May 31, 2009

Issue 422 | Haneke | Truffaut | Horror after 9/11 | ترقّبوا تغييرات مهمّة بدءاً من العدد المقبل

في هذا العدد
  • سنوات ضوئية | رشيد مشهراوي يعرض "ليلى" في نيويورك٠
  • هل عندك جواب؟ | سؤال عن حقوق الإقتباسات ومن يقوم بها
  • لديك بريد | تهاني لهوڤيك حبشيان على مقابلته جيل جاكوب٠
  • فيلم | زياد عبد الله عن فيلم هكتور بابنكو "كارانديرون"
  • سينمات| ميشيل هانيكَ المخرج الفائز بسعفة كان هذا العام | محمد رُضا٠
  • ملفات ميسر مسكي| يكتب الزميل عن فرنسوا تروفو وثلاثة من أفلامه
  • دراسة | كاميرا داخل كاميرا لرعب ما بعد 11/9- الجزء الثاني | محمد رُضا٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
COVER | STORY



Noomi Rapace أسمها
The Girl with the Dragon Tattoo وهي بطلة
الفيلم الأول من ثلاثية مزمعة عن روايات بوليسية للمؤلّف
ستيغ لارسن. الفيلم سويدي من إخراج
Niels Arden Oplev

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سنوات ضوئية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رشيد مشهراوي يعرض في نيويورك


رغم أن المخرج الفلسطيني إيليا سليمان خرج من مولد مهرجان "كان" بلا جائزة، الا أنه يكفيه أنه قدّم فيلماً تم عرضه على أعين نحو 4000 إعلامي وسينمائي وشغل في الأروقة أحاديث الناس التي رصدت -في معظم الأحيان- إعجابها بأسلوبه الهاديء في طرح فكرته السياسية٠
الفيلم الذي قدّمه هو »الزمن الباقي« الذي يستعرض فيه كيف تمكّن الإحتلال الإسرائيلي من العام 1948 قضم الأرض والإنسان الفلسطينيين وهدم سبل التفاؤل بمستقبل مهيمنا على الحياة الإجتماعية ومانعاً من تكوين هوية فلسطينية كشأن الهويّات القومية او الوطنية الأخرى في المنطقة٠
بعد ثلاثة أيام من إنتهاء المهرجان الفرنسي بجوائز من نوع "شيلني وشيّلك" حيث نال المخرج النمساوي ميشيل هنيكي جائزة السعفة من لجنة تحكيم ترأسها الممثلة إيزابيل هوبير كانت نالت جائزة من ذات المهرجان حين لعبت فيلماً سابقاً لنفس المخرج، نشرت صحيفة نيويورك تايمز مقالاً نقدياً حول فيلم المخرج الفلسطيني الآخر رشيد مشهراوي الذي يعرض في "متحف الفيلم" في نيويورك فيلمه الروائي الأخير "عيد ميلاد ليلى«. أشاد ستيفن هولدن، وهو أحد نقّادها السينمائيين الثلاثة بالفيلم معتبراً إياه عملاً قويّاً ببساطته ومعبّراً عن وضع الحياة اليومي في فلسطين ٠
ولا ننسى أنه قبل ذلك بسنوات، تمكّن المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد من الوصول الى الترشيحات النهائية لجائزة الأوسكار الأميركية عن فيلمه "الجنّة الآن" وهي كانت المرّة الأولى (ولا تزال الأخيرة) التي تمكّن فيها فيلم عربي من الوصول الى تلك المرتبة٠
صحيح أن إيليا سليمان لم ينل السعفة، وصحيح أن هاني أبو أسعد لم ينل الأوسكار وصحيح أن فيلم رشيد مشهراوي معروض في صالة "الفن المعاصر" عوض أن يكون معروضاً في الصالات لكن هذا يكاد أن لا يكون مهمّاً على الإطلاق. المهم أن الثلاثة (وهناك آخرون بينهم آن ماري جاسر وشيرين دعبس وميشيل خليفي) يعملون بنجاح على تقديم الموضوع الفلسطيني للغرب كما يجب أن يقدّم. بلغة يفهمها الغرب وتعرض الواقع من دون أن تشحذ العواطف او تجاري حمّامات الدم لكي تبرهن عن مآسيها٠
في كل مرّة يستطيع فيه فيلم فلسطيني دخول مهرجان او صالة عرض او مسابقة دولية، تسجل فلسطين انتصاراً إعلامياً وثقافياً لا يوازيه انتصار سياسي او عسكري. ويتم تحويل فئة أخرى من الغربيين الى صف القضية الفلسطيني من دون ريب.
المخرج الراحل مصطفى العقّاد كان يقول دائماً أن الفيلم أفضل سلاح في المعركة ضد العدو. وكان على حق. الفيلم أفضل من السلاح الناري ذاته خصوصاً إذا ما كان هذا السلاح منحاز لمصلحة سياسية ويعمل لحسابها. مصلحة لا زالت السينما الفلسطينية بريئة من الإنخراط في ركابها٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هل لديك جواب ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنا فتاة أردنية أعيش في لندن وأنوي دخول
مجال السينما ككاتبة سيناريو محترفة. درست
نظرياً وسؤالي الأول إذا ما كان هذا كافيا في
اعتقادك. وسؤالي الثاني هو أنني أريد كتابة
قصّة حدثت في الواقع وألاحظ أن الكثير من الأفلام
الأميركية تستخدم عبارة
"based on a real story"
وسؤالي يتعلّق بالحقوق . هل يعني ذلك أن الشخصيات
الواقعية تتقاضى حقوقاً مادية على ذلك ومن من؟ هل
على الكاتب الحصول على موافقة هذه الشخصيات قبل
أن يكتب السيناريو او تتكفّل بذلك شركات السيناريو٠

دينا كرم

الجواب على السؤال الأول أن المسألة في الأساس تقف على ساقين: الدراية والموهبة. الأولى تتأتّى من عناصر شتّى من بينها قراءة سيناريوهات الأفلام الجيّدة، وهذه متوفّرة في مكتبة وأرشيف مؤسسة الفيلم البريطاني، كما في عدد من المكتبات الكبيرة حول سوهو وشارع البيكاديللي ومن بينها الدراسة٠ أما الموهبة فلا تأتي من الخارج ولها علاقة بالعلاقة القائمة بينك أساساً وبين ما لديك من مخزون تريدين التعبير عنه وبين الوسط الذي تريدين توطين هذا التعبير فيه (موسيقا، رسم، سينما، مسرح الخ...)٠ وفي الحالتين لابد - بما أننا نتكلم السينما- من مشاهدة الأفلام وبوفرة وبتعددية مصادر واتجاهات وسوف تجدين نفسك طبيعياً مرتاحة لهذا الأسلوب في العمل او ذاك٠
فيما يتعلّق بالأفلام المأخوذة او المقتبسة عن أحداث حقيقية، فإن التعامل معها هو ذاته التعامل مع تلك المقتبسة من روايات او أعمال منشورة: أحد يجب أن يدفع شيئاً لأحد (اللهم إذا كانت الملكية مفقودة إذ يحق -مثلاً- كتابة وتحقيق فيلم عن الإسكندر العظيم او نابليون بونابرت من دون الرجوع الى أحد)٠ الكاتب هو من يسعى، في هوليوود وأعتقد في معظم أوروبا، الى استحواذ الحقوق إما بإتفاق أدبي (أدفع إذا بعت) او مادي مباشر وهذا لا يكون على مدى الحياة إذ أن البائع عليه أن يضمن أنه إذا مرّت ستة أشهر (في بعض الحالات) او سنة، في حالات أخرى، فإن الحقوق ستعود إليه٠
لكن - ولكن كبيرة- معظم الكتّاب يتّجهون الى المنتج بهذه المشكلة. يكتبون السيناريو من دون مراجعة من يدور السيناريو حولهم او يأتي على ذكرهم ثم يقدّمون السيناريو الى المنتج الذي سيسأل (وإذا لم يسأل على الكاتب أن يفصح) إذا ما كانت الحقوق مشتراة ام لا٠
الآن .... أنت وكل منتج على حدة. إذا كانت مهمّة وأعجبت (والسيناريو) المنتج فإنه سيتّصل بمحاميه لاستحواذ الحقوق وسيتكفّل بها. لكن إذا حدث وإن كان المنتج غير خبير في هذا النطاق فإنه قد يتردد. بكلمات أخرى، من الأفضل لو أن الكاتب هو الذي تفاوض -على الأقل- على الحقوق إذا لم نقل أنه اشتراها لمدّة معيّنة لأن هذا سيسهّل أكثر عملية بيع السيناريو إذ يأتي خالياً من المتابعات والإستطرادات في هذا المجال. لكن هناك الكثير من السيناريوهات التي تم تنفيذها من دون أن يأخذ الكاتب على عاتقه مخاطرة شراء الحقوق ثم احتمال عدم بيع السيناريو٠
Good Luck
هذه الزاوية للرد على الاسئلة التقنية او السينمائية البحتة. إذا كان
لديك أي سؤال تود توجيهه في هذا الشأن، أرجو الإشارة الى إسم
الزاوية٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بريد | اسئلة وتعليقات وردود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل مرّة أقرر أن أنشر كل ما لدي دفعة واحدة، لكن الرسائل والحمد لله كثيرة وفي نهاية المطاف على بعضها الإنتظار للعدد المقبل. عذراً وشكراً لكل الذين يرسلون خطاباتهم هذه. التواصل بيننا يمنح العلاقة حرارة لا بديل لها ويمنحني وباقي المشاركين هنا الفرصة لمعرفة رأيكم بما نكتبه وهو في حالات كثيرة مخصص للكتابة هنا٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من: عمر منجونة
تحياتى لحضرتك أستاذ محمد ولكل من شارك بتغطيته لمهرجان كان , حقيقة لم أستطع أن أتمالك نفسى من الضحك وأنا أقرأ تعليق حضرتك فى البداية خصوصا الأخ الذى شبه كين لوتش ب هيتشكوك... مش بيقولوا هم يضّحك..! كما أنى لم أعتد اسلوب حضرتك محملا بهذا القدر من النقد اللاذع والساخر. أما بالنسبة للارس فون تراير أعتقد أن نوبة الغرور التى اجتاحته انما هى من كبريائه المجروح بسبب ردود فعل الصحفيين حول فيلمه الأخير لكن فى هذه الحال ما كان عليه اهداء فيلمه الى تاركوفسكى٠

لى تعليق حول مسألة الأصالة. ذكرت أن تارانتينو وسوديربرج والأخوين كوين- لا يتمتعون بالأصالة وانما يحاكون من قبلهم. أرجو من حضرتك أن تعطينا لمحة عن تصورك للأصالة عند مخرج ما والفرق بين التقليد للأخرين والتأثر بهم٠

جواب: قال الكاتب أكثر من ذلك، لكني أخاف عليه من الإحباط لو علّقت على كل ما كتب. بالنسبة للارس ڤون تراير قصّته لم تتوقّف عند حد ما قاله في "كان" بل ذكر حين قابله صحافي بريطاني بعد المهرجان أنه قصد ما قاله في "كان" فهو يعتقد نفسه أعظم مخرج في العالم. والصحافي الذكي ذاك قبل هذا الإدعاء في مقدّمة مقالته وقال أنه كان متلهّفاً، لسبب ما، احتضان المخرج اول ما يلتقيه وفعل. يا سلام على التفاني. أعتقد هذا ما عناه بدرو ألمودوڤار بفيلمه »عناقات مكسورة«٠
ما ذكرته بالنسبة لموضوع الأصالة فالمسألة تحتاج بالفعل الى حديث طويل. لكن هنا أكتفي بالقول أن ما يأتي مع اللقطة هو الذي يعني الأصالة او افتقادها. في فيلم »غيلدا« [كينغ ڤيدور- 1964] يحيط زوج ريتا هايوورث في الفيلم، وأسم الممثل جورج مكريدي، زوجته بالاسئلة الحادّة. لقطة متوسّطة بعيدة له وهو يقف عند الباب يطرح عليها سؤالاً. لقطة متوسّطة بعيدة لها وهي تذهب الى النافذة المواجهة وتجيب على السؤال وهي تعطي ظهرها. لقطة له وهو يسأل سؤالاً آخر أدق. لقطة متوسّطة لها وهي تستدير لتواجهه والنافذة خلفها مغلقة٠
ما يقول لنا ذلك؟ بناء ڤيدور تصميم المشهد على ما يحمله في حواره. لقطتان متوسّطتان. الزوج عند الباب رمزاً لإغلاقه سبيل نجاة. ريتا هايوورث أمام نافذة مغلقة بدورها (لا نجاة منها أيضاً). اللقطة المتوسطة البعيدة له لتصنيف الوحش. اللقطة القريبة لها لتصنيف الفريسة. في الأولى تزدريه. في الثانية ترأف لحالها لأن اللقطة أطّرتها٠
لديك أيضاً »سولاريس« تاركوفسكي و»سولاريس« سودربيرغ، و»سايكو« هيتشكوك و»سايكو« غس فان سانت، وهذا من دون أن أذكر أعمالاً لفديريكو فيلليني، أكيرا كوروساوا، أندريه تاركوفسكي، آرثر بن، جون فورد، باستر كيتون، جان-لوك غودار، شانتال أكرمان (في نحوها التجريبي)، ستانلي كوبريك، انغمار برغمن، روبير بريسون، لوي بونويل، تشارلي تشابلن، فرانك كابرا، رينيه كلير، جورج فرانجو، بترو جيرمي وعشرات غيرهم٠
تتأثر بمخرج هو أن تكوّن لنفسك اتجاهاً ومفهوماً وفلسفة للصورة مماثلين. تقلّده هو أن لا تجيد استيعاب ما فعل فتقلّد تصميماته وحركاته او زواياه كما كان يفعل برايان دي بالما في مطلع حياته السينمائية حيث كان تقليد هيتشكوك طاغ عليه٠
الموضوع كما ذكرت يدور وربما عدت إليه بتفصيل أكثر. شكراً للتحية٠

من : محمد هاشم
الصديق العزيز والحبيب الناقد محمد رضا
أتمنى أن تصلك رسالتي هذه وأنت في خير صحة وأحسن حال إن شاء الله، وكل التمنيات القلبية لك بكل التوفيق والنجاح فيما تسعى إليه، فأنا متابع جيّد لأخبارك وأتمنّى من الله أن تكلل الجهود بالنجاح ويخرج جلمك وحلمنا جميعاً بالمجلة الى النور وحلمنا أيضاً بتلك السلسلة السينمائية التي أتمنّى لها التميّز، فلك كل التوفيق والنجاح٠
أما مبعث رسالتي هذه فمردّه بالأساس الى جانب الإطمئنان عليك، هو ذلك الحوار الجميل لهوفيك حبشيان المنشور في عدد المجلة ولو تذكر نقدي لهوفيك الذي قمت بنشره قبل ذلك، فإن كان النقد او اللوم يستحق لفت الإنتباه إليه، فها أنا الآن أرسل هذه الرسالة لأشد على يدك ويد هوفيك قبلك، باقتناصه لهذا الحوار وصياغته لتلك الاسئلة المتميّزة والذي لولا موقعك لما تمكنت من مطالعته. فشكرا له ولحواره مع جيل جاكوب الذي هو بالإجمال حوار جميل ومتميّز كما قلت كم كنت أود لو يطول أكثر، رغم طوله، ليؤخذ ويرد عليه في بعض النواحي التي أجاب عنها في الحوار. على أية حال، أود أن تنقل تحياتي لهوفيك على المجهود الجيد وعلى أمل رؤيتك قريباً لك مني كل التحية والتقدير والحب

جواب: لك وللأخوة الذين كتبوا معجبين بالمقابلة شكري وشكر الزميل هوڤيك حبشيان. اتصلت به قبل ردّي هذا وسعد كثيراً حين قرأت له جانباً من رسالتك ويبلغك شكره٠

من: حسين الخبّاز
عزيزي الناقد محمد رضا
هذه رسالة قصيرة وددت فيها توجيه السلام والتحية، فهذه مدّة طويلة لم أكتب لك، ولكن أرجو أن تعذرني على هذا التقصير وأرجو أن تعلم بأنني أزور مدوّنتك يومياً كل ساعتين ولم اتخلّف يوماً عن المتابعة والقراءة. تمنيت كثيراً أن تذهب لمهرجان "كان" وبعث لنا بموادك اليومية مثلما فعلت في العام الماضي. محبّبتي

جواب: شكراً للكتابة مرّة أخرى ولتحياتك التي اعتز بها. الظروف أدّت الى احتجابي فعذراً وان شاء الله »اللي جاي أكتر من اللي راح«٠

من: عبد الرحمن عيتاني
تهنئتي لكم بهذه الإصدارات المتميّزة من »ظلال وأشباح«. الجهد المبذول فيها ملموس في كل عدد وعدد القراء في ازدياد وآمل أن يبقى على هذا النحو فأنت تستحق أكثر من ذلك صراحة. والمقابلة المنشورة مع جيل جاكوب كانت في وقتها إذ اجابت على الكثير من اسئلتنا حول المهرجان وكما قلت جيل جاكوب هو فعلا رجل السينما رقم واحد في العالم٠ لكن وفي الموضوع نفسه أود أن أعرف إذا كان من حق ناقد في لجنة من لجان اتحاد النقاد التصويت لفيلم في اللجنة التي هو ليس فيها٠ أعتقد أنك كتبت في العام الماضي حين كنت تقوم بمهام عضوية لجنة التحكيم بأنه لا يمكن التصويت الا للجنة التي أنت فيها٠

جواب: شكراً للتحية ونقلتها الى هوفيك حبشيان فهو يستحقّها أكثر مني. مبروك عليه هذا الجهد. ليس كل ناقد عربي يستطيع أن يخطو خطواته السريعة في هذا الركب٠ بالنسبة لموضوع التصويت، وهذه ثاني رسالة استلمها حول الموضوع ولا أدري سبب الإهتمام ماقلته آنذاك لا يزال سارياً، و. على أي حال، أنت مطالب بأن تصوّت في القسم الذي تم اختيارك له والا لما كان هناك داعياً لإنشاء لجان. وأتكلّم عن خبرة في هذا الموضوع كوني شاركت في تحكيم اتحاد النقاد الدوليين نحو خمس مرّات مرّتين منها في "كان" آخرها العام الماضي. وكما ذكرت: تستطيع أن تبدي رأياً معارضا او مؤيداً لما توصّلت اليه لجنة قسم آخر إذا أردت إنما في دائرة النقاش وليس لإبداء صوت فأنت لا تعرف أي فيلم تم اختياره من قبل اللجنة الأخرى قبل أن تصل الى اختياراتها ومتى فعل ذلك فالرأي غير المدعو للتصويت هو تعليق او مجرد رأي لا يؤثر سلباً او إيجاباً على القرار ذاته٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرة خاصة | زياد عبد الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سجناء يحكمون أنفسهم من خلف القضبان


يمكن استدعاء مقاربات كثيرة وأفلام أكثر لها أن تقدم الحياة من أضيق الأبواب، ألا وهو باب السجن، وليكون العبور منه إلى من هم خلف القضبان رصداً مأخوذاً تماماً بتوثيق القاع، والصعود منه بفيلم له أن يقول الكثير وعلى أصعدة عدة، تشكل في النهاية بانوراما حياتية لها من الحقيقة الكثير٠

ما تقدم مرهون بالواقعية والبعد مثلاً عن قصة هرب مدوخة كالتي نقع عليها في «إصلاحية شوشان» 1994 كمثال سريع يتبادر إلى الذهن من بين مئات الأفلام التي تتخذ من السجن معبراً للتشويق، سواء كانت أحداث الفيلم كاملة تدور خلف القضبان أو في جزء منه، ولعل الأفلام التجارية الأميركية منحتنا تصوراً راسخاً لسجونها المتشابهة من فيلم إلى آخر، لا بل صرنا نعرف أشكال السجناء وسحناتهم، وكثرة الزنوج والملونين، هذا عدا تربيتهم العضلات، وممارستهم رفع الأثقال وما إلى ذلك٠

لندع ذلك جانباً ونمضي خلف فيلم آلان باركر «قطار منتصف الليل» 1978 الذي ما أن يذكر السجن حتى يتبادر إلى الذهن بوصفه واحداً من أعنف وأقسى ما صور عن السجن والسجناء والسجانين، وبعيداً عما شكّله من إزعاج هائل للسلطات التركية في حينها، حيث أشيع أنها حاولت بكل ما في وسعها وقف عرضه هنا أو هناك وسحبه من التداول عالمياً، على كل لا أعرف مدى دقة ذلك، إلا أن مشاهدة الفيلم قد تؤكد عليه، لما يحمله من هجاء لتركيا وكل ما هو تركي، وبناء على تمضية سجين أميركي لثلاث سنوات في أحد سجونها٠

بعد ما أوردته آنفاً سأعترف بأن كل ما ورد جاء من حيث لا أدري وقد كنـت حقيقة أنوي الحديث عن فيلم واحد هو للبرازيلي هيكتور بابنـكو، تذكروا هذا الاسم إنه مخرج هائل حقيقة، عنوان الفيلم الذي قادنا إلى كل ما تقدم هو (كارنديرو)، والذي يستحق التوقف عنده طويلاً، ولعله صالح تماماً لأن يكون معبراً سينمائياً استثـنائياً لسينما السجون، ومثالاً ملحمياً لها، حيث يضعنا بابنغو (صاحب «قبلة المرأة العنكبوت») في سجن يقع في ساو باولو يضم خلف أسواره 8000 سجين بينما لا تتجاوز سعته الحقيقية .4000

بداية يجب التأكيد على أن الفيلم مستمد تماماً من أحداث واقعية حدثت عام 1992 في سجن في ساو باولو راح ضحيتها ما يتجاوز الـ100 سجين، كما أن بابنغو نفسه قام ببناء قصة فيلمه من خلال ما رواه له طبيب تعافى على يده من مرض ألم به قبل تصوير الفيلم، حيث إن هذا الطبيب الذي نشاهده في الفيلم بوصفه نقطة التقاء حكايات السجناء هو تجسيد لذاك الطبيب الحقيقي الذي خدم في السجن٠

بنية الفيلم الرئيسة تتمثل في تسليط الضوء على سجن مزدحم يدار بالمطلق بواسطة السجناء أنفسهم في ظل الغياب التام للسلطات في ما عدا الحراسة، وتسوده أخلاقية ودساتير يقررها سجين واحد. الموظف الرسمي الوحيد الذي يتعامل معه هؤلاء السجناء هو الطبيب الذي يكسب ثقتهم التامة وحبهم واحترامهم أيضاً، وليكون مسعى الطبيب الرئيس بداية هو تعليمهم الوقاية من «الإيدز» المتفشي بينهم، ولينغمس تماماً في التعرف إلى عوالمهم وقصة كل واحد منهم وكيف دخل السجن حيث يفتح الباب أمام «الفلاش باك»٠

لا أعرف إذا ما كان وصف الفيلم بالجميل يحمل من الحكمة شيئاً، ربما وصفه بأنه جميل بقسوته أفضل أو ملحمي ينتصر للإنسان أولاً مهما كان هذا الإنسان، لكنه بالتأكيد وثيقة روائية لفيلم وثائقي بعنوان «الحافلة 173» الذي وثق السجن الذي شهد اضطرابات .1992 تجدر الإشارة إلى أن تصوير الفيلم انتهى عام 2003 وتم هدم السجن الذي صور فيه بعد سنة٠

يبدو أن فيلم بابنكو لن يوقف سلسلة استعادة أفلام أخرى من سينما السجون، وخصوصاً إن كنا سنتحدث عن فيلم أرجنتيني أُنتج العام الماضي حمل عنوان «ليونيرا» إخراج بابلو ترابيرو، الذي يأتي إلى السجون ببعد واقعي له أن يذكرنا بأزمة السجينات الحوامل خلف القضبان، حيث يمضي ترابيرو خلف عالم كامل من السجينات الأمهات، وبعبارة أخرى الأبناء الذين يفقدون حريتهم في الطفولة لئلا يحرموا حنان الأمومة٠

يروي ترابيروا كما بابنغو بأن فكرة الفيلم انطلقت من أرضية واقعية بحتة، فبينما كان في طريقه بسيارته برفقة ابنه، مر بجانب سجن «ليونيرا»، فإذا بابنه الذي لم يتجاوز الأربع سنوات يصرخ «انظر بابا.. إنه وردي»، ويضيف ترابيروا أن الكتل الاسمنتية كانت من دون لون ومخيفة، لكن أحد مباني السجن كان ملوناً، وبعد ذلك تعرفت إلى عالم هؤلاء السجينات الأمهات وأولادهن، والقوانين التي لها مثيل في كل أنحاء العالم، ولكن مع اختلاف سن بقاء الابن مع امه، الذي يمتد لأربع سنوات في الأرجنتين٠

يأتي كل ما تقدم في قالب درامي محكم، مع كاميرا أصر ترابيروا أن يجعلها قريبة وموجعة في مشهديتها، ولعل دور جوليا الأم الذي قدمته مارتينا غوسمان له من التميز الكثير، ولعل الفيلم يتمحور حولها وعذاباتها بعد اقدامها على قتل عشيقها، واكتشافها في السجن أنها حامل٠

عالم كامل يقتطعه من سجن في بوينس أيرس متمنياً، أي المخرج، «أن يصعّد الفيلم من الجدل العالمي حول أمومة السجينات»٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مواهب جديدة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سناء مزيان


عندما أعلن في العام الماضي خرج فيلم »حديقة سميرة« بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان مراكش السينمائي الدولي، لم يتقدّم مخرج الفيلم عبد اللطيف لحلو فصعدت ممثلة الفيلم الأولى سناء مُزيان الى المنصّة لاستلامها٠ مشت بخطوات واثقة واستلمت الجائزة ثم توجّهت الى الجمهور بالكلمة المناسبة. هناك بين الحضور كان يجلس المخرج نك بلتازار (»بن أكس«) والمنتج بيتر بوشكارت وكلاهما تابع حضورها ذاك بإعجاب وأدرك أنها ستكون
Cut Loose المناسبة لفيلم زميلهما يان فرهاين "التحرر" او
حين أخبرها المنتج بوشكارت أنه يريدها لفيلمه شكرته بأدب ولم تبن أحلاماً. جميعنا نعلم ما يحدث في المهرجانات: مجموعة كبيرة من الخواطر والمشاريع تطوف في الرؤوس. لكن المفاجأة كانت تنتظر الممثلة المغربية الشابة في اليوم التالي إذ تلقّت منه سيناريو ذلك الفيلم الذي انتهى تصويره مؤخراً وقامت ببطولته. قصّة فرحة لعالم مزدحم بهموم الحياة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سينمات | ميشيل هانيكَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المخرج الفائز بسعفة "كان" لهذا العام لديه خلفية خاصّة
كمخرج أفلام عن شخصيات لا تجد مهرباً من وضعها
الا بتدمير ذواتها | محمد رُضا٠


سواء استحق فيلم ميشيل هانيكَ الجديد »الشريط الأبيض« السعفة الذهبية التي نالها في الأسبوع الماضي من دورة مهرجان "كان" المنصرمة، او لم يستحق (يتوقّف ذلك على رأي هذا الناقد او ذاك) فإن المخرج النمساوي الذي حقق في ذلك الفيلم عملاً يتناول فيه أحداثاً تقع في زمن الحرب العالمية الأولى، وصوّره بالأبيض والأسود عوض الألوان، أنجز بفوزه خطوة أخرى الى الأمام في مجال حياته المهنية٠
وهي ليست الجائزة الأولى التي يحصدها فيلم لهانيكَ او لأحد العاملين فيه من مهرجان "كان"، إذ سبق أن نالت إيزابيل أوبير جائزة أفضل ممثلة عن إداءها بطولة »معلّمة البيانو« الذي أخرجه هانيكَ سنة 2001 وسبق لفيلمه الآخر »مخبوء« أن قطف الجائزة الكبرى (وهي الثانية) حين قدّمه في دورة العام 2005
وهو كان أخذ يجذب الإنتباه بنوعية سينماه الداكنة ذات الأسلوب الصريح في تداول العنف والجنس مع اسقاطات اجتماعية واخلاقية نافذة تدين الحياة التي تفرز الجريمة والخطيئة على حد سواء. من هذه الزاوية هو مخرج محافظ يتبع »أجندة« قائمة على نقد المجتمع الغربي من نوافذ يفتحها على مواضيع يختارها بعناية فائقة٠

تاريخ هانيكَ
ولد في الثالث والعشرين من شهر آذار/ مارس سنة 1942 في ميونخ في ألمانيا، لكنه نمساوي الوالدين ومتعدد اللغات وحقق أفلامه بالألمانية والفرنسية والإنكليزية ما يناسب تلك الرغبة في نقد الحياة الغربية في أكثر من بلد او بيئة ثقافية واجتماعية٠
والده فريتز هانيكَ كان ممثلاً وأمه بياتريكس دون ديغنشيلد كانت ممثلة وهما أدخلاه جامعة فيينا لكي يدرس الفلسفة وعلم النفس والدراما إنما بعدما فشل في دراسة الموسيقا والتمثيل. هانيكَ عمل ناقداً سينمائياً بعد تخرّجه لبضع سنوات ثم انتقل الى العمل مونتيراً لحساب محطة تلفزيونية ألمانية قبل أن يتحوّل الى مخرج تلفزيوني سنة 1973
أكثر من عشر سنوات مرّت على عمله في التلفزيون قبل أن يقوم، سنة 1989، بتحقيق فيلمه السينمائي الأول وهو »القارّة السابعة« تبعه بعد ثلاث سنوات بفيلم »فيديو بَني« أخرج تسعة أفلام روائية طويلة (وبضعة أفلام قصيرة) منذ ذلك الحين والى الآن٠

سينما هانيكَ
أفلام هانيكَ تشبه أفلام عدد آخر من مبدعي السينما الأوروبية من حيث أن النظرة التي تلقيها على الواقع والبيئة نظرة داكنة لا تخلو من التشاؤم. في ذلك هو رديف للمخرج اليوناني ثيو أنيجليبولوس والروسي ألكسندر سوخوروف والمجري بيلا تار والبريطاني كن لوتش، لكنه على عكس الثلاثة الأول المذكورين هنا، لا يعمد الى اللقطات التأمّلية الطويلة، بل يسرد أعماله بلغة تقنية تقليدية في حصيلتها الأخيرة. ما هو غير تقليدي هو تطويع ما يبدو لقطات عادية التركيب والتصميم والزوايا ومونتاج ذي إيقاع أسرع مما عند معظم أترابه المذكورين، لتقديم مشاهد صافعة تجعل أفلامه حافلة بوقع مفاجيء على المشاهدين يراه ضرورياً لحفر الرسالة التي يتضمّنها كل فيلم في البال موظّفاً ذلك الوقع الصادم لإحداث عامل من القلق كاف لإعادة سبر غور الحياة والتفكير بما شاهده المرء على شاشة فيلمه٠
والمحاور لا تقل أهمية عن أسلوب عرضه ذاك. فهي تدور حول شخصيات لا تجد مهرباً الى الأمام الا بتدمير ذواتها. كمثل معلّمة البيانو التي تجنح صوب الإنحدار الأخلاقي بسبب من سوء علاقتها مع محيطها في البيت كما في العمل، وهوسها الجنسي الذي تستعيض به عن الحياة السوية لأنه أقرب منالاً إليها من سواه٠
إنها، وهي مثال نموذجي لشخصيات مختلفة في أفلامه الأخرى، غريبة عن محيطها وبيئتها والمخرج لا يعتقد بأنها ستستطيع التغلّب على مشاكلها ووحدتها والإنخراط جيّداً في المجتمع الذي تعيش فيه٠ غالباً، إذا ما صدّقنا أن الفيلم هو جزء كامل من حياة شخصياته، ستنتهي عجوزاً حرمت نفسها من بديهيات الحياة العاطفية بسبب شذوذ تفكيرها وعقدها النفسية الطاغية٠
في أوّل أفلامه، »القارة السابعة« نرى معالجة لوضع مختلف من حيث التفاصيل لكنه يلتقي مع تلك التي مارسها في فيلمه اللاحق "معلّمة البيانو" من حيث أنه أيضاً فيلم يتحدّث عن شخصيات منتمية الى الطبقة الوسطى وكيف تمارس حياتها من دون قدرة على التطوّر والإرتقاء (المعنوي قبل المادي) بحيث تنتهي الى الفشل والفراغ. أحداث ذلك الفيلم تمتد على فترة ثلاث سنوات، لكننا نزور العائلة مرّة واحد في السنة. في ذلك العام الأخير تكون حياتها على الأرض قد دخلت مرحلة متهاوية هي المسؤولة الأولى عنها بسبب انقطاع الصلات الحقيقية والتفاعل العائلي الصحيح بين أفرادها٠

