذا الطول٠

ألف و تسعمائة خـَلقَ جوا متوترا خلال التصوير و بعده بين برتولوتشي و مموليه سرعان ما تحولَ إلى صراع بين الطرفين حول الفيلم قالَ عنه المخرج فيما بعد أن هذا الصراع كان يؤلمه كما لو أنهم كانوا يكسرون عظامه. المهم، أنتهى تصوير الفيلم و جاءت مرحلة تقطيعه حيث ظهرت أكثر من نسخة للفيلم فمنها ما هو مخصص للعرض في الولايات المتحدة بطول أربعة ساعات تقريبا و منها ما عُرض في أوروبا بطول يتجاوز ذلك بقليل. لكن على ضفتي الأطلسي فشل الفيلم في الصالات. وبعد عشرين عاما من إطلاقه، عاد برتولوتشي عام (1995) ليعمل على توليف النسخة الكاملة لملحمته التاريخية و ليعاد توزيعها على أقراص مدمجة وبطولها الأصلي. و هي النسخة التي ستكون موضوع إطلالتنا المفصّلة بالإضافة إلى النسخة التي وزعت تجاريا وشاهدتـُها عام إطلاق الفيلم (1976)٠

الفيلمان التاليان في سيرة برتولوتشي المهنية لم يحظيا بالنجاح الكبير رغم أن أحدهما "القمر" (1979) هو عمل جميل جدا عن مغنـّية أوبرا أميركية (جيل كلايبورغ) و علاقتها المضطربة بإبنها المدمن على المخدرات. أما الفيلم الآخر فكان "مأساة رجل يدعو للسخرية" (1981) حيث تلوح بوادر إبتعاد برتولوتشي عن المـُثل الماركسية، كما أغلب فناني اليسار الأوروبي الذين وجدوا أنفسهم رافضين للممارسات السلطوية للأنظمة الشيوعية في شرق أوروبا. مأساة رجل... يروي سيرة صناعي ثري ذو تاريخ في النضال اليساري تختطف منظمة ثورية شيوعية إبنه و تطالبه بفدية مقابل إطلاق سراحه٠

في عام 1987 عادَ نجم برتولوتشي ليسطع في شباك التذاكر و على صفحات النقد السينمائي كما على شاشات المهرجانات العالمية و ذلك مع ملحمة تاريخية عريضة مجددا لكن هذه المرة عن الشرق الأقصى و ذلك في فيلمه "الأمبراطور الأخير". هذا النجاح المدّوي الذي لاقته سيرة آخر أباطرة الصين و تحولاتها الشخصية وجوديا و سياسيا ، كان قد سبقه شيء من إعادة برتولوتشي للنظر في جوهر أعماله و أفلامه وعلاقته مع الجمهور حيث صَرّحَ في مقابلة:٠
...كان لدي خوف و رفض لفكرة الإقتراب من الجمهور
يترافقان في الوقت ذاته مع خوف من أن يهملني هذا
الجمهور. إنه شيء يشبه أن تقع في الحب ويتملكك
الخوف من أن يرفضك الحبيب. مفاهيمنا السياسية
منعتنا من محاولة إيجاد إتصال حسّي مع
الجمهور (...) لكن شيئا فشيئا بدأتُ بالتخلص
من هذه القسوة. أردتُ أن أتواصل مع جمهوري. بل
أردتُ أن أضمه إلى صدري٠

فيلم "الأمبرطور الأخير" كان التجسيد الفنّي لهذا الولع المـُستجدّ للعلاقة مع الجمهور و قد أدى كامل وظيفته و بأكثر ربما مما توقع برتولوتشي. حكاية الصبي الصغير الذي صَعَدَ إلى عرش الصين إمبراطورا و أنتهى مُعدما بعد الإحتلال الياباني و ثورة ماو، خلبت عقل و قلب الجمهور الذي أعادَ لبرتولوتشي مجد النجاحات السابقة و التي بدا و كأنها قد أفلت عن سماء مخرج وُصفَ يوما أنه كبير مبدعي الجيل الثاني في السينما الإيطالية.
حَصَدَ الإمبراطور.... تسعة جوائز أوسكار لذلك العام و بعضها الأهمّ: أفضل فيلم، مخرج، سيناريو مقتبس، تصوير، موسيقى، أزياء....

إنفصال برتولوتشي عن ماضيه السياسي تـَكرّسَ بإختياره لموضوعي فيلميه القادمين. حيث في "السماء الوارفة" (1990) يعتمد على رواية الأميركي الشهير بول بولز عن ثلاثة شخصيات تتشرد بإختيارها بين مدن شمال أفريقيا وصحاريها في زمن كان العالم لم يستفق بعد من هول الدم المسفوك في الحرب العالمية الثانية. شخصيات أختارت عزلتها عن عالم مهووس بالسياسة ... و الدمّ. جون مالكوفيتش يلعب دورا بديعا في دراما نفسية عن إختيار الرحيل٠


فيلمه الآخر كان "الجمال المسروق" (1996) حيث في بيت روماني، يبدو خارج الزمن، و على هضبة في توسكانيا الإيطالية يجتمع بضعة من الفنانين أيضا في مُنعزل إختياري أرادوه بعيدا عن عالم يهذي بالعنف والصراع و الأوبئة. إلى هذا البيت تصل شابة أميركية (ليف تايلر) باحثة عن أبيها الحقيقي (في مكان لا يبدو حقيقيا بإنعزاله) الذي أخبرتها عنه مرة والدتها المتوفية و التي كانت قد أمضت فترة من الزمن في هذا المنزل٠
العالم الخارجي يصل إلى هذا المنفى الإختياري عبر نتف من أخبار عن المذابح في البوسنة، و إنتشار الأيدز، وخراب البيئة... بحيث يبدو لنا أن عزلة أولئك المثقفين، و الذين كانوا مرة فاعلين في مجتمعهم، مُبررة٠
عنهم قال برتولوتشي في تصريح:٠
... هم يشبهونني. لقد كانوا لعشرين أو ثلاثين سنة خلت فاعلين في محيطهم. لكن من يأسهم قرروا هجرة ماضيهم السياسي و التجأوا بعيدا عن حشود السُوقـَة من العامة إلى هضبة حيث الجمال هو المـُلهم.

Novecento/ 1900

يبدأ برتولوتشي فيلمه في الخامس و العشرين من نيسان/أبريل 1945 و هو يُعتبَرْ يوم تحرر إيطاليا من الحكم الفاشي و أيضا يوم أستسلامها للحلفاء. تناقض يحمل في طياته سخرية مُرّة. بعد ذلك يعود بنا المخرج في فلاش بلاك إلى أوائل القرن العشرين ليسرد لنا في فيلمه العريض هذا سيرة التاريخ المُضطرب لإيطاليا المـُعاصرة٠


في عام 1901 و في مزرعة في إيطاليا تـُرزَق عائلة من الفلاحين بولد (أولمو) و في نفس اليوم يُرزَق صاحب المزرعة الثري و النافذ بصبي أيضا (ألفريدو). يترعرع الولدين سويا كصديقين رغم تناقض منبتهما وتنشأتهما. يذهب أولمو (يلعبه الفرنسي جيرار ديبارديو) لجبهات الحرب العالمية الأولى فيما يبقى ألفريدو (يلعبه الأميركي روبرت دي نيرو) في كنف منزله الواسع لإن والده تدبَرَ أمر أن يتفادى أبنه الحرب بدفع رشاوى كبيرة لمسؤولي التجنيد٠
يعود أولمو إثر نهاية الحرب مُثقلا بمأسيها و بفكر يساري يدعو إلى التغيير و رفض سلطة الإقطاع. فيما ألفريدو يصعد إلى سدّة السلطة في المزرعة بعد وفاة والده. يبدو الصراع بين الشابين حتميا . لكن العنصر الجديد في العلاقة بينهما، والمتأرجحة بين براءة الماضي و حدّة الحاضر، هو أتيلا ّ (هل يمكن أن يكون الأسم أكثر رمزية من هذا؟) الموظف البسيط في المزرعة الذي لا يلبث أن يصبح الآمر الفعلي فيها وذلك بعنفه السادي ووحشيته الدموية و تعطشه للسلطة و القمع تحت عين و تردد ألفريدو٠

هنا الرمزية في فيلم برتولوتشي تبلغ مداها. فالشخصيات لا تعود تـُمثـّل ذاتها بقدر ما تـُمثـّل طرفا سياسيا وأيديلوجيا لعب دوراَ في تكوين تاريخ إيطاليا الحديث المـُضطرب. فأولمو يصبح رمزا لصعود اليسار الإيطالي في صراعه ضد الإقطاع. فيما ألفريدو يرمز للطبقات البورجوازية و الأرستقراطية التي وعت الصعود الدموي لليمين الفاشي في إيطاليا لكنها ترددت في التصدي له خوفا على مصالحها من انتشار الشيوعيين واليسار. أما أتيلا ّ بقميصه الأسود و هوسه بالدم و العنف فهو صورة لصعود الديكتاتور الفاشي موسوليني وشبيبته ذات القمصان السود٠

ألف و تسعمائة ملحمة تاريخية عن تاريخ إيطاليا المعاصر منذ بداية القرن العشرين و حتى نهاية الحرب العالمية الثانية حين نرى فلاحي المزرعة و قد أعتقلوا أتيلا وأثخنوه جراحا قبل أن يردوه قتيلا في مشهد يُذكر بدون شك بتلك الصور التاريخية إثر هزيمة الفاشية في الحرب العالمية الثانية عن إعتقال موسوليني وعشيقته كلارا بيتاتشي قرب ميلانو وهما يحاولان الهرب إلى سويسرا، حيث تعتدي عليهما الجموع الغاضبة قبل أن يُقتلا و يُعلقا من أرجلهما في ساحة المدينة٠
برناردو برتولوتشي لا يُخفي موقفه الأيديولوجي لا بصريا ولا فكريا . فالفيلم يحفل باللون الأحمر وخصوصا في ذلك المشهد الطويل عند النهاية حيث يقيم الفلاحون محاكمة مرتجلة للإقطاعي في ظلّ علم أحمر هائل و في إطار قال َ برتولوتشي أنه أستوحاه من المحاكمات التي كان يجريها الشيوعيون الصينيون للإقطاعيين في القرى الصينية أيام الثورة الماوية٠
كما أن برتولوتشي ما كان بإمكانه أن يصنع فيلما يحمل إدانة صارخة و مدّوية للفاشية أكثر مما فعل هنا. ففي مشهد يهذي بالعنف يغتصب أتيلا ّ (الرمز الفاشي في الفيلم كما ذكرنا) طفلا ومن ثم ّيهشّم رأسه على الجدار. يصعب إحتمال ذلك المشهد للكثيرين٠
هنا كما في العديد من أفلام اليسار الإيطالي يبدو الجنس (و قسم غير قليل منه مثليّ) الذي يمارسه الفاشي و كأنه فعل هيمنة و إذلال للآخر. يفقد الجنس معناه الإنساني و يتحول أداة للقمع الضاري. كما يبدو تفريغا لشحنة الحقد و الإنتقام من الآخر – العدو نحو إستباحته و إلغاؤه٠
1900 فيلم جميل الصورة، حيث كاميرا برتولوتشي، بإدارة المخضرم فيتوريو ستورارو، ترسم لوحات عريضة خلابة للريف الإيطالي كما تخلق حميمية آخاذة في بعض المشاهد الداخلية حين تلعب على ثنائية الضوء و الظلّ. حركات الكاميرا المستمرّة و المـُحكمة السياق تكوّن مناخا متينا في تأثيره البصري و ربما هي أساس عدم الشعور بثقل الوقت لفيلم يدوم ما يزيد على خمسة ساعات٠

و على مدى ساعاته الخمس تتناثر مشاهد بديعة بسورياليتها الغريبة . ففي حفل زفاف ألفريدو إلى صديقته الفرنسية (دومينيك ساندا في حضور قوي و لافت) يدخل عمّهُ إلى قاعة الإحتفال و معه هدية الزفاف: حصان أبيض لا تلبث العروس أن تمطتيه. مشهد يبدو خارجا من مفاهيهم الواقع و مُحلقا في غرابة صور الأحلام. كما أن بعض المشاهد تحمل طرافة بقدر ما تحمل من دلالة. عند النهاية تقريبا ، تصل القوات الثورية النظامية إلى المزرعة وتطلب من الفلاحين الثوار تسليم أسلحتهم لضمان النظام. يتململ البعض و من ثمّ يرضخون إلاّ ولد صغير يبقى متشبثا ببندقيته. يقترب منه شرطي و يصفعه و يأخذ البندقية منه عنوة. يجلس الصغير على كرسي باكيا . أنتهت الثورة...بصفعة واحدة٠


مشهد النهاية أثارَ ما أثار من تساؤلات و أعتراضات بلغت حدّ إدانة الفيلم من بعض نقاد اليسار. برتولوتشي يُنهي فيلمه فيما الصديقين اللدودين أولمو الثوري و ألفريدو الإقطاعي يتنازعان و يتعاركان دون عنف حتى بعد مضي عشرات السنين على نهاية الحرب. و كأنه يريد أن يقول أنه لا اليسار و لا اليمين نجحا في إيجاد مخرج لإيطاليا من أزماتها. في الحقيقة يبدو المشهد غريبا بعد خمس ساعات من رؤية غارقة في يسارية رؤيتها لتلك المرحلة من تاريخ إيطاليا الإجتماعي و السياسي٠

المشكلة الأكبر في "ألف و تسعمائة" هي أنه يبدو و كأنه عملا لا يمكن حتى لمخرج من وزن برتولوتشي السيطرة عليه. لوحة هائلة الأبعاد و غزيرة العناصر إلى الحدّ الذي يجعل صانعها يضيع في تفاصيلها. ومن هنا يبدو السؤال مشروعا: أما كان الأفضل لو أن برتولوتشي صَنعَ فيلمين (أو حتى ثلاثة) ليسرد ملحمته هذه؟ ألم يكن هذا ما فعلهُ فرنسيس كوبولا حين أراد رواية سيرة عائلة كوروليوني و تحولاتها على مدى خمسين عاما؟ ألم تكن سلسلة "العرّاب" في أجزائها الثلاث أكثر تماسكا من عمل برتولوتشي المترامي الأطراف من حيث زمن العرض؟
و دعونا لا ننسى أمرا مهما يتعلق بالنسخ المـُتعددة التي ظهرت إلى العرض في سنة إطلاق الفيلم. ففي مهرجان كان عام 1976 عُرضت نسخة من خمسة ساعات و نصف. ثم وُزعت في أوروبا نسخة من خمسة ساعات وعشر دقائق. في السوق الأميركية ظهرت نسخة بطول أربعة ساعات و نصف٠
كل هذه النسخ و في مكان ما من تحضيرها حصلت على موافقة برتولوتشي الذي طالما قال أنه لم يتم إقتطاع أي جزء يؤثر على سياق الفيلم. حسناً، إذا كان إقتطاع تسعين دقيقة من فيلم ما لا يؤثر على سياقه، هل هذا يُشرّع السؤال عن أصل وجودها؟ لماذا هذه الدقائق التسعين أصلا موجودة إذا ما كان لإقتطاعها أن يحدث أي تأثير على سياق العمل دراميا وفنيا ؟ لماذا تمّ تصويرها و الإنفاق عليها؟

بغضّ النظر عما اُقتطع أو لم يُقتطع، فإن 1900 تجربة لازمة و ضرورية و تستحق عناء متابعتها لما يزيد عن خمسة ساعات لكل من يؤمن بالسينما كفنّ. دراما مشغولة بعين حساسة للضوء و التكوين و التفاصيل. سيرة تاريخية تحمل رؤية صانعها الأيديولوجية دون أن يؤذي ذلك القيمة الفنية للعمل سواء إذا اتفقت أو أختلفت مع تلك الرؤية. ملحمة سينمائية طمحت أن تدخل تاريخ السينما....و كادت٠

DIRECTOR:
Bernardo Bertolucci

CAST:
Robert De Niro (Alfredo), Gerard Depardieu (Olmo), Dominique Sanda(Ada)
Francesca Bertini, Laura Betti, Werner Bruhns, Stefania Casini, Sterling Hayden Anna Henkel, Ellen Schwiers.

SCREENPLAY:
Franco Arcalli, Bernardo Bertolucci, Giuseppe Bertolucci

MUSIC:
Ennio Morricone

CINEMATOGRAPHER:
Vittorio Storaro

EDITOR:
Franco Arcalli

PRODUCTION DESIGNER:
Maria Paola Maino
Gianni Quaranta




جيا زانكي.. رجل النوستالجيا في السينما الصينية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تشن كايجي يصنع الآن أفلاماً درامية بعيدة عن المساس بالممنوعات الصينية٠
زانغ ييمو استدار صوب حكايات فنون القتال الشرقية وأساطير الحروب الغابرة
زانغ يوان قليل الإنتاج محكوم على أفلامه بمحدودية توجّهاتها أساساً٠
أما تيان زوانغزوانغ فهو غالباً لا يعمل بسبب أنه حقق أفلاماً وجدتها السُلطة الصينية تستدعي المنع. لا منعها فقط، بل منعه هو أيضاً٠

من يبقى من الجيلين الخامس والسادس للسينما الصينية أكثر إثارة للإهتمام اليوم من جيا زانكي؟
على ذلك هو أقل المخرجين شهرة وأفلامه لا تُرى، عالمياً، الا في المهرجانات. وُلد قبل 39 سنة في مدينة أسمها فنيانغ وحين شاهد فيلم تشن كايغي الشهير »الأرض الصفراء« وقع في حب السينما وقرر دراستها والعمل فيها٠
من 1994 الى 1996 أخرج ثلاثة أفلام طلابية. من العام 1997 الى اليوم أنجز أفلاماً محترفة منها القصير ومنها الطويل، منها الوثائقي ومنها الروائي. الجمهور العالمي أحب ما شاهده منها خصوصاً فيلمه الرائع »حياة ساكنة« سنة 2006 وفيلمه الأخير -الى الآن- »مدينة 24«٠
مجموع أفلامه المحترفة الى اليوم ثلاثة عشر فيلماً من بينها ثلاثة روائية. والحكم على هذا المخرج من قِبل نقاد السينما تم بناءاً على مشاهدة إثنين منها هما الفيلمين المذكورين قبل قليل٠ هذه إشارة واضحة لولادة مبدع سينمائي حقيقي لم يتطلّب الزمن طويلاً لكي يبرهن عن جدارته وجودة أسلوبه الذي يجاور جودة أساليب آخرين يميلون الى ذات الأسلوب التأمّلي الطويل في الحياة وأوجهها٠
جيا زانكي ملاحظ من الصنف الأول ولديه موضوع يتكرر في كل أفلامه تقريباً: مراقبة المتغيّرات التي تطرأ على الحياة الريفية والحياة المدنية في المجتمعات الكبيرة على حد سواء، وحسب ما يتيحه كل فيلم على حدة٠ إنه كمن يريد أن يودّع مناظر يعرف أنها ستغادره. ستنتقل من مكانها بفعل الهدم او التحضّر او التغييرات البيئية او الإقتصادية المختلفة٠
وهذا لم يتبلور معه بل نشأ معه٠
في العام 1997 أخرج أول فيلم روائي له تحت عنوان »زياو وو« (إسم الشخصية المركزية في الفيلم) وهو فيلم عُرف عالمياً بعنوان »النشّال« لأنه يدور حول نشّال في مدينة فنيانغ حيث وُلد. همّه لم يكن تقديم شخصية في إطار قصّة ذات قواعد تقليدية، بل مراقبة التحوّلات التي تعرّضت اليها مدينته منذ أن وعى عليها صغيراً ٠
في ذلك الحين، كان زانغ ييمو وتشن كايجي بدآ بالإنسحاب من قضايا العصر ورمي أثقالهما ورحال أفلامهما في الماضي البعيد السابق للفترات الشيوعية بأسرها. البعض من النقاد لا يزال يعتبر أن مواضيعهما إنما ستار لمحاكاة عصرية، والبعض يضيف أنهما معذوران في هذا الإتجاه. لكن المهم هنا هو أن زانكي وجد المساحة شبه خالية فأقدم بحماس على محاولة تأريخ الحياة الصينية التي كانت بدأت تتقلّب أمام عينيه٠

STILL LIFE ****


نستطيع أن نأخذ فيلمه الرائع »حياة ساكنة« كمثال واضح٠
إنه حول رجل أسمه سانمينغ (يؤديه ممثل أسمه هان سانمينغ شوهد من قبل في فيلمين سابقين لزانكي
هما »منصّة« و»العالم«) يترك قريته لأول مرّة ليبحث عن زوجته التي غادرتهما (هو والقرية) منذ ستة عشر عاماً. نتعرّف على الرجل وهو فوق مركب يعبر نهراً عظيماً. الكاميرا تراقبه ثم تراقب ما يراقبه هو: متغيّرات على ضفّتي النهر تجعله يبدو كما لو كان جوفاً تاريخياً خرج للتو وسط حياة لا تتنفس. حياة ساكنة بالفعل٠
حين ينزل من المركب ينضم لفريق من العمّال ويمضي الفيلم ردحاً من وقته في ملاحظة حياة هؤلاء الذين يحاولون التكيّف مع المتغيّرات. من صلب هذه المتغيّرات أن العنوان الذي حصل عليه من زوجته قبل سفره هذا تغيّر بدوره. لقد طمس السد الذي أقيم في أعلى نهر يانغتزي البلدة بأسرها. يقرر أن ينتظر معلومات أكثر حول مكان إقامتها الجديد وفي غضون ذلك سنراه يعمل مع العمّال القادمين، مثله ، من قرى وبلدات بعيدة، ليشتغلوا في عملية طحن الحياة السابقة. إنهم عمّال هدم يعملون فوق رقعة أرض يكشفها الفيلم لاحقاً كما يكشف المرء عن وحش ميكانيكي قابع في أرض لا يجرؤ دخولها٠
في المقابل هناك قصّة بحث آخر بطلتها إمرأة تعمل في مصنع اختفى زوجها منذ عامين لكن في حين تطلب من زوجها حين تجده الطلاق، يطلب سانمنيغ من زوجته العودة. المصير سيبقى غامضاً وحزيناً كالحياة التي تحيط بشخصيات المخرج٠
في »مدينة 24« نجده يعالج المتغيّرات بذات الروح النوستالجية السابقة، لكنه يضيف جديداً هنا. من خلال رصده لمراحل حياة مصنع كبير آيل الى الهدم كان بُني في الخمسينات كمصنع أسلحة، وتحوّل الى الصناعة الخفيفة في الثمانينات. ليس فقط المصنع كحجارة وآلات ومكان، بل -وعلى الأخص- للمتغيّرات التي أصابت العاملين فيه بعضهم منذ عقود طويلة٠
لكن الى جانب الموضوع فإن ما يضيفه المخرج هو مزيج فني ثري: هناك المعالجة الوثائقية والحس الدرامي ممتزجان. كذلك فإن الصورة شعرية وفي ذات الوقت تستمد جماليّتها من التشبه باللوحة المرسومة. إنه مزيج يثري الفيلم ويقدّم للعين بقعاً ضوئية على التناقضات التي تعيشها الصين اليوم٠

ER SHI SI CHENG JI/ 24 CITY ***


يحتل هذا الفيلم مكاناً‮ ‬غير مريح بين الروائي‮ ‬والتسجيلي‮ ‬ليس على نحو من لا‮ ‬يعرف وجهته،‮ ‬بل على نحو من‮ ‬يريد الخروج من هذا التمازج بأسلوب سردي‮ ‬جديد‮. ‬جيا زانغي‮ ‬ينجح الى حد معيّن في‮ ‬هذه التركيبة لكن ما‮ ‬يحتاجه الفيلم هو قدر مواز من الأحداث ترفع من إهتمام المشاهد بالفيلم وليس بمخرجه‮٠‬
الموضوع هو ذلك المصنع القائم في‮ ‬شنغدو الصينية‮. ‬قبل خمسين سنة تم إنشاؤه لإنتاج محرّكات للطائرات وعُرف بإسم المصنع‮ ‬420‮ ‬وتم جلب عمّاله من أنحاء متفرّقة من الصين‮. ‬وواحدة من أولى القصص التي‮ ‬تتولّى إحدى الشخصيات ذكرها هي‮ ‬كيف أن قوات الحكومة فرضت عليها وعلى زوجها مغادرة البلدة رغم أنهما فقدا ولدهما الصغير في‮ ‬الزحام‮. ‬هذه شهادة مؤلمة من تسعة شهادات ترد على شكل مقابلات معظمها تعكس القنوط الذي‮ ‬أصاب العاملين والعاملات بسبب من سوء حنكة او تصرّف او‮ - ‬في‮ ‬الغالب‮- ‬بسبب الشعور بأن أفضل سنوات حياة هؤلاء كانت قبل تحويل المصنع،‮ ‬في‮ ‬الثمانينات،‮ ‬الى مصنع كماليات‮. ‬الآن سيتم هدمه كليّاً‮ ‬لتحويله الى مجمّع سكني‮ ‬وهذا هو السبب الذي‮ ‬دفع المخرج لاستغلاله لتقديم عمل‮ ‬يتناول فيه كل تلك الحكايات وماضي،‮ ‬كما حاضر،‮ ‬الشخصيات المختارة لتدلي‮ ‬بدلوها‮.‬
أسلوب جيا زانغي‮ ‬تسجيلي‮ ‬من حيث أنه لا قصّة مروية على نحو أحداث،‮ ‬بل‮ ‬يأتي‮ ‬بممثلين ليقوموا بتمثيل أربع من تسع شخصيات تتولّى الكاميرا مقابلتها على نحو مباشر‮. ‬لكن حقيقة أن الممثلين‮ ‬يؤدون شكل الشخصيات الحقيقية هي‮ ‬الجزء التمثيلي‮ ‬من الفيلم‮. ‬هذا المزج‮ ‬يتيح للموضوع التحلّي‮ ‬بالحقيقة،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يتيح للفيلم وللمشاهد تبادلها على نحو جدلي‮. ‬إنه سرد من وجهة نظر مخرج‮ ‬يريد،‮ ‬كما في‮ ‬مجمل أفلامه السابقة،‮ ‬طرح متغيّرات الحياة حوله ويجد هنا سبيلاً‮ ‬جديداً‮ ‬لم تطرقه السينما الصينية على هذا النحو من قبل‮. ‬في‮ ‬هذا الشأن،‮ ‬فإن المنحى ليس وحده مستقلاً‮ ‬عن أعمال السينما الصينية التي‮ ‬شاهدناها،‮ ‬بل أيضاً‮ ‬العمل على الصورة أيضاً‮ ‬حيث المزج وطريقة تنفيذه‮ ‬يؤديان الى استقلالية الكاميرا كقواعد لغوية للتعبير‮. ‬الفيلم له نبرة حزينة منسوجة من نبرة المتحدّثين فيه،‮ ‬حتى حين‮ ‬يبدو على البعض قدر من السعادة،‮ ‬وهي‮ ‬نبرة اتخذها المخرج لوناً‮ ‬في‮ ‬أفلامه السابقة التي،‮ ‬كهذا الفيلم،‮ ‬تميل الى التقشّف والتأمل‮٠‬


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Jun 27, 2009

Issue 433 | السينما الإيرانية خاص: مخرجون إيرانيون في المعمعة | خمسة أفلام إيرانية

Cover | Story

سميرة مخملباف

هذا العدد خاص بالسينما الإيرانية٠ ليس ملفّاً (يا ليت هناك سعة وقت) ولا يتناول جوانب أخرى غير تلك التي تعبّر عنها الأفلام المنتقاة٠ لكنه نوع من تحية واجبة للسينما الإيرانية خصوصاً وهي تجد نفسه في ماء ساخن كما يقولون٠
الصورة أعلاه للمخرجة سميرة مخملباف التي بدأت الإخراج وهي في الثامنة عشر من عمرها، والتي تتّجه بعد أيام الى مهرجان ميونخ لعرض فيلمها الجديد »حصان بساقين«٠

مخرجون إيرانيون في المعمعة٠ الى أين تتجه السفينة بالمخرجين الذين أصبحوا خارج البلاد؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمّد رُضا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محسن مخملباف

الوضع الإيراني والسينما
لكن طبعاً الشأن الإيراني الداخلي كان لابد أن ينفجر تحت ضغط الدين والدولة المتعاونتان ولابد أن ينبري مخرجون ايرانيون دائماً ما كانوا على يسار السُلطة الإيرانية (على اعتبارها نوع من اليمين) للوقوف الى جانب التظاهرات وحركات التأييد للمدعو مير حسين موسوي٠

فمحسن مخملباف تم تعيينه حسب خبر ورد من »الحملة الدولية لحقوق الإنسان في إيران« ناطقاً رسمياً للمرشح الموسوي، وهو كان وصرّح أن الحكومة الإيرانية كانت اتصلت بموسوي وأخبرته إنه فاز بالإنتخابات قبل أن تظهر النتائج يوم الإثنين السابق عكس ذلك٠
لا أعرف كيف يمكن أن تعلن الحكومة موقفاً كهذا قبل أن تتأكد من النتائج، ولكن ربما هذا ما سمعه مخملباف من موسوي الذي ربما كان كاذبا وربما لم يكن (لنضع الأمور بالأبيض والأسود ولو لحين)٠ وكنت اعتقدت أنه بذلك الموقف قضى على ما بقي لديه من حريّة لكني اكتشفت أنه يعيش (ويعمل؟) في باريس حالياً وهو يستطيع من هناك أن يعارض كيفما يشاء٠

وصدرت في غضون الأسبوع الغريب الماضي عريضة وقّعها 113 سينمائي وثائقي يرفضون فيها الحجر على المعلومات والأخبار ويعارضون الممارسات التي تؤدي الى »تفريغ الناس من التواصل السلمي القائم على الإحترام« التي من شأنها »دفع الأمور الى ردات فعل عنيفة تهدد سلامة المجتمع«٠
كلام مسؤول وفي مكانه، ولو أنني قرأت سريعاً نحو نصف الأسماء الموقعة على العريضة ولم ألحظ إسماً أعرفه وربما السبب هو أننا نحن نقاد السينما غير الإيرانيين نرى ما يُتاح لنا أن نراه في المهرجانات الدولية، وهي قليلاً ما تحصل على أفلام وثائقية وهي سبق لها أن عرضت »خمسة« و»عشرة« وكلاهما وثائقيان لعبّاس كياروستامي٠
والأخبار حول المخرجين الإيرانيين الذين حققوا شهرة عالمية في السنوات الأخيرة مثل مخلمباف نفسه وإبنته سميرة ومثل المخرج عبّاس كياروستامي والمخرج بهمان غوبادي متواترة. عباس كياروستامي بدوره خارج البلاد يتابع عمليات ما بعد تصوير »شيرين« مع غولشفته فرحاني (التي لعبت دوراً رئيسياً في فيلم الناصر خمير »بابا عزيز«) وجولييت بينوش وذلك تمهيداً لعرضه المفترض في مهرجاني أدنبره وميونخ. ومهرجان ميونخ سيعرض، مفترضاً، فيلم سميرة مخملباف «حصان بساقين» وفيلم ايراني ثالث هو »اهدأ وعد للسبعة« لرمتين لافافيبور٠

أحداث الأسبوع الماضي

غوبادي كما قرأت قبل أسابيع أصبح خارج ايران (وهناك عديدون مستعدّون لمساعدته إكمال مهنته السينمائية في الخارج- عفارم عليه)٠ لا أخبار عن ماجد مجيدي او جعفر باناهي او سواهما٠
في غضون ذلك، المخرج الأميركي جيمس لونغلي الذي سبق له وأن أخرج فيلما وثائقياً صوّره في العراق تحت عنوان »العراق في شظايا« »حدث« وأن كان في إيران وأخذ يصوّر انتفاضتها ليفاجأ بالبوليس بالثياب المدنية يعترضه ويحطم الكاميرا وحين حاول المترجم التدخل نال علقة٠
طبعاً المسألة يمكن أن تكون تورّطاً إذا ما كان صحيحاً أن الإنتخابات لم تكن مزوّرة. بعض وسائل الإعلام الأميركية تنقل عن مراسلين لها أنه لا يوجد أي دليل على أنها كانت مزوّرة رغم وجود نحو 3000 صوت خطأ او نحو هذا الرقم٠ ما يعني أن من تورّط في موقفه من المخرجين الإيرانيين مخملباف الأب وبهمان غوبادي على الأقل فعل ذلك على حسابه. في كل الأحوال توجيه البوليس لضرب المتظاهرين خطأ كبير٠
أعتقد أن ما أريد قوله في النهاية أنه وضع لا يبدو أن فيه شيئاً صحيحاً كيفما قلبته ومن أي زاوية نظرت منها اليه٠

خمسة أفلام إيرانية | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الأفلام ليست مختارة لشهرتها (ولو أن إثنين منها
معروفين) بل لأنها تمنح القاريء مشاهد مختلفة من المواضيع
التي صوّرتهاالسينما الإيرانية في السنوات
القريبة ولماذا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ABJAD ***
إخراج: أبو الفضل جليلي
تمثيل: مهدي مرادي، مينا مولانيا، عبد الرضا أكبري٠
إيران/ فرنسان- 2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رسالة إيجابية حول علاقة الإسلام بالأديان الأخرى يسربها هذا الفيلم الى مشاهديه الغربيين منتقداً في الوقت ذاته الذين وضعوا الإسلام في أطر ضيّقة وأوصوا بعدم تجاوزها. الأحداث في مجملها مأخوذة مما وقع للمخرج نفسه حين كان فتى في عمر بطل الفيلم وأسمه إمكان (مرادي) وروح التمرد لا تزال ناشبة في ذات المخرج الذي بعث بالفيلم الى مهرجان فانيسيا من دون إذن السُلطة٠
اذا لم يكن المخرج يُعالي في تصويره لواقعه وهو فتى في السادسة عشر من عمره، فإن حياته كانت عبارة عن سلسلة من المواجهات الحادة مع المحيط العائلي والمدرسي ثم المؤسسة الدينية ذاتها. كل هذه، حسبما يرينا المخرج، حاولت الحد من حريته وأراادت تطويع مفاهيمه لنحوها المتزمّت من التفكير والمنطق والممارسة٠

والده (أكبري) يحظر عليه لعب آلة الكمان التي بدأ إمكان بهواها معبرا عن ملكية فنية. في المدرسة يُحظر عليه التفيكر في دور للإسلام يخالف الوجهة التقليديةو الكلاسيكية ويُعاقب عندما يبدي فهماً مختلفاً للدين٠ ثم يطرد من المسجد الذي كان بدأ يعمل فيه حالما يكتشف الإمام أنه يهوى الفن ايضاً.
المسألة التي يثيرها الفيلم هي أن الشاب متدين، يحب الإسلام ويمارس فروضه برغبة صادقة، لكنه أيضاً لا يرى تناقضاً بين الدين وبين الفن ولا يرى ما يمنعه من أن يكون مسلماً ومتواصلاً مع الأديان الأخرى ايضاً. وما تلبث القصّة أن تضع هذا التواصل في امتحان إرادة عندما يبدأ العمل عند صاحب سينما يهودي كرسّام للملصقات فيتعرّف على إبنته ماسون (مولانيا) ويشغف بها٠
لكن الثورة الإيرانية تفرض على اليهود الهجرة من المدينة (والوقائع هنا تمر من دون تدقيق او جدال) حيث يتم تجميعهم فوق جزيرة. إمكان من الحب بحيث يبحر وراء فتاته معرّضاً نفسه لمتاعب جمّة مع السلطات المحلية ثم لاعتداء شقيقيها عليه بالضرب. هذا قبل أن تلقي الشرطة القبض عليه مرة أخرى في وقائع من المحتمل أنها تجمع بين الخيال والواقع لكنها تثير حفيظة الرقيب (او هي فعلت ذلك بدليل عدم رضاها عن عرض الفيلم عالمياً)٠
أراد المخرج الذي علّم نفسه الإخراج من دون مدرسة وحقق أفلاما تسجيلية قصيرة من العام 1975، الحديث عن مسائل كثيرة ووقائع عايشها من دون أن يؤمن بضرورة التصنيف والإختيار. هذا ما خلق تكراراً في المواقف والرسالات في الجزء السابق لقيام بطله بالرحلة وراء محبوبته. وحقيقة أن المخرج اختار توليف الفيلم بنفسه لم يساعده لأن القرار في النهاية بقي منفرداً وليس ملائماً دائما لاحتياجات الفيلم الفنية٠ الجزء الأول من »أبجد« يعاني من تلاطم سريع للمواقف من دون تلك الفسحة التي من شأنها تعميق ما يدور في البال وبعث القدر الكافي من التأملات. في نهايته، يُقدر الفيلم لموضوعه وجرأة مخرجه أكثر مما يقدر لإبداع فني محدد٠



DASTAN NATAMAM **
قصّة غير منتهية
إخراج: حسّان يكتبانه
تمثيل: مصداق طيبي، مهدي باخايان٠
إيران - 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قبل عامين من هذا الفيلم أخرج حسّان‮ ‬يكتبانه فيلمه الأول‮ »‬جمعة‮«: ‬قصة فتى من أفغانستان‮ ‬يعمل وقريبه،‮ ‬الأكبر سنا بقليل،‮ ‬لدى بائع حليب إيراني‮ ‬في‮ ‬بعض القرى‮. ‬كل‮ ‬يوم‮ ‬يبدأ العمل صباحاً‮ ‬بجمع الحليب من أصحاب البقر ووضعه في‮ ‬الشاحنة الصغيرة التي‮ ‬تطوف بالحليب وبالشاب معاً‮ ‬الى القرى والبيوت القريبة لبيعه‮. ‬في‮ ‬دكان في‮ ‬القرية تتطلع عيناه الى فتاة هي‮ ‬إبنة صاحب الدكان الإيراني،‮ ‬ويتطلع قلبه الى حب ممنوع عليه لكونه عاملاً‮ ‬مهاجراً‮ ‬حتى ولو كان مسلماً‮. ‬وفي‮ ‬النهاية عليه الاستسلام الى هذا المصير ومتابعة حياته من دون حبه‮. »‬جمعة‮« ‬كان فيلماً‮ ‬جيداً‮ ‬كتوظيف لمحنة عاطفية وكحديث عن بعض متاعب المهاجرين الأفغان في‮ ‬إيران ولو إنه تغاضى عن عمق المشكلة التي‮ ‬يقوم عليها‮ ‬التباعد القائم على كل صعيد‭ ‬‮(‬هو سني‮ ‬هي‮ ‬شيعية،‮ ‬هو مهاجر هي‮ ‬مواطنة،‮ ‬هو عامل هي‮ ‬إبنة صاحب دكان‮) ‬لكن أفضل ما فيه إنه كان مبنياً‮ ‬كقصة سينمائية كاملة بغض النظر عن هفوات في‮ ‬التنفيذ‮. ‬وما‮ ‬يؤخذ على فيلم‮ ‬يكتبانه الجديد هو إن المخرج استدار بعيداً‮ ‬عن تلك المعالجة السينمائية الصحيحة الى أسلوب متأثر‮ (‬كما واضح بعد نهاية الفيلم عندما تمر العناوين لتعلمنا أن عبّاس كياروستامي‮ ‬من بين العاملين خلف الكاميرا‮) ‬بسينما تقع ما بين التسجيل والدراما من دون أن‮ ‬يأخذ التسجيل ولا الدراما حقهما الممطلوب‮. ‬
فيلمه التالي »قصة غير منتهية«، ‮ يبدأ بمنتج تلفزيوني‮ ‬ومدير تصويره‮ ‬ينتظران على طريق ممتد بين الجبال القريبة‮. ‬يسمعان صوت سيارة قادمة‮. ‬ينظران الى الأمام‮. ‬لكن الطريق وراءهما‮!. ‬تتغاضى عن ذلك وتنتظر‮. ‬بعد قليل‮ ‬يسمعان محرك سيارة أخرى‮ ‬ينظران الى الجهة الصحيحة هذه المرة،‮ ‬ثم‮ ‬يهرعان طلباً‮ ‬لها‮. ‬إنها حافلة ركاب ومن فيها جميعاً‮ ‬يرتدون أقنعة تخفي‮ ‬وجوههم‮. ‬الإتفاق بين المنتج والمسؤول عن الحافلة هو أن‮ ‬يقوم الأول بتصوير الركّاب لأنهم مجموعة متباينة من الإيرانيين وبعض‮ ‬غير الإيرانيين الذين‮ ‬ينوون الهرب عبر الحدود الى ايطاليا او فرنسا‮. ‬إذاً،‮ ‬نحن في‮ ‬فيلم آخر من ذلك الذي‮ ‬يستولي‮ ‬على فكرة واقعية ذات موضوع مهم ويعالجها كما لو أنه‮ ‬يود التأكيد على أنها بنت لحظتها‮. ‬لا تمثيل فيها‮. ‬لا إعداد‮. ‬لا تأليف‮. ‬علماً‮ ‬بأنها مُحضرة سلفاً‮ ‬ومكتوبة ومعدّة‮ ‬هي‮ ‬وكل من‮ ‬يمثل في‮ ‬الفيلم محترفاً‮ ‬كان ام‮ ‬غير محترف‮. ‬المرء في‮ ‬مثل هذه الأعمال الإيرانية عليه أن‮ ‬يسأل عن الهدف المُحقق فنياً‮ ‬من خلال كل هذا‮. ‬وسبب سؤاله بدهي‮ ‬إذ هو‮ ‬غير واضح على الشاشة ولا في‮ ‬طيّات العمل ولا الفيلم‮ ‬يعكسه على نحو ما‮.‬

يٌطرد المنتج ومصوّره من الحافلة بعدما كشف أحد الركّاب عن قناعه وتحدّث صبي‮ ‬صغير لم‮ ‬يكن مسؤول العملية‮ ‬يريد له الحديث‮. ‬لكن المنتج ومدير تصويره‮ ‬يقرران المضي‮ ‬قدماً‮ ‬في‮ ‬تحقيق هذا التقرير التلفزيوني‮ (‬والا لن‮ ‬يكون لدينا فيلما نشاهده‮) ‬رغم مصاعب الطريق وتواجد بوليس الحدود المكثّف‮. ‬بعد أن أقلهما رجل أراد سرقتهما‮ ‬ينجحان في‮ ‬الوصول الى ركاب الحافلة من جديد‮. ‬هولاء كانوا تركوا السيارة وأخذوا‮ ‬يمشون صوب الحدود مجتازين جبالا وودياناً‮ ‬في‮ ‬طريق وعرة خوفاً‮ ‬من إنكشاف أمرهم‮. ‬حين‮ ‬يقترب المنتج ومدير تصويره من جديد مصممين على استئناف الرحلة مع المجموعة استكمالا للتحقيق،‮ ‬تقع مشادة جديدة ويكاد البعض‮ ‬يقتلهما،‮ ‬هذا قبل أن‮ ‬يظهر البوليس فجأة ويحيطون بالمجموعة كاملة‮. ‬لكن المنتج تخطر له فكرة فيوهم الضابط‮ (‬الذي‮ ‬حدث أنه من‮ ‬نفس البلدة التي‮ ‬ولد فيها‮) ‬بإنه‮ ‬يصوّر فيلماً‮ ‬وأن هؤلاء ممثلين‮ (‬مرة أخرى الجمع بين ما هو تمثيلي‮ ‬وما هو تسجيلي‮ ‬في‮ ‬فيلم داخل فيلم‮). ‬بناءاً‮ ‬على ذلك‮ ‬يصدّق الضابط ما‮ ‬يسمعه ويسمح للجميع المضي‮ ‬في‮ ‬العمل،‮ ‬وبل‮ ‬يشترك في‮ ‬تأدية أحد المشاهد‮!. ‬عمل الجميع الآن إجتياز الحدود التي‮ ‬باتت قريبة‮. ‬بعد متابعة مليئة بالمواقف‮ ‬غير المبتكرة،‮ ‬يداهم بوليس الحدود معظم الهاربين‮. ‬بعضهم‮ ‬يفلت‮. ‬بعضهم‮ ‬يُلقى القبض عليه والمصوّر ربما من بين الذين ماتوا إذ تنقلب الكاميرا بين‮ ‬يديه وتجمد صورتها‮.‬
المفاد هنا موجود على أكثر من صعيد‮. ‬هناك لمس لموضوع إجتماعي‮ ‬حول مطلب بعض الإيرانيين الهرب من البلاد‮. ‬لتمرير الفكرة كان على الفيلم ضمّهم الى‮ ‬غير إيرانيين أيضا‮ (‬في‮ ‬الإطار أفغاني‮ ‬وزوجته‮) ‬والمخرج لا‮ ‬يريد أن‮ ‬يبدو منتقداً‮ ‬او كاشفاً‮ ‬لحجم المشكلة لكن‮ ‬يكفيه،‮ ‬ربما،‮ ‬أنه‮ ‬يطرحها‮. ‬هناك العلاقة‮ (‬التي‮ ‬يحب البعض تسميتها بالجدلية بينما هي‮ ‬في‮ ‬معظم الأحيان من طرف واحد‮) ‬بين السينما والتلفزيون وبينهما وبين المادة المروية‮. ‬كم من هذه القصة حقيقية وكم من الفيلم‮- ‬الريبورتاج صادق وكم منه اضطر للتزييف لكي‮ ‬يحقق‮ ‬غايته‮. ‬ثم هناك النهاية التي‮ ‬تعكس الحلم بأرض جديدة ومستقبل آخر لكنها لا تستطيع لا أن تدين ذلك الحلم ولا أن تحميه وتحبيذه‮. ‬
على أن هذا الموضوع المهم،‮ ‬رغم الحذر الذي‮ ‬يحف به،‮ ‬يحتوي‮ ‬أيضا على نقد مبيّت للدوافع التي‮ ‬تحدوا ببعض الإيرانيين للهرب،‮ ‬لكن حاجة المخرج‮ ‬لنهاية مأسوية تتدخل ضد هذا نقد‮. ‬في‮ ‬أحد المشاهد نرى مسؤول العملية‮ (‬التي‮ ‬تم تقديمه كرجل متعناً‮ ‬وغليظا‮) ‬يوزع على‮ ‬النساء‮ »‬باركات‮« ‬شعر مستعار بألوان أجنبية‮ (‬شقراء وحمراء‮) ‬لكي‮ ‬يبدون‮ -‬من بعيد على الأقل‮- ‬أجنبيات ولتسهيل مرورهن عبر الحدود وقبولهن في‮ ‬الجانب الآخر‮. ‬لكن عوض أن‮ ‬يعكس المشهد وضعاً‮ ‬ساخراً‮ ‬من المسألة ككل،‮ ‬يدفع بالمشاهد لضحكة ساخرة وحدها‮. ‬الفارق أن موضع السخرية أختلف منتقلاً‮ ‬الى قرار النساء وضع الباروكة فوق‮ ‬غطاء الرأس وليس تحته عوض أن‮ ‬يسع المفارقة والمفهوم بكامليهما‮. ‬في‮ ‬ذلك إخفاق لغايات الفيلم عن طريق حشد نقده من دون تحليل او تعميق او حتى حالات صحيحة‮. ‬ولكن إذ تمضي‮ ‬هذه الأفكار التي‮ ‬كان من الممكن أن تثير الإهتمام لو أن التنفيذ جيّد،‮ ‬فإن الفيلم لا‮ ‬يبقى منه سوى ذكر العناء الذي‮ ‬لابد للممثلين أن خاضوه فعلياً‮ ‬وهم سائرون فوق الجبال وفي‮ ‬الوديان في‮ ‬الحر والبرد‮.‬


PANJ E ASR ***
ساعة العصر
إخراج: سميرة مخملباف
تمثيل: أغيلة رضائي، ابو الغنى بو سفرازي٠
إيران - 2003
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك مشهد يقع في نهاية الفيلم يرثي فيه العجوز مدينة كابول: " لقد انتقلت من الإيمان الى الفكر". يقول وهو يمسك بحجر يحفر أرضاً صحراوية وعرة. وراءه رجل يبغي الوصول الى قندهار وضل الطريق لأنه ما عادت بين كابول وقندهار قرى يسترشد بها٠ وعلى مقربة من العجوز، حفيده الطفل الرضيع الذي جاع وعطش حتى مات. لكن لا مصير الرجل الضائع ولا جثة الطفل الميّت أهم لديه من رثاء المدينة. ليس لأنها انتقلت الي عصر التلفزيون او الهاتف الجوّال، بل كل ما فعلته أنها الآن تسمح للبنات بدخول المدارس وتغض النظر عنهن إذا ما رغبن في خلع النقاب٠
مرحبا بكم في كابول بعد طالبان٠
سميرة كعادتها من الحذر الشديد في تعاملها مع شخصيات فيلمها الجديد الذي يتعامل كليّاً مع موضوع أفغاني وصور في تلك البلاد، بحيث لا تريد وصم ذلك العجوز. إنه ليس رجلاً أنانياً تسبب في شتات عائلته، ولا هو سياسي يرثي زمن طالبان. بل هو ضحية للوضع بأسره وللتمادي في تشتيت الدين بعيدا عن منحاه السماوي والروحي. كل ما يهمه هو أن يجد مأوى بعيدا عن الخلق خوفاً من أن يدخل النار إذا ما اصطدمت عينيه بإمرأة سافرة الوجه او جاوره جار يحب سماع الموسيقا٠
إنه الفيلم الطويل الثالث للمخرجة التي أصبحت مقصداً للنقاد من فيلمها الأول »تفاحة« سنة 1998 وهي قفزت كل الحواجز والمسافات سريعا لتصبح معروفة عالميا بفضل اختياراتها من المواضيع التي ترصدها. أفلامها هي استلهامات من الواقع تمارسها على شكل تحقيقات مصوّرة. »التفاحة« وقد أنجزته حينما كانت لا تزال في الثامنة عشر من عمرها، كان تناولاً لقصة فتاتين صغيرتين تجهلان الكتابة والقراءة وتتصرفان على نحو ذهني متخلّف نتيجة حجر والدهما طوالا لوقت في البيت المعتم الى أن اكتشفت وجودهما مريبة اجتماعية وأطلقت سراحهما. جرجنا الى الحياة كاسرتين الحاجز العازل الى الأبد (بفضل الفيلم أيضاً)٠
في العام 2000 قدّمت سميرة فيلمها الثاني »الألواح السوداء« الذي اختارت له المناطق الجبلية الكردية الوعرة على الحدود الإيرانية - العراقية: قصة آساتذة متعلمين يجوبون قرى الحدود عارضين خدماتهم لقاء الأكل والنوم فقط على عزّل أكراد يعيشون فوق الجبال القاحلة على الحدود بين العراق وإيران٠

لكن »ساعة العصر« يختلف عن سابقيه وهو أفضل أعمالها. بطلة الفيلم نقرة (رضائي) إمرأة شابة واعية ولا تعاني من تخلف عقلي او نفسي، الا أنها عاشت حياتها تحت كنف أبيها المتزمّت. وحين نتعرّف عليها نشاهدها تدخل مدرسة القرآن كما يرغب، لكنها تنتظر إنصرافه لكي تدخل مدرسة تعليم البنات القريبة لتتعلم فيها ما تريد٠
وهي تحمل رغبة أن تصبح رئيسة جمهورية أفغانستان. وتطرح الرغبة على بعض المحيطين بها وبينهم شاب مهاجر من قرية أخرى يلاحقها فتصدّه. لكنها تدرك في النهاية أن الأعباء التي ترضخ وأبيها ووطنها ومفاهيم المجتمع تحتها زثقل من أن تستطيع إزاحتها وتحقيق أي من غاياتها الإنسانية الطموحة والمحقّة. هناك أيضاً زوجة أخيها الذي مات بلغم مزروع التي تدرك أنها الآن كتب عليها أن تصبح وطفلها عالة. وهناك الأب العجوز المسجون من الداخل والحصان الكهل. حياة عائلية لا تجدها في أي سينما أخرى تنبع من صميم الموضوع الإجتماعي وتبقى فيه بلا تغرّب بفضل حفنة ممثلين تلقائيين٠

لكن هذه النواح التي يمكن وضعها في خانة الحسنات، بالإضافة الى رقة معالجة المخرجة للموضوع النسائي وطراوته، لا يعني أن الفيلم بلا مشاكل كبيرة. هناك مشاهد لا لزوم لها وأخرى مزروعة في توقيت سيء٠ الأولى صوّرته مخملباف بناءاً على سيناريو غير فعّال والثانية نتيجة مونتاج من أسوأ ما طُبع على فيلم إيراني في السنوات الأخيرة. الى ذلك، ممثلوها يبدون في العديد من المشاهد وهم ينتظرون دورهم في الكلام الأسوأ ينتظرون إشارة المخرج للبدء بالكلام. ليس فقط أنها مشكلة توليفية بل هي أساسا مشكلة إدارية ٠
على صعيد آخر توجه مخملباف ووالدها من قبل (عبر فيلمه الأفغاني الموضوع »قندهار« - 2001) لتناول مواضيع أفغانية يبدو شطارة تجارية- إعلامية أكثر من اهتماماً جذرياً٠

من ناحية أخرى فإن »الخامسة عصرا« من ناحية جهد مثير للإهتمام جيد في نواحي عقدة. ومن ناحية أخرى مصنوع لعيون المشاهدين الغربيين واستمرار لنجاح ظاهرة آل مخملباف العالمية٠


OFFSIDE **
‮»‬أوفسايد‮«‬
إخراج‮: ‬جعفر باناهي
تمثيل‮: ‬سيما موباراكشاي،‮ ‬سافر ساماندر،‮ ‬شياييته إيراني،‮ ‬محمد
ايران 2006
‮ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

على حافلة عمومية مجموعة كبيرة من الشبّان تغني‮ ‬وتنشد وتلوّح بالأعلام و-أحياناً‮- ‬تتشاجر فيما بينها‮. ‬الكاميرا بينهم تلتقط الوجوه والأيدي‮ ‬والنظرات‮. ‬متحمّسون ومندفعون‮ ‬يقصدون ملعب الكرة لحضور المباراة الحاسمة بين الفريق الإيراني‮ ‬والفريق البحريني‮. ‬كلهم في‮ ‬صخب باستثناء واحد منهم جلس منزوياً‮. ‬السبب في‮ ‬أن هذا الواحد لا‮ ‬يستطيع أن‮ ‬يشارك الباقين صخبهم هو أنه،‮ ‬تحت القبعة والملابس الرجالية،‮ ‬هو فتاة شابة متنكرة في‮ ‬زي‮ ‬صبي‮. ‬غايتها حضور المباراة المحظورة على الفتيات‮. ‬بوصول الحافلة الى باحة الملعب منضمة الى عشرات الحافلات الأخرى تحاول الفتاة دخول الملعب حذرة من مغبّة إكتشافها‮. ‬لكنها تُكتشف وتُقاد الى حيث تم تخصيص مكان في‮ ‬ساحة خلف الملعب‮ (‬نسمع الهتافات والصخب ولا نرى ما‮ ‬يدور‮). ‬هناك تلتقي‮ ‬بفتيات أخرى محجوزات لأنهن أيضاً‮ ‬حاولن مخالفة القانون‮. ‬هناك أيضاً،‮ ‬وبعد نحو ثلث ساعة من الفيلم،‮ ‬يتم تحويل الإهتمام من تلك الفتاة وحدها الى المجموعة بأسرهن،‮ ‬كما الى مجموعة المجنّدين‮ (‬أربعة‮) ‬المطلوب منهم حراسة هؤلاء الفتيات الى أن‮ ‬يتم وصول الضابط وإرسالهن،‮ ‬رغم تضرّع بعضهن،‮ ‬الى المخفر‮. ‬على الرغم من أن الضابط لا‮ ‬يعرف عددهن الا أن رئيس المجموعة المكّلفة بالحماية‮ ‬يواصل التحذير من أنه لا‮ ‬يستطيع إخلاء سبيلهن خوفاً‮ ‬من رئيسه‮. ‬كما‮ ‬يتحدّث عن رغبته في‮ ‬ترك الخدمة والعودة الى القرية لأن المدينة لا تعجبه‮. ‬ينجح الفيلم في‮ ‬ربط واقع الإناث والمجنّدين على حد سواء‮. ‬لا البنات ضحايا وحدهن ولا المجنّدين شريرين خالي‮ ‬الشفقة‮. ‬بعد المباراة‮ ‬يتم نقلهن في‮ ‬الحافلة،‮ ‬لكن مع إحتفالات هزيمة الفريق البحريني‮ ‬يتم فتح باب حافلة البوليس و-من دون تدخل البوليس المشارك في‮ ‬الفرحة الكبرى‮- ‬يدخل البعض ويفك قيود الفتيات ويخلي‮ ‬سراحهن على موسيقى النشيد الوطني‮ ‬الإيراني‮. ‬لجانب موضوع مهم وذي‮ ‬رسالة تدعو لتحرير المرأة من مثل هذه القيود،‮ ‬لا‮ ‬يوجد الكثير من الحسنات الأخرى‮. ‬أسلوبياً،‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬على عكس‮ »‬الدائرة‮« ‬و»ذهب داكن‮«‬،‮ ‬فيلما باناهي‮ ‬الجيدين السابقين،‮ ‬المعتمد على الكاميرا المحمولة،‮ ‬خال من التصميم السينمائي‮ ‬المسبق للمشهد‮. ‬ذي‮ ‬إيقاع واحد والموضوع المطروح،‮ ‬مع القليل من الأحداث هو الشيء الوحيد الذي‮ ‬يجر الإهتمام من مشهد لآخر‮.‬



TAHRAN SAATE HAFTE SOBH ***
طهران السابعة صباحاً‮ ‬
إخراج: أمير شهاب رازفيان
تمثيل‮: ‬بهناز جعفري،‮ ‬حسن مؤذني،‮ ‬رضا خمسة،‮ ‬بارفيز لاريجاني،‮
إيران‮/ ‬ألمانيا- 2004
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس هناك ما هو‮ ‬غير عادي‮ ‬لا في‮ ‬الشخصيات ولا في‮ ‬الأحداث التي‮ ‬ترد في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬وربما‮ ‬هذا هو المقصود إذ لدى المخرج‮ ‬بضع قصص‮ ‬يرويها ثم‮ ‬يعيد جمع بعضها مع البعض الآخر‮. ‬بعض هذه القصص والمواقف‮ ‬يصلح لأن‮ ‬يُكتب قصصاً‮ ‬قصيرة في‮ ‬مجلات أسبوعية،‮ ‬لكن واحدة منها‮ (‬الأخيرة‮) ‬تعكس معالجة شفّافة ومشاعر إنسانية أقوى من الفيلم ذاته‮. ‬ينتقل الفيلم من قصة تقع أحداثها في‮ ‬الساعة السابعة صباحاً‮ ‬عندما‮ ‬يترك شرطي‮ ‬سير مكانه قرب تقاطع المشاة ويمشي‮ ‬مبتعداً‮ ‬مع‮ ‬إمرأة تقدّمت منه حسب موعد مسبق‮. ‬في‮ ‬الحديقة العامة‮ ‬يتحاوران حول حبه لها ثم تتركه وتمضي‮ ‬وذيول موقفها منه‮ ‬يعود إلينا في‮ ‬جزء لاحق‮. ‬القصة الثانية تقع في‮ ‬مستوصف فحص البول حيث الفوضى وسوء المعاملة‮ ‬يخلقان مشاهد مسرحية كوميدية نهايتها ظهور محقق سري‮ ‬يأمر بإغلاق المكان ويعد بإجراءات‮. ‬

الثالثة حول راكب دراجة نارية‮ ‬يستخدمها كتاكسي‮ (‬تأثير فيلم‮ »‬عشرة‮« ‬لعبّاس كياروستامي‮ (‬المخرج رازفيان‮ ‬يشكره وجعفر باناهي‮ ‬وتأثيرهما واضح على معالجته العامة‮) ‬ويتبادل طول الوقت الحديث الى زبائنه‮. ‬آخرهم‮ ‬يموت مستنداً‮ ‬الى شجرة‮. ‬القصة الرابعة‮ ‬بطليها مهاجر أفغاني‮ ‬يعمل وَحده في‮ ‬بناية جديدة وفتاة نراها هاربة من رجل‮ ‬يلحقها‮. ‬الرجل‮ ‬يدعي‮ ‬إنها سرقته‮. ‬هي‮ ‬تدعي‮ ‬إنه‮ ‬يريد سرقتها‮. ‬تدخل البناية التي‮ ‬لا تزال قيد التعمير وتختبيء‮. ‬الأفغاني‮ ‬لا‮ ‬يريد المشاكل لكنه إذ‮ ‬يتحدّث والفتاة تدرك بأنه إنسان حرمته الظروف من‮ ‬الإستقرار ومن الوقوع في‮ ‬الحب‮. ‬
هناك لقطات جيدة التكوين له‮ ‬يصعد تلك الصواري‮ ‬الحديدية المركّبة وهو لا‮ ‬يتوقف عن الحديث‮. ‬المخرج‮ ‬يعرف أين‮ ‬يضع عينه في‮ ‬تلك المشاهد وما‮ ‬يريد أن‮ ‬يعكس فيها‮. ‬هنا فقط‮ ‬يشتغل سينما بعدما كان عمد،‮ ‬في‮ ‬القصص الثلاث السابقة الى شغل تلفزيوني‮ ‬التركيب والأسلوب والطموحات‮. ‬نهايات القصص كلها فيها قدر كبير من الإجتهاد في‮ ‬سبيل إبراز معنى ما،‮ ‬لكن نهاية القصة الرابعة فقط هي‮ ‬التي‮ ‬تنجح في‮ ‬محاولتها‮.‬



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Jun 25, 2009

Issue 432 | Metro Cinema.

Cover | Story
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوسكارات أكثر من الأول


أعلنت أكاديمية العلوم والفنون السينمائية في لوس أنجيليس يوم أمس أنها ستعيد نظاماً سابقاً كان يتيح لعشرة أفلام روائية ترشيح نفسها للأوسكار عوض المعتمد حالياً وهو خمسة في الحد الأقصى٠
وكانت الأكاديمية حتى العام 1943 درجت بالفعل على اختيار عشرة أفلام لأوسكار أفضل فيلم غير أجنبي وهو العام الذي فاز به فيلم »كازابلانكا« [مايكل كورتيز]٠
العودة الى النظام السابق سيبدأ من مسابقة هذا العام الذي تُقام حفلته في مطلع العام المقبل٠

أنظر الى اليمين للائحة بالأفلام العشرة التي كان تم ترشيحها سنة 1943

اختطاف بِلام يفتح الملف
المترو والأنفاق والمدينة الخائفة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رضُا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النسخة الجديدة من
The Taking of Pelham 1 2 3


توم كروز يحكي القصّة. جايمي فوكس يستمع: "ذلك الرجل جلس في المترو بهدوء. توقّف المترو عدّة مرّات في أكثر من محطّة، وصعد وهبط منه كثر. لم يلتفت أحد منهم لذلك الرجل٠ ثم انطلق المترو عائداً من جديد الى حيث جاء، ثم قطع الطريق ذهاباً وإياباً أكثر من مرّة. ولا أحد من الركّاب أكترث لأن يكشف عن أن هذا الرجل الجالس في مكانه بلا حركة، إنما مات"٠

وحيد هو الركوب في المترو، او »الأندرغراوند« كما يسمّونه في بريطانيا او »السبواي« كما أسمه أيضاً في أميركا. تصوّر أنك جالس هناك لا تكترث بأحد ولا أحد يكترث بك٠ تدخل إليه. تخرج منه. من يكترث؟ ما أراد توم كروز الوصول اليه من هذه الحكاية هو الوحدة التي يشعر بها بعضنا لا في المحافل العمومية فحسب، بل في الحياة بأسرها. باستثناء اولئك المحاطون دوماً بالأقارب والمعارف، قد تمر فترات طويلة قبل أن تسنح الفرصة أمام شخص ما ليختلط بشخص آخر٠

The Collateral لكن المترو، حسب وصف توم كروز في فيلم »صحبة«٠
هو أكثر الأماكن وحدة. يكفي إنه تحت الأرض. يقطع المسافات ذهاباً وإياباً دون أن يشعر به أحد فوق الأرض. عالم بعيد و-في أفلام أخرى- مخيف٠
مايكل مان، الذي أخرج فيلم »صحبة« لديه فيلم جديد الآن في الأسواق هو »خطف بلهام 123«
The Taking of Pelham 1 2 3 يدور بأكمله تقريباً في ذلك العالم التحتي وعن القطارات لكنه ليس عن الوحدة التي قد يشعر بها راكب ما او كل الركّاب كل بمفرده، بل عن مصير محتم يجمع بين ركّاب قطار مخطوف وخاطفه (جون ترافولتا) لا يريد أن يؤذي أحداً بالتحديد، لكنه سيفعل إذا لم تستسلم نيويورك (حيث تتم الحكاية) وتدفع له الفدية التي يريد٠

نسخة 1974 من
The Taking of Pelham 1 2 3

ما يجعل الفيلم (الذي هو إعادة صنع لفيلم آخر بذات القصّة خرج سنة 1974) لافتاً هو أن العملية إرهابية وتقبض بيد من حديد على واحدة من أضعف المفارق الحياتية. فمع أن ضرب ناطحات السحاب بطائرات تجارية صار أمراً ممكناً، إذا ما أخذنا بعين الإعتبار ما حدث في الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، الا أنه لا يزال أمراً صعب التحقيق خصوصاً بعد ذلك العمل الإرهابي الشنيع٠
ما يفترضه الفيلم الجديد (وافترضته أفلام عديدة سابقة) أن حافلات المترو يمكن أن تشكل ملجأ لعملية إرهابية ليس بالضرورة سياسية او خارجية، بل يكفي أن تكون إجرامية تحت أي دافع كان. فكرة أن هناك قطاراً منطلقاً يجتاز المسافات المظلمة بين المحطّات ثم يفرج عن ركّاب ويستقبل ركّاباً آخرين فكرة بحد ذاتها مثيرة للخيال في أي شكل داكن يمكن لمؤلّف أن يستوحيه٠
يزيد على ذلك تلك الأنفاق الطويلة حيث تطبق الجدران على بعضها البعض لتشكل أنبوباً من الحجارة والحديد كاف لمرور القطار فيه. الفكرة الطارئة هنا والتي لا تتحمّل الإفتراضات أنه في حين أن المرء يستطيع إذا ما كان فوق الأرض يتحكّم بخط مساره، لا شيء يمكن أن يتحكّم بمسار قطار الأنفاق ولا قدرة للراكب أن ينزل منه متى أراد او يفعل شيئاً إذا ما توقّف القطار فجأة ما بين محطّتين٠
إنه فكر متشائم ربما، لكن صانعي السينما يستخدمونه دائماً لإنجاز أفلام ذات إثارة تستخدم تماماً حقيقة أنه إذا ما كان المرء راكباً في قطار أنفاق والقطار يرفض التوقّف عند هذه المحطّة او تلك لأن أحدهم خطفه او بسبب عطل طرأ عليه، فإن لا شيء يستطيع فعله على الإطلاق. في هذا الوضع فإن الخوف الناتج عن ضيق المكان وانحصاره ينتقل، إذا ما كان الفيلم ناجحاً او راغباً، الى المشاهد نفسه. تتسع دائرة عينيه وهو يتابع مصير شخصيات محبوسة ينطلق بها قطار جانح لا يتوقّف وتصرخ مذعورة متوقّعة ما سيحدث من دون ريب: إصطدام رهيب وكارثة بشرية كبيرة الحجم٠

مترو للتمييز العنصري
في العام 1974 حين خرج »خطف بلهام 123« الأول كما أخرجه حينها جوزف سارجنت عن رواية لجون غودي من بطولة وولتر ماثاو، روبرت شو، مارتن بالسام، هكتور اليزوندو من بين آخرين، ارتدى الفيلم ثوب نوع أفلام السرقات سريعاً. استخدام عبارة »عملية إرهابية« لم تكن آنذاك مسألة سهلة وشائعة وهي دائماً ما كانت تُطلق على العمليات التي تتم فوق سماء اليونان او في ميونخ او في إنتابي او انطلاقاً من بيروت او عمّان، أما في داخل الولايات المتحدة التي بقيت بعيداً عن مثل تلك العمليات فأي عملية محليّة هي محض جريمة جنائية بصرف النظر عن ضيق او إتساع عدد ضحاياها او حجم العملية بحد ذاته٠

ما عكسه الفيلم المذكور (عن الرواية) هو وضع المدينة القلق من جراء الإنفتاح الإجتماعي الحاصل إثر تمكّن الأفرو- أميركيين من الإنتقال أشواطاً الى الأمام في جهودهم صوب مجتمع عادل (ولو نظرياً) وتأثير ذلك على رجال من جيل مخضرم لم يتوقّعوا مثل هذا التغيير الإجتماعي٠ ها هو وولتر ماثاو يقابل للمرّة الأولى ضابط بوليس كان يتحدّث معه هاتفياً. حين يراه أسود البشرة يضطرب ويحاول أن يخفي المفاجأة فيقول: "آه.. توقّعت رجلاً قصير القامة ... لا أدري ما توقّعت"٠
أمر آخر يُلحظ في ذلك الفيلم الى اليوم، هو أن المختطفين عنوة (ثمانية عشر) هم من أعراق مختلفة تعبيراً عن مدينة تجمع في طابقيها (فوق الأرض وتحتها) اللاتيني والأسود والآسيوي كما الأبيض وصراع القوى، بين التحري ماثاو وقائد العملية روبرت شو ، يتمحور حول المدينة الأميركية النموذجية. المدينة بألوانها البشرية موضع صراع بين تحري يفضّل بقاء الحال كما هو عليه، وخارج على القانون يؤدي عمله الى إحداث تصدّع في التركيبة العنصرية القائمة٠

The Brave One
٠ »إختطاف بلهام 123« حينها لم يكن سوى أحد فيلمين احتوى على مشاهد قطار وأبعاد عنصري ولو أنه الفيلم الذي دارت معظم أحداثه في عالم تلك القطارات. الفيلم الثاني هو »رغبة موت« كما أخرجه البريطاني مايكل وينر من بطولة تشارلز برونسون وفيه ذلك المصمم المعماري الذي يُصدم حين ترتكب عصابة مجهولة جريمتي قتل واغتصاب بحق زوجته وإبنته، فيشتري مسدّساً ويبدأ بقتل كل من يجده مذنباً بالتعرّض الى أبرياء او يهدد سلامة الأمن . بطل الفيلم يتقصّد ركوب المترو مسلّحاً وإياك أن تكون أسود البشرة وتتصرّف بنيّة عدائية. بطل ذلك الفيلم سيقتلك وسيعتبر نفسه بطلاً يؤدي واجبه تجاه المجتمع. فيلم وينر كان فاشياً بامتياز تماماً كالفيلم الذي خرج قبل عامين من بطولة جودي فوستر بعنوان »الشُجاعة« وفيه أيضاً قصّة تلك المرأة التي تركب المترو مسلّحة برغبتها لإحلال العدالة كما تؤمن بها وبمسدس يتيح لها قتل من تعتقده يهدد تلك العدالة٠ الفارق بين الإثنين أن »رغبة موت« ورد في ذات نيويورك المتفتّحة على المتغيّرات الإجتماعية، بينما »الشجاعة« ورد في الفترة التي أصيبت فيها نيويورك بضربة 11/9 ما جعله يبدو الرد من الضحية على وضع سائب لم تستطع خلاله الحريّات الممنوحة للأقليات من تأمين السلامة للإنسان الأبيض٠
كلاهما، من ناحية أخرى، استخدم المترو لإثبات وجهة النظر٠

المتهم البريء

Knowing

والمترو في هذا الشأن له صور عديدة٠
Knowing قبل أشهر قليلة استقبلنا فيلم أليكس بروياس »تنبؤ« او
وأحد أفضل مشاهده هو ذلك الذي يقع في المترو: نيكولاس كايج يعرف مسبقاً بأن عملية إرهابية ستتم في مترو الأنفاق. يحذّر ضدها ثم يجد نفسه مستطلعاً الإحتمالات مرتاباً بشاب ذي ملامح شرق أوسطية كان يركض أمامه وينظر حوله مذعوراً. فجأة تأكد لبطل الفيلم أن هذا (العربي؟) هو الإرهابي فيبدأ بمطاردته ليكتشف لاحقاً أن الرجل ليس سوى تاجر مسروقات صغير الشأن أكثر ذعراً من أي شخص حوله. هذه الرسالة تستخدم ذات القطار تحت الأرض المهدد بالنسف لإيصال رسالة أكثر إيجابية عن الأغراب٠
Mimic لكن الأمر مختلف بالنسبة لفيلم »محاكاة« او
حيث تجد بطلة الفيلم (ميرا سورفينو) نفسها محاطة ليس بأشرار المدينة ولا حتى بأبريائها على اختلاف مذاهبهم وألوانهم، بل بصراصير ضخمة لا تحجم عن مهاجمة البشر كلما جاعت... وهي دائماً جائعة. الفيلم، كما أخرجه غويلرمو دل تورو، من نوع الرعب ولا يحمل دلالات ما ورائية لكن حقيقة أن أحداثه تقع في مدينة مانهاتن (محيط نيويورك) وحقيقة الأجواء التي يضع فيها المخرج قصّته تمنح المشاهد فرصة لتغيير رأيه قبل أن يعود من الصالة الى البيت مستخدماً تلك القطارات الليلية٠
ليس أن القطار او النفق عليه أن يحمل دائماً دلالات كتلك التي في نسختي »اختطاف بلهام« و»رغبة موت« وسواها، والسينما عرفت الكثير من الأفلام التي لم يكن القطار فيها الى سجن الأبرياء الى التهلكة كما في الجزء الثالث من »داي هارد« والجزء الثالث من »سبايدر مان« و»ماتريكس« الأول٠
في كل هذه الأفلام الأهمية المطلقة حُشدت للإبهار المشهدي والبصري وحده وحققت، عبر التقدّم التكنولوجي الحاصل، نتائج مذهلة٠
ويستطيع المرء متابعة التطوّرات التقنية التي جعلت كل فيلم لاحق من بين هذه الأفلام أفضل من سابقه فالمؤثرات البصرية في »سبايدر مان 3« (2007) أفضل منها في »ماتريكس« (1999) وهذه أفضل من تلك التي استخدمت في »داي هارد ٣« (1995)٠
فيلم »سبايدر مان ٣« رغم أنه لا يتعامل رمزياً ولا اجتماعياً مع مفهوم »المترو« الا أنه ما زال يستحوذ على تلك المخاوف النفسية التي تنشأ عن فكرة استخدام قطارات الأنفاق او يتسبب بها. ها هو القطار ينطلق بسرعة فائقة والمعركة بين رجلين على طرفي النقيض (كما هو متوقّع) وبنفس الدرجة من القوّة والرغبة في الإنتصار٠ في ذلك الفيلم ولجانب سبايدر مان (توبي مغواير) والشرير دوك (ألفرد مولينا) والصراع الشرس بينهما، لا يمكن تجنّب التفكير بالأبرياء المحتجزين رهينة من ينتصر على الآخر


يعيشون تحت الأرض

Control
ويكاد العالم تحت الأرضي يختلف في معالجته من فيلم لآخر تبعاً للبلد المنتج٠
الفيلم الفرنسي »سبواي« للوك بريسون (1985) اهتم بالحديث عن الناس الذين يعيشون تحت الأرض كالمتسكّعين والعازفين وبعض الشخصيات التي لا تدرك تماماً لماذا تعيش هناك لكنها تفعل٠

أفضل منه الفيلم المجري »كونترول« لنمرود أنتال (2003 ) الذي يتناول أيضاً طبقة اجتماعية تعيش تحت الأرض لكن قوامها ليس المنفيين فقط من مجتمع من هم فوق سطح الأرض، بل من الموظّفين الذين مع كثرة عملهم وتعاطيهم مع عالم الطبقة التحتية بات من الصعب عليهم الصعود الى سطح الأرض والتعامل مع من فوقها٠
وثمّة أفلام لا تتناول تحديداً المترو لكن فيها، كما الحال مع »تنبؤء« بعض أفضل مشاهد المترو. من هذه الأفلام ذلك التشويقي الذي لعب بطولته كيانو ريفز بعنوان »سرعة«. رغم أنه عن نوع آخر من المواصلات (الأوتوبيس) الا أن فيه مطاردة تحت أرضية لا تُنسى٠
وفي فيلم »الإتصال الفرنسي« هناك مطاردة بين سيّارة ومترو (يظهر فوق الأرض هذه المرّة) لكن أحد المشاهد الطريفة هو ذلك الذي يقع بين الممثل جين هاكمان والممثل فرناندو راي. هاكمان هو التحري الذي يريد ترصّد ومراقبة أكبر تاجر مخدّرات أوروبي (راي) الذي يعلم أنه مُراقب. يصعد المترو من أحد أبوابه المفتوحة. فلا يتردد التحري بصعود المترو من الباب التالي ليبعد عنه الشبهة. قبل أن يتحرّك القطار بقليل يهبط منه التاجر فينزل التحري بدوره. ولحظة قبل إغلاق الباب يقفز التاجر من جديد الى داخل المقطورة لكن الحركة تباهت التحري فيحاول دخول مقطورته لكن الباب أغلق في وجهه٠ حين يتحرّك القطار نرى فرناندو راي وهو يلوّح بأصابعه في تحيّة الى التحري المستشاط غضباً٠

Mimic
كل هذا وسواه يدلف بنا من جديد الى الفيلم الذي يميّز للمرّة الثانية هذا النوع من الأفلام. تحديداً: النسخة الجديدة من »إختطاف بلهام 123« كما حققها المخرج توني سكوت عن ذات الرواية التي اقتبسها المخرج السابق جوزف سارجنت سنة 1974 انما مع تعديلات متناثرة: هذه المرّة الخاطف ليس مرتزق عمل لصالح الماليشيات كما كان حال شخصية روبرت شو، بل سجين سابق٠ في المواجهة، فإن الرجل الذي سيواجهه في مبارزة ذكاء وصراع أدمغة ليس التحري المتعب وولتر ماثاو، بل تم تحويل شخصية التحري الى مسؤول في محطّة القطارات المركزية (دنزل واشنطن) وهو أسود حتى لا يفاجأ أحد في الفيلم بلونه حين يشاهده للمرّة الأولى كما حدث في النسخة السابقة٠
كذلك فإن الفدية ارتفعت قيمتها من مليون دولار قبل 35 سنة الى عشرة ملايين دولار. أيضاً لا ننسى المؤثرات الخاصّة التي ستجعل من رعب القطارات عملية حسيّة قدر الإمكان نظراً لأن الفيلم يتخلّى عن مسائل شابت الفيلم السابق بالنسبة للرموز الإجتماعية والدلالات الناتجة عن مفارقات الفيلم المختلفة٠

وكان لابد له ذلك. اليوم لا يمكن الحديث عن مفارقات عنصرية في مدينة وضعت كل تلك الفروقات وراء ظهرها وتتحرّك الآن على منوال مختلف. كذلك فإن أحد العناصر الأخرى التي في الجزء السابق، وهو عنصر متّصل بالصراع بين من يملك وبين من لا يملك (المدينة المترفة التي لا تهبط تحت الأرض ومن يعيش فعلاً تحتها) ليس المحك الفاصل لأي صراع. لكن كل هذه الدلالات، على قدمها اليوم، هي التي شكّلت أهمية الفيلم السابق. من دونها هنا، ومن دون بدائل لها، فإن ما نراه لعبة قط وفأر جديدة تنتهي كما هو متوقّع. الفيلم بأسره قائم على سياسة لقطة لي ولقطة لك بين نجمين على الفيلم أن يوازي بينهما حتى لا يزعل لا القط ولا الفأر٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Jun 23, 2009

ISSUE 431| Tom Hanks| Luis Bunuel 3| Bergman and the Nazi Past | Hollwyood & Race Relations

هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تستمر »ظلال وأشباح« في إتابع منهج الكتابة عن
المخرجين المرموقين. لجانب حلقة جديدة من سينمـا
لوي بونويل، تكتب ريما المسمار عن جانب من عالم
إنغمار برغمن يتعلّق بعقدة ذنبه حيال موقفه السابق
حيال النازية٠
لكن الإضافة المهمّة هي فتح حوار حول موضوع كثيراً
ما تطرّقنا إليه هو "سينما المؤلّف مبعثه تساؤلات الصديق عمر منجونة حول الموضوع. كذلك هناك المقابلة الموعودة مع توم هانكس وحديث حول موضوع العلاقات بين البيض والسود والأقليّات الأخرى في سينما هوليوود اليوم٠
What else is new?



حوار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يعود الأخ عمر منجونة للكتابة حول ماهية
سينما المؤلف وأين مكمن المخرج من هذه
العملية الإبداعية طالما أن عناصر أخرى في
العمل ليست من نتاجه. المقال التالي فرصـة
أمام الراغبين في الإشتراك من خلال تجارب
شخصية او آراء خاصّة في الموضوع تعقيباً
او إضافة٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فرنسوا تروفو
أعلم أنى أسئلتى تدور منذ فترة فى نفس الحلقة المغلقة ومحورها الأساسى هو - المخرج - لكن الأمر فقط يأخذ كل تفكيرى فى الوقت الحاضر والحاجة لمعرفة هذا الذى أتفاعل مع أنتاجه دون أن أعلم كيفية (خلق) هذا الكيان الفنى هذا الشخص يلقبونه بأسماء كثيره (منفذ، مشرف، مدير، مؤلف، صانع الفيلم، فنان السينما الأوحد ...) و أتصعب أنا لتسميته وحده (السينمائى) وهو فى كل الأحوال (المخرج). فأرجو أن تتحملنى فى هذا الموضوع الذى ربما يكون الحديث الأخير عنه ... ملحوظة : أستثنى من حديثى دور السيناريو فى خلق العمل فكلامى منصب على التكوين البصرى للعمل٠

عودة الى السينما الصافية
ان كان الخروج بسينما صافية هو نتيجة لاندماج العناصر الفردية. فهل يمكننا الحصول على سينمائى صافى يمتلك الاداة (أو الأدوات) لتحقيق رؤية شاملة خاصة به. فى كتابه المعنى بالواقعية فى السينما العربية يحيلنا الناقد السورى الراحل (سعيد مراد) الى مسألة ثقافة الصورة وهو يؤسس للعملية الابداعية فى السينما بـ "وجود مجموعة عمل يتشاركون هما ابداعيا واحداً يعبر عنهم كل بطريقته تحت قيادة المخرج". منطلقا من هذا الأساس يمكننى تلقى الفيلم من خلال مايعرف ب "نظرية صنّاع العمل" - فالمصور ومصمم الديكور والمونتير والموسيقى يبدعون، لكن المخرج هو القائد الذى يؤلف فيلما من هذه العناصر المختلفة، وفقا لهذا أيضا حدثتنا حضرتك عن لقطة من فيلم "الملائكة تطير فوق برلين" ووصفتها بأنها تكاد تكون مرسومة من قبل مدير التصوير (هنرى أليكان) لكنك وصفت نفس اللقطة بأنها مأخوذة من فيلم لفيم فيندرز - فهل هذا من قبيل أن صلاح الدين الأيوبى هو من حرر القدس (بوصفه القائد) لكن هذا لا ينفى مجهود الجنود . وفقا لهذا المنطلق فألكسندر سوخروف أو أليخاندوا أمينابار أو سيرغى أيزنشتاين أو روبيرتو رودريغز عندما يشاركون فى كتابة، تصوير، تأليف موسيقى أو مونتاج أفلامهم، يختلفون عن نفس الأسماء السابقة اذا ما أكتفوا بالاخراج وفى هذه الحالة يمكننا أفتراض عمل "الطاقم الفنى" بدون مخرج على أن يقوم المخرج المنفذ بالاشراف على جهودهم٠

نعود الى الأستاذ سعيد مراد فهو عندما يحاول افراد الأمثلة لتصوره عن ثقافة الصورة نجد أنه يتحدث عن انجازات تشابلن وغريفيث وويلز وواقعية جون فورد المستقاه من الأدب الأمريكى. وانجازات أوروبا (برجمان وسيجتروم وبونويل...الخ)- اذن هذه المدارس السينمائية تختلف باختلاف مخرجيها أم أن هؤلاء دون مديروا تصويرهم -مثلا- لم يكونوا ليصنعوا شيئا يذكر وأن تلك اللقطة من فيلم (فيم فيندرز) لم يكن ليصبح لها وجود اذا استبدل مدير التصوير بأخر. الأن اذا كان المخرج هو (المايسترو) وليس (مصدر الايقاع) فلماذا هو من يذكر (فى المقام الأول) ثم باقى الفريق. علما بأن من يقود عزف موسيقى بيتهوفين لن يلقى أبدا أهمية مؤلف (النص الأصلى)؟

أعتذر عن (الصداع) الذى سببته لحضرتك , لكن صدقنى - أستاذ محمد - الأمر يسبب لى نفس الصداع عندما أعجب بتصوير او مونتاج أو حتى ديكور فيلم ما فأجدنى أتساءل هل كان سيخرج بهذا الشكل لو اختلف منفذ عنصر واحد من هذه العناصر) - علما بأنى من المهتمين بالعلاقة بين المبدع والمتلقى على أساس الابداع الذاتى كما أن ما أقرأه فى كتب النقد يستمر فى التأرجح بتفكيرى بين من يسمى يسرى نصر الله بصاحب (أفلامه) - مع اضافة حرف اللام قبل الفيم فى العربية و (أبوستروف اس ) فى الانجليزية للدلالة على الملكية _ ومن يحدثنى عن سمير بهزان باعتباره (شريك) فى الخيال الابداعى والتنفيذ٠
أفرغت كل مافى جعبتى ولم يعد لدى الا الصمت
عمر منجونة

الاسئلة التي تطرحها يا أخ عمر هي الاسئلة التي طرحوها (في ألمانيا) من العام 1913 ثم (في ألمانيا وفرنسا) في العشرينات والثلاثينات ثم الخمسينات والستينات والى اليوم بعدما اتسعت دائرتها٠ وأخشى إذا سبرت غورها الوقوع في التكرار لما ذكرته بنفسي في هذا المجال من قبل وهو أن العناصر كلها تجتمع لدى المخرج وهو الذي تعود اليه قيمة إجمالية صاغها بدءاً من إختياراته من الموضوع الى كاتب السيناريو الى الممثلين الى مدير التصوير وصولاً الى باقي عناصر العمل٠
كذلك أخشى أن أجد نفسي في التاريخ الطويل لهذه الحركة ولو أن ذلك ضروري جداً وسأخصص له حلقة من سلسلة »النقد وفلسفة السينما«٠
موقفي الشخصي مما ذكرته ومن سينما المؤلّف يتضمّن بعض التناقض٠
على سبيل المثال
المخرج إبراهيم البطوط صاحب »إيتاكي« و»عين شمس« مخرج مؤلف بعرف المفهوم المحدد للكلمة. يكتب أفلامه. يصوّر او يتدخل في التصوير. يُمنتج او يتدخل في المونتاج. يختار ممثليه حسب وجهة نظر معيّنة. يختار مواضيعه لتناسب هموماً ذاتية. يفعل كل شيء من هذا المنطلق ويلبسه أسلوبه البصري والسمعي ويلصق الفيلم بشخصيّته الفنية٠
هذا مخرج مؤلف٠
لكن كذلك يفعل ستيفن سبيلبرغ: الا يختار مواضيعه؟ الا يوافق ويرفض السيناريو؟ الا يختار الممثلين تبعاً لـ..؟ الا يضع عينه على فتحة الكاميرا ليتأكد من اللقطة؟ الا يتدخل في المونتاج؟ ثم أليست أفلامه هي تعبير عن شخصيّته الفنية؟
طبعاً وهذا كاف لأن يهوي بنظرية المؤلّف او -على الأقل- يحوّلها الى صيغة ايديولوجية للتعارف بين هواة نوع وهواة نوع آخر٠
كذلك، انتخاب سينمائي معيّن لإطلاق صفة »مؤلّف« يدفع البعض الى ترجمة ذلك بأنه صاحب السينما الأفضل. فيلما الصديق البطّوط، وفيلم صبحي شفيق وأفلام الراحل يوسف فرنسيس وأفلام عاطف الطيّب وأفلام رضوان الكاشف، رحمهم الله، كلّها تتناغم في ذات الإتجاه. كذلك أفلام محمد خان وخيري بشارة وداوود عبد السيد كلها أفلام نابعة من الشخصية ترتدي أساليب صانعيها المختلف تماماً عن أساليب عز الدين ذو الفقار وحسن الإمام وعاطف سالم وسواهم الكثيرين٠ لكن في حين أن بعض نتائج أفلام المؤلف أفضل من سواها، فإن بعض نتائج أفلام المنهج السائد أفضل من سواها أيضاً. بكلمات أخرى: فيلم عاطف سالم »أم العروس« مثلاً أفضل من فيلم يوسف فرنسيس »زهور بريّة«٠
هذا واقع. كلاهما استخدم كلمات وصور وأساليب آخرين شاركوا في صناعة كلا الفيلمين، لكن اختلفا في الصياغة وكل هذا لم يشفع لفيلم يوسف فرنسيس فجاء الفيلم المبني على جهود عاطف سالم ومجموعته أفضل٠

هذه الجهود هي أيضاً ذاتها٠
على اعتبار أن المخرج لا يستطيع -حتى لو أراد- صنع كل شيء في الفيلم، فإن الديكوريست الذي سيصمم أثاث مكتب لفنان تشكيلي مثلاً له إسهامه في العملية التأليفية٠ عند المخرج المستقل، هذا الإسهام عليه أن يمر من فلتر المخرج لكن من قال أن هذا الإسهام لا يمر من فلتر المخرج الجماهيري (نعم هناك مخرجون لا يكترثون لكننا لا نتكلّم عنهم بل عن المخرج الجيّد انتمى الى سينما المؤلّف او لم ينتم)٠


اللقطة التي نشرتها من »الملائكة فوق برلين« (او »أجنحة الرغبة« كما في عنوانه الإنكليزي) تفيد ما يلي: صناعياً وعلى نحو غير قابل للتفسيرات الناتجة عن لافتات القضايا صغيرة او كبيرة او الأمنيات: المخرج فيم فندرز كتب مادّته بنفسه. رغب في مدير تصوير معيّن (هنري ألكان) ولأن فندرز ليس المموّل لابد عرض ذلك على شريكه في الإنتاج أناتول دومان. الحصول على الموافقة ليس شرطاً لكي يجلب مدير التصوير، لكنه واجب مهني٠ حصل عليه. هذا قرأ السيناريو. جلس مع المخرج جلسات طويلة. انطلق يبدع تصويراً. في كل مرّة كان لا يزال على فندرز معاينة اللقطة التي تتداخل فيها أيضاً فن الماكياج وفن الملابس وفن التمثيل (ولو وقوفاً بلا تعابير) وفن الموسيقا إذا ما صاحبتها موسيقا الخ٠٠٠ هذا وحده كاف لأن ينفي انفراد المخرج بالتأليف كما ينفي عن الفيلم انفراده بصفة الفيلم الصافي وبالتالي وجود سينما صافية. خالصة٠

على ذلك، فإن صياغة المشهد كما رأيناه وصياغة كل المشاهد في أي فيلم كان هي مسؤولية المخرج الفرد (كما هو مفترض واستثني الأفلام المصنوعة فقط بمقاييس الاستديوهات المسبقة على المخرج أن يطبّقها وينفّذها بلا حرية شخصية)٠
المرحلة التي تفصل بين قيام هنري ألكن بتصوير اللقطة وبين تلك التي تنضم فيها اللقطة وقد تم تصويرها الى الفيلم الخام الذي ينتظر التوليف هي المرحلة التي تصبح فيه موهبة ألكن ملك المخرج٠ لو فرضنا أن المخرج لم تعجبه اللقطة فطلب إعادتها ألغى جزءاً من صنعة مدير تصويره. كما الاستديو في الأفلام الأميركية يطلب من المخرج الإنصياع، من حق المخرج أن يطلب من مدير تصويره الإنصياع- كان الحق معه او لم يكن٠ إذا ما قام المخرج بحشر لقطة لحمامة تطير على مقربة من وقفة الممثل برونو غانز تلك تدخّل أيضاً في صنع وصياغة المشهد كما وضعه مدير التصوير٠
في كل الحالات، تلك التي ذكرت من بينها أيضاً، فإن المخرج هو الذي يقود. عليه يؤتمن الفيلم. لذلك لدينا سيل كبير من الأفلام المستقلّة والأفلام التابعة لسينما المؤلّف هي أقل بكثير مما تستحقّه من تقدير وأفلام كثيرة من تلك المنفّذة جيّداً إنما تبعاً للمفاهيم السائدة هي أفضل بكثير مما قيل فيها٠
هذا الخلط لم يأخذد بعين الإعتبار أن الحيثيات التقنية التي سار عليها فرنسوا تروفو حين أخرج أفلامه منتقداً تلك التي عند »سينما البابا« كما كان يسمّيها وقوامها الأفلام التي كان يخرجها سينمائيون »تقليديون«، هي ذاتها التي سار عليها المخرج التقليدي٠
الآن هناك فرق بين سينما مستقلة وسينما المؤلف قليلاً ما يؤخذ بعين الإعتبار: الأولى هي سينما -في الأساس- لم تنتجها شركة إنتاجية رئيسية ما يمنح المخرج الحق في تحقيق الفيلم الذي يريد والثانية هي التي قد تنتجها شركة إنتاجية رئيسية مانحة الحق للمخرج في تحقيق الفيلم الذي يريد (خذ فيسكونتي مثلاً)٠
هذا كله من جملة الأخطاء التي وقع فيها النقاد والسينمائيين العرب بينما كانت المسألة لا زالت، والى اليوم، مطروحة بلا نتائج محددة في الثقافة السينمائية الغربية٠
أعتقد ما يهمني الوصول اليه تقرير أن الجودة والرداءة لا تعرف هذا الإتجاه او ذاك. وعليه فإن التسمية ليست سوى تحديداً لمنهج المخرج٠ الا إذا كان هناك رأي آخر يري -بإقناع- أن هذا الرأي يخالفه الصواب٠ والقضية مفتوحة للمشاركين٠


مقابلة | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توم هانكس ينتقل عبر الأدوار ويحمي مستقبله بالإنتاج
لا أنظر لمهنتي على أساس أنها مراحل. وعاجلاً او آجلاً سينحسر نجاحي كممثل ٠


يحرص توم هانكس حين إجراء مقابلاته الصحافية على أن يبدو إنساناً عادياً قريباً من الغير ورافع الكلفة. هذه خصال ليست دائماً متواجدة مع سواه، بل غالباً غير متواجدة مع سواه. او هي تندرج عند غيره من التظاهر بالإعتيادية الى إيجاد مسافة بينه وبين الآخرين كما لو كان ذلك سينأى به عن الاسئلة الملحّة او الحرجة٠
المختلف في توم هانكس أن ظهوره هو أيضاً الظهور الذي يحب أن يلوّن شخصياته به. نعم هو ينتقل من شخصية الى أخرى ولا يلعب نمطاً او نمطين فقط، لكنه حريص أيضاً على أن يمارس مهنته ويلعب أدواره بذات الرغبة في التلقائية والإعتيادية. يريدك أن تصدّق إنه فورست غمب في الفيلم المعنون بإسمه والكابتن ميلر في فيلم »إنقاذ المجنّد رايان« والعالم الفضائي في »أبوللو 13« وساعي البريد المنبوذ فوق جزيرة نائية في المحيط الأطلسي في »المعزول« والتحري المصلح في »اقبض عليّ إذا استطعت« والشرير غير المأمون له الذي يهدد حياة إمرأة عجوز في »قاتلو السيدة«٠
وهو في اختبار صعب في فيلم »ترمينال« لاعباً دور رجل من وسط أوروبا مقطوع في مطار نيويورك ريثما يُبت بأمره، وسانتا كلوز في »بولار أكسبرس«، ثم عالم الرموز الدينية والتاريخية لانغدون في فيلمه الأخير »ملائكة وشياطين«، وهو بسبب هذا الفيلم يصل الى فندق فور سيزنز في لوس أنجيليس على الوقت تماماً ليس لتأكيد حرصه على مواعيده، بل لأن هذا اللقاء هو واحد من سلسلة لقاءات طوال يومين يعقدها مع صحافيين محليين وأجانب لترويج الفيلم٠
وهو اللقاء الثالث بيننا إذ تم الأول في أعقاب "انقاذ المجنّد رايان« سنة 1998 والثاني في أعقاب »أقبض عليّ إن استطعت« (2002) وكلاهما من إخراج ستيفن سبيلبرغ. أسأله عن علاقته مع ستيفن بعد سلسلة أفلامه معه التي انتهت مرحلياً بفيلم »ترمينال« فيجيب
كثيراً ما نتحادث حين لا يكون أحدنا مشغولاً، وهناك أفكاراً لكنها ليست نهائية. مجرد *
أفكار ... تعلم ما أقصد تتداول أفكاراً ثم تبتعد عنها والجيّد منها سيلاحقك. تكلمنا قبل دخوله
التصوير على فيلمه الجديد وقد يكون هناك عمل آخر بيننا في غضون سنتين٠

تنوّع الشخصيات
لكن توم هانكس، الذي سيحتفل بعيد ميلاده الثاني والخمسين في التاسع من الشهر المقبل، يبدو أكثر إنشغالاً من سبيلبرغ نفسه. نظرة سريعة على موقع
Imdb pro
توافينا بأن هناك ما لا يقل عن ستة عشر مشروعاً في مراحل مختلفة تمتد أمامه من هذا العام والى السنوات الثلاث المقبلة. معظم هذه الأفلام تشير الى أنه لا ينوي تمثيل سوى قليل منها. وهو يؤكد ذلك بقوله
طبعاً لا أتوقع من نفسي ولا يجب أن يتوقع أحد مني أن أمثل كل هذا العدد من *
الأفلام. لكن كبداية كثير منها غير مؤكد بعد. أفكار راودتني وشركائي او في بعض
الأحيان قرأناها كما فعلت أنت على »الوب« قبل أن نتأكّد من أننا نريد الدخول فيها
فعلاً. لكن نعم، معك في استنتاجك بأنني أميل الى اشغال نفسي في الإنتاج أكثر من
التمثيل عموماً. هناك مشاريع ترى نفسك فيها ممثلاً وأخرى تريد أن تحققها وعليّ أن
أقول أن هناك الكثير من السيناريوهات الجيّدة هذه الأيام٠


لكن لابد أن هناك مواصفات معيّنة تستحوذ على اهتمامك فتقرر أنك تريد تمثيل هذا -
الفيلم او الإكتفاء بإنتاجه. هذا إذا كنت تكترث له أساساً٠
صحيح. لكن سيكون صعباً عليّ وضع إطار حول نوعية معيّنة. عادة ما أميل الى إنتاج
أفلام صغيرة لكني أمثل في أفلام كبيرة (يضحك)٠

الشخصيات التي يؤديها من التنوّع وفي ذات الوقت لا يتركها تطغي على شخصيّته هو. هذا ما قسم النقاد من حوله: الناقد ديفيد تومسون (يراسل الأوبزرفر البريطانية وسواها) يعتبره مملاً في بعض الأفلام وغير ذا أثر في بعضها الآخر والناقد رتشارد شيكل (مجلة »تايم« الأميركية) يدافع عنه على طول الخط٠ لكن الحقيقة هي أن توم هانكس اشتغل على أساس أن يتذكّر المشاهد دائماً أن توم هانكس هو الماثل أمامه، لكنه وفي أحيان كثيرة أيضاً ارتدى الشخصيات التي مثّلها ونوّع بينها قدر الإمكان. يسمّون من هم مثله بالممثلين المشخّصين
Character Actors
لكنها صفة عادة ما تُطلق على ممثلين مساندين يجيدون اللعب في صرح الشخصيات التي تسند إليهم من دون حواجز واعية بينهم وبين تلك الشخصيات. أسأله إذا ما كان يوافق على هذا التفسير

إنها مسألة قائمة فعلاً على خط رفيع. كل ممثل، أعتقد، يريد أن يبقى سيد الدور *
الذي يقوم به سواء أكان دوراً صغيراً او كبيراً. وهناك وعي المشاهد أيضاً. أقصد
أنه أحياناً ما يطلب من الممثل أن يبقى الشخص الذي يعرفه وأن لا ينتقل تماماً الى
شخصية صعب تمييزها٠

حين لعبت شخصية سانتا كلوز كنت ...٠ -
ذلك مثال مختلف. لعبت في الفيلم أكثر من شخصية وبعضها عوّض البعض الآخر. لكن *
ما أريد قوله هو أن الممثل يستطيع أن يحافظ على علاقة المشاهد به ورغبته في أن يراه هو
على الشاشة لاعباً الشخصية التي يرغبها الممثل . هذا المشاهد كثيراً ما يساعد الممثل على
اتخاذ القرار في كيف سيجمع بين وضعه ممثلاً وبين الشخصية التي يلعبها٠


The Terminal

ثقة المشاهدين
قبل أيام اشتريت مجلة »فيلم كومنت« وحين اقتربت من الموظّفة لأدفع ثمنها قالت -
لي حين شاهدت صورتك على الغلاف: سأذهب الى أي فيلم من تمثيل توم هانكس. الى
ماذا تعدو هذه الثقة. هذا الإعجاب . أحد المواقع يعرّفك بقوله "أكثر النجوم نيلاً
للإعجاب"؟
لا أدري كيف أجيب على هذا السؤال لأن المسألة ليست خطّة من جانبي. او ربما إذا *
كانت فهي لم تكن مؤكّدة٠

في بداياتك، وبعد ظهورك على شاشة التلفزيون، سجّلت النجاح والثقة سريعاً. هل -
كانت كلّها عبارة عن مصادفات قدرية او عن حسن اختيار مشاريعك؟
الأصح أن أقول أنها كانت جمعاً بين الإثنين. حين مثلت »سبلاش« و»بيغ« و»الرجل *
ذو الحذاء الأحمر« و»حصار« لم يكن هناك أي شيء مؤكد٠ ولا تنسى أنه كانت هناك
أفلاماً لي تنل الإعجاب وسقطت رغم أنها بدت شبيهة بالأفلام التي نجحت من حيث
كونها كوميديات عاطفية وشبابية مناسبة٠ لا أعتقد أن هناك تفسيراً علمياً لنجاح او
عدم نجاح أفلام بعينها. قد تستطيع أن تعرف سبب نجاح »ستار وورز« لكن لماذا
قد يسقط فيلماً مشابهاً له مثلاً٠

تلك الفترة التي امتدت الى مطلع التسعينات أصبحت، تبعاً للنجاح اللاحق، تبلورت عن مرحلة جيّدة أسست لنجاحه وشملت ظهوره في شخصية الشاب الذي قد يقع معه أي شيء من دون أن يفقده توازنه: قد يغدو صبياً في جسد رجل كما الحال في »بيغ« او قد يلتقي بحورية البحر ويسبح معها، كما في »سبلاش« او يجد نفسه عرضة لمطاردة عصابة من الجواسيس كما في »الرجل ذو الحذاء الأحمر« (المأخوذ عن فيلم كوميدي فرنسي بذات العنوان من بطولة بيير ريشار) ٠
تبعت تلك المرحلة أخرى امتدت لمنتصف التسعينات وفيها شاهدناه فيها يحقق نجاحات متعاقبة لاعباً شخصيات صعبة (ولو نظرياً) كما الحال في »فورست غمب« مشخّصاً حالة شاب معاق يختصر في حالته بساطة متناهية مع حكمة غير متوقّعة. قبله مباشرة لعب بطولة »فيلادلفيا« مجسّداً شخصية شاب مصاب بالأيدز وذلك حين كان المرض لا يزال حدثاً عالمياص٠ وفي الفترة ذاتها لعب دور قائد فريق رياضي في »فريق لحسابهم« قبل أن يدلف الى إداء صوتي في »توي ستوري« سنة 1995
بدءاً من العام 1998 نستطيع أن نقول أن هانكس بدأ مرحلته الثالثة التي لا زالت مستمرة. مرحلة الأدوار الناضجة في أفلام كبيرة ستعتمد عليه اعتماداً كبيراً لكي تنجح وهو أوصلها الى ذلك النجاح٠

فيلم مشاكس
هل توافق على أن دورك في »انقاذ المجنّد رايان« هو الدور الذي بدأت -
عبره مرحلتك الجديدة٠
غريب لأني لا أنظر كثيراً لمهنتي على أساس مراحل متعددة. هي فقط بلورة *
منطقية تخضع لأحكام السن والنضج العام والتقدّم في العمل- او التأخر فيه
إذا ما حدث وأن أخفقت. لكني أوافقك بالنسبة لـ «إنقاذ المجنّد رايان» ربما يعود
الى أنه الأول في سلسلة أفلامي مع ستيفن سبيلبرغ وهو خصّ تعاوننا بعدد من
الأفلام الجيّدة. «إنقاذ المجنّد رايان» كان أيضاً مطلباً شعبياً من حيث أنه كان
أول فيلم أميركي عن الحرب العالمية الثانية منذ سنوات بعيدة٠

بالإضافة طبعاً الى حقيقة أنك وسبيلبرغ أسمين كبيرين٠ -
على مستوى النجاح التجاري معك حق. هذا كان له أثره

فيلمه الجديد »ملائكة وشياطين« من إخراج رون هوارد الذي كان أخرج من بطولة توم هانكس أحد نجاحاته الأولى وهو »سبلاش« ثم عاد فالتقى به أكثر من مرّة بينها فيلم «شيفرة دافنشي» الذي كان مدخل هذا الثنائي الى الكثير من المواقف المؤيدة وتلك المعارضة لسياسة هذا الفيلم تجاه الفاتيكان. وهذا بدوره ما تكرر حين انطلق »ملائكة وشياطين» في عروضه الحالية كون الفيلم يتبع السلسلة ذاتها٠

ماذا عن «ملائكة وشياطين»٠ -
نعم. أعتقدت أنك سوف لن تطرق الفيلم الذي من أجله تمّت هذه المقابلة (يضحك)٠ *

كل في وقته. هذا الفيلم مشاكس قبل كل شيء. أليس هذا صحيحاً؟ -
حسناً. الآن تسألني السؤال الذي داومت على سماعه طوال اليوم. هو بالفعل فيلم *
يؤدي الى إثارة بعد الآراء ضده. نعم. لكني لا أعتقد أنه صُنع وفي البال أن يثير
ضجّة من هذا النوع او أن يكون مشاكساً٠

لكن ما سيثيره من مشاكل كان معروفاً سلفاً من حين ما -
تم إنتاج »شيفرة دافنشي«٠
بالطبع. لكن أنت هنا في خيار. إما أن ترضى بأن يوصي عليك الآخرون كيف تصنع *
أفلامك وماذا فيها او لا. أعتقد أننا من الحريّة بحيث نستطيع أن نحقق ما نريد٠

هذا صحيح بالتأكيد لكن هل ترى فيه تعرّضاً للكنيسة الكاثوليكية؟ -
صراحة أقول القصّة تتعرّض لأحداث خيالية تماماً لا أساس لها للواقع تقع في الفاتيكان *
ولكونها خيالية فلك أن تصدّق او لا تصدّق. هذا هو أيضاً من الإختيارات الحرّة في هذا
البلد. الحقيقة هي أن كل فيلم يواجه ذات الإمتحان بصرف النظر عما يحمله. قد تشاهد
هذا الفيلم (يقصد «ملائكة وشياطين» وتردد لأصدقائك " شاهدت هذا الفيلم. إنه جيد. لقد
أعجبني" او تقول "هاي... لقد شاهدت هذا الفيلم »ملائكة وشياطين« ويا له من زبالة"٠
ولا أحد من صانعي الفيلم... لا أكترث أي فيلم ... يستطيع أن يفعل شيئاً٠

التمثيل كبزنس
هذا صحيح. موقف الغالبية من المشاهدين هو الذي يقرر ما إذا كان الفيلم، أي فيلم، سينجز مهامه التجارية ويحقق نجاحاً او لا. وبالنسبة لتوم هانكس هذا مهم إنما الأهم أنه قبل أن يترك الخيار للمشاهدين يضمن أن حصّته من الإيرادات كبيرة إذا ما حقق الفيلم رواجه٠
بالنسبة لفيلم »ملائكة وشياطين« تقاضى هانكس ثمانية عشر مليون دولار أجراً. لكنه حسب لنفسه حصّة تخوّله تقاضي نحو 30 مليون دولار وما فوق (حسب نسبة الإقبال على الفيلم) إذا ما حقق نجاحاً. بعض التقارير تقول أن ما سيدخله من الفيلم تبعاً لحسن إدائه في شبابيك التذاكر سوف لن يقل عن 45 مليون دولار٠

كثيراً ما كنت أطرح هذا السؤال في مقابلاتي الأولى في هوليوود ثم توقّفت٠ -
كم من عمل الممثل الناجح فن وكم منه بزنس؟

يضحك طويلاً ويسألني لماذا توقّفت. هل اعتبر أحد الممثلين أن ذلك تدخل في شؤونه؟ قبل أن أجيب قال

بالتأكيد هي مزيج لكنه مزيج طبيعي. إنها مهنتك. أنت ناقد او صحافي سينمائي وأنا ممثل وذاك طبيب والرابع طبّاخ. قد تحب مهنتك بحد ذاتها وقد أفعل أنا الشيء نفسه كذلك كل في مهنته. لكن لابد أن نتقاضى عليها أجراً ولا بأس مطلقاً في أن تصبح بزنس. بل هي بزنس٠ لكني أقول لك شيئاً : أنا لست في هذه المهنة بسبب المال أوّلاً، او على نحو رئيسي. أنا في هذه المهنة لأني أحب فني وأحب عملي وأحب السينما٠

The Davinci Code
هل هذا هو الدافع الذي يحركك دوماً الى الأمام؟ السبب في أن لديك ولو -
افتراضاً نحو ستة عشر فيلماً في مراحل مختلفة٠
ليس أني بحاجة للعمل. لكن للصراحة إذا لم أفعل ذلك وأصنع لنفسي وضعاً *
كهذا كيف سيكون مستقبلي؟ في حياتي منذ البداية توخّيت أن أحمي نفسي من
أخطاء وقع بها آخرون. لا أريد أن أجلس يوماً في البيت منتظراً أن يرن الهاتف
ويعرض أحدهم علي عملاً. يجب أن أكون هناك وأن ابتكر شيئاً. وعاجلاً او آجلا
سوف تنحسر شعبيّتي كممثل. لذلك أنا في الإنتاج لأني أستطيع البقاء أكثر ولو
عبر ابتكار أعمال يقوم ببطولتها غيري٠


سينما برغمان | ريما المسمار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذ تقترب ذكرى وفاة المخرج الفذ إنغمار برغمن، ستتناول
هذه المجلة مشاهد وجوانب مختلفة من أعماله. ويسرّها
أن تبدأ ذلك بمقالة الزميلة ريما المسمار التي نشرتها قبل
أسبوعين في صحيفة »المستقبل« اللبنانية. مقالة فيها عمق
الناقدة وأسلوبها المعرفي الشامل٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

برغمن شاباً
الموت في أعمال إنغمار برغمن السينمائية من منظور آخر
سينمائي القلق الوجودي كان مسكوناً أيضاً بذنب الفاشية
بضعة عناوين كبرى ظللت أفلام السينمائي السويدي إنغمار برغمن خلال مسيرته السينمائية التي انطلقت في أربعينات القرن الماضي، كرست اسلوبه في الخمسينيات، بلغت أقصى التطرف والإبداع في الستينات وحازت الاجماع النقدي والجماهيري في السبعينات.وفي حين اعتُبرت سينماه الاختزال الأسمى للقلق الوجودي، تجسد الأخير بتلك العناوين المتكررة والتي يمكن اختصارها بالعزلة والعلاقات الانسانية والعصرانية ومعنى الايمان والعلاقة مع الله. ولكن ثمة عنوان آخر لازم معظم أفلامه هو الموت. فكم من شخصية أساسية عبرت أفلام برغمن مسجاة على سرير الموت. وكم من شخصية كان الموت مصيرها اما انتحاراً أو جراء حادثة من دون إغفال الشخصيات التي كانت في حد ذاتها تجسيداً للموت وأشهرها على الإطلاق في ). الا ان الموت الذي وصف برغمن علاقته به بـ"المجنونة"، ارتبط دائماً في التحليلات النقدية بموضوع الدين
The Seventh Seal (1957) كما الحال في

على اعتبار الاخير المظلة الأوسع التي تضم موضوعات كالموت والايمان والذنب والخضوع والخوف التي اختبرها المخرج في البيت أولاً تحت تأثير تربية والده اللوثرية الصارمة٠
غير ان عودة أفلام برغمن الى دائرة الضوء بعيد وفاته في الثلاثين من تموز/يوليو فضلاً عن صدورها قبل ذلك بكثير على "دي.في.دي"، منحها ليس فقط التواصل مع جمهور جديد واكتشاف الجمهور القديم لمعاندتها الشرسة للشيخوخة، بل أيضاً أتاح التوقف عند تفاصيل ليس بهدف الإحاطة الشاملة بالسينمائي السويدي وانما برغبة تفكيك المؤثرات التي كونت سينماه. في كتابات ماريت كوسكينين المتخصص ببرغمن وأعماله نقرأ ان أعمال برغمن كانت انعكاساً لأزمة المجتمع السويدي بتحوله الى الشكل العلماني حيث لم يتمكن تماماً من استبدال العادات والتقاليد القديمة مما ولد قلقاً روحياً٠

في مجموعة من الكتابات والتحليلات التي ظهرت بعيد وفاته اشارات أكثر تفصيلية الى علاقة برغمن وأفلامه بموضوعة الموت انما من زاوية تربط الأخير بالحرب العالمية الثانية التي تزامنت نهايتها مع الانطلاقة السينمائية لبرغمن. تبني تلك الدراسات نقاشها على اعتبار ان سينمائياً من طراز برغمن كان دائماً سابقاً لزمنه في الطرح والمعالجة السينمائيين ما كان ممكناً أن يفوته حدث مثل الحرب تلك من دون ان يترك أثراً ما فيه. صحيح ان السويد كانت بلداً محايداً ولكن برغمن لم يكن منفصلاً عما كان يجري في العالم. فمن المعروف ان السينمائي أمضى صيفاً كاملاً في برلين في منتصف الثلاينيات كجزء من برنامج استبدال بين الطلاب مقيماً عند عائلة نازية وحاضراً لأحد خطابات هتلر. كذلك كان أخوه "داغ" أحد مؤسسي حزب العمال الاشتراكي الوطني النازي السويدي وان والده كان من داعميه والمصوتين له. وخلال حياته كان برغمن صريحاً في التعبير عن افتتانه المراهقي بالنازية: "لسنوات كثيرة، كنت الى جانب هتلر، سعيداً بانتصاراته وحزيناً لخساراته" كما يقول في مذكراته "المصباح السحري" الصادرة عام 1988

بالنسبة الى زوجته السابقة كابي لاريتي عازفة البيانو كان ذلك الجانب من حياة هتلر سلاحاً في يد من يهدف الى التقليل من شأنه. بالطبع ليس الهدف من هذه المقالة هنا التقليل من شأن برغمن وانما محاولة اكتشاف تاثيرات الحرب العالمية على أفلامه. تلك الحرب التي حصدت بين 5 و 6 بالمئة من مجموع شعوب ألمانيا وايطاليا والنمسا وهنغاريا واليابان والصين٠

الذنب واللوم
Honor and Conscience في كتابها "الشرف والضمير"
عن السويد خلال سنوات الحرب الصادر عام 1991
استعانت الكاتبة ماريا- بيا بوتيوس شهادة انغمار برغمن الذي كان في عشرينياته حين اندلعت
في كتابها "الشرف والضمير" العالمية الثانية، استعانت الكاتبة ماريا ـ بيا بوتيوس بشهادة انغمار الحرب العالمية الثانية. روى كيف انه وقف يتفرج بينما قام قطاع طرق برسم الصليب المعقوف شارة الحزب النازي على باب منزل صيفي كان يقطنه مخرج يهودي. ويعلق برغمن على تصرفه بالقول: "وأنا بكل جبن لم أنبس بكلمة." ولكنه عندما كتب »عذاب« [أخرجه ألف سيوبرغ سنة 1944]، قدم المعلم الظالم في هيئة نازي٠

في مذكراته، يكتب انه بعد الحرب العالمية الثانية رفض مثل كثيرين تصديق الهولوكوست "مثل غيري، اعتبرت الصور مفبركة وبروباغندا كاذبة". ولكنه ما لبث ان وقع ضحية اليأس وازدراء الذات معترفاً لاحقاً في ما يخص نظرته الى النازية وهتلر: "أدركت بعد وقت طويل انني كنت مذنباً من خلال مصادقتي... لقد أعماني السطح الملمّع فلم أرَ الظلامية في ما كان يحدث." في يقظة اكتشافاته، أقسم برغمن "سياسة ـ ليس بعد الآنّ"٠
لكن برغمن لم يحافظ على قسمه طويلاً إذ أنجز في العام 1950 فيلما بعنوان »لا يمكن لهذا
This Can't Happen here أن يحدث هنا

حول أوروبي شرقي يُختطف في ستوكهولم. الكاتبة لاريتي اللاجئة الاستونية أكّدت خجل برغمن من تسطيح معاناة الاستونيين في فيلم ثريللر هروبي عن الحرب الباردة ومنع عرضه الجماهيري. وتشير لاريتي الى مفارقة اعجاب الاستونيين بالفيلم وامتنانهم لبرغمن لطرح قضيتهم فيه٠

بيضة الأفعى
وجه برغمن سينماه الى اكتشاف أصول الحزب النازي في فيلمه
The Serpent's Egg

The Serpent's Egg

العام 1977 وكان مدهشاً في كيفية جر الموضوع الى عرينه الخاص ليلتقي مع أعماله الأكثر ذاتية. في ذلك الوقت، كانت صدمة الحرب قد خفت وطأتها وكان برغمن قد ذهب بسينماه الى اتجاه آخر يمزج بين موضوعات الموت والجنس والقسوة والاذلال. وتبقى تلك التجربة مميزة على أكثر من صعيد في مساره السينمائي. فالفيلم هو الأعلى كلفة الذي أنجزه في حياته وواحد من تجربتين فقط ناطقة بالانكليزية كما انه جاء في مرحلة مفصلية من حياة برغمن. فبعد خلافاته مع دائرة الضرائب في السويد لعدم دفع مستحقاته، خرج برغمن من السويد مقسماً الا ينجز فيها فيلماً بعد ذلك. استقر في ميونيخ حيث ألهمته السيرة التي كتبها يواكيم فيست عن هتلر والمنتج الايطالي الكبير دينو دي لورينتيس الذي أمضى عقداً في محاولة اقناعه بالتعاون معه. سيكون »بيضة الأفعى« تحفته السينمائية. انطلق من هناك ليصور نشأة النازية في المجمل، اقتنع برغمن متصوراً برلين مدينة كابوسية ملأى بالمتسولين والمشوهين والمقعدين المقموعين٠

تدور حكاية الفيلم حول آيبل (دايفيد كارادين) الفنان المدمن على الكحول الذي يكتشف انتحار أخيه "ماكس" ويبدأ مع زوجنه مانويلا (ليف ألمن) البحث عن أسباب ذلك. كلاهما يعمل في الملهى الليلي الذي يملكه الغامض هانز فيرغيروس الذي يتذكره آيبل باحثاً يمارس ساديته على الحيوانات والناس. على لسانه، تأتي خلاصة الفيلم التي هي بالنسبة الى برغمن اختزالاً للنازية: "عالمنا سينزلق في الدماء والنار. في غضون عشر سنوات لا أكثر، سيخلق هؤلاء الناس مجتمعاً جديداً لا نظير له في التاريخ." ينتهي الشريط بمشهد لهتلر معقود اليدين٠
يظهر دفتر ملاحظات برغمن حول الفيلم مدى هوسه بأصغر التفاصيل وتداخل عناوين الفيلم مع ذكريات طفولته. بالطبع سيكون من التبسيط ان ننسب الفيلم برمته الى شعور برغمن بضرورة التكفير عن مواقفه السلبية تجاه الفاشية قبل ثلاثين عاماً من الفيلم. ولكنه لا ينسى ان يصنع مشهداً يبدو فيه آيبل متغاضياً عن اجبار مجموعة فاشية لرجل مسن كنس الشارع واذلاله. أفليس المشهد تعبيراً عن موقفه من إذلال المخرج اليهودي أمام عينيه قبل أكثر من ثلاثين عاماً؟
على الرغم من ذلك، لا يسعنا الا ان نشعر بأن الذنب وربما الفضول المرضي هما ما دفعا ببرغمن الى العودة الى برلين العشرينات، راصداً موضوعاته الأثيرة انما ـ وبشكل يندر الوقوع عليه في افلامه عموماً ـ في اطار سياسي وتاريخي محدد. فأبطاله هنا ليسوا من الطبقة الوسطى السويدية بجترون معاناتهم تجاه قلقهم الوجودي انما هم شخصيات تناضل في سبيل العيش في عالم أسود. في الفيلم، يتعانق احساس برغمن بالخزي مع افتتانه التلصصي بالعنف والقسوة. ومن يعرف مدى ارتكاز برغمن في سينماه على حياته الخاصة وميله الى تعظيم الذنب واللوم سيعثر حتماً في أفلامه على آثار تلك المرحلة المبكرة التي أفلتت من تحليلانه لبعض الوقت


سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
3
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عمل لوي بونويل في الترجمة داخل شركة تجارية (هي فيلموفونو فيلمز) مكّنه من البقاء قريباً من العمل السينمائي. هناك أربعة أفلام ما بين 1935 و1936 تم إنتاجها لا تحمل أسمه مخرجاً لكن المعتقد أنه هو مخرجها (او شارك بإخراج إثنين منها على الأقل). بعض المؤرخين يعتبرون ما قام به أمر إعتيادي كونه كان بحاجة لأن يعمل محتجباً بسبب النقمة الحكومية عليه، وآخرين اعتبروا عمله ذلك اقتراباً من "فن تأمين" التقارب مع الذوق الجماهيري٠ في نهاية العام 1936 تم توقّف الشركة وحصدت السٌلطة الفاشية الحكم عملياً في أسبانيا ما جعل وضع بونويل صعباً. من مذكّراته: "وجدت نفسي خائفاَ" وهذا الخوف دفعه للموافقة على أن يعمل ملحقاً في السفارة الأسبانية في باريس حيث كانت مهمّته تأمين وتحضير مواد بروباغاندا٠
إذاً بعدما تخلّى بونويل عن سينماه السوريالية لصالح سينما تجارية عادية، تخلّى عن مواقفه الثورية لصالح الحكم الفاشي الأسباني٠
لا أدري إذا كنت ألومه او لا. وأنا لست أخلاقياً بهذا المعنى. هناك ظروفاً تحتّم على المرء أن يتصرّف وأحياناً التصرّف الأقرب للتطبيق هو القبول. ربما من باب المناورة. وبونويل حاول أن يناور حين دعته هوليوود من جديد للإشراف التاريخي والتقني على فيلم وثائقي كانت تود انتاجه عنوانه
Cargo of Innocents | حمولة أبرياء
وصل بونويل وزوجته وإبنه الى هوليوود من هنا وتم إلغاء المشروع من هناك. انقذته معرفته بمدير متحف الفن الحديث في نيويورك الذي أسند اليه مهمّة الإشراف على إعادة توليف فيلمين اعتبرا نازيين حينها هما
Triumph de Willns | إنتصار الإرادة
Gedzug in Polen | لليني ريفنتشتول و حملة في بولندا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العام 1942 حشره سلفادور دالي
في خانة اليك حين أصدر كتاب سيرته
وأعلن فيه أن بونويل هو ماركسي حرّف
محتويات فيلمهما »العصر الذهبي« ليتلاءم
مع منهجه الشيوعي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الفيلم الثاني تعيده بعض المراجع الى مخرج بإسم هانز برترام لكن المرجّح أكثر أنه من إخراج فريتز هيبلر وكان أحد مخالب أفلام البروباغاندا النازية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (ومات قبل سبع سنوات فقط عن 92 سنة)٠
بعد ذلك (او بالأحرى خلاله) أخذ بونويل يشرف على إرسال مواد سينمائية معادية للنازية لحساب موزّعين سينمائيين في دول أميركية لاتينية٠ في العام 1942 حشره سلفادور دالي في خانة اليك حين أصدر كتاب سيرته وأعلن فيه أن بونويل هو ماركسي حرّف محتويات فيلمهما »العصر الذهبي« ليتلاءم مع منهجه الشيوعي. في نيويورك التقطت صحيفة »موشن بيكتشرز هيرالد« اليمينية الخبر واتخذته منصّة هجوم على بونويل الذي، رغم تمسّك المتحف به (الذي تعرّض لضغوط حكومية لإقالة بونويل) قرر الإستقالة. في هجرة ثالثة الى هوليوود نجده أخذ يعمل مترجماً لأفلام وورنر التي تريد توزيعها في أميركا اللاتينية وكاتب لفصل من مشاهد لفيلم روبرت فلوري »الوحش ذي الأصابع الخمسة« كما حاول تنفيذ عدة مشاريع لحسابه لكن أحداً لم يستجب لنداء الفنان فيه٠
نجده لاحقاً (في منتصف الأربعينات) في المكسيك مدعو لإخراج فيلم عن مسرحية غارسيا لوركا
La Casa de Bernarda Alba | هي "قضية برناردا ألبا"٠
لكن المشروع تهاوى كذلك تهاوت معه مشاريع عديدة طوال عشر سنوات قضاها في المكسيك بلا عمل٠
ليس معروفاً (ولا هو يذكر في كتابه) اسباباً معيّنة لذلك. لكن المؤكد أن بونويل وجد نفسه بعيداً عن الإخراج للعام الخامس عشر على التوالي من قبل أن يحدث التغيير الكبير المنتظر وهو في السابعة والأربعين من العمر حين عرض عليه أوسكار دانسيجر تحقيق فيلمه التجاري الأول
Gran Casino | الكازينو الكبير
سنة 1947


الحقبة المكسيكية
تحتوي هذه الحقبة على 21 فيلم كلها تجارية وبعضها أفضل من بعض مع وجود أفلام خاوية من بينها »الكازينو الكبير« نفسه: ميلودراما موسيقية يصفها بونويل نفسه بأنها لم تعن له الكثير: "كان لديّ إثنين من أهم مغنيي الأرجنتين والمكسيك وكان لابد لي أن أجعلهما يغنيان"٠
El Gran Calvera | التهوّر الكبير
المتوفر على اسطوانات تحت عنوانه الإنكليزي
The Great Madcap
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أعتقد أن النجاح التجاري الذي حققه في »التهوّر
الكبير« جعله على ثقة من أنه يستطيع إنجاز
أعمال تجارية ذات قيمة فنيّة وأسلوب خاص. إذاً
نعم... كانت مناورة وكسبها٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا الفيلم الذي حققه سنة 1949 أفضل بقليل. كوميديا يقود بطولتها نجم السينما المكسيكية آنذاك فرناندو سولر المدمن على الخمر من بعد موت زوجته. حين تحاول عائلته (ممثّلة بأخيه) إنقاذه تدّعي الإفلاس بسببه ويصدّق لكن حين يكتشف الحقيقة يكون عرف معنى العيش فقيرا ويستهويه ذلك العيش٠
ما يمنحنا إياه بونويل في هذا الفيلم شخصية برجوازية تدعو للرثاء أوّلاً ثم للعطف بعد ذلك خصوصاً حين يجد أن العودة الى ثرائه لم يعد رغبته وأن الحياة مع بيئة فقيرة أكثر ثراءاً اجتماعياً ونفسياً من حياته السابقة٠ تأثير الأسلوب الهوليوودي التقليدي (حجم اللقطات. تنويعها تبعاً لتقليد سردي والمونتاج) واضح في هذا الفيلم كما في الأفلام المتوالية له٠

Los Olvidados | The Young and the Damned | الأحداث والملعونون
فيه من روح الواقعية الإيطالية مع عودة بونويلية الى شعائر سوريالية. المزيج ناجح يخلق فيلماً قيّماً ومختلفاً حتى بين العديد من أفلام الفترة. أعتقد أن النجاح التجاري الذي حققه في »التهوّر الكبير« جعله على ثقة من أنه يستطيع إنجاز أعمال تجارية ذات قيمة فنيّة وأسلوب خاص. إذاً نعم... كانت مناورة وكسبها٠

Los Olvidados

في مراجعتي لما كُتب عن هذا الفيلم طالعتني عبارة للناقد ج. هوبرمان تقول "لا يوجد فيلم أقل التباساً من هذا الفيلم بالنسبة لدلالاته أن الفقر أمر معيب"٠ لكن الفيلم لا يدعو للإلتباس مطلقاً. بونويل بالفعل لا يملك حسّاً عاطفياً هشّاً او ساذجاً للفقراء. لا يؤمن بأن الفقراء ودعاء وطيّبين. رسالته نقد الفقر من دون الكذب على الفقراء (او المشاهدين)٠ هنا قصّة فتى يهرب من الإصلاحية ويواصل ما كان بدأه قبل دخوله اليها من عنف منتقماً أولاً من الشاب الذي وشى به ثم من آخر شهده يقتل ذلك الشاب. نهاية الفيلم تزيل أي التباس: جثّة ذلك الفتى القاتل (بعدما أشبعها البوليس رصاصاً) تُنقل على عربة يجرّها بغل٠
رغبة بونويل في إحداث الصدمة كانت بدورها صادمة. الصحافة هاجمت الفيلم كذلك نقابات العمّال على أساس أن الفيلم يهين الطبقة الفقيرة. أحد كتّاب الفيلم رفع أسمه عن الفيلم بسبب قوّة المشهد الذي يقوم به الشرير بقتل الواشي (مشهد عنيف لا هروب منه او رجفة عين). النتيجة: النجاح التجاري الذي كان تنعّم به من قبل، تحوّل الى فشل ذريع٠


هوليوود | محمد رُضا
العلاقات العنصرية لا زالت بالأبيض والأسود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد تبدو الأمور مستتبة على صعيد العلاقات بين
الشعوب والعناصر البشرية. لكن الرماد لا يزال
ساخناً رغم المظاهر

Crossing Over

في أحد المشاهد الأولى من فيلم »جرّني الى الجحيم«، ذلك الفيلم الذي حاول أن يكون مرعباً وغاب عنه أن يكون جيّداً، نشاهد بطلة الفيلم آمي أدامز وراء مكتبها في أحد المصارف تنجز معاملة لزوجين شابّين: هي أميركية وهو ذي ملامح شرق أسيوية. قد يكون عربياً او هنديا. هذا لا يهم لأن المشهد مهتم بقول شيء آخر: الموظّفة تخدم عملاءاً أجانب سعداء بانفتاحها ومقبلون ناجحون على الحياة الزوجية. نعرف ذلك من خلال الإبتسامة العريضة على محيا كل من الزوجين ومع تطمينات الموظّفة بأن كل شيء سيكون على ما يرام٠
لكن هذا المشهد ديكوراتي لا ينعكس على حالات أخرى ولا حتى حقيقة أن الولايات المتحدة انتخبت أول رئيس جمهورية من أصول أفرو- أميركية. ليس أن هناك أفلاماً عنصرية كثيرة، لكن ما هو هناك قدر من الأفلام التي لم تحل بعد المسائل العنصرية في الجزء الخلفي من رؤوسها. تلك المسائل لا تزال تفقع كما »البوب كورن« الذي يبيعونه في الصالات قبل العرض٠

أحد آخر الأفلام التي نرى فيها حالات عنصرية نصف متوارية هو فيلم للمخرج ستيف شيل بعنوان
Obsessed
عن تلك السكرتيرة المؤقتة البيضاء (آلي لارتر) التي تنضم لمكتب رئيس إدارة أسود (ادريس إلبا) وتحوم حوله من اللحظة الأولى محيطة إياه باهتمام بالغ وبابتسامة مغرية ورغبة لا تحتاج الى الإعلان. لكن رئيس المكتب متزوّج من المرأة الأفرو أميركية أيضاً (بيونس نولز) وسعيد في حياته الزوجية. لكن هذا لن يكون سدّا منيعاً والأحداث تتوالى من خلق صراع اخلاقي بين المواقف والرغبات٠
من البداية يلعب الفيلم على واقع الأبيض والأسود. الأسرة سعيدة لكن هل هذا يمنع الأفرو- أميركي من التجاوب لتلك المرأة اللعوب؟ السؤال الثاني على الفور هو كنه تلك النتيجة السلبية التي ستحظى بها السكرتيرة في نهاية الفيلم، والتي هي بمثابة المفاد او الدرس الذي على المشاهد أن يستوعبه. المفاد هو أن العلاقة بين الأجناس خطأ وأن ذوي البشرة السوداء عليهم أن يرضوا ببعضهم البعض، والمرأة البيضاء التي قد يستهويها الرجل الأسود سوف تنتهي نادمة على خياراتها٠
ليس فقط أن هذه الرسالة لا تستند الى واقع فهو مليء والثقوب ما يجعل القاعدة السائدة عبارة عن استثناءات كثيرة، بل أيضاً هو خطاب في العنصرية قديم ومتآكل٠
هناك قراءة أخرى للفيلم: المرأة البيضاء هي خطر على حياة السود. لكن ما يعنيه ذلك لا يقل عنصرية انما من وجهة نظر أفرو-أميركية ومغزاه يؤدي الى ذات المفهوم الوارد في القراءة الأولى وهو أنه من الأولى أن يحافظ كل عنصر على لون بشرته عن طريق الزواج ممن هم من ذات اللون٠

قبل هذا الفيلم بأسابيع قليلة شاهدنا عملاً يحاول أن يطرح الموضوع بسواسية مثيرة للريب. إنه فيلم
Crossing Over
او »تجاوز« الذي أخرجه واين كرامر (أيضاً جديد في ركب المخرجين كما الحال مع ستيف شيل) ومحوره مثير للإهتمام: عدة قصص تدور حول الخليط الأميركي غير القابل للذوبان. فالمعروف أن عبارة
Mixing Pot
هي التي سادت لحين طويل في وصف المجتمع الأميركي القائم على تعدد العناصر والأعراق البشرية الموجودة فيه من عرب ومكسيكيين وآسيويين شرقيين وهنود وسود وبيض٠ لكن هذا الفيلم أراد القول أن الخلطة غير سليمة وأنه بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر لابد من إعادة النظر في القوانين التي تتيح للمهاجرين (وجلّهم حسب الفيلم لا يؤمَن لهم) الإختلاط بالمجتمع الأميركي طالما أنهم لا يزالوا محافظين على تقاليدهم »البالية« و»المتوارثة«٠
المثال الوارد في الفيلم عائلة من الإيرانيين- الأميركيين المنشقّة على نفسها: الفتاة متحررة. الشقيق والأب متزمّتان. لم لا يقتلانها غسلاً للعار؟ الأفدح من ذلك أن القتل تم بمعرفة شقيق ثان يعمل في البوليس لجانب بطل الفيلم (الأبيض) هاريسون فورد٠
عائلة مسلمة أخرى، هذه باكستانية او أفغانية، تكتشف أجهزة الأمن أن إبنتها الشابّة التي ترتدي رداء الرأس من الحجاب في المدرسة، لديها ملفّات على الكومبيوتر ومواقع تُعتبر خطراً على الأمن القومي. القرار لا بسجنها الى أن يتم اصدار حكم ما بشأنها فقط، بل أن ذلك الحكم ينضوي على إرسالها وأمها الى حيث جاءتا. هذا، في رسالة الفيلم، خير طريقة للحفاظ على الأمن من .... المسلمين!٠
وليست كل الحكايات عن مسلمين٠
في الفيلم نماذج أخرى أحدهما نموذج لعائلة كورية منقسمة أيضاً على نفسها إذ أن الإبن الأصغر قابع تحت ضغط العصابة الكورية وسوف يشترك بجريمة سرقة لمحل لكي يبرهن على أنه ليس الإبن المدلل الوجل والخائف من العائلة. خلال تلك العملية يعترضه تحر آخر من أصل آسيوي يحاول إنقاذه من القبض عليه بسبب سنّه وكون الجنحة هي الأولى، ولأن عائلته ستقسم يمين اللواء الى أميركا في اليوم التالي حين تستلم هويّاتها الأميركية التي حلمت بها. في تجنيبه المزالق فعل خير وحكمة من ناحية لكنه خروج عن القانون من ناحية أخرى٠

هذا الفيلم ما هو الا صدي لفيلم سابق أخرجه بول هاجيز بعنوان »صدام« سنة 2004 (غير فيلم اخر بنفس العنوان لا يعنينا هنا من إخراج ديفيد كروننبيرغ) وقام ذلك الفيلم على تعدد الحكايات في الفيلم الواحد كما على تعدد الأصول العرقية لمن فيه: هناك الزوجان الأفرو- أميركيّان اللذان يشهدان تجربة مرّة من الضابط العنصري (مات ديلون) الذي تحسس الزوجة من دون أن يتحرّك الزوج محتجاً. وهناك
المكسيكيين الآلين الى الجريمة والثنائي من السود الذين آلوا قبل ذلك الى الجريمة. ثم هناك صاحب المحل المسلم الذي لا تود شراء أي شيء من دكانه نظراً لطريقته المستهجنة في الحياة والتعامل ولريبته المسبقة في كل شيء »حضاري« او »مختلف«٠
الحقيقة أن المسألة العنصرية لم تُحل بعد لا في الحياة ولا في السينما، لكن إذا ما كانت السينما مرآة عاكسة فإن الرأي الذي يمارسه المخرج عبرها هو الذي عليه أن يجعلها مرآة ناطقة تهدف لتغيير السيء وتبديل الملامح السلبية للمجتمع بأخرى إيجابية٠ وسنرى أن أفلاماً قليلة جدّاً هي التي تفعل ذلك٠
أحد هذه الأفلام القليلة جدّاً هو »غران تورينو« لكلينت ايستوود٠
في شتّى أفلامه السابقة، لم ينس ايستوود التعامل مع الأقلّيات: في كل فيلم من سلسلة »هاري القذر« التي كانت من بين أولى نجاحاته الشعبية هناك مساعد له من الأقليات: أسود في فيلم، لاتيني في فيلم آخر وآسيوي في فيلم ثالث. وحين لم يعد هناك أقليّة يمكن الإستعانة بها وضع امرأة كمساعدة. في تلك الأفلام، ووصولاً الى »غران تورينو« (آخر أفلامه وعرض في مطلع هذا العام) نجد أنه ينتقد نفسه بنفسه٠ يقدّم صورة مثالية لمن يخاف الآخر او يخشاه لذلك يحاول وضع حاجز يبعده عنه لكنه يدرك مع ختامات الفيلم ان يكن لهذا الطرف الآخر تقديرا واجباً٠
في »غران تورينو« لخّص كل هذه الأمور في حكاية حول ذلك المواطن العجوز الذي شهد عبر السنين كيف تحوّل الحي الذي يسكنه من أبيض الى ملوّن. جيرانه اسيويين وقريباً منه مرتعاً لعصابات مكسيكية وأخرى أفرو- أميركية. لكن الفيلم ليس عن كيف سيواجه العصابات لأن الموقف من تلك العصابات محلول في الوعي الباطني لدى المشاهدين. ما يدور الفيلم عنه هو كيف سيواجه ذلك الرجل نفسه وسينتصر على تحفّظاته وعنصريته ويتعاطى، وللمرة الأولى، مع العنصر الآخر وبل سيضحّي بنفسه لأجل أن تعيش مطمئنة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Jun 19, 2009

ISSUE 430 | عودة مهرجان باريس | السينما الجزائرية | اختطاف بلهام | ماري أنطوانيت

هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصديق محمد العسكري بعث لي مشكوراً بموقع استطيع من خلاله مشاهدة فيلم لوي بونويل
Land Without Bread
ما تطلّب تأخير حلقة هذا الأسبوع لكي تشمل تعليقاً على الفيلم الذي -كما ذكرت في العدد الماضي- لم أشاهده بعد. هذا يفسّر سبب غياب بونويل اليوم٠
لكن العدد لا يزال ثرياً٠ نديم جرجورة يكتب عن »اختطاف بلهام 123« وميسر المسكي يعود بنا الى فيلم لم ينل حقّه من الإهتمام حين عُرض عالمياً سنة 2006. أنا أدلي بدلوي في موضوع السينما الجزائرية مستوحياً مادّته من بعض (وليس كل) ما شاهدته مؤخراً من أفلام. ومن أخبار هوليوود الفيلم الجديد الذي يرتدي فيه الممثل روبرت داوني جونيور ثياب التحري شرلوك هولمز. لم أشاهد الفيلم بعد لكن فيه ما يبعث على الريب في أن ثياب الشخصية جرى توضيبها لتناسب سينما الأكشن ما ينسف عالم هولمز نسفاً٠

أصداء | ملاحظات وتعليقات حول سينما اليوم وتياراتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفاجأة سارّة ... أخيراً: عودة مهرجان السينما العربية في باريس بعد غياب ملموس٠
...................................................................................


استقبلت بسعادة غامرة النبأ الذي زفّه الناقد الصديق صلاح سرميني لي يوم أمس (وهو يوم ذهبت فيه الى طبيب الأسنان ولم يتح لي مطالعته الا لليوم) ولعدد كبير من المعارف والمهتمّين بشؤون الفن السابع والذي جاء فيه خبر إنشاء "جمعية السينما العربية- الأوروبية " التي ستعرف لاتينياً بإسم
ACEA
وتهدف الجمعية التي تأسست في باريس حديثاً الى الإنتاج السمعي البصري بين الدول العربية والإتحاد الأوروبي من جهة وبين البلدان العربية فيما بينها من جهة أخرى. كما تسعى لنشر معرفة أفضل بالآخر من خال إقامة عروض منتظمة وتظاهرات دورية للأعمال الفنية في مجال الفن السابع، "أكان ذلك من شمال او جنوب المتوسّط، كما ستتيح نشاطات الجمعية تكوين جمهور جديد تشد اهتماماته بأعمال سينمائية عربية وأوروبية قليلة التوزيع" كما ورد في الإعلان المرفق٠
لا يقل أهمية عن كل ذلك، التحضير لمهرجان سنوي مخصص للسينما العربية في باريس، وذلك بعد توقف البينالي الذي كان المعهد العربي يشرف عليه منذ عامين0 الدورة الأولى من المهرجان سيقام في العام المقبل ٠
ويوجز البيان الأهداف على النحو التالي

ـ التحضير العمليّ لمهرجانٍ سنويّ في باريس مخصص للسينما العربية
ـ الدفع بالقطاع السينمائيّ, والسمعيّ/البصريّ المُتوسطيّ, والعربيّ, والأوروبي إلى الأمام, من خلال التعاون بين العاملين في المُؤسّسات الحكومية, والخاصة٠
ـ تشجيع نقل التكنولوجيا, والخبرات الفنية, والتقنية بين ضفتيّ البحر المُتوسط
ـ تسهيل تدريب أجيالٍ جديدة من مُبدعي الأفلام, والفيديو عن طريق تنظيم ورشاتٍ عملٍ تدريبية لمُختلف المهن المُتعلقة بالسينما, والوسائل السمعية/البصرية, والوسائط المُتعددة٠
ـ تشجيع التعاون بين المُنتجين, والمُوزعين على المُستوى الأوروبيّ/المُتوسطيّ, والأوروبيّ/العربيّ
ـ الحفاظ علي التراث السينمائي, والسمعيّ/البصريّ للمنطقة، والدعوة إلى إنشاء أرشيف عربي
ـ تنظيم العروض, وانتقال أفلام المجموعة الأوروبية, والشركاء من البلدان المُتوسطية, والعربية من خلال تنظيم الأسابيع, والتظاهرات, واللقاءات الاحترافية في مدنٍ مختلفة للمنطقة ٠
ولتحقيق هذه الأهداف...٠
يدعو مجلس إدارة جمعية السينما العربية الأوروبية (ACEA) كلّ الفاعلين في المجال السينمائيّ, ومهما كانت تخصصاتهم العملية، أو النظرية بأن تتكاتف جهودهم، وخبراتهم، ومعارفهم، وتتضافر من أجل تكوين شبكةٍ من السينمائيين، والنقاد، ومحبي السينما
كما تُرحب بكل الأفكار، والاقتراحات، ومشاريع التعاونٍ بين الجمعية، والمهرجانات، والمُؤسّسات الخاصّة، والعامة، والجمعيات السينمائية العربية، والأوروبية٠

وتطمح الجمعية بأن يكون موقعها الإلكترونيّ
www.cinemaeuroarabe.com
نافذةً لتبادل الأخبار، والمعلومات، ونشر، وتطوير الثقافة السينمائية (الموقع بصدد التحرير، غير ظاهر للجميع حالياً)٠
ويُرحب مجلس الإدارة بكلّ المُساهمات, والكتابات الخبرية، والنقدية التي تتوافق مع أهداف الجمعية، ولا تُمانع حالياً من إعادة نشر أخبار، ومقالاتٍ منشورة في منابر صحفية، وإعلامية أخرى٠
وذلك حسب ما ورد في البيان نفسه٠

خطوة رائعة بلا ريب تقودها ماجدة واصف. سيّدة ذات خبرة ودراية وناقدة مارست العمل السينمائي منذ عقود ثم ترأست مهرجان السينما العربية لسنواته المديدة وكان أفضل مهرجان سينمائي عربي يعقد وراء الحدود العربية الى اليوم٠ كل المحاولات التي سبقت توقّفه او تبعته جداول صغيرة قياساً بتاريخه وبما أنجزه والصيت الجيّد الذي أحدثه وتجاه الخبر التي يتمتّع بها٠
لجانب الزملاء صلاح سرميني ووماري كلود بهنا وهدى إبراهيم وزينة توتنجي وهؤلاء من أعرفهم معرفة تخؤلني الثقة بخبراتهم٠
مبروك وبإنتظار بدء النشاطات الي أعتقد ستكون بوزن القائمين عليه٠

فيلم | نديم جرجورة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
The Taking of Pedham 123
تنطلق العروض العربية لفيلم توني سكوت الجديد "إختطاف
بلهام 123" ، وهذا تقييم الزميل له مشيداً بخلفية مخرجه
.......................................................................................


أخرج توني سكوت عدداً لا بأس به من الأفلام المميزة شكلاً ومضموناً خصوصاً على مستوى التشويق والعنف المرتكزين، الى حد ما، على قراءة درامية معمّقة للحالة الإنسانية المرتبطة بهما. فهو باتّخاذه جانباً مشابهاً للنمط السينمائي الذي اعتمده شقيقه المخرج ريدلي سكوت، حاول أن يصنع لنفسه مكانة خاصّة به، بسعيه إلى ابتكار سلوك إبداعي جمع قوّة الحركة (مطاردات بوليسية، أعمال أمنية واستخباراتية، عالم الجريمة وتورّط العصابات بأعمال عنف قاسية، إلخ.) بملامح انفعالية وعشق إنساني جميل. وهو، بتنوّع نتاجه داخل إطار واحد عنوانه «التشويق السينمائي»، حقّق معادلة البُعدين الدرامي والجمالي والنسق التجاري إلى حدّ معقول وجماهيري٠

فيلم »خطف بلهام 123» إذ يعتمد على قصّة عادية للغاية لا تخلو من نقد واضح لأنماط العيش في مدينة نيويورك بلغة غاضبة، يبرهن مجدّداً على البراعة الفنية لتوني سكوت في جعل التشويق أحدّ وأجمل في تعبيره عن منطق الصراع بين الخير والشرّ، إذا أراد المشاهد إيراد هذه الثنائية في تفسيره الحياة وتفاصيلها. فعلى الرغم من أن رايدر (جون ترافولتا) يتفوّه، غالباً، بعبارات موحية بلغة دينية مسيحية (كاثوليكية تحديداً)، فإن غريمه والتر غاربر (دنزل واشنطن) يوازن خطابه بالتزامه اللاديني (إذا صحّ التعبير)، بل الأخلاقي المبطّن. ذلك أن الأول متمرّد على غدر السلطات المحلية له (يُمكن ( الاسترسال إلى أبعد من هذا، بالقول إنه متمرّد على إيمان وتقوى اختبرهما ذات مرّة في حياته)، باستيلائه على قطار وبأسره أبرياء (هل هناك أبرياء في هذا العالم المعجون بالعنف والأخطاء الآيلة إلى ارتكاب معاصّ وخطايا؟) للمطالبة بفدية مالية لها مردود مالي أكبر بكثير من المتوقّع. والثاني محاصر بوظيفة (مراقب في إدارة القطارات) أصغر من سابقتها (مندوب لشراء قطارات)، إثر إشاعة قاسية حول تقاضيه رشوة لقاء توصيته بشراء قطارات يابانية. لكن العلاقة التصدامية بينهما لم تكن مقصودة: اتصل الأول بإدارة القطارات، فردّ عليه الثاني. صدفة بحتة انفتحت على تشريح قاس لجوانب العيش في هذه البقعة الجغرافية، وعلى تحليل عميق للبنى الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والمالية المتحكّمة بالناس. وهذا كلّه في إطار حبكة درامية عادية للغاية، لكنها مشغولة بحرفية واضحة في جعل التشويق متماسكاً، والنصّ مفتوحاً على العوالم الإنسانية والسلوك الأخلاقي والتفاصيل الحياتية٠
إذا أبدع توني سكوت في إمساكه خيوط اللعبة التشويقية منذ جينيريك البداية، فإن الأداء المتنوّع لممثلين مختلفي الأنماط (هناك، إلى جانب واشنطن وترافولتا، جون تورتورو وجيمس غاندولفيني وآخرين) حافظ على نسق قريب من النفسيات المتناقضة للشخصيات. ولعلّ جون ترافولتا أكثرهم غضباً وتوتراً وحنقاً، لأن رايدر مغبون وضائعٌ في متاهة العيش وسط كمّ هائل من الفوضى والفساد والتسلّط، من دون التغاضي عن مبالغة ظهرت واضحة، أحياناً، في أكثر من حالة أو مشهد؛ على النقيض التام لدانزل واشنطن، إذ إن والتر غاربر أكثر انزواء وبساطة (في الشكل على الأقلّ) بسبب الاتهام المبطّن وغير المثبت، من دون تناسي إمكانية أن يعتمل الغضب في ذاته بقوّة أكبر من رايدر، فآثر الرجل، المتزوّج والساعي إلى إدخال ابنه إلى جامعة محترمة، أن يضبط غضبه ويتّخذ شكلاً هادئاً أمام الجيمع. أما تورتورو، فأدّى دور المحقّق كامونيتّي المتخصّص بالمفاوضات مع محتجزي الرهائن، فظلّ عادياً للغاية، تماماً كعمدة المدينة غاندولوفيني.
من الناحية التقنية، بدا الفيلم متماسكاً بشدّة، ومثيراً لحالة من الضغط النفسي، قد تجذب مهووسين بهذا النمط من التشويق. لكنها حالة غير مبتكرة، وإن حافظت على أدواتها وجمالياتها؛ وصورة غير جديدة عن نفسيات وعقليات متناقضة ومتصادمة، وإن رُسمت بحرفية متينة. بهذا، استعاد سكوت أدواته القديمة، شكلاً ومضموناً: تشويق مغلّف بأسئلة وجودية وأخلاقية وإنسانية وحياتية لا تزال معلّقة، أقلّه بالنسبة إلى كثيرين

فيلم | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Marie Antoinette

يجد الزميل ميسر المسكي فيلم صوفيا كوبولا "ماري
أنطوانيت" كإطلالة المخرج الخاصّة على ملكة فرنسـا
وليس على تاريخ الثورة٠
......................................................................


ماذا لو قصدتَ صالة السينما لتشاهد فيلما عن "ماري أنطوانيت" ،كما يقول عنوان الفيلم، لتكتشف بعد ذلك أن الفيلم ليس عن ماري أنطوانيت. على الأقل ليس ماري أنطوانيت التي طالما قرأتَ عنها في كتب التاريخ. لذلك لا تعتمد على هذا الفيلم للإجابة على سؤال عن أسباب الثورة الفرنسية لو كان لديك إمتحان مادة التاريخ في الثانوية العامة في اليوم التالي٠
كوبولا هنا تـُطلّ برؤيا خاصة على سيرة الأميرة النمساوية اليافعة التي وجدت نفسها يوما زوجة لوليّ العهد الفرنسي و من ثمّ ملكة فرنسا التي أنتهت على مقصلة الثورة٠
الفيلم، بصريا ، يتأرجح ما بين "دانتيلا" تذوب نعومة و تشي بروح ٍ سريعة الإنكسار، و ما بين "بروكار" مُترف و مزهو بقسوة خيوط الذهب التي تطرّزه. و في الحالتين تحيك صوفيا كوبولا، التي حازت ترخيصا كامل الحرية للتصوير في قصر فرساي، فيلما جمال الصورة فيه يحبس أنفاسك. عين بالغة الحساسية للون والتكوين بحيث يصبحان جزءا لازما لرواية مناخات البلاط الفرنسي المترفة و القاسية في آن. و عبرهما نكتشف مزاج الشخصيات في إنكسارها كما في زهوها٠
حفنة من الوقائع التاريخية تـُلبسها كوبولا إكسسوارا معاصرا من خلال موسيقى "البوب" و حوارات يقولها الممثلين بلهجة إنكليزية تبدو طالعة من شوارع نيو يورك اليوم! كوبولا لا تريدنا أن نندمج في سيرة تاريخية توثيقية، بل فيلمها هو إطلالة معاصرة على محنة إمرأة أعتقد الناس يوما أنها أمتلكت الدنيا٠

في نهايات القرن الثامن عشر توصلت فيينا و باريس لتحالف بينهما لمواجهة روسيا و بروسيا (ألمانيا حاليا )٠
جزء من صفقة هذا التحالف كان تزويج الأميرة النمساوية اليافعة (أربعة عشر عاما ) من ولي عهد فرنسا لترسيخ هذا التحالف و لتأمين إنجاب ولي عهد ٍ جديد للبيت الملكي الفرنسي٠
فجأة وجدت هذه الأميرة الصغيرة السنّ نفسها في خيمة ملكية على الحدود بين النمسا و فرنسا حيث تمّت إجراءات تسَلم و إستلام "الشحنة" الملكية عبر الفحص المـُذلّ لـ ماري أنطوانيت للتأكد من عذريتها، و حيث يتمّ سلبها كلبها النمساوي الصغير لإن "عليها نسيان كل ما هو نمساوي". و هي على كل حال سيكون بإمكانها لاحقا "الحصول على قدر ما تريد من كلاب ...فرنسية" عبارة ترهص بالآتي من الحياة في البلاط الفرنسي٠
منذ ذلك اليوم و إلى يوم صعودها منصّة المقصلة بعد حفنة من السنين حيث تلقى حتفها، لم تمتلك ماري أنطوانيت الكلمة الأخيرة في إدارة حياتها كما لم تستطع أن تراوغ مصيرها البائس. هي كانت أسيرة محيطها الهاذي في بذخه الماجن والقاسي في وحدته و خواء روحه و إنفصاله السوريالي عن ما يحيط به من حياة "حقيقية"٠
يوم وصولها الأول إلى قصر فرساي، تترجل ماري أنطوانيت من عربتها لتصعد سلالم القصر العريضة حيث أصطف ّ على الجانبين النبلاء بلباسهم المـُبالغ في ترفه و وجوههم (نساء و رجال على عادة ذلك الزمن) المتوارية خلف مكياج ثقيل من خلاله تلمع عيونهم متفحصة القادمة الجديدة إلى عالمهم المـُغلق على ذاته.نظرات فيها من هذا المناخ المـُفعم بالنميمة المـُطرزة بالدانتيل و الحرير الفاخر و الإبتسامات المراوغة سرعان ما سيخطف الأميرة من براءة مراهقتها فتستسلم له، بل و ستتمرغ في مجونه حتى الثمالة... أم نقول حتى المقصلة؟
وحين لا يجد ولي العهد الفرنسي، المولع بصنع الأقفال و المفاتيح، مفتاحا لإستكمال واجبه الزوجي بهدف إنجاب ولي للعهد، يصبح الأمر مقلقا في البلاط و طريفا لنا كمشاهدين حيث تحضر حاشية القصر كل يوم لتفتح ستارة السرير الفاره على أمل الخبر السعيد بإن الزواج قد تمّ فعليا . لكنهم لا يجدون إلا ّ الأميرة اليافعة وحيدة وعلى وجهها إبتسامة تراوح بين الحرج و البراءة.
إعراض زوجها عن إتمام واجبه الزوجي و بالتالي عدم إنجابها، و مكائد قصر فرساي تبدأ بإرهاق الأميرة التي تزداد وحدتها... ومجونها. و في مشهد جميل (سنعود لنشاهد مثيله خلال الفيلم) تودع ماري أنطوانيت زوجها الذاهب في رحلة صيد و تتوسله أن يألف فراش الزوجية حين يعود. يعدُها بذلك و يغادر. ماري أنطوانيت تبقى ترمقه من الرواق السابح في عتمة ٍ هي على تناقض مع ضوء النهار الساطع في الخارج


مع وفاة لويس الخامس عشر و صعود ولي العهد للعرش ليصبح لويس السادس عشر، تـُصبح قضية عذرية الملكة ماري أنطوانيت مسألة يلوكها نبلاء فرساي، بل و تشارف على أن تصبح أزمة سياسية بين باريس و فيينا.
من سيرة التاريخ نعرف أن لويس السادس عشر قد وجَدَ أخيرا مفتاحه إلى إخصاب زوجته ثلاث مرات و أن أحد أولادهما قد توفي في سني عمره الأولى. و من سيرة التاريخ أيضا نعرف أن الإنفاق الهاذي ببذخه في بلاط فرساي و المساعدات الباهظة للثوار الأميركيين في ثورة إستقلالهم ضد الإمبراطورية البريطانية وضعا مزيدا من الضرائب على كاهل الشعب الفرنسي المـُعدم أصلا .فلم يكن الأمر إلاّ مسألة وقت قبل إنفجار... الثورة.
عَابَ العديد من النقاد على فيلم كوبولا أنه لم يُظهر السياق التاريخي لتطور الأحداث التي قادت لخلع أسياد فرساي. بل أن الثورة لا نراها بل نسمع بها عبر تواتر الأخبار إلى القصر. في مشهد واحد فقط و عند نهاية الفيلم تقريبا نرى الجموع تحت شرفة القصر تهتف بسقوط الملكية.
بعدها نرى ماري أنطوانيت تودع حاشيتها التي تفرّ من القصر و تبقى هي وحيدة في الردهة التي تضيئها الشموع٠

كما قلنا منذ البداية تريدنا صوفيا كوبولا أن ندخل إلى إطلالتها الخاصة على ماري أنطوانيت، فهي قد أغلقت قصر فرساي على ذاته و في داخله ذلك الرهط من النبلاء اللذين أختاروا أن يغمضوا أعينهم عن مصيرهم المـُتربص بهم خارج أبوابه.
القصر بحدّ ذاته يصبح تعريفا للمرحلة و للنبلاء اللذين يرتادونه. هيبته، ضخامته، جدرانه الحجرية القاسية ترسم إيحاءات البروتوكول القاسي. و برودة ردهاته الواسعة أسبغت برودتها على أرواح قاطنيه و مرتاديه فما عادوا مكترثين بعذابات الناس خارجه. فرساي هنا ليس مكانا تدور فيه الأحداث بل هو جزءا منها و فيها. فهذا المكان المتباهي بعجرفة فخامته كما بعجرفة رواده قد أغلق على الناس في الخارج رؤية مجون و مكائد قاطنيه، لكنه أيضا قد أغلق على قاطنيه رؤية حال البؤس المزرية لمن أعتبروا فرساي فيما بعد رمزا للفساد٠
لقد أستخدمت كوبولا القصر بشكل رائع في التعبير عن حالة شخصياتها. فحين تعود ماري أنطوانيت مكسورة من مغامرة عاطفية قصيرة (غير مؤكدة تاريخيا ) مع فارس سويدي، نراها تصعد سلالم القصر الهائلة الإتساع، فيما تتراجع الكاميرا قليلا لنرى القصر الطاغي بإتساعه، فـ ندرك وحدة ماري أنطوانيت القاسية٠
و في مشهد سابق نرى الأميرة في أول أيام وصولها إلى فرساي تخرج إلى إحدى شرفاته. تتراجع الكاميرا ببطء لنشاهد عمودين حجريين ضخمين يؤطران الكادر و واجهة حجرية ضخمة تتسع و تستمر خارج الكادر فيما ماري أنطوانيت لا تزيد عن تفصيل بشري صغير في إطار ٍ حجري مهيب... وبارد. و نعلم من حينها أن الأميرة النمساوية القادمة إلى البلاط الفرنسي لن يمكنها أن تغير شيء فيه بل ربما سترضخ لكل شروطه التي ستوصلها إلى هتاف رعاع الثورة ضد "الجاسوسة" النمساوية فيما المقصلة تفصل رأسها عن جسدها٠

مشهد الإعدام أبقته صوفيا كوبولا خارج الفيلم كما تلك القضية الشهيرة (قضية العقد..و هذه الفضيحة هي موضوع فيلم آخر تلعب فيه هيلاري سوانك دور البطولة) التي شوهت جزءا كبيرا من سيرة ماري أنطوانيت٠
فالمخرجة أفترضت (و أعتقد أنها على حق) أن الناس تعرف ماذا حَلّ بماري أنطوانيت كما أن الناس لديهم فكرة عن الخلفية التي قادت الفرنسيين لإسقاط الملكية. هذا بالإضافة إلى أنها لا تصنع هنا فيلما تاريخيا ، لذلك نرى أنها لا تترك فرصة لإضافة عنصر من القرن العشرين على قصة من القرن الثامن عشر. موسيقى بعبارة: "ليس فيه شيء حقيقي." كما أن أحد الأحذية النسائية في الفيلم يحمل ماركة شهيرة معاصرة. و منذ البداية تريدنا كوبولا أن لا نتواطأ مع الفيلم كعمل تاريخي- توثيقي، فلقطة البداية هي لـ كريستن دنست (التي تلعب دور ماري أنطوانيت) مستلقية على كرسي طويل، تلتفت كريستن إلى الكاميرا، تبتسم على بعض الغواية، ثم تعود إلى إسترخائها. و كأنها تقول لنا أنها تعلم بوجودنا و أن الحكاية كلها....حكاية!لو أنك تعرف القليل أو الكثير، أو لا تعرف شيئا أبدا عن ماري أنطوانيت يبقى فيلم صوفيا كوبولا بهجة للنظر و ممتعا بمناخاته و بعدم أخذ نفسه جديا على أنه فيلم تاريخي. بعض المشاهد في فيلم كوبولا تبدو و كأنها خارجة من كتاب مرجعي للرسم الكلاسيكي مع بعضا من روح الإنطباعية الحديثة٠
لم يلق الفيلم ترحيب الجمهور الفرنسي و لا النقاد الفرنسيين حين أطـَلّ عليهم في عرضه العالمي الأول في مهرجان كان العام 2006

تحقيق | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين واقع السينما الجزائرية وطموحاتها البعيدة
نتائج فنية وسياسية مختلفة حققتها الأفلام الجزائرية مؤخراً في محاولة منها للعودة رغم المعيقات المحيطة بها٠
...................................................................................



أثارت عودة المخرج الجزائري أحمد الراشدي الى السينما اهتماماً كبيراً على أكثر من صعيد. ففي نهاية العام الماضي، قدّم المخرج المخرج فيلم عودته الى العمل في حقل السينما الجزائرية، وهذا بحد ذاته -ونسبة لكونه من بين مؤسسي السينما الجزائرية في مطلع الستّينات، كان حَدَثاً مهمّاً على ساحة تلك السينما. لكن أيضاً هناك الموضوع الذي اختاره والإنتاج المكلف، قياساً بالإنتاجات المحلية، الذي تكبّده الفيلم وحقيقة أنه مشروع وافق عليه رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليقة ورعته الحكومة. وإذا لم يكن كل ذلك كافياً، فإن الموضوع بحد ذاته يدور حول أحد مجاهدي الثورة الجزائرية أيام حرب الإستقلال في الخمسينات٠
عنوان الفيلم هو إسم بطله»مصطفى بن بولعيد« ويروي مراحل نضاله في قرابة ثلاث ساعات مرصوفة على ذات البناء الهادف لتشييد حالة إعلامية بخصوص الشخصية الرئيسية والفترة التي قضاها في خنادق القتال ومجابهاته مع الفرنسيين التي أدّت الى اعتقاله بعد سنين طويلة من الحرب وهربه ومواصلة كفاحه صوب الحريّة٠

السينما الجزائرية كانت طلّقت مثل هذه المشاريع منذ أن طرأت التغييرات المعاصرة على المجتمع الجزائري فأطاحت بجملة من المفاهيم التقليدية والطموحات الثقافية فتم تحويل السينماتيك الجزائري، وكان الأبرز والأكثر شهرة وبل، ربما الوحيد المتوفّر، الى مجرد مخزن قديم والتوقّف عن دعم السينما الجزائرية عن طريق المعونات والمنح التمويلية وفي العام 1998 أصدرت الحكومة الجزائرية قرارات ثلاث أغلقت على أثرها ثلاث مراكز صناعية طالما كان لها دورها في الثقافة السينمائية هي المؤسسة الوطنية الجزائرية للإنتاج السمع-بصري، والمركز الجزائرية للصناعة والفنون التصويرية والوكالة الوطنية للأحداث المصوّرة٠

لم يكن ذلك سوى تمهيداً، كما ذُكر آنذاك، لنقلة جديدة في السينما الجزائرية يتم على أساسها أعادة ترتيب أوضاع والإنطلاق في مسيرة جديدة للسينما الجزائرية، لكن سرعان ما تبدّى، وللأسف من بعد إغلاق المراكز الثلاث وليس قبلها، أن الإتجاه الحكومي لدعم السينما ماديّاً ضمن معطيات السوق ومعادلاته لن تعود على الجهة المموّلة بأي أرباح٠

المفهوم الحكومي للدعم الذي مورس في بعض الدول العربية خلال الستينات والسبعينات، ومن بينها الجزائر، كما كان مورس في دول أوروبية (غربية وشرقية) وأميركية لاتينية، هو أن الحكومة لا تنتظر أرباحاً. أي هي ليست في هذا الركب لتكون منتجاً تجارياً. رغم ذلك، فإن قراراً ضمنياً تم تفعيله وهو أن لا تبادر الدولة الى تمويل المشاريع السينمائية٠
في هذا، رأي عدد من النقاد والمثقّفين الجزائريين، التقاءاً غير محسوب ولا مخطط له، مع التطرّف الإسلامي في البلاد الذي ينظر الى السينما كبدعة وضلالة. لقد خدمها القرار ولم يبق سوى استكمال حركة كانت بدأت قبل ذلك بسنوات حيث تقلّص عدد دور العرض في العاصمة الجزائرية (ونسبة لظروف كثيرة بعضه لا علاقة له بأي قرار) الى ما لا يزيد عن ثلاثين صالة في شتّى أنحاء البلاد وهي شاسعة٠

جماليات محسوبة
فيلم أحمد الراشدي بدا لمشاهديه الترجمة الوحيدة للسبب الذي من أجله قد تقدم الحكومة في بلد ما توقّف عن تدبير حلول لأزمة الفن السابع على إنتاج فيلم معيّن وهو أن يعود الفيلم ببعض الوهج القديم لمسيرة الثورة الجزائرية لعله يصب في خانة الوضع الراهن إنما من وجهة نظر رسمية٠
الفيلم بحد ذاته ليس سيئاً والمخرج عمل طويلاً في الأفلام أيام ما كان الإستقلال لا زال حديثاً وكانت السينما تعمل بجد على التعامل مع الثورة وحرب الإستقلال ورجالاتها. من مطلع الستينات أخرج »فجر الملعونين« و»الأفيون والعصا« ولاحقاً »في في بلاد العجائب. وهو من جيل محمد لخضر حامينا وعمّار العسكري ومحمد بوعماري٠
ويبرز المخرج جماليات المكان (المناطق الجبلية العالية) ويسترجع الفترة الزمانية على نحو جيّد معيداً، عبر الأحداث، المرحلة التي كانت فيها السينما الجزائرية تتوخى، عبر الحديث عن الإستقلال والتضحيات التي بذلت فيه، الكشف عن مشاكل الثورة من الداخل. في فيلمه هذا نجد بعضها على صعيد تعاون البعض مع العدو، والتجاذب التي أحدثه غياب بن بولعيد خلال الفترة التي قضاها في السجن، ما نتج عنه تناحر فئات واقتتالها رغبة في تولّي كل فئة صدارة النضال ولأسباب لا علاقة لها بالنضال أساساً٠
على أن الفراغ الثقافي والإنتاجي الذي تعاني منه السينما الجزائرية لم يبدأ مع التغيُّرات التي تمّت قبل نحو عشر سنوات، بل هو أشبه بمنطقة كانت خضراء ثم انحبس المطر عنها فتجرّدت٠ لذلك فإن الباقين في العمل السينمائي يفعلون ذلك من دون معين يُذكر وأفضل ما يستطيعون القيام به هو البحث عن التمويل المناسب من الجهة الفرنسية شأنهم في ذلك شأن العديد من الأفلام العربية في كل من لبنان وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وفلسطين ما يبعث دائماً على التساؤل عما كان الحال عليه لو أن المؤسسات الإنتاجية الفرنسية، رسمية او خاصّة، لم تكن بوارد تشجيع الفن والفنانين ناهيك عن تشجيع الفن والفنانين غير الفرنسيين٠

البيت الأصفر

بركات

ضمن هذه الظروف - وربما بسببها فقط- استطاع عدد من السينمائيين الجزائريين تحقيق أفلامهم في الآونة الأخيرة٠
المخرجة جميلة صحراوي حققت فيلماً جيّداً بعنوان »بركات« رغم مشاكل في السيناريو دار حول بحث إمرأة جزائرية عن زوجها المخطوف من قبل جماعات متطرّفة، وخلال بحثها استعرضت المخرجة بنجاح وضع المرأة ووضع المجتمع والثورة التي في داخل النفس البشرية عن تردّي الأوضاع على هذين الصعيدين٠
جميلة لديها الآن سيناريو فيلم جديد أعادت كتابته أكثر من مرّة، لكن آخر المعلومات تفيد بأنها لم تجد بعد التمويل المناسب٠
من ناحيته، أنجز عمر حكّار فيلمه الذي نجح في جذب اهتمام ثقافي متعدد وعروضاً مهرجاناتية من دبي الى باريس وأنحاء عربية وأوروبية أخرى. الفيلم هو »البيت الأصفر« الذي هو عودة الى صياغة الفيلم المنطلق من موقف بسيط صوب غايات مكثّفة: البطل هنا مزارع عادي يأتيه، عبر سلسلة أخّاذة من اللقطات التمهيدية، نبأ موت إبنه الشرطي فيقرر الإنتقال من الريف الى المدينة لاسترجاع الجثّة. والوسيلة الوحيدة لفعل ذلك هي جرّاره الزراعي٠
بعض مفارقات هذه الرحلة وما بعدها أضعف من المعالجة ككل، لكن الفيلم جيّد في إيصال فكرته وتنفيذها فنيّاً٠

أطلبوا العلم ولو ٠٠٠٠
والنجاحات الفنية لا تتوقّف عند صعيد السينما الروائية بل شاهدنا في العام الماضي عدداً كبيراً من الأفلام الوثائقية التي تناولت جوانب شتّى من الحياة الجزائرية الحالية٠ في المقدّمة لابد أن يأتي فيلم »الصين لا تزال بعيدة« لمالك بن سماعيل حول التعليم والبيئة الإجتماعية في قرية صغيرة أسمها أغستار تكمن في بعض تلك الجبال التي شهدت إنطلاقة الثورة الجزائرية قبل نحو خمسين سنة. الكاميرا هنا تجول في أركان الحياة ليس للسياحة بل للتعرّف على هويّتها البيئية والإجتماعية اليوم من منظور أبنائها ومن خلال ذكرياتهم عن الثورة. هذا في الوقت الذي ينصب فيه الهتمام المخرج بن سماعيل على طلاب مدرسة القرية ومعلّميها الجادّين في مسألة تنشئة الجيل القادم رغم الآفاق العملية المغلقة بحد ذاتها٠

الصين لا تزال بعيدة

في هذا الشأن يتجاوز »الصين لا زالت بعيدة« ما حققه المخرج الفرنسي لوران كانتيه في فيلمه الروائي- المصنوع كتسجيلي حول طلاب صف في واحدة من مدارس ضواحي باريس من حيث أن الفيلم الجزائري يشرك المجتمع المحيط أكثر بما يحدث داخل الصف ويتساوى مع الفيلم الفرنسي على الأقل في معالجة الكيفية التي يتم فيها تصوير الطلاب تصويراً نابضاً بالمعايشة، ففي حين أن فيلم كانتيه، رابح سعفة كان الذهبية في العام الماضي، تسيطر عليه فرصة الإيقاع السريع ويعكس توتّراً مقصوداً في عملية المونتاج لخلق حالته، نرى فيلم بن سماعيل مرتاح من هم الإيقاع واثق من ضرورة انصرافه لمتابعة القضية بمناخ أكثر شمولية٠

وفي الصعيد الوثائقي نفسه نلحظ »صُنع في الجزائر« لسليم عقّار الذي يتعامل مع السينما الجزائرية، او بالأحرى مع غيابها، من خلال خمسة حكايات وراء خمسة أفلام ومدى الجهد الذي بذل لتحقيقها متسائلاً في طيّات ذلك عن الواقع ومسبباته٠
يبدأ الفيلم استعراضه بالحديث عن الفيلم الروائي »خريف أكتوبر« لمالك لخضر حامينا. هذا فيلم تم إنجازه في مطلع التسعينات والمخرج ليس سوى أحد أولاد محمد لخضر حامينا الذي كان تولّى تحقيق أفلام جزائرية كبيرة الإنتاج أحدها، »مفكرة سنوات الجمر« نال السعفة الذهبية في مهرجان »كان« السينمائي الدولي. بل هو الفيلم العربي الوحيد في تاريخ أي مهرجان سينمائي بحجم كان الذي ينال الجائزة الأولى فيه
بعده، ينتقل المخرج الى فيلم آخر في السينما الجزائرية شهد متاعب مماثلة هو »مشاهو« (العنوان باللغة الأمازيغية في منطقة القبائل). مخرج ذلك الفيلم بلقاسم حجّاج يتحدّث عن المصاعب التي خاضها للتصوير في منطقة غير آمنة وكيف تعرّضت حافلة تضم بعض ممثلي الفيلم الى الإيقاف ٠
ويأتي »صُنع في الجزائر« على ذكر فيلم بعنوان »جبل باية« لعز الدين بدّور قضى خلال التصوير بسبب إنفجار أتى على حياة 14 تقنياً وممثلاً٠
بعد ذلك ينتقل المخرج عقّار الى فيلم آخر عنوانه »رشيدة« وهو الفيلم الذي أخرجته قبل سنوات ليست بالبعيدة يمينة بشير شويخ وكيف استقبل الفيلم عالمياً بالترحاب كون مخرجته تحدّثت عن التضحيات التي تخوضها المرأة الجزائرية اليوم أزاء وضع صعب وهي التي كانت اعتقدت أن تضحياتها في سبيل إستقلال الجزائر هي آخر المطافات٠
الفيلم الأخير هو »دوار النسا« لمحمد شويخ الذي صُوّر في منطقة الغابات المطلّة على العاصمة وكيف شاركت المرأة في رد الإعتداءات المتطرّفة٠
ثم لا يكتفي الفيلم بهذا القدر من الحكايات الخلفية للإنتاجات السينمائية في الجزائر بل يخلص الى تقديم سجل من السينمائيين الذين قضوا بسبب الإعتداءات على حياتهم٠

نجاحات وإخفاقات
في محاولة للإلتفاف على الوضع السينمائي الحاصل في البلاد توخّت بعض الأفلام الحديثة تقديم أعمال تُقرأ كأفلام جماهيرية، في ذات الوقت تمتنع عن الهبوط في فخ التنازلات التجارية٠
الفيلم- المثال في هذا الإتجاه »موريتوري« للمخرج ميلود خطيب. فيلم يحمل لكنة بوليسية حول الحياة المطبّقة على كتفي رجل بوليس. في ذلك قد لا يختلف تأسيس المعطيات والشخصيات عن مثيلاتها حتى في أفلام أميركية: التحري الشريف الذي لا ينتمي الى الطبقة "الراقية" المذنبة لكونها اختارت الإنفصال عن المجتمع حولها. الرئيس الذي لا يطيقه لأن هذا التحرّي أشرف منه. والمساعدَين الموضوعين تحت أمرة هذا التحري اللذان لا يتأخّران عن القيام بما يُطلب منهما على أفضل وجه. بل أيضاً المطاردات والشخصيات الثانوي والتحقيق (أحد الأعيان يطلب من التحري البحث عن إبنته المخطوفة) . هذا التحقيق يأخذ البطل الى زيارات لمنازل بعض أثرى الناس ٠ أكثر خطوط التشابه بروزاً هو الخط الجامع بين شخصية التحري الجادّة والحاملة لمتاعب الدنيا على ظهرها والمخلصة في عملها (يسمّيه أحدهم "أشرف" رجل بوليس). المنبوذ من مجتمع لا يقدّره او يهابه فيحاربه ٠

وفي حين نجح المخرج الجزائري الذي يعمل ويعيش في فرنسا رشيد بوشارب في تقديم رؤيته للتضحية التي قام بها المتطوّعون الجزائريون والمغاربة بشكل عام خلال الحرب العالمية الثانية في فيلمه المعروف »أيام المجد«، أخفق زميله مهدي شارف في تحميل فيلمه الأخير »صيف 42« معطيات إيجابية مماثلة، مكتفياً بقصّة بلاستيكية التصوير والحس حول صبي جزائري في ذلك العام الذي شهدت فيه الجزائر استقلالها. الأحداث تقع أشهراً قليلة قبل الإستقلال والصبي يعتقد أن والده غائب في رحلة عمل لكنه يكتشف أنه في الواقع محارب مع المجاهدين الجزائريين. هذا لا يوقفه عن اللعب كما هو متوقّع من مثل من هم في سنّه. لكن المشكلة التي تتبدّى له هي أنه إذا ما نالت الجزائر استقلالها فإن الفرنسيين فيها سيعودون الى بلادهم مما يحرمه من اللعب مع صديقه الفرنسي٠ التمثيل رديء جداً هنا، لكن هذا يأتي بالتجانس مع عمل يخلو من عاطفة تجاه الموضوع او حس حقيقي به. إنه مجرد رصف لمشاهد مبرمجة تحاول أن تبدو بريئة٠


هوليوود ‮| محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرلوك هولمز يعود في شخص روبرت داوني

شرلوك هولمز جديد من نوعه بعد عشرات الأفلام المخلصة
لصورته البريطانية الكلاسيكية. هل يفي هذا التطوير بحق الشخصية الشهيرة؟
..................................................................................


انتهى الممثل روبرت داوني جونيور من تمثيل دوره في فيلم يحمل إسم »شرلوك هولمز« ويدور حوله من إخراج غاي ريتشي، المعروف بأنه كان زوج مادونا وبأنه أخرج عدداً من الأفلام البريطانية من منتصف التسعينات حملت حركة من دون عمق وتشكيلات بصرية من دون أسلوب فني كما الحال في »لوك، ستوك ومسدّسين بدخّان« المثير للفضول و»معزولة« الذي كان من بطولة زوجته مادونا ولم ينفع أسمها في جذب حجم كاف من الجمهور لإنجاحه. وهذا كان مصير فيلمه الأخير »روك أند رولر« (2008) الذي عاد فيه الى أفلامه البوليسية الأولى إنما من دون أي تأثير فني او تجاري٠

شرلوك هولمز الملاكم
والمشاهد القليلة المتوفّرة في بعض مواقع الإنترنت تفيد فيلماً يخرج عن إطار كل فيلم شرلوك هولمز عرفته الشاشة، وهي عرفت أكثر من مئة فيلم من بطولة هذه الشخصية الكلاسيكية الشهيرة٠
بداية، فإن اختيار الممثل روبرت داوني جونيور في دور التحري الأشهر يبدو غريباً من حيث أن الصورة المحفوظة عن ظهر قلب لشخصية التحري كما كتبها آرثر كونان دويل وكما مثّلها عدد كبير من الممثلين السابقين، في مقدّمتهم حسب صلاحيتهم البريطاني الراحل باسيل راثبون، هي صورة رجل في منتصف الأربعينات، طويل القامة، نحيف البنية، تميّزه ملامح وجهه الدقيقة كما ملابسه المحافظة وقبّعته الصغيرة ومظلّته الطويلة التي لها وظائف أخرى غير صد رذاذ المطر٠
أما روبرت داوني فهو قصير القامة، معتدل البنية ولا يملك تلك الخصائص المميّزة في الملامح التي أصبحت أقرب الى شرط نجاح لتقمّص تلك الشخصية. والغريب أيضاً هو اختيار جود لو لشخصية الدكتور واتسن، فهذه الشخصية أيضاً تختلف في الرواية وفي الأفلام الأولى عن تلك التي يستطيع الممثل لو توفيرها. ففي الأصل هي لشخص أكبر من شرلوك هولمز سنّاً، أقل منه لياقة بدنية وأكثر منه بدانة٠
هذه المشاهد المبثوثة كمقدّمة لما سنشاهد حين يحط الفيلم مع نهاية هذا العام، تفيد أن الطبيب واتسن لم يعد المصاحب الأمين وكاتب المذكّرات الحريص بل هو شريك في المغامرة الى حد بعيد. أما شرلوك هولمز نفسه فيتعرّى ليمارس الحب ويدخل حلبة ملاكمة عنيفة. وهو، والدكتور واتسن، يشبهان كثيراً ستارسكي أند هاتش في بعض المشاهد من حيث نوعية الأحداث التي يتعرّضان لها مثل المطاردات والقفز من المباني الشاهقة الى نهر التايمز وتبادل إطلاق النار على أفراد المنظّمة التي تسعى لتدمير مدينة لندن٠
المفهوم المترسّب بعد متابعة دقائق يسيرة من المشاهد تعكس ما في الفيلم من متغيّرات تمس كل ما هو نمطي وتقليدي في أفلام هولمز وشخصيته، هو أن المخرج وهوليوود حوّلا التحري المعروف بدقّة ملاحظاته وذكائه غير العادي، الى انديانا جونز جديد مزوّد بكل ما يحتاجه الفيلم هذه الأيام من مشاهد خارقة للعادة ومعالجة عصرية قد ترضي فريقاً من المشاهدين لكنها بالتأكيد تنبذ القسم الغالب منهم٠

مقارنة
شرلوك هولمز كما حفرت الروايات والأفلام القديمة صورته في البال جاء مبنيّاً على مرجعية أدبية حاولت السينما في معظم الأحيان نقلها بأمانة كونها مهمّة لنجاح عملية النقل هذه. المؤلّف، آرثر كونان دويل وضع 56 رواية طويلة و4 قصص قصيرة من بطولة شخصيّته هذه، وذلك ما بين سنة 1887 ومنتصف العقد الأول من القرن العشرين٠

ولد المؤلف سنة 1859 ومات سنة 1930 وانتمت اعماله الى تلك الحقبة الكلاسيكية الأولى من روايات التحري، تلك التي شاركه مقامها كل من أغايا كريستي (1890-1976) وإيرل در بيغرز (1884- 1933) ٠
ووضع آرثر كونان دويل 56 رواية طويلة وأربع قصص قصيرة من بطولة شخصيّته هذه، وذلك ما بين سنة 1887 ومنتصف العقد الأول من القرن العشرين والسينما تناولت العديد منها منذ عهدها الصامت والى اليوم. لكن تلك الأفلام الأربعة عشر التي مثّل دور هولمز فيها الممثل البريطاني باسيل راثبورن ما بين العام 1938 والعام 1946 هي الأكثر طلباً للمشاهدة اليوم بين كل ما هو قديم حتى من بعد تلك الفترة٠
راثبورن، الذي مات عن 75 سنة في العام 1967 كان ممثلاً مسرحياً في العشرينات وانتقل الى الشاشة الكبيرة وظهر في نحو ثمانين فيلم لاعباً أدواراً على جانبي خط القانون. هو مجرم او شرير في أفلام عدّة مثل »مغامرات روبن هود« و»علامة زورو« وشخصية إيجابية رائدة كما الحال في أفلام شرلوك هولمز جميعاً٠
في الفيلم الجديد سنشاهد إذاً شرلوك هولمز في صورة جديدة يجيد فيها استخدام فنون القتال الشرقية. في الرواية الأصلية كان يجيد بعضها بالفعل، لكن ليس على الطريقة التي يمارسها روبرت داوني في الفيلم المستخلصة من دوره السابق واللاحق في سلسلة »آيرون مان«


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Jun 17, 2009

ISSUE 429 | Bunuel 2 | دكان شحاتة| النقد وفلسفة الفيلم

هذا العدد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الزميل زياد عبد الله يكتب عن »دكان شحاتة« فيلم خالد يوسف الجديد ويجده مثقلاً بما يُريد قوله. وهذه عادة عدد من المخرجين الحاليين الذين عوض التركيز على موضوع رئيسي وملحقاته، يضعون نصب أعينهم عدة قضايا ومواضيع فيزدحم العرض ويتشتت. لكني لا أستطيع بالطبع الحكم ولو أنني أثق بكلام الزملاء الذي أنشر لهم٠
حلقة اليوم من »النقد وفلسفة الفيلم تتناول الخصائص المشتركة بين فن السينما وباقي الفنون وكيف أن انصهاراً مثالياً الجميل فيه أنه استوعب كل أنواع الأفلام وغاياتها. مثالان على ذلك واحد لإنغمار برغمن والثاني لستيفن سبيلبرغ
حلقة جديدة من الدراسة الخاصّة بسينما لوي بونويل وأفلامه. هذه المرّة نقضي الوقت في الفترة التي تبعت فيلميه الأولين مباشرة واحتوت على فيلمه التسجيلي الذي أثار عليه الحكومة، كما على تلك الأشهر القليلة التي قضاها في هوليوود٠
وأخيراً، وعلى عكس الحقب السابقة حين كانت سيدات الشاشة يسطين على الشاشة طوال أيام السنة، هذا موسم يزداد فيه غياب الممثلات كالعادة٠
في عدد قريب لاحق سأنشر مقابلتي مع توم هانكس التي أجريتها منتصف الأسبوع الماضي ونشرتها في صحيفة »الجريدة« هذا الأسبوع. أعتقد أنها تكشف المزيد عن ممثل يعتبرونه وعن حق أحد أكثر ممثلي هوليوود اليوم موهبة٠
الصورة: من فاني وألكسندرا

فيلم | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دكان شحاتة


تلميذ يوسف شاهين يحن الى زمن عبد الناصر
ويرثي الخراب الروحي والأخلاقي الذي فتك
بمصر. حسبما يرى الناقد زياد عبد الله٠


رجال الدين والأزهر ناشدوا الرئيس حسني مبارك التدخّل لمنع عرض «دكان شحاتة» الذي ترافق مع جدل كبير وغيره مما تعوّدنا أن تثيره أفلام خالد يوسف... وجاء ردّ المخرج ليضيف الى الضجّة واللغط حول فيلمه٠
لكن ماذا عن السينما؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ من أن نضع جانباً كل أصداء النقاش الدائر. صحيح أن الفيلم جاء محمّلاً بكل ما يُغضب حراس الأخلاق الأشاوس. هؤلاء لن يروا في العمل سوى سيقان هيفا وهبي، التي شتّتت المتصوّفة عن الذكر، ولن يتوقفوا ... ٠

يسعى خالد يوسف إلى تقديم ملحمة شعبية، بملامح شبه أسطورية، تستدعي قصة يوسف وإخوته، مع مقولات سياسية، وجردة حساب للمتغيّرات الاجتماعية التي طرأت على مصر بعد عبد الناصر... كل ذلك يجعلنا نجد أنفسنا أمام شريط يترنح تحت ثقل خطابه وما يود تقديمه٠
العمل يبدأ من لحظة خروج شحاتة (عمرو سعد) من السجن، ومشاهدته فقراء يقطعون الطريق على قطار، ويسطون على حمولته. ثم تطفو على الشاشة قصاصات صحف، وصور وثائقية، تستعرض أحداثاً مفصلية في تاريخ مصر والعالم العربي مثل اغتيال السادات، غرق العبّارة، حذاء منتظر الزيدي... ثم يمضي الفيلم في «فلاش باك» طويل مطعّم بالأحداث السياسية٠
قصة شحاتة ودكاّنه، تبدأ مع والده (محمود حميدة) الذي يعمل بستانياً لدى أرستقراطي ذي ميول يسارية (عبد العزيز مخيون)، ويهبه الأخير دكاناً وقطعة أرض صغيرة حول الفيلا التي يسكنها... ليصير «دكان شحاتة». ويسعى يوسف إلى بناء ملحمته الشعبية حول علاقة الوالد بشحاتة، وتفضيله إياه على إخوته. ومع موت الأب، يستفرس هؤلاء الإخوة عليه. أمّا شحاتة، فهو مثال للإنسان الطيب، وإن بدا أحياناً أقوى رجل على وجه الأرض، جاهز للتعامل مع كل أنواع البلطجة. لكن الطيبة تمنعه من الانتقام من إخوته الأشرار الذين يزجّون به في السجن، ويبيعون الدكان بعدما تحوّلت الفيلا إلى سفارة... إسرائيلية!٠
إلى جانب ذلك، هناك قصة حبّ بين شحاتة وخطيبته بيسة (هيفا وهبي) مصيرها الفشل أولاً بسبب أخ بيسة (عمرو عبد الجليل)، ثم حبس شحاتة و«سطو» أحد إخوته عليها!٠
تتكوّن شخصية شحاتة من ثلاثة مستويات رمزي وواقعيّ وملحميّ. لكن السيناريو لا يدعك تركن إلى واحد منها، رغم أن طموحه يتمثل في تقديم أسطورة الإنسان المصري الطيب. وسط هذا الاضطراب، يأتي حبّ البطل لبيسة حاملاً تلك القيم التي كانت هيفا ذات قدرة استثنائية على القضاء عليها، عبر أدائها الجامد والمحايد، وتقديمها على أنّها نموذج المرأة الشعبية الطيبة التي تنضح بالغواية. لكنّ الغواية تنتصر ويستسلم خالد يوسف لهذه الحقيقة، ويستثمرها في لقطات تهبط علينا من حيث لا ندري٠
في فيلمه، يؤكد السينمائي المصري الذي بدأ مساعداً ليوسف شاهين، على ناصريته. وتقوم نظرته النقديّة للواقع السياسي الاجتماعي، على مقولة أنّ الخراب الذي حل بمصر بدأ مع السادات، كما يرِد على لسان الشخصيّة التي يؤدّيها مخيون. يحاول الفيلم رصد هذا الخراب وصولاً إلى استباحة البلطجية والسلفيين لـ«مصر» كما نشاهد في آخر الفيلم .الذي يصل بنا فجأةً إلى العام 2013
في النهاية، الفيلم مبنيّ على الحنين إلى زمن الإصلاح الزراعي، وصورة عبد الناصر التي يضعها شحاتة على شق في الجدار لكنّها تعجز عن سدّه. إنّها إشارة واضحة في خطاب الفيلم إلى عمق الشرخ الذي تعيشه مصر اليوم بحكم الانهيارات الكثيرة التي تبعدنا تماماً عن زمن عبد الناصر. لكن «دكّان شحّاتة» انساق خلف خطوط درامية مختلفة، بدّدت مطمح خالد يوسف إلى تقديم ملحمة توثّق ـ وفق رؤيته ـ لكل ما لحق بمصر على جميع الصعد، وحالات الانحطاط السياسي والأخلاقي التي نتجت منها٠


النقد وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
7
مهمّة السينما: الإنسان٠

في العام 1947 كتب الناقد السينمائي الفرنسي جان بنوا-ليڤي (الذي عمد الى الإنتاج فيما بعد وإن حافظ على قلمه النقدي أيضاً) ما يلي: "في إعتقادي الصادق أن السينما ستموت الا إذا ما نجحت في جعل الناس تفكّر. تاريخ المسرح أثبت أن فقط تلك المسرحيات التي تقدّم مشاكل هي التي تجذب المشاهدين كنوعيات تحفّز على التفكير وتناقش المشاكل من وجهة نظر ثقافية"٠
ويكمل: "حين قلت أن السينما ستموت، لم أعن طبعاً أنها ستختفي تماماً في يوم ما. عنيت أن موتها كشكل جاد للفن وموتها كتنبيه ذهني وموتها كمهة إنسانية"٠

لوحة من "فاني وألكسندرا"

إذا ما رددت هذا الكلام على مخرجينا ومنتجينا الأشاوس في السينمات الجماهيرية الواسعة والسائدة من الفيليبين الى مصر ومن هوليوود الى بوليوود سيواجهك معظم المشتركين في موت الفن بالضحك٠ لا يهم إذا كان عمرك عشرين او مئة وعشرين. سينظرون اليك كسلف٠
الحقيقة أن السينما تموت وتحيا بتناوب عجيب٠
في الحلقة السابقة (العدد 426) تساءلت هنا عن السينما الصافية هل هي موجودة وكيف إذا كانت ولماذا لا إذا لم تكن٠
وأعتقد أن وظيفة الفن تدخل في نطاق هذا البحث٠
إذا كانت السينما هي تجميع وتكثيف لفنون أخرى من الكتابة الى التمثيل وإذا ما كانت الكاميرا هي بديل للنحت والرسم بينما المونتاج هو عودة الى شكل من أشكال الرسم والكتابة مرّة أخرى، فإن ذلك لا يُلغي أمرين مهمين: الأول أن تجميع كل هذه العناصر (زائد الموسيقا والديكور والتصاميم الفنية الخ...) هو عملية فنيّة بحد ذاتها والثاني أن هذه العملية الفنيّة شكّلت لغة خاصّة بها لا تستطيع الفنون الأخرى استحواذها على ذات النحو او بذات الكثافة والتعدد٠
من هنا، صفاوة السينما تكمن فيما شكّلته من هذا المزيج وخلقته من لغة تحكي بالصور -أساساً- الوضع الماثل المراد التعبير عنه. هذا هو الصفاء الحقيقي لها متميّز من ناحية مقابلة بأنه قابل للتحليل. في أي وقت تستطيع إعادة الفيلم الى أصوله٠
فيلم »فاني وألكسندرا« لإنغمار برغمن مثلاً يعود، الى جانب التصاميم الفنية المختلفة (ملابس وديكور الخ) والى جانب التصوير (الذي يبدو مثل لوحات في الكثير من مشاهده بفضل براعة مدير التصوير سڤن نكڤست) وباقي العناصر على النحو المذكور أعلاه، الى فن السيرة الذاتية (ملوّنة بخطوط درامية حرّة ومفتوحة)٠
هذا الفيلم من نتاج 1982 وقبله بعام فيلم مختلف عنه 180 درجة من إخراج ستيفن سبيلبرغ هو »تابوت العهد المفقود«٠
أيضاً، لجانب المذكور من المرجعيات والأصول، يمكن أن تجد في الروايات الشعبية (من أبو زيد الهلالي وما بعد) مرادفاته٠ في الحقيقة الشخصية التي لعبها هاريسون فورد هي في كتب ومجلات المغامرات الخيالية الأميركية في الثلاثينات والأربعينات٠

هنا لا أريد البرهنة على أنه لا صفاء في السينما، فكما أوضحت صفاءها ناتج عن استيعابها كل هذه الفنون في خضم حركة متجانسة واحدة. الى ذلك، ما هو خاص جدّاً بها هو أنه إذا ما تم بحث أسلوب المخرج وجدت أن تأثيره ينتشر على صياغة كل عنصر على حدة ثم جمع هذه العناصر في صياغة واحدة أيضاً٠
الأهداف تتغيّر، كذلك الأساليب كذلك المستويات. لكن في المثالين المذكورين تكمن جوانب أساسية في هذه المسألة٠

إنغمار برغمن مخرج آلت سينماه، كما حال العديد من الفنانين الكبار في هذا الفن، الى النخبوية. لا أعتقد أنه قصد ذلك عمداً، لكنه كان يعلم أنه لن يجذب إليه مئات ملايين البشر الذين يذهبون كل أسبوع الى السينما السائدة. في اختياره هذا سمح لنفسه أن يستوعب من عناصر الحياة ما يوفّره للمشاهد. أعماله ليست منتوفة من عمق الناس حتى اولئك الذين لا يشاهدوا أفلامه: فهي تحتوي على العناصر الأساسية للتكوين البشري الداخلي: الحب، الكره، الغيرة، الحسد، الفرح، البكاء، الألم، السعادة، الحزن الخ... هذه مشاعر يمر بها كل فرد في الدنيا اليوم ومر بها كل فرد في الدنيا منذ مولدها٠
لاحظ الآن أنها نفس العناصر التي تمر في فيلم تجاري كبير كأي فيلم هندي، مصري، فرنسي، او أميركي او سواها. نفس العناصر التي تثير ستيفن سبيلبرغ وكل من شاهد أفلامه٠ وبما أني ذكرت »تابوت العهد المفقود« الذي كان أول حلقة من حلقات انديانا جونز، فسأبقى فيه: هو أيضاً يحتوي على تلك العناصر المكوّنة للإنسان٠ ومن دون تطويل، كل ما يرد في فيلم برغماني او فيلليني او كوروساوي يمر في فيلم سبيلبرغي او حسن إمامي٠
لكن المعالجة تختلف في كيفية توجيه هذه العناصر: أهي تتوجّه، برغبة المخرج، الى الذهن الوقّاد والنفس الدفينة او الى العين وما يمتّعها والبال وما يسرّه والنفس وما يتفاعل بها من غرائز؟

رسالة السينما هي جعل البشر يدركون موقعهم من الحياة٠ تركهم يرقبون ما يحدث ليدركوا أنهم ليسوا وحيدين في العيش بتلك المشاعر المؤرقة، القلقة. بذلك الحس بأن المرء منا ضائع او تائه او فاقد ومفقود معاً. والسينما ليست فقط جمالاً طبيعياً او نفسياً او من أي نوع (إبن البادية قد يجد جمال الحياة في فنجان قهوته وهدوء باله وملاحظة قطيعة من الماشية- هذا لا يمكن نكرانه). إنها جمال رفيع ناتج عن أن المشاهد يرى نفسه من مكانه٠ وحين لا يفعل لأن هذه النفس التي على الشاشة لا تشبهه، يستطيع أن يلقي عليها معطفه: إنه هو الذي في خطر الطيور الجارحة في فيلم هيتشكوك »الطيور« وهو يصبح الصياد الوحيد الذي يبحث عن مورد رزقه في فيلم جون ستيرجز عن رواية أرنست همنغواي »العجوز والبحر«. هو قلق راسكولونيكوف في »الجريمة والعقاب« (نسخة ليف كولدجانوف الروسية سنة 1970 لا تزال عندي أفضل ما شاهدته من أفلام رواية فيودور دستويفسكي) ويصبح السقّا في رائعة صلاح أبو سيف »السقّا مات«، تماماً كما يصبح البطل الخارق الذي في فيلم سبيلبرغ او في أي فيلم آخر له او لسواه٠

غزاة تابوت العهد لسبيلبرغ

السينما في كل ذلك مبعث صداقة. لقد خسر الناس -معظم الناس حول العالم- الثقة كل بالآخر. لكن الفيلم الجيّد يجعلك تعيد إيمانك بالناس وبالبشرية. حتى ضياع أبطال »أوديسا الفضاء« كما عبّر عنه ستانلي كوبريك يجعلك تبحث بعد العرض عمن يشاركك الرؤيا٠ وعندي أن السينما تبعث، في نهاية مطافها كلما غاص فيها المرء حبّاً وألفة وولها، الى حب الخالق سبحانه. تحب الإبداع الذي وهبه لنا وتركه فينا (وترك لنا أمر توظيفه او خلعه من المخ ووضعه على الرف)٠ او كما قالها تاركوفسكي معكوسة بلسان شخصية الدليل عن شخصية العالِم في »المقتفي«: "إنه لا يؤمن بالله، كيف يؤمن بأي شيء آخر"٠

سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
2
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إذاً، السُلطة والدين مدانان سوياً في فيلم لوي بونويل »العصر الذهبي« ولحق بالفيلم ما حدث من تعاضد الفاتيكان مع النازية والنظام الفاشي الإيطالي، وما يحدث الآن من تعاضد السُلطة في إسرائيل مع الدين٠ السُلطة عند بونويل هي التئام المصلحة القائمة بين البرجوازية والنظام والبوليس والعسكر ورجال الدين. والحقيقة أن ما عرضه في هذا الشأن لم يكن مبتكراً لكن كيفية عرضه وتناوله كان كذلك. بكلمات أخرى، ما ألّب عليه الآراء المناهضة لم يكن فقط هذا الإتهام للسُلطات والنظم والكنائس الخ... فقط، بل استخدام الرموز المختلفة (كوابيس، أحلام، فرويد، جنس، عنف الخ...) لإيصال هذا الإتهام على نحو بالغ العنف ومن دون إخفاء نيّته في الإهانة٠
من الطبيعي إذاً إنقسام المثقّفين حيال الفيلم. في مواجهة الهجوم اليميني تداعى اليسار للدفاع عنه بنفس الضراوة. ويذكر المخرج في مذكّراته (مصدر العديد من المعلومات هنا) كيف أن أحد المدافعين لم تكن له علاقة سياسية مطلقة بالموضوع وهو مندوب شركة مترو-غولدوين- ماير الأميركية الذي قال في معرض دفاعه: "لم أفهم شيئاً من الفيلم لكني معجب به"٠
هذا الإعجاب تبعه تقديم عرض لبونويل مفاده التحاقه بهوليوود لـ "تعلّم كيف نصنع الأفلام هناك" . المفاجيء أن بونويل وافق. كل ما هو مطلوب منه كان الجلوس في الاستديو ومراقبة المخرجين وهم يعملون. هذا مقابل عقد قيمته 250 دولار في الأسبوع لمدّة ستة أشهر. بونويل لم يوافق فقط، بل سافر بعد أسابيع قليلة على العرض الأول من فيلمه (هذا تم في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر) وتحديداً في الثلاثين من الشهر ذاته. بذلك لم يتح لنفسه متابعة ما كان يثيره الفيلم من ضجّة. في الحقيقة يدّعي بونويل (وقد يكون كلامه صحيحاً) لم ير الفيلم مرّة ثانية في حياته٠
بنظامها فإن هوليوود عصيّة. قليلون جدّاً من المخرجين الأوروبيين يستطيعون التعامل معها والحفاظ في الوقت نفسه على ذواتهم (لذلك رفض بدرو ألمودوڤار أكثر من عرض للعمل هناك كما عاد منها بعد محاولات الروسي أندريه كونتشالوڤسكي والأيرلندي جون بورمان أما أنطونيوني فصنع فيها فيلماً واحداً فقط- وهذا من بين آخرين عدّة)٠
بعد ثلاثة أشهر من وجوده طُلب منه تقديم فيلم من بطولة ممثلة أسبانية أسمها ليلي داميتا التي كانت انتقلت من مدريد الى هوليوود لتواصل مهنتها (واصلتها حتى أواخر الثلاثينات وتوفّت سنة 1994)٠ لكنه رفض واصفاً إياها بالعاهرة. بناءاً على ذلك، صرفته مترو-غولدوين- ماير فعاد الى فرنسا وبدأ العمل على تحويل رواية لأندريه جيد (رواية "فراغات الفاتيكان") الى سيناريو وأعتقد أنه كان التقى بالمخرج سيرغي ايزنشتاين خلال زيارة الثاني الى هوليوود في ذات الفترة، إذ أن النيّة كانت أن يقوم بونويل بتفليم الرواية في الإتحاد السوڤييتي ما يعني أنه تواصل وبعض من سهّل له -نظرياً على الأقل- مثل هذا الإحتمال٠ على أن المشروع تهاوى قبل إكمال كتابته وانصرف المخرج الى معالجة مشروع وثائقي بعنوان
Las Hurdes
العنوان عائد الى منطقة آسبانية تعيش في فقر وتخلّف شديدين (او كانت تعيش هكذا آنذاك وحسب دراسة فرنسية نشرت في العام 1927) لكن بونويل، الذي عاد الى أسبانيا حينها، لم يكن يملك من يموّل له هذا المشروع فانطلق يتحدّث عنه لبعض أصدقائه. أحدهم رامون أسين الذي كان فنّاناً وكاتباً طليعياً وصديقاً لبونويل. هنا وقع أمر بالغ الغرابة. رامون قال لبونويل إنه إذا ما ربح اليانصيب (اللوتو) فسوف يموّل هو فيلمه. و.... ربح رامون اليانصيب بالفعل ووفى بوعده مانحاً بونويل عشرين ألف بيسوس ليحقق فيلمه٠ رامون مات مقتولاً بأي الجماعات الفاشية سنة 1936 لكن بونويل أنجز بالفعل معظم الفيلم بهذا المبلغ وذل. صوّره في أسابيع قليلة، وانتهت ميزانيّته قبل دخوله المونتاج. حسب ما يرد في مذكّراته قام بونويل بمونتاج الفيلم في مطبخ منزله٠

Land Without Bread (1932)
هذا هو عنوان الفيلم المذكور ("أرض بلا خبز") الذي تبنّته فيما بعد الحكومة على أساس أنه دراسة اجتماعية حيادية. لم أشاهد الفيلم بنفسي ولا أستطيع أن أفتي فيه، لكن بعض ما قرأته عن الفيلم ذكر أن الحكومة سرعان ما تراجعت عن هذا الإعتبار ولا عجب. فالفيلم من ناحية يصف منطقة من أفقر بقاع أوروبا حيث القرى بلا طرقات ولا مستشفيات رغم انتشار الملاريا و(حسب بونويل) "يموت الناس من لدغات الثعابين" وهناك مشهد للدلالة على هذه يصوّر فتاة صغيرة لدغها ثعبان وعرض الفيلم موتها أمام الكاميرا٠ ويتابع الفيلم الوصف قائلاً: "المكان الوحيد المرفّه في هذا المكان هو الكنيسة"٠
قرية بلا موسيقا. هذه كانت أولى ملاحظات المخرج حين وصل الى القرية التي صوّر فيها معظم أحداثه. وهو عاد الى الفيلم بعد سنوات قليلة (العام الذي قُتل فيه صديقه رامون) ليضيف مشاهد جديدة بأمل أن يقول أن المسألة ليست قرية او بضعة قرى في منطقة واحدة بل هي مسألة منتشرة وقاعدة تستحق "تضامن القوى المعادية للفاشية" حيالها٠
هناك مواقع تعرض مقتطفات من هذا الفيلم لا يمكن الحكم على الفيلم بكامله منها، لكنها تعطي فكرة عما تعامل معه بونويل وكيف أنه لم يكن الا ليثير نقمة النظام الأسباني آنذاك على أساس أن المسألة تحوّلت من فيلم علمي الى فيلم سياسي ينتقد غياب الدولة والبون الشاسع بين الشعب وبين السُلطة٠

لقطة من "أرض بلا خبز"٠
تبعاً لهذا الفيلم وضعت عنه المخابرات الأسبانية ملفّاً اعتبرته فيه "خطراً على الدولة« من بين تهم أُخرى"٠
أحد الذين قرأت لهم ما كتبوه عن الفيلم الناقد الفرنسي أندريه بازان في واحد من مجموعة مقالات ترجمت الى الإنكليزية حيث ذكر أن الفيلم، على الرغم من أنه فيلم وثائقي الا أنه "ينتمي الى فيلمي بونويل السابقين. فهو من نسيج تلك السوريالية"٠
قبل العام 1936 ومباشرة بعد ذلك الفيلم، وجد بونويل أن لا مستقبل له في السينما. الأرجح إنه لم ير نفسه قادراً على البحث عن التمويل والتواصل مع ممولين محتملين لفيلمه او إقناع رجال أعمال او منتجين بها. قرر التوقّف (مرّة أخرى) عن الإخراج وفي العام 1934 نجده يعمل في مهنة تسجيل حوار الممثلين الأميركيين
Dubbing بالأسبانية- أي

يتبع٠

أصداء | ملاحظات وتعليقات حول سينما اليوم وتياراتها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع كل صيف تتضح الأزمة من جديد: تتوارى
أفلام المرأة الى غياب... لكن المشكلة هي أنها
تتوارى كذلك معظم فصول السنة | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميريل ستريب

في فيلم »ليلة في المتحف: معركة سيمثسونيان«، معظم الشخصيات المشتركة في العمل هي تماثيل لمشاهير موجودة في متحف التاريخ الطبيعي تعود الى الحياة من جديد عندما يخلو المتحف من الزوّار، باستثناء أنها تثق ببطل الفيلم لاري (بن ستيلر)، ذلك الحارس الليلي الذي رأيناه يكتشف أن الحياة تدب في تلك التماثيل المختلفة في الجزء الأول من هذه الكوميديا قبل عامين، ولذلك هي تتتحرك وتتكلّم بوجوده فقط. هناك الكثير من الشخصيات الرجالية والعديد من الحيوانات و.... إمرأة واحدة٠ هذه المرأة ليست سوى أوّل إمرأة عبرت المحيط الأطلسي من الولايات المتحدة الى اوروبا منفردة وذلك في العام 1937 وأسمها أميليا إرهارت٠
على شاشة »ليلة في المتحف 2« هي فتاة طيّبة ترتدي ملابس الطيران التي ماتت فيها بعدما هوت طائرتها بها في منتصف العام نفسه٠ تؤديها الممثلة الشابّة أمي أدامز وهي الوحيدة، بين كل الممثلين، الذي يمنح الفيلم بعض الطاقة والحيوية. في الفيلم تفرض نفسها على بطله مؤكدة له أنها تحب المغامرة حالما علمت أن فرعوناً عادت اليه الحياة تحالف مع نابليون بونابرت وجنكيز خان والمجرم آل كابوني للسيطرة على العالم ولاري الآن مهدداً بأن يكون الضحية الأولى٠ يتردد في قبولها حليفاً لكنها تعتبر صمته موافقة وتشاركه المغامرات لآخر الفيلم٠

هذا ليس فقط كل دورها في الفيلم، بل هو النموذج الحالي لما تستطيع المرأة في أفلام هوليوود الوصول اليه هذه الأيام٠ فهي ذات ظهور ثانوي مساند في »خلاص ترميناتور« أمام كرشتيان بايل. شخصيتها هناك مصنوعة لكي تقع في حب أحد المحاربين المناهضين لاستعمار الروبوتس الفضائي وسريعاً ما تتجاوزها القصّة الا من بعض المشاهد اللاحقة٠
في »ستار ترك« هي من بين فريق الملاحين الفضائيين ومعظمهم رجال. في »ملائكة وشياطين« نراها تركض في أعقاب بطل الفيلم توم هانكس معظم الوقت. في »رجال إكس: وولفرين« هي الزوجة التي تموت في منتصف طريق الفيلم الى نهايته، لكنها لم تمت حقّاً إذ تظهر في ثلث ساعته الأخيرة لأن السيناريو أراد ذلك٠

تصرخ جيّداً
ولو فحصت الأفلام المتوفّرة منذ مطلع هذا العام لوجدت أن نسبة تلك التي تضعها في إطار مساند او ثانوي يبلغ ثلاثة أرباع عدد الأفلام التي تمنحها دوراً بطولياً حقيقياً. هذا الربع الباقي نصفه، على الأقل، من أفلام الرعب والسبب هو أنها، في عرفان التقاليد السينمائية، نموذجاً لمن يخاف وتستطيع أن تصرخ كما لا يستطيع أن يصرخ الرجل٠ مثالية لتجسيد الضعف المتمثّل بها والخوف الذي يطغى عليها حين يحوم القاتل حولها٠ وإذا ما تمالكت شجاعتها وحاربت فهي لأنها الممثلة الرئيسية في الفيلم- إذا لم تكن متزوّجة- أو أحد ممثليه إذا كانت٠
والأسبوع الحالي فيه هذا النوع من البطولة في إطار فيلم رعب جيّد التنفيذ هو »جرّني الى الجحيم« حيث تلعب أليسون لومان دور موظّفة شابّة تعمل في مصرف وفي أحد الأيام تأتيها غجربة طالبة منها قرضاً لكي تنقذ بيتها من التدمير. تصرفها أليسون، وتكتشف لاحقاً أن الأفضل لها لو استقالت، إذ أدى رفضها الطلب الى قيام الغجرية العجوز بلعنتها وبذلك حوّلت حياتها الحاضرة الى جحيم لا يُطاق وخوف دائم يحوي في طيّاته أخطاراً متلاحقة
أنجلينا جولي

النسبة كانت أعلى في السابق. نصف الأفلام التي انتجت في هوليوود حتى الخمسينات ومطلع الستينات تمحورت حول شخصيات نسائية، سواء أكانت شخصيات تتضلع بالبطولة الفعلية وحدها او تشارك الرجل مشاركة كاملة على نحو "فيفتي فيفتي"٠
لولا ذلك لما كانت هناك عشرات النجمات اللواتي شغلن خيال الجيل الذي عايش تلك الفترة من بيتي ديفيز الى مارلين مونرو ومن اوليفيا دي هافيلاند الى كاثرين هيبورن مروراً بـسيد تشاريس، فيرونيكا لايك، ماري أستور، فيفيان لي، جانيت لي، جوان فونتان، انغريد برغمن، اليزابث تايلور، ان باكستر، أودري هيبورن، آن بانكروفت، جولي أندروز، غريس كيلي وسواهن بالعشرات إن لم يكن أكثر٠

عالم رجال
لوم هوليوود أمر سهل، والصعب عدم مد اللوم الى طينة الجمهور نفسه ورغباته. معظم مشتري التذاكر اليوم هم من دون الثانية والعشرين سنة وهؤلاء لا يريدون مشاهدة المرأة في البطولة الا في أفلام مرعبة، وفي أفضل الأحوال في دور طالبة في الكليّة٠ ونصف هذه الأفلام تسقط على أي حال ولا تؤدي لا لتعزيز دور المرأة ولا لملء جيوب المنتجين٠
والمرّات التي حاولت فيها السينما الأميركية توفير أدوار نسائية قيادية (او نصف قيادية) اكتشفت سوء تقديرها. جوليا روبرتس تقاضت نصف ميزانية فيلم »ازدواجية« الذي احترق بنار الإهمال. فيلما نيكول كيدمان الأخيرين »الغزو« و»استراليا« واجها مصيراً مشابهاً: الأول أصبح في الأرشيف والثاني أخذه المركب الى جزيرة مهجورة ليست بعيدة عن استراليا نفسها٠
جودي فوستر حملت سلاحاً وأخذت تقتل الناس في »الشجاعة«. لم يلق البوليس القبض عليها، لكنها باتت مسجونة وراء قضبان فشل الفيلم الذريع تجارياً٠
أنجلينا جولي ربحت دوراً رائعاً في »مبادلة« لكن الفيلم عُرض من دون أن يشعر بوجوده أحد. كاميرون داياز اضطرت للعب دور مساند في فيلم كوميدي بعنوان »ما يحدث في فيغاس« واللائحة تطول٠
صحيح أن الموسم الحالي كان دائماً موسماً رجالياً. ففي الصيف تنطلق الأفلام التي يقود بطولتها رجال بعضلات وقدرات خارقة كما الحال مع هيو جاكمان في »وولفرين« ومع كرشتيان بايل في »خلاص ترميناتور« او رجال بذكاء وقوّة احتمال لا تضاهى كما الحال فى »خطف بلهام 123« و»أعداء الشعب« او شبّان يواجهون ما لا تستطيع المرأة مواجهته مثل تلك الآلات الرهيبة القادمة لتدمير الأرض في »ترانسفورمرز 2«. الفكرة هنا هي أن هوليوود تضخ مئات ملايين الدولارات في نحو خمسة عشر فيلماً مخصصة للصيف كل منها عليه أن يكون من بطولة شخصية رجالية. لا مجال هنا، في حسبانها، لارتكاب الأخطاء وأكبر هذه الأخطاء هو أن توفر ميزانية ضخمة لفيلم من بطولة إمرأة حتى ولو تم إرسالها -قبل التصوير- الى معهد رياضي لخلق وحش أسطوري منها٠

نظرية البيضة
المشكلة بالطبع هي أن أدوارها في أفلام أصغر حجماً هي أيضاً محدودة وما تعانيه من اجحاف خلال موسم الصيف ينسحب الى كل المواسم الأخرى باستثناء موسم الأوسكارات، حيث يتم تجميع نحو عشرين فيلم تلعب فيه المرأة أدواراً رئيسية وإطلاقها متتابعة بغاية لفت أنظار أعضاء الغولدن غلوب والأوسكار الى حسنات إداء الممثلات حتى تكسب واحدة من هاتين الجائزتين٠
على هذا المنوال زخر الشهرين الأخيرين من العام الماضي بأفلام »نسائية« او أفلام فيها أدوار نسائية متقدّمة مثل »القاريء« مع كيت ونسلت وميريل ستريب في »شك« وآمي أدامز وفيولا ديفيز في ذات الفيلم، ثم تاراجي هنسن عن دورها في »القضية المثيرة للفضول لبنجامين باتون« وماريسا توماي عن دورها في »المصارع«، وأنجلينا جولي عن »مبادلة« وآن هاذاواي عن »راتشل تتزوّج« كما ماليسا ليو عن الفيلم الذي شاهده قلّة »نهر متجمّد«٠
من ناحية أخرى، فإن لوم المشاهد يبدو كما لو كان دعوة لإثارة نقاش يرد فيه هؤلاء على منتقديهم بالقول أنما نحن نتجاوب مع ما تطلقه هوليوود من أفلام. بالتالي، نظرية البيضة والدجاجة عملياً مطبّقة هنا: الاستديو يريد من الجمهور أن يتغيّر لأنه قائم على تلبية الأذواق والجمهور ينتظر من الاستديو أن يفرض هذا التغيير٠ وسط هذا الصراع تتضاءل المساحة المعطاة للممثلة السينمائية بعدما خسرت أوجّها السابق كنجمة ساطعة٠ اليوم نجمات الشاشة مثل نور المطبخ، الغرفة حين تخرج منها٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Jun 14, 2009

ISSUE 428 | ابراهيم العريس عن "آخر ميتران" | ميسر المسكي عن »مخبوء« لميشيل هانيكه | زياد عبد الله عن "ماما روما" لبازوليني | محمد رُضا عن لوي بونويل

هذا العدد

لوي بونويل كان مخرجاً فريداً من نوعه في العالم. لم يكن، في اعتقادي، أفضل من بعض سواه - لكنه كان عملاقاً في منحاه وسينماه ومعظم أفلامه حملت انعكاسات لحبّه للسوريالية ولآرائه في الكنيسة والنظام السياسي اليميني إذ رآهما وجهان لعملة واحدة٠ في هذا العدد بداية لأسبوع بونويلي يشمل حياته السينمائية ومراحل مهنته وبانوراما شاملة لمعظم أفلامه٠
قبل سنوات قليلة طلبت من الزميل ابراهيم العريس مقالة لنشرها في نسخة لم تصدر من "كتاب السينما" (تم تأليفها وجمع موادها لكن التمويل لم يكن متوفّراً فبقيت المواد على الكومبيوتر). وقد قام الزميل مشكوراً بالكتابة عن فيلم وثائقي فرنسي بعنوان "منتزه شان- دي- مارس« (او "آخر ميتران" كما أصبح عنوانه في الأسواق غير الفرنسية). عدت الى المقال ونفضت الغبار عنه لأهميّته وتوثيقه٠
وفي حين يتناول الصديق ميسر المسكي، الذي يكتب خصيصاً لهذه المجلة مشكوراً، فيلم "مخبوء" لميشيل هانيكه، يوفّر الزميل زياد عبد الله قراءة جديدة لفيلم بيير باولو بازوليني "ماما روما"٠

افتتاحية | الإيطالي جوزيبي تورناتوري لا يزال يحب السينما وفيلمه الجديد
يفتتح "فانيسيا"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوزيبي تورناتوري مع مونيكا بيلوشي خلال التصوير

لأول مرّة منذ عشرين سنة يتم اختيار فيلم إيطالي لافتتاح المهرجان الإيطالي "ڤانيسيا". وربما بدا الأمر بديهياً لكن حقيقة أن عقدين من الزمان مرّا على آخر مرّة تم افتتاح المهرجان الإيطالي بفيلم محلي دليل على أشياء كثيرة بعضها -وليس جميعها- له علاقة بالقيمة النوعية للأفلام الإيطالية المنتجة خلال هذين العقدين٠
وفي الوقت ذاته يُفيد ذلك في التأكيد على نهضة ما في حاضر السينما الإيطالية خلال السنوات الثلاث الأخيرة إذ ازداد وجودها في المهرجانات الدولية الأخرى (برلين، كان، تورنتو، ترايبيكا في نيويورك) علاوة على ما حققه »غومورا« من نجاح نقدي وجماهيري محليّاً وعالمياً خلال العام الماضي٠

الفيلم المختار للإفتتاح هو »باريا« للمخرج جوزيبي تورناتوري الذي كان اقتحم الشهرة قبل بفيلمه المتفاني »سينما باراديزو« (1990) الذي سرد فيه جانباً من ذكرياته ولداً صغيراً في الخمسينات يتسلل الى صالة السينما في قريته الصقلية مبهوراً بالشاشة الفضّية وما تعرضه. الفيلم الجديد هو عودة لتلك الذكريات من قبل مخرج يبلغ الآن 53 سنة من العمر ولم يقل في أفلامه كل شيء يريد قوله بعد٠

ولد تورناتوري في بلدة صقلية صغيرة أسمها هو ذات إسم فيلمه الجديد »باريا« ليست بعيدة عن مدينة باليرمو. حين كان في السادسة عشر من عمره، وبينما كان لا يزال تلميذا، قرر دخول الحياة الفنية تبعاً لذلك الإعجاب الكبير بالسينما. لكنه لم يختر السينما لتحقيق أفلامه آنذاك، بل المسرح فأخرج مسرحيّتين لكاتبين إيطاليين هما ادواردو دي فيليبو ولويجي بيرانديللو٠
المسرحيّتان كانتا للعرض المدرسي، لكنهما لفتا نظر عديدين شجعوه على الإخراج للسينما فالتقط الكاميرا وصوّر فيلماً قصيراً بعنوان »القافلة« وهذا شق طريقه الى تلفزيون المحطة الإيطالية
RAI
التي اسندت اليه مهاماً متعددة خلال العام 1979 وما بعد٠ هذه المهام انتقلت من العمل مساعداً لهذا المخرج او ذاك المنتج الى الإخراج حيث حقق تورناتوري لحساب المحطّة في مطلع الثمانينات بضعة أفلام وثائقية ناجحة وأحدها دار حول صناعة السينما في صقلية وآخر عن المخرج فرنشيسكو روزي وثالث عن الكاتب المسرحي لويجي بيرانديللو٠
أحد هذه الأفلام نال الجائزة الأولى في مجال السينما الوثائقية من مهرجان ساليرنو وعنوانه »الأقليات العرقية في صقلية«٠

اعتيادية
تورناتوري بات جاهزاً للإنتقال الى السينما الروائية وهو عمد الى هذه الخطوة سنة 1989 حين أنجز فيلماً عن العصابات الصقلية عنوانه »كاموريستا« جامعاً فيه الإيطالية لورا دل سول مع الأميركي، الصقلي الأصل، بن غازارا (أحد وجوه المخرج الأميركي المستقل جون كازافيتس المفضّلين)٠
هذه البداية الناجحة قادته الى فيلم أنجح هو »سينما باراديزو« نفسه. مثل الأول، كتب السيناريو، لكنه هذه المرّة قرر أنه يريد العودة الى ماضيه هو حين كان ولداً صغيراً واقع في حب السينما. لكن الفيلم كان أكثر من مجرّد قصّة صبي يتسلل الى غرفة العارض (الراحل فيليب نواريه) ويرى الأفلام مجاناً. كان أيضاً عن ملاحظاته في تلك الفترة لشخصيات مختلفة أكثرها إثارة للإهتمام او للطرافة راهب البلدة الذي كان يؤول على نفسه مشاهدة كل فيلم جديد لكي يراقبه قبل السماح به٠
وجد الفيلم نجاحاً كبيراً في المهرجانات والمناسبات السينمائية فقطف أوسكار أفضل فيلم أجنبي، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان »كان« للعام 1989 والغولدن غلوب الأميركية لجانب رطل من الجوائز من مناسبات أقل شهرة٠
ومع أن تورناتوري لم يتوقّف عن تحقيق الأفلام، الا أن قدراً من الإعتيادية سادت علاقته بالسينما بحيث لم يبرز مما حققه فيلم آخر بذات الصفات او النجاح الذي حققه »سينما باراديزو«. تورناتوري أخرج بعده »الجميع بخير« مع مارشيللو ماستروياني (أحد آخر أفلامه قبل موته) وميشيل مورغن، ثم فيلم من تمثيل جيرار ديبارديو و(المخرج) رومان بولانسكي بعنوان »شكليات فقط« وذلك سنة 1994. بعده حقق فيلماً عنوانه »صانع النجوم« مع سيرجيو كاستيليتو في البطولة وهذا الفيلم قرّبه من جديد للجوائز إذ نال جائزة لجنة التحكيم الخاصّة وإن أخفق في الوصول الى اوسكار ثاني كأفضل فيلم أجنبي٠
في العام 1998 عاد الى الواجهة من جديد بفيلم جيّد آخر هو »أسطورة 1900«. الفيلم الذي يتناول شخصية لاعب بيانو، قام به الأميركي تيم روث، وجد نفسه يعيش على ظهر باخرة تجتاز المحيط من ايطاليا الى اميركا لكنه لا يستطيع مغادرتها (قدّمناه على هذه الصفحة حينها)٠
الفيلم الحالي الذي سيفتتح مهرجان فانيسيا في دورته المقبلة بعد شهرين وبضعة أيام، هو من إنتاج التونسي طارق بن عمّار والإيطالية مارينا برلسكوني (قريبة رئيس الوزراء الذي تربطه بطارق بن عمّار علاقات عمل) ومن أشهر الأسماء التي في الفيلم مونيكا بيلوتشي٠

سينما لـ .... | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينما وأفلام لوي بونويل
1


المشهد الأخير من فيلم »ميلكي واي« يتضمّن خلاصة أحداث الفيلم ومكمن الرسالة التي يعتنقها بونويل بالنسبة لموقفه من الكنيسة. لا في هذا الفيلم فقط، بل في أفلامه جمعان: رجلان كفيفان يطلبان الشفاء من السيد المسيح بعدما التقياه مع بعض تلامذته في أسبانيا (المكان والزمان جزء من سوريالية سينما بونويل). يطلبان من المسيح أن يشفيهما ويفعل فيبصران. لكن حينما يسألانه تفسيراً لما يرونه يتركهما ويمضي. لا جواب عنده. في ذلك فحوى العلاقة التي براها بونويل مفقودة بين الدين والدنيا

أنجز بونويل هذا الفيلم سنة 1969 وقبل ثماني سنوات من تحقيقه أطلق المخرج المخرج عبارته الشهيرة: "لا زلت والحمد لله شخصاً ملحداً" عبارة لم ترق للمؤسسات الدينية حول العالم التي دائماً ما وجدت في أفلام بونويل معاداة للدين. وهي بالفعل معادية للتديّن على الأقل وللإعتناق الديني المحدود بكل تأكيد ولا أستطيع أن أؤكد أنه ضد الدين وكفى حتى ولو كان٠ الأهم هو أن هذا الفيلم، وأفلام أخرى، له يعكس قدراً من التردد من جانبه في تحديد ما هو ضدّه وما هو معه. في العام 1977 نفى أنه كان ملحداً، فقط انتقادياً٠

بصرف النظر عما إذا كان او لم يكن فإن واحداً من القيم الأهم في أفلامه هي النقد الموجّه للدين. وهو يتحدّث عن الدين المسيحي في بنيته الكاثوليكية لكن أحد الأمور التي على الناقد تحليلها في سينماه هو إذا ما كان رأيه منسحب على كل المسيحية ثم علي كل الأديان بذلك تكون الكاثوليكية نوع من واجهة الهجوم الممتد صوب عمق العلاقة بين الإنسان وبين مبدأ الإيمان بجوهر الدين. الغالب أنه يمكن سحب النقد الذي وجهه الى الكنيسة على كل الأديان رابطاً تحوّل الدين عن علاقة إنسانية/ الهية مباشرة الى ممارسات تختلط فيها المعطيات السامية للدين مع الأغراض السياسية والمرتبطة بالطبقة العليا من النظام. فهو دائماً ما وضع الدين، من خلال الكنيسة الكاثوليكية التي هي أقرب إليه كونه نشأ كاثوليكيا، والسُلطة والبرجوازية في إطار واحد ومارس تهشيمه مبادئها٠

مع فردريكو لوركا في لقطة "سوريالية" مركّبة

ولد في 22/2/1900 ومات في 29/7/ 1983 ومسقط رأسه قرية أسمها كالاندا في منطقة أراغون في أسبانيا وتم رحيله في مدينة نيو مكسيكو. والده كان جنديا خدم في القوات الأسبانية في كوبا لكنه استقر هناك الى حين عودته الى أسبانيا وتزوّج وهو في الثانية والأربعين من عمره وذلك سنة 1898 ولويس كان أول ثمرة من هذا الزواج٠
نشأة بونويل كاثوليكية بالدراسة أيضاً إذ أمضى نحو سبع سنوات في مدارس لاهوتية (فرنسية واسبانية) وكان، حسب شهادات، نجيباً في دراسته وذلك منذ طفولته لكنه في الخامسة عشر من عمره أخذ يرتاب في درجة إيمانه وبعد قراءته داروين وماركس وروسو قرر أنه لا يريد أن يكون مؤمناً لأنه لا يستطيع ذلك٠
في العام 1917 انتقل الى مدريد وانخرط في الجامعة. أراد دراسة الموسيقا لكن والده أصر على الهندسة الزراعية وهو في النهاية انتهى الى دراسة علم الحشرات وهو علم كان مهتمّاً به منذ صباه٠
مدريد لم تكن قريته الصغيرة ولا حتى مدينة ساراغوستا التي كان لوالديه شقّة فيها، بل كانت محطّة ثقافية انتمى إليها بونويل الذي كان لا يزال يجهل الكثير من فاعليات البيئة الثقافية. هناك تعرّف على عدد من الكتّاب والمثقّفين من بينهم رفاييل ألبرتيني ورامون غوميز دي لا سرنا وفردريكو غارسيا لوركا كما الشاعر جوان رامون جيمينز مؤسس حلقة الشعراء السورياليين سنة 1927
وتعرّف في ذلك الحين أيضاً على الرسّام سلفادور دالي وأخذ من حينها يكتب أفكاراً فلسفية متأثرة بأجوائه الجديدة. بعد سنة وشهرين من الخدمة العسكرية انتقل بونويل الى باريس بعدما وجد عملاً في السفارة الفرنسية هناك وهذا فتح له مجال تواصل جديد مع البيئة الثقافية في باريس (عدا عن أنه التقى بجين روكار، المرأة التي أصبحت زوجته. في تلك المرحلة تأكد له أنه يريد أن يصبح مخرجاً سينمائيا٠
في مذكّراته المسمّاة »النفس الأخير« الذي وضعه قبل سنوات قليلة من موته ليسرد فيها سيرة حياته هذه، ذكر أنه شاهد أول أفلامه وهو في الثامنة من العمر (فيلم كرتوني) وأن كوميديات ماكس ليندر (فرنسي مجهول عربياً) وباستر كيتون وتشارلي تشابلن وهارولد لويد وبن تورن كانت من بين ما شاهده بكثرة. لا يقرر في تلك المذكّرات كيفية استقباله لها وعما إذا كان تأثّر بها لأبعد من مجرد استقبال ترفيهي أم لا، لكن المؤكد أن باريس منحته البلورة في هذا الإتجاه وهو كتب أنه بدأ يؤم السينما عدة مرّات في الأسبوع وأحيانا كثيرة كان يمضي اليوم بكامله في الأفلام. أحد هذه الأفلام كان »موت مُتعَب« لفريتز لانغ [فيلم من مرحلته الألمانية إذ حققه سنة 1921] هذا الفيلم، بالنسبة لبونويل، كان من التأثير بحيث أنه قرر أن السينما هي التعبير الأفضل الذي يبحث عنه وأن حياته من الآن وصاعداً سوف تكون سينمائية٠


Un Chien Andalou | الكلب الأندلسي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في العام 1925 او نحوه انخرط في مدرسة جان إبستين للسينما وبعد أشهر قليلة وجد نفسه مساعداً في أفلام لابتستين التجريبي كما في أفلام روائية مختلفة من بينها فيلم »كارمن« [جاك فيدر- 1926]. بعد عام انفصل عن جان ابستين (بسبب خلاف حول تقييم المخرج آبل غانس) وعاد الى أسبانيا حيث عاد الى الحلقة الثقافية التي كان تعرّف اليها وكتب سيناريو عن حياة »غويا« لم ير النور. سلڤادور دالي اقترح عليه أن يصنعاً فيلماً تجريبيا- سوريالياً مشتركاً وبونويل كتب لأمه (والده مات حين كان بونويل لا يزال في باريس) وهذه مدّته بحصّته من الإرث فأنتج فيلمه الأول »الكلب الأندلسي« في باريس مستعينا بالمصوّر ألبير دوفرجر الذي كان مصوّر جان إبستين (المفضّل كما اعتقد)٠
من ذلك الفيلم الأول (1929) عمد بونويل الى عادة التمسّك بالسيناريو من دون تعديلات تذكر خلال التصوير. رغم ذلك كان الممثلون لا يدرون تحديداً ما الذي يؤدونه. ما هي القصّة التي كانوا يشتركون في تفليمها. سلڤادور دالي لم يكن حاضراً بل وصل في الأيام الأخيرة من التصوير٠
هذا الفيلم من سبعة عشر دقيقة فقط لكنه الى اليوم نموذج السينما السوريالية. في المشهد الأول رجل يقف على شرفة منزل ليلاً يمر بموسى على عين فتاة صغيرة. المشهد مقلق وصادم لكن بونويل أراده ذلك وبه أسس لحضوره السينمائي الأول (اليد التي تمثّل المشهد هي يده اما العين المصوّرة بكلوز أب فكانت عين عجل ميّت)٠


بونويل كان يعلم أن المشهد سيكون صادماً لكنه كتب في مذكّراته: "صوّرته لأني حلمت به ولأني كنت أعلم أنه سيثير الإشمئزاز"٠
بعد ذلك المشهد يستمر الفيلم في منهجه: عنوان مطبوع يعلن مرور ثماني سنوات. رجل على درّاجة تتعثّر دراجته وتتوقّف. الآن نراه في غرفة مع إمرأة كانت أطلّت من شرفتها. يداعبها. هناك لقطة لمداعبة ثدييها من فوق ردائها ثم يتم محو الرداء بطريق الـ
Dissolve In
فإذا بثدييها عاريين. ثم ينظر الرجل الى يديه فيجد عشرات النمل تخرج من تحت كمّه. بعد ذلك هناك صورة لرجل آخر يوخز بعصاه يدا مقطوعة (هذا من حلم لسلڤدور دالي) ثم آلتي بيانو مفتوحتان على جثّة حمار٠
قبل العودة الى الشقّة حيث يدخل رجل آخر يقتله الأول بكتابين يتحوّلان بين يديه الى مسدّسين. المجموعة الأخيرة من المشاهد الرجل والمرأة مدفونان، حتى وجهيهما، على رمال الشاطيء والنمل وحشرات أخرى تحوم حولهما٠
قلت أن الفيلم بات نموذجاً للسينما السوريالية، لكنه بالتأكيد ليس الأول إذ هناك فيلم سابق للمخرج الفرنسي جرمان دولاك بعنوان »الصُدفة والراهب« او
La Coquille et le Clergyman
سبق هذا الفيلم بعام ومثله يعمد (ولو بعنف أقل) الى تجاوز السائد في قضية السرد المعتاد والجمع بين الخيال والوعي في سلسلة لقطات غير متّصلة٠
وهناك حادثة لها مغزاها: في أحد العروض الأولى للفيلم في باريس (إن لم يكن العرض الأول) وصل بونويل الى صالة العرض وفي جيبه حجارة خوفاً من ردّ فعل الحاضرين (جلّهم من المثقّفين وأتباع الفن السوريالي) بعد تناهى له أنهم استقبلوا فيلم دولاك بثورة متّهمينه بأنه خان التعاليم السوريالية. العرض مر بخير وفي الناية تلقّى المخرجين تهاني كثيرة. المخرج جان فيغو (بدوره من أكثر سينمائيي الفترة تميّزاً) اعتبره فيلماً جيّداً في كل شيء والفيلم عرض تجارياً لبضعة أشهر


L'Age d'or | العصر الذهبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرع بونويل ودالي للتحضير لفيلهمها الثاني عن سيناريو آخر كتباه على أن يتم تصويره في أسبانيا. الفكرة كانت تحقيق فيلم يكون مرادفاً او استكمالاً لـ "الكلب الأندلسي«، لكنهما سرعان ما أدركا بأنهما مختلفان في نواحي كثيرة ما أدّى الى انفصالهما. وحسب مذكّرات بونويل فهو فكّر في اعتزال الإخراج لأنه لم يملك من يموّل له فيلمه المقبل. عاد عن قراره هذا حين عرض عليه منتج أسمه فيكوم د نوايي كان أنتج فيلمين من قبل هما
Les Mysteres d Chateau | ألغاز القصر
Le Sang d'un Poete | لمخرج أسمه مان راي و "دم شاعر"٠
للمخرج المعروف جان كوكتو٠
تمويل فيلمه التالي. وهكذا وُلد »العصر الذهبي«٠
هذا الفيلم الذي شهد عرضه الأول سنة 1930 لم يكن تكملة من أي نوع للفيلم السابق، لكنه كان أيضاً سورياليا يتبع البناء العرضي ذاته ويختار من سيل صوره الآتية من اللاوعي والوعي معاً ما يكشف تأثيرات فرويد ونظرياته فيما يتعلّق بالنوازع الجنسية لدى البشر٠ الى ذلك، فإن الهجوم على التفكير التقليدي لم يعد من خلال اعتماد الشكل الفيلمي (او المنهج السوريالي) وحده، بل من خلال قصد الهجوم على الكنيسة والبرجوازية الأوروبية٠
يبدأ الفيلم بشريط وثائقي حول العقارب ويليه مشاهد لعصبة من الرجال على شاطيء البحر تتصدّى لها عصبة من الرهبان ثم بمجموعة تريد تأسيس الإمبراطورية الرومانية. بعد قليل نحن مع شريط صوتي يفصح عن مجامعة جنسية بين رجل وإمرأة. ثم ها هو الرجل وحده يهذي بينما المرأة تدخل غرفتها وتجد بقرة ملقاة على فراشها٠
ما سبق هو جزء من قصّة تقع في ستة أقسام. ما يلي يتمحور -الى حد- حول ذلك العاشق (غاستون مودوت) الذي يرمي الى الحياة مع حبيبته (ليا ليس) وهما من نراهما يمارسان الحب في الوحل، قبل أن نكتشف احتمال أنه هو وحده في الصورة وأنها قد تكون الميتافيزيقيا التي في البال. حين يتقابلان من جديد تستحوذ على بونويل الرغبة في الإستعارة من بعض الكوميديات الصامتة التي أحب فيما يشبه التحية. لكن لقاءهما الثاني ذاك لا يدوم إذ يرن جرس هاتف. يمضي ليرد عليه. يعود فلا يجدها ونكتشف أنها مضت مع مايسترو الأوركسترا ما يسبب في غضبه فيرمي حاجياته من النافذة المفتوحة٠
هذا ليس بالكثير في منحى القصّة (اي قصّة) لكن علينا أن نتذكّر أن بونويل لم يكن بوارد سرد حكاية. لا في الفيلم السابق ولا في هذا ولا في بعض أفلامه اللاحقة. مرّة ثانية هناك فرويد مترجماً الى مشاهد سوريالية كما هناك تأثيرا برواية " 120 يوماً من سادوم" التي وضعها ماركيز دي ساد (واقتبسها لاحقاً بيير باولو بازوليني)٠
حين خرج الفيلم للعروض انتقده سلڤدور دالي بشدّة قائلاً أنه فيلم تعامل كاريكاتورياً مع أفكاره٠ وهو لم يكن الوحيد بالطبع الذي هاجم الفيلم بل هوجم من قبل اليمين والكنيسة على حد سواء وقام البوليس الفرنسي بإصدار قرار بمنع الفيلم "حفاظاً على النظام العام" بعدما تعددت التظاهرات وأعمال الشغب ضد الفيلم (بما فيه اقتحام شبّان يمينيين إحدى الصالات وإلقاء حبر وبيض على الشاشة)٠ المنتج وزوجته حرما من عضوية النادي الذي كانا ينتميان إليه٠
لكن الفيلم اليوم، كما كان بالأمس، هو نموذج لما تستطيع الكاميرا فعله إذا ما تحررت كليّاً من النصوص التقليدية وأنماط العمل والواجبات المنطقية والتزمت تعبيراً لا ضوابط له٠ بالنسبة لمخرجه، كان بونويل أعلن ما تعنيه السينما السوريالية وكيف توفير شروطها في فيلمه السابق. في هذا الفيلم أحكم الطوق على تعريفه وأنجز عملاً تحبّه او تكرهه لا شأن له بك، لكن ما يدفعك للإقرار به هو أنه فيلم مختلف. تماماً كما سيصبح وضع بونويل في السينما الى حين وفاته٠

العدد المقبل: بونويل ما بين الحرب الأسبانية والهجرة الى المكسيك٠

سيرة‮|إبراهيم العريس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"منتزه شان-دي‮ ‬مارس"‬ الأيام الأخيرة لرئيس والأولى
لكتاب



‮»‬منتزه شان‮- ‬دي‮- ‬مارس‮« (‬او‮ »‬آخر ميتران‮« ‬كما ظهر في‮ ‬الأسواق‮ ‬غير الناطقة بالفرنسية‮) ‬هو،‮ ‬حسب مصادر فرنسية،‮ ‬أول فيلم روائي‮ ‬فرنسي‮ ‬عن رئيس جمهورية كما هو واحد من ثلاثة مهمة عن رؤساء جمهوريات خرجت في‮ ‬الأعوام القليلة الماضية‮ (‬لجانب‮ »‬شمس‮« ‬للروسي‮ ‬ألكسندر زوخوروف عن حياة الإمبراطور الياباني‮ ‬هيروهيتو‮ ‬و»طلقة الرئيس الأخيرة‮« (‬او‮ »‬ذلك العشيق‮«) ‬للكوري‮ ‬إم سانغ‮- ‬سو عن حياة‮ (‬وموت‮) ‬الرئيس الكوري‮ ‬الجنوبي‮ ‬بارك تشونغ‮ ‬هي‮). ‬الناقد‮ ‬إبراهيم العريس‮ ‬يتناول الكتاب والكاتب والفيلم في‮ ‬قراءة تطرح اسئلة في‮ ‬شؤون السير الذاتية المنقولة الى الشاشة‮. ‬
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس هذا وجه أبي‮ ‬حقاً،‮ ‬غير أنني‮ ‬أقر بأن ثمة تشابها بين
الوجين‮. ‬وفي‮ ‬الأحوال كافة لست أدري‮ ‬حقاً‮ ‬ما هو شعوري‮ ‬
حين أرى ميشيل بوكيه‮ ‬يلعب دور والدي‮ ‬على الشاشة‮

بهذه الكلمات استقبلت مازارين،‮ ‬الإبنة‮ ‬غير الشرعية للرئيس الفرنسي‮ ‬الراحل فرانسوا ميتران،‮ ‬الصور الأولى التي‮ ‬عٌرضت عليها للممثل ميشيل بوكيه وهو‮ ‬يلعب،‮ ‬على الشاشة وتحت إدارة روبير‮ ‬غيديغيان دور أبيها في‮ ‬فيلم‮ »‬المنتزه في‮ ‬شان-دي‮ ‬مارس‮«. ‬غير أن رد فعل مازارين هذا،‮ ‬كان الأخف بين ردود فعل عديدة جابهت هذا الفيلم منذ بدء الحديث عنه ولا سيما في‮ ‬أوساط الحرس الميتراني‮ ‬القديم،‮ ‬اي‮ ‬بين أصدقاء ورفاق الرئيس السابق للجمهوريه والذي‮ ‬اعتبر واحداً‮ ‬من آخر رجال السياسة الكبار في‮ ‬التاريخ الفرنسي‮ ‬المعاصر‮.‬
والملفت أن معظم ردود الفعل كانت سلبية‮. ‬ليس فقط لأن هؤلاء أعتبروا رئيسهم السابق‮ »‬تابو‮« ‬لا‮ ‬يمكن المساس به،‮ ‬بل خاصة لأنهم فهموا بسرعة أن الفيلم مأخوذ،‮ ‬في‮ ‬الأصل،‮ ‬عن كتاب كان الصحافي‮ ‬جورج مارك بن عمو‮ -‬الذي‮ ‬كان آخر صحافي‮ ‬رافق ميتران‮- ‬قد وضعه بعد شهور من رحيل الرئيس،‮ ‬أي‮ ‬قبل تسع سنوات ونيف من اليوم.صحيح أن ميول بن عمو،‮ ‬بشكل عام،‮ ‬إشتراكية وتلتقي‮ ‬مع ميول ميتران وصحبه،‮ ‬لكن الصحافي‮ ‬الشاب حرص في‮ ‬كتابه على أن‮ ‬يدنو من بعض الأمور،‮ ‬الخاصة والعامة،‮ ‬التي‮ ‬كان‮ ‬غلاة الميترانيين‮ ‬يفضلون عدم الخوض فيها‮. ‬يومها هاجموا الكتاب وقاطعوه،‮ ‬لكن تصرّفهم أدّى الى عكس ما هو مطلوب‮: ‬ساهم كل ذلك الضجيج في‮ ‬رواج الكتاب‮. ‬أما حين سمعوا بأن الفيلم المأخوذ عن الكتاب بات على وشك أن‮ ‬يُنجز فقد ازداد صخبهم وراحوا‮ ‬يدلون بتصريحات عديدة ومعادية،‮ ‬حتى من دون أن‮ ‬يشاهد أي‮ ‬منهم الفيلم او‮ ‬يعرف،‮ ‬حقاً،‮ ‬كيف سيتحدث عن ميتران‮.‬
بعد ذلك،‮ ‬حين عرض الفيلم في‮ ‬شباط‮/ ‬فبراير‮ ‬2005،‮ ‬وفي‮ ‬الذكرة العاشرة لرحيل فرانسوا ميتران هدأ الضجيج وبدا الأمر أقل خطورة مما تصوّروا‮. ‬بل أن كثيراً‮ ‬منهم ناصروا الفيلم مفضلينه على الكتاب‮. ‬وكان السبب بسيطاً‮: ‬الفيلم لم‮ ‬يأت في‮ ‬نهاية أمره ليفضح أي‮ ‬شيء في‮ ‬حياة رجل‮. ‬يخشى رفاقه دائما من أن‮ ‬يفضح أحد ما أموراً‮ ‬لا تزال خافية في‮ ‬حياته ونشاطه السياسي،‮ ‬بل أتى‭ ‬ممجّداً‮ ‬له ولأفكاره‮ ‬يصوّر أيامه الأخيرة ولكن‮ -‬وهنا بيت القصيد‮- ‬منظورا اليها من وجهة نظر ذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬رافقه في‮ ‬حله وترحاله في‮ ‬تلك الأيام مسجلاً‮ ‬أقواله وأفعاله،‮ ‬لؤمه على الآخرين،‮ ‬تأملاته في‮ ‬الحياة وفي‮ ‬السياسة‮. ‬إحتفاره لبعض ذو النفوس الصغيرة‮. ‬إبداعه في‮ ‬العلاقات الدولية‮... ‬وكل تلك الأمور الأخرى التي‮ ‬عهدت عن‮ »‬رجل الوردة‮« ‬كما كان‮ ‬يوصف عادة إنطلاقاً‮ ‬من شعار الوردة‮. ‬شعار حزبه الإشتراكي‮.‬

•‮ ‬ولادة كتاب‮ ‬•
أمام هذه النتيجة التي‮ ‬تمخض عنها الفيلم،‮ ‬هدأت العاصفة الى حد كبير،‮ ‬فالفيلم جاء في‮ ‬نهاية أمره فيلماً‮ ‬عن ولادة كتاب أكثر مما جاء فيلماً‮ ‬عن موت رئيس وزعيم‮. ‬ذلك أن التزاوج هنا أتي‮ ‬خلافاً‮ ‬وذا دلالة بين فرانسوا ميتران وهو‮ ‬يكتشف إصابته بالسرطان ويعرف أنه سوف لن‮ ‬يعيش سوى فترة محدودة أخرى من الزمن،‮ ‬وبين الحياة الخاصة‮ -‬والموازية‮- ‬لذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬اختار الرئيس أن‮ ‬يبثّه همومه وأفكاره،‮ ‬حينا وهما‮ ‬يتنزّهان في‮ »‬شان-ديمارس‮« (‬ومن هنا عنوان الفيلم الأصلي‮) ‬وحينا وهما في‮ ‬طائرة تقل ميتران الى لقاء جماهيري‮. ‬حيناً‮ ‬والرئيس‮ ‬يراقب رفاقه وهم‮ ‬يتخبّطون في‮ ‬سياساتهم الخرقاء،‮ ‬وأحياناً‮ ‬وهو على فراش المرض ثم الموت‮.‬
غير أن هذا كله لا‮ ‬يقدم إلينا في‮ ‬الفيلم بصورة سينمائية مباشرة،‮ ‬بل دائماً‮ ‬من منظور ذلك الصحافي‮ ‬الذي‮ ‬يعيش طوال ساعتي‮ ‬الفيلم آلام مخاض كتابه‮. ‬ويتحمّل نزوات صديقه الرئيس العجوز،‮ ‬ويجابه أسرته التي‮ ‬تبدو رمتطرفة أحياناً‮ -‬وهي‮ ‬أسرة شيوعية‮- ‬في‮ ‬عدائها لميتران وحديثها عن‮ »‬خيانته‮« ‬للأفكار الإشتراكية‮. ‬والحقيقة أن هذا كله أسفر عن فيلم‮ ‬غريب ومحيّر‮.‬
أشرنا أعلاه إذاً‮ ‬الى أننا هنا أمام فيلم‮ ‬يتحدّث عن ولادة كتاب‮. ‬ولعل هذا هو الجانب المحيّر أكثر من‮ ‬غيره في‮ ‬الحديث عن هذا الفيلم،‮ ‬وبالتحديد لأن الكتاب صار هو‮ »‬بطل‮« ‬الفيلم هنا‮. ‬ويبدو الأمر مثل تطبيق للنطرية التي‮ ‬ينقلها الكاتب الأرجنتيني‮ ‬الكبير جورج لوي‮ ‬بورغيس عن لوتريامان وفحواها أن كل أحداث العالم وكل شخصيات العالم تبدو وكأنها كانت حتى‮ ‬ينتهي‮ ‬بها الأمر داخل كتاب‮. ‬
ما‮ ‬يحدث أمامنا في‮ »‬منتزه‮« ‬شان دي‮ ‬مارس هو بالتحديد هذا‮: ‬إن الكاتب الشاب وهو الشخصية المحورية في‮ ‬الفيلم،‮ ‬طالما أن ميتران لا‮ ‬يٌرى الا من منظوره،‮ ‬مهتم أساساً‮ ‬بإنجاز كتابه عن الرئيس‮. ‬في‮ ‬وقت‮ ‬يعيش فيه الرئيس،‮ ‬ليس فقط أيام حكمه الأخيرة،‮ ‬بل كذلك أيام حياته الأخيرة‮. ‬ومن هنا نجده في‮ ‬سباق مع الزمن‮. ‬لكنه أيضاً‮ ‬في‮ ‬سباق وسجال مع أفكاره‮. ‬وأسئلته الأساسية تدور من حول أخلاقية الكتابة‮. ‬ولا سيما أخلاقية الكتابة عن التاريخ المعاصر‮: ‬حين نضع كتاباً‮ ‬عن شخص لا‮ ‬يزال حياً‮ ‬بيننا او لا تزال ذكراه وأفعاله راهنة ماثلة أمامنا،‮ ‬ما الذي‮ ‬نختار أن نضعه في‮ ‬الكتاب؟ الحقيقة؟ الحقيقة كلها؟ ولكن من‮ ‬يملك الحقيقة؟ ومن أين‮ ‬يؤتى بها؟ فإذا اخترنا مقاطع من الحياة،‮ ‬وأجزاء من الأفكار،‮ ‬كيف‮ ‬يمكننا أن نختار وتبعاً‮ ‬لأية معايير؟ إن الإختيار،‮ ‬ومهما كانت تفاصيله،‮ ‬سيكون موقفاً‮. ‬فهل على الكاتب أن‮ ‬يسجل موقفه؟ أم موقف صاحب العلاقة؟ وهلا‮ ‬يرتبط هذا بالقاريء الذي‮ ‬يتوجه إليه المرء في‮ ‬كتابه؟ ثم من هو هذا القاريء وكيف تضمن تفاعله؟ وهل هو قاريء واحد؟ وبعد ذلك‮ ‬يأتي‮ ‬سؤال أكثر حسماً‮: ‬ما هي‮ ‬علاقة الكاتب تفسه بما‮ ‬يكتب وبمن‮ ‬يكتب عنه؟ وهذه العلاقة هل‮ ‬يجب أن ترشح في‮ ‬ثنايا الكتاب؟

•‮ ‬الشخصية المحاصرة‮ ‬•
إنها اسئلة عديدة‮ ‬يطرحها هذا الفيلم من خلال طرح الكتاب لها وقد لا‮ ‬يخفف من حدتها وأهميها أن‮ ‬يقول جورج‮- ‬مارك بن عمو لاحقاً‮ ‬بصدد الحديث عن كتابه‮: "‬طوال الفترة التي‮ ‬صاحبت فيها الرئيس الراحل لكي‮ ‬أضع كتابي‮ ‬عنه،‮ ‬كنت أشعر أنني‮ ‬مثل المنوّم مغناطيسيا‮". ‬والحقيقة أن هذا‮ ‬يبدو واضحاً‮ ‬في‮ ‬الفيلم،‮ ‬لا في‮ ‬ثنايا الكتاب،‮ ‬الى درجة أننا نشعر في‮ ‬مشاهدة عديدة بشيء من إختناق البطل الصحافي‮ ‬الشاب‮ (‬ويقوم بدور جليل لسبير‮) ‬ورغبته العارمة في‮ ‬لحظات كثيرة بالإفلات من أسر الشخصية التي‮ ‬تحاصره تماماً‮: ‬شخصية ميتران وقد وجد في‮ ‬بن عمو مرآة له‮ ‬يبثها أفكاره وسخريته ووداعه لهذا العالم‮. ‬ومن هنا‮ ‬يصبح الفيلم‮ -‬أكثر من الكتاب بالطبع‮- ‬فعل مجابهة بين شخصين‮: ‬أحدهما سياسي‮ ‬كبير‮ ‬يريد أن‮ ‬يقترب من ذاته ودواخلها من خلال صديقه الشاب‮. ‬ميتران الذي‮ ‬لفرط ما خاض السياسة منذ كان أصغر سناً‮ ‬من هذا الصحافي‮ ‬الشاب،‮ ‬نسى ما هو داخل نفسه‮ - ‬وحتى وإن كان سيبدو لنا مغرقاً‮ ‬في‮ ‬أنانيّته‮. ‬وثانيهما،‮ ‬صحفي‮ ‬شاب‮ ‬يخوض معترك الكتابة السياسية ويتطلع من خلالها الى الخروج من ذاته الضيّقة الى العالم كله والى العالم الموضوعي‮. ‬
نحن هنا،‮ ‬إنطلاقاً‮ ‬من تفاعل هاتين الشخصيّتين،‮ ‬إذاً،‮ ‬أمام صورة مثالية لفكرة لم تكف أبداً‮ ‬عن مداعبة خيال كبار الكتّاب المبدعين في‮ ‬تاريخ الأدب‮: ‬فكرة محورها السؤال عمن‮ ‬يتلاعب بالآخر‮. ‬حين‮ ‬يخلق مبدع ما‮ ‬شخصية من شخصياته من هو المسيطر؟ الكاتب او الشخصية؟ وهل‮ ‬يمكن أن تكون للشخصية سمات تجعلها حرة في‮ ‬تصرّفاتها؟ بل هل‮ ‬يمكن للكاتب أن‮ ‬يعيش حياته بحرية بينما هو مقدم على إبداع شخصية‮ ‬يريد أن‮ ‬يسبغ‮ ‬عليها صورة حياة ما؟
بكلمات أخرى‮: ‬هل‮ ‬يكون كاتبنا الشاب هنا منكباً‮ ‬على وضع كتابه عن فرانسوا ميتران الحقيقي‮ ‬السياسي‮ ‬الداهية؟ ما هو مدى الحرية المتاحة له في‮ ‬مجال إعادة خلقه تلك الشخصية على الورق؟ ثم في‮ ‬الفيلم؟ والى أي‮ ‬مدى‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يجعل من رسم شخصية معيّنة إسقاطاً‮ ‬لشخصيات أخرى؟
مثلاً‮ ‬حين نشاهد‮ »‬الإسكندر‮« ‬لأوليڤر ستون نفهم بسرعة إننا لسنا هنا أمام الإسكندر التاريخي‮ ‬وحده،‮ ‬بل أمام ما أراد ستون منا أن نفهمه‮. ‬إن الإسكندر قد‮ ‬يكون جورج بوش في‮ ‬عملية إسقاط واضحة،‮ ‬ذلك أننا فيما نشاهد‮ »‬التاريخ‮« ‬مروياً‮ ‬لنا،‮ ‬لا‮ ‬يمكننا أن نشاهده الا إنطلاقا من مرشح همومنا الراهنة‮. ‬فإين هو فرانسوا ميتران‮- ‬الفيلم من هذا الأسلوب في‮ ‬التعاطي‮ ‬مع التاريخ؟‮ ‬
حسناً،‮ ‬قد‮ ‬يبدو من الصعب هنا أن نتعامل مع شخصية لها من طغيان الحضور الراهن ما لشخصية فرانسوا ميتران،‮ ‬كما نتعامل مع أخرى‭ ‬أسطرها التاريخ من طينة الإسكندر‮. ‬ومع هذا،‮ ‬ربما‮ ‬يصح أن نقول أن ثمّة قاسماً‮ ‬مشتركاً‮ ‬شديد الوضوح بين الفيلمين والرؤيتين الفكريتين لهما‮: ‬ففي‮ ‬فيلم ستون،‮ ‬ثمّة تأمل حقيقي‮ ‬حول مفهوم السلطة وكيف تُبنى وكيف تنهار‮. ‬ومثل هذا التأمل‮ ‬يمكننا تلمسه بسهولهة في‮ »‬منتزه شان دي‮ ‬مارس‮« ‬ذلك أن فرانسوا ميتران في‮ ‬هذا الفيلم لا‮ ‬يعود كائناً‮ ‬حقيقياً‮ ‬من لحم ودم،‮ ‬بل‮ ‬يصبح كتلة من الأفكار والمواقف‮. ‬يصبح صاحب سلطة حاذقاً‮ ‬وذكياً‮. ‬وضحت له الأمور في‮ ‬آخر أيام حياته،‮ ‬وبعدما صارت السلطة المادية المباشرة بعيدة عنه لتحل محلها سلطته المعنوية‮. ‬وهذا ما‮ ‬يتيح له أن‮ ‬يقف ليتأمل مستخلصا العبر‮. ‬ولعله في‮ ‬هذا‮ ‬يبدو أقرب الى مارك أويلوس المتأمل في‮ ‬أحوال الدنيا والكون منه الى أي‮ ‬زعيم آخر‮.‬

ميشيل بوكيه
•‮ ‬بحثاً‮ ‬عن الأسطورة‮ ‬•
ولعل هذا الجانب الذي‮ ‬هو أساسي‮ ‬في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬هو ما هدّأ من‮ ‬غلواه‮ ‬غلاة الميترانيين،‮ ‬إذ أدركوا أن الفيلم لم‮ ‬يأت في‮ ‬نهاية الأمر فيلماً‮ ‬عن فرانسوا ميتران،‮ ‬الإنسان او الرئيس،‮ ‬صحاب المواقف او صاحب الفضائح،‮ ‬بل بالتحديد فيلما عن ولادة كتاب وعن تأمّلات إنسان حكيم،‮ ‬ناهيك بجانب آخر‮ ‬يطاوله الفيلم بعفوية لكنه‮ ‬يأتي‮ ‬في‮ ‬خضم سجال طويل ودائم حول تقديم الأحداث والشخصيات المعروفة في‮ ‬السينما‮. ‬فمن المعروف في‮ ‬عالم السينما أن الصورة،‮ ‬على عكس الكلمة،‮ ‬تنحو الى مسح مبدأ تخيل المتفرج لصورة الشخصيات التي‮ ‬يعرفها او قرأ عنها،‮ ‬بما في‮ ‬ذلك شخصية الأساطير الراسخة،‮ ‬حيث،‮ ‬في‮ ‬القراءة،‮ ‬يبدو القاريء مشاركا على الأقل في‮ ‬رسم صورة الشخصيات في‮ ‬خياله‮. ‬ما‮ ‬يعطيها حياة مختلفة،‮ ‬شكلياً‮ ‬على الأقل،‮ ‬عن حياتها التي‮ ‬خطها قلم الكاتب‮. ‬ما‮ ‬يجعل خيال القاريء،‮ ‬واللغة نفسها مرشّحين تمر الصور عبرهما لتبقى له أسطوريته‮ - ‬ونعرف إنه حتى الشخصيات التاريخية الحقيقية لا‮ ‬يمكن أن تعيش في‮ ‬الأب او الكتاب بشكل عام الا إذا خُلقت لها أسوطرية ما‮. ‬أما حين‮ ‬يتحول النص-والشخصيات‮- ‬الى الشاشة فإن بصرية الصورة تنحو الى إعطاء الشخصية،‮ ‬او الحدث،‮ ‬إيهام واقع‮ ‬يبدّل من شكلهما تماما ما‮ ‬يبعد خيال المتفرج واللغة كوسيطين ويضفي‮ ‬عليهما‮ »‬مصداقية‮« ‬غالبا ما تنسف الأطورة وبالتالي‮ ‬تنسف إنسحار المتفرج بها‮. ‬ومن هنا عمد كبار الفنانين دائما الى أن‮ ‬يقدّموا لنا الشخصيات عبر وسيط‭ ‬‮(‬هو الكورس أحيانا،‮ ‬والراي‮ ‬في‮ ‬أحيان أخرى‮) ‬ما‮ ‬يضفي‮ ‬على الأحداث مجدداً‮ ‬طابع الأسطورة إذ تصبح مروية عبر وسيط ما،‮ ‬لا معروضة على الشاشة في‮ ‬صورة تتوخى أن تكون نهائية‮. ‬هذا ما فعله أوليڤر ستون مثلا حين جعل بطليموس،‮ ‬في‮ ‬الإسكندرية،‮ ‬هو الذي‮ ‬يروي‮ ‬لنا حياة الإسكندر‮. ‬وهذا ما‮ ‬يفعله أيضا،‮ ‬وبصورة خاصة فيلم‮ »‬منتزة سان-دي‮- ‬مارس‮« ‬حيث نشعر في‮ ‬كل لحظة أن ما نراه-حتى وإن كنا نعرفه تاريخيا‮- ‬إنما هو شيء‮ ‬يُروى‮. ‬ومن وجهة نظر محددة‮. ‬هي‮ ‬وجهة نظر مؤلف الكتاب‮. ‬وهذا في‮ ‬رأينا،‮ ‬واحد من أبرز الأمور المطروحة عمليا في‮ ‬هذا الفيلم،‮ ‬حتى وإن سلمنا بأنه لا‮ ‬يمكن إعتباره بأي‮ ‬حال تحفة سينمائية‮.‬


فيلم | ميسر المسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Caché (Hidden)

حَصَلَ المخرج النمساوي – ميكائيل هانكه – على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي لهذا العام. هانكه ليس جديدا على كان وأفلامه غالبا ما نالت تكريما ما فيه. و هنا إطلالة على فيلمه السابق في المهرجان "مخفي" والذي نـَالَ عنه جائزة أفضل مخرج في العام 2005 ، كما حَصَلَ الفرنسي – دانيال أوتوي – على جائزة أفضل ممثل عن دوره فيه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يبدأ الفيلم بلقطة تأسيسية طويلة لبيت عادي في شارع باريسي هاديء. الكاميرا ثابتة، وهي من وجهة نظر موضوعية تبدو كاميرا المخرج الذي سيروي لنا حكاية فيلمه. لكننا بعد زمن ليس بالقصير نسمع حوارا من خارج الكادر يتسائل طرفاه عن المغزى مما نراه و من الذي يُصّور. و من ثم ندرك أن هذا المشهد الطويل إنما هو جزء من شريط فيديو يشاهده جورج ( دانيال أوتوي ) و آن ( جولييت بينوش ) اللذان عثرا على الشريط على عتبة مدخل منزلهما الذي شكـّلت و اجهته التي راقبناها لفترة، مدخلا لفيلم ميكائيل هانكه المُركـّب و الذي بتكراره لواقعة الفيلم- داخل- الفيلم يجعل المُشاهد في ترقب دائم لما هو "واقعي" من غيره. كما أن طول اللقطة التأسيسية الأولى يخلق لدينا الإحساس بأن هناك شخص ما مُختبيء في زاوية ما و هو يراقب شخصيات الفيلم معنا.
لغة هانكه البصرية تـُدخلنا، و من المشهد الأول ذاك، في صلب قضية الفيلم القابلة للقراءة على أكثر من مستوى. والفيلم قد يحتاج لإن نـُفصّل بعض جوانب حكايته قبل الدخول في قراءة مستوياته.

جورج، مذيع تلفزيوني يقدّم برنامجا ناجحا عن الإصدارات الأدبية، أما آن، زوجته فهي تعمل في حقل النشر. تبدو حياتهما، في ظاهرها، مستقرّة بحيث أن المشاكل العادية لإبنهما الذي على وشك البلوغ تكاد تكون أكثر ما يشغلهما٠

حياة عادية و مستقرّة إلى حين أن عثرا على النسخة الأولى من شريط الفيديو الذي يراقب منزلهما من الخارج. ثم بدأ الأمر يتحول إلى أكثر من مجرد لهو حين أصبحت النسخ التالية من الفيلم يرافقها هما بالذات؟ تحت ضغط هذه التساؤلات و القلق الناتج عن إحساس المرءبأنه مُراقب، بدأت الشروخ الأولى في حياة الزوجين بالظهور و الإتساع. الزوجة تشعر أن الزوج الذي تطارده الكوابيس ليلا ، يعلم شيئا لكنه يخفيه عنها. يـُقلقها الأمر و يسؤها أزمة الثقة المُستجدّة مع الزوج الذي يراوغ و يتنصل من أسئلتها٠

تستمر الأشرطة بالوصول لكنها هذه المرّة تحمل طابع الإستدراج. فهي مرّة تصور البيت الذي نشأ ضاحية باريسية. يتبع جورج الأثر و يلتقي في ذلك المبنى برجل ٍ جزائري الأصل إسمه ماجد ( موريس بنيشو) كان والديه يعملان لدى والديّ جورج و قد قـُتلا في المذبحة في العاصمة الفرنسية عام 1961. أرادَ والديّ جورج تبني الطفل بعد مقتل والديه لكن جورج الذي كان يبلغ السادسة حينها أستنكرَ الأمر و دَبّرَ مكيدة للتخلص من الصبي الجزائري الذي أصبح الآن رجلا و ها هو يقف أمامه في شقة تعسة في مبنى للمهاجرين.
جورج يتهم ماجد بأنه وراء الأشرطة التي تكاد تدمّر حياته لكن ماجد ينفي علاقته و معرفته بالأمر كاملا . جورج يهدد ماجد، لكن الأشرطة تستمر في الظهور عند عتبة الباب. تعتقل الشرطة الفرنسية ماجد و إبنه وتطلقهما لعدم توافر الأدلـّة.
وفي لحظة يأس وجودي صارخ، يهتف ماجد إلى جورج طالبا حضوره إلى شقته البائسة حيث ينتحر أمامه في مشهد هاذي العنف رغم أنه لا يستمر أكثر من ثانيتين.
ينتهي الفيلم بمشهد أيضا طويل و الكاميرا فيه ثابتة حيث نرى جمعا من الطلاب في نهاية الدوام المدرسي. يحملنا المشهد و مدته الزمنية، على الإحساس على أنه ما زالَ هناك أحدا ما في زاوية ما يراقب الأحداث معنا، كما يحتاج المشهد لتدقيق شديد حتى نرى أن هناك بين جمع الطلاب شابين يتحدثان، دون أن نسمع ما يقوله كل ٍ للآخر، ثم يتودعان. الشابان هما إبن جورج ... و إبن ماجد!


عنوان الفيلم يشي بما يريده ميكائيل هانكه من سيرة العائلة التي يمزقها إحساس غامض بإن هناك شيئا في الماضي يجب إخفاؤه. سيرة جورج الذي يحاول دفن ماضيه لخشيته من مواجهته هو سيرة فرنسا التي، إلى اليوم، لم تواجه ماضيها الإستعماري الدموي الذي تتكشف كل عام بعض الجوانب المفزعة منه. لم يكن عبثا أن هانكه أختار الرجل الآخر جزائريا . كما أنه ليس عبثا أن جزءا من الفيلم يدور فيما في خلفية الصورة تقارير إخبارية عن الغزو الأميركي للعراق. هانكه لا يقصر رؤياه على فرنسا بل على كل تلك الذاكرة الدموية التي يتم تركيبها اليوم و التي سيحاول من يقترفها اليوم أن يدفنها غدا . كما ليس عبثا أن يكون جورج مذيعا لامعا لبرنامج أدبي ناجح. فالمخرج يطرح تساؤله هنا عن دور الإعلام في "تطهير" الذاكرة الجمعية لأمّة من ماضيها المروع٠
حين يتواجه إبن ماجد مع جورج في مبنى التلفزيون، يكرر جورج دون إقناع، حتى لذاته، أنه لا يشعر بأي عقدة ذنب من إنتحار ماجد فيجيبه الإبن بهدوء: "لا أعرف كيف تستطيع أن تحتمل ضميرك."٠
المشهد الأخير الذي يلتقي فيه إبنيّ ماجد و جورج أثار َ الكثير من التساؤلات. البعض رأى فيه أنه ترحيل لأزمة الدمّ و الماضي و عقدة الذنب من جيل إلى جيل. فيما قرأ البعض في الإيحاءات الودية في إشارات الشابين (بما أننا لا نسمع ما يقولان) أن الجيل القادم قد يجد وسيلة للخلاص من إرث الماضي الثقيل. هانكه و في لقاء له، ترك َ الباب مواربا ليقرأ كل مُشاهد ما يراه و يعتقده في ذلك المشهد. لكن الأكيد أن هانكه أرادَ أن يقول أنه مهما كانت الرؤية فالأمر شديد الصعوبة، فنحن بالكاد نلاحظ الشابين ضمن الحشد. بل و أني متأكد أن البعض لم يشاهدهما أبدا رغم طول اللقطة الثابتة الإستثنائي٠

بصريا ، يشبه البعض أسلوب هانكه هنا بأسلوب الإيطالي الكبير أنطونيوني. لا أعلم كمّ سيغُضب هذا القول أتباع أنطونيوني، لكن بغض النظر عن المقارنات فمما لا شك فيه أن ميائيل هانكه متمكن من أدواته الفنية و التي عبرها يخلق هذا التوتر لدى المـُشاهد في السعي لإدراك ما الذي يشاهده، هل هو الفيلم "الواقعي"؟ أم أنه شريط فيديو المراقبة و خصوصا أن الإثنين مصوران بنفس التقنية و الوضوح. كما أن إصرار هانكه على عدم التوضيح في نهاية الفيلم من كان وراء تلك الأشرطة (رغم إستمرار كوابيس جورج) هو تأكيد على أن الفاعل غير مهم بقدر ما يهم أثارته تلك الأشرطة من أزمة مواجهة الماضي و...الذات.
من يشاهد الفيلم و في رأسه ما أعتاده من سينما هوليوودية تجنح إلى حَلّ كل العقد و تفسير دوافع الأحداث عند نهاية الفيلم، سيخيب أمله. هانكه لا يلهث وراء الحلول بل هو يغوص في الدوافع المفترضة و التي يترك تفسيرها لرؤية كل مشاهد و مفاهيمه و ثقافته و خلفيته الفكرية٠

الألوان هنا تلعب أيضا دورا في التعبير عن حال الشخصيات. فالحياة الهادئة التي كان يعيشها جورج و آن، يريد هانكه أن يوحي لنا أنها كانت باردة و دون حرارة. فمواد الديكور كما الألوان في منزلهما يطغي عليها الأبيض والرمادي و كذلك ما ترتديه آن حيث تراوحَ بين الأسود و الرمادي الغامق. و يأتي ذلك متناقضا مع ألوان البيت القديم الذي ترعرع فيه جورج حيث نرى الأريكة الجلدية البنّية و الوسائد الملونة٠


دانيال أوتوي ممتاز في دور الرجل الذي يكافح حتى لا يواجه ماضيه و ذلك مع جهده في أن يحافظ أمام الآخرين على الواجهة الهادئة لحياة أسرة بورجوازية عاملة. جولييت بينوش ذات حضور أعتدنا على قوته. لكن اللافت حقا هو موريس بينشو في دور الرجل الجزائري و تلك العشرة دقائق الرائعة التي لعبها حين لقاؤه الأول مع جورج بعد سنوات. رجلٌ هزيمته يعلنها مكان اللقاء و هو شقته البائسة في بناء بائس. رجلٌ كان يمكن أن يكون ندّا لجورج لو أن الأخير لم يكيد له، و مع ذلك فعليه الآن تحمّل إذلال إتهامه بأنه وراء الأشرطة التي تكاد تمزق حياة جورج٠


استعادة | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن المدينة والأفلام: "ماما روما" لبيير باولو بازوليني

آخر مرّة شاهدت فيها فيلم بيير باولو بازوليني " ماما روما" أعجبني أكثر من المرّتين السابقتين اللتين شاهدت فيهما الفيلم. الزميل زياد عبد الله يقبض على السبب في هذه المراجعة الكاشفة عن شخصية المخرج وشخصية فيلمه٠



هل يكفي أن ترد كلمة «روما» في عنوان فيلم لنفكر في المدينة، في عاصمة إيطاليا تحديداً، أم أنها المدينة التي خلدتها السينما قبل أي شيء آخر، وأفلام كثيرة تتلامح في الذاكرة عنها. نمضي خلف الإجابة، وفي الذهن فيلم بيير بابلو بازوليني «ماما روما» 1962 ،فإذا به يعيدنا في الذاكرة إلى «روما» فديريكو فيليني عام 1972 ،وكيف يتركها في النهاية تحت رحمة اجتياح الدراجات النارية، وهي تزأر وتبدد سكينة الليل، وعلى شيء من غوغائية الأصوات الصادرة عنها واجتياحها المجنون بكل ما تمثله الدراجات من استباحة لمدينة تاريخية، مثل روما ، حين تكون بكاملها تحت رحمة عجلاتها٠

ولعل المسعى للحديث عن فيلم بازوليني سيعيدنا أيضاً إلى ما اعتبر فاتحة الواقعية الإيطالية الجديدة، أي إلى فيلم «روما مدينة مفتوحة» 1945 لربرتو روسيليني، وقد ساهم فلليني في كتابته، وقدم توثيقاً حصيفاً للمقاومة الإيطالية ضد النازية عبر قصة جيرار منفريدي القائد المقاوم، وملاحقة الألمان له، ولجوئه إلى صديقه عامل المطبعة فرانشيسكو، واستعانة مانفريدي بالأب مورسيني للقيام بمهامه، عبر تسليم المقاومة مبالغ مالية، وغير ذلك، إلى أن تلقي القوات الألمانية القبض عليهم جميعاً، فيموت منفريدي تحت التعذيب، ومن ثم يتم إعدام الأب مورسيني رمياً بالرصاص وعلى مرأى من الأطفال الذين يرعاهم في الكنيسة . وفي مشهد ختامي يضيء الأمل عبر الطفولة، الثيمة الحاضرة في جميع الأفلام التي جاءت من بعده٠

الآن، لن نستسلم لمزيد من الأفلام عن روما، سنمضي إلى «ماما روما» بازوليني، ونحن نحاول منع أنفسنا من الحديث عن ميلانو مثلاً التي شكلت محور اهتمام السينما الإيطالية، على اعتبارها المدينة الصناعية التي حملت كل تطورات إيطاليا واستثماراتها بعد الحرب العالمية الثانية، ولنلقي الضوء على ذلك في مقال آخر، لئلا نفوت الحديث عن فيلم بازوليني وآنا مانياني التي لعبت دور ماما روما مشكلة عاملاً رئيساً في نجاح ذلك الفيلم الغائم٠

ونقصد بالغائم كونه جوبه باعتراضات كبيرة في أثناء عرضه في مهرجان البندقية، ووصف على الدوام بالفيلم اللاأخلاقي، إلى درجة الوقوع على اكتشاف مدهش يتمثل بأنه بقي ممنوعاً في الولايات المتحدة حتى عام 1990 ،أي لأكثر من 28 سنة، وتم عرضه على يد مارتن سكورسيزي في فعالية نظمها خصيصاً للاحتفاء بالسينما الإيطالية التي يعتبرها معشوقته الأبدية.

لن نتوقف كثيراً عند هذا المنع العجيب، كوننا على قناعة راسخة بأن الرقابة، أينما وجدت، تمثل أغرب ما توصلت إليه البشرية، مع امتلاكها قدرة خارقة وأبدية على إدهاشنا٠

يقدم بازوليني في «ماما روما» ما يمكن وصفه بدراما مأزومة، ومصاغة وفق زوايا متعددة يتشابك فيها الاجتماعي بالاقتصادي والنفسي والديني، أو ما يمكن اعتبارها خلطة بازوليني الأثيرة، ومنبع مقارباته الإبداعية، فنحن أمام دور مكتوب لآنا مانيني التي ما إن شاهدت أول أفلام بازوليني «أكاتوني»، حتى سألته أن يقدم لها دوراً في أفلامه، ولتأتي شخصية ماما روما كما لو أن بازوليني فصّلها تماماً على مقاس وقدرات مانياني، فالشخصية البذيئة صاحبة الصوت العالي، سرعان ما نكتشف أنها بائعة هوى سابقة في منتصف العمر، تعود إلى قريتها لاستعادة ابنها المراهق، وقد تخلت عن مهنتها المذلة، واشترت بيتاً وصارت تعمل في بيع الخضار


وعليه يمضي الفيلم في تتبع علاقة الأم بابنها، والعالم الذي تسعى إلى تقديمه إليه، وتحالف كل شيء حولها على فشلها، رغم فعلها المستحيل بكل ما تعنيه الكلمة، فحين تجد ابنها عالقاً في غرام امرأة لعوب، تهب نفسها لكل رفاقه، تسأل مساعدة زميلتها في مهنتها السابقة لتنسيه تلك المرأة عبر جعله يتذوق غرام امرأة غيرها، كما أنها تلجأ إلى حيلة كبيرة لتساعد ابنها على الحصول على عمل٠

كل ذلك سيكون قبض الريح في النهاية، سيهجم عليها ماضيها من اللحظة التي تأتي فيها بابنها إلى روما، وسيكون تعليمه له رقص التانغو لحظات فرح عابرة مثلما هو حالها حين تحضر له دراجة نارية وتركب خلفه ويمضيا في رحلة طويلة في شوارع روما٠

سيكتشف الابن ماضي أمه، وسيمضي في الانحراف مع رفاقه، إلى أن يصل إلى نهاية يصورها على شيء من مشاهد صلب المسيح، الموروث الديني الذي يستعين به بازوليني دائماً٠

في الفيلم رصد اجتماعي خاص، وبحث مؤلم في مطامح من في العالم السفلي أو المضطهدين اجتماعياً في التغيير، وممارسة حياة طبيعية، ويبدو أن بازوليني يقول إن ماما روما تأخرت في استدراكها وربما على شيء من اللعنة التي ستلاحقها دائما، أو في مسعى لمجاز ما إن كانت روما المدينة هي ماما روما، وابنها الذي يقدم أضحية لواقع كامل له شروطه الاجتماعية والاقتصادية التي ترسم قدره٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved and Protected- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Jun 12, 2009

Issue 427 | Marco Belloccio | Pierre Salvadore | Keaton & Chaplin

هذا العدد
ما عنيت في مقدّمة العدد الماضي بكلمة العودة الى الأولويات هو ممارسة تفكير المجلة الصحافية كما يجب أن تكون٠ غير خاف على القراء أنه سواء اعتبر المرء هذا الموقع مجلة او منحها إسماً آخر، فإنه، بنوعية مقالاته، وبترتيبه وما يتألّف منه هو "جورنال" شبه يومي ومعالَج بأسلوب صحافي. بكلمات أخرى، تستطيع أن تتصوّر مقالات ومواضيع هذا الموقع تصب طبيعياً بين غلافي مجلة ورقية لو أتيح لها هذا٠
التغيير الأهم هو التأكيد على هذا المنحى عبر تخصيص العواميد للزوايا المختلفة عوض شكلها السابق الذي كان أكثر اختلاطاً٠
مواضيع هذا العدد تشهد عودة »أوراق ناقد« (الذي لم أكن واثقاً من شيوعها) لتحوي ما حوته دائماً من رأي وتعليق على شكل أكثر إسهاباً بعض الشيء مما كانت عليه. لنقل صفحتان من مجلة مطبوعة قبل الدخول الى معمعة المواضيع التي اخترت منها ثلاثة لهذا العدد: نديم جرجورة يحيطنا علماً بما قاله المخرج الإيطالي ماركو بيلوتشيو عن فيلمه »إنتصار« (عرض داخل مسابقة كان) وهوڤيك حبشيان يجري مقابلة مهمّة أخرى، هذه المرّة مع مخرج فرنسي أسمه بيار سلفادوري الذي يفتح أوراقه وأفلامه للزميل. أما أنا فاكتشفت موضوعاً كنت كتبته قبل سنوات ولا أعتقد أني نشرته بعد٠ وكنت أود تخصيص العدد بدراسة عن السينما الجزائرية وهي حاضرة لكن المجال ضاق وعليه صار لزاما أن ننتظر الى العدد المقبل٠
لا تترددوا رجاءاً في طرح الاسئلة او التعليق وإذا كان لديكم موضوعاً تريدون مني التطرّق اليه فاطلبوه٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت لا لصوفيا كوبولا

قبل ثلاثة أيام رسالة على الإيمايل من فتاة أسمها كورتني برايت تطلب مني الإتصال بها هاتفياً. بعض المعلومات بخصوص الموضوع: يبحثون عن رجال إعلام أجانب (أي غير أميركيين) يمثّلون دولاً ليست بالضرورة أنغلو-ساكسونية، للتمثيل في فيلم صوفيا كوبولا الجديد "في مكان ما"٠
اتصلت طبعاً وأخبرتني كورتني بصوت عذب أنها تأمل في نيل موافقتي على الظهور في هذا الفيلم. سألتها بعض التفاصيل فقالت
المشهد سيكون في قاعة صحافية. من بين الصحافيين الموجودين سنختار خمسة لكي يطرحوا اسئلة٠
وكيف أعلم أنني سأكون واحداً من هؤلاء الخمسة؟ -
لذلك نريدك أن تأتي الى مكاتبنا هذا الأسبوع *
إذا تم اختياري فسأنهض من مكاني وألقي السؤال -
نعم *
وكم سأتقاضى أجراً عن هذا؟
عليّ أن أسأل لك. هل أنت ممثل محترف؟ *
لا . ليس على الشاشة على أي حال٠ -
دعني أسأل وأقول لك. لكني أخبرك أنه سيكون يوم تصوير كامل إذا لم ننته في الوقت المحدد دفعنا لك »أوفر تايم« وهذا اليوم هو الثامن من شهر تموز/ يوليو٠
سأفكّر بالأمر. لكني أعتقد أني موافق وبل سأكتب كلمتي للأوسكار فقط في حال ترشيحي -
ضحكت للنكتة الساخرة واتفقنا على الكتابة٠
سألت صديقان يعلمان بالأسعار المدفوعة لممثل لديه سطر او سطرين يقولهما ويمضي. أحدهما صوّر المسألة على أن الكلمة بـ 500 دولار وإذا كانوا عشر كلمات فسأقبض 5000 دولار. الثاني قال هذا سعر المحترفين ويعتقد أن حصيلتي (من دون الأوڤر تايم) سوف لن تزيد عن الألفي دولار٠
خطر لي بعد ذلك أن تكون المسألة فيها وما فيها. يعني أن يعطيك مساعد المخرج نصّاً غبياً لكي تطرحه. وأن يكون أغبى نص. فأقف مثلاً وأسأل الشخصية المحتفى بها في المشهد: "هل تفضّلين النوم على جانبك الأيمن او الأيسر؟" او "هل صحيح أنك ستعلن زواجك قريبا؟ ومن هي (او هو) سعيدة الحظ؟". ولربما طُلب مني أن أتحدث بلكنة مكسورة وبكلمات مبتورة لإظهار أني صحافي غير مثقّف أسمه أحمد او خليل او عبد العاطي فأقول مثلا
is sis mar age good sing to do and was yoo happy very for yoo to him?
لكني استبعدت كل هذا السيناريو لأن صوفيا إنسانة مرهفة ووالدها لابد علّمها ما لم يتعلّمه سيدني لوميت عن الآخر (لهذا قصّة أخري)٠
في النهاية قررت الإستغناء عن الفرصة كوني لا أعرف ما الذي سأفعله يوم غد (هذا صحيح) فما البال بعد نحو شهر من اليوم؟ ثم أن الدور حقيقة لن يتطلّب تقبيل البطلة. فلم التعب؟

الهجوم على جان- لوك غودار
...................................................
بين أن أقرأ كتاباً آخر عن جان- لوك غودار وبين أن أعيد مشاهدة أفلاما له أفضل المشاهدة بالطبع. لقد قرأت ما يكفي عن غودار من ناحية ومن ناحية ثانية ليس عندي أفضل من الصورة كتاباً٠
لكن هناك كتاب صدر حديثاً بعنوان "كل شيء سينما" وهي عبارة كان المخرج الفرنسي جعلها عنواناً لفيلمه. كتاب ضخم (700 صفحة) كتبه رتشارد برودي وأثنى عليه معظم النقاد بسبب اطلاعه والجهد المبذول فيه الى آخر ذلك الكلام الذي تجده في الأوراق الثقافية المتداولة٠
دخلت المكتبة وأخذت نسخة وقرأت فيه ولمست من البداية أن الغاية ليست تقييم أفلام غودار من زاوية محض سينمائية (ولو أن هناك كتب أخرى فعلت ذلك) بل البحث بين تلك الأفلام وفي تاريخ حياة غودار عن منافذ يمكن النيل من غودار عبرها٠
لم يكن لدي الوقت الكافي وقررت ترك الكتاب على الرف وشراء مجلة عوض ذلك ووجدت العدد الأخير من
Cinema Scope
حاضراً٠
بعد نحو أسبوع جلست أقرأ في المجلة وإذا بمقال تقييمي طويل عن كتاب رتشارد برودي ذاك. المقال من كتابة بل كرون وهو يميط اللثام عما لم أستطع في تصفّحي السريع الإلمام به: الكاتب برودي (وهو محرر في مجلة "ذ نيويوركر" يكتب تلخيصات الأفلام التي تظهر في مطلع العدد) يسعى لغايتين: اولاً إظهار أن غودار معاد للسامية وثانياً أن أفلامه حُمِّلت بأكثر مما تستحق من اهتمام٠
في رأيي المتواضع من دون دجل، تكتب عن السينمائي حين يكون لديك ما تضيفه الى ما كُتب عنه وهذا مُتاح إذا ما كان لديك انطباعات وقراءات ذاتية تستحق التسجيل٠ ثم تكتب عن السينمائي الذي تقدّره وتحبّه. لكن أن تكتب عن مخرج لا تقدّر أعماله فإن هذا يضعك في نطاق محدود أكثر إذ عليك أن تجابه آراءاً عديدة لا تؤيدك في وجهة نظرك ما يفرض اقتراباً سديداً للموضوع. مثلاً لو كنت سأكتب عن حسن الإمام (رحمه الله) كتاباً أصفه فيه بأنه أفضل من أنجبتهم السينما العربية، لكان عليّ أن أناقض ما ذهب اليه كل النقاد بكلام مسؤول أبيّن فيه كيف أجيز لنفسي مثل هذا المنحى. العكس صحيح: أحد أفضل مخرجي السينما العربية هو صلاح أبو سيف. إذا لم أعتقد ذلك وأردت وضع كتاب أصف فيه أعمال أبو سيف بأنها لم تكن جيّدة وأن النقاد والمثقفين كانوا غير مصيبين في تقييمهم، عليّ أن أقدّم ما يكفي من براهين وقراءات سديدة٠
لكن حسب مراجعة بل كرون لكتاب رتشارد برودي، فإن هذا لا يرد في تقييم المؤلّف لغودار٠
لكن اللافت هو سعي المؤلف لإثبات أن غودار كان (او ربما لا يزال) معادياً لليهود مستنداً في ذلك الى حقيقة غير خافية وهي أن جدّه كان كذلك٠
غودار بت في الموضوع لكن برودي لا يريد أن يصدّقه. غودار قال ذات مرّة في مؤتمر صحافي في مونتريال: جدي كان ضد اليهود. أنا ضد الصهيونية٠
لكن عند بعض الجهّال لا فرق٠

مخرج وفيلمه | نديم جرجورة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيلم "الإنتصار" لماركو بيلوتشيو
....................................................................................
فيلم »الإنتصار« هو أحد الأفلام التي عرضها مهرجان "كان" في
دورته الأخيرة. الزميل نديم
جرجورة يجمع ما قاله المخرج عن فيلمه هذا٠



في الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي، التي أقيمت بين الثالث عشر والرابع والعشرين من أيار 2009، عُرض «الانتصار» للإيطالي ماركو بيلّوتشيو (تمثيل: جيوفانا ميزّوجيورنو وفليبّو تيمي) في المسابقة الرسمية، متناولاً فصلاً من فصول الذاكرة الشفهية المتعلّقة بسيرة الدوتشي بينيتو موسوليني، قبل اعتلائه عرش الحكم الفاشيّ في إيطاليا، عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. ذلك أن التاريخ الرسمي لتلك الحقبة الممتدة من العام 1909 لغاية 1937 غيّب، نهائياً، تفاصيل العلاقة العاطفية والزوجية بين إيدا دالسر وموسوليني، اللذين التقيا أثناء نضال الشاب ضد الحكم، وانفصلا بعد إنجابهما ولداً أنكره الأب سريعاً، كي لا يؤثّر على صورته كزعيم أمام الدولة والمجتمع والكنيسة الكاثوليكية. والفيلم، إذ يرسم ملامح حقبة من خلال سيرة امرأة، يفتح نافذة حيوية وجميلة على فترة تاريخية عاصفة، مولياً أهمية قصوى لإيدا دالسر المناضلة، على طريقتها الخاصّة، ضد الفاشية والتغييب والإعدام النفسي والروحي.
هنا ترجمة عربية لمقتطفات من حوارات صحافية أُجريت مع المخرج بيلوتشيو، ونُشرت في الملفّ الصحافي الخاص بـ«الانتصار»، ومجلة «الفيلم الفرنسي» والمجلة المتخصّصة «دفاتر السينما» ٠

تحدّث ماركو بيلّوتشيو (70 عاماً) عن علاقته بإيدا دالسر وحكايتها، فقال إنه لم يسمع بهما أبداً، قبل اكتشافه إياهما منذ أعوام قليلة فقط «عند مشاهدتي فيلماً وثائقياً على شاشة التلفزيون بعنوان «سرّ موسوليني» لفابريزيو لورانتي وجيانفرنكو نوريلّي». عندها، وجد أن إيدا دالسر، التي أنجبت من موسوليني ولداً اعترف به الرجل أولاً قبل أن يتخلّى عنه وينكره لاحقاً، «امرأة خارقة»، متحمّساً لفكرة أنها ظلّت تصرخ بحقيقتها حتى النهاية، في حين كان النظام يعمل على تدمير أي أثر للحقيقة والمرأة وابنها: «كانت المرأة والابن السرّي لموسوليني فضيحة يجب إخفاؤها، إلى درجة أن وجودهما، ليس الجسدي فقط، يجب أن يُمحى. أغلق عليهما في ملجأ للمجانين، حيث توفّيا»؛ مضيفاً أن من يذهب اليوم إلى مسقط رأس إيدا (ترانتن ـ هو ـ آديج)، يُفاجأ بواقع أن «الذاكرة الجماعية لا تزال محتفظة بذكرى صافية جداً عن هذه المأساة المنسية من قبل التاريخ الرسمي»، التي شكّلت مادة لكتابين اثنين، هما: «عشيقة موسوليني» لماركو زيني و«الابن السرّي للدوتشي» لألفريدو بياروني، مدعّمين بالوثائق والشهادات، بالإضافة إلى عدد كبير من الرسائل التي كتبتها إيدا وأرسلتها إلى السلطات العليا والبابا، وبالتأكيد إلى موسوليني نفسه، «ترجوهم فيها الاعتراف بوضعها زوجة شرعية لموسوليني ووالدة ابنه الأول. في الكتابين، نقرأ أيضاً ردود الدوتشي عليها». في أحد هذه الحوارات، قال بيلوتشيو إنه عرف بقصّة داسلر «أثناء قراءتي موضوعاً في صحيفة يومية، تناول هذه الحلقة المعروفة بشكل ضيّق من حلقات سيرة حياة موسوليني»، مشيراً إلى أن «شخصية إيدا دالسر أثّرت فيّ عميقاً، من دون أن أفكّر لحظة، حينها، بتحقيق فيلم عنها»، مضيفاً أن معرفة حقيقة أن هذه المرأة خاطرت بالاختفاء كلّياً (دُفنت هي وابنها في مقبرة عامة) وأن ذكرها امحت بشكل ممنهج، (هذا كلّه) «جعلني أتخيّل نصّاً سينمائياً يبدأ من مرحلة ما بعد الشغف والخدر بينهما»٠

تراجيديا القدر
أما لماذا ألهمه القدر التراجيدي للمرأة إلى هذا الحدّ، فقال المخرج إن «إيدا دالسر كانت المناهِضة الوحيدة للفاشية. في العادة، نتذكّر مناهضي الفاشية من خلال المقاومة التي قامت بها الشيوعية والاشتراكية، بالإضافة إلى المقاومة الشعبية، لكن دائماً في إطار معركة سياسية. من وجهة نظر معينة، خاضت إيدا دالسر معركتها ضد الفاشية بطريقة خاصّة بها، ومن خلال حكاية حميمة جداً. التقت موسوليني الثوري الاشتراكي والفوضويّ النقابي والمحبّ للسلام، الذي أصبح فجأة «تدخّلياً» (أي القائل بالتدخّلية أو المتعلّق بها؛ والتدخّلية تعني سياسة التدخّل في القطاعات الخاصّة ضمن الدولة، أو التدخّل في تنازع الدول الأخرى). في البداية، تزوّجت أفكاره. لكن قضيتها الأساس، أولاً وقبل أي شيء آخر، كانت الرجل الذي منحته جسدها وروحها». ثم إن بيلّوتشيو لم يكن معنّياً بفضح الأعمال الشائنة للنظام، لأنه تأثّر عميقاً بهذه المرأة وبرفضها المطلق التسويات كلّها: «في العمق، كان يُمكنها الموافقة على العودة إلى الظلّ، ولعلّها بهذا تحصل على فوائد مالية جيّدة، كما فعلت عشيقات أخريات لموسوليني، وكما هي الحالة التي تعيشها عشيقات النافذين في هذا العالم. رفضت هذا الأمر، مطالبةً بهويتها الحقيقية. لم تستطع الموافقة على خيانة الرجل، الذي أحبّته بطريقة مطلقة وأعطته كل ما كانت تملكه، بما فيه ميراثها، كما كتبت في رسائلها٠

غير أن موسوليني، عندما أصبح دوتشي، أراد التخلّص من هذا الحب القديم، لأسباب عدّة أبرزها أن النظام لا يستطيع إطلاقاً أن يُعرّض علاقاته بالكنيسة للخطر»، في تلك المرحلة التي شهدت مفاوضاته مع الكنيسة الكاثوليكية على توقيع ما عُرف لاحقاً بـ «اتفاق لاتران» في العام 1929، وهو الاتفاق الذي وضع حلاّ للمسألة الرومانية المطروحة منذ العام 1870، عندما اجتاح الجنرال كاردونا المناطق الفاتيكانية وأخضعها لسلطته. فهذا الاتفاق منح الاستقلالية للفاتيكان، وجعل الكاثوليكية ديناً رسمياً لإيطاليا أيام البابا بيوس الحادي عشر؛ علماً بأن موسوليني تزوّج إيدا دالسر في أيلول 1914 دينياً، وأنجب منها بينيتو ألبينو موسوليني في الحادي عشر من تشرين الثاني 1915، وهو الزواج الذي لم يُسجّل رسمياً؛ في حين أنه اقترن رسمياً براشيل غيدي في السابع عشر من كانون الأول 1915، وأنجب منها ابنته إيدّا (تُكتب وتُلفَظ بطريقة مختلفة عن إيدا) في العام 1910. وذكر بيلّوتشيو أن نجاح المفاوضات دفع البابا إلى وصف موسوليني بـ «رجل العناية»، مشيراً إلى أن الظروف الآنفة كلّها جعلت موسوليني يُصرّ على فكرة اختفاء الأم وعقد الزواج معاً، والابن وشهادة ميلاده أيضاً، وإن تمّ تغيير اسم عائلته فيها لاحقاً: «يجب ألاّ يكونا موجودَين أبداً»٠

عشقٌ وخَطرٌ
يُكمل ماركو بيلّوتشيو التعبير عن إعجابه الكبير بإيدا دالسر، قائلاً إنها لم تختر المُسطّح في الحياة وفي علاقاتها وأفكارها: «في أعماقها، التزمت الأفكار السياسية نفسها التي اعتنقها موسوليني في بداياته النضالية. عشقت الشاب بوَلَه، عندما لم يكن هو أحداً. أحبّته، عندما لم يحبّه أحدٌ. دافعت عنه، عندما كان مفلساً ومُهاناً. ثم تبدّلت الأحوال كلّها: عندما أحبّ الجميعُ الدوتشي، باتت وحيدة، وانقلب الجميع عليها. متحسّرة إزاء هذا الحبّ اللامسؤول، وضعت وراء ظهرها إيطاليا كلّها، التي (إيطاليا)، في ذروة تحوّلاتها الفاشية، التفّت حول موسوليني». أضاف أن سلوكها وشجاعتها في مواجهة الدوتشي وعدم الانحناء أمامه، وتمرّدها حتى النهاية، هذا كلّه «جعلني أتذكّر بطلات عديدات في التراجيديا اليونانية، وخصوصاً أنتيغون، وبطلات معروفات في تراثنا الشعري، مثل عايدا. لذا، فإن الفيلم ميلودراما تروي الحصانة التي تمتّعت بها امرأة إيطالية عادية، لم تجعلها أي سلطة تنحني أمامها. بطريقة ما، هي التي ربحت»٠


بالإضافة إلى هذا، قال بيلّوتشيو إنه بدءاً من تاريخ محدّد، «لم تعد إيدا ترى موسوليني أبداً، إلاّ في صالة السينما التي كانت تعرض «الصحافة السينمائية الخاصّة بالأحداث اليومية»، حيث كانت تجلس مدهوشة أمام صورة هذا الرجل الذي أصبح حجمه كبيراً جداً على الشاشة، كممثل أو نجم؛ ونواكب، عبر نظرتها، التحوّل الذي أصابه. في اللحظة التي شهدت عبور موسوليني «العتبة الإعلامية»، أصبح الرجل مختلفاً، حتى بالنسبة إليها: من موسوليني، أصبح الدوتشي»، معتبراً أن موسوليني «أول من أنشأ نظاماً مرتكزاً على الصورة. معه، دخلت السياسة عالم الصورة والمتخيّل. إنها نقطة اللاعودة في التاريخ. اليوم، بعض تصرّفاته تبدو لنا مثيرة للسخرية وأقرب إلى البهلوانية، لكن تكوّن هذا الأسلوب سمح له باجتياح الوسائط الإعلامية. لم يعد ممكناً تهشيم صورته. وهو هذا الرجل، أي الرجل الإعلامي، الذي يضطهد إيدا دالسر، لأنها كانت قادرة على الوشاية به، وعلى إثارة فضيحة أمام الملأ. كانت قادرة، موضوعياً، على تشكيل خطر على صورته»٠


من ناحية أخرى، قال بيلّوتشيو إنه استخدم صُوَراً أرشيفية كثيرة انسجاماً وأسلوب العمل، ولأسباب إنتاجية: «لا نستطيع إعادة بناء كل شيء. يجب على الصوَر الأرشيفية أن تندمج وصُوَر الفيلم لتشكّل أسلوباً جمالياً في إنجازه. يجب الانتقال من صورة موسوليني الشاب، التي أدّاها ممثل، إلى الصوَر الحقيقية للديكتاتور، لإثارة الشعور بزمن القصّة. بدءاً من العام 1922، اختفى الممثل، ووحده موسوليني الحقيقي ظلّ حاضراً على الشاشة. استعنت بالصحف السينمائية المنتجة في تلك الفترة لا للزينة أو التفسير، بل لإدراجها في سياق الفيلم. في داخل الصالة، شاهدت إيدا دالسر للمرّة الأولى وجه الدوتشي، الذي لم تره منذ أعوام عدّة: انتقال من صورة الممثل إلى الصورة الحقيقية لموسوليني». وعلى الرغم من أن «الانتصار» متعلّق بموسوليني، ومع أن طابعه كامنٌ في تبليغ خطاب ضد الفاشية من خلال أحداث خاصّة، إلاّ أن بيلّوتشيو لم يشأ إنجاز فيلم مباشر ضد الفاشية، «لأني أردت التركيز على هذه المرأة التي نجحت في المحافظة على ذاكرتها. حتى ولو أنها شخصية صغيرة في مواجهة الفاشية، إلاّ أن حكايتها الشخصية رمزية: عدم التخلّي عن مشاعرها والتزاماتها وقناعاتها. بمعنى ما، إنها لا تُقهَر، حتى لو دفعت حياتها ثمناً لانتصارها وبطولتها»٠


مقابلة | هوڤيك حبشيان
...................................................................................
بيار سلفادوري مخرج فرنسي شاب أنجز حتى الآن
نحو إثني عشر فيلماً الى الآن خلال السنوات الستة
عشر الأخيرة. وُلد في تونس قبل 44 سنة وقابله
الزميل هوڤيك حبشيان مؤخراً حيث تبادل معه حديثاً
سينمائياً كاشفاً٠
...................................................................................


بأسلوب انيق وجذاب يخلو من الابتذال والرخص، يواصل المخرج الفرنسي بيار سالفادوري مهمته في اثارة البهجة، من خلال أفلام ترقى على الكوميديات التجارية، مستخدماً الطرافة وسيلة لامرار الأفكار السوداوية التي لا تغيب عن سينماه المسلية على رغم المظاهر الخادعة التي تسعى الى الايحاء بالعكس٠

في أفلامك تزاوج بين مناخات متعددة، الا ان الكوميديا هي الطاغية٠
ــ يعجبني ان اسمع ذلك، لأنني اسعى دوماً الى ان اخلط الأنماط السينمائية كلها في فيلم واحد، وأحب ان أرى في فيلم واحد أنواعاً متعددة من الانفعالات، لأني عموماً اتطرق الى مواضيع ابطالها ليسوا على ما يرام، ويعانون التشرد والإنقلاع والتهميش، وجميع انواع التناقضات والتعقيدات. هذا لأن تاريخ الكوميديا كله يأتي من هنا. فإذا اردت انجاز عمل ابطاله من الطبقة الميسورة ولا يعانون أي مشكلة على الاطلاق، فلا احد سيهتم بما تصوره. أما الشخصيات التي تناضل لتبلغ أهدافها، فأرى في صراعها شيئاً من الشاعرية لأنها تجمع بين الرعونة والشجاعة. احب معالجة المسائل الجدية والخطيرة اذا صح التعبير، بأسلوب فكاهي يخفف من سوداوية العمل، ويضفي عليه نكهة بريئة٠

هل تعني بذلك أن المشاهد يستمتع بالضحك من مآسي الآخرين؟
ــ لا يتعلق الأمر بالضحك "على" الآخرين، بل "مع" الآخرين. لا ادعو الى الاستهزاء بل الى اسلوب سهل لحل المشكلات. ما يثير اهتمامي في الكوميديا انها تملك جانباً هداماً ومخرباً. وفي الإمكان ان نكون ظرفاء حتى عندما نتكلم عن مصائب القوم٠

يبدو لي أنك تذهب في اتجاه الأفلام التراجي - كوميدية
التي اشتهرت بها السينما الايطالية في السبعينات، ولا
سيما تلك التي اخرجها دينو ريزي وماريو مونيتشيللي٠

- هذه السينما اثّرت فيَّ كثيراً. أنا من مواليد كورسيكا، إذاً أنا قريب من ايطاليا. في صغري، كنت أشاهد هذه الأفلام باستمرار وهي استطاعت ان تعكس واقع عصرها بأسلوب ساخر لا أحد استطاع تقليده. الشخصيات في هذه الكوميديات كانت تعلن مأساتها مسبقاً، وهذا سحرها. أحبذ فكرة ان احكي قصة بأسلوب السهل الممتنع ولا اشعر بالراحة الا في هذا الاطار من العمل. هذه طريقتي في قصّ الحكايات. عفوياً، أميل الى اسلوب ظريف لقص روايات لا تمتلك ولو حداً أدنى من الفكاهة. في "بعدكم" مثلاً، نتساءل، هل من الممكن مساعدة شخص وخيانته في آن واحد؟ وهل من الممكن ان نحب احداً ونخونه في الوقت نفسه؟ هذا هو الأمر الأساسي الذي كنا نعمل عليه، انا وكاتب السيناريو. كنا نرغب في كسر الأصول والقواعد. من ناحية، هناك الأخلاقيات التي يتقيد بها الفرد ومن ناحية أخرى هناك الغرائز الإنسانية. انا مهتم بالمعضلة وهي كثيراً ما ترتدي طابعاً انسانياً٠

ما أكثر الأفلام التي عمَّرت في ذاكرتك من تلك المرحلة؟
ـــ قد أقول "الفانفارون" أو "الحمامة" أو "مال العجوز". أفرح كثيراً بالكوميديات الايطالية، علماً انها قامت على فكرة النقد اللاذع. مراجعي ليست "الموجة الجديدة الفرنسية"، انما السينما الأميركية في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، أي في العصر الذهبي الذي شهدته الكوميديات الكلاسيكية، من وايلدر ولوبيتش وبلايك اد