May 29, 2009

ISUUE 421| Gilles Jacob | The Invasion of Hollywood Business |

في هذا العدد

سنوات ضوئية | نقاد فازوا بسباق الركض وممثلة مغمورة رحلت
----------------------------------------------------
لديك بريد | فرار ستيف مكوين قريباً ورأي في »غود نيوز سينما"
----------------------------------------------------
كتاب | الواقع الإفتراضي وأشباح الحياة في كتاب | عدنان مدانات
----------------------------------------------------
رسالة خاصّة | تحية تقدير الى محمد خان يوجهها ميسر مسكي
----------------------------------------------------
فيلم بزنس | هوليوود تنتج أفلاماً بلغات سواها لسد ثغرة في السوق
محمد رُضا
------------------------------------------------------
مقابلة| جيل جاكوب، رئيس أهم حدث سينمائي في العالم يتحدّث عن مهرجان "كان" وحياته فيه | هوڤيك حبشيان ٠





COVER | STORY

المخرج سام رايمي أدار ظهره للأفلام الكبيرة التي دأب على
إخراجها منذ سنوات، تحديداً سلسلة »سبايدر مان" لكي ينجز
فيلم رعب صغير الإنتاج بالمقارنة عنوانه
Drag Me to Hell
وهو أحد الأفلام التي تباشر عروضها هذا الأسبوع٠


سنوات ضوئية | محمد رضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقاد فازوا بسباق الركض

النقد، في أي مجال، مسؤولية كبيرة من حيث أن الناقد مثل القاضي عليه أن يلم تماماً بعمله ووظيفته وبالقضية
التي ينظر فيها لكي ينتهي الى قرار صائب٠
الناقد عليه أيضاً أن يتحمّل مسؤولية ما يقضي به. في بعض الأحيان، كلمته قد تحرق فيلماً كما كانت كلمة الناقد الأميركي فنسنت كانبي الذي هاجم فيلم مايكل شيمينو "بوابة الجنّة" في مطلع الثمانينات من يوم عرضه الأول فأدّى ذلك لا الى سقوط الفيلم وسحبه من دور العرض فقط، بل الى تلاشي المخرج المذكور تماما من الوجود الفعلي٠
لكن الجانب الآخر للموضوع ذاته، أن النقاد، خصوصاً غير المتبحّرين في علم السينما، يحكمون كما يحكم غيرهم ويعتبرون أنهم بذلك أصابوا. هذا يتبلور عادة في المهرجانات الكبيرة. أعرف واحداً يشاهد الفيلم لعشر دقائق وينصرف بعدها الا إذا ما تمكّن الفيلم منه، وبما أنه ذو عقل عنيد فتمكّن الفيلم منه أمر نادر. المهم يفلش هذا الشخص الصحف الفرنسية ليرى ما كتب عنه نقادها فيستخلص ويكتب٠ وهو ليس الوحيد والنقل من مصدر الى مصدر من دون إشارة او احترام أمر يتخبّط فيه قوم من كل أنحاء الدنيا. يكفي أن ترى كم عدد "النقاد" الأجانب، قبل سواهم، الذين يحرصون على قراءة نقد صحيفة "فاراياتي" التي تصدر يومياً في مهرجاني "كان" و"برلين" لأن ذلك سيساعدهم على كتابة نقدهم هم عنه٠
بالنسبة للعرب فإن الإستيحاء من والنقل عن والأستحواذ على الرأي المنشور هو سحر ينقلب على الساحر. ٠
بالنتيجة يركضون وراءهم كيفما اتجه هؤلاء، وبقياس المسافات الطويلة التي ركضوا فيها وراء النقاد الغربيين متأثّرين ولاهثين، يكونوا قد فازوا بسباق الركض. مبروك٠ الجائزة الكبرى بالونات ملوّنة يحملونها في طريق عودتهم الى قواعدهم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفاة ممثلة

جين راندولف لم تكن معروفة حتى في الولايات المتحدة، لكنها كانت ممثلة جيّدة وهي ولدت في سنة 1919 وماتت قبل أيام قليلة ولمعت الأربعينات ثم انسحبت من التمثيل من دون سبب معروف٠
خلال ذلك العقد مثّلت ثمانية عشر فيلماً وارتقت سريعاً من دورين ثانويين أولهما في فيلم مايكل كورتيز
Dive Bomber
مع إيرول فلين وفرد مكموري، وثانيهما في فيلم
Manpower
لراوول وولش بطولة إدوارد ج. روبنسون وجورج رافت ومارلين ديتريتش وكلاهما سنة 1941. شركة
RKO
التي كانت رئيسية آنذاك، خطفتها من وورنر ومنحتها أدواراً أكبر وأول فيلم شاهدته لها (قبل مشاهدتي لفيلم
Cat People راوول وولش ذاك) كان
فيلم كلاسيكي من أفلام الرعب أخرجه سنة 1942 الفرنسي الأصل جاك تورنير من بطولة الفرنسية الأصل سيمون سيمون في البطولة ودور راندولف كان البطولة النسائية الثانية. وبما أن الفيلم لم ينته بقتلها فقد كان من المتاح إسناد دور أكبر لها في الملحق الذي خرج سنة 1944 من كم نفس المخرج تحت عنوان
The Curse of the Cat People
معظم أفلامها اللاحقة كانت صغيرة وغير جديرة، الى أن وصل الدور الى فيلم نوار أخرجه أنطوني مان هو
T- Men
سنة 1947 لكن جين لعبت دوراً مساندا صغيراً٠ ثم لعبت دوراً بارزاً في فيلم كوميدي هو "بد أبوت ولو كوستيللو يقابلان فرنكنستاين" ثم دور بطولة في آخر فيلم لها الذي عادت فيه الى سينما التشويق والفيلم نوار
Open Secret
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لبنان في هوليوود

جورج شمشوم، مخرج وصديق يعمل ويعيش في هوليوود وينجز أفلاماً لا أراها لأنه يعرضها في غيابي ولا يبعث لي بأسطوانات لاحقاً، بعث برسالة موجّهة من ساندرا أرسلانيان تفيد بأن مهرجاناً للأفلام اللبنانية سيقام على ما يبدو في لوس أنجيليس ورسالتها هي لطلب الأفلام للدورة الأولى. وهذا يجعلني أفكّر: لم لا يوجد مهرجان للفيلم العربي في هوليوود؟
هناك واحد في سان فرانسيسكو لا بأس بمستواه لكن هناك إثنا عشر مليون بشر على الأقل يسكنون في هوليوود وجوارها ليس لديهم مهرجاناً٠
وإذا كان من المتعذّر والصعب إقامة مهرجان جامع للسينما العربية، لم لا يفكّر أخواني في مصر إقامة مهرجان للسينما المصرية في المدينة؟
طبعاً ليس مهرجاناً يتم عرض أفلام من مستوي »خليك في حالك« و»خارج عن القانون« و»فول الصين العظيم«، بل ما يرتفع عن هذا المستوى- على نحو او آخر. وليكن هادفاً منذ البداية وذي صيغة تجذب المشاهد الأميركي
خاصّة وليست عامّة. يحمل قضيّة ما معكوسة في أفلام وثائقية وروائية .... لم لا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام النظارات

يقولون للمشاهدين ألبسوا نظارات ملوّنة فيلبسون نظّارات ملوّنة لأنها الطريقة الوحيدة لمشاهدة افلام الأبعاد الثلاثة. لكن ماذا لو أن الناس لم ترتح للموضوع بأسره واعتبرت أن هذا البعد الثالث النافر من الصالة هو أكثر مما يرغبونه من السينما؟
كتبت عن هذا الموضوع من قبل مرتاباً في نجاحه وفي قيمته أساساً وكيف أن المحاولات السابقة في الخمسينات سقطت على رأسها بنفس الطريقة التي تتهاوى فيها الطائرات في الأفلام. ويوم أمس قرأت مثيلاً لما كتبت في صحيفة الغارديان التي ذكّرت القراء بشيء مهم: لحين في الستينات ومطلع السبعينات جرت محاولة لجعل الأفلام تفرز روائح. طبعاً لم أكن ومجمل القراء على علم بذلك، لكني سمعت عن أحدها من قبل. المهم أن واحداً من تلك البدع كان أسمه
Smell-O- Vision
تشاهد فيلم وسترن فيه مشهد قيام رعاة بقر بتناول الفاصوليا ليلاً فتشتم رائحة الطبخ. او لمشهد دخول مزارع قن الدجاج فتشتم رائحة القن الوسخ. او ربما يخلع أحد الرجال نعليه فتشتم رائحة القدمين... منتهى الواقعية. لكن منتهى الغباء أيضاً. لكن يقال أن فيلمين فقط تم إنتاجهما على هذا النحو أخرجهما وأنتجهما شخص واحد هو وليام كاسل٠
كل روائع السينما تمّت بالبعدين ومعظمها بالأبيض والأسود. والمشكلة اليوم هي كالمشكلة بالأمس: الأبعاد الثلاثة ليست ضرورية، والفيلم الذي يمارسها إنما يخلق حاجزاً بين المشاهد والفيلم الفيلم نفسه بغنى عنه٠
الى ذلك، شاهدت صوراً منشورة لحضور "كان" التقطت خلال عرض فيلم الإفتتاح "فوق" الذي هو من جملة ما خرج وسيخرج ضمن هذه الفورة من أفلام ثلاثية الأبعاد ولم أتمالك نفسي من الضحك: أنظر الى الصورة بنفسك... الا يبدو هؤلاء أشبه بمن جاء ليحضر حفلة تنكّرية؟


لديك بريد

الصديق عبد الله العيبان من الكويت كتب قائلاًً

شكراً استاذ محمد، أمضيت معظم يومي في القراءة وإعادة القراءة للموقعين، مع المشاهدة لما يتوفر على اليوتوب من مقاطع لأفلام تذكر في مقالات الموقعين.
استمتعت بالجزء الخاص ببيرت رينولدز حقيقة،وكذلك أترقب مقالة ستيف مكوين على نار!! ياترى كيف
كانت نهايته كانسان؟ وأعدت قراءة مفهوم البطل بالحلقتين المخصصتين لذلك و أحتاج للإجابة عن هذا
The Getaway السؤال: أين ستيف مكوين في "الفرار"٠
من الإعراب؟

جواب: ها هو فيلم ستيف مكوين منشور في موقع "فيلم ريدر" وسأعمد الى مقالة عن مجمل أفلامه في هذا الموقع، وأرجوك إذا مر شهر حزيران/ يونيو ونسيت أن تذكّرني٠
فيلم "الفرار" على قائمة الأفلام التي ستعرض في صالة "فيلم ريدر" لكن هناك بضعة أفلام جديدة، وأخرى من الخمسينات والستينات ستسبقه. أنت تعلم أن الوقت لا يسمح لتغيير الفيلم أسرع وعليه أن يستوعب مدّته الزمنية على أي حال٠ أنا سعيد بإعجابك والقراء بـ "فيلم ريدر" التي تهدف لأن تكون "صالتك" المفضّلة لمشاهدة الأفلام .... ولو مكتوبة٠

من أنور سيد حسنين - مصر
أحييك على هذا المجهود الرائع بجد. حقيقة أنني منذ أن استدليت على مجلتك الإلكترونية هذه من أحد الأصدقاء وأنا أزورها كل يوم. ومن خلالها أداوم أيضاً على زيارة مجلتك الأخرى الأنيفة "فيلم ريدر"٠ ربنا يوفّقك٠
عندي سؤال عن مجلة "غود نيوز سينما" التي تصدر من مصر. معرفش إذا كنت بتابعها أم لا. ما رأيك بها؟ أنا شخصياً بشوفها مكمّلة بس مش كافية ومناش عميقة كفاية. أيه رأيك؟

جواب: هذا أفضل وصف قرأته للمجلة. رئيس تحريرها التنفيذي علاء كركوتي صديق وأعرف كم يبذخ عليها بالأفكار الجديدة وكم يجهد في سبيل تطويرها على الدوام. وبالتأكيد جهده ملموس وإيجابي، لكن الى جانب أنها ليست عميقة على نحو كاف، كما ذكرت، هي بحاجة الى ترتيب إخراجي يبرز ما فيها على نحو أفضل. تصميم أكثر هدوءاً يمنح كل قسم فيها شخصيّته المنفصلة والمنصهرة في ذات الوقت في المجلة. الصفحات النقدية خير مثال. لا تعرف متى تدلف إليها ومتى تخرج منها. لكن بغياب مجلات سينما أكثر رصانة هي جيّدة للمعلومات ولثقافة منتصف الطريق٠ أحب أن أسمع آراء أصدقاء آخرين في هذا الصدد
شكرا للتحية وآمل أن أبقى ومجلتي المتواضعتين عند حسن رأيك٠

الى س.س
لن أنشر رسالتك لأني لا أريد أن أفتح المجال أمام تعليقات في هذا المجال. كل ما ذكرته صحيح. ملاحظاتك حول الجهة التي تكتب عنها هي ذات ملاحظاتي. بخصوص منهج الإشتراك في هيئة تحكيم اتحاد النقاد الدوليين فالمختار للمهمّة في "كان" وفي بعض سواه، يتبع واحدة من ثلاث لجان ولا قرار له الا في لجنته التي يعمل في إطارها فإذا كان عضوا في لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية لا صوت له في لجنة "قسم نظرة ما" مثلاً والعكس صحيح٠
أما الفيلم الذي شاهدته ولم تتح لك معرفة عنوانه وإسم مخرجه فهو -حسب وصفك له- "الحادثة" لجوزف لوزاي من أعمال سنة 1967. ومعك حق. يجب أن أكتب شيئاً عنه. المشكلة هي أن هناك نحو 400 مخرج في هذا العالم على الكاتب السينمائي أن لا يرضى الرحيل عن الدنيا قبل أن يكتب عن عنهم٠ أين يكمن لوزاي؟ ليس في العشرين الأول بالنسبة إليّ٠


مقابلة | هوڤيك حبشيان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس مهرجان كان جيل جاكوب في مقابلة خاصّة


  • ثمة صحافيون لا يزالون يؤمنون بأن السينما ماتت لدى موت هيتشكوك وفورد
  • الأسماء الشهيرة تجذب الصحافة والتلفزيونات والجمهور العريض٠
  • الأفلام المتألقة هي من اخراج شباب. فيما السينمائيون المكرسون يفقدون بريقهم مع السنّ
  • ليس صحيحاً أن كل فيلم عربي ينبغي أن يقابل بفيلم اسرائيلي فهذا تصرّف غبي ومجرم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمهيد
كنت قررت الإكتفاء بما تم نشره هنا عن مهرجان كان الى أن قرأت للزميل هوڤيك حبشيان هذه المقابلة التي نشرت يوم الخميس الماضي في صحيفة "النهار" اللبنانية٠استوقفتني المقابلة لأهمية الاسئلة المطروحة وأهمية الإجابات عليها التي تكشف عن جوانب مجهولة من آراء رجل السينما رقم واحد في العالم اليوم. لذلك أسارع بإعادة نشرها لتوسيع نشر ما تحتويه من معلومات وثقافة محيياً الزميل حبشيان على
اللقاء الجيّد- محمد رُضا٠

في السابعة من كل مساء، وفي اعلى السجادة الحمراء المفضية الى قصر مهرجان كانّ السينمائي، ثمة رجل ذو قامة طويلة، ابيض السحنة، هادئ وخال من كل نزعة استعراضية، يستقبل بالسموكينغ وربطة العنق، فريق عمل الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، فيما الشمس تبدأ في الانزلاق خلف آفاق 32 عاماً، تاريخ توليه منصب الأمين العام لأكبر المهرجانات السينمائية في العالم . إنه جيل جاكوب (يبلغ الثمانين قريباً)، واقفاً هنا، يبتسم بطريقته الديبلوماسية المعتادة للكاميرات ولكل هذه الاسماء الكبيرة التي تأتي الى ضفاف الريفييرا الفرنسية لاعادة كتابة تاريخ السينما. أحياناً يستقبلهم من دون اكتراث كبير، لأنه يعتبر أن مهمته تنتهي مع بدء المهرجان في منتصف شهر ايار من كل عام٠

هذا المقرّب من أكبر نجوم العالم، من شارون ستون الى كلينت ايستوود، وهذا الناقد السابق الذي اصبح رئيساً للمهرجان منذ 2001 تاركاً لتييري فريمو مهمة اتمام التشكيلة الرسمية، استطاع أن يحول أرض الميعاد السينمائية هذه أرضاً محايدة، حيث للسينما والسينمائيين الكلمة الفصل، علماً ان الفضل يعود اليه في إبعاد النفوذ السياسي عن كانّ، كما كانت الحال في العهود السابقة، وخصوصاً بعد تسليم الدفة الاقتصادية الى القطاع الخاص (قنال بلوس، لوريال، رونو، شوبار، الخطوط الجوية الفرنسية) الذي يمول نصف موازنة المهرجان البالغة 20 مليون أورو٠
لجاكوب حكاية غرام طويلة مع السينما، يروي فصولها المختلفة في كتابه الأخير "ستمر الحياة كالحلم"، الذي يترجح بين العام والخاص، ويتضمن طرائف وأسراراً. من عائلة يهودية ميسورة، كانت ضحية النازية، شب جاكوب بين نيس وباريس، وعاصر اسياد الموجة الجديدة، ولا سيما كلود شابرول وفرنسوا تروفو، والأخير نشر له مقالات في أول مجلة سينمائية ابتكرها . بعدما باع ممتلكات العائلة من الاميركيين، دخل جاكوب عام 1949
مجلة "الاكسبرس" لكنه اضطر الى تركها، بعد شتمه فيلم "رواية أو" الايروتيكي وتوجهه بالمديح الى أفلام وودي آلن! من هذه" المرحلة من حياته، استقى سيناريو كتبه مع ابنه وتحول فيلماً تحت ادارة فرنسيس بيران. وعندما تسلم في الثلاثين من أيلول سنة 1977، الامانة العامة لمهرجان كانّ، منح فرصا مصيرية لأفلام كانت لتلقى قدراً مشؤوماً لولاه، أهمها: "القيامة الآن" لكوبولا؛ "الطبل" لشلوندورف؛ "هير" لفورمان؛ و"بروفا اوركسترا" لفيلليني٠

على مدار ربع قرن من العمل الدؤوب في كواليس كانّ، استطاع مع رئيس المهرجان بيار فيو، على فتح هذه التظاهرة السينمائية الكبرى أمام العالم الاوسع، مانحاً السينمائيين السلطة لا المنتجين. وبعد سنتين من توليه منصبه، ابتكر ما بات يعرف اليوم بـ"الكاميرا الذهب" (جائزة أول فيلم) وايضاً دشن قسم نظرة ما" الذي صار غنيّا عن التعريف. انه كذلك الرجل خلف " فكرة "درس السينما" و"سينيفونداسوين". في عهده تحول كانّ الى اهم تظاهرة ثقافية في العالم، وثاني أهم حدث اعلامي بعد مونديال كرة القدم. في الشهر الرابع من هذه السنة، على اثر اعلان البرنامج الرسمي للدورة التي أنتهت قبل ايام قليلة، قدّم جاكوب رؤية جديدة للشكل الذي سيتخذه المهرجان في السنوات المقبلة: المزيد من الاهتمام بسينما المؤلف. وحين عبّرنا عن رغبتنا في معرفة المزيد عن هذه الرؤية الجديدة، وجدنا مكاتب جيل جاكوب مفتوحة أمامنا لهذا الحوار الخاص

هل يمكن اعتبار الافتتاحية التي كتبتها لدورة
هذه السنة بمنزلة مانيفستو لما سيكون عليه
المهرجان في السنوات المقبلة؟

يمكننا أن نرى في هذه الافتتاحية قلقاً ما على سينما المؤلف. وقد أردت أن أسلط الضوء على مجموعة من الهوامش، منها التمويل في البلدان الفقيرة وتشجيع المواهب ومراكز الثقل الجديدة في السينما العالمية. لا شك في انني لن اتطرق الى المشكلة بكلام أفضل مما تطرقت اليه كتابة (ضحك)٠

لاحظنا هذه السنة ان النجوم اقلّ وعدد افلام
المؤلفين الى ازدياد هذا كله في ظل عودة
الجهابذة الذين اعتدنا حضورهم المتكرر في
كانّ دورة بعد دورة٠

النجوم ضرورة. الأسماء الشهيرة تجذب الصحافة والتلفزيونات والجمهور العريض. وفي كل مرة يكون لنا فيلم ابطاله من النجوم، فإننا نختاره، شرط ان يكون جيداً، ولا نختار مثلاً فيلماً لأن فيه نجمة جميلة ومثيرة. ليست هذه معاييرنا. وكثيراً ما تساعد أفلام النجوم هذه، الأميركية الصنع، والعالمية الهوى، في تمرير الأفلام الصغيرة التي تأتينا من بلدان بعيدة. هذه الأفلام جزء من تاريخ كانّ المجيد. الأهم أن يكون هنالك توازن بين النهجين. اختصاراً، اذا كان عدد أفلام النجوم أقل هذه السنة، فالسبب هو انها لم تكن جاهزة، وهذا لا يعني اننا كنا نسعى الى جعلها كذلك٠


ما هي التوجهات العامة للبرنامج الرسمي في
الدورة الحالية، وما ابرز خطوطها العريضة؟

لست أنا من يختار الأفلام بل تييري فريمو، وهذا يعني انني لم أشاهد كل ما يعرض في هذه الدورة. اللافت أن هنالك الكثير من الأفلام التي تتخطى مدتها الساعتين، مما يدلّ على ان ما من منتج خلف هؤلاء السينمائيين، يضيّق الخناق عليهم. ونلاحظ ايضاً أن معظم الافلام تدور في الحقبة الراهنة، وهي مناسبة لنطّلع على مشكلات في أنحاء كثيرة من العالم. علماً ان هناك فيلم جاين كامبيون في المسابقة الذي شاهدته ليلة أمس، وأستطيع القول إني قلما شاهدت الحبّ الرومنطيقي موصوفاً على النحو الذي وصفته المخرجة الاوسترالية. أنا مع كل الأنواع السينمائية ما دامت الموهبة هي محركها٠

قليلة أيضاً الأفلام البواكير، في الاختيار الرسمي
ثلاثة في الحصيلة!٠
هذا ليس بالعدد الكافي، علماً ان ثمة أفلاماً أولى لمخرجين جدد في أقسام موازية. لذا لجأت قبل بضعة أعوام الى اختراع جائزة الكاميرا الذهب" التي تهدف الى تشجيع المواهب الفتية. اذاً، " تستطيع أن تقول انني مهموم منذ زمن بعيد بعملية تجديد الأجيال المختلفة من السينمائيين، سواء في البلدان المتطورة أو النامية. وعلى رغم ذلك أعترف أن ثلاثة أفلام أولى في التشكيلة الرسمية ليست كافية. في مسابقتنا هذه عشرين فيلماً

قبل بضع سنوات كان المهرجان منصة لجيل جديد من
السينمائيين. هل عودة المكرسين في هذه الدورة، دلالة
على أنكم لم تكتشفوا هذه السنة أي جديد يذكر؟

الاسماء الكبيرة تنجز فيلماً جديداً مرة كل عامين أو ثلاثة. لذا، يعودون الينا فور انتهائهم من انجاز الفيلم. ولما كانت هذه الافلام جيدة، فليس في المستطاع رفضها. وهذا يجعل الأماكن قليلة للجيل الصاعد. وإذ نأخذ الكبار، نتلقى انتقادات مفادها أننا منحازون الى السهولة. وفي دورة أخرى، عندما تغيب اسماء كبيرة، ويكون هنالك اكتشافات فحسب، نسمع كلاماً فحواه أن كانّ لم يعد ما كانه قبلاً وان الدورة باهتة. لا تستطيع أن ترضي الجميع في الآن نفسه. نحن نترجح بين الاسماء الكبيرة والأخرى التي تصل حديثاً. وليس هنالك البواكير وحدها. ثمة أيضاً الفيلم الثاني أو الثالث ينجزه مخرج. الشهرة العالمية لا تكتسب بفيلم واحد، الا اذا كان يتحلى المرء بموهبة اورسون ويلز. اذاً، الشهرة تُصنَع. ونحن هنا لمرافقة السينمائيين في مرورهم من الظلّ الى الضوء. بعضهم قدّم عشرة أفلام أو عشرين في كانّ، قبل أن يطير صيته عالمياً٠

في الدورة الماضية بلغ عدد الأفلام المُتسابقة 22
في هذا الدورة انخفض الى عشرين. هل السبب
أنكم لم تجدوا أفلاماً تستحق أن تتسابق أم أنكم
أردتم برنامجاً مقتضباً؟

الاثنان معاً. لا نريد ان نثقل كواهل المشاركين. ونسعى الى أن لا يكون هناك عرض لأكثر من فيلمين متسابقين في اليوم الواحد. نريد أن يكون البرنامج على نحو يتيح للصحافيين ان يروا اشياء أخرى الى جانب المسابقة وأن يكتبوا ويستمتعوا ويتبادلوا الاحاديث. يجب أن تحافظ الأشياء على حجمها الانساني. وعلى رغم التصاعد الدائم لعدد الأفلام المنتجة في العالم، نحرص على ان يكون كانّ مهرجان اختيارات لا "مهرجان معرض". وأعتقد ان المرء يمكنه بعد مشاهدة فيلمين أو ثلاثة في اليوم الواحد، أن يخرج برؤية شاملة لما يحدث في عالم السينما٠
نلاحظ أيضاً أن الأفلام المتألقة هي في احايين كثيرة من اخراج شباب. فيما السينمائيون المكرسون يفقدون بريقهم مع السنّ. أكبر مثال على ذلك، كوبولا الذي بعد نيله سعفتين لم يعد كما كان٠

كل عام تعرض مئات الأفلام في كانّ، لكن هذا
لا يمنع بعض المتذمرين من اعلان موت السينما...٠

النوستالجيون كثر. ثمة صحافيون لا يزالون يؤمنون بأن السينما ماتت لدى موت هيتشكوك وفورد. لا ارى السينما من هذا المنظار، بل أجدها فناً يتطور في استمرار، وتجدد نفسها دائماً. انها في نهاية المطاف فنّ شاب، لكن اللافت ان جغرافيتها لا تتوقف عن التغيير. اي ان الأمكنة التي تأتي منها السينما الشائقة والمثيرة للاهتمام لا تبقى هي هي. السينما التي تعجب ذائقتنا السينيفيلية تأتينا من بلدان مثل رومانيا والفيليبين واسرائيل، ونأمل أن تأتي غداً من بلدكم لبنان. كانّ ليس واجهة لما يُصنع اليوم من سينما مهمة في العالم فحسب. بل هو واجهة لما يُصنع غداً. الطريقة المثلى لمعرفة اين يكون مركز السينما هي الـ"سينيفونداسيون"، لكون هذا القسم مخصصاً للطلاب وأفلامهم. وهؤلاء الطلاب هم الذين سيغذون شاشات كانّ مستقبلاً٠

عندما تنعت المتذمرين بالنوستالجيين، هل
يعني هذا انك لست نوستالجياً؟
لا. أحياناً اشعر بشيء من الحزن والكآبة بسبب العمر، لكن لا أحن الى الماضي. طبعاً أعرف انه كان هناك سينمائيون كبار وان هذا الزمن ولى الى غير عودة. هؤلاء كانوا رواداً. في خمسينات القرن العشرين، في أولى سنوات كانّ، كان قد مرّ على بدايات السينما نحو نصف قرن، وكان لا يزال هنالك عباقرة لا يتكررون. اليوم، بات الأمر صعباً الا اذا كنت آسيوياً. بعض هؤلاء تأثر بالسينما الأوروبية، ونجده اليوم يجرّب اشياء كثيرة، منهم مَن يفشل ومنهم مَن يشق طريقه الى النجاح. وهذا اعشقه جداً، فأكثر ما يستهويني هو التجريب في السينما التجارية٠

لكن، ألا يزال اليوم عباقرة ينطلقون من كانّ كما في السابق؟
سنحصل الجواب عن هذا السؤال بعد عشرين عاماً. عندما شاهدنا المواطن كاين"، قيل إن اورسون ويلز نسخ ما نراه في الفيلم من فيلم آخر. لكن في الواقع كان قد ابتكر كل شيء، متعاوناً مع مدير التصوير الذي عمل واياه في السينما إما نعثر على اخراج مسطح كما هي الحال في الأفلام التلفزيونية، وإما نجد سينمائياً لديه حسّ جمالي عال، فيكون في فيلمه بُعد بصري

أما لا تزال مشغوفاً بمشاهدة الأفلام؟
لا يمر يوم واحد من دون أن اشاهد شيئاً ما. منزلي مجهز على نحو يتيح لي مشاهدة أفلام على "دي في دي". لديّ شاشة كبيرة. وغالباً اشاهد ربع ساعة من هنا، نصف ساعة من هناك، لأرى اذا كانت نظرتي اليه تغيرت، بعد مرور فترة على مشاهدتي الفيلم. الى المشاهدة النهمة، انا أيضاً صانع صور، اذ انجز افلاماً مونتاجية مؤلفة من مشاهد افلام، واسعى من خلالها الى "سرقة" مواهب الآخرين. وأنا موهوب جداً في السرقة (ضحك). يسعدني أن أجمع صور الآخرين٠

هذا عنوان جميل للحوار!... أحياناً حين تكون التشكيلة
الرسمية تليق بذوق النقاد، نسمعهم يقولون ان السينما
في ألف خير، وعندما لا يعجبهم ما تختارونه، يلقون
اللوم عليكم وعلى اختياراتكم "غير الصائبة"...٠

هذا أمر طريف أسمعه دائماً. لكنه لا يغضبني. مضى على وجودي 28 عاماً. قبل ذلك كنت صحافياً. واستطيع ان اقول انني لطالما احترمت آراء الصحافيين، حتى حين كنت اخالفهم أحياناً. لا أعتقد أن هناك صواباً وخطأ في هذه الأمور نخرج من الفيلم ولكل منا رأي متضارب مع رأي الآخر. من الذي على حق؟ . قد نعرف الجواب بعد عشرين عاماً لأن العمل الذي أقوم به لا يستند الى علم، لديَّ مثلكم مشاعر، احياناً تخطئ واحياناً تصيب٠

قبل ترؤسك ادارة المهرجان، كنت تأتي اليه صحافياً منذ
العام 1964. وهذا ما يمنح أبناء المهنة الأمل في
أن يتحول الواحد منهم يوماً الى مدير مهرجان كانّ

كل صحافي يغطي كانّ هو مدير مهرجان على طريقته. إما مدير - مكبوت وإما مدير من حيث لا يدري. ففي الواقع كل صحافي يملك ثقافة سينمائية يستطيع أن يهتم بالتشكيلات الرسمية في مليون نسمة، المهرجانات. ثمة مقولة قديمة مفادها ان في فرنسا 65 مليون ناقد سينمائي ٠

فرنسوا تروفو كان يقول: لكل فرنسي مهنتان، مهنته
الاصلية والنقد السينمائي. في كل حال، أليس من
المزعج ان يعمل المرء سنة كاملة من أجل اثني عشر يوماً؟

يقلقنا هذا الجانب من عملنا. فاذا حصل شيء ما أعاق انعقاد المهرجان، فتكون قد عملت سنة كاملة من أجل لا شيء. في كل المهن، اذا منعتك حادثة من مواصلة نشاطك اليوم، فتستطيع ان تواصلها غداً. أما نحن فتتحول المسألة عندنا دراما٠

ماذا عن تأثيرات الأزمة الاقتصادية في الدورة الحالية؟
الأزمة الاقتصادية تأخرت كثيراً كي يكون لها مردود سلبي على المهرجان. والآثار السلبية الوحيدة التي نلاحظها هي تراجع طفيف في عدد المشاركين. أما البرنامج، فلم يتأثر بها البتة، لأنه عندما وقعت الأزمة كان سبق أن أعددنا قائمة الأفلام المشاركة. لكن لا نعرف ماذا يكون مدى التأثير على دورة السنة المقبلة. لننتظر ونر. بعض الموازنات العامة المعطاة لنا خفضت وعوّضت بموازنة خاصة حصلنا عليها قبل الأزمة، علماً ان الحصول عليها اليوم امر في منتهى الصعوبة. اذاً، بالنسبة الينا لم تكن الأزمة مشكلة كبرى، لكن عيوننا ستبقى ساهرة على المستقبل٠


ما الذي تغير منذ تاريخ تولّيك المناصب العليا في كانّ

الى الآن؟
ما الذي تغير؟ كل شيء. بدءاً بارتياد الصالات وصولاً الى الطريقة التي تعالج فيها الأمور، مروراً بتكاثر كل النشاطات التي تعقد على هامش المهرجان من دروس سينما ومعارض. حاولنا وجربنا وتخيّلنا كل ما يمكن محاولته وتجربته وتخيّله في هذا المجال. طورنا سوق الفيلم وعززنا حضور محطات التلفزة. الصحافة هي بدروها تغيرت واصبح هناك الانترنت والكومبيوتر٠

هل تسند الانترنت المهرجان أم تسيء اليه؟
سؤال جيّد، لكن لا اعرف حقاً. الانترنت تشبه خلية نحل، مع عدد هائل من الكتّاب الذين سيصبحون لاحقاً نقاداً سينمائيين. الايجابي في المدونات انها تنهض على قدر كبير من التفاعلية، لكن في المقابل، المدونون يتبنون الازدراء والهزء والسطحية. من السهل جداً القول عن مهرجاننا انه منصة للنجوم والبهرجة. وأنا أحترم الاراء كافة، حتى عندما يهاجمون المهرجان. لكن يجب ان يكون صاحب الرأي متخصصا٠

هل "السعفة الذهب" هي جائزة سياسية
بحسب ما يدعي البعض؟
آمل الا تكون. اعرف أنها سُيّست عندما نالها "فهرنهايت 9/11" لمايكل مور، على رغم أن لجنة التحكيم التي منحت الجائزة ترأسها آنذاك كوانتن تارانتينو قالت ان للفيلم مزايا جمالية، وهذا ما اعتبره غير صحيح. الفيلم الذي يجب ان ينال "السعفة" هو فيلم ينبغي أن نبقى فخورين به بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة. منذ نحو ثلاثة عقود وأنا أشغل هذا المنصب، أتحدى أن يأتي احد الذين ترأسوا لجنة التحكيم ويقول إننا مارسنا ضغوطاً عليه. ذلك اننا لا نريد أن نمارس ضغوطاً، كما فعل أسلافنا في كانّ٠

ثمة متطرفون عرب يدعون بأن "السعفة" سياسية، وأن
أفلامهم لا تصل الى المسابقة لأسباب جيوسياسية، وإن
وصل واحد منها، فيجب أن يكون هناك في المقابل
فيلم اسرائيلي... ٠

هذا ادعاء باطل. ولتأكيد ذلك فمخرج عربي مثل محمد لخضر - حمينا سبق أن نال "سعفة" كانّ، وأتمنى ان ينالها أيضاً عرب آخرون. أما أن كل فيلم عربي ينبغي أن يقابل بفيلم اسرائيلي فهذا ليس صحيحاً، ويكفي أن يعود المرء الى تاريخ هذا المهرجان. تشكيلة كانّ الرسمية صعبة الانجاز، ولا سيما مع التراجع الاوروبي والصعود الآسيوي، ووسط هذا كله لا يمكن ان نتجاهل العالم العربي؛ فهذا كان ليكون تصرفاً غبياً ومجرماً وينم عن جنون. لكن، في مقابل ذلك لا نريد أن ننجرف الى الديماغوجية، ولا نريد أن نختار الأفلام لأنها من هذا البلد أو ذاك. نريد للسينمائيين الذين يرغبون المشاركة في مهرجان كانّ أن يرتقوا الى المستوى العالمي في كيفية صناعة الصورة. وقد لا يعني عدم اختيارنا أفلام البعض منهم أننا على حقّ. فجزء من هؤلاء سيذهب الى البندقية أو برلين، ليقتنص فيهما الفرص والجوائز٠

ما سبب تفوق كانّ على المهرجانات الأخرى؟ وماذا
عن الحرب الجارية بين برلين والبندقية. أهي حرب خفية؟

ليست حرباً خفية بل مفتوحة. انها منافسة، اذاً هي حرب. في كل حال، ليس من معركة من جانبنا. المهرجانات في العالم أصبحت كثيرة، وليس هنالك عدد كاف من الأفلام لجميعها. نحن نتقاضى أجراً من أجل هذا. ليس أنا تحديداً لأن الرئيس في كانّ متطوع. اذا نحن هنا، فلكي نتمم افضل تشكيلة ممكنة، ونصبح الاوائل، والأهم ان نبقى [مع الاصرار على كلمة "نبقى"] الاوائل. اما الاسباب التي تجعل منا الاوائل، فهنالك مجموعة معايير: هناك اولاً عدد المشاهدين؛ ثانياً عدد وسائل الاعلام؛ ثالثاً عدد الشاشات؛ رابعاً عدد وحدات السكن او الفنادق؛ خامساً طبيعة المدينة؛ سادساً سوق الفيلم. واذا أجريت امتحاناً صغيراً، تكتشف أن مهرجان كانّ متفوق في هذه المجالات كلها. ونحن نبذل جهوداً جبارة لنبقى على ما نحن عليه. مهرجان كالبندقية مثلا يعلم تماماً انه يجب عاجلاً أو آجلاً ان تكون له سوق للفيلم، اذا اراد احتضان محترفي السينما. عائق آخر، هذه المرة في برلين، هو الطقس البارد، وليس من حلّ حياله. الجوّ الذي نعمل انا وانت فيه، في كانّ، يجعلنا لا نشعر بأننا نعمل، بالقرب من الشواطئ وتحت اشعة الشمس. المنظر أيضاً خلاب: البحر والسفن، الخ. للمناسبة، احدى الضربات البشعة من زملائنا في برلين قولهم لديهم في مهرجان كانّ السجادة الحمراء ونحن الأفلام". هذا طريف، " لكنه بعيد من الحقيقة٠

رجل مثلك ينام على سلطة "مطلقة" في عالم
السينما، كيف • تستخدم سلطتك؟
سلطتنا كامنة في اختيار فيلم وعدم اختياره في مسابقة كانّ.- فمن الواضح ان كل فيلم يعرض هنا سيتاح له ان يحاط باهتمام اعلامي وعالمي واسع. على رغم السلطة المنوطة بنا، نحاول أن نبقى منصفين الى مدى بعيد. والا نخطئ، لأن الخطأ وارد في مجال عملنا، والأهم ان نستفيد من أخطائنا، لعدم تكرارها من جديد. وأيضاً ان نساعد الأفلام على العيش والبقاء، وان نكون سنداً للسينمائيين، فهؤلاء اناس يعانون الوجع وينبغي ان نكون منبرهم المفتوح. عندما يصل بك الامر لتدرك أن مخرجاً يجوب ساعة، بفضل اختيارك له24 دولة في 30العالم ويباع فيلمه من في المسابقة الرسمية لمهرجان كانّ، فإنك تقول في قرارة نفسك: "ها اني افيد في شيء". في خاتمة الأمر، نحن لا نجسد الموهبة، بل نساعد الموهبة لتكون٠


فيلم بزنس | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوليوود تغزو العالم بلغاتها المختلفة والشرط هو قوّة السوق

Keinohrhasen

بين التقسيمات المختلفة لتاريخ هوليوود والمراحل المتعددة لها، هناك التقسيم الناشيء حديثاً وهو التالي

الإكتفاء الهوليوودي بنفسها. معنى ذلك: تنتج هوليوود للسوق الأميركية أولاً وتموّل أفلامها بنفسها -
ولو أنها توزّع ما تنتجه أميركياً حول العالم. هذه المرحلة بدأت من الثلاثينات واستمرت -كاملة- الى التسعينات٠

مرحلة البحث عن تمويل خارجي: هذه المرحلة الحديثة نسبياً بدأت في التسعينات وفيها لجأت هوليوود -
ومجموعة المنتجين الجدد فيها الى توسيع دائرة التمويل بالبحث عن مصادر أوروبية وشرق آسيوية. وهي مرحلة لا زالت مستمرّة لكن حجمها محصور بالمناسبات المحددة إذ اكتشفت هوليوود أن الفيلم الأميركي عليه أن يكون أميركياً في المقام الأول لنجاحه. حالما يتّخذ -بسبب مخرجه او تدخل رأسالمال الأجنبي- صيغة أوروبية فإن مصيره في شبّاك التذاكر محدود (مثال: "الغزو" الذي جلبت له هوليوود شركاء أوروبيين ومخرج أوروبي وفشل عالمي)٠

مرحلة تمويل الأفلام الأجنبية: هذه المرحلة هي الأحدث اليوم وهي مثار اهتمام هوليوود ومنتجيها وهي لا -
تزال في مطلعها وفيها الإستعداد لتمويل أفلام أجنبية بلغاتها وثقافاتها طبعاً ليس حبّاً بالثقافة العالمية بل لأن هناك فائدة تُجنى وراء ذلك٠

Keinohrhasen خذ مثلاً الفيلم الألماني "أرنب بلا أذنان" او
إنه فيلم رومانسي مع لمسات كوميدية، تم عرضه في العام الماضي، يحمل كل ما تعرفه السينما الألمانية التجارية من تنميط لم يناسب يوماً سوى ذوق جمهورها المحلي. وورنر قامت بتمويله والممثل الألماني الشاب تِل شوايغر قام ببطولته والفيلم جلب أكثر من ستين مليون دولار حين عرضه٠
الفيلم الذي حمل عنواناً آخر هو "أرنب بلا أذنين" يستعير من هوليوود الحبكة الخفيفة التي يمكن تطبيقها في أفلام اسبانية ومصرية وهندية وفرنسية أيضاً: شاب (شوايغر طبعاً الذي أخرج كذلك الفيلم) حول ذلك الشاب الذي حكم عليه لجناية خفيفة بتمضية 300 ساعة في العمل الإصلاحي عوض سجنه لثمانية أشهر. هناك يلتقي بالفتاة التي تناصبه العداء لكنك تعرف من اللحظة الأولى أنها ذات الفتاة التي ستقع في حبّه بعد حين٠

أرقام أوروبية
لقد اكتشفت هوليوود في سياق قرارها بتميل أفلام أجنبية أن الناس يحبّون الأفلام التي تحمل ثقافاتهم بلا ريب٠ لكن هذا ليس كل شيء. نفس الجمهور الذي يحب أن يشاهد الأفلام الألمانية في ألمانيا والفرنسية في فرنسا والإيطالية في إيطاليا، الى آخر المنوال، هم أيضاً يحبّون مشاهدة الأفلام الأميركية التقليدية. إذاً الخيط الذي سحبته هوليوود حيال مسألة تنفيذ هذه المهمّة في بلاد الآخرين هو استبعاد أي فيلم ذي عناصر فنية مهمّة او قويّة والإقبال على تلك التي تحمل ذات الخيوط المشتركة مع معظم ما تحققه هوليوود من أفلام أميركية٠ بذلك توحّد بين المفاهيم الثقافية على نحو عريض فتبقي، من ناحية، على العناصر التي تشكّل الهوية الخاصة بالفيلم الذي تموّله، وتشجع، من ناحية أخرى، عملية تحقيق أفلام مثالها الأعلى ونموذجها الخاص هو الأفلام الأميركية ذاتها٠
وهذا يأتي في الوقت الذي بات مؤكداً فيه أن الإقبال على صالات السينما في العواصم والمدن الأوروبية الرئيسية بات الأعلى خارج الولايات المتحدة٠
وللتفسير، فإن السوق الفرنسية وحدها، حسب مصادر السوق السينمائي، استطاعت أن تحتل الرقم الأول في العام الماضي كنسبة إقبال بين الدول العالمية. لكن هذا العام، وحتى الآن، فإن أوروبا كلها -مجتمعة- باتت هي الأولى عوضاً عن دول جنوب شرق آسيا٠
بالنسبة لهوليوود فإن هذا أمر بالغ الأهمية. فنسبة إيراداتها من السوق الأوروبي وحده ارتفعت عبر الأعوام الماضية لتشكّل ثلثي نسبتها من السوق الأميركي ذاته (مجمل الإيرادات السينمائية وحدها - أي من دون سوق الأسطوانات- يبلغ داخل أميركا نحو 9 بلايين دولار سنوياً. العائد العالمي نحو 6 بلايين دولار٠
وفي حين لا زالت نسبة الإقبال الأوروبي على الأفلام الأوروبية تصل الى ما يتراوح بين 28 بالمئة الى 35 بالمئة، حسب البلد ذاته، فإن الإقبال الأوروبي على الإنتاج الأميركي يصل الى أكثر من 40 بالمئة وأحياناً ما يجاور الخمسين بالمئة من قيمة الأسواق المحلية٠
إذاً، ما تستفيد منه السينما الأميركية من نتائج إذا هي موّلت أفلاماً اسبانية او فرنسية او بريطانية او ألمانية هو الإستثمار في سوق ناجح ٠
في هذا الشأن، فإن دراسات "مركز المراقبة البصر-سمعي" ومقّره ستراسبورغ يُشير الى أن ارتفاعاً قدره 7 بالمئة في عدد الإنتاجات السنوية من الأفلام الأوروبية يحدث كل عام من العام 2004. بالتالي، عدد الأفلام التي تم إنتاجها في أوروبا وحدها السنة الماضية، 2008، هو: 1145 فيلماً٠

No Name

الهجمة
على أن المسألة ليست مجرد إنتاج مفتوح على كل من لديه فيلماً يريد إنجازه٠
لقد درست هوليوود طويلاً نوعية الأفلام الأميركية التي تنجح في أوروبا وتلك التي تفشل ووجدت أن ما ينجح أوروبياً هو أفلام الأكشن والخيال العلمي والإنتاجات الضخمة والدراميات التي تتولاّها عناصر إنتاجية كبيرة. ما الذي يفشل إذاً؟
الأفلام الهوليوودية الكوميدية الخفيفة والأفلام العاطفية الرقيقة والأفلام الرياضية وكل ما تنتجه هوليوود من أفلام لا تحمل شروط الإنتاج الكبير. إذاً؟ لتوافق هوليوود على إنتاج أفلام من هذه "الموديلات" إنما تكون أوروبية لأنه ثبت من مراقبة النتائج أن الجمهور الفرنسي او الألماني او التركي يفضّل أفلامه هو حين يريد مشاهدة ما هو عاطفي او كوميدي. النكتة في الأفلام الكوميدية مثلاً تصل محافظة على وقعها والقصّة العاطفية تكون قابلة للتصديق أكثر٠
لهذا "أرنب بلا أذنين" كان أحد الأفلام الأولى حديثاً في هذا الإطار٠
هذا الفيلم من إنتاج وورنر بينما صوني تعمل على إنجاز فيلم ألماني آخر مع تيل شوايغر نفسه عنوانه
Freundschaft
علماً بأن هناك فيلماً ألمانياً تم إنجازه مع طاقم مختلف (ولا ندري إذا ما كانت القصّة مختلفة) بنفس العنوان وذلك قبل أربع سنوات٠
ومثل وورنر وصوني هناك يونيفرسال التي تعمل على دراسة مشاريع ألمانية وفرنسية وأسبانية علماً بأن المرء إذا ما توقّع أن تكون عملية إبرام العقود والمرور عبر دهاليز التفاصيل معقّدة في ألمانيا أكثر من سواها، فإنه سيكتشف أنها أكثر تعقيداً في فرنسا مثلاً بسبب وجود قانون جديد أبرم مؤخراً مفاده أن العائدات الضرائبية تُلغى في حال استناد التمويل على جانب غير فرنسي بنسبة غالبة. هذا يعمل ضد قانون سابق أخف وطأة. أما في أسبانيا فالأزمة الإقتصادية وحدها التي تجعل الإتفافات محصورة حالياً بما هو مؤكد من رواجه المحتمل٠
بالنسبة للسوق الألمانية فإن الإقبال على الأفلام المحلية ساعد حالة رواج بلغت نسبتها في العام الماضي 27 بالمئة أكثر مما كانت عليه منذ بداية العقد الحالي٠

واقع عربي
الإهتمام بالتمويل في الخارج ليس حكراً على أوروبا بل هو حيثما وُجدت سوق قوية يمكن لها أن تعود بالفائدة٠ خذ مثلاً التمويل الجديد لفيلم "بلا إسم". إنه فيلم مكسيكي لكاري هوي فوكوناغا حول فتاة من الهندوراس تلتقي بأبيها بعد فراق طويل وتجده على أهبّة الإنتقال الى الولايات المتحدة في هجرة غير شرعية. أمامها خيار أن تلتحق به وبذلك تحقق حلماً راودها منذ فترة بعيدة بحياة أفضل، او أن تتجنّب مخاطر الرحلة تلك٠
والإستفادة من الفيلم المكسيكي متعددة بالنسبة لفيلم أميركي وذلك بتعدد الأسواق الناطقة بها. ففي الأساس، هناك السوق المكسيكي النشط، يتبعه السوق اللاتيني الكبير ومن بعد ذلك هناك سوقاً لاتينياً ينشط باضطراد داخل الولايات المتحدة ذاتها٠
لب المسألة مثير للإهتمام في نهاية المطاف٠
الظاهرة التي تقودها هوليوود الآن متّصلة بقيمة السوق الذي تعمل فيها ما يدفع بالسؤال الجوهري: أين تكمن السوق العربية في سياق هذا الإهتمام؟
الجواب الأسرع هو أنها لا تكمن٠
وفي التفاصيل تكمن بضعة أسباب أساسية: السوق العربية نشطة حيال الفيلم الأميركي بلا ريب، لكنها ليست ذات حجم كبير. مجموع ما تورده من إيرادات لا يزال منخفضاً بالمقارنة مع الأسواق الأوروبية او اللاتينية او الآسيوية. وهو منخفض أكثر بسبب القرصنة النشطة٠
من ناحية مهمّة أخرى، لا يوجد في العالم العربي منتجون خبراء بل منتجون في أفضل أحوالهم نصف محترفين٠ وهذا لا يعني أن نصف احترافهم يعني احترافاً مقبولاً على الصعيد العربي. المشكلة هي أنه هذا الصعيد لا يكفي لتطبيقه عالمياً٠
والمموّل الأجنبي، من أين بقعة جاء منها، يريد، حين البحث عن احتمال تمويل فيلم أجنبي، التعامل مع منتجين محترفين والا لن يغطس في شرك محتمل٠
هذا ما يضعنا في مواجهة المشاريع التي تصبو اليها بعض دول المنطقة حيث الصورة لا تزال داكنة رغم كل ذلك النشاط الذي نسمع به٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


May 26, 2009

ISSEU 420 | "Fictuality Horror Cinema"- Part 1| Angels & Demons | State of Play

عدد ممتاز بعد ساعات مع مقالات من عدنان مدانات، ميسر مسكي، زياد عبد الله، هوڤيك حبشيان ومحمد رُضا


في هذا العدد
زوايا
سنوات ضوئية | عن العائد من دون دعوة أرنولد شوارتزنيغر
لديك بريد | من زمان والله٠
يحدث الآن | كن لوتش يتعرّض لحملة صهيونية بسبب موقفه (العمود 1)٠
شوهدت حديثاً | مجموعة من بين آخر ما شاهده الناقد من أفلام (العمود 2)٠

تحقيقات
الكاميرا داخل الكاميرا في أفلام الرعب: او كيف توقفنا عن الخيال
وعمدنا الى الواقع | الجزء الأول من دراسة لمحمد رُضا٠
نظرية المؤامرة تطفو في فيلمين جديدين ... لكن هل نصدّق؟
إذا ما نجح مهرجان "كان" هذا العام في شيء ففي رفع سقف المنافسة
بين المهرجانات الرئيسية حول العالم | محمد رضا



سنوات ضوئية | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرنولد شوارتزنيغر يعود ... وليته لا يفعل!٠

يستحق »ترميناتور خلاص« ما ناله من إخفاق (نسبي) في "شباك التذاكر" الأميركي على يدي فيلم أبسط شكلاً ومفهوماً يقوده بن ستيلر. الفيلم الرديء لا يستحق الا مثل هذه النتيجة التي كان يمكن لها أن تكون أفدح لولا الصيت الذي حمله فيلم المدعو ماكجي لمشاهديه كونه الجزء الرابع من السلسلة٠
لم أشاهد فيلم بن ستيلر بعد وهو الجزء الثاني من الكوميديا المعروفة "ليلة في المتحف" وعنوان الفيلم الجديد
A Night at the Museum: Battle of the Smithsonian كاملا هو
Terminator Salvation لكني شاهدت
وعانيت من ضجيجه وضوضائه ورداءة وسطحية مخرجه والأفدح اتجاهه بالفلسفة التي حملها الفيلم الأول، والثاني والثالث بنسب، الى مجرّد صراع آخر بين الإنسان والآلة مجرّداً من أي بُعد يُذكر٠
ثم هناك بالطبع أرنولد شوارتزنيغر ٠٠٠٠
كما نعلم جميعاً، أرني هو الذي لعب بطولة الأفلام الثلاثة الأولى (انتج الأول والثاني اللبناني الأصل ماريو قصّار وشريكه البولندي أندي فاينا، لكنهما اكتفيا بالحقوق في الثالث والرابع) وكان ناجحاً في الجزأين الأول والثاني نظراً لأنه لعب بالطبع دور الرجل الآلي الممسوخ من مصنع استخدم في تكوينه كل ما هو معروف وغير معروف من تقنيات بحيث يبدو بشراً لكنه لا ينزف ولا يموت وفي داخله كومبيوترات متقدّمة وأسلاك عوض الشرايين الخ... أقصد أن أقول أن كل ما كان مطلوباً من أرنولد آنذاك هو أن يوظّف موهبته في اللاتمثيل، وهو فعل٠
بعد ذلك وبقراره الخاص وبانتمائه الى يمين المحافظين، رشّح نفسه مستخدماً نجوميّته وأموال الآخرين، لانتخابات حاكم ولاية كاليفورنيا ونجح.... ماذا يريد بعد ذلك؟
عليه، قرر، أن يظهر ولو لبضع ثوان في »ترميناتور 4«. لا لشيء الا لتذكير من نسى أنه كان الممثل الأول في الأجزاء السابقة. فجأة تقطع الكاميرا عليه من أخمص قدميه لتقدّم شكلاً لأندرويد (غير بشر على هيئة بشر) طويل عريض وعار يهاجم كرشتيان بايل ليقتله ولا شيء سيحول دون ذلك٠
من ناحية يستحق كرشتيان بايل أن يُقتل في الفيلم لقبوله التمثيل فيه، لكن هذا ليس شأننا هنا. أرني يتحوّل بعد ثوان قليلة من هيئة بشرية الى معدن متحرك يرفع بطل الفيلم بايل عن الأرض ويرميه بعيداً ثم يتقدم إليه ويرفعه مجدداً ثم يرميه بعيداً والأمر نفسه أكثر من مرّة.... لم لا يقتله من المرّة الأولى؟
لا أدري كم قبض أرني عن دوره هنا، لكنه قبض 30 مليون دولار (أجراً وحصصاً) من تمثيله الجزء الثالث في مطلع ولايته حاكماً ما عوّض ما صرفه على حملته الإنتخابية حينها. لا يهم. فقط لو يعفينا من الظهور هنا على الرغم من قصر مدّة هذا الظهور. لو كان يحاول إيجاد حلول لولاية مفلسة لا تملك ثمن تزفيت الطرق المتشققة٠


لديك بريد | من زمان والله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السفر من وإلى وحضور جانب من مهرجان سان فرانسيسكو قبل نحو شهر والقيام بواجبات مختلفة حيال جمعية المراسلين الأجانب في هوليوود حال دون الإلتفات الى الرسائل التي وصلت خلال تلك الفترة. وسأختار ايرادها في كل عدد حسب ورودها٠

عمر منجونة كتب أكثر من مرّة. الرسالة الأولى تعلّق على ما أوردته هنا حين كنت في الدوحة"
أكاديمية سينمائية كبيرة وسلسلة منشورات خاصة بالكتب السينمائية. مجلة سينمائية متقدّمة. هل أنت متأكد أستاذي أن هذه الخطط في إحدى البلدان العربية؟ سبحانك علام الغيوب. أتمنى لحضرتك التوفيق وكذلك في مشروع السيناريو لكني أرجو من حضرتك التأكد هذه المرّة من وصوله لليد المناسبة. ويفكينا ما فعله السيد إيزادور مسلّم وشركته روتانا مع "كيف الحال"٠ إن شاء الله تسفر هذه المجهودات عن شيء مهم مع أني كنت أتمنى تواجد حضرتك في "كان"٠
جواباً على هذا الجزء من الرسالة يأ أخ عمر: طُلب مني تقديم هذه المشاريع الى المسؤولين في دولة قطر التي تسعى للإنطلاق في الركب السينمائي كما الحال مع دول أخرى في المنطقة وفعلت. بل كان يجب أن أفعل لأن هذا هو دوري ودور كل من يؤمن بالسينما. الباقي على الله وعلى جدّية المرحلة المقبلة ولا أملك في ذلك أي قرار٠ بالنسبة لسيناريو "كيف الحال" النسخة التي كتبتها من السيناريو ووصفها مسؤول روتانا بأنها فنيّة والتي رفضت تغييرها فآلت الى أحد الكتّاب في مصر لا زالت عندي وستبقى وربما أنشرها يوماً لكي يرى الجميع ما كتبته وكيف تغيّر. المخرج ايزادور مسلّم نفّذ هذا الفيلم بإدارة جيّدة لكن تحت ظروف انتاجية غير مواتية وهو يستطيع أن يشرح بنفسه ما حدث من وجهة نظره اذا رأي داعياً لذلك٠
تعلم يا أخ عمر أن كاتب السيناريو أما أن يكتب كما السوق او يكتب كما يريد. في الحالة الثانية المنتج له حرية التصرّف بالسيناريو كما يريد والكاتب لا حق له في أن يعارض او يمنع. يستطيع فقط أن يتبرأ وهذا ما فعلته بالنسبة لفيلم "كيف الحال"٠ لكني معك. أرجو أن لا يحدث هذا مرّة أخرى لا معي ولا مع أي كاتب آخر٠

يكمل الصديق عمر
ملاحظة: أتمنى في المستقبل - إذا توفّرت الفرصة المناسبة- طرح بعض المواضيع عن السينما السوريالية وأساليب مخرجيها . أجد نفسي في حماس لأعمال المخرج لويس بونويل وأحياناً لا أستطيع تفسير هذا الإعجاب٠

لست خير من يكتب عن السينما السوريالية بالمطلق. أعرف في النظريات لكني لم أشاهد ما يكفي من الأفلام السوريالية الخالصة. لذلك قد أتأخر في تلبية هذا الطلب. لكن بالنسبة لبونويل ... أبشر خيراً٠
-------------------------------------------------
أجد نفسي أنتظر آراء الأخت هدى من حين لآخر وهي أرسلت تقول

هل تحوّل اليهودي من الضحية الى الجلاد في آخر الأفلام وخصوصاً مع تارانتينو في فيلمه الأخير؟ الغريب في الأمر هذا القفز من حكايات العصابات والمطاردات في الداخل الأميركي الى مطاردة النازيين مع مستر تارنتينو٠ والملاحظ في الأمر أن الفيلم هو بتكليف من الونستين برذرز اللذين، وغيرهم في هوليوود، يريدان تذكير العالم المستمر بالمحرقة اليهودية وكأن لم ولن يأت بعدها من محارق| وهذا فعلاً تسطيح ساذج للأمور فالقتل والتهجير الممارس من الإرهاب الصهيوني بحق الفلسطينيين هو فقط خاطيء وليس إجراماً٠ وبما أن الفيلم بحاجة الى الإثارة والقتل الفاقع والمفتعل في عنفيته فمن سوى تارنتينو قادر على تحقيق ذلك وجلب أكبر قدر من المشاهدين؟
وتنهي بالقول
لست متعاطفة مع النازيين فهم قدّموا أجمل خدمة في التاريخ للحركة الصهيونية لاحتلال فلسطين بمساعدة الدول الغربية الإستعمارية٠
جواب: معك في كل حرف يا أخت هدى وأضيف أن الكيان القائم في فلسطين بإسم إسرائيل يدافع عن آخر معنى لوجوده عسكرياً وإعلامياً وهو بحاجة الى كل جهد يُبذل على الصعيد السينمائي (وسواه). استخدام الكذب في ترقيع الصورة الصهيونية وحمل الناس على تصديق أي شيء وكل شيء يطلب منهم تصديقه لمجرد أن اليهود كانوا ضحايا المحرقة سائر بلا انقطاع منذ الأربعينات. مؤخراً انتقل الى روايات حول مقاومين يهود
قتلوا وفعلوا بالنازيين لأنهم قادرون على فعل ذلك و"الإنتقام لواحد من عيناي" كما في التلمود. قبل تارنتينو
Defiance الذي يبقى، في النهاية رجل بلا فكر، شاهدت
لإدوارد زويك (خرج في نهاية العام الماضي) ويستند الى وقائع حدثت حين كوّن ثلاثة أخوة يهود في بلروسيا عصبة للقتال ولمساعدة اليهود الفرار الى الغابات وكما ذكرت حينها، عمد الى تصوير الخلاف بين شقيقين أحدهما يريد الإكتفاء بمساعدة اليهود الهرب والآخر يريد أن يقتل ويرمي الى أن هذا هو دور اسرائيل اليوم أيضاً. المهم هو أن الفيلم لم يكتف بابتداع أحداثه لكي تلائم حفر صورة بطولية لليهودي المقاتل فقط، بل كذّب حين لم يذكر (على الأقل في عناوين ما بعد النهاية) أن هناك قضايا مرفوعة من مواطنين بولنديين وبلروسيين مسيحيين ضد العصبة اليهودية بتهمة القيام بمجازر ضد الأبرياء منهم والوثائق لديهم، لكن المحكمة تتلكأ. وهي لم تكن تتلكأ لو أن القضية مرفوعة من قبل اليهود على المسيحيين او على أي شخص آخر٠


مهرجانات | الصراع على القمّة بين المهرجانات يفوز بها من لا تعتقد٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

مع انتهاء مهرجان "كان" يتم فتح الباب لتهوئة الفترة المحدودة بينه وبين المهرجان الكبير اللاحق وهو مهرجان كارلوڤي ڤاري التشيكي٠
إنه ليس مهرجاناً كبيراً بحجم "كان" لكنه مهرجان من بين تلك الكامنة في الصف الأول بين الألف مهرجان ومهرجان الذي تتألّف منها الروزنامة السنوية٠ يتبعه بعد فترة زمنية قليلة، مهرجان لوكارنو في سويسرا، ومباشرة بعد ذلك تكر خرزات السبحة بلا ضابط: من قبل نهاية شهر آب/ أغسطس وحتى الأسبوع ما قبل الأخير من كانون الأول/ ديسمبر كل أسبوع ينطلق مهرجان كبير في بلد ما في قارّة ما في هذا العالم. ما عليك سوى أن تختار من العشرين مهرجان تستحق الإنتباه والرصد حفنة تعتقدها الأفضل، او أن تجلس في مكانك ترقب حال الدنيا من بعيد٠

صفة المهرجان الكبير مختلف عليها لأنها تختلف فعلياً من مهرجان الى آخر٠
هو كبير في كل شيء كما الحال في "كان" الذي عرض عشرين فيلماً في المسابقة ونحو 140 خارجها وحشد هذه السنة أسماءاً "كبيرة" معتبراً نفسه "مهرجان المخرجين" والمعبّر الوحيد عن "سينما المؤلّف" بين المهرجانات الأخرى جامعاً بين المواهب الجديدة وتلك القديمة، فإلى جانب أسماء معروفة جدّاً بين هواة الفيلم وإعلاميي السينما مثل ألان رنيه وميشيل هانيكَ وكونتين تارانتينو، هناك مجموعة من "المواهب العظيمة التي تتبلور" حسب وصف المهرجان وفي مقدّمتهم الفلسطيني إيليا سليمان الذي قدّم في المسابقة فيلماً من إخراجه وتمثيله بعنوان »الزمن الذي يبقى"٠

او هو كبير بنوعيّته، كما الحال بالنسبة لمهرجان لوكارنو المتخصص بالسينما التي يطلقها مخرجون جدد٠ او هو كبير بمساحته وسعة استقباله كما الحال بالنسبة لمهرجان تورنتو. او هو الكبير باستعداداته المالية الكبيرة مثل مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي ومهرجان مراكش في المغرب او كبير بالنسبة لموقعه في المنطقة التي هو فيها كما الحال بالنسبة لمهرجان دبي٠

الحاصل حالياً هو أن المهرجانات التي هي على نسق "كان" و"فانيسيا" و"برلين" - وهي التي عادة ما تأتي في مقدّمة ذلك الصف الأول، باتت تتنافس فيما بينها على الحشد الإعلامي والفني الذي تستطيع أن تأتي به مع ما يعنيه ذلك من ضغوط ومسؤوليات. فحيال نجاح مهرجان "كان" هذه السنة باستقبال ما اصطلح علي وصفهم بـ "المخرجين الكبار"، لابد أن يسعى مهرجان "فانيسيا" الذي ينعقد في الأسبوع الأخير من آب/ أغسطس ويمتد حتى نهاية الأسبوع الأول من الشهر التالي، لبز منافسه الفرنسي بجلب الفريق الآخر من "المخرجين الكبار" وهو بدأ بالفعل الإستعداد مكثّفاً اتصالاته هذا الأسبوع مع كل مخرج ذا إسم كبير لم يستطع "كان" جلبه او ربما جلبه لكنه لم يختر فيلمه لسبب او لآخر. وهو أعلن من حاضرة المهرجان الفرنسي أنه سيقوم بالإحتفاء بانتاجات شركة بيكسار للأنيماشن بعرض الأفلام العشرة التي حققتها حتى الآن- وجاء ذلك ردّاً على اختيار "كان" فيلم "أعلى" (عاشر إنتاجات الشركة) للعرض في الإفتتاح٠

وما يُقال عن "فانيسيا" يُقال عن برلين، فهو سينتظر -وموعده المقبل في الشهر الثاني من العام المقبل- أن ينجلي غبار "فانيسيا" عن الأفلام التي عُرضت فيه وتلك التي لم تُعرض ليرى إذا ما كان يستطيع أن يأخذها اليه، كما سيحاول استباق مهرجان "كان" بالحصول على الأفلام التي انتهى إنتاجها حديثاً وترى أن "كان" المقبل لا يزال علي مسافة أربعة أشهر من المهرجان الألماني٠
كل ذلك خلق في الماضي، ويخلق دائماً عملية رفع السقف بالنسبة لما هو مطلوب من قِبل كل من هذه المهرجانات الرئيسية في عملية تنافس تتكرر كل سنة وينتج عنها ربحاً هنا وخسارة هناك لكن من دون إصابات كبيرة٠

عربياً، التجاذب القائم بين مهرجاني الشرق الأوسط في أبو ظبي ودبي في دبي ومراكش في المغرب والقاهرة في مصر و-قريباً- الدوحة في قطر، يكشف عن شراسة المنافسة من ناحية والمزيد من رفع سقف هذه المنافسة الى أعلى ما هو ممكن٠ وهو أمر طبيعي ويعود بالنفع على المشاهدين إذا ما استحسن استخدام هذه المنافسة لتسجيل انتصارات داخل البرامج التي يتأّلّف منها كل مهرجان وجذب أفلام وسينمات تثري المشاهد وتكون لصالحه أولا وأخيراً٠

وسط هذه المعمعمة الكبيرة يبرز من بعيد مهرجانان يبدوان تجاوزا كل ما تم ذكره هنا من حيث أنهما لا يكترثان لهذه المواجهات بل يؤمّان الساحة في حرص على تلبية الجمهور والجمهور وحده. هما تورنتو في كندا ودمشق في سوريا٠
على الرغم من الفارق الكبير بينهما، بالنسبة للميزانية والتنظيم والشهرة، فإن تورنتو ودمشق يحلّقان خارج الطروحات التي تقوم عليها المنافسات بين المهرجانات الأخرى والأول يحقق منذ نحو عشرين سنة نجاحاً كبيراً في كل عام عائماً على سطح المهرجانات الكبيرة حجماً والجاذبة لكل سينما طافت مهرجانات من قبل بالإضافة على نحو 40 عرض عالمي أول في العام، والثاني -في عامه الثالث هذه السنة كمهرجان سنوي- يعمل على الخطوات نفسها بعيداً ، قدر الإمكان، عما يُصيغ الشروط الصعبة لمهرجان كبير٠


بين الأفلام | نظرية المؤامرة تطفو في فيلمين جديدين٠
------------------------------------------------------
محمد رُضا

Angels & Demons

هذا الأسبوع، في العروض الجديدة لما توفّره هوليوود من أفلام، فيلمين يتعاملان ونظرية المؤامرة٠
ونظرية المؤامرة هي تصوّر أن هناك حبكة حاكتها أيدٍ خفية لتحقيق مآربها وتكاد تنجح في ذلك من دون الظهور علناً ومن دون أن يكون لدى كاشف هذه المؤامرة دليلاً ماديّاً .... على الأقل في الساعة الأولى من الفيلم٠

الفيلمان هما "ملائكة وشياطين" لرون هوارد و"حالة اللعبة" لكَڤن ماكدونالد . الأول هو رديف لفيلم آخر حمل أيضاً هم الحديث عن نظرية المؤامرة هو »شيفرة دافنشي« والثاني هو فيلم جديد تماماً لا يُنتظر أن يثمر عن جزء ثان او رديف من أي نوع٠

أفلام "نظرية المؤامرة" ليست جديدة بل تعود في جوهرها الى الخمسينات متحدّثة -غالباً- عن جهود مبذولة من قبل فريق قادر على أن يمارس سلطته ونفوذه لتمرير خطّة يخرج منها أقوى مما كان عليه٠ الأفلام التي ترتدي هذا الموضوع هي دائماً أفلاماً تشويقية لكنها قد تكون بوليسية (كما الحال في "ثلاثة أيام من ألكوندور« لسيدني بولاك (1974) او خيال علمية مع خيط من الرعب مثل"غزو ناهشو الجسد" لدونالد سيغال (1965) او دراما سياسية كما حال "منظر بارالاكس" لألان ج. باكولا (1974) و"المرشح المنشوري" لجون فرانكنهايمر (1962) الذي أعيد تحقيقه سنة 2004 من إخراج جوناثان كابلان٠
بالنسبة لفيلم "ملائكة وشياطين" فإن منواله هو تشويق قائم على نظرية أن هناك مؤامرة تقوم بها منظمة دينية سريّة تعمل كخلية داخل الفاتيكان وقد خطفت أربعة كارديناليين لإعدامهم بين الساعة الثامنة والساعة الحادية عشر في يوم محدد. عالم الرموز والأيقونات الأميركي روبرت (توم هانكس) هو، حسب الفاتيكان وحسب الفيلم، الوحيد المخوّل حل اللغز ومعرفة هوية الخاطف وبل إيقاف الجرائم المنوى ارتكابها و-إذا كان هذا لا يكفي- انقاذ المدينة الصغيرة، مدينة الفاتيكان، من إنفجار سيقتل معظم من فيها٠
ستكشف الأحداث عن أن هذه الخطّة -وبالتالي المنظّمة السريّة- ما هي الا تدبير جهة داخلية أقرب الى المرشّح الرئيسي للباباوية من ردائه- لكنه (ولأسباب تمويهية سينمائية بالطبع) سوف لن يتم الكشف عنه الا في الدقائق العشر الأخيرة وحالما يعتقد المشاهد أن كل شيء انتهى على خير٠

State of Play

بالنسبة الى "حالة اللعبة" فإن الفيلم يتصوّر قيام عضو شاب في الكونغرس الأميركي (يؤديه بن أفلك) بتوريط صديقه الصحافي (راسل كراو) في قضية جنائية تبحث عن حل. لقد تم قتل سكرتيرة عضو الكونغرس وهناك آخرون يتساقطون حولها. عضو الكونغرس عازم على الكشف عن القتلة والمؤامرة التي تحاك في الظلام وكذلك الصحافي الذي بات يتعرّض بدوره الى نهاية مماثلة إذا لم ينجح في ايجاد المذنبين ويصل اليهم قبل وصولهم إليه٠
هناك مفاجأة في الفيلم تكمن في أن حاميها حراميها والمؤامرة منفّذة حسب مصلحة شخصية وسياسية كادت أن تمر لولا نباهة ذلك الصحافي٠

ما يشترك فيه كلا الفيلمين عاملين إثنين بالغي الأهمية
الأول: أنهما لا يتساويان مع أفلام "نظرية المؤامرة" التي انطلقت في سبعينات القرن الماضي ففي أفلام من نوعية "ثلاثة أيام للكوندور" و-خصوصاً- "ووترغيت« و»منظر بارالاكس" سمح المخرج لنفسه بفسحة من التأمّل في الإيحاءات بحيث ما لا تظهره الكاميرا من أحداث (كون المؤامرة يجب أن تبقى خفية) تظهره عبر الإيحاء واشراك التصاميم الفنية والديكور واللقطات الطويلة والصمت الحائر في إيجاده. بذلك يبقى اللغز مشتعلاً في الخلفية بينما تمضي الأحداث مفاجئة طوال الوقت٠ هذا ليس موجوداً في أي من هذين الفيلمين فالأول مبني على كم من الحوار قاتل، والثاني مستعجل في ايقاعه مضحيّاً بقيمة هذا النوع٠
الثاني: أن كل منهما لديه أجندة لا تخدم الحقيقة. الأول مضاد للكنيسة الكاثوليكية (كمعظم ما توفّره هوليوود البروتستانية- اليهودية) والثاني يميني الإتجاه يوحي بأن اليمين الأميركي هو المتآمر ليكشف عن أن اليسار الأميركي هو الوحيد المذنب٠


دور الكاميرا في حياكة مفهوم "الخيال الواقعي" لأفلام الرعب الحديثة- 1
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

الكلمة المستخدمة في وصف ظاهرة جديدة من أفلام الرعب الحالية هي
Fictuality
وهي ليست كلمة صحيحة بل مجموع كلمتين هما
Fiction و Factuality
والمعنى المنصوص عليه عبر الجمع بينهما هو أنه "خيال واقعي". سِمة لو أطلقت في أواخر الأربعينات لحملت، على الأرجح، تنويعاً لمفهوم ما عُرف بـسينما "الواقعية الإيطالية الجديدة" حيث كان المطلوب من قبل أتباع تلك السينما (روسيلليني، دي سيكا، زافاتيني الخ...) النزول الى الشارع ودخول البيت، عوض التصوير في الأستديو، والإستعانة بممثلين غير محترفين أحياناً وبتجريد الدراما من المغالاة في القصّة والأسلوب واللجوء الى البيئة الإجتماعية وتصويرها واقعياً٠
طبعاً، كل ذلك كان لا يزال سينما وبل سينما فاعلة أثرت الأنواع المتعددة داخل وخارج هذا الخط واللون من التعبير٠
لكن "الخيال الواقعي« يختلف من أكثر من ناحية: أفلام الواقعية الإيطالية لم ترتح لكلمة خيال بل هي تصوير للواقع باستخدام الحكاية المكتوبة للسينما. أما أفلام الرعب الحالية فتلجأ الى هذه التسمية لتفسّر سبب اللجوء الى الجمع بين موضوع فانتازي- خيالي وبين التصوير بملكية وأسلوب الفيلم الواقعي- والبعض يقول التسجيلي٠

أيضاً مختلف أن افلام الرعب الحديثة الملتفّة حول هذا التعبير، "الخيال الواقعي"، تذكّر دوما بوجود الكاميرا٠ الكاميرا عنصر أساسي في زمن يُراد به كسر السحر الكامن في سينما بلا كاميرا. السينما بلا كاميرا هو ما تحققه الأفلام الجيّدة بالمطلق. ما سارت عليه السينما من أيام عهدها الصامت الى ما قبل الزمن الحالي الذي تتدخّل فيه الوسائط المختلفة من كومبيوتر غرافيكس ومفاهيم مثل هذا المفهوم المشار اليه٠

لا كومبيوتر غرافيكس في أفلام الرعب المقصودة هنا، تلك تتدخل في الأفلام التي تستطيع أن تتمتّع بميزانية كبيرة لكونها تتطلّب مؤثرات خاصّة ولكونها أفلام تسرد حكايات كبيرة الحجم تتنوّع بين افلام الفضاء وأفلام الخيال العلمي وأفلام نهاية العالم على الأرض. نعم فانتازية لكنها ليست واقعية. اعتمادها الكومبيوتر غرافيكس، كحال أفلام كل صيف في السنوات السبع الأخيرة مثلاً من النوع المذكور، هو أيضاً معاد للسينما وسحرها الفني الخالص٠

Panic in the Streets جاك بالانس موبوء ومطارد في

Panic in the Streets | للتفسير: في فيلم إيليا كازان "فزع في الشوارع"٠
المصنوع بالأبيض والأسود (تصوير جو مكدونالد) سنة 1950 (وحيد كازان من نوعه) الذي يدور حول هارب من العدالة (جاك بالانس) مصاب بوباء قاتل قد ينتشر في أي لحظة. رتشارد ودمارك هو الملازم كلينتون الذي يعمل طبيباً في قسم البوليس والذي عليه تعقّب المجرم ليس فقط للقبض عليه بكونه متّهماً، بل لأنه يعلم أنه موبوء ويحمل ڤيروساً قاتلاً٠
كازان يخلق التشويق من التصوير بالأبيض والأسود (كونه بعيد عن معطيات الألوان التي تقترب أكثر، في ذهن المشاهد، من الواقع) ومن التصوير في الشوارع (واقعية أميركية جديدة- كما يمكن القول) حيث الشارع والجسر والمنزل وكلّها أمور يشترك في الحياة فيها الناس جميعاً داخل وخارج الشاشة. هذا بمجمله ما يجعل الرسالة الدرامية والغاية التشويقية يصلان الى المشاهد ويبقيه على حافّة الكرسي٠ أما الكاميرا فغير محسوبة. فقط تفكّر فيها وتتابعها إذا كانت مهنتك، لجانب كونك مشاهداً، مدير تصوير او سينمائي تبحث عمن يكون مدير تصويرك المقبل، او ناقداً متيّماً بحب السينما بلا تجزئة٠

I, A Legend

في المقابل: (وعلى سبيل المثال فقط): "أنا أسطورة" الذي أنتجته وورنر بميزانية 150 مليون دولار (مقابل نحو 150 ألفاً لفيلم كازان الذي أنتجته"فوكس") من إخراج فرنسيس لورنس وفيه ول سميث وحيداً في هذا العالم بعدما انتشر فيروس قتل الناس او حوّلهم الى آكلي لحوم بشر يظهرون ليلاً وهو محاط بهم لذلك يؤم شقّته في نيويورك مع كلبه قبل الغروب لا أحد يعلم بوجوده (من الوحوش البشرية) الا لاحقاً٠
المقصود هو أن المؤثرات الخاصّة (والفيلم ليس أكثر الأفلام استخداما للمؤثرات الخاصة على الكومبيوتر لذلك اخترته مثالاً) بحجمها المتاح في هذا الفيلم (تصوير نيويورك المخرّبة وبعض المشاهد المتخصصة) هي عامل يقف بين المشاهد وبين الفن السينمائي من باب أنها تريد تحقيق الخيال المطلق من ناحية وأنها السبيل الحديث لسرد قصّة سينمائية مرعبة- تشويقية- خيالية٠
لكن ما تصنعه هو الحيلولة دون الإنتقال من الفيلم الى الفيلم الفني او المتفنن٠ من مفهوم الـ "موڤي" الى مفهوم الفيلم الكامل٠ أي إتاحة الفرصة لفن الكتابة وفن الإخراج وفن التصوير وفن المونتاج، وفن التمثيل وفن كل شيء آخر (حتى إدارة ممثلين يعبرون الشوارع البعيدة) بالتبلور والإنصهار لتحقيق فن الفيلم٠

The Blair Witch Project

في عالم ما بعد 11/9 أصبح من الضروري، لبعض السينما، أن تبحث عن نقيض لوضع سابق. لا ننسى أن معظم الناس الذين رأت أعينهم هول ما حدث قبل أن تسمع آذانهم تعليقاً عليه اعتقدوا أن المشهد مؤلّف. بعضهم اعتقد أنه مشهد سينمائي. البعض بقي في منطقة الغموض حتى تبيّن له أن المشهد ليس مؤلّفاً بل واقعياً. ليس فقط أن السينما أخذت من المشهد المفجع زاداً (فيلم »ترميناتور خلاص« مشهد لمبنى يُنسف بفعل مركبة فضائية بنفس الطريقة وهناك مشاهد مماثلة في العديد من الأفلام الحديثة الأخرى) بل انتقلت الى ما بعده: ماذا لو أن ما نعرضه مصنوع ليبدو حقيقياً عن طريق التشبّه بالحقيقة ذاتها؟
التشبّه بالحقيقة على هذا النحو هو مدخل ثان (الأول سينما المؤثرات) لهدم السحر في السينما وبالتالي الفن فيها- الا إذا .... الشرط هنا ليس سهلاً ولا يستطيع الإحتذاء به سوى قلّة فعلية لديها وسيلة في فهم الكيفية التي يمكن من أجلها تناول هذا الواقع بأسلوب "الخيال الواقعي" وتأليف سينما ذات فن في الوقت ذاته- وهذا ما سنطّلع عليه لاحقاً٠

بين قوسين: القيام بممارسة "الخيال الواقعي" في السينما انتشر بعدما تمّت ممارسته في التلفزيون عن طريق كل تلك التفاهات المسمّاة بـ "البرامج الواقعية" او بـ "الواقع العملي". بالإنكليزية
Virtual Reality
حيث الكاميرا تعيش وسط مجموعة من الناس تم الإتفاق معها على أن "تتجاهل" الكاميرا وتسمح لها بتصويرها في كافّة انفعالاتها ونشاطاتها وذلك بدءاً من ذلك البرنامج التلفزيوني "البقاء حياً" او
Survival
قلت أن القيام ببمارسة "الخيال الواقعي في السينما انتشر بعد ممارسته تلفزيونياً، لكن هذا لا يعني أن التلفزيون -بالضرورة ابتدعه بمنأى عن كل تأثير آخر. وأحد الأفلام التي أعتقدت سبقت التلفزيون في توظيف الكاميرا كعنصر فاعل لتحقيق "الخيال الواقعي" هو
The Blair Witch Project
من هنا ستبدأ دراستنا في سينما الرعب التي تمارس ما مارسه ذلك الفيلم بفاعلية مفزعة: الفيلم مرو بكاميرا داخل الفيلم. هناك من يصوّر ما يدور ولا يريد أن يتوقّف. الكاميرا التي عبرها تم تصوير الفيلم الذي نشاهد تحتل وجهة نظر الكاميرا التي يقول لنا الفيلم أن هناك -من أعضاء المجموعة التي دخلت تلك الغابة المسحورة- من صوّر كل ما حدث٠ كيف نجح ذلك في إثارة رعب إضافي؟ وكيف أدّى الى انتشار أفلام رعب تستخدم الكاميرا لتوظيفها في ذات الشأن وكيف تختلف هذه عن أفلام الرعب الأخرى، هو ما سنواصل الحديث فيه في العدد المقبل٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



May 24, 2009

ISSUE 419 | Star Trek | نقد | لقاءات| مراجعة | أصداء

في هذا العدد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة
نتائج الدورة الـ 62 لمهرجان "كان": حك ظهر او استحقاق؟ | محمد رُضا
  • أصداء | ماذا لو كانت أفلام كان أسوأ مما نعتقد؟ | محمد رُضا
  • نقد | الزمن الباقي لإيليا سليمان | نديم جرجورة
  • مقابلة | شيرين دعيبس مخرجة "إمريكا" الخارج بجائزة | هوڤيك حبشيان
  • مراجعة | أفلام عنيفة وأباحية تلوّن دورة العام الحالي | هوڤيك حبشيان
  • بعيداً عن كان | سلسلة »ستار ترك" من أوّلها الى أخيرها | محمد رُضا

سنوات ضوئية | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوائز مهرجان "كان" الثاني والستين: حك ظهر ام استحقاق فعلي؟

لقطة من "الشريط الأبيض"القائز بالسعفة الذهبية

ميشيل هانيكَ


سنة 2001 تسبب فيلم »معلّمة البيانو« بمنح جائزة أفضل تمثيل نسائي الى إيزابل أوبيرت التي لعبت الدور الذي في العنوان٠ سنة 2009 نال »الشريط الأبيض« سعفة "كان" الذهبية. المفارقة؟ كل من »الشريط الأبيض« و»معلّمة البيانو« من إخراج ميشيل هانيكَ.... إذا لم يكن هذا من نوع حك لي ظهري أحك لك ظهرك فأنه قريب منه كثيراً، او على الأقل يبدو كذلك. ميشيل هانيك تسبب في فوز أوبيرت وأوبيرت تسببت في فوز فيلمه هذا٠

ولاحظ، إذا شئت، أن الخدمة المتبادلة لم تتم في العام الماضي. كلينت ايستوود كان السبب في منح شون بن جائزة الأوسكار سنة 2003 عن فيلم »ميستيك ريڤر«، لكن حين تنافس ايستوود بفيلمه الأخير »مبادلة« في كان وكان شون بن رئيس لجنة التحكيم، كشأن ايزابل أوبيرت هذا العام، توجّه بن بجائزته لفيلم »الصف« وهو فرنسي للوران كانتيه وارتأت "كان" تخصيص جائزة لترضية ايستوود لكن هذا أدار ظهره وتوجه الى المطار حالما عرف بالنتيجة٠
وتستطيع أن تراهن على أن ايستوود لن يسند لبن أي فيلم آخر٠

ميشيل هنيكَ وقف على منصّة المهرجان وقال: "السعادة هي شيء نادر، لكن هذه هي لحظة في حياتي أستطيع أن أقول أني حقّاً سعيد"٠
هذه هي المرّة الأولى التي يفوز بها هانيك بالسعفة لكن سبق له وأن سحب من بين المتنافسين جائزة أفضل إخراج عن فيلمه »مخبوء« سنة 2005
الفيلم انتاج نمساوي/ ألماني/ فرنسي مشترك لكن الفيلم التالي في سلم الجوائز هو فرنسي بالكامل ففيلم جاك أوديار »نبي« خرج بالجائزة الكبرى
والمخرج الفرنسي ألان رينيه نال جائزة تشريفية خاصّة وهو الذي عرض »أعشاب بريّة« في المسابقة ويحتفل بعيد ميلاده السابع والثمانين في الشهر المقبل٠ رينيه شارك كثيراً من قبل لكنه ربح مرّة واحدة. فأول فيلم له في مسابقة المهرجان كان »ستاڤزكي« سنة 1974 والفيلم الذي ربح عنه كان »عمي الأميركي« سنة 1980 وحينها نال الجائزة الكبرى- أي لم يسعفه الوضع (أيما كان ذلك الوضع) في استحواذ السعفة الى الآن٠

أفضل ممثل ذهبت الى النمساوي كريستوف وولتز عن دوره كضابط نازي في فيلم كونتين تارانتينو "أنذال غير مجيدين"٠
أما المخرج لارس ڤون ترايير، (او هل أقول أما بالنسبة لأعظم مخرج في العالم ؟) فإن لجنة التحكيم لم تر رأيه وإن منحت بطلة فيلمه شارلوت غينزبورغ جائزة أفضل ممثلة٠
أما الذي نال جائزة أفضل مخرج (ما يجعله تلقائياً أفضل مخرج في العالم؟) فهو الفيليبيني بريلنتي مندوزا٠ ونالت البريطانية أندريا أرنولد جائزة لجنة التحكيم عن "حوض السمك«٠



أصداء
| محمد رُضا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المفاهيم المخلوطة والإعلام الجاهل ما يقف وراء ذلك
اللاثبات في الآراء الخارجة من "كان" هذا العام. كيف لا وكل
شيء بات يُقاس بكبر حجم شهرة هذا او ذاك
؟
.....................................................................................

إذاً، كان الذي كان ولم استطع الذهاب الى "كان" وعشت وفهمت أن ذلك ليس نهاية الدنيا٠
قرأت عنه ما كُتب وما ترجمه لي غوغل من مقالات يابانية وألمانية أحياناً وخرجت بإنطباع أن كل تلك الأسماء الكبيرة التي تم حشدها هذا العام، أعطت "كان" ذات النجاح الذي تعطيه له كل دورة. ثم قرأت ما كتبه الناقد جوناثان رومني في "ذ إندبندنت" وتأكدت أن هذه الدورة على كثرة أسمائها »الكبيرة«، لم تأت ناجحة الى حد يناسب »كبر« هذه الأسماء .... أيعقل أنها ليست »كبيرة«؟
رومني كتب: "في الواقع، مر حين منذ أن تنافس مثل هذا العدد من مخرجي الصف الأول الثقال على السعفة في كان- هنيكه، ألمادوڤار، لوتش، كامبيون، آنغ لي .... لكن هذا لا يعني أن الدورة الثانية والستين هي أفضل دورة في الذاكرة: كانت هناك مفاجآت قليلة واشتراكات ثابتة أكثر منها تحفاً"٠
هذا لا يعني مطلقاً أنني سعيد أنني لم استطع الذهاب. لقد سبق للمهرجان وأن حفل بنسبة من الأفلام التي لم تعش في البال لأكثر من دقائقها على الشاشة وما تبع تلك الفترة من علامات استفهام حول »حكمة« لجنة الإختيار من وراء اختياراتها. لكن هذه المرّة الأسماء »الكبيرة« كانت محتشدة أكثر مما فعلت سابقاً في العقد الأخير على الأقل (وليس للمرّة الأولى كما كتب أحدهم في صحيفته)٠
المشكلة هي تحديداً هنا: الأسماء الكبيرة. ذلك أن المرء قد يؤخذ في البداية متغاضياً عن حقيقة أن مسألة من هو »كبير« تخضع لتصنيف ما هو »الكبر«٠
إنه فقط المضخّة الإعلامية المهووسة بالتقليد التي يمكن أن تطلق على نصف الأسماء التي وردت في سياق هذه الدورة كلمة »كبيرة«. النصف الآخر ربما كان إنما بنسب متفاوتة٠
ما أقصد قوله هو أن الإعلام الغربي الجاهز، والمستعدون لترديده، هو الذي إراد أن يصدّق الهالة التي تحيط بالعديد من مخرجي هذا العام. كيف يمكن له اطلاق مقالات صحافية تُقرأ حول العالم؟ عليه أن يشترك في الضخ الإعلامي ولا يدع فرصة استخدام أكبر وأعظم وأهم وغيرها من كلمات التفخيم تمر من دون أن يقليها ويشويها مرّات كل يوم٠
.....................................................................................

والبعض من هؤلاء المخرجين »الكبار« افتراضاً وليس واقعاً ليسوا واثقين من أن الإعلام سيشير إليهم على هذا النحو وسط الجمع ومن دون تمييز يطلبونه لأنفسهم، فإذا بـ »كبير« أسمه لارس ڤون تراير يقول للإعلاميين الذين حضروا مؤتمره الصحافي: "أنا أعظم مخرج في العالم"٠
الأخ متواضع لأنه لم يقل "أعظم مخرج في العالم في التاريخ" بل ترك للبعض احتمال أن يفضّل عليه بعض الراحلين من أمثال تاركوفسكي وكوروساوا وهيتشكوك وعلى الأقل خمسين مخرج آخر مضوا٠
في نهاية فيلم »أنذال غير مجيدين« لكونتِن تارانتينو عبارة تقول: "أعتقد أن هذا هو تحفتي"٠
العبارة هي آخر جملة على ما أعتقد، حسب وصف بعض المعلّقين، في الفيلم ما يُقصد به تماماً ما نفهمه منها. تارانتينو يربّت على كتفه بيده ويقول لمن هم هناك: حققت تحفة٠
فقط بعض نقاد السينما المتواجدين من دورة الى أخرى، هم المحصّنين بمناعة ضد هذا الهراء من قِبل كل مخرج يعتقد نفسه »كبيرا« وتعامله وسائل الإعلام على أنه كبير٠
البعض الآخر ببغاء على قدمين ونصف هذا البعض (اي نحو 1000 من الموجودين) لا يعرف كيف يُقارن عملاً بآخر ويساعد نفسه على حسن التقييم. إذ ليس هناك مخرج اليوم (كما لم يكن هناك مخرج بالأمس) بمعزل عن باقي السينما وسينمائييها٠ ڤيسكونتي كبير، فيلليني كبير، ياسوجيرو أوزو كبير، كوزنتسيف كبير، كوبريك كبير، لكن أحد منهم لم يُعامل نفسه على هذا النحو ولا الإعلام كان في حينها يعتبر أن المسألة هي ختم يأخذه المخرج على قفاه يقول "هذا مخرج كبير"، ذلك لأنه من صفات »الكبر« أن تبقى صغيراً٠
أن تتحدّث أفلامك عنك٠
.....................................................................................

الإعلام الوهّاج غبي لكن الأجنبي منه أفضل من العربي لأنه ليس جاهلاً٠
على شاشة "العربية" عنوان كبير في أسفل الصفحة يصرخ: "خمسة أفلام عربية في المسابقة"٠
كيف؟
كيف لا ومندوب المحطّة الى مهرجان "كان" يقول لمستمعيه أن هناك خمسة أفلام عربية تتنافس على السعفة الذهبية. أتيت متأخراً على الخبر ففاتني نصفه، لكن النصف الذي حضرته لم يذكر المراسل ما هي هذه الأفلام الخمسة بل اكتفى بذكر فيلم إيلي سليمان "الزمن الباقي" (او "الزمن الذي يبقى" حسب الترجمة الإنكليزية). لكن حتى ولو ذكر أسماء الأفلام العربية الأخرى المتسابقة على السعفة يكون المراسل -في أفضل حالاته- جاهلاً لأنه لم تكن هناك أفلاماً عربية سوى الفيلم المذكور في المسابقة- ولا أعتقد أن »الزمن الباقي« فيلم عربي على أي حال... لكن هذا بعض ما يطوف في فضاء الإعلام العربي من جهل٠
وهناك من قرأت له في صحيفة عربية يقول ما مفاده أن المخرج »الكبير« كن لوتش حقق مفاجأة. يقصد طبعاً فيلم »البحث عن إريك«. لا تعرف هل هي مفاجأة على صعيد أن الفيلم رائعة غير متوقّعة، او مفاجأة على صعيد أن الفيلم قوبل بهزّات رأس موافقة؟ المهم أن يستخدم كلمة »مفاجأة« كما المهم لديه ولدى آخرين استخدام الكلمات المحنّطة مثل »لا ريب« و»من دون شك« و»شديد الخصوصية« و»متميّز« حتى فقدت تلك الكلمات معانيها وأصبحت مثل ريشة ألوان خسرت معظم شعيراتها٠
يكمل ذاك قائلاً: الفيلم يذكّرك بفيلم ألفريد هيتشكوك »منظر على الساحة«٠
كيف؟ لا تعرف. لماذا؟ لا تعرف. بل أي فيلم هذا الذي أخرجه هيتشكوك بذلك العنوان؟ لا أعرف. ربما هو ترجمة فرنسية استخدمت تجارياً حين هبط فيلم هيتشكوك »النافذة الخلفية« الى الساحة. لكن رغم أني لم أشاهد فيلم لوتش الأخير، لكني أشك كثيراً جدا أنه يشبه أي شيء أخرجه ألفرد هيتشكوك- ليس من باب المقارنة والمفاضلة لكن فقط من باب الإهتمام القصصي والأسلوبي٠
لكن هذا ما يُكتب. وهناك كثير غيره أقرأه وأقاوم الرغبة الجامحة في التعليق عليه لأننا لا زلنا أطفالاً من حيث أننا سريعاً ما نحيد عن النقاش في أمر فني الى تداول أمور شخصية. تقول شيئاً له علاقة بالثقافة السينمائية، كما أعلاه، فيرد عليك من يعلم أنه المقصود، بكلمات عاطفية وشخصية تعكس حاجته للأمان أكثر من أي شيء آخر ويحيد -قصداً- عن المطلوب فإذا بالحديث يضيع مثل دخان السيغارة في الأجواء٠
.....................................................................................

لم أقرأ ما يشفي الغلين عن فيلم كونتِن تارانتينو. النقاد المتواجدون في "كان" قلما يخصصون مقالاتهم لبحث كل فيلم على حدة (كما فعلت في العام الماضي هنا- هل تذكرون؟) ويأتون على تلخيص الفيلم والرأي غالب الأحيان علماً بأن القرّاء يريدون ما هو أكثر من ذلك. ويريدونه اليوم وليس غداً بعد انتهاء أعمال المهرجان٠
المهم أن عدد الأصوات التي نالها فيلمه الحربي (فرضاً) "انذال غير مجيدين" او كيفما اختار المرء ترجمة
Inglourious Basterds
هو 24 من أصل 40 نجمة فيما لو أن النقاد المشتركين في استفتاء مجلة »سكرين انترناشنال« منحوه أعلى تقدير من دون استثناء. لكن الفيلم الذي جلب أكثر عدد من نجوم التقدير هو الفيلم الفرنسي "نبي" الذي تقدّم فيلم تارانتينو بعشرة نجوم٠
من قرأت لهم يجمعون على أنه فيلم بالعرض والطول (154 دقيقة) لكنه من دون روح. خاو من الداخل. علينا أن نعي هنا حقيقة واضحة من كل أفلام تارانتينو (ومثله سودربيرغ والأخوين كووَن) وهي: أن سينماه ليست أصيلة، بل مؤلّفة من تشرّبه سينما الآخرين. لا عجب أن تكون خاوية في داخلها٠
معظم ما شوهد على شاشة كان هذا العام سيتوالي معروضاً على شاشات سواه والبعض سيتوجّه للعروض التجارية. أفلام لمخرجين "كبار" كهؤلاء .... أليس كذلك؟ أقصد أننا نعيش في عصر »الكبير« و»الصغير« ولسنا في عصر الأصالة٠


نقد| "الزمن الباقي"٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ثالث أعماله الروائية الطويلة، يقدم المخرج الفلسطيني
إيليا سليمان على أسلوبه في إعادة
تركيب المشاهد
بعد تفكيك الواقع كما يرى الزميل
نديم جرجورة٠
.....................................................................................

فيلم الفلسطيني إيليا سليمان «الزمن الباقي»، الذي عرض ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان «كان»، يتابع عملاً سينمائياً قام على عرض المعاناة الفلسطينية، من خلال الفلسطيني الصغير والعادي٠
(في فيلميه الأولين، «سجل اختفاء» (1996) و»يد إلهية" (نال سنة 2002 جائزة لجنة التحكيم الكبرى استعان إيليا سليمان بتقنية المتتاليات المشهدية»، في صياغته الحبكة العامّة « للقصص اليومية التي تؤدّي إلى فهم أعمق وأجمل لمناحي الحياة الفلسطينية في إسرائيل. في حين أن الزمن الباقي» خفّف من حدّة السياق المتقطّع في « المتتاليات المذكورة، من دون أن يقطع نهائياً مع هذا النسق. وإذا بدا استخدامه الدائم لشكل واحد في إنجاز فيلميه الأولين أقرب إلى تأكيد تمايز إبداعي ما في صناعة الأفلام الفلسطينية، فإن «الزمن الباقي»، المُشارك في المسابقة الرسمية، استعان بلقطات عدّة اشتغلها المخرج سابقاً على المنوال نفسه، واضعاً فيها نماذج ومشاهد وحالات تشبه تلك التي حمّل فيلميه بها، من دون أن يقع في التكرار المملّ، إذ نسج لغته السينمائية بحيوية درامية بديعة في مقاربتها الخصوصية الذاتية، المفتوحة على تجربة الجماعة؛ أو بالأحرى التي يُمكن لها أن تنفتح على تجربة أناس عاشوا اللحظات التاريخية نفسها، وباتوا أقلية في بلدهم الأصلي٠

لم يكن «الزمن الباقي» فيلماً سياسياً، لأن إيليا سليمان اعتاد حياكة أفلامه بأحاسيس الناس الحقيقيين القريبين منه تحديداً، المقيمين في لعبة الصراع الوجودي على أرض فلسطين. كذلك، لم يكن عملاً تاريخياً، على الرغم من اختزاله التاريخ المعروف للنكبات الفلسطينية المتتالية منذ عام 1948 لأن مخرجه لاحق طيف والده منذ انغماسه في المقاومة، وصولاً إلى الآنيّ القابع في التباس المعاني والعلاقات والأسئلة. وإذا بدا صعباً التفريق بين الخاصّ والعام في أفلامه كلّها، فإن الخاصّ يزيّن العام بنكهة ذاتية. وإذا استُلَّ فيلماه السابقان من قصص اختبرها شخصياً أو عرف بها وعاش أجواءها بعيون أقارب وأصدقاء؛ فإن «الزمن الباقي» انطلق من يوميات والده ورسائل والدته إلى أقاربها في عمّان، ومن ذكريات ذاتية عن علاقته بهما قبل هجرته وبعد عودته. في حين أن الشكل المعتمد في إنجاز الفيلم، الذي ينافس أفلاماً جميلة ومهمّة على «السعفة الذهبية»، حافظ على نسق روائي يعيد تركيب المشاهد بعد تفكيك الوقائع، ويحيل اللقطات والأزمنة إلى فصول متعاقبة عن تحوّلات بلد وخيبات أناس وأوجاع مقيمين على أرض يُفترض بها ان تكون لهم كلّياً. ثم إن إحدى المميزات الجميلة في الفيلم، متمثّلة بالصمت الذي تفنّن سليمان في جعله لغة بحدّ ذاتها، بدت أقوى تعبيراً عمّا يعتمل في أعماق الذات والبيئة، خصوصاً في المشاهد التي يظهر هو فيها ممثلاً شخصيته الحقيقية، إذ يبدو شاهداً فاعلاً ينقل ما تراه العينان وتحسّ به النفس والروح، مانعاً الكلام عن التأثير سلباً على هذه الجمالية البصرية٠


لقاء | شيرين دعبس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمريكا هو أحد ثلاثة أفلام نالت جوائز اتحاد النق
اد
الدوليين التي يمنحها الإتحاد في "كان" كل
سنة. الزميل
هوڤيك حبشيان تحدّث الى المخرجة شيرين
دعبس إثر
عرض الفيلم في تظاهرة "نصف شهر المخرجين"٠


شيرين دعبس

دراما خفيفة عرضت اول من امس في اسبوعا المخرجين"، تصور أسرة " فلسطينية ومعاناتها مع التهجير، وشعور اعضائها بالحنين إلى الوطن الذي يوجد في ذاكرتها الجمعية ويناضلون من أجل تحقيق الشعور بالانتماء في بلد (الولايات المتحدة) يعطي كل القادمين الجدد إليه فرصة للحصول على المال. يقدم الفيلم لمحة عن الحياة الخاصة للمراهقين من الجيل الأول الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بالتراث العقائدي لذويهم من جانب وبالعالم الغربي الذي يعيشون فيه من جانب آخر. انها قصة عادية بالنسبة الى العديد من المهاجرين الذين قدموا إلى أميركا الشمالية بحثا عن حياة أفضل". هؤلاء يجدون أنفسهم موزعين بين الحنين الى الوطن " والكفاح للاندماج في المجتمع الجديد باحثين عن شعور بالإنتماء في بلدهم الجديد٠
تقوم الخطوط العريضة لقصة الفيلم على خبرات المخرجة والكاتبة شيرين دعبس وأسرتها الفلسطينية الأردنية. تقول دعبس: "عندما كان الناس يسألونني من أين أنت كان هذا سؤالا محيرا بالنسبة اليَّ. لقد هاجر والداي إلى الولايات المتحدة قبل أن أولد. وولدت في أوماها ــ نبراسكا، وترعرعت في المناطق الريفية من أوهايو، ومع ذلك كنت أذهب إلى الأردن كل صيف. ولم أكن اميركية بما يكفي بالنسبة الى الأميركيين كما أنني لم أكن عربية بما يكفي بالنسبة الى العرب. أو على الأقل هذا ما شعرت به. لذا لم أشعر قط بأنني في وطني في أي مكان. كانت لديَّ رغبة في أن يصبح لي مكان أطلق عليه وطني، مكان حيث أشعر أنني أنتمي إليه، وكان هذا الأمر يمثل جزءا كبيرا من هويتي. فوق ذلك كله فقد ورثت كفلسطينية أزمة الهوية التي عاناها والدي، والتي تتمثل في عدم وجود أمة أنتمي إليها وعدم وجود هوية وطنية لي، بما زاد شعوري بعدم الإنتماء الى أي مكان"٠

لقطة من "أمريكا"٠

نشأت شيرين دعبس في بلدة صغيرة وهذا ما ضاعف شعورها بأنها لا تستطيع الإندماج في هذا المجتمع وهي في سن المراهقة. أدى ذلك إلى زرع بذور الإلهام داخلها. "في أثناء حرب الخليج، أصبحنا أكباش فداء. كنا نتلقى تهديدات يومية بالقتل وأتى رجال المخابرات إلى مدرستي للتحقيق في شائعة تقول إن أختي الكبيرة التي كانت في السادسة عشرة من عمرها هددت بقتل الرئيس. كنت في الرابعة عشرة من عمري في ذلك الوقت وكنت أجمع كل ما أحصل عليه من خبرات أثناء رحلاتي إلى الشرق الأوسط وأعود به الى أميركا وكنت أخزن كل ما شاهدته من قنوات الأقمار الاصطناعية العربية والنشرات باللغة الإنكليزية وبدأت أشكك في ما أسمع من الناس. أرى كيف تقوم وسائل الاعلام بإستخدام صور نمطية بحيث أثر هذا الأمر على حياتي في المدرسة وعلى أسرتي في هذه البلدة الصغيرة"٠
كان إحساس شيرين دعبس بالتقوقع وهي في سن المراهقة يزكي رغبتها في إخراج الأفلام، لكن الحوادث العالمية التي وقعت حولها بعد عقد من الزمان حملتها الى البدء بكتابة أول فيلم روائي لها. "كانت تجربتي وأنا في سن الرابعة عشرة أثناء حرب الخليج هي التي ألهمتني بكتابة "أمريكا" وقد حملت القصة معي طوال هذه السنوات. في النهاية ذهبت إلى مدرسة السينما في مدينة ووقعت حوادث الحادي عشر من ايلول في نيويورك وبعد فترة قصيرة غزت الولايات المتحدة العراق وبدأ التاريخ يكرر نفسه. كنت أسمع قصص ردود الأفعال تجاه القادمين من الشرق الأوسط. عندئذ أدركت أنه حان الوقت لأن أجلس وأكتب أول قصة تدور حول العرب القادمين إلى أميركا".
كان "أمريكا" هو الاسم الذي اخترته من اللغة التي كنت استريح " إليها ليكون عنوان فيلم يمزج بين ثقافتين ويصور تجربتي وتجربة العديد من الذين ينتمون إلى الجيل الأول من أبناء المهاجرين". عثرت دعبس على روح ثقافية مماثلة لروحها لدى المنتجة كريستينا بيوفيسان من شركة "فيرست جينيريشان فيلمز". التقت بيوفيسان شيرين دعبس عندما كانت تبحث عن فيلم يعكس تجربتها التي تصور حياة والديها المهاجرين. تقول بيوفيسان: "الكثير من أفلامي هي أفلام أجنبية أو ثقافية. إنها أمور أهتم بها. أمي فلسطينية لبنانية وأبي إيطالي. وعلى الرغم من أنني ولدت ونشأت في تورونتو، فإنني نشأت في بيت غني بالثقافة العربية".
كانت القصة التي تشعر شيرين بالرغبة في روايتها مستمدة من الخبرات الشخصية لأسرتها. وبالتحديد هناك شخصيات مستوحاة من افراد حقيقيين في أسرتها. "كانت شخصية منى تعتمد على قصة خالتي. فعندما هاجرت إلى الولايات المتحدة كنت في سن تسمح لي بأن اشهد الصراع. الفيلم عبارة عن قصة حزينة ودافئة لإمرأة مليئة بالتفاؤل وتحاول أن تبدأ حياة جديدة في مناخ يقف كل شيء فيه ضدها. لكنها لديها أمل في أن تقهر العقبات. هذه هي خالتي المتفائلة دائما. وكانت هذه الخصلة فيها هي التي اوحت اليَّ بشخصية منى"٠


مراجعة | هوڤيك حبشيان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجلة »ذ هوليوود ريبورتر" أطلقت على
دورة "كان" هذا
العام لقب "الدموية" وكتبت مقالاً
انتقادياً بعنوان "بساط
كان الملطّخ بالدم". هنا يتناول
الزميل هوڤيك حبشيان
بعض هذه الأفلام في مراجعة مع انسدا
ل الستارة على
هذه الدورة٠
.....................................................................................
الجنس والعنف: ثنائي كان الفضّاح

Lars Von Trier

قسوة لا تحتمل في "مجزرة" لبريانت ميندوزا٠
مثلية جنسية في "ليالي سكر ربيعية" للو يي٠

الدورة المنتهية من مهرجان كانّ جاءت على قدر كبير من الغرابة. هي بلا شك واحدة من أكثر الدورات دموية وقسوة وعنفاً: قطع أوصال، اغتصاب، قتل، هتك، وضرب للقيم المجتمعية المعتادة. فالسينمائيون لا يوفرون بالامكانات المتاحة لديهم لقول ما كان يصعب قوله قبل فترة ما. أما نظرتهم فتتضمن سوداوية غير مسبوقة تتجلى في عدد كبير من الأفلام ٠

Antichrist| Lars Von Trier
قد يصعب ايجاد مخرج اكثر لؤماً وتشاؤماً من لارس فون ترير. بعد سلسلة افلام عالجت الظروف الانسانية، بدءاً من عبثية الحب وصولاً الى البؤس الاجتماعي، يقع اختيار مؤسس الـ"دوغما" على مشروع سينمائي يتعذر ايجاد ما يوازيه في السينما المعاصرة، أكان ذلك من حيث الفكرة والمفهوم أم المنظار المستعان به لتصوير شخصيتين (شارلوت غينسبور وويلم دافو) سرعان ما تتحولان دميتين في يد المخرج٠
على رغم الرؤية القاتمة التي يرميها فون ترير على عالم يعتقد نفسه بمنأى عن الصراعات ويلفها النفاق والكذب، يكشف المسيح الدجال"، الذي يهديه الى اندره تاركوفسكي، النقاب عن " صراع الانسان مع محيطه. موضوع بسيط للوهلة الأولى يعالجه ترير باستفزاز المشاهد القابع قبالة الشاشة، مطالباً بمنقذ قد يأتينا بعالم أفضل، عالم ليس على هذا القدر من الانحراف والبشاعة. لكن ماذا لو كان هذا المنقذ هو المسيح الدجال الذي لن يتحمل آلام البشرية هذه المرة؟

فكر سينمائي ينطوي على الانصهار بين السينما والمسرح والأدب، يحمل كذلك هموماً فنية من نوع آخر، وتأمل في قضية الخلق ومسألة التجسيد والاحياء. يصور النابغة الدانماركي تراجيديا اغريقية انطلاقاً من لا شيء، درس في الأخلاق الانسانية والعيش الزوجي، لا ادانة للإنسان الذي ليس في نظره جديراً بإنسانيته. نرتعش أمام كل هذه الراديكالية في التعامل مع الجنس والحب والعلاقة بين حبيبين، وننبهر بالبنية الدرامية المقسمة على شكل فصول أدبية مستوحاة من بريخت، وذاكرتنا لا تفارق بسهولة قصة تضمنت جميع الاحتمالات لتسعدنا، وبسحر ساحر تغدو مأساة تفضح الطبيعة البشرية في انحيازها الى الشر والعبث والضغينة. وسط هذا كله، هناك المرأة دائماً وأبداً لدى فون ترير، أساس كل شيء عنده. هذا الفيلم الذي يقول عنه فون ترير انه الأهم في مساره، يتضمن مشاهد بورنوغرافية وأخرى من نوع الـ"غور"، كسوء معاملة للاعضاء الجنسية والى ما هنالك من المشاهد الصادمة التي تقزز الأبدان. يقول فون ترير عن بدايات نشوء فكرة الفيلم: "قبل سنتين، اصبت بالكآبة. كانت تلك تجربة جديدة في حياتي. كل شيء على الاطلاق كان يبدو لي من دون أهمية. وكنت غير قادر على العمل. بعد ستة أشهر، كتبت نصاً بغية أن اداوي نفسي واعالجها. كنت أيضاً أريد أن ارى من خلاله اذا كنت لا أزال قادراً على انجاز فيلم. صوّرت السيناريو بلا حماسة تماماً مثلما كتبته، أي مستعيناً بنصف طاقاتي الجسدية والفكرية. لم اتبع نظام العمل الذي كنت اتبعه في اعمالي السابقة. بعض المشاهد كانت تضاف بلا سبب، ومعظمها كانت أحلاما لي. مرة أخرى كنت اريد فيلماً عن "الطبيعة"، ولكن من زاوية أخرى؛ أكثر مباشرة من قبل وأكثر شخصانية. الفيلم في خاتمة الأمر لا يتحمل أي بند أخلاقي، وفيه أقل قدر من الحبكة"٠

مستوحى من ستريندبرغ، يري هذا المتهم بكره النساء، عالماً تهيمن فيه الفوضى الى حدّ كبير، وعلى رغم ذلك يبحث فيه عن الشرح والمنطق، من خلال اللجوء الى شخصيتين كما في مشاهد من الحياة الزوجية" لبرغمان. يعود هذا المحرض والمستفز، " الذي شرّع له كانّ أبواب الاستفزاز مرة أخرى، الى هوايته المفضلة: العبث بالسينما "النبيلة" والتجارية التي لا تزال أمامها أيام طويلة٠


Kinatay | Brillante Mendoza
فيلم آخر اغاظ البعض واستفز البعض الآخر هو "مجزرة" للفيليبيني بريانت ميندوزا، الذي يعود الى كانّ بعد سنة واحدة على عرضه "خدمة"، أيضاً في المسابقة. انطلق ميندوزا عام 2005 وصوّر مذاك سبعة أفلام. لديه طريقة سريعة جداً في العمل، لتصل به الحال أحياناً الى التصوير أينما كان وكيفما أتفق. على رغم هذه الارتجالية، فإن وصول ميندوزا الى كانّ منذ دورتين، يشير الى انه بات واحداً من ابناء هذا المهرجان المدلل، الذي سيبقى وفياً لهم ما داموا يأتون بأعمال غريبة من بلدان تبقى الصور عنها قليلة. مانيلا، المدينة المليئة بالضوضاء هي مسرح حوادث فيلمه هذا. نتعرف بدءاً الى بيبينغ، شرطي متدرب تستعين به عصابة لإتمام عملية خاصة جداً. الحاجة الى المال نفقات تربية الطفل، الاعتناء بالحبيبة) تجعله ينضم الى ( مغامرة ستكون نتائجها كارثية٠

بعد افتتاحية ذات نبرة كبيرة تأخذنا فيها الكاميرا في شوارع العاصمة الفيليبينية، نصعد مع الكاميرا والشخصيات في فان ضمن رحلة ليلية طويلة، هي ربما الأغرب والأكثر إثارة للعجب. أشياء كثيرة يصورها ميندوزا خلال هذه الرحلة. ثمة على متن هذا الفان عاهرة مخطوفة لقضية أخلاقية غامضة. في كل حال، لا تستحق "القضية" أن تُخطف المرأة من أجلها. لكن رجال العصابة الذين سيتبين لاحقاً انهم قتلة من أسوأ جنس، مصرون على اهانتها وتقطيعها اشلاء في مشهد مروع. ثم يقدم هؤلاء على توزيع أجزاء الجثة في اماكن مختلفة، قبل أن يذهبوا لتناول الفطور في أولى ساعات الفجر٠

Spring Fever | Lou Ye
ومن الأفلام التي كانت هنا لتثير صخباً غير اعتيادي، "ليالي سكر ربيعية" (مسابقة) للصيني لو يي: وصل الى كانّ متحديا رقابة بلاده التي حكمت على الفيلم بالاعدام، نظراً الى ما يتضمنه من مشاهد جنس واضحة وصريحة بين رجلين. لكن الفيلم لم يثر ما كان متوقعاً له، وكانت اصداؤه فاترة. تدور الحوادث في نانكين الصينية. زوجة وانغ بينغ تشتبه في خيانة زوجها لها، لذا تستعين بأحدهم كي يتجسس عليه ويأتيها بأخباره، لتتجلى الحقيقة في وضح النهار حيث يتبين أن زوجها على علاقة غرامية وجنسية برجل آخر. غيرة وهوس جنسي، هما ما ينتظر المشاهد في هذا الفيلم الجاف والمتقطع. اللافت في الفيلم جانب اوروبي واضح، وتحديداً فرنسي٠

Revenge | Johnney To الفرنسة لبعض الأفلام الآسيوية في كانّ تشمل ايضاً الشريط الجديد لجوني تاو، "انتقام" الذي يمنح جوني هوليداي واحداً من أدواره الأكثر اهمية في مساره، لكن تمثيله يبقى مرتبكاً وغير متماسك. انه قصة أب يذهب الى هونغ كونغ من أجل أن ينتقم من مجرمين قتلوا زوج ابنته وولديها، تاركين اياها نصف ميتة في أحد المستشفيات. من سخرية القدر انه، من أجل تصفيتهم سيلجأ الى ثلاثة قتلة يعملون لحساب رجل نافذ، يتبين لاحقاً انه كان هو الذي أمر بقتل العائلة. بطلنا هو طباخ عاماً. هذا ما يمنح الفيلم 20كان هو الآخر قاتلاً محترفاً قبل بعض الطرافة، ولا سيما في مشاهد اللقاء الاول بينه وبين القتلة الثلاثة الذين سيساعدونه على الانتقام. بعد "عصفور الدوري" الذي شاهدناه في الدورة ما قبل الماضية لمهرجان برلين، يأتينا تاو بأسلوبيته الممتازة في تشكيل الكادرات وطريقته البطيئة في التقاط المشاهد. لكن ما كان مبرراً في فيلمه السابق، ضمن لعبة جمالية بارعة، يبدو هنا مفتعلاً، ولا سيما ان الفيلم يمنح الشعور بأننا أمام محاكاة، اذ لا يمكن على من يريد الانتقام أن يرمي أمام فريسته معطفاً، على النحو الذي يفعله هوليداي في الفيلم، قائلاً له "هل هذا المعطف لك؟"، وأن يكون على قدر كبير من الجدية٠

Taking Woodstock |Ang Lee
آسيوي آخر لم يكن على قدر التوقع: آنغ لي. يعود مخرج "النمر والتنين" الى كانّ محملاً مفاهيم ثورة "السلام والحب" الستينية التي أكل عليها الدهر وشرب. من دون شعارات كبيرة، ومن خلال ساعتين فقط، يفكك التاريخ الأميركي في "اكتساح وودستوك"، أبطاله عائلة أميركية تدير فندقاً مهترئاً على حافة الافلاس٠
كل شيء سيتغير عندما تقرر مجموعة اجراء حفل موسيقي هيبي في الجوار. هذا الحدث الأشهر من أن يعرّف والذي يحمل اسم وودستوك"، سيغير حياة ابن العائلة اليوت، الذي لا يجرؤ بعد " على اعلان مثليته الجنسية امام عائلته، وسيغير أيضاً أفكار جيل بأكمله وتوجهاته. العمل لا بأس به، فيه قدر من الطرافة مقترن بانتقاد حاد لرمزية تلك المرحلة. في المقابل لم يتمكن لي من تفادي الثرثرة الطويلة، والمشروع بأكمله يبعث على الاعتقاد أنه ابرع في تصوير المثليين (تذكروا "جبل بروكباك"!) منه في تصوير المتمردين٠


بعيداً عن كان | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذ ينطلق "ستار ترك" هذه الأيام نلتفت الى سابق
عهده
أنطلاقاً من الفيلم الأول للسلسلة الى اليوم٠
.....................................................................................
ستار ترك الجديد ينطلق بنجاح الخيال على العلم
الجزء الحادي عشر من مغامرات »ستار ترك« تنطلق بطاقم جديد



لم يكن الأميركيون الوحيدون الذين تدافعوا لمشاهدة فيلم »ستار ترك« ضاخّين ما مجموعه 76 مليون دولار في أيامه الثلاث الأولى، بل كذلك فعل معظم الذين أمّوا صالات السينما في 54 سوق عالمية ما أثمر عن 35 مليون دولار في الفترة ذاتها. هذا ما جعله الرقم الأول في 23 سوق والثاني في معظم الأسواق الأخرى مزيحاً فيلم »وولڤرين« عن المركز الأول في تلك الأسواق بعد أسبوع واحد من إنطلاقة ذلك الفيلم٠

إنه موسم الصيف آت مبكراً هذا العام وقوامه الإنتاجات الكبيرة التي سنرى منها نحو خمسة عشر فيلماً من الآن وحتى نهاية الشهر الثامن من العام. لكن »ستار ترك« يختلف عن معظمها من حيث أنه تقليد غارق في ثقافتي الصورة والخيال لجيلين متعاقبين٠ ففي الأساس هو مسلسل تلفزيوني انطلق أوّل مرّة سنة 1966 وكتبه أحد أساتذة الرواية الخيال- علمية جين رودنبيري. من بعد النجاح الكبير الذي أنجزه فيلم »ستار وورز« تم نقل العمل الى فيلم سينمائي أول ثم توالت الحلقات التي تصل مع خروج هذا الفيلم الجديد الى إحدى عشر حلقة٠
هذا الى جانب أن المسلسل التلفزيوني لم يتوقّف. فبعد الحلقات الرئيسية من العام 1966 الى العام 1969 تم إطلاق حلقات أخرى بعنوان »ستار ترك: الجيل التالي« وهذه امتدت من العام 1987 الى العام 1994 وقبل إنتهاء هذه الحلقات تم إطلاق مسلسل منفصل من ذات القالب والمنشأ هو
Deep Space Nine
حيث المغامرة الفضائية تنتقل مع مجموعة جديدة من الممثلين الى عمق الأعماق على بعد ملايين السنوات
Voyager الضوئية. هذه استمرت حتى العام 1999 وقبل نهايتها بأربع سنوات، تم إطلاق فرع آخر بإسم
ثم، ومباشرة مع انتهاء السنة الأخيرة من »فوياجر« تم إطلاق مسلسل خامس ما بين 2001 و 2005 هو
Enterprise
كل هذا من دون حسبان السلسلة الكرتونية التي تم بثّها سنة 1973 ولعام كامل٠

إجابة كونية
في الواقع، يحتل »ستار ترك« في الثقافة الشعبية الأميركية حيّزاً أكبر من الحيّز الذي احتلّه للآن »ستار وورز« منذ إطلاق الفيلم الأول -وللسينما مباشرة- سنة 1977 لكن في حين أن أفلام جورج لوكاس الستّة التي تتألّف منها مجموعتا »ستار وورز« (المجموعة الأولى: 1977-1983، الثانية : 1999- 2005) اعتمدت لنجاحها على مفهوم سينما الحركة والمغامرة القائمة على مشاهد الأكشن والقتال، فإن السائد في حلقات »ستار ترك«، وبسبب من صياغتها الأولى وكتابتها، اعتمادها على الحبكة الباحثة عن نوعية مختلفة من المغامرات تتداخل فيها التنبؤات المستقبلية بالأبعاد الميتافيزيقية والرسائل الضمنية مع نصيب -ولو محدود- من المغامرة المباشرة٠
وفي الأساس تقع أحداث »ستار ترك« ما بعد العام 2063 أي بعد نحو عشر سنوات من دمار الأرض في حرب كونية حيث ينتقل ميزان القوى في الكون الفسيح الى مجموعة شبه بشرية أسمها ڤولكونز نجحت في تشكيل قوّة مؤلّفة من الكواكب المسكونة بالأجناس أسمها »الإتحاد الفدرالي للكواكب« او
United Federation of Planets
بذا، فإن المركبة الضخمة التي تجوب الفضاء باحثة عن إجابات كونية ومتعرّضة لمجابهات معادية هي أمل البشرية في الحياة الأفضل المنشودة. وبالفعل، وحسب كتابات رودنبيري، فإن العالم المقبل لا يتمحور حول المال والماديات بل حول العلم والبحث المعرفي٠
قد يبدو ذلك مملاً. نقصد أن تشاهد فيلماً يدور حول فلسفة الحياة والحياة ما بعد الموت، لكن الأميركيين رحّبوا وما زالوا بتلك الأفكار والأبعاد على نحو ينزع عنهم أنهم أهل ترفيه ومتعة خالصة طوال الوقت. ليس هذا فقط، بل كوّنت السلسلة بحراً من القصص الخيالية المناط بها الحفاظ على هذه الأبعاد ولقيت، بشكل عام، نجاحات كبيرة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة كما في المطبوعات الخاصّة بها٠
غاية المؤلف كانت لا الحديث عن المستقبل البعيد، بل عن الحياة بكاملها لذلك استطاع تأسيس مركبة أفكار تناولت، فيما تناولت، مسائل متعددة من بينها حقوق الإنسان والعنصرية والمجتمعات القائمة على الطبقية ومفهوم الجنس عند الجنسين والديانات والفكر الشمولي الى آخر كل تلك المسائل التي يمكن الدخول فيها من دون ضمانة الخروج منها٠

عناية فائقة
Star Trek: The Motion Picture سينمائياً، انطلق الفيلم الأول تحت عنوان
سنة 1979 وكان من إخراج المحنّك روبرت وايز الذي سبق له أن أخرج عدداً من افلام الخيال العلمي مثل
The Day The Earth Stood Still و The Andromeda Strain
هنا، وتحت قيادة الأدميرال كيرك أمام المركبة مهمّة لإنقاذ الأرض من سحاب كثيف مليء بالشحنات الحرارية والكهربائية تم توجيهه من قبل أعداء صوب الأرض لضربها٠ الممثل وليام شاتنر لعب دور الأميرال كيرك، قبل أن يتحوّل هذه الأيام، الى مقدّم إعلانات لصالح وكالة سفريات٠ معه في المهام غير البشري مستر سبوك (ليونارد نيموي) والفريق المتفاني يؤديه ديفورست كيلي وجيمس دوهان وجورج تاكاي ونيشيل نيكولز٠
نيكولاس ماير أخرج الجزء الثاني تحت عنوان »ثورة الخان« الذي لم يخل من إشارات عنصرية بدوره، رغم أن الأصل القصصي يحاربها: في خلال رحلة أخرى لسفينة انتربرايز تحت قيادة الأدميرال كيرك، تواجه حرباً ضارية من قبل حاكم كوكب أسمه خان سينغ (ويؤديه الراحل حديثاً ريكاردو مونتلبان ) الذي يضع قلاّدة عبارة A عن الهلال وحرف
وينوي الإنتقام من الأدميرال لخلاف عمره خمسة عشر عاماً. طبعاً لا لزوم لمعرفة كيف ينتهي الفيلم الذي باستثناء هذا التمييز العنصري (جامعاً جمع أسمين هنديين مختلفي الديانة في شخص واحد ومانحاً إياه الحرف الأول من كلمة عرب) احتوى على مشاهد جيّدة التنفيذ من وجهة نظر سينمائية بحتة٠

في الجزء الثالث من المسلسل السينمائي »ستار ترك: البحث عن سبوك« سعى الفيلم لتوسيع مداركه الزمنية مسنداً بدايات الحياة الى الشخصية غير البشرية والمختلفة المصاغة بعناية ربّانية خاصّة. مستر سبوك (ليونارد نيموي) مات (خارج مطلع الفيلم) لكن الأدميرال كيرك وباقي أفراده أدركوا الطريقة التي يمكن بها إحياء الميّت وذلك عبر سرقة جسده وشحنها بالروح الهائمة من جديد٠ ليس صدفة أن الفيلم من إخراج ليونارد نيموي نفسه٠

تراجع الإيرادات
الممثل نفسه عاد فأخرج حلقة رابعة سنة 1986 بعنوان »الرحلة الى الوطن« حيث على المركبة العودة الى الأرض من جديد لكي يمثل قائدها أمام المحكمة الفدرالية بسبب سرقته جسد مستر سبوك. مع هذا الجزء بدا الترهل مبكراً على أجزاء باتت كما لو كانت دعايات شخصية أكثر منها مواكبة لحس المغامرة والأبعاد الفلسفية المختلفة٠
والحال بقي ما هو عليه حين قام الممثل الآخر وليام شاتنر باستلام دفّة الإخراج في الجزء الخامس تحت عنوان
The Final Frontier الحدود الأخيرة
سنة 1989. المشكلة هي أن هذا الفيلم أيضاً استمر في تعزيز البحث في أصل سبوك بعدما كان الجزء الثالث أسسه على هيئة وبمواصفات توراتية قديمة محوّلاً إياه لمخلوق مختار من قبل الله عنوة عن سواه. الفيلم الجديد يقدّم شخصية أخيه سيبوك الذي طلب منه الله ملاقاته في منتصف مجموعة المجرّات المعروفة بـ
Milky Way
إنه من الجدير الإشارة الى أن الإقبال على هذه الأفلام، حتى الثلاث الأخيرة منها، بقي لا بأس به لكنه لم يبلغ الشأن ذاته التي كانت افلام خيال علمية أخرى (من لوكاس او ستيفن سبيلبرغ او سواهما) تحققه. فإيراد هذا الجزء الخامس، مثلاً، لم يزد عن 63 مليون دولار عالمياً وهذا يُعتبر نسبة لكلفته التي وصلت الى نصف هذا المبلغ بأقل تقدير، عملاً خاسراً٠
The Undiscovered Country
كان الفيلم السابع بمهام تترك الديانات جانباً وتسعى لمغامرة يجد فيها قائد المركبة كيرك نفسه متّهماً بجريمة قتل فوق كوكب تسكنه مجموعة من المخلوقات غير البشرية، وقد أخرج هذا الفيلم نيكولاس ماير مرّة أخرى٠
الرقم التاسع في السلسلة من نصيب أحد ممثلي الطاقم الجديد في تلك الحلقات وهو جوناثان فراكس الذي قدّم Star Trek: Insurrection في
سنة 1998 أحد أفضل أفلام السلسلة ارتفع فيها حس المغامرة من دون أن يقضي على النوعية الفكرية التي في المادة. وهو أفضل من الحلقة العاشرة التي أخرجها ستوارت بيرد سنة 2002 بإسم »ستار ترك: اعداء«٠

العودة غير حميدة
كل ما سبق جعل العديدين من النقاد والمتابعين، وأكثر منهم السينمائيين الذين يوقّعون الحوالات المصرفية ويفتحون الإعتمادات، يعتقدون أن الحياة تسرّبت من جسد »ستار ترك« ولا يمكن إعادتها الى جسد المتوفّي مرّة أخرى. لكن أحداً كان عليه أن يجرّب ولو مرّة أخيرة إعادة إحياء سلسلة لا زالت تحتل جزءاً من الثقافة الشعبية لا يستهان بها٠
Star Trek الجزء الجديد الذي يكتفي بعنوان بسيط هو
هو نتيجة هذا التجريب. وهو اتبع ما تتبعه حالياً العديد من المسلسلات السينمائية إذ تترك أحداث الجزء الأخير منها وتعود الى ما قبل الفصل الأول او-في بعض الأحيان- الى ذلك الفصل الأول نفسه لكي تعيد تقديمه، على غرار »باتمان« و»هالووين وكما فعل جورج لوكاس حين أسس لثلاثية جديدة لكي تسبق أحداثها الثلاثية الأولى، فإذا بالجزء الأول جدّاً من الثلاثية الأولى يصبح الفيلم الرابع والثاني الخامس والثالث السادس، بينما تحتل الثلاثية الثانية موقع الأجزاء الأولى والثانية والثالثة حسب الترتيب القصصي للسلسلة٠

هذا كله في البال حين مشاهدة الفيلم الجديد فإذا به منوال آخر من المسلسل وليس بالضرورة المنوال الصحيح. الكيان السابق للسلسلة حيث الرحلة التي تقطعها المركبة هي للبحث في جوهر الحياة وفي العلم وثناياه والفلسفة الكامنة فيما نجهل، جيء بمن يتجاوزه كتابة (سيناريو من روبرتو أورشي وأليكس كوتزمان) وإخراجاً (ج. ج. أبرامز) وتغييره الى نوعية أخرى من الأفلام تتألّف من مغامرات مضجّة ومشاهد أكشن ضوضائية في الألوان والأشكال كما في الأصوات أيضاً. القصة ذاتها ما هي الا حياكة لإتاحة المجال لتلك المشاهد البرّاقة والرغبة الآسرة هي الوصول الى جمهور من الشبيبة التي لا تكترث للفكر (على أنواعه) بل للحركة المثيرة ولإشعاعات الضوء المنبعث من تلك الأسلحة او المركبات وهي تنطلق بسرعة أكبر من سرعة المركبات السابقة في المسلسل ذاته٠
أن يقصد الفيلم الإستفادة من التطوّر التكنولوجي الذي أصاب السينما في السينوات الخمس الأخيرة، هذا مفهوم. لكن أن تتعرّى الحكاية من تلك المواقف التي كانت تشيع العمل الذهني جنباً الى جنب المتعة البصرية فإن ذلك قصور واضح٠
يبدأ الفيلم الى بدايات الحكاية الأولى مقدّماً شخصياته من كيرك الى سبوك ومكوي وسكوت وسواهم إنما مع ممثلين جدد في سن الشباب٠ رحلات كهذه، علينا أن نصدّق، يستطيع من هم دون العشرين غالباً التمكّن فيها والتحكّم بمقتضياتها وشروطها والتمتّع بالخبرة الذهنية على القرار الصحيح. ربما هذا سيكون حال العالم في المستقبل الذي تضع الحكاية نفسها في أتونه، إنهم يشقّون الفضاء في مهمّة للنيل من متمرّد شرير أسمه كابتن نيرو (إريك بانا) ومستر سبوك موجود بين المخلوقات الشابّة، لكن وبفذلكة لا لزوم لها، يتم تقديم مستر سبوك الأول (أي ليونارد نيموي) الذي وصل عن طريق عربة الزمن. بكلمات أخرى مستر سبوك يزور نفسه من مستقبل هذا المستقبل. إنه كمن لو أن الفيلم متهالك لمنح سبوك الأصلي مكاناً لدرجة اختلاق مشاهد لا ضرورة لها. المهم أن يعود وأن يقبض ثمن عودته٠

الخيال بلا علم
ما نراه خلال ساعتين هو الإنتقال من الخيال- العلمي الى الخيال وحده. المشاهد إذ تتتابع، تصدمك من حين لآخر بلا معقوليّتها حتى ضمن الفانتازيا التي تحمله. كيف يمكن، وعلى سبيل المثال وحده، لمركبة الإنتربرايز الصغيرة دخول حرب مع مركبة فضائية أقوى وتنتصر. تريد أكثر من تلك الضربة النهائية التي عليها أن تحسم المعركة لصالح الأخيار مهما كانت الفرص غير متوازية٠
السيناريو من الثغرات بحيث أن مركبة فضائية يمكن أن تمر في اي منها من دون أن تخدش الورق الذي طُبع السيناريو عليه. الواضح أن المغامرة بالنسبة إلى الكاتبين لا يمكن معايشتها خيالاً فمن الأجدى إذاً حشوها بالتجاوزات والإنتقال سريعاً من مشهد لآخر قبل أن يتوقّف المشاهد ويسأل نفسه كيف ولماذا٠

المخرج إبراهامز أخرج قبل هذا الفيلم الجزء الثالث من »المهمة: مستحيلة« مع توم كروز او-كما هو معروف في البزنس- أسوأ جزء من سلسلة »المهمّة: مستحيلة«، ولا شيء يمكن أن يدفعه ليغيّر أسلوب عمله لمجرّد أنه في حضرة عمل له تقاليده. ما نراه، هو حركة سريعة من تلك التي نراها في الأفلام المشابهة جميعاً حيث يتراكض المقاتلون، كل بسلاحه، في الإتجاه الذي يعيّنه لهم المخرج وخلال ركضهم هناك متفجّرات تُلقى وأصوات ذخيرة تُسمع. أحياناً المتفجّرة تقتل عن قرب وأحياناً عن بعد ولا قانون في ذلك. ج ج أبراهمز والشركات التي عمل لها هذا الفيلم واثقون من أنهم فعلوا الشيء الصحيح. لكن الحقيقة هي أن الصحيح بالنسبة إليهم هو ليس الصحيح بالنسبة لعشّاق النوع. ومع أن الخيال العلمي برمّته ليس نوعاً يشتاق اليه المشاهدون العرب كثيراً، الا أن متتبّعي السلسلة من أوّلها سيدركون حين مشاهدة الفيلم الجديد، وسواء أعجبهم أم لا، أنه لا ينتمي الى الأفلام السابقة الا بخيوط العنكبوت٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