الإعلام المُدان
في فيلمه التالي "فيديو بَني« (1992) ينتقل الى أول أعماله التي عمدت الى حبكة تتمحور حول علاقة المرء بشاشة الفيديو. بطل الفيلم فتى يهوى مشاهدة الأفلام على الفيديو ويختارها لكي تعكس روحا سوداوية٠ في أحد الأيام يتعرّف على فتاة تماثله سنّا تصطحبه الى منزله حيث تشاهد بعض تلك الأفلام وبينها فيلم صوّره بنفسه لقيامه بقتل خنزير. الفتاة لا ترى في ذلك أي تهديد لحياتها، لكن حين توقن أن النقطة السوداء في شخصية الصبي قد طغت وتهدد حياتها، يكون الوقت قد تأخر والفاس ضرب الراس. إذ يضربها بالفأس فعلاً وتسقط الأرض سنراه بعد قليل يوجّه مسدّساً إليها ويجهز عليها بطلقتين. كل ذلك وسط رسالة تتعلّق بتأثير الإعلام السلبي على حياة الشبّان خصوصاً إذا ما كان هؤلاء منقطعين أصلاً عن محيطهم بحيث تصبح الصورة التي يلتقطونها او يشاهدونها هي كل ما يعرفونها من هذا المحيط. وهي بعنفها تنتج العنف من باب المحاكاة كما من باب إنجاز الواقع الذي كان شاهده عبر الكاميرا٠

في العام 1997 عاد هانيكَ لموضوع التعامل مع الكاميرا والصورة التي تعرضها وسائل الإعلام فتصبح جزءاً من الحياة الواقعية يحاول البعض تقليدها. هناك عائلة ميسورة تعيش في معزل عن هذا العالم قدر الإمكان يقتحم شابّان حياتها ويبدآن بممارسة لعبة غريبة مفادها الجمع بين الواقع والخيال تماماً كما الحال في الواقع الذي تفبركه وسائل الإعلام التلفزيونية من خلال برامج تعايش الكاميرات فيها حياة الشخصيات كما لو كانت ترغب في التوثيق، لكنها في الواقع تهدف الى تحويل حياة وخصوصيات الشخصيات المشتركة الى عموميات من باب الترفيه. هذان الشابّان لا يتورّعان، تماماً كشركات التلفزيون التي تنتج مثل تلك البرامج، عن استخدام الكاميرا للغاية ذاتها وتوظيف الفعل الإجرامي لرفع جرعة التشويق المنشودة في ذاتها. الكاميرا أيضاً في هذا الفيلم هي عين المشاهد ما يخلق انزعاجاً كبيراً كون المشاهد بات -٠من دون اختياره- جزءاً من عملية الدهم والقتل وشاهد من دون قدرة على الهرب بعيداً مما يشهده٠

الزمن الغابر
وظيفة الكاميرا مكررة في فيلم »مخبوء« الذي حققه المخرج سنة 2005 . في هذا الفيلم نجد أن الفيديو مستخدم انما في طرح جديد آخر. فالقصة تدور حول موظّف في إحدى المحطات التلفزيونية حيث يقدّم برنامجاً عن الكتب. ذات يوم، يستلم وزوجته شريط فيديو صوّره مجهول بات واضحاً أنه يرصد حركة العائلة ويعلم عنها كما تعرف هي عن نفسها.


والأحداث المشوّقة والتي على قدر كبير من التفنن، ستكشف عن أن هذه الأشرطة تصبح وسيلة اجتياز الزوج للفاصل القائم بين اليوم والأمس كاشفاً عن سر مخبوء كان تناساه والآن بات يعاوده متحوّلاً الى مكمن لعقدة ذنب حيال مهاجر عربي تسبب الزوج في مأساة حدثت له وهما صغيران. في الوقت الذي يتناول فيه المخرج هذه الحكاية على منحاها الشخصي المنفرد، يضع الأحداث في وجهة سير تفضي في الوقت ذاته الى الحياة الفرنسية الإجتماعية بأسرها. فكما يدخل الزوج مرحلة تأنيب ضمير تجاه فعلته التي أذت ذلك العربي المهاجر صغيراً، تدلف تلك الأحداث لتكشف عن ذنب فرنسا حيال المهاجرين العرب على نطاق واسع مستخدماً المذبحة التي وقعت في الخمسينات في باريس وراح ضحّيتها جزائريون قاموا بالتظاهر تأييدا لاستقلال الجزائر فإذا بالبوليس الفرنسي يواجهها بصرامة شديدة نتج عنها مقتل عشرات من المهاجرين على الرغم من أن جميع المتظاهرين كانوا غير مسلّحين٠
حتى »معلّمة البيانو« بقيت أفلام هانيكَ بعيدة عن مشاهدين كثيرين. هذا على الرغم من نجاح »لعب غريبة« بين النقاد وعروضه التي انتقلت من اوروبا الى الولايات المتحدة. ثم ما لبث »مخبوء« أن دعم انتشار هانيكَ بين عاشقي السينما٠
من نقده للصورة ينفذ الى نقد الحياة الإعلامية الحاضرة، ومنها ينفذ الى نقد الحياة العصرية بكاملها. إنه كما لو أن المخرج إذ يتحدّث عن شخصيات تعيش أوضاعاً داكنة تزداد دكانة مع استمرار الأحداث ، يجد في الحياة العصرية التي نعيش كل ما يحتاجه من أسباب ومبررات لوصمها بالسلبيات التي جعلت الحياة الإجتماعية الصحية في الغرب، وحسب قوله، فعل نادر ينتمي معظمه الى الزمن الغابر٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملفات ميسر مسكي | ثلاثة أفلام عن الحب لفرنسوا تروفو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثلاثة أفلام شاهدها الزميل ميسر مسكي تحملنا الى رقّة المخرج
الراحل فرنسوا تروفو ومعالجاته المرهفـة
لحكايات الحب واللوعة العاطفية٠



فرانسوا تروفو كان من طليعيّ الموجة الجديدة (كما أصبحت تدعى الحركة السينمائية التي باشرها نقاد السينما الشباب الفرنسيون في أوائل الستينيات من القرن الماضي) و الذين لم يجدوا بدّا من الخروج من الأطر الفنية والإقتصادية القديمة في السينما و التي طالما رسختها الإستوديوهات الكبيرة. و الأهمّ أنهم حملوا في داخلهم روح المغامرة و التجريب و دافعوا (بأفلامهم) عن حقهم في أن تعبر سينماهم عن همومهم الوجودية و الفلسفية و عن ما آلَ إليه حال جيل شاب استفاق على عالم متغير بعد مذبحتين عظيمتين على الأرض الأوروبية (الحرب العالمية الأولى و الثانية) و بفاصل لا يزيد عن عشرين عاما٠
تروفو كان من أولئك المخرجين الذين كرسوا سينماهم لنظرة مقرّبة من دواخل شخصيات أفلامهم. أقول هذا لإنه عادة ما تباين المخرجون في أسلوب تناول مواضيعهم الفنية و الفكرية. فالبعض تجده يركز على الحبكة والحدث، و الآخر على الإسلوب و اللغة البصرية بحيث تطغى على بقية عناصر الفيلم. فيما آخرون أرادوا من أفلامهم أن تكون منبرا لإفكار وأيديولوجيات طالما آمنوا بها٠
تروفو أقترب من شخصياته برهافة و ألتقط توترها، قلقها، عبثها، يأسها، توقها، لوعتها، و ذلك فيما هذه الشخصيات في حالة حب، غالبا ، ما كان مستحيلا أو دونه الموت. لكن تروفو لم يكن أبدا ميلودراميا ، فهو قد عرف دائما أين يقف و كيف يوظف المشهد الذي كان يمكن أن يبدو كليشيه أو ميلودراما فاقعة في يد مخرج آخر. تروفو بحثَ في زوايا روح شخصياته مرّة متلصصا (على حد قوله في مقابلة) لإثارة إهتمامنا و مرات وارفا بعذوبة على حالات الروح الإنسانية القلقة.
في الأفلام التي سنتناولها هنا، يبرز دائما "مثلث الحب" الذي طالما من داخله رصَدَ فرانسوا تروفو شغف شخصياته و لوعتها. سنختار هنا ثلاثة من أفلام تروفو موزعة على مراحل زمنية تتباعد بعشر سنوات بينها، من سيرة عمله السينمائي
جول و جيم 1961
الإنكليزيتان و القارّة 1971
المرأة المجاورة 1981

Jules et Jim | جول وجيم 1961


عَثرَ فرانسوا تروفو على رواية »جول و جيم« للكاتب هنري- بيير روشيه في متجر للكتب المستعملة. لفتَ نظره العنوان، ثمّ أثارته الرواية التي كتبها روشيه وهو في الثالثة و السبعين من عمره. لم تنل الرواية أي إهتمام حين نشرها، لكنها أصبحت واحدة من أكثر الكتب مبيعا بعد الفيلم. لكن روشيه الذي فــَرحَ لإهتمام تروفو بروايته قضى قبل أن يخرج الفيلم إلى الصالات٠
القصة هي تجربة حياتية للكاتب كان قد مضى عليها خمسين عاما حين وضعها، بتصرف، على الورق٠
حَوَلَ تروفو النص الأدبي إلى سيناريو بمساعدة هنري غريو ليروي حكاية، متوترة المشاعر، عن صديقين تشاركا حبّ أمرأة واحدة.
جول شاب ألماني ألتقى الفرنسي جيم في باريس عام 1912. و فورا نشأت بين الرجلين صداقة أنساقت مع بوهيمية الفترة، حيث تشاركا كل شيء، حتى النساء٠
على هذه الصداقة المتقدة تـُطلّ كاثرين فجأة بحضور آخاذ وسريعا ما يأخذ هذا الحضور الصديقين في دوامة من الشغف واللوعة. كاثرين تختار جول لترتبط به، لكن دون أن تقطع ولعها المزاجي و المتطير ببقية الرجال خارج قيود الزواج. الحرب العالمية الأولى تضع جول وجيم في مواجهة غير مباشرة عبر حرب الخنادق التي دامت أربع سنوات، لكنهما يستعيدان صداقتهما إثر توقيع الهدنة ويستعيد جيم هيامه بزوجة صديقه. وعلى الحدّ الفاصل بين الزوج و الصديق تعبث كاثرين مع الحياة (والرجلين) بغواية مدهشة توصلها إلى المأساة٠
كاميرا تروفو اللاهثة بحركتها و بمونتاج سريع النبض، تلتقط توتر الشخصيات (خصوصا كاثرين) و تصادم رغباتها و دورانها المستمر في علاقة تبدو هاذية الشغف الذي يَشفّ من العين و النظرة المراوحة بين الشهوة والإنكسار٠
جول القانع بقربه من زوجته رغم تجاربها المضطربة للإنعتاق من قيد الزواج يؤديه النمساوي أوسكار فيرنر بهدوء و عذوبة تأتي متناقضة (و مبررة) مع هوائية و توتر كاثرين التي لا تتردد أن تلقي بنفسها في نهر السين لتلفت نظر الصديقين إلى حضورها الذي شعرت أنه بهت للحظة حين يخوض الصديقين جدلا فكريا إثر خروج الثلاثة من عرض مسرحي. بهذا النبض المنفلت من أي تفسير منطقي تلقي كاثرين نفسها في حضن الرجال لتؤكد حريتها المساوية لحرية الرجل. و ربما من هنا نجد كاثرين في بداية ظهورها، تتنكر في زيّ ذكوري و تسابق الصديقين في تصرف كان يبدو صادما لإخلاقيات الإنوثة في بدايات القرن٠

جان مورو في دور كاثرين آخاذة. إمرأة ذات سحر غامض و حضور آسر. حين مورو على الشاشة بالكاد تستطيع أن تبعد نظرك عنها. شيء من الغواية المغلفة بغموض التمرد الآتي إلى نهايته العبثية. حزن عيناها وشهوة شفتاها يرسمان كاثرين ببراعة. قبل سنوات كثيرة كنت أعتقد أن جان مورو أجمل نساء الأرض. منذ فترة، كان الفيلم الذي لعبت فيه دور الكاتبة مرغريت دورا دليلا على أن الزمن له خطوطه التي لا تمحى ولا يمكن نكرانها حول العين و الفمّ .... والجسد!٠
فرانسوا تروفو لا يريدنا أن نأخذ أي موقف أخلاقي من شخصياته. هو لا يدين تمرد كاثرين على مفهوم الزوجة والأم، و لا يحاسب الصديق على غواية زوجة صديقه، ولا يلوم الزوج على هيامه بزوجة مهتمة بحريتها أكثر من إهتمامها بإبنتها. هي شخصيات "...لعبت مع الحياة و خسرت.." (كما يقول صوت جول من خارج الكادر) لكنها لعبت بشغف محموم و حتى الثمالة. كمّ منا كان يتمنى أن يمتلك هذا الشغف؟ سؤال تركه لنا فرانسوا تروفو لنجيب عليه كل من تجربته و فكره. لكن الأهمّ أن نصدق مع ذاتنا كما جول و جيم... و كاثرين!٠
البعض رأى في الفيلم نظرة رمزية من تروفو إلى أوروبا (عند إطلالة القرن الماضي) اللاهية و الممزقة بين تيارات عدة مما أدى إلى كارثة الحربين الكبريين. حتى لو شئنا أن لا نقرأ المستوى السياسي – الرمزي فإن هناك الكثير في فيلم تروفو عن الصداقة النقية و الحب المنفلت من ضوابط المنطق... والولع بحرية الحياة حتى... الموت!٠

كان الفيلم للبعض صدمة أخلاقية حين عرض للمرة الأولى عام 1962، فَمُنعَ في إيطاليا، كما نظرت إليه الكنيسة الكاثوليكية بقلق. لكن تروفو كان سعيدا بالنجاح الجماهيري الذي حققه الفيلم بعد الخيبة التي نالها فيلمه "أطلق النار على عازف البيانو. النجاح كان يعني إمكانية تأمين تمويل لإفلام قادمة لم يكن للمنتج أن يغامر بماله عليها لو لم ينجح "جول و جيم"٠
فيلم تروفو هذا من تلك الأفلام التي يزيد ولعك بها كلما شاهدتها أكثر. فالمرور الأول قد لايدع لك الفرصة (لسرعة التقطيع و الإضطرار لقراءة الترجمة) للتمتع بتصوير ممتاز و أداء لافت و مناخات ينبع سحرها من إرتباطها بأحوال الشخصيات٠

الإنكليزيتان و القارّة
Les Deux Anglaises et Le Continent| الإنكليزيّتان والقارة
1971


عشرة أعوام بعد "جول و جيم"، عادَ فرانسوا تروفو إلى أدب هنري – بيير روشيه ليقتبس روايته الثانية "الإنكليزيتان والقارّة". هذه كانت الرواية الأخيرة، حيث روشيه لم يكتب إلا ّروايتين حين كان في السبعين من عمره، و كلتا الروايتين عكستا تجارب من حياته٠
تروفو أتى بالأساسيين الذين عاونوه في "جول و جيم" إلى هذا الفيلم أيضا . على السيناريو عَملَ جان غريو مع تروفو على تحويل النص الأدبي إلى السينما. فيما الموسيقى كتبها جاك ديلور (كما في العديد من أفلام تروفو) و لعب دورا صغيرا في الفيلم (المحامي) لكن التصوير هذه المرّة كان لـ نستور ألمندروز الشهير٠

في "الإنكليزيتان و القارّة" هناك مثلث الحب ذاته الذي رأيناه في "جول و جيم" لكن هذه المرّة معكوسا فكلود، الشاب الفرنسي يلتقي الأختين الإنكليزيتين مورييل و آن في زيارة له إلى الجزر البريطانية. يهيم كلود بمورييل التي تصدته بلطف. لكنها تنهار حين تعلم أن كلود قد عاشر شقيقتها آن التي إنتقلت لتعمل في النحت في باريس. كلود الممزق بين الشقيقتين يجد نفسه، و بعد سنوات، وحيدا في حديقة النحات رودان يبحث في وجوه الطالبات البريطانيات الزائرات عمن يمكن أن تحمل ملامح مورييل التي كانت قد تزوجت و أنجبت فتاة قبل سنوات٠


إذا كانت شخصيات "جول و جيم" قد لعبت مع الحياة و خسرت، فإن شخصيات "الإنكليزيتان و القارّة" تجد نفسها هائمة في علاقات حياة هي " ...كأحجية لا تتوافق قِطعها..." فهي لا تكاد تعثر على شغف حتى تفقده إلى آخر لا يلبث بدوره أن يتلاشى مخلفا فراغا و ندوب في القلب و الروح. عالم هذه الشخصيات يبدو مغلقا عليها و على ذاته. فهي تتباعد و تلتقي و تـَهجر و تـُهجَر ثم تجد نفسها من جديد في مواجهة لوعة التوق الذي ما كان ليكون.
كاميرا ألمندروز الشاعرية تلتقط روح القرن التاسع عشر في بريطانيا حيث الجمال يراوح (و يُذكـّر) بالكلاسيكية المـُحافظة. و كذلك روح أداء الممثلين الذي يبدو على بعض البرود و التحفظ. تروفو يقول أنه تعمّدَ هذا وفاء لمناخات رواية روشيه. لكن تروفو أيضا يروي بالصورة حال شخصياته المترددة و الممزقة في عواطفها. ففي المشهد الذي يعود فيه كلود ليلتقي مورييل في مشغل النحت الخاص بشقيقتها في باريس. يبدأ اللقاء هادئا وكأن كل يستكشف إمكانيات اللحظة وإحتمالاتها. ثمّ يندفعان إلى بعضهما. لكن كلود لا يلبث أن يتردد، يتراجع إلى الباب، مورييل تلحق به، تسأله سبب الرحيل، يلتفت إليها، لا يجد ما يقوله، و يخرج. هنا في لحظة تردد كلود و حيرته نجد إلى يسار الكادر تمثالا غير منجز. جلسته غير متوازنة و وجهه قد لـُفّ بقطعة قماش رطبة. حال التمثال غير المنجزة،ووضعيته القلقة، و وجهه المخفي تروي حال العلاقة بين الشخصيتين و عدم قدرة كلود على إبصار غور ذاته القلقة. إلى يمين الكادر هناك لوحة نصفية من نحت نافر صريح لإمرأة. تروفو يخبرنا أن تردد مورييل الطويل قد إنتهى. هيّ الآن تبوح (بدلالة الصورة) بمشاعرها٠
في مشهد آخر و بعد أن ينتهي كلود و مورييل إلى إستحالة علاقتهما نراهما على رصيف محطة قطار. في مقدمة الكادر قطار يتحرك من يمين الكادر إلى يساره و في الخلفية قطار آخر يتحرك بإتجاه معاكس. على مسارين متوازيين و بإتجاهين متعاكسين يتحرك كلود و مورييل في القادم من حياتهما. لن يلتقيا أبدا٠

لم يلقَ "الإنكليزيتان و القارّة" حفاوة من النقاد، كما أن الجمهور أعرضَ عنه. مما دفعَ تروفو إلى إعادة مونتاج الفيلم مقتطعا حوالي 20 دقيقة منه على أمل جعل إيقاعه أقرب للجمهور. لكن ذلك لم يفلح في تغيير ردة الفعل. قبل وفاة تروفو بشهور عاد و معه المونتير إلى غرفة المونتاج حيث أعادَ تركيب الفيلم كما أقرب إلى نسخته الأصلية وهذا ما نراه اليوم على القرص المدمج٠

في "الإنكليزيتان و القارّة" كل عناصر فيلم تروفو (و الموجة الجديدة) هناك صوت الراوي من خارج الكادر الذي يملأ فراغات الرواية. كما هناك عملية تصغير الكادر إلى بقعة صغيرة بين الحين و الآخر لتذكيرنا أننا أمام فيلم و هناك مسافة بيننا و بينه و ليس علينا التماهي بل الإدراك. كما هناك الكاميرا المتحركة (لكن أقلّ لهاثا منها في "جول و جيم" لضرورة زمن الرواية و الحدث) في أماكن التصوير الخارجية. »الإنكليزيتان و القارّة« شاعري بتحفظ و نابذ للميلودراما الفاقعة التي كان من السهل أن يقع بها لولا أن وراء الكاميرا...فرانسوا تروفو!٠

بقي أن نذكر أمرا سريعا ليس له علاقة برؤيتنا للفيلم إلا ّ ربما من باب إحتمالات تأثر المخرج (أي مخرج) بظرفه النفسي أثناء عمله. في الفيلم تقضي إحدى الأختين بداء السلّ و هو ما لا وجود له في رواية روشيه. تروفو أعادَ السبب إلى رغبته في إستحضار جانب من الحياة السوداوية للشقيقات الكاتبات برونتي و التي تقضي إحداهن في ريعان شبابها. لكن البعض ذكـّرَ أن تروفو قد أنجز فيلمه هذا بعد فترة قصيرة من مغادرته لمصّح نفسي تلقى فيه علاجا من الكآبة. و كان قد سبقَ ذلك بقليل تداخل الحياة الخاصة لـتروفو مع التراجيديا حين توفيت الممثلة فرانسواز دورلياك (أدارها في فيلمه الجميل "بشرة ناعمة") في حادث سيارة، و خروج النجمة كاترين دونوف من حياة المخرج بعد علاقة دامت سنوات. فرانسواز و كاترين كانتا شقيقتين. و تروفو كان على علاقة حميمة بالإثنتين. هل يُذكـّر مثلث الحبّ هذا بـكلود، آن، و مورييل في "الإنكليزيتان و القارّة"؟


La Femme D'À Côté| المرأة المجاورة
1981

في بداية الفيلم لقطة مقرّبة لسيدة و هي تخبرنا بالأحداث التي سنراها. في الخلفية يمكن أن نلاحظ ملعبا للتنس يتبادل عبره لاعبان الكرة. السيدة تقول أنه قد نعتقد أنها لاعبة تنس، لكن لو تراجعت الكاميرا قليلا سنكتشف كم نحن على خطأ في إعتقادنا هذا. وبالفعل تتراجع الكاميرا لنكتشف أن السيدة معاقة بساقها اليمنى و أنها تسير على عكاز٠
فرانسوا تروفو يريد أن يخبرنا و منذ البداية أن المظهر قد يكون خادعا . فوداعة القرية الفرنسية حيث تتجاور عائلتان لا يمكن أن تشي ببركان العواطف المـُتـقدّ تحت السطح الهاديء٠


تنتقل ماتيلد (فاني أردان، رائعة في أول دور سينمائي لها) و زوجها للعيش في قرية على مقربة من مدينة غرينوبل. بالصدفة يجاوران برنار (ديبارديو ممتاز) وزوجته. اللقاء الأول للعائلتين يبدو عاديا بل و ربما مُملا لهما. سرعان ما نكتشف أن ماتيلد وبرنار كانا على علاقة لاهبة قبل 6 سنوات و أنتهت. ماتيلد أقدمت إثرها على الإنتحار و اُنقذت٠
اليوم، أعاد َ اللقاء مجددا ما كان من وجد ولوعة٠
برنار وماتيلد هما، ككل شخصيات تروفو، ممزقين بين العودة و الرحيل. عالمهما صغير بحيث يبدو أنهما مهما تباعدا فسوف يلتقيا ليرتميا في دوامة من علاقة سريّة يبدو أن لا خلاص لهما منها.
Ni sans toi, Ni avec toi
."اي "لا معك و لا بدونك." عبارة تـُنهي الفيلم و تختم مصير بطليه المأساوي
تروفو يصنع فيلما بديعا من حكاية عادية كان يمكن لمخرج آخر أن يحولها إلى سلسلة من كليشيهات ميلودرامية ممجوجة. لكن تروفو يقترب من شخصياته بعين وارفة الحنان ليسبر الطبيعة المـُدمّرة للحب. في مشهد بديع يدخل برنار و ماتيلد في عراك أمام ضيوف الأخيرة. الكاميرا تأخذ المشهد من الداخل و عبر النافذة الواسعة لصالة الجلوس فيما الإثنان يتعاركان في الحديقة. يعطي تروفو هنا لهذا المشهد إحساس الفضيحة أو الـ "شو" الخاص بانكشافه المبتذل على العام٠

عند النهاية و حين تعود ماتيلد، إثر إنهيارها العصبي، إلى المنزل المجاور لسكن برنار، لا نراها بل نشاهد خيالها على الجدار. لم يبق من علاقة الماضي إلا ّ ظلال و خيالات لا تلبث أن تحمل ماتيلد و برنار إلى خاتمة عنيفة
جاك ديلور كتبَ موسيقى أغلب أفلام تروفو. و هنا لم يختلف الأمر إلا ّ بإن موسيقى ديلور جميلة و قريبة من السمع بحيث تستطيع أن تقتني القرص المضغوط للموسيقى و تستمتع به حتى دون الفيلم. قطعة الجاز التي تلعب أثناء الحفل حين يتعارك برنار و ماتيلد جميلة جدا
البعض قال أن العاطفة المـُتـقدّة بين فاني أردان أمام الكاميرا و تروفو خلفها كانت واضحة كلما نظرت أردان في الكاميرا. بغضّ النظر عن هذا، أردان بقيت على علاقة
بتروفو إلى حين رحيله المبكر٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دور الكاميرا في حياكة مفهوم "الخيال الواقعي" لأفلام الرعب الحديثة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تكملة للدراسة التي بدأناها في العدد 420 حول سينما تعمد الى منهج الكاميرا داخل الفيلم الذي نراه بحيث يصبح وعينا مرتبط أكثر بأننا شركاء فيما يدور ... او هكذا يبدو٠
محمد رُضا

على التذكير أن ما نتناوله هنا ليس سينما الرعب على نسيج عريض. لسنا وراء النوع بحد ذاته ولا تاريخه ولا فنّانيه، بل عدد متزايد من الأفلام تتغذّى من مفهوم المشاركة الواقعية- البصرية التي غزت حياتنا تلفزيونياً وعلى الإنترنت٠

هناك ما يعزز الإعتقاد بأن عدداً من المخرجين المهتمّين بسينما الرعب أقدموا -في وقت واحد- على انتهاج أسلوب الكاميرا داخل الفيلم ما يؤكد أن النزعة هي إفراز لمخرون الرغبة في اللجوء الى دمج الخيال بأقصى ما يمكن تصويره من الواقع. لكنه ليس الواقع الآتي من الواقعية
realism يمكن تصويره من الواقع. لكن ليس الواقع في مفهوم
real بل في مفهوم التخيّل بأن ما نشاهده هو واقع
Fact ليس حقيقة
Factual لكن حقائقي
إذا ما كان المعنى واضحاً٠
في ذلك هو كذب أكبر من الكذب الذي تفاهمنا عليه منذ ابتداع السينما الروائية حيث نعلم أن لا شيء حقيقياً لكننا نقبله على أساس حقيقي لأنه مقصود به أن يكون ذلك او لأننا نريد أن نصدق أنه كذلك٠

وهو ليس أمراً سينمائياً فقط. بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر حدث أن تم الكشف عن كتب ادعت أنها سير حياة ومذكّرات حقيقية ليتبيّن أنها ليست كذلك. خذ مثلا ما قيل في كتاب صدر بعنوان »ملاك عند الحاجز: القصة الحقيقة لحب بقي حيّاً« قدّمته أوبرا وينفري في برنامجها على أنه حقيقة ليتبيّن لاحقاً أن الكاتب (وأسمه هرمان روزنبلات) فبرك المذكّرات مدّعياً أنه التقى بزوجته خلال وجودهما في معسكر اعتقال نازي وبانياً على هذا الإدعاء كل ما تلاه من مفارقات٠ وهناك حالة كتاب صدر سنة 1997 بعنوان "ميشا: مذكرة سنوات الهولوكوست« لكاتب إسمه ميشا ديفونشكا وكتاب أسمه »ليل« لايلي وايزل. ثلاثة كتب عن تجربة الهولوكوست تدعي إنها شخصية وحقيقية لثلاثة كتّاب يهود.... والثلاثة ثبت أنها تلفيقات تم تأليفها لتبدو مذكّرات٠

لكن ماذا عن 11/9 نفسها؟
في الحلقة الأولى ذكرت أن تناول الحقيقة تغيّر حين وقعت المأساة. كيف أن الحقيقة سطت على الخيال تبعاً لحجم الهول وبالتالي أخذت الأفلام تستوحي مما حدث في ذلك الواقع على صعيد مشاهد دمار في أفلامها الحالية٠
لكن هناك الجانب الآخر: إذا ما كنا نعيش في عصر من كذب الصورة .... لم لا تكون عملية 11/9 كذبة كبيرة؟
لا أقصد بالطبع أنها لم تقع. وقعت ونص. لكن ماذا لو كانت مرتّبة (بالكاميرات الجاهزة وبتحضير عوامل أخرى وحدوث بعض المفارقات التي لا تزال غير مفهومة السبب مثل عدم ذهاب اليهود الى العمل في ذلك اليوم، ومثل بيع العقارين قبل أيام قليلة كما تردد) الا يكون ذلك أكبر »فيلم« »حقائقي« في التاريخ؟ واحدة من أكبر الأكاذيب التي عرفتها البشرية؟
بالتأكيد. الخطورة هنا هي أن أربعة من الأفلام المذكورة أعلاه تمّ إنتاجها بعد الكارثة ما يفيد أنها تستوحي من الحادثة طريقة ترميمها و»إخراجها« ما يعني -في العقل الباطن او غير الباطن- أن مخرجيها لا يصدّقون أن القاعدة (او سواها) ضربت مبنيا التجارة الدولي، بل ضُرب على هذا النحو بعوامل محليّة وأن الإنهيار تم بتفجيرات مزروعة٠

ليس المجال هنا للحديث عن »نظرية المؤامرة« رغم أنه -ولحجم المأساة وحجم ما عنته فيما بعد من وضع ضرب أمان العالم بأسره- لا يمكن إغفالها. لكن المطلوب الربط بين ظواهر في الحياة وفي السينما. بين وجهي حاضر وعلاقة الواحد بالآخري وهي علاقة أكثر التحاماً مما قد يعتقد البعض٠
ليس أن السينما الروائية الدرامية لم تثر السؤال. في العام 1978 أخرج بيتر هيامز فيلماً رائعاً بصنعه ودلالاته عنوانه »كابريكون وان« عن كيف لفّقت ناسا عملية إنزال وهمية على سطح القمر. وماذا عن فيلم
لاسي هولستروم »زيف« عن الكاتب الذي زيّف حياة هوارد هيوز وباعها لدار نشر (قصّة حقيقية)؟
الرداء الكبير لكل هذه المواقف هو ثمار محاولة إلباس الخيال ثياب الحقيقة وليس العكس٠


ثلاثة أفلام عرضت في فترة متقاربة (النصف الثاني من العام الماضي) تضمّنت المنهج نفسه وهي
Quarantine, Cloverfield
Diary of the Dead و
والأفلام الثلاث فيها مصوّر يصوّر ما نراه نحن عبر الكاميرا الخاصّة بنا تلك التي نرى الفيلم كله من خلالها٠


Quarantine | محجر
John Erick Dowdle: إخراج
**1/2: تقييم الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[REC] هذا فيلم إعادة صنع لفيلم أسباني بعنوان
والقوسان من أصل العنوان، تعبير عن الكلمة التي تظهر حين التصوير بكاميرا فيديو كما يقوم بذلك أحد الشخصيات الرئيسية. أخرج تلك النسخة الأسبانية سنة 2007 الأسباني المتخصص بسينما الرعب هناك
Jaume Balaguero
قصة صحافية تلفزيونية أسمها أنجيلا (مانويلا فيلاسكو) ومصوّرها المشتركان في تغطية عمل الأطفائيين ليلاً عندما يهرعان مع رجال الإطفاء المستجيبين لنداء إمرأة عجوز يقال أن الباب موصد عليها. حين يدخل الجميع البناية توصد البناية عليهم كما على ساكنيها من قبل قوّات الأمن بعدما تناهى لها أن من فيها مصابين بأعراض قاتلة وتخرج من ظلمات الليل أشباح مصابة بلوثة فيروس تنهش اللحم ومن تعضّه لا يملك الا أن يُصاب ويموت او ينقلب وحشاً بدوره٠
القصّة نفسها إذاً في »محجر« والمصوّر يتابع ما يدور أول بأول، وهو مثل الفيلم الأسباني لا وجود له أمام كاميرتنا ولا وجود له كشخصية. إنه موجود من خلال تأثيره فنحن نرى ما يصوّره هو وليس ما تصوّره لنقل مرة أخرى "كاميرتنا" للتفريق. يصوّر ويصوّر الى أن يفرض السؤال حول هويّته. من هو؟ لم لا يتوقّف؟ وبل إذا ما كان شاهد عيان او -في بُعد ما- شريك. الأسئلة ذاتها التي شعرنا بها حين شاهدنا »مشروع بلير ويتش« أول مرّة سنة 1999 وكان صرعة الموسم. ذاك أخرجه شابّان لم يحققا بعد ذلك ما هو بشهرة هذا الفيلم هما دانيال ميريك وإدواردو سانشيز٠
الفيلم يحاول أن يكون محترفاً عبر جعل كاميرا المصوّر الداخلي تتصرّف -ونحن نرى الفيلم من خلالها- احترافياً. هذا ربما كان سبباً محدوداً في تأثيره في مجال التخويف محدود بمشاهد وليس على نسق متصل. لكن القصّة (وهي مقتبسة على أي حال) جديدة في موقعها وننتبه الى أن الأحداث، في معظمها، تقع داخل البناية الموصدة على من فيها من قبل قوّات البوليس التي لن تسمح لأحد حتى بفتح نافذته. ستعدمه إذا ما فعل٠ لو كانت خبرة المخرج وحرفته كتلك التي عند جورج أ. روميرو، مخرج »مفكرة الموتى« او كما عند داني بويل صاحب »بعد 28 يوم« لحقق الفيلم مرتبة أفضل بين أترابه٠


Cloverfield | كلوڤرفيلد
Matt Reeves: إخراج
***: تقييم الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الفيلم هو وحيد هذه الأفلام الثلاثة (او الأربعة إذا ما أضفت الفيلم الأسباني) الذي لا يتحدّث عن فيروس يحوّل البشر الى وحوش او زومبيز، بل عن حيوان يبقيه بعيداً عن التصنيف قدر الإمكان. شيء متوحش كبير وفتّاك وبطلا الفيلم مايكل ستول- ديفيد و جسيكا لوكاس (الصورة) عليهما البقاء حيّين وفي ذات الوقت تسجيل الفيلم عبر الكاميرا٠
المصوّر هنا ليس محترفاً بل هو أحد أفراد مجموعة من الأصدقاء يشهدون خطر ماحقاً متمثّلاً بوحش غير آدمي. مثل المتوقّع، فإن ما يصوّره يتحوّل الى شهادة ويورّطنا معه كما هو متوقّع. إنها القصّة القديمة حول الوحش الكاسر الذي يهاجم بلدة ما (كما في قصص الخمسينات) لكن مع اختلاف واضح هنا كامن في أن المكان هنا ليس مجرّد بلدة بل هي مدينة مانهاتن، في نيويورك. وفي هذا دلالة، ذلك أن الوحش سوف ينقض على المباني الشاهقة ويضربها. ستتهاوى تماماً كما فعلت في العام 2001 ما يؤكد تلك الصلة التي عقدناها سابقاً بين هذه الأفلام والخيال الواقعي المؤطّر تبعاً لأحداث ذلك التاريخ. أيضاً من الضروري ملاحظة أن المنتج هو ج.ج. ابرامز، الذي لجانب قيامه الآن بإخراج »ستار ترك« - الجزء الجديد، هو الذي قدّم في تلك الفترة
Lost وبعدها المسلسل التلفزيوني القائم على هذا التعريض الواقعي وهو »مفقودون« او
وهو ما يشي بعامل القربى بين الأسلوب الريبورتاجي التلفزيوني في مسلسلات »الواقع« تلك وبين الأسلوب السينمائي المنتشر الذي نتحدّث فيه٠
القصّة تبدأ مع قرب تفرّق شمل مجموعة من الأصدقاء بينهم روب (مايكل شتول- ديفيد- في الصورة مع الممثلة جسيكا لوكاس) وتشمل كذلك المصوّر هَد (تي ج. ميلر) الذي سيؤول عليه تصوير الرعب الكامن في تلك الليلة على بعد دقائق من مطلع الفيلم. التمهيد ليس مشوّقاً بحد ذاته، إذ أن ما انطلق هَد لفعله هو البحث عن صديقته بينما هم المشاهد أن يجد تفسيراً لذلك الوحش الذي يعيث فساداً في الأرض. لكن هَد وكاميراه والوحش سيلتقيان وسنكون نحن في هذا اللقاء وصولاً للنهاية الساخنة التي يتمكّن الفيلم من تتويج الأحداث بها. في إطار التأثر فإن »كلوڤرفيلد« فيه من »مشروع بلير ويتش« كما أوردنا لكنه يبدو متجذّر في بعض الأفلام اليابانية التي خرجت من اليابان بعد سنوات من إلقاء القنبلة النووية عليها. هناك غودزيللا وغوجيرا. الأول تعلّم سريعاً أن يدافع عن الأرض حاملاً راية السلام ولو أن المدن التي يعارك فيها الوحوش الأخرى تتعرّض لتدميره بسبب من حجمه ومعاركه، والثاني كان وحشاً خارجاً بفعل التأثيرات النووية ولا أحد يستطيع أن يجذبه الى صفّه، بل سيبقى شرساً وقاتلاً للبشر٠


Diary of the Dead | مفكرة الموتى
George A. Romero:
إخراج
**** : تقييم الناقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سأخصص مساحة أكبر لهذا الفيلم الذي -ككثير من أفلام الرعب- لا يتم تقديره حق قدره ولا يثير انتباه النقاد او المشاهدين على نحو يستحقه كمرآة لعلاقاته الكامنة بين القصّة/ الصورة/ الواقع المتخيّل من ناحية وبين المجتمع/ البيئة/ الواقع الحقيقي من ناحية أخرى. فيلم جورج أ. روميرو مميّز عما سبق كونه أولاً من إخراج سينمائي مختص بالنظر الى المستقبل على الأرض بعين تبحث في انقراض الحياة بفعل الجرثومة المنتظرة والأرض التي تتحوّل الى جهنّم مقفلة لا هرب منها، وثانياً لأن روميرو أقدر المخرجين الآخرين قدرة وفنّا، وثالثاً لأن الفيلم الماثل (وهو أول الأفلام الثلاث المذكورة من حيث عروضها) فيه الكثير من التداعيات والأبعاد. علاوة على ما يذكره حول مستقبل الحياة على الأرض، هناك الخط السياسي (ودائما في أفلامه خط سياسي) حول الإعلام شريك اللعبة الحاصلة حولنا من قبل الحكومة التي تكذب وتكذب معها الصورة الرسمية. نعم هناك وجهة نظر من خلال الكاميرا، لكنها ترتاح قليلاً لنعود الى كاميرتنا وكلاهما وسيط تهمة روميرو للحكومة والإعلام النائم معها في فراش واحد٠

فيلم جورج أ. روميرو »مفكرة الموتى« ينتمي الى هذه الحفنة من الأفلام التي تنتقد دور الإعلام في خداع الناس، ومع أن الأزمة هنا كامنة في موضوع لا علاقة له بأي حرب، الا أن الفيلم يوجّه نقده للإعلام كخادم للسُلطة وفاقد لإستقلاليّته ونزاهته وهو أمر مستوحى مما أوضحته العلاقة بين الإعلام والسُلطة مع نشوب الحرب العراقية الثانية٠
مثل أسلوب دي بالما، روميرو يعهد لطالب سينمائي بتصوير فيلم دجيتال عما يدور حوله لأن الطالب ، والمشاهد أيضاً، ما عادا يثقان بالإعلام وما ينقله من أخبار٠ الطالب إنما يريد توثيق ما يدور لأنه إذا لم يفعل ذلك فليس هناك من سيتولّى سرد الحقيقة- وسائل الإعلام (التلفزيون بالأخص) سوف لن يفعل ذلك٠


يبدأ الفيلم بمشهد لفناء خارجي لمبنى يقع في
شرقي الولايات المتحدة. تستطيــع أن تعــرف
من تصميم المبنى السكني والأجر الأحمر المشابه
لتصاميم وألوان أوروبية٠ رجلا بوليس أمام
سيارتهما وأحدهما يقول أن رجلاً فقد عقله وقتــل
زوجته وأطفاله٠ الإسعاف يصل. فريق أخبار
تلفزيوني يستعد لنقل الحادثة على أساس أنها
جريمة قتل٠

نتوقّف هنا٠
اللقطة الأولى من هذا المشهد هو للمصوّر ينظّف عدسة الكاميرا ونحن نراه من خلال العدسة ما يربط، إذا أردنا، بين المعنى الموكل بالتنظيف وبين مضمون الفيلم المنادي بضرورة تنظيف الإعلام بأسره٠

كل شيء يبدو طبيعياً من حيث أنه ليس هناك ريب لدى أحد من شخصيات المشهد بأن الجريمة المروعة (التي لا نراها) إنما واحدة من ذلك السيل من الجرائم التي تنقلها وكالات الإعلام الى مشاهدي التلفزيون٠ رجل البوليس يقول: "من المحتمل أن الرجل لاجيء غير شرعي من الخارج فقد عقله"٠ لكن فقط من شاهد أفلام روميرو السابقة (التي تشكّل مع هذا الفيلم سلسلة من خمسة أفلام بدأت بـ
Dawn of the Living Dead
سنة 1968) يدرك أن هذا تمهيد لأمر مختلف حيث لا أحد يموت موتاً معهوداً. كلهم، وتبعاً لڤايروس خفي او لأن جهنم ما عادت تتسع، يعود من الموت بعد حين طالباً شيئاً واحداً من وجوده وهو أكل الأدمي السليم٠ وبالفعل، تتحرّك جثّتان كانتا تُحملان الى سيارات الإسعاف وتنطلقان لتهاجما الأفراد الأحياء المتواجدين. رجل البوليس الذي عكس عنصريته أحد الضحايا، كذلك المذيعة التي كانت مشغولة بإتمام عملها بغشاوة من الزيف. دي بالما يصوّر الحادث من خلال كاميرا التلفزيون داخل الفيلم ثم يستخدم الحقيقة التي شاهدناها كبرهان على موقف التلفزيون حين يشارك في تغطية ما جرى مع رئيس البوليس في الوقت الذي كان فيه الڤايروس ينتشر في أنحاء البلاد بأسرها٠
من ذلك المشهد ننتقل الى المشهد الذي سيتم فيه تقديم شخصيات الفيلم الأساسية ويقع ليلاً في غابات بنسلفانيا مع عدد من طلاب معهد سينمائي٠ هذه الشخصيات هي

جاسون كريد (جوش كلوز): طالب إخراج
ريدلي ولموت (فيليب ريكيو) : ممثل٠
ترايسي ثورمان (آمي لالوند): ممثلة٠
ماري دكستر (تاتيانا ماسلاني): مساعدة المخرج
غوردون ثورسن (كريس ڤيولت): مساعد٠
أندرو ماكسوَل (سكوت وندتوورث)٠

المشهد الذي يتم تصويره مشهد رعب وريدلي في زي مومياء يحاول الإمساك بترايسي. المخرج يتدخل لأن التنفيذ لم يعجبه، لكن في الوقت الذي يتم فيه الحديث عن كيف يريد المخرج الشاب من الممثل إداء الدور، وفي ظلمة الغابة، ونتيجة للمشهد التمهيدي الذي وضعنا، كمشاهدين، أمام معلومة لا يعرفها بعد هؤلاء، نتوقّع أن ينقض الزومبيز فجأة على فريق التصوير٠ لكن روميرو كتب سيناريو أفضل من المتوقع والسهل٠ سوف نصحب هؤلاء الأفراد الى أكثر من موقع وسوف يعلمون سريعاً بعد هذا المشهد ما يحدث في أنحاء أميركا. كذلك فإن المخرج جوش يقرر هنا أن يلتقط ما يحدث بكاميراه من دون توقّف. أحياناً سيبدو أن هذا العنصر غير مهم، وهذا الحين يقع في النصف الأول من الفيلم حيث يتحوّل إصرار جوش على تصوير الجميع في كل حركة الى إثارة أعصاب ليس بين باقي شخصيات الفيلم فقط، بل لدى المشاهدين أيضاً. هذا كله يتبدد حالما نفهم السبب الذي من وراءه يصر جوش على تسجيل الحياة وما يمر ومجموعته به في هذه الساعات العصيبة حيث انتشر آكلي لحوم البشر في كل مكان . فهو يدرك أنه لا يستطيع الإعتماد على الإعلام لنقل الحقيقة ويريد أن يترك ما لا مجال لضحده٠
حقيقة أن الفيلم داخل فيلم لابد وأن يعتمد الكاميرا المحمولة، وحقيقة أن الفيلم من نوع الرعب يجعله يلتقي وفيلم
The Blair Witch Project
لكن الفارق كبير وليس شكلياً. في الفيلم الشهير لا نرى من يصوّر كل هذه الضحايا المحتملة التي تاهت في الغابة وهذا حسنته وعيبه في الوقت ذاته، أما في فيلم جورج روميرو فإننا نعرف من يصوّر وتزداد أهميّة الأسلوب واختلافه أن لديه سبباً وجيهاً لذلك٠
أحداث »مفكرة الموتى« تنتقل من موقع لآخر وهذا مختلف عن أفلام روميرو الأخرى من ذات السلسلة وهي

Night of the Living Dead (1968) ****
حيث معظم الأحداث تقع في بيت منعزل في غابات بنسلفانيا
Dawn of the Dead (1978) ****
الهاربون من الزومبيز يلجأون الى «شوبينغ مول« حيث تقع معظم أحداث الفيلم٠
Day of the Dead (1985) ***
في مؤسسة عسكرية يغزوها الزومبيز تحت الأرض٠
Land of the Dead (2004) ****
مدينة مسوّرة والأرض حولها حيث يبحث المسلّحون عن الزومبيز لقتلهم٠

هنا ننتقل من الغابة الى أحد المنازل ومن المنزل الى المستشفى ومن المستشفى الى منزل آخر ومنه الى حصن لمسلّحين أحياء. من هنا الى قصر كبير حيث تنتهي الأحداث فيه٠
الإنتقال دائماً بالحافلة وعدد أفراد فريق التصوير يتناقص تبعاً لحوادث يتعرّضون إليها. أول الضحايا ماري التي تقتل نفسها بعدما دهست زومبيز في بعد ديني مراد به تقديم طريقة تصرّف فريق من الناس٠ ثم تتوالى الخسائر لحين الوصول الى القصر الذي يملكه والدا ريدلي اللذان قضيا. ريدلي سيرحّب بالفريق لكنه في منطقة تحوّل وسينقض على رفاقه محاولاً نهشهم٠
في المشهد الأخير سوف يلجأ ثلاثة بقوا أحياءاً فقط الى غرفة محصّنة لا يمكن إقتحامها يسمونها
Panic Room
لا نعرف ما هو المستقبل بالنسبة إليهم فأبواب القصر مفتوحة والزومبيز يجولون باحثين والمخرج روميرو بذلك يختار أن العالم لا أمل له في الحياة بعد ذلك الحين٠
لكن إلى جانب بعده السياسي حول خداع الساسة والإعلام المشترك للناس، هناك الرسائل والمضامين الأخرى المستوحاة من الفكرة ذاتها: الزومبيز في أفلام روميرو قد يكونوا مخيفين، شرهين ودمويين، وأفلامه قد تكون محشية عنفاً، لكن المخرج لا يتوقّف عن الرمز. فهؤلاء المتوحّشين هم -كما نكتشف في »أرض الموتى« ومن قبل في »يوم الموتى«، هم من المهمّشين. في »أرض الموتى« يبدأ فكرهم بالتطوّر فرحلتهم لم تكن خياراً لهم، بل كانوا مدفوعين لها بسبب من جشع رأسمالي وعالم موحش حتى حين كان -ظاهرياً- سليماً٠
وفي شتّى أفلامه، عرف كيف يفتح المجال، بصورة غير مفروضة، أمام المضامين الإجتماعية التي أراد توفيرها، وهي دائماً تصب في خانات العنصرية، المسؤولية الإجتماعية، العلاقات البشرية، الفساد السياسي و-كما أوضحت- موضوع الإعلام ودوره في تزييف الحقيقة٠



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


May 28, 2009

ISUUE 421| Gilles Jacob | The Invasion of Hollywood Business |

في هذا العدد

سنوات ضوئية | نقاد فازوا بسباق الركض وممثلة مغمورة رحلت
----------------------------------------------------
لديك بريد | فرار ستيف مكوين قريباً ورأي في »غود نيوز سينما"
----------------------------------------------------
كتاب | الواقع الإفتراضي وأشباح الحياة في كتاب | عدنان مدانات
----------------------------------------------------
رسالة خاصّة | تحية تقدير الى محمد خان يوجهها ميسر مسكي
----------------------------------------------------
فيلم بزنس | هوليوود تنتج أفلاماً بلغات سواها لسد ثغرة في السوق
محمد رُضا
------------------------------------------------------
مقابلة| جيل جاكوب، رئيس أهم حدث سينمائي في العالم يتحدّث عن مهرجان "كان" وحياته فيه | هوڤيك حبشيان ٠





COVER | STORY

المخرج سام رايمي أدار ظهره للأفلام الكبيرة التي دأب على
إخراجها منذ سنوات، تحديداً سلسلة »سبايدر مان" لكي ينجز
فيلم رعب صغير الإنتاج بالمقارنة عنوانه
Drag Me to Hell
وهو أحد الأفلام التي تباشر عروضها هذا الأسبوع٠


سنوات ضوئية | محمد رضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقاد فازوا بسباق الركض

النقد، في أي مجال، مسؤولية كبيرة من حيث أن الناقد مثل القاضي عليه أن يلم تماماً بعمله ووظيفته وبالقضية
التي ينظر فيها لكي ينتهي الى قرار صائب٠
الناقد عليه أيضاً أن يتحمّل مسؤولية ما يقضي به. في بعض الأحيان، كلمته قد تحرق فيلماً كما كانت كلمة الناقد الأميركي فنسنت كانبي الذي هاجم فيلم مايكل شيمينو "بوابة الجنّة" في مطلع الثمانينات من يوم عرضه الأول فأدّى ذلك لا الى سقوط الفيلم وسحبه من دور العرض فقط، بل الى تلاشي المخرج المذكور تماما من الوجود الفعلي٠
لكن الجانب الآخر للموضوع ذاته، أن النقاد، خصوصاً غير المتبحّرين في علم السينما، يحكمون كما يحكم غيرهم ويعتبرون أنهم بذلك أصابوا. هذا يتبلور عادة في المهرجانات الكبيرة. أعرف واحداً يشاهد الفيلم لعشر دقائق وينصرف بعدها الا إذا ما تمكّن الفيلم منه، وبما أنه ذو عقل عنيد فتمكّن الفيلم منه أمر نادر. المهم يفلش هذا الشخص الصحف الفرنسية ليرى ما كتب عنه نقادها فيستخلص ويكتب٠ وهو ليس الوحيد والنقل من مصدر الى مصدر من دون إشارة او احترام أمر يتخبّط فيه قوم من كل أنحاء الدنيا. يكفي أن ترى كم عدد "النقاد" الأجانب، قبل سواهم، الذين يحرصون على قراءة نقد صحيفة "فاراياتي" التي تصدر يومياً في مهرجاني "كان" و"برلين" لأن ذلك سيساعدهم على كتابة نقدهم هم عنه٠
بالنسبة للعرب فإن الإستيحاء من والنقل عن والأستحواذ على الرأي المنشور هو سحر ينقلب على الساحر. ٠
بالنتيجة يركضون وراءهم كيفما اتجه هؤلاء، وبقياس المسافات الطويلة التي ركضوا فيها وراء النقاد الغربيين متأثّرين ولاهثين، يكونوا قد فازوا بسباق الركض. مبروك٠ الجائزة الكبرى بالونات ملوّنة يحملونها في طريق عودتهم الى قواعدهم٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفاة ممثلة

جين راندولف لم تكن معروفة حتى في الولايات المتحدة، لكنها كانت ممثلة جيّدة وهي ولدت في سنة 1919 وماتت قبل أيام قليلة ولمعت الأربعينات ثم انسحبت من التمثيل من دون سبب معروف٠
خلال ذلك العقد مثّلت ثمانية عشر فيلماً وارتقت سريعاً من دورين ثانويين أولهما في فيلم مايكل كورتيز
Dive Bomber
مع إيرول فلين وفرد مكموري، وثانيهما في فيلم
Manpower
لراوول وولش بطولة إدوارد ج. روبنسون وجورج رافت ومارلين ديتريتش وكلاهما سنة 1941. شركة
RKO
التي كانت رئيسية آنذاك، خطفتها من وورنر ومنحتها أدواراً أكبر وأول فيلم شاهدته لها (قبل مشاهدتي لفيلم
Cat People راوول وولش ذاك) كان
فيلم كلاسيكي من أفلام الرعب أخرجه سنة 1942 الفرنسي الأصل جاك تورنير من بطولة الفرنسية الأصل سيمون سيمون في البطولة ودور راندولف كان البطولة النسائية الثانية. وبما أن الفيلم لم ينته بقتلها فقد كان من المتاح إسناد دور أكبر لها في الملحق الذي خرج سنة 1944 من كم نفس المخرج تحت عنوان
The Curse of the Cat People
معظم أفلامها اللاحقة كانت صغيرة وغير جديرة، الى أن وصل الدور الى فيلم نوار أخرجه أنطوني مان هو
T- Men
سنة 1947 لكن جين لعبت دوراً مساندا صغيراً٠ ثم لعبت دوراً بارزاً في فيلم كوميدي هو "بد أبوت ولو كوستيللو يقابلان فرنكنستاين" ثم دور بطولة في آخر فيلم لها الذي عادت فيه الى سينما التشويق والفيلم نوار
Open Secret
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لبنان في هوليوود

جورج شمشوم، مخرج وصديق يعمل ويعيش في هوليوود وينجز أفلاماً لا أراها لأنه يعرضها في غيابي ولا يبعث لي بأسطوانات لاحقاً، بعث برسالة موجّهة من ساندرا أرسلانيان تفيد بأن مهرجاناً للأفلام اللبنانية سيقام على ما يبدو في لوس أنجيليس ورسالتها هي لطلب الأفلام للدورة الأولى. وهذا يجعلني أفكّر: لم لا يوجد مهرجان للفيلم العربي في هوليوود؟
هناك واحد في سان فرانسيسكو لا بأس بمستواه لكن هناك إثنا عشر مليون بشر على الأقل يسكنون في هوليوود وجوارها ليس لديهم مهرجاناً٠
وإذا كان من المتعذّر والصعب إقامة مهرجان جامع للسينما العربية، لم لا يفكّر أخواني في مصر إقامة مهرجان للسينما المصرية في المدينة؟
طبعاً ليس مهرجاناً يتم عرض أفلام من مستوي »خليك في حالك« و»خارج عن القانون« و»فول الصين العظيم«، بل ما يرتفع عن هذا المستوى- على نحو او آخر. وليكن هادفاً منذ البداية وذي صيغة تجذب المشاهد الأميركي
خاصّة وليست عامّة. يحمل قضيّة ما معكوسة في أفلام وثائقية وروائية .... لم لا؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أفلام النظارات

يقولون للمشاهدين ألبسوا نظارات ملوّنة فيلبسون نظّارات ملوّنة لأنها الطريقة الوحيدة لمشاهدة افلام الأبعاد الثلاثة. لكن ماذا لو أن الناس لم ترتح للموضوع بأسره واعتبرت أن هذا البعد الثالث النافر من الصالة هو أكثر مما يرغبونه من السينما؟
كتبت عن هذا الموضوع من قبل مرتاباً في نجاحه وفي قيمته أساساً وكيف أن المحاولات السابقة في الخمسينات سقطت على رأسها بنفس الطريقة التي تتهاوى فيها الطائرات في الأفلام. ويوم أمس قرأت مثيلاً لما كتبت في صحيفة الغارديان التي ذكّرت القراء بشيء مهم: لحين في الستينات ومطلع السبعينات جرت محاولة لجعل الأفلام تفرز روائح. طبعاً لم أكن ومجمل القراء على علم بذلك، لكني سمعت عن أحدها من قبل. المهم أن واحداً من تلك البدع كان أسمه
Smell-O- Vision
تشاهد فيلم وسترن فيه مشهد قيام رعاة بقر بتناول الفاصوليا ليلاً فتشتم رائحة الطبخ. او لمشهد دخول مزارع قن الدجاج فتشتم رائحة القن الوسخ. او ربما يخلع أحد الرجال نعليه فتشتم رائحة القدمين... منتهى الواقعية. لكن منتهى الغباء أيضاً. لكن يقال أن فيلمين فقط تم إنتاجهما على هذا النحو أخرجهما وأنتجهما شخص واحد هو وليام كاسل٠
كل روائع السينما تمّت بالبعدين ومعظمها بالأبيض والأسود. والمشكلة اليوم هي كالمشكلة بالأمس: الأبعاد الثلاثة ليست ضرورية، والفيلم الذي يمارسها إنما يخلق حاجزاً بين المشاهد والفيلم الفيلم نفسه بغنى عنه٠
الى ذلك، شاهدت صوراً منشورة لحضور "كان" التقطت خلال عرض فيلم الإفتتاح "فوق" الذي هو من جملة ما خرج وسيخرج ضمن هذه الفورة من أفلام ثلاثية الأبعاد ولم أتمالك نفسي من الضحك: أنظر الى الصورة بنفسك... الا يبدو هؤلاء أشبه بمن جاء ليحضر حفلة تنكّرية؟


لديك بريد

الصديق عبد الله العيبان من الكويت كتب قائلاًً

شكراً استاذ محمد، أمضيت معظم يومي في القراءة وإعادة القراءة للموقعين، مع المشاهدة لما يتوفر على اليوتوب من مقاطع لأفلام تذكر في مقالات الموقعين.
استمتعت بالجزء الخاص ببيرت رينولدز حقيقة،وكذلك أترقب مقالة ستيف مكوين على نار!! ياترى كيف
كانت نهايته كانسان؟ وأعدت قراءة مفهوم البطل بالحلقتين المخصصتين لذلك و أحتاج للإجابة عن هذا
The Getaway السؤال: أين ستيف مكوين في "الفرار"٠
من الإعراب؟

جواب: ها هو فيلم ستيف مكوين منشور في موقع "فيلم ريدر" وسأعمد الى مقالة عن مجمل أفلامه في هذا الموقع، وأرجوك إذا مر شهر حزيران/ يونيو ونسيت أن تذكّرني٠
فيلم "الفرار" على قائمة الأفلام التي ستعرض في صالة "فيلم ريدر" لكن هناك بضعة أفلام جديدة، وأخرى من الخمسينات والستينات ستسبقه. أنت تعلم أن الوقت لا يسمح لتغيير الفيلم أسرع وعليه أن يستوعب مدّته الزمنية على أي حال٠ أنا سعيد بإعجابك والقراء بـ "فيلم ريدر" التي تهدف لأن تكون "صالتك" المفضّلة لمشاهدة الأفلام .... ولو مكتوبة٠

من أنور سيد حسنين - مصر
أحييك على هذا المجهود الرائع بجد. حقيقة أنني منذ أن استدليت على مجلتك الإلكترونية هذه من أحد الأصدقاء وأنا أزورها كل يوم. ومن خلالها أداوم أيضاً على زيارة مجلتك الأخرى الأنيفة "فيلم ريدر"٠ ربنا يوفّقك٠
عندي سؤال عن مجلة "غود نيوز سينما" التي تصدر من مصر. معرفش إذا كنت بتابعها أم لا. ما رأيك بها؟ أنا شخصياً بشوفها مكمّلة بس مش كافية ومناش عميقة كفاية. أيه رأيك؟

جواب: هذا أفضل وصف قرأته للمجلة. رئيس تحريرها التنفيذي علاء كركوتي صديق وأعرف كم يبذخ عليها بالأفكار الجديدة وكم يجهد في سبيل تطويرها على الدوام. وبالتأكيد جهده ملموس وإيجابي، لكن الى جانب أنها ليست عميقة على نحو كاف، كما ذكرت، هي بحاجة الى ترتيب إخراجي يبرز ما فيها على نحو أفضل. تصميم أكثر هدوءاً يمنح كل قسم فيها شخصيّته المنفصلة والمنصهرة في ذات الوقت في المجلة. الصفحات النقدية خير مثال. لا تعرف متى تدلف إليها ومتى تخرج منها. لكن بغياب مجلات سينما أكثر رصانة هي جيّدة للمعلومات ولثقافة منتصف الطريق٠ أحب أن أسمع آراء أصدقاء آخرين في هذا الصدد
شكرا للتحية وآمل أن أبقى ومجلتي المتواضعتين عند حسن رأيك٠

الى س.س
لن أنشر رسالتك لأني لا أريد أن أفتح المجال أمام تعليقات في هذا المجال. كل ما ذكرته صحيح. ملاحظاتك حول الجهة التي تكتب عنها هي ذات ملاحظاتي. بخصوص منهج الإشتراك في هيئة تحكيم اتحاد النقاد الدوليين فالمختار للمهمّة في "كان" وفي بعض سواه، يتبع واحدة من ثلاث لجان ولا قرار له الا في لجنته التي يعمل في إطارها فإذا كان عضوا في لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية لا صوت له في لجنة "قسم نظرة ما" مثلاً والعكس صحيح٠
أما الفيلم الذي شاهدته ولم تتح لك معرفة عنوانه وإسم مخرجه فهو -حسب وصفك له- "الحادثة" لجوزف لوزاي من أعمال سنة 1967. ومعك حق. يجب أن أكتب شيئاً عنه. المشكلة هي أن هناك نحو 400 مخرج في هذا العالم على الكاتب السينمائي أن لا يرضى الرحيل عن الدنيا قبل أن يكتب عن عنهم٠ أين يكمن لوزاي؟ ليس في العشرين الأول بالنسبة إليّ٠


مقابلة | هوڤيك حبشيان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رئيس مهرجان كان جيل جاكوب في مقابلة خاصّة


  • ثمة صحافيون لا يزالون يؤمنون بأن السينما ماتت لدى موت هيتشكوك وفورد
  • الأسماء الشهيرة تجذب الصحافة والتلفزيونات والجمهور العريض٠
  • الأفلام المتألقة هي من اخراج شباب. فيما السينمائيون المكرسون يفقدون بريقهم مع السنّ
  • ليس صحيحاً أن كل فيلم عربي ينبغي أن يقابل بفيلم اسرائيلي فهذا تصرّف غبي ومجرم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تمهيد
كنت قررت الإكتفاء بما تم نشره هنا عن مهرجان كان الى أن قرأت للزميل هوڤيك حبشيان هذه المقابلة التي نشرت يوم الخميس الماضي في صحيفة "النهار" اللبنانية٠استوقفتني المقابلة لأهمية الاسئلة المطروحة وأهمية الإجابات عليها التي تكشف عن جوانب مجهولة من آراء رجل السينما رقم واحد في العالم اليوم. لذلك أسارع بإعادة نشرها لتوسيع نشر ما تحتويه من معلومات وثقافة محيياً الزميل حبشيان على
اللقاء الجيّد- محمد رُضا٠

في السابعة من كل مساء، وفي اعلى السجادة الحمراء المفضية الى قصر مهرجان كانّ السينمائي، ثمة رجل ذو قامة طويلة، ابيض السحنة، هادئ وخال من كل نزعة استعراضية، يستقبل بالسموكينغ وربطة العنق، فريق عمل الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية، فيما الشمس تبدأ في الانزلاق خلف آفاق 32 عاماً، تاريخ توليه منصب الأمين العام لأكبر المهرجانات السينمائية في العالم . إنه جيل جاكوب (يبلغ الثمانين قريباً)، واقفاً هنا، يبتسم بطريقته الديبلوماسية المعتادة للكاميرات ولكل هذه الاسماء الكبيرة التي تأتي الى ضفاف الريفييرا الفرنسية لاعادة كتابة تاريخ السينما. أحياناً يستقبلهم من دون اكتراث كبير، لأنه يعتبر أن مهمته تنتهي مع بدء المهرجان في منتصف شهر ايار من كل عام٠

هذا المقرّب من أكبر نجوم العالم، من شارون ستون الى كلينت ايستوود، وهذا الناقد السابق الذي اصبح رئيساً للمهرجان منذ 2001 تاركاً لتييري فريمو مهمة اتمام التشكيلة الرسمية، استطاع أن يحول أرض الميعاد السينمائية هذه أرضاً محايدة، حيث للسينما والسينمائيين الكلمة الفصل، علماً ان الفضل يعود اليه في إبعاد النفوذ السياسي عن كانّ، كما كانت الحال في العهود السابقة، وخصوصاً بعد تسليم الدفة الاقتصادية الى القطاع الخاص (قنال بلوس، لوريال، رونو، شوبار، الخطوط الجوية الفرنسية) الذي يمول نصف موازنة المهرجان البالغة 20 مليون أورو٠
لجاكوب حكاية غرام طويلة مع السينما، يروي فصولها المختلفة في كتابه الأخير "ستمر الحياة كالحلم"، الذي يترجح بين العام والخاص، ويتضمن طرائف وأسراراً. من عائلة يهودية ميسورة، كانت ضحية النازية، شب جاكوب بين نيس وباريس، وعاصر اسياد الموجة الجديدة، ولا سيما كلود شابرول وفرنسوا تروفو، والأخير نشر له مقالات في أول مجلة سينمائية ابتكرها . بعدما باع ممتلكات العائلة من الاميركيين، دخل جاكوب عام 1949
مجلة "الاكسبرس" لكنه اضطر الى تركها، بعد شتمه فيلم "رواية أو" الايروتيكي وتوجهه بالمديح الى أفلام وودي آلن! من هذه" المرحلة من حياته، استقى سيناريو كتبه مع ابنه وتحول فيلماً تحت ادارة فرنسيس بيران. وعندما تسلم في الثلاثين من أيلول سنة 1977، الامانة العامة لمهرجان كانّ، منح فرصا مصيرية لأفلام كانت لتلقى قدراً مشؤوماً لولاه، أهمها: "القيامة الآن" لكوبولا؛ "الطبل" لشلوندورف؛ "هير" لفورمان؛ و"بروفا اوركسترا" لفيلليني٠

على مدار ربع قرن من العمل الدؤوب في كواليس كانّ، استطاع مع رئيس المهرجان بيار فيو، على فتح هذه التظاهرة السينمائية الكبرى أمام العالم الاوسع، مانحاً السينمائيين السلطة لا المنتجين. وبعد سنتين من توليه منصبه، ابتكر ما بات يعرف اليوم بـ"الكاميرا الذهب" (جائزة أول فيلم) وايضاً دشن قسم نظرة ما" الذي صار غنيّا عن التعريف. انه كذلك الرجل خلف " فكرة "درس السينما" و"سينيفونداسوين". في عهده تحول كانّ الى اهم تظاهرة ثقافية في العالم، وثاني أهم حدث اعلامي بعد مونديال كرة القدم. في الشهر الرابع من هذه السنة، على اثر اعلان البرنامج الرسمي للدورة التي أنتهت قبل ايام قليلة، قدّم جاكوب رؤية جديدة للشكل الذي سيتخذه المهرجان في السنوات المقبلة: المزيد من الاهتمام بسينما المؤلف. وحين عبّرنا عن رغبتنا في معرفة المزيد عن هذه الرؤية الجديدة، وجدنا مكاتب جيل جاكوب مفتوحة أمامنا لهذا الحوار الخاص

هل يمكن اعتبار الافتتاحية التي كتبتها لدورة
هذه السنة بمنزلة مانيفستو لما سيكون عليه
المهرجان في السنوات المقبلة؟

يمكننا أن نرى في هذه الافتتاحية قلقاً ما على سينما المؤلف. وقد أردت أن أسلط الضوء على مجموعة من الهوامش، منها التمويل في البلدان الفقيرة وتشجيع المواهب ومراكز الثقل الجديدة في السينما العالمية. لا شك في انني لن اتطرق الى المشكلة بكلام أفضل مما تطرقت اليه كتابة (ضحك)٠

لاحظنا هذه السنة ان النجوم اقلّ وعدد افلام
المؤلفين الى ازدياد هذا كله في ظل عودة
الجهابذة الذين اعتدنا حضورهم المتكرر في
كانّ دورة بعد دورة٠

النجوم ضرورة. الأسماء الشهيرة تجذب الصحافة والتلفزيونات والجمهور العريض. وفي كل مرة يكون لنا فيلم ابطاله من النجوم، فإننا نختاره، شرط ان يكون جيداً، ولا نختار مثلاً فيلماً لأن فيه نجمة جميلة ومثيرة. ليست هذه معاييرنا. وكثيراً ما تساعد أفلام النجوم هذه، الأميركية الصنع، والعالمية الهوى، في تمرير الأفلام الصغيرة التي تأتينا من بلدان بعيدة. هذه الأفلام جزء من تاريخ كانّ المجيد. الأهم أن يكون هنالك توازن بين النهجين. اختصاراً، اذا كان عدد أفلام النجوم أقل هذه السنة، فالسبب هو انها لم تكن جاهزة، وهذا لا يعني اننا كنا نسعى الى جعلها كذلك٠


ما هي التوجهات العامة للبرنامج الرسمي في
الدورة الحالية، وما ابرز خطوطها العريضة؟

لست أنا من يختار الأفلام بل تييري فريمو، وهذا يعني انني لم أشاهد كل ما يعرض في هذه الدورة. اللافت أن هنالك الكثير من الأفلام التي تتخطى مدتها الساعتين، مما يدلّ على ان ما من منتج خلف هؤلاء السينمائيين، يضيّق الخناق عليهم. ونلاحظ ايضاً أن معظم الافلام تدور في الحقبة الراهنة، وهي مناسبة لنطّلع على مشكلات في أنحاء كثيرة من العالم. علماً ان هناك فيلم جاين كامبيون في المسابقة الذي شاهدته ليلة أمس، وأستطيع القول إني قلما شاهدت الحبّ الرومنطيقي موصوفاً على النحو الذي وصفته المخرجة الاوسترالية. أنا مع كل الأنواع السينمائية ما دامت الموهبة هي محركها٠

قليلة أيضاً الأفلام البواكير، في الاختيار الرسمي
ثلاثة في الحصيلة!٠
هذا ليس بالعدد الكافي، علماً ان ثمة أفلاماً أولى لمخرجين جدد في أقسام موازية. لذا لجأت قبل بضعة أعوام الى اختراع جائزة الكاميرا الذهب" التي تهدف الى تشجيع المواهب الفتية. اذاً، " تستطيع أن تقول انني مهموم منذ زمن بعيد بعملية تجديد الأجيال المختلفة من السينمائيين، سواء في البلدان المتطورة أو النامية. وعلى رغم ذلك أعترف أن ثلاثة أفلام أولى في التشكيلة الرسمية ليست كافية. في مسابقتنا هذه عشرين فيلماً

قبل بضع سنوات كان المهرجان منصة لجيل جديد من
السينمائيين. هل عودة المكرسين في هذه الدورة، دلالة
على أنكم لم تكتشفوا هذه السنة أي جديد يذكر؟

الاسماء الكبيرة تنجز فيلماً جديداً مرة كل عامين أو ثلاثة. لذا، يعودون الينا فور انتهائهم من انجاز الفيلم. ولما كانت هذه الافلام جيدة، فليس في المستطاع رفضها. وهذا يجعل الأماكن قليلة للجيل الصاعد. وإذ نأخذ الكبار، نتلقى انتقادات مفادها أننا منحازون الى السهولة. وفي دورة أخرى، عندما تغيب اسماء كبيرة، ويكون هنالك اكتشافات فحسب، نسمع كلاماً فحواه أن كانّ لم يعد ما كانه قبلاً وان الدورة باهتة. لا تستطيع أن ترضي الجميع في الآن نفسه. نحن نترجح بين الاسماء الكبيرة والأخرى التي تصل حديثاً. وليس هنالك البواكير وحدها. ثمة أيضاً الفيلم الثاني أو الثالث ينجزه مخرج. الشهرة العالمية لا تكتسب بفيلم واحد، الا اذا كان يتحلى المرء بموهبة اورسون ويلز. اذاً، الشهرة تُصنَع. ونحن هنا لمرافقة السينمائيين في مرورهم من الظلّ الى الضوء. بعضهم قدّم عشرة أفلام أو عشرين في كانّ، قبل أن يطير صيته عالمياً٠

في الدورة الماضية بلغ عدد الأفلام المُتسابقة 22
في هذا الدورة انخفض الى عشرين. هل السبب
أنكم لم تجدوا أفلاماً تستحق أن تتسابق أم أنكم
أردتم برنامجاً مقتضباً؟

الاثنان معاً. لا نريد ان نثقل كواهل المشاركين. ونسعى الى أن لا يكون هناك عرض لأكثر من فيلمين متسابقين في اليوم الواحد. نريد أن يكون البرنامج على نحو يتيح للصحافيين ان يروا اشياء أخرى الى جانب المسابقة وأن يكتبوا ويستمتعوا ويتبادلوا الاحاديث. يجب أن تحافظ الأشياء على حجمها الانساني. وعلى رغم التصاعد الدائم لعدد الأفلام المنتجة في العالم، نحرص على ان يكون كانّ مهرجان اختيارات لا "مهرجان معرض". وأعتقد ان المرء يمكنه بعد مشاهدة فيلمين أو ثلاثة في اليوم الواحد، أن يخرج برؤية شاملة لما يحدث في عالم السينما٠
نلاحظ أيضاً أن الأفلام المتألقة هي في احايين كثيرة من اخراج شباب. فيما السينمائيون المكرسون يفقدون بريقهم مع السنّ. أكبر مثال على ذلك، كوبولا الذي بعد نيله سعفتين لم يعد كما كان٠

كل عام تعرض مئات الأفلام في كانّ، لكن هذا
لا يمنع بعض المتذمرين من اعلان موت السينما...٠

النوستالجيون كثر. ثمة صحافيون لا يزالون يؤمنون بأن السينما ماتت لدى موت هيتشكوك وفورد. لا ارى السينما من هذا المنظار، بل أجدها فناً يتطور في استمرار، وتجدد نفسها دائماً. انها في نهاية المطاف فنّ شاب، لكن اللافت ان جغرافيتها لا تتوقف عن التغيير. اي ان الأمكنة التي تأتي منها السينما الشائقة والمثيرة للاهتمام لا تبقى هي هي. السينما التي تعجب ذائقتنا السينيفيلية تأتينا من بلدان مثل رومانيا والفيليبين واسرائيل، ونأمل أن تأتي غداً من بلدكم لبنان. كانّ ليس واجهة لما يُصنع اليوم من سينما مهمة في العالم فحسب. بل هو واجهة لما يُصنع غداً. الطريقة المثلى لمعرفة اين يكون مركز السينما هي الـ"سينيفونداسيون"، لكون هذا القسم مخصصاً للطلاب وأفلامهم. وهؤلاء الطلاب هم الذين سيغذون شاشات كانّ مستقبلاً٠

عندما تنعت المتذمرين بالنوستالجيين، هل
يعني هذا انك لست نوستالجياً؟
لا. أحياناً اشعر بشيء من الحزن والكآبة بسبب العمر، لكن لا أحن الى الماضي. طبعاً أعرف انه كان هناك سينمائيون كبار وان هذا الزمن ولى الى غير عودة. هؤلاء كانوا رواداً. في خمسينات القرن العشرين، في أولى سنوات كانّ، كان قد مرّ على بدايات السينما نحو نصف قرن، وكان لا يزال هنالك عباقرة لا يتكررون. اليوم، بات الأمر صعباً الا اذا كنت آسيوياً. بعض هؤلاء تأثر بالسينما الأوروبية، ونجده اليوم يجرّب اشياء كثيرة، منهم مَن يفشل ومنهم مَن يشق طريقه الى النجاح. وهذا اعشقه جداً، فأكثر ما يستهويني هو التجريب في السينما التجارية٠

لكن، ألا يزال اليوم عباقرة ينطلقون من كانّ كما في السابق؟
سنحصل الجواب عن هذا السؤال بعد عشرين عاماً. عندما شاهدنا المواطن كاين"، قيل إن اورسون ويلز نسخ ما نراه في الفيلم من فيلم آخر. لكن في الواقع كان قد ابتكر كل شيء، متعاوناً مع مدير التصوير الذي عمل واياه في السينما إما نعثر على اخراج مسطح كما هي الحال في الأفلام التلفزيونية، وإما نجد سينمائياً لديه حسّ جمالي عال، فيكون في فيلمه بُعد بصري

أما لا تزال مشغوفاً بمشاهدة الأفلام؟
لا يمر يوم واحد من دون أن اشاهد شيئاً ما. منزلي مجهز على نحو يتيح لي مشاهدة أفلام على "دي في دي". لديّ شاشة كبيرة. وغالباً اشاهد ربع ساعة من هنا، نصف ساعة من هناك، لأرى اذا كانت نظرتي اليه تغيرت، بعد مرور فترة على مشاهدتي الفيلم. الى المشاهدة النهمة، انا أيضاً صانع صور، اذ انجز افلاماً مونتاجية مؤلفة من مشاهد افلام، واسعى من خلالها الى "سرقة" مواهب الآخرين. وأنا موهوب جداً في السرقة (ضحك). يسعدني أن أجمع صور الآخرين٠

هذا عنوان جميل للحوار!... أحياناً حين تكون التشكيلة
الرسمية تليق بذوق النقاد، نسمعهم يقولون ان السينما
في ألف خير، وعندما لا يعجبهم ما تختارونه، يلقون
اللوم عليكم وعلى اختياراتكم "غير الصائبة"...٠

هذا أمر طريف أسمعه دائماً. لكنه لا يغضبني. مضى على وجودي 28 عاماً. قبل ذلك كنت صحافياً. واستطيع ان اقول انني لطالما احترمت آراء الصحافيين، حتى حين كنت اخالفهم أحياناً. لا أعتقد أن هناك صواباً وخطأ في هذه الأمور نخرج من الفيلم ولكل منا رأي متضارب مع رأي الآخر. من الذي على حق؟ . قد نعرف الجواب بعد عشرين عاماً لأن العمل الذي أقوم به لا يستند الى علم، لديَّ مثلكم مشاعر، احياناً تخطئ واحياناً تصيب٠

قبل ترؤسك ادارة المهرجان، كنت تأتي اليه صحافياً منذ
العام 1964. وهذا ما يمنح أبناء المهنة الأمل في
أن يتحول الواحد منهم يوماً الى مدير مهرجان كانّ

كل صحافي يغطي كانّ هو مدير مهرجان على طريقته. إما مدير - مكبوت وإما مدير من حيث لا يدري. ففي الواقع كل صحافي يملك ثقافة سينمائية يستطيع أن يهتم بالتشكيلات الرسمية في مليون نسمة، المهرجانات. ثمة مقولة قديمة مفادها ان في فرنسا 65 مليون ناقد سينمائي ٠

فرنسوا تروفو كان يقول: لكل فرنسي مهنتان، مهنته
الاصلية والنقد السينمائي. في كل حال، أليس من
المزعج ان يعمل المرء سنة كاملة من أجل اثني عشر يوماً؟

يقلقنا هذا الجانب من عملنا. فاذا حصل شيء ما أعاق انعقاد المهرجان، فتكون قد عملت سنة كاملة من أجل لا شيء. في كل المهن، اذا منعتك حادثة من مواصلة نشاطك اليوم، فتستطيع ان تواصلها غداً. أما نحن فتتحول المسألة عندنا دراما٠

ماذا عن تأثيرات الأزمة الاقتصادية في الدورة الحالية؟
الأزمة الاقتصادية تأخرت كثيراً كي يكون لها مردود سلبي على المهرجان. والآثار السلبية الوحيدة التي نلاحظها هي تراجع طفيف في عدد المشاركين. أما البرنامج، فلم يتأثر بها البتة، لأنه عندما وقعت الأزمة كان سبق أن أعددنا قائمة الأفلام المشاركة. لكن لا نعرف ماذا يكون مدى التأثير على دورة السنة المقبلة. لننتظر ونر. بعض الموازنات العامة المعطاة لنا خفضت وعوّضت بموازنة خاصة حصلنا عليها قبل الأزمة، علماً ان الحصول عليها اليوم امر في منتهى الصعوبة. اذاً، بالنسبة الينا لم تكن الأزمة مشكلة كبرى، لكن عيوننا ستبقى ساهرة على المستقبل٠


ما الذي تغير منذ تاريخ تولّيك المناصب العليا في كانّ

الى الآن؟
ما الذي تغير؟ كل شيء. بدءاً بارتياد الصالات وصولاً الى الطريقة التي تعالج فيها الأمور، مروراً بتكاثر كل النشاطات التي تعقد على هامش المهرجان من دروس سينما ومعارض. حاولنا وجربنا وتخيّلنا كل ما يمكن محاولته وتجربته وتخيّله في هذا المجال. طورنا سوق الفيلم وعززنا حضور محطات التلفزة. الصحافة هي بدروها تغيرت واصبح هناك الانترنت والكومبيوتر٠

هل تسند الانترنت المهرجان أم تسيء اليه؟
سؤال جيّد، لكن لا اعرف حقاً. الانترنت تشبه خلية نحل، مع عدد هائل من الكتّاب الذين سيصبحون لاحقاً نقاداً سينمائيين. الايجابي في المدونات انها تنهض على قدر كبير من التفاعلية، لكن في المقابل، المدونون يتبنون الازدراء والهزء والسطحية. من السهل جداً القول عن مهرجاننا انه منصة للنجوم والبهرجة. وأنا أحترم الاراء كافة، حتى عندما يهاجمون المهرجان. لكن يجب ان يكون صاحب الرأي متخصصا٠

هل "السعفة الذهب" هي جائزة سياسية
بحسب ما يدعي البعض؟
آمل الا تكون. اعرف أنها سُيّست عندما نالها "فهرنهايت 9/11" لمايكل مور، على رغم أن لجنة التحكيم التي منحت الجائزة ترأسها آنذاك كوانتن تارانتينو قالت ان للفيلم مزايا جمالية، وهذا ما اعتبره غير صحيح. الفيلم الذي يجب ان ينال "السعفة" هو فيلم ينبغي أن نبقى فخورين به بعد عقد أو عقدين أو ثلاثة. منذ نحو ثلاثة عقود وأنا أشغل هذا المنصب، أتحدى أن يأتي احد الذين ترأسوا لجنة التحكيم ويقول إننا مارسنا ضغوطاً عليه. ذلك اننا لا نريد أن نمارس ضغوطاً، كما فعل أسلافنا في كانّ٠

ثمة متطرفون عرب يدعون بأن "السعفة" سياسية، وأن
أفلامهم لا تصل الى المسابقة لأسباب جيوسياسية، وإن
وصل واحد منها، فيجب أن يكون هناك في المقابل
فيلم اسرائيلي... ٠

هذا ادعاء باطل. ولتأكيد ذلك فمخرج عربي مثل محمد لخضر - حمينا سبق أن نال "سعفة" كانّ، وأتمنى ان ينالها أيضاً عرب آخرون. أما أن كل فيلم عربي ينبغي أن يقابل بفيلم اسرائيلي فهذا ليس صحيحاً، ويكفي أن يعود المرء الى تاريخ هذا المهرجان. تشكيلة كانّ الرسمية صعبة الانجاز، ولا سيما مع التراجع الاوروبي والصعود الآسيوي، ووسط هذا كله لا يمكن ان نتجاهل العالم العربي؛ فهذا كان ليكون تصرفاً غبياً ومجرماً وينم عن جنون. لكن، في مقابل ذلك لا نريد أن ننجرف الى الديماغوجية، ولا نريد أن نختار الأفلام لأنها من هذا البلد أو ذاك. نريد للسينمائيين الذين يرغبون المشاركة في مهرجان كانّ أن يرتقوا الى المستوى العالمي في كيفية صناعة الصورة. وقد لا يعني عدم اختيارنا أفلام البعض منهم أننا على حقّ. فجزء من هؤلاء سيذهب الى البندقية أو برلين، ليقتنص فيهما الفرص والجوائز٠

ما سبب تفوق كانّ على المهرجانات الأخرى؟ وماذا
عن الحرب الجارية بين برلين والبندقية. أهي حرب خفية؟

ليست حرباً خفية بل مفتوحة. انها منافسة، اذاً هي حرب. في كل حال، ليس من معركة من جانبنا. المهرجانات في العالم أصبحت كثيرة، وليس هنالك عدد كاف من الأفلام لجميعها. نحن نتقاضى أجراً من أجل هذا. ليس أنا تحديداً لأن الرئيس في كانّ متطوع. اذا نحن هنا، فلكي نتمم افضل تشكيلة ممكنة، ونصبح الاوائل، والأهم ان نبقى [مع الاصرار على كلمة "نبقى"] الاوائل. اما الاسباب التي تجعل منا الاوائل، فهنالك مجموعة معايير: هناك اولاً عدد المشاهدين؛ ثانياً عدد وسائل الاعلام؛ ثالثاً عدد الشاشات؛ رابعاً عدد وحدات السكن او الفنادق؛ خامساً طبيعة المدينة؛ سادساً سوق الفيلم. واذا أجريت امتحاناً صغيراً، تكتشف أن مهرجان كانّ متفوق في هذه المجالات كلها. ونحن نبذل جهوداً جبارة لنبقى على ما نحن عليه. مهرجان كالبندقية مثلا يعلم تماماً انه يجب عاجلاً أو آجلاً ان تكون له سوق للفيلم، اذا اراد احتضان محترفي السينما. عائق آخر، هذه المرة في برلين، هو الطقس البارد، وليس من حلّ حياله. الجوّ الذي نعمل انا وانت فيه، في كانّ، يجعلنا لا نشعر بأننا نعمل، بالقرب من الشواطئ وتحت اشعة الشمس. المنظر أيضاً خلاب: البحر والسفن، الخ. للمناسبة، احدى الضربات البشعة من زملائنا في برلين قولهم لديهم في مهرجان كانّ السجادة الحمراء ونحن الأفلام". هذا طريف، " لكنه بعيد من الحقيقة٠

رجل مثلك ينام على سلطة "مطلقة" في عالم
السينما، كيف • تستخدم سلطتك؟
سلطتنا كامنة في اختيار فيلم وعدم اختياره في مسابقة كانّ.- فمن الواضح ان كل فيلم يعرض هنا سيتاح له ان يحاط باهتمام اعلامي وعالمي واسع. على رغم السلطة المنوطة بنا، نحاول أن نبقى منصفين الى مدى بعيد. والا نخطئ، لأن الخطأ وارد في مجال عملنا، والأهم ان نستفيد من أخطائنا، لعدم تكرارها من جديد. وأيضاً ان نساعد الأفلام على العيش والبقاء، وان نكون سنداً للسينمائيين، فهؤلاء اناس يعانون الوجع وينبغي ان نكون منبرهم المفتوح. عندما يصل بك الامر لتدرك أن مخرجاً يجوب ساعة، بفضل اختيارك له24 دولة في 30العالم ويباع فيلمه من في المسابقة الرسمية لمهرجان كانّ، فإنك تقول في قرارة نفسك: "ها اني افيد في شيء". في خاتمة الأمر، نحن لا نجسد الموهبة، بل نساعد الموهبة لتكون٠


فيلم بزنس | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوليوود تغزو العالم بلغاتها المختلفة والشرط هو قوّة السوق

Keinohrhasen

بين التقسيمات المختلفة لتاريخ هوليوود والمراحل المتعددة لها، هناك التقسيم الناشيء حديثاً وهو التالي

الإكتفاء الهوليوودي بنفسها. معنى ذلك: تنتج هوليوود للسوق الأميركية أولاً وتموّل أفلامها بنفسها -
ولو أنها توزّع ما تنتجه أميركياً حول العالم. هذه المرحلة بدأت من الثلاثينات واستمرت -كاملة- الى التسعينات٠

مرحلة البحث عن تمويل خارجي: هذه المرحلة الحديثة نسبياً بدأت في التسعينات وفيها لجأت هوليوود -
ومجموعة المنتجين الجدد فيها الى توسيع دائرة التمويل بالبحث عن مصادر أوروبية وشرق آسيوية. وهي مرحلة لا زالت مستمرّة لكن حجمها محصور بالمناسبات المحددة إذ اكتشفت هوليوود أن الفيلم الأميركي عليه أن يكون أميركياً في المقام الأول لنجاحه. حالما يتّخذ -بسبب مخرجه او تدخل رأسالمال الأجنبي- صيغة أوروبية فإن مصيره في شبّاك التذاكر محدود (مثال: "الغزو" الذي جلبت له هوليوود شركاء أوروبيين ومخرج أوروبي وفشل عالمي)٠

مرحلة تمويل الأفلام الأجنبية: هذه المرحلة هي الأحدث اليوم وهي مثار اهتمام هوليوود ومنتجيها وهي لا -
تزال في مطلعها وفيها الإستعداد لتمويل أفلام أجنبية بلغاتها وثقافاتها طبعاً ليس حبّاً بالثقافة العالمية بل لأن هناك فائدة تُجنى وراء ذلك٠

Keinohrhasen خذ مثلاً الفيلم الألماني "أرنب بلا أذنان" او
إنه فيلم رومانسي مع لمسات كوميدية، تم عرضه في العام الماضي، يحمل كل ما تعرفه السينما الألمانية التجارية من تنميط لم يناسب يوماً سوى ذوق جمهورها المحلي. وورنر قامت بتمويله والممثل الألماني الشاب تِل شوايغر قام ببطولته والفيلم جلب أكثر من ستين مليون دولار حين عرضه٠
الفيلم الذي حمل عنواناً آخر هو "أرنب بلا أذنين" يستعير من هوليوود الحبكة الخفيفة التي يمكن تطبيقها في أفلام اسبانية ومصرية وهندية وفرنسية أيضاً: شاب (شوايغر طبعاً الذي أخرج كذلك الفيلم) حول ذلك الشاب الذي حكم عليه لجناية خفيفة بتمضية 300 ساعة في العمل الإصلاحي عوض سجنه لثمانية أشهر. هناك يلتقي بالفتاة التي تناصبه العداء لكنك تعرف من اللحظة الأولى أنها ذات الفتاة التي ستقع في حبّه بعد حين٠

أرقام أوروبية
لقد اكتشفت هوليوود في سياق قرارها بتميل أفلام أجنبية أن الناس يحبّون الأفلام التي تحمل ثقافاتهم بلا ريب٠ لكن هذا ليس كل شيء. نفس الجمهور الذي يحب أن يشاهد الأفلام الألمانية في ألمانيا والفرنسية في فرنسا والإيطالية في إيطاليا، الى آخر المنوال، هم أيضاً يحبّون مشاهدة الأفلام الأميركية التقليدية. إذاً الخيط الذي سحبته هوليوود حيال مسألة تنفيذ هذه المهمّة في بلاد الآخرين هو استبعاد أي فيلم ذي عناصر فنية مهمّة او قويّة والإقبال على تلك التي تحمل ذات الخيوط المشتركة مع معظم ما تحققه هوليوود من أفلام أميركية٠ بذلك توحّد بين المفاهيم الثقافية على نحو عريض فتبقي، من ناحية، على العناصر التي تشكّل الهوية الخاصة بالفيلم الذي تموّله، وتشجع، من ناحية أخرى، عملية تحقيق أفلام مثالها الأعلى ونموذجها الخاص هو الأفلام الأميركية ذاتها٠
وهذا يأتي في الوقت الذي بات مؤكداً فيه أن الإقبال على صالات السينما في العواصم والمدن الأوروبية الرئيسية بات الأعلى خارج الولايات المتحدة٠
وللتفسير، فإن السوق الفرنسية وحدها، حسب مصادر السوق السينمائي، استطاعت أن تحتل الرقم الأول في العام الماضي كنسبة إقبال بين الدول العالمية. لكن هذا العام، وحتى الآن، فإن أوروبا كلها -مجتمعة- باتت هي الأولى عوضاً عن دول جنوب شرق آسيا٠
بالنسبة لهوليوود فإن هذا أمر بالغ الأهمية. فنسبة إيراداتها من السوق الأوروبي وحده ارتفعت عبر الأعوام الماضية لتشكّل ثلثي نسبتها من السوق الأميركي ذاته (مجمل الإيرادات السينمائية وحدها - أي من دون سوق الأسطوانات- يبلغ داخل أميركا نحو 9 بلايين دولار سنوياً. العائد العالمي نحو 6 بلايين دولار٠
وفي حين لا زالت نسبة الإقبال الأوروبي على الأفلام الأوروبية تصل الى ما يتراوح بين 28 بالمئة الى 35 بالمئة، حسب البلد ذاته، فإن الإقبال الأوروبي على الإنتاج الأميركي يصل الى أكثر من 40 بالمئة وأحياناً ما يجاور الخمسين بالمئة من قيمة الأسواق المحلية٠
إذاً، ما تستفيد منه السينما الأميركية من نتائج إذا هي موّلت أفلاماً اسبانية او فرنسية او بريطانية او ألمانية هو الإستثمار في سوق ناجح ٠
في هذا الشأن، فإن دراسات "مركز المراقبة البصر-سمعي" ومقّره ستراسبورغ يُشير الى أن ارتفاعاً قدره 7 بالمئة في عدد الإنتاجات السنوية من الأفلام الأوروبية يحدث كل عام من العام 2004. بالتالي، عدد الأفلام التي تم إنتاجها في أوروبا وحدها السنة الماضية، 2008، هو: 1145 فيلماً٠

No Name

الهجمة
على أن المسألة ليست مجرد إنتاج مفتوح على كل من لديه فيلماً يريد إنجازه٠
لقد درست هوليوود طويلاً نوعية الأفلام الأميركية التي تنجح في أوروبا وتلك التي تفشل ووجدت أن ما ينجح أوروبياً هو أفلام الأكشن والخيال العلمي والإنتاجات الضخمة والدراميات التي تتولاّها عناصر إنتاجية كبيرة. ما الذي يفشل إذاً؟
الأفلام الهوليوودية الكوميدية الخفيفة والأفلام العاطفية الرقيقة والأفلام الرياضية وكل ما تنتجه هوليوود من أفلام لا تحمل شروط الإنتاج الكبير. إذاً؟ لتوافق هوليوود على إنتاج أفلام من هذه "الموديلات" إنما تكون أوروبية لأنه ثبت من مراقبة النتائج أن الجمهور الفرنسي او الألماني او التركي يفضّل أفلامه هو حين يريد مشاهدة ما هو عاطفي او كوميدي. النكتة في الأفلام الكوميدية مثلاً تصل محافظة على وقعها والقصّة العاطفية تكون قابلة للتصديق أكثر٠
لهذا "أرنب بلا أذنين" كان أحد الأفلام الأولى حديثاً في هذا الإطار٠
هذا الفيلم من إنتاج وورنر بينما صوني تعمل على إنجاز فيلم ألماني آخر مع تيل شوايغر نفسه عنوانه
Freundschaft
علماً بأن هناك فيلماً ألمانياً تم إنجازه مع طاقم مختلف (ولا ندري إذا ما كانت القصّة مختلفة) بنفس العنوان وذلك قبل أربع سنوات٠
ومثل وورنر وصوني هناك يونيفرسال التي تعمل على دراسة مشاريع ألمانية وفرنسية وأسبانية علماً بأن المرء إذا ما توقّع أن تكون عملية إبرام العقود والمرور عبر دهاليز التفاصيل معقّدة في ألمانيا أكثر من سواها، فإنه سيكتشف أنها أكثر تعقيداً في فرنسا مثلاً بسبب وجود قانون جديد أبرم مؤخراً مفاده أن العائدات الضرائبية تُلغى في حال استناد التمويل على جانب غير فرنسي بنسبة غالبة. هذا يعمل ضد قانون سابق أخف وطأة. أما في أسبانيا فالأزمة الإقتصادية وحدها التي تجعل الإتفافات محصورة حالياً بما هو مؤكد من رواجه المحتمل٠
بالنسبة للسوق الألمانية فإن الإقبال على الأفلام المحلية ساعد حالة رواج بلغت نسبتها في العام الماضي 27 بالمئة أكثر مما كانت عليه منذ بداية العقد الحالي٠

واقع عربي
الإهتمام بالتمويل في الخارج ليس حكراً على أوروبا بل هو حيثما وُجدت سوق قوية يمكن لها أن تعود بالفائدة٠ خذ مثلاً التمويل الجديد لفيلم "بلا إسم". إنه فيلم مكسيكي لكاري هوي فوكوناغا حول فتاة من الهندوراس تلتقي بأبيها بعد فراق طويل وتجده على أهبّة الإنتقال الى الولايات المتحدة في هجرة غير شرعية. أمامها خيار أن تلتحق به وبذلك تحقق حلماً راودها منذ فترة بعيدة بحياة أفضل، او أن تتجنّب مخاطر الرحلة تلك٠
والإستفادة من الفيلم المكسيكي متعددة بالنسبة لفيلم أميركي وذلك بتعدد الأسواق الناطقة بها. ففي الأساس، هناك السوق المكسيكي النشط، يتبعه السوق اللاتيني الكبير ومن بعد ذلك هناك سوقاً لاتينياً ينشط باضطراد داخل الولايات المتحدة ذاتها٠
لب المسألة مثير للإهتمام في نهاية المطاف٠
الظاهرة التي تقودها هوليوود الآن متّصلة بقيمة السوق الذي تعمل فيها ما يدفع بالسؤال الجوهري: أين تكمن السوق العربية في سياق هذا الإهتمام؟
الجواب الأسرع هو أنها لا تكمن٠
وفي التفاصيل تكمن بضعة أسباب أساسية: السوق العربية نشطة حيال الفيلم الأميركي بلا ريب، لكنها ليست ذات حجم كبير. مجموع ما تورده من إيرادات لا يزال منخفضاً بالمقارنة مع الأسواق الأوروبية او اللاتينية او الآسيوية. وهو منخفض أكثر بسبب القرصنة النشطة٠
من ناحية مهمّة أخرى، لا يوجد في العالم العربي منتجون خبراء بل منتجون في أفضل أحوالهم نصف محترفين٠ وهذا لا يعني أن نصف احترافهم يعني احترافاً مقبولاً على الصعيد العربي. المشكلة هي أنه هذا الصعيد لا يكفي لتطبيقه عالمياً٠
والمموّل الأجنبي، من أين بقعة جاء منها، يريد، حين البحث عن احتمال تمويل فيلم أجنبي، التعامل مع منتجين محترفين والا لن يغطس في شرك محتمل٠
هذا ما يضعنا في مواجهة المشاريع التي تصبو اليها بعض دول المنطقة حيث الصورة لا تزال داكنة رغم كل ذلك النشاط الذي نسمع به٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular