Dec 2, 2009

مهرجانات عربية | مقابلة مع أندريه كونتشالوفسكي | تاريخ في مهرجان دينار | السينما البريطانية المستقلة | ما الذي حدث لزانغ ييمو وجيله؟

Year 3 | Issue 472


سنوات ضوئية | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صوب لا إتحاد لنقاد السينما العرب٠


لماذا لا يوجد عندنا إتحاد لنقاد السينما العرب؟
هناك بضعة إتحادات محلّية بلا ريب. بضعة.. يعني واحد او إثنين في هذا البلد وواحد في بلد آخر، ثم لا شيء في بقية البلدان٠- لكن لا يوجد إتحاد نقاد سينما عرب بصورة شاملة يجمع المغربي والمصري والجزائري والسوري واللبناني والبحريني والعراقي والكويتي الخ. لجانب النقاد العرب الذين يعيشون في المهاجر٠
أعلم بدعوة تم توجيهها مؤخراً من قبل زميل لكني لا أعلم ما الذي حلّ بها٠
أخاف أن أقول أن الشيء الوحيد الذي بات يجمع معظمنا هو الإختلاف. لا شيء يمكن الإتفاق عليه من دون اعتبارات خاصّة لدى البعض وهذه الإعتبارات إنعكاس في مرآة العلاقات بين الدول. تصوّر مثلاً أن الدول العربية تريد إحياء جامعة عربيّة فعّالة... أعتقد قد تصل الى بداية طريقها الى ذلك بعد ثلاثة عقود  لو اشتغلت على الموضوع بجد٠ حتى تصل الى تحقيق هذه الغاية بصورة أسرع، فإن على الدول العربية أن تنزع الأحقاد والمصالح التي تقيّدها وتدرك أن قوّتها ومستقبلها في وحدة ما، ولو عبر هذه الجامعة العربية الكسيحة اليوم٠
يا أخي عشرات ألوف القتلى والجرحى في غزة قبل عام واحد، والعالم العربي بقي مصرّاً على الإنقسام وبعضه كان ينظر الى البعيد حتى لا يرى٠
الناقد السينمائي، والمثقّفون بشكل عام، عليهم أن يكونوا العبرة والقيادة لتغيير حال هذه المجتمعات. ليس عبر العمل في السياسة، بل عبر أن تخلق من نفسها القدوة. أن تصبح النموذج. وحتى تفعل ذلك
فإن على أعضاء أي إتحاد مزمع أن يقرر نبذ نرجسيّته وأنانيّته ومصالحه والعمل ديمقراطياً مع الاخر٠ كل عامين -وهذا على سبيل المثال لا أكثر- تُقام انتخابات رئيس جمعية مراسلي هوليوود الأجانب في هوليوود. يترشّح ثلاثة أو أربعة. يقدّمون برامجهم بواقعية. يدعون باقي الأعضاء لإنتخابهم، ثم تقام الإنتخابات بالقرعة السرية ويفوز من يفوز. قبل ذلك وخلاله وبعد المرشّحون أصدقاء وزملاء ولا أحد يطعن بالآخر او يقرر إذا ربح الإنتخابات أن ينتقم او إذا خسرها أن يسبب المشاكل او يرتاب بصدقيّتها. الحياة ماء نهر جار ومن يقف في وسط النهر ليعترض ماءه فإن الماء ستمر به وتمضي. تتركه مبللاً ولا تُبالي٠
أعتقد أني لخّصت لب المشكلة ولخّصت كذلك السبب في أنني توقّفت عن الدعوة لإتحاد نقاد عربي مستقل منذ أكثر من عشر سنوات، حين شاركت في القاهرة، وعلى هامش لقاء لعدد كبير من نقاد العالم العربي، في مناقشات حول المشروع استمرّت يومين وانتهت الى فشل ذريع: كل واحد لابد أن يكون على حق، وكل عين من عينيه ترمي الى غاية خاصّة يريد، والإتحاد لم يتأسس بعد، توظيف الإتحاد لها٠
في منتصف الخطب العصماء في اليوم الثاني  تأكدت أن ارتيابي في إمكانية تحقيق وفاق على الأرض أمر صعب عندنا لأننا نجهل الكثير مما يعرفه غيرنا ونتمسّك بجهلنا فوق ذلك. نعم  قد يعتقد القاريء الكريم أنني أبجّل بالغربيين، لكني لا ... أنا فقط اتحسّر على الشرقيين٠




PAGE 1 | حاليّــات

أوراق ناقد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـا ــــــ
 Things Are Changing
لأوّل مرّة منذ أشهر قد تصل الى عام أنام لثمانية ساعات ونصف من دون استيقاظ. أنهض من نومي متجدداً. مرتاحاً وسعيداً. لابد أن هناك تغيير ما قادم. وها أنا أهجم على الكومبيوتر لأكتب٠
------------------------------------------------------

مهرجان خاص |  أنا في لوس أنجيليس من جديد ومنذ نحو أسبوعين مشغول بمشاهدة الأفلام أكثر من كل مرّة سابقة، هناك مهرجان سينمائي خاص بنا، نحن أعضاء جمعية مراسلي هوليوود الأجانب، يُُقام من دون تنظيم مهرجاناتي. ترانا ما بين مطلع نوڤمبر ونهاية ديسمبر مثل النحل حول الخلية. ننتقل من صالة الى صالة لمشاهدة الأفلام في عروضها الخاصّة بنا، وهي ليست عروضاً أميركية فقط، بل كل شيء آخر ومعظمها لأفلام كل منها لدي نصيب من الجودة  لكنه إما عُرض في مهرجانات بعيدة المنال او لم يعرض في أي مهرجان بعد. لجانب أفلام مهمّة فاتتني في هذا المهرجان أو ذاك. ومعظم هذه الأفلام يتم إرسالها كسكرينرز إلينا للتأكيد على أننا سنراها قبل أن نتوجّه الى انتخاب جوائز الغولدن غلوب بعد أسابيع قليلة.  ننجز مشاهدة الفيلم ونجلس مع أصحابه (المخرج والمنتج والممثلين) ثم ننتقل الى فيلم آخر ولقاء بعده او في اليوم التالي له وهكذا٠
ليلة أمس كانت الساعة السادسة مساءاً حين قررت أنني لن أحضر أي من العرضين الخاصّين المقامين في الساعة السابعة: فيلم »شرلوك هولمز« لغاي ريتشي وفيلم "في الهواء"  لجاسون رايتمان. عوض ذلك سآوي الى الفراش باكراً. وفي الساعة السابعة والنصف كنت في سابع نومة
------------------------------------------------------

عرُوة في هوليوود | سعيد للأخ عروة الحلّاق، وهو شاب سوري أخرج أفلاماً قصيرة من قبل كانت من أجمل ما عرضه مهرجان "أفلام من الإمارات" في ماضيه. حقق هذه الأفلام في الإمارات حيث كان يدرس لكن طموحه كان دخول معهد سينمائي في الولايات المتحدة وهو الآن يحقق طموحه ذاك ويبعث لي بفيلمه الجديد المتوفّر على اليو تيوب. فيلمه الأميركي (القصير) الأول حققه لحساب المعهد الذي يدرس فيه في لوس أنجيليس. ها هو الرابط
http://www.youtube.com/watch?v=ZiVYJd1uwt0
التشكيل الفني لهذا الفيلم رائع ويخبرني عُروة بأنه مقدم قريباً على أول فيلم له فيه حوار. ألف مبروك٠
-----------------------------------------------------

مشروع | في مكتب الصديق مالك العقّاد (الصورة) ، إبن الراحل الكبير مصطفى العقّاد، وكلانا مستعجلان. أنا لألحق مقابلة لي مع الممثل البريطاني هيو غرانت وهو لكي يأخذ الطائرة الى لندن ومنها الى المغرب. يسألني إذا ما كنت أذكر مشروع أبيه عن الأندلس، فأقول نعم. ستسمع أخباراً جيّدة عنه٠
أربط ما بين الكلمات وأصل الى استنتاج أن الفيلم ربما كان يتبلور كمشروع يتم تصويره في المغرب خصوصاً وأن مع مالك الآن منتجاً "رابح أوسكار" كما يخبرني. لا هو أفصح عن إسمه ولا أنا ألحّيت بالمعرفة٠
-----------------------------------------------------
جوائز |  يوم الإثنين (الثلاثين من نوڤمبر) أعلنت مؤسسة "مشروع المخرج المستقل"٠
The Independent Filmmaker Project
في نيويورك عن الفائزين بجوائزها السنوية  والمسمّاة
Gotham Independent Film Awards
وصل المؤسسة، التي تمنح جوائزها للمرّة التاسعة عشر،  22 فيلم طُرحت في ست من المسابقات هي
أفضل فيلم  روائي، أفضل فيلم وثائقي، أفضل مخرج جديد، أفضل ممثل جديد، أفضل مجموعة ممثلين وأفضل فيلم "لا يُعرض في الصالة القريبة منك" كما اختارت المؤسسة تسمية ذلك الفريق من الأفلام الذي لا توزيع له حالياً على الأقل. قيمة جائزة مسابقة "لا يُعرض في الصالة القريبة منك"  والإسم مسجل قانونياً، هي 5000 ألاف دولار- أفضل من لا شيء  وربما أفضل الأشياء بالنسبة لمخرج حقق فيلماً لن يراه الا متخصصو المهرجانات٠
السينما المستقلة تمر بمصاعب انتاجية كبيرة هذه الأيام خصوصاً بعد ثلاث سنوات متتابعة من دون أي إنتصار تجاري لها كما كان الحال سابقاً. لذلك لا أستغرب عدم وجود أكثر من 22 فيلم تمّ فحصها والإقتراع عليها
التالي الأفلام الفائزة

The Hurt Locker: أفضل فيلم
عن الحرب العراقية من إخراج كاثلين بيغلو  وكنت كتبت عن هذا الفيلم حين مشاهدته قبل أكثر من أربعة أشهر في "فيلم ريدر"٠
Food, Inc  أفضل فيلم وثائقي
إخراج كاشف  لروبرت كَنر عن صناعة الأغذية في أميركا وتجارتها وكيف تحقق ما تحققه من سيطرة على أسعار السوق٠
جائزة مخرج جديد ذهبت الى روبرت سيغل عن فيلم له بعنوان
دراما عن معجب بأحد لاعبي كرة القدم الى أن تقود الأقدار الى أعتداء اللاعب عليه Big Fan
جائزة أفضل ممثل ذهبت الى الممثلة كاتالينا سافيدرا التي تؤدي دوراً آسراً في فيلم بعنوان
تؤدي فيه دور الخادمة التي تحاول الحفاظ على وظيفتها في بيت عائلة تمر بأزمة بعد The Maid
أكثر من عشرين سنة خدمة٠
أفضل فريق ممثلين في فيلم واحد ذهبت الى مجموعة ممثلي الفيلم الفائز بجائزة أفضل فيلم روائي لكاثلين بيغلو "خزنة الألم" ومنهم جيريمي رَنر، انطوني ماكي، برايان جراتي، راف فاينز، غاي بيرس، ديفيد مورس وإيفانجلين لليلي٠
وجائزة الفيلم الفيلم غير المعروض في الصالة القريبة منك تذهب الى
You Wont Miss Me
فيلم صغير لراي روسو يونغ حول  شاب خرج لتوّه من مصحّة نفسية محاولاً استرجاع علاقاته بالناس وبالمجتمع٠
لمن يرغب في الإستزادة

 http://www.ustream.tv/gothamawards2009.

------------------------------------------------------

جائزة أخرى | قبل أيام وصلتني من جمعية نقاد لندن، التي أنا عضو فيها أيضاً كوني أكتب في صحف تصدر هناك، دعوة لانتخاب أفضل فيلم من بين ثلاثين أفضل فيلم تمّ للجمعية انتخابها طوال الثلاثين سنة الماضية. سمّها جائزة الجوائز٠
اللائحة كانت مكتظّة بأفلام رائعة لأسماء كبيرة في عالم السينما من مايك لي الى أنغ لي ومن كن لوتش الى كنيث براناه. لم أتردد كثيراً ووضعت على قمّة اللائحة فيلم فرنسيس فورد كوبولا
Apocalypse... Now
الذي كان نال جائزة الجمعية سنة 1979 وبالأمس استلمت ما يفيد أن هذا الفيلم هو الذي أجمع عليه باقي الزملاء من النقاد البريطانيين ففاز فعلياً بالجائزة٠ الأفلام الأربعة الأخرى التي توالت
Shindler's List , The Lives of Others, Unforgiven , Brokeback Mountain.


PAGE 2 |  تقارير

مسابقة مهرجان دبي للأفلام الوثائقية تحتفي بالسينما الفلسطينية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعثت الملحقة الصحافية لمهرجان دبي زينة صفير بتقرير موسّع حول الأفلام الوثائقية المشتركة في مسابقة الدورة السادسة من مهرجان دبي السينمائي المقبل (التاسع من هذا الشهر حتى السادس عشر) واقتطف منه عناوين ونبذ الأفلام  المتسابقة

صداع | رائد أنطوني (فلسطين)٠
يبحث في الذاكرة الفردية للإنسان الفلسطيني الذي ولد وتكونت تجربته الحياتية بكل تفاصيلها في ظل احتلال عسكري للأرض والإنسان والأحلام. يعاني المخرج "رائد أنضوني" من صداع مزمن، فيذهب لطبيب نفسي، ويسجّل جلساته العلاجية على مدار 20 أسبوعاً، ومنها يأخذنا في رحلة سيكولوجية ذاتية إلى فلسطين المعاصرة ليقدّم لنا فيلماً مؤثراً يتميّز بالفطنة والذكاء

زهرة | محمد بكري  (فلسطين)٠
عن الحب، والخسارة، والخوف، والوقوف في وجه الظلم. وفي هذا الفيلم، يعود "بكري" إلى مساحة برع فيها سابقاً في الفيلم الوثائقي الحاصل على جوائز "جنين جنين" (2002)، لينسج بشعرية مرحلة طويلة من التاريخ الفلسطيني المعاصر



كما قال الشاعر | نصري حجّاج (فلسطين)٠

 رحلة في حياة وشعر الأديب الفلسطيني الراحل محمود درويش ، يأخذنا فيها المخرج نصري حجاج إلى مدن ومنازل ومسارح شهدت إبداعات "محمود درويش"، ويقدّم ذكريات جيل كامل من الكتّاب وعشاق الشعر، يرسم بها لوحة تعجّ بالتفاصيل الرائعة، ويروي معها باقة من أشعاره

الأجنحة الصغيرة | رشيد مشهراوي (فلسطين)٠
زيارة قام بها المخرج لبغداد، ويسلط فيها الضوء على الأطفال الذين أجبروا للعمل في أنحاء المدينة، ويقارن بينهم وبين أطفال غزة.. يعيشون في عالم أُجبر فيه جميع أفراده، مهما كانت أعمارهم، على العمل لكسب قوت يومهم. و"مشهراوي" يدرك تماماً حجم المعاناة التي يعيشها هؤلاء الأطفال فيتابعهم عن كثب؛ عين تحاول استشراف مصير هؤلاء الأطفال في بغداد، وأخرى تتابع ما يجري في غزة من أحداث٠

إنهيار | هادي ماهود (العراق)٠
يرصد الانهيارات التي تعرضت لها الثقافة العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين في 2003، ووقائع محاصرة المثقفين في الداخل، ومعاناتهم في المنفى؛ ويروي فيلم "العودة إلى الذات" للمخرج بلال يوسف، في عرضه العالمي الأول أيضاً حكاية شاب فلسطيني يخوض مجموعة من التجارب التي تساعده على إعادة اكتشاف نفسه٠

أم مجهولة | تغريد السنهوري (السودان)٠
 إطلالة مؤلمة على دار للأيتام في السودان، وحكايات الأمهات العازبات اللائي أجبرن على التخلي عن أطفالهن الذين مُنحوا إلى عوائل أخرى كأبناء مُتبنّون. وفاز الفيلم بجائزة اليونيسف لحقوق الأطفال، وذلك في عرضه الأول في مهرجان زنجبار السينمائي الدولي في يوليو من العام الجاري٠

أحلام الزبّالين | مي إسكندر (مصر)٠
الفيلم الداخل في عداد الأفلام المرشّحة رسمياً لأوسكار أفضل فيلم وثائقي يُلقي نظرة عميقة على حياة ثلاثة زبّالين مراهقين يعيشون ويعملون في مكب النفايات الضخم في القاهرة. ويضم المكب 60 ألف زبّال، هم في الحقيقية رواد الحفاظ على البيئة، يسعون لإعادة تدوير أكثر من 80% من النفايات التي يقومون بجمعها

شو صار؟ | ديغول عيد (لبنان)٠
قصة لبناني يعود إلى وطنه بحثاً عن قتلة عائلته قبل 30 عاماً. وما إن يكتشف بأن جيران الماضي الذين شاركوا في مذبحة عائلته، ما زالوا يعيشون في المنطقة نفسها، يحس الراوي بواقع مرير لا يطاق٠

أشلاء | حكيم بلعبّاس (المغرب)٠
يعود المخرج بلعبّاس، في ثالث مشاركة له في مهرجان دبي السينمائي الدولي بلوحة شخصية عميقة يتناول فيها  عائلته المغربية من خلال مشاهد للقاءات العائلة وللحظاتها الحمية. قام المخرج بتصوير فيلمه على مدى عشر سنوات٠

الجربوع الأزرق | جمال وهاب (سوريا)٠
عن ضحايا الاختبار النووي الذي أجرته فرنسا في الصحراء الكبرى خلال فترة الستينات

جبال الصوّان | نضال حسن (سوريا)٠
يرصد حكاية الفنان والمعماري "حكمت عدرا" الذي قضى حياته في جمع الصخور والأحجار في قريته ومحيطها، وصنع منها تحفاً فنية غاية في الروعة


السينما البريطانية المستقلّة لا زالت تسعى  للإستقلال عن هوليوود| محمد رُضـا 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


Bright Star


كل ما هو هوليوودي طغا على كل ما هو بريطاني حتى في مجال السينما المستقلة. فكما أن هناك سينما أميركية مستقلّة، هناك سينما بريطانية مستقلّة وربما هي أكثر استقلالاً. كل ما في الأمر، أن شركات هوليوود الكبيرة ابتاعت الشركات المستقلّة الصغيرة او تعاقدت معها، بحيث أمّن ذلك مجال توزيع تلقائي للأفلام التي تقصد أن لا تدور حول القضايا الكبيرة او أن لا تتمحور حول المؤثرات البصرية المختلفة او تخلو من المعادلات التي يحتل فيها النجم النصيب الأعلى٠
وفي حين أن علامة استفهام كبيرة تشمل ما يُعرف اليوم بالسينما الأميركية المستقلّة كانت نشأت قبل سنوات حين فقدت تلك السينما جانباً من استقلالها عبر ارتباط المصالح مع هوليوود، فإن السينما البريطانية المستقلّة لا زالت ... حسناً .... مستقلّة، او -إذا أردت- أكثر استقلالية من زميلتها الأميركية٠

أما الطغيان فكان بدأ منذ عشرينات القرن الماضي حين أخذت شركات أميركية تموّل الأفلام البريطانية. ليس كل الأفلام، لكن عدداً لا بأس به منها، ثم تعاظم التعاون خلال أيام الحرب العالمية الثانية وبعدها عبر ارتباط السينما البريطانية بآلية التوزيع الكبيرة التي تؤمّنها هوليوود. هذه تشتري كل ما يعجبها، وعلى هذا الأساس فإن على السينما البريطانية أن تنتج، إذا أرادت الوصول الى شتّى أنحاء العالم، ما يعجب الشركات الأميركية (كولمبيا، يونيفرسال، وورنر، ديزني الخ...)٠
الفترة الوحيدة التي برزت فيها السينما البريطانية فعلياً بعيداً عن الهيمنة الهوليوودية كانت في الستينات والسبعينات. كلا العقدين ارتبطا بقيام ستديوهات بريطانية بعملية التمويل وقيام شركاتها بعملية التوزيع. من عاصر الفترة يتذكّر شركة هامر للإنتاج وستديو إيلينغ الذي تخصص في الكوميديا والدراميات الخفيفة، كذلك شركة رانك التي كانت من كبريات شركات التوزيع الأوروبية٠
وهي الفترة التي أنجبت مخرجين وممثلين أذكياء عملوا معاً على منح السينما البريطانية هويّة جديدة من
المخرج لندساي أندرسن الى زميله توني رتشاردسن وصولاً الى زميليهما كن راسل مروراً بمايكل أندرسن وبيتر ياتس و(البولندي الأصل) ييرزي سكولومفسكي من بين آخرين. ومن الممثلين الذين برزوا في تلك الفترة فانيسا ردغراف، مايكل كاين، جولي كريستي، الان بايتس، أوليفر ريد من بين آخرين عديدين منحوا لتلك السينما (التي كانت مستقلّة فعلاً) الوجه الحقيقي لها٠


An Education

نظرة واثقة
لكن السينما البريطانية المستقلّة اليوم لا زالت موجودة وتزداد بروزاً الى الواجهة بفضل مثابرة السينمائيين البريطانيين من ناحية وبسبب إقامة جائزة خاصّة بإسم »جائزة الفيلم البريطاني المستقل«  الذي تتنافس فيه تلك الأفلام  صوب حالة من الخلود بين أترابها٠
هذا العام المنافسة تشمل ستة أفلام مرشّحة الى الآن  خمسة منها تم تطويرها انتاجياً بمعونات من ثلاثة شركات بريطانية محضة هي »بي بي سي فيلمز« و»فيلم فور« و»المجلس البريطاني للفيلم« وهي »تعليم« الذي تدور أحداثه في الستينات تحت إدارة المخرج لون شرفيك وبطولة أوليفيا وليامز، كاري موليغن وبيتر سكارسغارد، »فتى اللامكان« حول طفولة المغني المعروف جون لينون كما يؤديه آرون جونسون  تحت إدارة سام تايلور وود،  والفيلم الدرامي- الإجتماعي »حوض السمك« للمخرجة أندريا أرنولد الذي يتعامل وموقف فتاة في مطلع سنوات المراهقة (كاتي جارفيز) حين تستقبل والدتها المطلّقة صديقاً جديداً تضمّه الى العائلة (وهذا الفيلم هو الأشهر والأعلى ايراداً بفضل حسن تنظيم عروضه واشتراكه في مهرجانات عديدة أوّلها "كان" حيث نال جائزة لجنة التحكيم). الفيلم الرابع هو »في الحلقة« للمخرج (الإيطالي الأصل) أرماندو لانوتشي وهو الفيلم السياسي الوحيد في المجموعة ويدور حول لعبة الحرب كما مورست بين رئيس جمهورية أميركي ورئيس وزراء بريطاني، ثم  »النجمة المتوهّجة« للأسترالية جين كامبيون عن الحياة القصيرة للشاعر جون كيتس (بن ويشو)  وعلاقته بالمرأة (آبي كورنِش) التي تعرّف إليها سنوات قليلة قبل موته
الفيلم السادس هو »قمر« خيالي علمي لدنكان جونز (مع بطولة الأميركي سام روكوَول) لكنه يختلف قليلاً كونه بيع مباشرة الى شركة توزيع أميركية رئيسية (صوني) عكس معظم الأفلام السابقة التي كان عليها أن تنجز هذه العلاقة في مراحل لاحقة بعد تصويرها٠
ويبقى القول أن معظم الأفلام المذكورة أنجز عروضاً تجارية ناجحة في أوروبا كما في الولايات المتحدة ما يجعل السينما البريطانية المستقلّة تنظر الى المستقبل بثقة٠ 


مهرجان القاهرة السينمائي بين السلبيات والإيجابيات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  أشرف توفيق ـــــــ


لم أستطع حضور مهرجان القاهرة السينمائي بسبب مشاغل عائلية مرّت في نهاية الأمر على خير وقضيت الوقت في بيروت أتابع النشاطات على أقنية تلفزيونية. من بين ما شاهدته تلك التغطية الفقيرة جداً لحفل الختام الذي طغت فيها أحداث كرة القدم بين مصر والجزائر على الحفل الجاري، فإذا بكوكبة المذيعين في قناة القاهرة الأولى يتركون ما هو سينما ويبحثون مع ضيوف المهرجان الداخلين الى القاعة ما هو كرة قدم. بذلك الإنتقال من العقل الى القدم ونفخ العواطف المضحكة والمخيفة معاً انتهت الحفلة بعدما تسللت اليها التعابير السياسية المنددة بكذا وكذا. ما تبدّى لي أننا، سواء في الجزائر او في مصر او في سواهما في حالات كثيرة أخرى، ما زلنا سنوات ضوئية بعيدين عن المنطق والعقلانية وجزءاً كبيراً من مثقّفينا يقودون التفكير الغوغائي معتقدين بأنهم يبرهنون عن حبّهم للوطن، بينما الحب للوطن يتم عبر إنجاز ما يرفع من شأنه فناً وأدباً وعلماً وسياسة وثقافة وفي كل المجالات الحضارية الأخرى٠
وجدت، بين تغطيات عديدة، المقالة التالية للأستاذ أشرف توفيق انتخبتها لتوازنها بين ما هو سلبي وإيجابي وحديث صاحبها الذي يكشف عن إلمامه. وهي قد نُشرت في صحيفة »العربي« التي يشرف على قسمها الثقافي الزميل ماهر زهدي
م. ر


New York: فيلم الإفتتاح

 انتهت  الدورة الثالثة والثلاثون لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى، وسط استغلال حاشد وتزيد كبير من فنانى مصر، لما حدث مؤخرا من أحداث مؤسفة عقب انتهاء مباراة كرة القدم بين المنتخب المصرى والمنتخب الجزائرى، حيث احتشد عدد من الفنانين المصريين فى وقفة غاضبة قبل بدء فعاليات الختام للإعلان عن موقف احتجاجى غاضب من الفنانين والمثقفين الجزائريين لعدم تعليقهم أو إدانتهم ما جرى بعد المباراة٠
وبعيدا عما حدث فى المباراة وبعدها ـ ولايزال ـ فقد كانت هذه الدورة من عمر المهرجان ربما أقل من عادية، رغم المحاولات التى بذلت من أجل النهوض بالمهرجان، ولكن النجاح لا يكون بالنوايا الطيبة فقط، فقد كان هناك العديد من الملاحظات التى تؤخذ على إدارة المهرجان هذا العام، ربما كان أهمها عدم التوفيق فى توقيت اختيار التكريم الجزائرى فى ظل هذه الأجواء المشحونة، واضطرارهم لإلغائه
 المأخذ الثانى  هو إصرار إدارة المهرجان على خرق لائحة المهرجانات مما يهدد بسحب الصفة الدولية من المهرجان ـ مرة أخرى ـ وهذا الخرق للائحة ظهر جليا فى واقعتين أولاهما اشتراك فيلم الافتتاح الهندى «نيويورك» فى المسابقة الرسمية للمهرجان رغم اشتراكه من قبل فى مهرجانات أخرى وهو ما يمثل خرقا للمادة الرابعة من لائحة مهرجان القاهرة والتى تنص فقرتها الأولى على أنه لن يسمح فى هذا القسم «المسابقة الدولية للأفلام الروائية الطويلة» بعرض أى فيلم سبق اشتراكه فى مسابقة أى مهرجان دولى آخر٠
ظاهرة سلبية أخرى لمسناها فى هذه الدورة مستمرة منذ دورات سابقة هى ضعف مستوى سوق الفيلم وقلة عدد الشركات المشاركة فيه وعدم تحقيقه أيا من أهدافه والتى يفترض أنها فتح أسواق جديدة للفيلم المصرى فى الخارج٠
ومن الظواهر الايجابية لهذه الدورة حُسن اختيار النجوم العالميين الذين استضافهم المهرجان ونجاح إدارة المهرجان فى إقناعهم بالحضور ومنهم سلمى حايك، ولوسى لو وصامويل جاكسون٠
ظاهرة ايجابية أخرى تمثلت فى استجابة إدارة المهرجان لما كتبه الصحفيون العام الماضى حول ضرورة أن تكون الأسئلة التى توجه للنجوم العالمين فى المؤتمرات الصحفية مكتوبة حتى نتفادى الأسئلة التافهة والسطحية التى كان يلقيها البعض من غير المتخصصين والذين كانوا يسألون لمجرد الظهور أمام الكاميرات، كما أن فكرة الاستعانة بالفنانين المصريين لإدارة ندوات النجوم العالميين كانت فكرة جيدة٠
لمسنا هذه الدورة أيضا استجابة لما طالبنا به العام الماضى من ضرورة التعريف بالنجوم العالميين المكرمين بالمهرجان حيث تم عمل كتيب صغير عن كل نجم منهم طرح مع بانوراما المهرجان ولكن كان يوزع للأسف بعد انتهاء المؤتمر الصحفى للنجم بدلا من أن يوزع قبله٠
شهدنا هذه الدورة أيضا حرصا من رئيس المهرجان د. عزت أبوعوف على الظهور فى أروقة المهرجان وخلال الندوات والمؤتمرات الصحفية٠
غير أنه للأسف الشديد لم يتم الاهتمام بالموقع الالكترونى للمهرجان سوى مع افتتاح المهرجان فقبل بدء المهرجان بأيام قليلة كان مستوى الموقع منهارا تماما ولا توجد عليه أى أخبار صحفية أو معلومات جديدة، وحتى مع بدء المهرجان كانت المعلومات التى على الموقع والصور متأخرة يومين كاملين٠
كانت هناك حالة من التعاون فى المركز الصحفى الذى يرأسه الصحفى حامد حماد وتسلم الصحفيون مطبوعات المهرجان بسهولة وكانت هناك خمسة أجهزة كمبيوتر لمساعدة الصحفيين على أداء أعمالهم٠

PAGE 3  |  تحقيقات

كيف هربت السينما الصينية من الواقع  والرقابة الى الخيال والفانتازيا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـا ــــــــــــ
ما الحكاية وراء إنصراف أبناء الجيل الخامس من
المخرجين الصينيين الى الأفلام التاريخية المكلفة ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



Red Cliff
ربما أحد نتاجات الأزمة المالية الحالية أن يجد المخرج الصيني  الأميركي  جون وو ملاذه في  الصين وليس في هوليوود
إنه أحد المخرجين الصينيي الأصل الذين يعملون في المؤسسة السينمائية الأميركية منذ سنوات بعيدة. وُلد في الصين قبل 62 سنة وانتقل الى هوليوود في منتصف التسعينات حيث مزج رؤيته الخاصّة الشاملة إعادة تركيب التنفيذ حسب معطيات بصرية مبتكرة بالمواضيع الأميركية  وبالكثير من المال الذي كان متوفّراً في ذلك الحين . بعد فيلم أكشن، وهي النوعية التي سبق له وأن أنجزها في هونغ كونغ،  بعنوان »هدف صعب« مع جان- كلود فان دام، انتقل الى أعمال أكبر وأكثر إثارة عبر »السهم المكسور« مع جون ترافولتا وكرستيان سلاتر (1996 ) ونجاح هذا الفيلم مكّنه من ميزانية أكبر لفيلمه اللاحق
Face/ Off
مع ترافولتا (مرّة ثانية في دور الشرير) ونيكولاس كايج٠
هوليوود فتحت ذراعيها وهو لم يتوقّف عن العمل  لا مخرجاً فحسب، بل منتجاً كذلك. في العام  2000 أخرج »المهمّة مستحيلة 2« مع توم كروز في البطولة ومن بعده انتج بضعة أفلام ولو أن أياً منها لم ينجز ذات النجاح السابق٠
في مطلع العام 2008 انتقل جون وو عائداً الى الصين وباشر تصوير »الصخرة الحمراء« بميزانية 80 مليون دولار. ظاهرياً، ليس هناك من شيء غريب في الموضوع: مخرج وعاد الى بلاده لينجز فيها فيلماً جديداً. ربما بداعي النوستالجيا، ربما بداعي التواصل من حيث ترك او .... ربما لأن الصين تستطيع أن تصرف على ملاحم تاريخية من دون نجوم معروفين، وهوليوود توفّر ما في خزينتها هذه الأيام للإنفاق على أفلام من بطولة لعب وحيوانات ومخلوقات من الكومبيوتر غرافيكس- ليس تماماً ما في بال جون وو

مليون محارب
الفيلم الذي اختاره المخرج مقتبس عن  رواية ضخمة (800 ألف كلمة وتحتوي على 120 فصلاً)  للكاتب كوانجونغ ليو بعنوان »غرام الممالك الثلاث« والميزانية المذكورة هي أعلى ميزانية فيلم تم إنتاجه في الصين وبأموال صينية. رواية تاريخية تقع أحداثها في العام 208 بعد الميلاد حين انطلقت جيوش الملك كاو كاو، من سلالة عائلة هان الشهيرة في التاريخ الصيني،  لتقهر ما أمامها من جيوش في الجانب الشمالي من البلاد ما دفع بعدد من كبار المحاربين المعارضين للهرب الى الجنوب والتخطيط مع مملكتها لمواجهة الغزاة المرتقبون. في ذلك الحين، كان الملك كاو كاو قد جهّز مليون محارب وعشرة آلاف سفينة لاجتياز النهر الكبير (نهر يانغتزي)  وضرب المملكة الجنوبية وقتل معارضيه في الوقت ذاته. تبعاً لذلك، بات واضحاً أن أراضي الجنوب الصيني ستقع تحت احتلاله أيضاً الا إذا استطاع بعض هؤلاء المحاربين الإتفاق على خطّة  كبيرة. هذه الخطّة مفادها مهاجمة السفن مجتمعة اعتماداً على قلّة خبرة محاربي كاو كاو بالسلاح البحري. المواجهة تحتدم والمخرج يعمد الى تفنيد ذلك بالإعتماد على مراجع تاريخية في نحو خمس ساعات. النتيجة فيلم ملحمي كبير في جزأين، تم عرضهما متواليين في الصين قبل توفيرهما حالياً كفيلم واحد من نحو ثلاث ساعات يجوب بعض الدول الغربية وينطلق على الأسطوانات قريباً٠

المخرج جون وود خلال تصوير »الصخرة الحمراء«٠

هذا الجهد الإنتاجي ليس منفصلاً عن صناعة سينما صينية متنامية في الأساس وتعود الى أواخر العقد الأول من القرن التاسع عشر حيث مرّت منذ ذلك الحين بعدة عصور ومراحل يمكن تقسيمها الى ثلاثة رئيسية: قبل الحكم الشيوعي (العصر الذهبي كما يراه بعض المؤرخين)  والعصر الشيوعي (عصر السٌلطات المتوالية بمستويات مختلفة من الهيمنة الرقابية)، والعصر الذي بدأ في الثمانينات بقيادة الجيل الخامس الذي لا زال يعمل جنباً الى جنب مع جيل جديد (السادس) من المخرجين٠
في كل هذه المراحل، احتل الفيلم التاريخي جانباً مهمّاً من صناعة الفيلم الصيني. أوّلاً لغزارة ذلك التاريخ وسعته واندماجه بفني الأسطورة والفانتازيا،  وثانياً لحب الصينيين مشاهدة أفلام ملحمية مليئة بمشاهد المعارك وصليل السيوف وصهيل الجياد، وثالثاً- وبعد أن آل الحكم الى الحزب الشيوعي سنة 1949، لأسباب تتعلّق بتوفير أفلام ذات مضامين تخلّد عظمة الصينيين من ناحية وتنتقد الإقطاع والمؤسسات التي حكمت جميعاً من زاوية ايديولوجية متوقّعة٠

حين انطلق الجيل الخامس من السينمائيين الصينيين الى العمل في مطلع الثمانينات عمد الى معاينة التاريخ على نحو غير مطروق من قبل. نحو يتضمّن الإيحاء بنقد اجتماعي للحكم الشيوعي خصوصاً لتلك الفترة المعروفة بإسم "الثورة الثقافية" والتي لم يكن منها ما هو ثقافي متاح، الا ما تصفه المؤسسة الحاكمة لمواطنيها تحت هذا العنوان. فترة كالحة نتج عنها الكثير من المآسي الإجتماعية من تهجير فردي او جماعي ومعارضة لكل منحى لتفكير فردي ضمن ما كان بقي مُتاحاً على قلّته، والكثير من العقوبات التي تراوحت بين السجن والنفي والقتل٠
مخرجو الجيل الخامس، مثل تيان زوانغزوانغ وزانغ جونشاو وتشن كايجي وزانغ ييمو تعاملوا مع تلك الحقبة بالنقد وشكّلوا بداية تغيير. أفلامهم، مثل »واحد وثمانية« لزانغ جونشاو والأرض الصفراء« لتشن كايجي و»أرفعوا المصابيح الحمراء« لزانغ ييمو، وصلت الى الشاشات العالمية بترحاب نقدي وجماهيري واسع وحملت الرغبة في طرح اسئلة محقّة حول الحياة الإجتماعية في ركاب المتغيّرات المتعددة للصين. بعض تلك الأفلام ساوم وبعضها عاند لكن الرقابة لم تمنحها اكثر من عشر سنوات قبل أن تشد قبضتها من جديد فيلجأ الأشهر من بين أبناء هذا الجيل الى الفيلم التاريخي- الفانتازي هرباً من أفلام الواقع التاريخي والرسالة الإجتماعية٠


The House of Flying Daggers
 
 ضبط النفس
زانغ ييمو،  على سبيل المثال، كان أوّل المتراجعين عن خطابه. أنجز سنة 1990 »جو دو« الذي رمز فيه الى الحكم المجحف للزعيم ماو والحرس الأحمر، مع أن قصّته تقع في عشرينات القرن الماضي، وبعده أرخى الحبل قليلاً في »أرفعوا المصابيح الحمر« من حيث عدم تعرّضه، مجازاً او رمزاً، لحياة ما بعد الثورة الشيوعية وإبقاء موضوعه في كنف الفترة ذاتها من القرن عينه٠
في العام 1994 عاد لمشاغباته فأنجز »لكي أعيش« الذي نقل أحداثه لما بين فترة بداية الحكم الشيوعي الى فترة بداية الثورة الثقافية. الرقابة لم يعجبها الفيلم وحكمت بمنع مخرجه عن العمل لعامين متواليين٠
حين عاد المخرج الى العمل واصل  التطرّق الى مواضيع تدور في رحي السنوات السابقة للثورة الشيوعية ممارساً ضبط نفس ملحوظ باستثناء مرّة واحدة سمح لآلام الحياة بالخروج الى السطح نوعاً وذلك في فيلمه الدرامي الجيد »الطريق الى الوطن« حول الأستاذ المٌبعد من قريته وعودته اليها ليجد فيها الحب والذكرى٠
لكن المخرج فيما بعد قرر أن يترك وراءه كل وجع الرأس المتأتّي من الرغبة في التطرّق الى المواضيع مواربة ومواجهة الرقابة حتى في هذا النطاق فاستدار الى الفانتازيات التاريخية بدءاً من »بطل« (2002) و»منزل الخناجر الطائرة« (2004)، وصولاً الى »لعنة الزهرة الذهبية« (2006). أكثر من ذلك، بدا أهلاً لثقة الحكم فتم إسناد إخراج الفيلم الإحتفائي بألعاب الأولمبياد في السنة الماضية اليه٠
مثله في هذه الرحلة تشن كايجي الذي اضطر للإنتقال ايضاً الى رحاب الفانتازيا التاريخية عبر أفلام آخرها الى الآن »الوعد« (2006). أما المخرج تيان زوانغزوانغ فكان أكثر المتضررين من موقفه النقدي للحياة الإجتماعية الصينية تحت إمرة الحكم الحالي.  فهو كان أخرج، في سنة  1993 الدراما الإجتماعية القوية ببساطتها »الطائرة الزرقاء« وتبعه، بعد ثماني سنوات، بفيلم إنساني عميق وعاطفي آخر هو »ربيع في بلدة صغيرة«. وفي كلا الحالتين تعرّض للمنع من العمل والسفر عقاباً عليهما،  لنراه هذا العام وقد أنجز فيلم معارك تاريخية موازية لما أخرجه زميلاه كايجي وييمو هو »المحارب والذئب«٠

الخزينة الصينية مفتوحة على وسعها هذه الأيام للإحتفال بكل ما هو تاريخي من دون خطوط سياسية تمضي الى الزمن الحاضر. كايجي وييمو لديهما مشاريع في هذا الإتجاه، كذلك تم إنجاز »تأسيس جمهورية« للمخرجين سانبينغ هان وجيانكشن هوانغ، المصنوع احتفاءاً بولادة الثورة الشيوعية قبل ستين سنة والذي وصلت تكاليفه الى نحو 60  مليون دولار٠
وفي أسابيع قليلة قادمة سنرى »مولان« للمخرج جينغل ما  حول المحاربة الصينية هوا مولان التي عاشت وحاربت الأعداء في القرن الثاني عشر. أيضاً يعود زانغ ييمو في فيلم »ثلاث مسدّسات«  ليقتبس من الفيلم الأميركي »جريمة بسيطة« (للأخوين كووَن) حكايته ناقلاً إياها الى صين مطلع القرن العشرين٠
والى مطلع القرن أيضاً انجز تيدي تشن »الحرس والقتلة« ليروي أحداثاً تقع في الزمن السابق للثورة من دون طموحات تخرج عن نطاق سينما الأكشن والفانتازيا التاريخية٠
لا عجب أن جون وو، في نهاية المطاف، وجد لزاماً عليه أن يعود الى الشرق لإخراج فيلمه الجديد الصخرة الحمراء«، طالما أن كلمة الحمراء لن تصف اللون المفضّل لدى أصحاب البلاد٠

PAGE  4 |  مقابلة

أندريه كونتشالوفسكي: "إذا انتقدت شيئاً فلا يعني هذا أني لن أفعله"٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ هوڤيك حبشيان ـــــــ
لقاء الزميل الناقد هوڤيك حبشيان بالمخرج الروسي أندريه 
كونتشالوفسكي يُثير الكثير من التأمّل في لا في مسيرة
المخرج وحدها، بل في مسيرة متغيّرات تسحبنا وراءها
م. ر



المقابلة الآتية أجريتها مع اندره كونتشالوفسكي في الدورة السابقة من مهرجان مرّاكش السينمائي حيث تم تكريمه. كنت حضرت بضع اسئلة بخصوص فيلمه الجديد »لمعة« الذي أعاده الى الشاشة بعد انقطاع دام نحواً من ست سنوات. لكن أخذتنا أشرطة الذكريات وأوضاع السينما في العالم عموماً الى حديث متقطع النبرة لا يرعاه أيٌّ من قيود المهمة الصحافية والهم النقدي وشروطهما. فخلال مجالستي له، رأيت أمامي سينمائياً مكسوراً بعض الشيء، لم يعد له الكثير ليقول سوى نعي السينما والسينمائيين وحتى أولئك الذين يقفون حصناً منيعاً أمام شاشات الاستهلاك. كان هذا السلوك متوقعاً الى حدّ ما من سينمائي عاصر كبار الشاشة السوفياتية وشارك في كتابة سيناريوات لثلاثة أفلام أنجزها أندره تاركوفسكي ما بين 1960 و1969 




Gloss |  من فيلمه الأخير "لمعة"٠

. غني عن القول إنني لم أوافقه في الكثير من المحاور، رغم تأكيده المتكرر لصواب رأيه، بدءاً من اعتبار السينمائي - المؤلف نوعاً من "جثة" امام جبروت الرأسمالية. وكبرت دهشتي تجاه آرائه المتسرعة وغير الدقيقة، عندما أكد انه لم يعد يشاهد الأفلام منذ زمن بعيد، لأن ليس بالمشاهدة  يتعلّم المخرج مهنته. فعلامَ يبني موقفه، سينمائيٌّ مثله هو في قطيعة تامة مع الحركة السينمائية، وخصوصاً عندما نتذكر أن السينما هي من أكثر الفنون (وهي أحدثها كما نعلم)، التي لا تزال قادرة على التزويج بين النخبوية والشعبية، في مسافة لا تبتعد الواحدة عن الأخرى، ولا ريب أنها أكثرها اليوم قدرة على انتاج الكنوز الثقافية؟ كيف ينعى كونتشالوفسكي السينما وهو غادرها منذ فترة ليست بقليلة، صناعةً ومشاهدة؟ هذا هو السؤال الذي كنت اريده ختاماً لحديثنا لولا توافر المزيد من الدقائق... واذا كانت السينما اليوم بألف خير، خلافاً لما يراه كونتشالوفسكي، فليست هذه حال سينماه، وهذا ما يتبدى جلياً من خلال فيلمه "غلوس" الذي يروي قصة فتاة تحلم بأن تصبح عارضة أزياء. لكنها، ومن دون أن تمتلك أيّاً من المقومات المطلوبة لمزاولة تلك المهنة، تصعد صعوداً استثنائياً الى قمة الـ"جت ست" الروسي. فيلم متواضع لمخرج قدير عن زمن بكامله في صورة فتاة. يغدو من الواضح بعد مشاهدته أن صاحب »سيبرياد« (1979)  الذي اجتاز مراحل عدة من مسار  مجيد، فيه صعود وهبوط، قبل أن يغادر ملهمته روسيا ليرسو عند شواطئ هوليوودية أقل اماناً، بات يعيش اليوم زمناً مضطرباً يحمله على التأفف٠
 قل لي، ماذا تغيّر في حياتك بعد حصولك على الجائزة
الكبرى لمهرجان كان العام 1979 عن »سيبيرياد«؟  

لا شيء اطلاقاً. هذه الجائزة كانت مهمة للأوروبيين والاميركيين - والغربيين عموماً، لكن لم تكن ذات أهمية كبرى بالنسبة الى الروس. على كل حال، كنت مستاء من حصولي على هذه الجائزة، لأن عيني كانت على "السعفة الذهب"! لا شك انني كنت متعجرفاً وفي مقتبل تجربتي. كنت اريد، على الاقل، أن اتقاسم "السعفة" مع كوبولا حازها عن فيلمه "القيامة الآن" مناصفةً مع شلوندورف عن فيلمه[ الطبل"]. واذكر انذاك انني قلت لشلوندورف انه افسد عطلتي " الصيفية (ضحك)٠

  جاءت بداياتك تحت تأثير فيلم روسي كبير
هو "عندما تمر اللقالق" لميكاييل كالاتزوف الذي
كان نال "السعفة" عام  1959 ربما لهذا السبب لا، لا اعتقد ذلك. كنت أؤمن بأنني صنعت فيلماً جيداً. حتى - كوبولا قال لي "أنني أقبل أن أتشارك الجائزة وإياك". كان سيبيرياد" صعب الانجاز وتطلب مني اربع سنوات من العمل " المتواصل. النسخة الاولى للسيناريو بلغت مدتها خمس ساعات. وكان ينبغي ان احذف منه كي لا يتجاوز الفيلم الساعات الثلاث. في النهاية وصلت الى كانّ ومعي فيلم مدته ثلاث ساعات وعشرون دقيقة. كنت اعتقد ان هذا الفيلم هو بالنسبة اليَّ شيء هائل، بقدر فيلم "1900 "  لبرتوللوتشي، ربما ليس بعظمته الفنية، انما... اليوم صرت أجد مثل هذا السلوك طبيعياً. انه سذاجة فنان. الفنانون أصحاب "أنا" لا تطاق أحيانا٠

 كيف كنت تشاهد هذه الكلاسيكيات. هل كانت تُعرَض
في الاتحاد السوفياتي آنذاك؟
  وحدهم الطلاب كان يحق لهم مشاهدة تلك الأفلام. لم تكن توزَّع في - الصالات. نحن تسنى لنا مشاهدة كل كلاسيكيات السينما الاوروبية

  تعاملت مع اندره تاركوفسكي. ماذا ترك فيك الراحل الكبير؟
 لم أتأثر به ولم يتأثر بي. تعاملنا معاً فحسب. كنت معاوناً له  وكنا نتعارك كثيراً. قمنا بالكثير من الحماقات معاًً. كنا شباباً. وبعد ثلاثة افلام انجزناها معاً، انفصلنا، لأن كلاً منا سلك طريقاً مغايرة لطريق الآخر. في مرحلة ما، بدأت أشعر أنني لم أعد اتعرف الى اسلوبه والى الأشياء التي صنعته في بداياته الاولى. آليته السينمائية باتت غريبة وقائمة على المطولات، وعميقة جداً، وهذا ما كان يثير مللي. هذه المشكلة كانت قائمة عنده منذ "أندره روبليف"، مع ان هذا الفيلم كان مختلفاً الى حدّ ما عن أفلامه اللاحقة، سواء في ايقاعه او لغته. حين كنت أوجّه اليه ملاحظة، قائلاً له إن أفلامه بطيئة وطويلة جداً، كان يردّ قائلاً: أنت لا تفهم! هذه كانت طريقته في العمل وأنا أحترمها، واستطاع ان يحول اسمه صفة، اذ اليوم بتنا نسمع عبارة على الطريقة التاركوفسكية ٠

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  فنّانو الامس هم حرفيو اليوم. ثم لا ينبغي
المغالاة في تعظيم دور الفنان وتحميله ما
لا يستطيع. الفنّ لم يعد يضطلع بالدور
الذي كان يضطلع به سابقاً
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  ألا تعتبر نفسك من السينمائيين الذين يجعلون اسلوبهم
 يتماشى مع ما تفرضه عليهم القصة؟
  أعتقد أن اللغة شيء ثانوي. الخطورة ان نصبح اسرى لها. على - اللغة، في رأيي، أن تبقى في خدمة المضمون. سينمائيون مثل يوسيلياني مثلاً يعتنون بلغتهم، واكاد أقول انهم لا ينجزون الأفلام الاّ من اجل تلك الغاية. وآخرون لا يهمهم الا ما سيروونه. خذ فيلليني مثالاً: انه لا يملك لغة سينمائية. أفلامه تمنح دوماً الانطباع بأنها حفلات أو مهرجانات. قد يكون مهرجان كارثة أو مهرجان رعب أو مهرجان حبّ. لكنها دوماً مغلّفة بالطرافة والموسيقى. يبقى هو مرجعي الأكبر، والعبقري الذي استلهم منه لأنه قادر أن يروي قصة فيها الكثير من الفرح والبهجة، حتى في زمن موسوليني٠

  سُلِّط عليك ايضاً سيف الرقابة في زمن الاتحاد السوفياتي،
 أليس كذلك؟
  للأسف، لم تعد هناك رقابة علينا اليوم. كان النظام انذاك يعطينا المال من جهة ويشرّع الرقابة من جهة أخرى. في ظلّ ذلك النظام انجزنا روائع السينما الروسية. ماذا حلّ بنا اليوم؟
أعتقد أن هذا شأن عالمي وليس شأناً سوفياتياً أو روسياً بحتاً. لم يعد للسينما الدور الذي كان لها في منتصف القرن العشرين او في نهايته. وهذا شأن الأدب ايضاً. حتى ديموغرافيا المستهلك تغيرت بعد "حرب النجوم". عندما كنا ننجز الأفلام في الستينات والسبعينات، كنا نتوجه الى مشاهدين يقرأون كتّاباً كباراً. السينما اليوم باتت شأن المراهقين. من هم في الاربعين لم تعد أقدامهم تطأ الصالة المظلمة. تغيّر دور السينما لأن المراهقين لا يريدون أن يمعنوا في التفكير والمضي خلف أسئلة الحياة الكبرى. صار التفكير وقفاً على الطاعنين في السنّ. اليوم نعيش في ذروة زمن "الانترتنت"٠

  العالم بأسره تأقلم مع هذا الواقع الجديد باستثناء روسيا
  الجميع في هذا المأزق. حتى الفرنسيون بدأوا ينجزون أفلاماً تجارية استعراضية على النسق الأميركي الهوليوودي. ثم ان هناك ظاهرة أخرى اليوم تضرب السينما الفرنسية وهي ظاهرة الرقابة، اذ، مع استثناءات قليلة، لا تجد أفلاماً تهاجم الاليزيه، وتراهم لا يتناولون الا مشكلات الفرد والعائلة ومواضيع ايروتيكية معينة. السينما الفرنسية موجودة لأن الدولة تدعمها ضمن سياسة تمويلية غاية في التعقيد. من جانبي لم أنجز يوماً فيلماً يناهض السلطة، لم أكن استطيع ذلك، لم يكن ممكناً، لكني أنجزت فيلماً عن فلاح تمت مصادرته. شيء آخر ينبغي قوله هو أن المناخ العام المهيمن على الوسط السينمائي لا تحدده فقط السياسة انما أيضاً الجمهور. وفي رأيي أن هذا الجمهور اليوم بات ينجرّ الى الاشياء السطحية. أعداد هائلة من الناس تمت "أمركتهم" على يد الأفلام الأميركية. مَن اعتاد مشاهدة "قراصنة الكاريبي" لن يهمه أن يتعرف الى حياة فلاح في قرية نائية٠

  ماذا عن أوضاع السينما الروسية وأحوال المشاهدين؟
  الأحوال متشابهة الى درجة كبيرة في كل اصقاع الكرة الارضية. ما - يريده الروس اليوم هو إما انجاز أفلام تكون تقليداً طبق الاصل للأفلام الاميركية ذات الانتاجات الضخمة (وطبعاً من دون أن يصلوا الى جودة الأميركيين في هذا المجال)، وإما افلام سوداء غريبة عجيبة لا تمتلك احتمالات النجاح. ثمة شباب اليوم يغوصون في الشغل السينمائي من دون أن يكون عندهم ادنى فكرة عن ماهية السينما. في ظلّ هيمنة السينما الأميركية ذات الانتشار الواسع، بات من الصعب انجاز سينما روسية وارضاء المشاهدين الروس بها. هناك مشاريع اقتباس كثيرة في بالي. لكن السؤال الذي اطرحه دوماً قبل مباشرة أي عمل: من سيشاهده؟ يجب ان نفهم ان أي بذرة تقع في أرض يابسة وجافة لن تثمر. أعيد وأكرر: نسبة عمر المشاهدين تدنّت، والمراهقون لا يريدون الاّ التسلية. إذا أُعطيتُ اليوم  إمكان ان اقتبس "الأوديسة" لهوميروس بموازنة مئتي مليون دولار ومن بطولة براد بيت فهذا يعني حتماً انني لن انجز سوى سلسلة مشاهد حركة بليدة على قدر عال من الغباء.  يُقال لي أحياناً "على الفنان أن يناضل، وأن يفعل كذا وكذا وكذا". أما أنا فأقول إن زمن الفنانين الطاهرين انتهى. فنّانو الامس هم حرفيو اليوم. ثم لا ينبغي المغالاة في تعظيم دور الفنان وتحميله ما لا يستطيع. الفنّ لم يعد يضطلع بالدور الذي كان يضطلع به سابقاً. حال الجوارب التي نلبسها وحال الفنان متشابهتان الى حدّ بعيد؛ كلاهما يحاول الصمود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان النظام انذاك يعطينا المال من جهة ويشرّع
الرقابة من جهة أخرى. في ظلّ ذلك النظام انجزنا
روائع السينما الروسية. ماذا حلّ بنا اليوم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  رغم ما تقوله، فأنتَ، ومن أجل إنجاز "تانغو وكاش"، تعاونتَ مع 
ستالون الذي يجسد رمز السينما الهابطة...٠
  طبعاً، طبعاً، اذا انتقدت شيئاً، فهذا لا يعني انني لن أفعله. لن  اتوانى عن انجاز فيلم تجاري، فقط لأسباب مالية. لكن انتبه. فليس كل ما أنجزته في اميركا كان لجني الارباح. هناك "عشيق
. Runaway train  ماريا" مثلاً او
  هل نستطيع ان نصف اقامتك في الولايات المتحدة بالمنفى؟•
   لا اظن ذلك. اعتبارها كذلك سيكون مجحفاً. ذهبت بعيداً عن روسيا - لأنني كنت اريد ان اتمتع بالحرية. ولا اتكلم عن الحرية الابداعية انما الحرية في التحرك والسفر. وكي اسافر حيث اشاء كان ينبغي أن يكون معي المال، وكي يكون معي المال كان ينبغي أن أخرج لأعمل خارج روسيا. كنت مهتماً بالسفر، وكنت اريد أن ارى هوليوود وباريس والمغرب...٠

  في أيٍّ من المسارين استطعتَ أن تواجه الأسئلة السينمائية 
الشائكة: المسار الروسي أم الأميركي؟
  لا وجود لمسارين في حياتي. المساران متلازمان ولا ينفصل الواحد عن الآخر. مساري يعكس طريق رجل يأتي من تركة ثقافية عالية  داخل نظام معقد جداً، وأراد فجأة أن يخرج من  بلاده حباً بالمعرفة والسفر والإكتشاف.  فغيّر جواز سفره وانطلق في تجربة أخرى. لو كان في مقدوري آنذاك ان اتنقل على راحتي، كما هي الحال اليوم، لكنت بقيت في روسيا٠

  ما رأيك بسينما شقيقك نيكيتا ميخالكوف؟
  انه لسينمائي كبير. كفيلسوف، لا اوافقه الرأي. لا اشاركه - نظرته الرومنطيقية الى روسيا، لكوني أكثر تهكماً على أوضاع بلادي وتاريخها٠

  سمعت انك لا تتابع الحركة السينمائية في العالم وما يعرض هنا
وهناك؟
  لست سينيفيلياً. لا أعرف السينما جيداً ولا أذهب الى الصالات الا نادراً. صديق كاتب لي كان يقول لي "لا يكفي أن تقرأ الكتاب المقدس ودوستويفسكي كي تتعلم الكتابة". لذا، ليس من المفيد دوماً ان نشاهد كل شيء. أفضّل أن اعيد مشاهدة الأفلام التي صنعتني سينمائياً، من فيلليني الى برغمان مروراً بكوروساوا وبونويل

 اذاً، نستطيع أن نقول انك من السينمائيين الذين يستلهمون
من الحياة أكثر من كونهم يستلهمون من السينما؟
  بالتأكيد. للمناسبة أنا لست سينمائياً بل مخرج، لكوني أنجزت - مسرحيات واوبرا وسيركاً وميوزيكلات. في العمل أنا شبيه بالقرد: مقلّ وفضولي. بعض السينمائيين يقدّمون أعمالاً اوبرالية على خشبة المسرح من حين الى آخر. انا نقيضهم: مخرج مسرحي ينجز الأفلام السينمائية


PAGE 5 |  نافذة خلفية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا ـــــــــــ
مهرجان دينار السينمائي - 1974: أوّل مهرجان حضره هذا الناقد، بلا دعوة

الفصل الأول (من إثنين): حرب العصافير
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العصفور: مريم فخر الدين وصلاح منصور

تمهيد
في العام 1974 أقيمت في بلدة بيت مِري في لبنان،  دورة من مهرجان »دينار« للسينما الفرانكوفونية.  لم أستلم دعوة، لا بصفتي ناقداً ولا بصفتي صحافياً ولا حتى بصفتي شابّاً صغيراً يريد أن يتعرّف على المهرجانات ويتابعها أسوة بالآخرين الذين كانوا قادرين على السفر الى أركان الأرض الأربعة لحضور مهرجاناتها٠
كذلك  لم يتم دعوتي كرئيس تحرير أول مجلة سينما لبنانية (بالعربية) وهي »فيلم«، ولا حتى ناشرها المخرج جورج شمشوم وبعض أركانها الآخرين مثل زيناردي حبيس وإدغار نجّار والمرحوم حسّان أبو غنيمة٠
لكن ذلك لم يمنع المخرج جورج شمشوم، ناشرها من الإصرار على الحضور ووجدت نفسي في مشاوير مكّوكية بين بيروت وبين بيت مِري. كتبت ونشرت ما كتبت ونشرت في مجلة »فيلم« بعد إنتهاء المهرجان، لكني تركت الزبدة للآخرين الذين تابعوا فاعلياته٠
في الزيارة قبل الماضية الى بيروت، إكتشفت تقريرا مفصّلاً طبعته على الآلة الكاتبة حول المهرجان ولا أدري إذا ما كنت نشرته في مكان ما او لا. حين قرأته وجدته يبحث في نواحي تكشف عن مشاكل ناتجة عن اختلاف وتباعد المفاهيم بين النقاد والسينمائيين أنفسهم. وما أشبه اليوم بالبارحة
التالي النص كما كتبته بإستثناء تصليحات إملائية قليلة، وما لابد من إضافته (بين هلالين) لتبيان او ايضاح الصورة.٠
محمد رُضا 

عندما انتهى آخر عرض يوم السبت في 8 أيلول/ سبتمبر في الساعة الثانية عشر والنصف، دُعينا نحن النقاد الى اجتماع لإنتخاب الفيلم الرابح. جرى كلام حول إعطاء جائزة النقاد لفيلم (سهيل) بن بركة الرائع »ألف يد ويد«. بعدا لتشاور علم المجتمعون أن إدارة مهرجان دينار سوف تعطي الفيلم جائزتها الأولى فاستبعد. حل مكانه  فيلم "العصفور". العديد من النقاد، وبينهم فرنسي واحد وبلجيكي وأفريقيّين وخمسة لبنانيين وأردني يعمل في سوريا (قُصد به الزميل حسّان أبو غنيمة) أعطوا ملاحظات على "العصفور" ذات شكل لطيف ومخفف أنما قالوا في مبرر إعطائهم الجائزة أنهم قد وجهوها لفيلم يوسف شاهين نظراً لحب المخرج الى بلاده ونظراً لنوعية الأفلام السابقة التي قدّمها الى السينما العربية٠
عند التصويت، عارضت ترشيحه فكنت الوحيد الذي أبدى رأياً مضادّاً مرشّحاً مكانه فيلم بلجيكي  بلغ حدّاً كبيراً من الجمال والإتقان موضوعاً وشكلاً عنوانه »وطني، وطني الحبيب« لبنوا لامي٠

طبعاً، كوني الوحيد المعارض جعل الكفّة تميل أكثر الى جانب "العصفور" فأعطي جائزة النقاد ونال فيلم عربي آخر جائزة المهرجان وهو "ألف يد ويد" لسهيل بن بركة (المغرب). وإن كان لابد التفضيل بين هذين الفيلمين، وكانت هذه المرّة الأولى التي ينال فيها فيلمان عربيان جوائز مهمة في مهرجانات غير عربية (لا  أستطيع اليوم التأكيد على هذا الإستنتاج الا ببحث موسّع لكني لا زلت أميل اليه)  فإنني أفضل لغة سهيل بن بركة السينمائية الواضحة  ذات الموضوع الإنساني- السياسي السليم علئ ذاك الذي أخرجه واحد من أشهر مخرجي السينما العربية بأسلوب لا يفتقد التعقيد فقط، إنما الأمانة [هذا الرأي الحاد نتج آنذاك عن وجهة نظر لم تتحمّس للتفسير السياسي الذي حمله الفيلم ودلالاته، لكن نظرة لاحقة الى الفيلم حين تمّت مشاهدته مرّة أخرى، قدّرت حريّة رأي المخرج وإن وجدت تكلّفاً في سرده ما يجعل كلامي عن سلاسة فيلم بن بركة مقابل تعقيد فيلم شاهين في محلّه غالباً)٠


المخرج السويسري كلود غوريتا

في أول أيلول/ سبتمبر كان المهرجان بدأ٠ بيت مَري (منطقة جبلية جميلة) مليئة بالغيوم وقاعة فندق البستان صباحاً ليست مكتظّة. المخرجون والنقاد الأجانب كانوا السبّاقين الى التواجد في تلك القاعة بينما السينمائيين اللبنانيين، اللهم الا إذا كانت لهم علاقة مباشرة مع المهرجان، كانوا أرفع من أن يأتوا صباحاً مؤجّلين حضورهم الى المساء (قصدت نقد الشلّة النقدية التي كانت سائدة آنذاك)٠
الفيلم الأول الذي عُرض كان خارج المسابقة وعنوانه »تريستان وايزو« لإيفان لاغراف. إنه نقل صوري عن الأوبرا الشهيرة بنفس الإسم والتي تمثل في ساعة ونصف الصراع والكآبة التي تحيط بالبشر نتيجة صراعاتهم. فيلم لاغراف لم يكن عميقاً في نقل هذا البعد، إنما مشاهده لوحات جميلة لا يمكن أن تُنسى. الأجواء الشاعرية القاسية وأجواء وطبيعة أمكنة التصوير نفسها (صوّر الفيلم عموماً في المغرب) منحت للفيلم صور فريدة التأثير والجمال٠
في نفس اليوم عند الثالثة والنصف عُرض أوّل الأفلام اللبنانية التي اشتركت في المهرجان "من أجل إعطاء صورة عن السينما اللبنانية" ... وأي صورة!٠
الفيلم كان "الأجنحة المتكسّرة"، آي تلك المذبحة السينمائية التي قُتل فيها جبران خليل جبران وأدبه وأبيح عالمه لمخرج من الدرجة الأخيرة هو الراحل يوسف معلوف [نفسه يوسف معلوف الذي كان قبل ذلك أخرج بضعة أفلام مصرية]. وفي كل يوم في الساعة الثالثة والنصف كان الموعد المقرر مع تلك التحف اللبنانية: "إلى أين؟" لجورج نصر، »بيّاع الخواتم" ليوسف شاهين (إنتجه السوري نادر الأتاسي وحمل الهويّة اللبنانية)، "الأخرس والحب" لإميل بحري، "كلنا فدائيون" لغاري غرابتيان و»مئة وجه ليوم واحد" لكريستيان غازي٠
عند مساء اليوم الأول ذاته، عرض فيلمان داخل المسابقة الأول "تيرو" كندي من إخراج كليمان بيرو، والثاني "دعوة"، سويسري لكلود غوريتا [شوهد لاحقاً أيضاً وهو من أفضل أفلام الفترة]. وبينما كان الأول عرض مجاني لمشكلة شاب ملقّب بالثور لضخامة جسده ولتصرّفاته الصبيانية، تعمل أمه راقصة ستربتيز وتتعهّر فيما بقي من ليلها، استعرض الثاني بكثير من الحس والمقدرة عالم البرجوازية المريض من خلال ثمانية شخصيات تتلقى دعوات لزيارة موظّف في فيلّته الضخمة. طوال الفيلم نحن في حديقة وغرف تلك الفيللا نتعرّف على أفكار وتصرّفات (قصدت أن أقول سلوكيات) ومستويات البشر كما تنطلق رأساً وبعفوية من أعماقهم. الفيلم ذكّرني برائعة لويس بونويل الأخيرة "الحياء اللطيف للبرجوازيين" إنما لكل منهما أسلوبه الخاص ضمن المعالجة النفسية والموقع الفكري المتشابه٠

البسمة الأولى
في صباح اليوم الثاني عدد الحضور لا يزال قليلاً. أمام أعينهم عرضٌ لمخرج جزائري خارج المسابقة. المخرج هو محمد بن صالح والفيلم الذي حققه عنوانه "الواحد والآخرون". بن صالح حاول استعراض مشكلة المهاجرين الجزائريين في فرنسا. كاد أن يفعل العكس. الموضوع الذي اختاره بدا مطروقاً بحيث أن كل مهاجر يعرفه (الموضوع) وهو حكى عنه كبديهية ملتفتاً الى مواضيع جانبية أخرى لم يكن لها أساساً أي أهمية (أنقل العبارة على ركاكتها من دون أن أفهم اليوم ما الذي قصدّته آنذاك)٠
الثاني هو أفضل ما شاهدته في المهرجان. سهيل بن بركة مخرج مغربي يحب الكتمان والتخفّي. يستمع جيّداً الى الحوارات القائمة دون أن يشارك بها. في أوائل العام الحالي كان قد أنهى هذا الفيلم الأول له المعنون بـ "ألف يد ويد" والمعنى المقصود يبرزه الفيلم ويؤكد عليه  مستعرضاً حالات مأساوية (مأسوية): مدينة مغربية تصنع النسيج. أحد عمّالها يقع أثناء العمل فيصاب بما يستوجب الطبيب. لكن الطبيب يأنف عن الحضور فيخرج إبن العامل الشاب بحثاً عن أي عمل وعندما لا يُقبل في أي مكان، يتّجه الى بيت صاحب المصنع الثري. يقابل زوجته التي تصرخ فيه كيف جرأ وداس على السجّاد الذي هو من صنع يديه ويدي والده. هنا يثور ويقتلها ويعتقله فيما بعد البوليس
لتحقيق فكرته حول الأيدي العاملة واليد الوحيدة التي تقبض أتعابهم وتتعامل بها من دون شفقة، عمد سهيل الى بعض التأثيرات غير المضرّة وإن بدت أحياناً غير واجبة. هذه التأثيرات تتعلّق ببعض الجماليات الشكلية التي استخدمت أكثر من مرّة إنما في مناسبات متاحة وليست مناسبات اصطناعية. ومنها ما يتلعق بإظهار طفلة صغيرة بدأت المأساة تضع خيوطها الغليظة من حولها هي الأخرى. لكن هذه الجماليات والمؤثرات لم تنل من قيمة عمل المخرج الذي لا يمكن تحسسه الا بألم. الجمهور كان غفيراً وأعطى الفيلم فوراً ثقته وحبه متعاطفاً معه وكان سبب بسمتي الأولى منذ بدأ المهرجان أعماله

صورة للرئيس السادات
في اليوم الثالث  أنزلونا الى بيروت. هناك أربعة أفلام الصورة فيها على بكرة والصوت على بكرة أخرى، وهذا ما لا تقدر عليه آلة العرض التعيسة التي في الفندق الأفلام الأربعة تعيسة بدورها وأتعسها فعلاً هو ذلك الفيلم المعنون "صورة للرئيس السادات"  لـلي ديراي وف. شوفيل. إنه ساعة من الإعلان المفتوح الذي لو أدّى الى نتائج اعلامية ايجابية لهان الأمر، لكنه أدى الى نتيجة سلبية تظهر واضحة عند كل مشهد، إما من خلال تصوير سلبيات الحياة القاهرية، كالزحام والفوضى، وإما من خلال تصريحات السادات نفسه الى الصحافيين وهو يكلّمهم عن طفولته وعما كان والديه وجدته يقولونه له حين كان صغيراً. ويصل الفيلم الى السخافة فعلاً عندما نرى السادات يخلع ثيابه لينزل الى منطقة نائية من البحر. يسير أكثر أكثر من عشرة أمتار فوق الرمال المطمورة بالمياه ثم يغطس متمهّلاً كهاو، وما هي الا نصف دقيقة حتى يخرج مشيراً بيده الى بعض أصحابه أن انتهى الإستعراض فيعود الى الشاطيء حيث يسارع أحد الذين معه لكي يضع عليه بعض الثياب٠

في نفس اليوم مساءاً شاهدنا أحد أفضل ما التقطناه في هذا المهرجان من أفلام: فيلم مدّته نصف ساعة وعنوانه »العتبات الممنوعة» وفيه يحكي المخرج رضا الباهي عن مجتمعه التونسي المكبوت [تعرّفت على الصديق رضا الباهي لأول مرّة خلال هذا المهرجان ولا تزال صداقتنا وطيدة الى اليوم]. إنه عن شاب يبيع للسائحات البطاقات البريدية طوال النهار. نراه يرقب سيقان السائحات ويتمناها وعندما يذهب الى غرفته الصغيرة يعمد الى العادة السرّية تخلّصاً وهمياً من كبته. في أحد الأيام يلحظ وجود سائحة في داخل أحد المساجد. يلحق بها وهي تدخل غرفه وصوامعه وعندما تصبح وحدها بعيداً عن الأعين يغتصبها. يقول الباهي  بصراحة: " هذه القصّة حدثت، وبورقيبة أصدر حكماً بالسجن 25 سنة على ذلك الشاب متجاوزاً بذلك قرار المحكمة ومبرراً حكمه بأنه سيضع حدّاً لمضايقة السيّاح. بالنسبة إليّ، المشكلة ليست في ذلك الكبت الجنسي الذي يعاني منه القيراوانيّون [صوّر الباهي الفيلم في بلدة القيراوان التي وُلد فيها بدوره) بل في كون السياحة التونسية وتنشيطها يتم بعيداً عن تنشيط الأسس الإقتصادية والحياتية للشعب التونسي. أردت أن أقول أيضاً أن اغتصاباً أهم وأخطر من الذي قام به الشاب يتم دوماً عبر تحويل الجوامع الى أماكن سياحية يدفع الداخل اليها بضع فرنكات لزيارتها"٠
فيلم رضا الباهي ممنوع من العرض والحجة كانت في وضع صورة بورقيبة الى جانب سيقان إحدى الممثلات في الفيلم، وذلك في مشهد صوّره رضا داخل بيت الشاب (بطل الفيلم)، لكن المخرج يؤكد أن طمس حقيقة الفقر والمبررات التي دفعت ببطل فيلمه لاغتصاب السائحة هو الذي كان السبب وراء قرار المنع٠

مؤامرة فرانكفورية
في اليوم الرابع بدا وكأن كل شيء سيسير اعتيادياً. فجأة همهمات بدأت تصل الى المتواجدين: فريق من السينمائيين الشباب يرفض المهرجان ويحضّر لبيان يطرحه أثناء المناقشة الليلية التي تقام إثر إنتهاء العروض٠
الجميع ينتظر ما يمكن أن يثيره البيان من ضجيج. دخلوا الصالة لرؤية فيلم عمّار الخليفة »صراخ« وهم يفكّرون بما سيحدث على الأثر. فيلم الخليفة بالمناسبة مأخوذ عن فيلمين عربيين آخرين: "بس يا بحر" لخالد الصديق و"سلام بعد الموت" لجورج شمشموم [هذا كان ما استوحيّته آنذاك لكني لست واثقاً من ذلك اليوم] حاكياً عن شاب يسافر الى عرض البحر تاركا حبيبته التي كان يقابلها سرّاً . هذه الحبيبة تتزوّج غصباً فيموت الشاب حسرة وتجن هي٠ قبل أن تجن يستعرض الخليفة قصّة اختها التي اغتصبت فقتلت من اغتصبها ليجتمع أهل القرية على قتلها محواً للعار. حوالى  9 قتلى و7 مشاهد مسروقة وأسلوب سلماني (نسبة الى المخرج اللبناني الراحل محمد سلمان) ولا ينتهي الفيلم الا بطلوع الروح٠

نخرج الى المناقشة ونستمع
برهان علوية، المخرج اللبناني الذي حاز على جائزة من لجنة التعاون الثقافي العربي- الفرنسي يتكلّم عن فيلم قصير له عرض بعنوان "ملصق ضد ملصق" . يتساءل (المنشّط والصحافي السينمائي) وليد شميط الذي أدار المناقشات، إن كان هناك أحد عنده سؤال. لا أحد يجيب فينتقل الحديث الى فيلم جورج نصر "الى أين«. يحكي المخرج بالفرنسية عن فيلمه وقصّة حياته. مرة ثانية يسأل وليد شميط إن كان أحداً لديه سؤال ثم يعطي الكلام بإشارة الى مهندس الصوت الى مجموعة شبان بينهم (الناقد) إبراهيم العريس (والمخرجون) جان كلود قدسي، بهيج حجيج وجان شمعون، ليتلوا بيانهم وقد جاء فيه أن أصحابه يتساءلون عن السبب في عقد المهرجان في لبنان أولاً، وفي فندق البستان تحديداً. وبشرحون أن هذا الإختيار، بل وهذا المهرجان إنما هو إحد حلقات الصراع بين الفرانكوفونيين والأنغلوساكسونيين وإن لبنان لا يمكن اعتباره ناطقاً، ولو جزئياً بإحدى هاتين اللغتين٠
البيان لاقى عند الكثيرين حماسة فصفّقوا له بينما اكتفى البعض بالصمت وصفّر ضدّه بعض ثالث. هنا هب منشّط النوادي أنطوان عويس وهاجم البيان متّهما الذين صاغوه بمحاولة تخريب المهرجان وتشويش علاقات لبنان وتسييس المهرجان. رد البعض عليه بإستهزاء من أفكاره خاصّة عندما قال: "أتركونا من السياسة". بعد دقائق قليلة انصرف الجميع وبقيت الساحة خالية الا من الكراسي المرصوفة والموائد المغطّاة بأعقاب السغائر وشاب ينظّفها وحيداً في العتمة٠

يتبع٠٠٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular