Dec 9, 2009

YEAR 3 | ISSUE 473: مهرجان دبي السينمائي - اليوم الأول


من فيلم روب مارشال "تسعة" الذي افتتح مهرجان دبي في دورته السادسة



مرّة أخرى أتسلل هرباً من مسؤولياتي في "جمعية الصحافة الأجنبية في هوليوود" لأحضر مهرجان دبي السينمائي في دورته السادسة. آخر ما قمت به هناك  قبل توجّهي الى المطار، هو ترشيحي للأفلام والشخصيات السينمائية التي عُرضت خلال العام الحالي والتي على أساسها سيتم انتخاب خمسة في كل فرع، هي الخمسة التي جمعت أكثر الأصوات٠مثلاً، في قسم الأفلام الدرامية وضعت العناوين التالية

The Hurt Locker
Avatar
Crazy Hearts
The Road
Amreeka

في قسم الأنيماشن رشّحت
Ponyo
Fantastic Mr. Fox
9
A Christmas Carol
Cloudy with a Chance of Rain

لو لم تصلني دعوة مهرجان دبي، لكنت الآن أكتب لكم عن كل هذه الترشيحات وسواها،  وأجواء المنافسة المرتفعة في هوليوود في هذه الأيام، لكني سأؤجل ذلك لحين عودتي ولو أني سأذكر في يوميّاتي هذه كل جديد أراه طرأ هناك ويستحق التعليق٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجلة "سكرين انترناشنال" طلبت مني موضوعاً عن دبي واقترحت أن أحضر فيلم الإفتتاح وأسجل انطباعات المسؤولين حوله. كنت شاهدت الفيلم في أحد عروضه الخاصّة في هوليوود ولست في مزاج استطلاع الآراء فرفضت. ماذا تريد؟ كتبت لهم ما أريد من زاوية "بزنس" وهي الزاوية التي يهتمّون بها أكثر من سواها. لمن يود قراءة المقال (نحو 350 كلمة) هو موجود على اللينك التالي
http://www.screendaily.com/festivals/other-festivals/festival-news/rob-marshalls-nine-launches-6th-dubai-film-festival/5008947.article
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد خمسة عشر ساعة ونصف طيران أصل نشيطاً وأحضر الحفلة الساهرة المقامة لكل المدعوّين.  وأول من ألتقي به الزميل صلاح سرميني الذي بدا أنيقاً أكثر من عادته والذي كتب موضوعاً في »إيلاف« حول "السينما المثلية" وطروحاتها يستحق القراءة  علماً بأني أختلف معه في عدد من النقاط لكنه اختلاف النقاش وليس اختلاف القيمة. مثلاً الحديث حول فيلمي "الحبل" و"غريبان في القطار" لهيتشكوك يكاد يتبنّى الرأي السائد، غرباً على الأقل،  بأن شخصيات في هذين الفيلمين هما مُثلية. وبالطبع يمكن تفسير شخصيّتين في الفيلم الأول، وشخصية في الفيلم الثاني على هذا النطاق، لكن هذا لا يجعله فيلماً عن المثليين او حتى فيلماً يتيح لهم الظهور، لأن هيتشكوك يدين الثلاثة فهم قتلة ومنحرفون٠
كذلك لدي مشكلة مع اعتبار أن هناك تناقض بين كلمتي "مثلي" و"شاذ"٠
النعت الحديث المهذّب لهذه الفئة هو "مثليّون"، لكن بصرف النظر عن هذا التهذيب النابع من موقف متحضّر أراه دائماً كاذب ومنافق ومزدوج الشخصية ولا أنتمي اليه، فما يمارسونه هو شذوذ. لأن كلمة شاذ جنسي، التي يعارضها الكثيرون اليوم، ليست بحد ذاتها شتيمة او مدحاً، بل هو وصف طبيعي لكل من "يشذ" عن القاعدة. في الغد، حين تصبح القاعدة هي الشذوذ نصبح نحن المستقيمين شاذّين. أليس هذا عجيباً؟

مهما يكن المسألة ومقالة الزميل هي أعمق مما أتيحه هنا من مجال وربما عدت إليها. يعتمد ذلك على ما سيرد في الجزء الثاني من دراسته من نماذج وأفلام٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيلم "تسعة" الذي افتتح المهرجان لا يبدو أعجب كثيرين حسبما سمعت. هو ليس بالفيلم المتكامل لكنه ليس أيضاً فيلماً رديئاً. مخرج »شيكاغو« روب مارشال لا يمكن له الا أن يقدم على فيلم موسيقي آخر من نفس المزايا: بلاستيكي في الغالب وبلا عمق حقيقي. لكن الموسيقا والشخصيات وإداء دانيال داي-لويس من حسنات المهرجان٠
مهرجان دبي دائماً ما عرض أفلام افتتاح تتلكأ في إثبات جدارتها (تذكرون "مايكل كلايتون"؟ فيلم جيّد لكن ليس لافتتاح مهرجان دولي كبير)، لكنه دائماً -أيضاً- ما انطلق في اليوم الثاني موفّراً أفلاماً جيّدة من الشرق والغرب وما بينهما. والمراجعة السريعة لأفلام هذا العام تفصح عن ذلك. السبب الوحيد الذي قبلت الدعوة من أجله هو برمجته خصوصاً برمجته العربية٠
الان ميزة مهرجان دبي أنه أسس نفسه كمهرجان عربي أوّلاً وعالمي في الدرجة الثانية. هذا يجعله مختلفاً عن مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي الذي أسس نفسه دولياً وتحرّك الى حد ما عربياً.  تأسيس المهرجان لنفسه عربياً لا علاقة له بعدد الأفلام العربية التي يعرضها بالدرجة الأولى، بل بنجاحه في استقطاب ثقة المخرجين بالنافذة التي يُتيحها للإطلال منها على العالم. في هذا الشأن لا يستطيع المرء الا أن يلحظ أن هناك متشبّثون بمهرجان دبي من بين السينمائيين العرب الذين لا يرضون التوجّه الى مهرجان آخر حتى ولو كانت اغراءات ذلك المهرجان المادّية أعلى بكثير٠
هذه ثقة لم ينلها مهرجان دبي عبر مراسلات مديره الفني المهذّبة، بل عبر حرفية عالية له ولمن يعمل معه من طاقم عربي وغير عربي. ولسان الحال هنا، هذا العام، هو إذا ما كان مهرجان الشرق الأوسط يتّجه صوب الإطار الإحتفائي العريض بجلبه نجوماً وإظهار قدرات مادّية، لا بأس. دبي يُريد لهذا المهرجان أن يكون أكثر جدّية٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لدي بريد  كثير ووقتي لا يسمح لأن أخصص له الزاوية المعتادة لذلك سأورده هنا وأبدأ من الصديق محمد مخلوف الذي يلفت نظري الى مقالة وردت في صحيفة "الإندبندنت" البريطانية حول استطلاع بين عدد من المخرجين حول الفيلم الأول الذي ترك تأثيره في ذات هذا المخرج او ذاك.  مادّة تصلح فعلاً لتقديمها مترجمة لكني لست واثقاً من أن الوقت سيُتيح لي ذلك. ما أستطيع فعله هو نشر اللينك الخاص بالمقال لكي يعود إليه من يرغب في ذلك مع الشكر للأخ مخلوف
http://www.independent.co.uk/arts-entertainment/films/features/the-movie-that-mattered-to-me-1828427.html
..........................

وهناك أكثر من تعليق على الموضوع المنشور قبل أيام تحت عنوان "نحو لا إتحاد لنقاد السينما العرب" وأول هذه التعليقات من الزميل والصديق ليث عبد الكريم الربيعي من العراق الذي كتب
قرأت تعليقك اليوم في المدونة بخصوص (نحو لا اتحاد لنقاد السينما العرب)، وهو نفس الراي الذي صرحت به في رسائلك لي، وهو ما توضح لي لاحقا، فَهمُ السينمائيين للاسف ليس مشتركا، وليس لدينا اي توافق فكري فيما بيننا.. لذا لم تقابل الفكرة باي قبول حسن ظنا من الجميع ان صاحبها يبحث عن مناصب او واجهات اعلامية.. والبعض من النقاد من عاصر تجارب مشابهة فنقل التصور السابق، على العموم الفكرة وئدت في مهدها .. ولله الحمد. يبدو ان قدرنا الاعتماد على النشر بشكل شخصي تبعا للعلاقات الشخصية والمهارات في التلون والتمسح.. فاين نحن من تجارب الغربيين٠

يا أخي ليث، أنا سعيد أنك تلمّست ذلك بنفسك ولم يأخذ الأمر منك الا فترة قليلة قبل أن تدرك أننا مصابون بلوثة نفسية/ إجتماعية خطيرة في هذا الجزء من العالم. جماعات كبيرة من الناس في كل مجال (وخصوصاً في المجالات الثقافية والحيوية الأخرى) التي ليست لديها أدنى ثقة بنفسها وحين لا تستطيع أن تثق بنفسها كيف ستستطيع الثقة بسواها٠

والصديق المداوم  "أوبزرڤر" علّق قائلاً

 لا شيء يمكن الاتفاق عليه دون اعتبارات خاصة لدى البعض" ، نعم يا أستاذ محمد ، هذا هو لب" المشكلة التي نعاني منها منذ ولدنا وبدأنا نشهد العالم على هذه الحال. لا يمكن لشخصين أن يتفقا على شيء يكون فيه أحدهما على خطأ والآخر على صواب ثم يتقبل ذلك بصدر رحب، لا يمكن لشخص أن يقبل اختلاف الآخر عنه أو اختلاف رأيه ثم يبني بعد ذلك على هذا الأمر حتى يصل إلى نتيجة. الفرق بيننا وبين الغرب شاسع في ما يخص تقبل النتائج والتنازل وقبول حقيقة ان الانسان يخطئ والحياة مدرسة والتعلم منها لا يكون إلا بالاعتراف بالخطأ والاعتراف بصواب الآخر (أو صواب رأيه)إذا كان صواباً٠
ننظر ونشاهد تبعات عدم الاعتراف في كل مكان حولنا، انظر إلى مباراة كرة قدم (بين مصر والجزائر)كيف فعلت بنا، لقد فرقت أكثر مما جمعت وهي التي يقولون عنها أنها تجمع شعوب العالم، ثم انظر إلى مباراة كرة قدم أخرى (بين فرنساوايرلندا)، حين وقوع الخطأ، لا يطالب الجمهور بغزو بلاد "الآخر" ونبذ كل مواطنيه، بل يعترف صاحب الخطأ ويطالب المسؤولين عن اللعبة بإعادة المباراة وإرجاع الحق لصاحبه. بينما نحن ما زلنا "نتهاوش" على أرصفة الطرقات وفي أماكن العمل حول من أخطأ ومن يستحق الوصول لكأس العالم ومن لا يستحق، ومن يستحق أن يعيش ومن لا يستحق أن يعيش٠

تنقصنا مصارحة النفس وشجاعة الاعتراف بالخطأ وأهم من ذلك تنقصنا فضيلة التنازل ، لا يمكن لشخص أن يتنازل عن أن يكون هو النموذج وهو المرجع وهو الأساس في أي مسألة.
هذا النوع من البشر لا يمكنه أن يتعلم لأنه لا يمكنه أن يستمع للآخر ما دام لا يستطيع أن يتنازل عن إمكانية أن يكون هو على صواب٠

وهذا النوع من البشر لا يمكنه أن يحتل مكاناً وسط جمهور أمام الشاشة الكبيرة ثم يقرر أن الفلم الذي أمامه هو "مدرسة" وهو "معلم" مهما كان رديئاً أو يستهدف جيبة أو لا يخاطبه أو لا يقول أي شيء عنه. ربما يكون الجمهور مدفوعا بقوة التلفزيون التي تحتم عليه أن يسترخي ويستمتع فقط، وعلى هذا الاستمتاع أن يكون رخيصاً دائما ولا يلبي إلا حاجة ترفيهية سريعة تزول مع زوال ظلمة القاعه وحال تشغيل الأضواء. لكن ما يدفع الناس لحالة انعدام التفكير هذه حال دخول القاعة هو تلك العقلية التي ترفض الاعتراف "بصواب الآخر" وترفض الاستماع إليه وترفض أن تتعلم٠

كنت كتبت عما حدث بالنسبة لكرة القدم حيث وضع بعض الناس عقولهم في الأحذية وسلكوا بها دروباً مهلكة ومهينة لهم. دروب تفرقة وعصبيات تعود الى القرن الجاهلي الأول. كما ذكرت، ها هي فرنسا وأيرلندا اختلفا في الملعب واصلحا الموضوع بقرار هاديء وكل مضى في حال سبيله. هل نحن بشر ام نسخ مفبركة غير صالحة للإستعمال؟
Invictus  الحادث كله تراءى لي حين جلست أشاهد فيلم كلينت ايستوود الجديد
حول كيف تمكّن نلسون منديلا من توحيد جنوب أفريقيا، التي انقسمت على نفسها بعد الإطاحة بالنظام العنصري، بين مؤيد لوجود رئيس أسود ومعارض. الفيلم يروي كيف وظّف الرئيس كرة القدم ليجمع بين مواطنيه وكيف نجح في ذلك أيّما نجاح. هل هناك من يتابع؟ من يتعلّم؟ من يفكّر؟ هل هناك من صوت عاقل غير هذه الأصوات القليلة التي تقرأ ما نكتب وتوافق عليه؟
كما تقول هناك جماعة  "ترفض أن تتعلم" لأنها فهمت الدنيا كلها خطأ. هي ذاتها التي تنتقد شيئاً طالما أن الآخر هو الذي يقوم به٠


ويصلّح لي القاريء الذي يبعث لأول مرّة جلال سياه، من دبي، خطأ ورد فيما كتبته عن فيلم فرنسيس فورد كوبولا فيقول

تم طباعة إسم برنادو برتولوتشي بدل مارلون براندو في تقريرك عن فيلم سفر الرؤيا الآن، للعلم رأيي الخاص: أفضل فيلم شاهدته عن حرب فيتنام هو بلاتون لأوليفر ستون

آسف للخطأ غير المقصود ولا أدري ما الذي حشر برتولوتشي مكان براندو. "بلاتون" بالمناسبة فيلم جيّد جدّاً وله مكانة عندي ورأيك على العين والرأس، لكني أهوى في السينما جنونها وقدرتها على ملء الشاشة بإنجاز مشبع في كل لحظة وكادر. مشبع بالنفسيات ومشبع بالبصريات ومشبع بملكية المخرج لقواعده اللغوية،  وهذا ما اعتقد أن فيلم كوبولا أنجزه٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آسف على الحلّة القشيبة هذا العدد وأنا الذي عوّدت نفسي صرف الوقت على العناية بالتفاصيل والتصميم.
الآن الساعة السابعة والنصف صباح يوم الخميس. بدأت أنعس والسرير يناديني، كذلك أحلامي٠
تصبحون على خير٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular