Dec 20, 2009

بيان مفتوح ضد السرقة | حديث مع المخرج جيمس كاميرون حول فيلمه الجديد "أفاتار"٠ | ذكريات المهرجان الأوّل

Year 3. Issue 476

 أفلام القمّة: أڤاتار يقود




تضاربت الأنباء حول إداء فيلم "أڤاتار" في أيام افتتاحه. الرقم الذي ارتسم أوّلاً هو 73 مليون دولار (في شمالي أميركا) وأكثر بقليل من 150 مليون دولار حول العالم. لكن الرقم الأميركي ارتفع الى 77 مليوناً ونجده حالياً في قائمة مجلة  "فاراياتي"  93 مليون دولار عن الأسبوع بأسره٠
لمن يرغب في معرفة كيف يبدو سباق الأفلام هذا الأسبوع القائمة بأكثر عشرة أفلام رواجاً في تلك السوق  مع تقييم الناقد لما شاهده منها  وذكر إسم المخرج ، ومجموع إيراد كل منها الا إذا ما كان فيلماً جديداً في أسبوعه الأول٠

 1- Avatar | James Cameron  ****
Sci Fi (20th Century Fox): $93,411,301
جديد
2- The Princes and the Frog |Ron Clements ***
Animation (Disney) | : $15,101,870
$47,633,642: للآن
3- The Blind Side | John Lee Hancock  ***
Drama (Warner Bros.) :  $10,021,280
$166,726,943:  للآن
4- Did You Hear About the Morgans? | Marc Lawrence **
Comedy (Sony): $7,702,144
جديد
5- Twilight Saga: New Moon | Chris Weitz **
Horror (Summit Entert.): $5,325,180
$275,414,901:  للآن
6- Invictus | Clint Eastwood ***
Drama/ History (Warner): $4,949,372
$: 16,624,157: للآن
7- A Christmas Carol | Robert Zemeckis ***
Fantasy (Disney): $4,324,826
$131,694,716:  للآن
8- Up in the Air| Jason Reitman **
Comedy  (Paramount): $3,736,196
$8742,115: للآن
9-  Brothers  | Jim Sheridan <>
Drama (Lionsgate): $3,438,168
$22,898,909:  للآن
10- Old Dogs | Walt Becker *
Comedy (Disney):  $2,828,186
$44,113,082:  للآن

1
رحيل صديق | رون هولواي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بأسف وانزعاج شديدين استقبلت نبأ وفاة الزميل رون هولواي عن 74 سنة٠
كان ناقداً سينمائياً مارس الكتابة في أكثر من مكان منتقلاً من ذ هوليوود ريبورتر الى سكرين إنترناشنال وربما قبلهما فاراياتي. كان يكتب أيضاً مقالات تاريخية عن بعض جوانب السينما وأخرج عدداً، ولو قليلاً، من الأفلام الوثائقية من بينها فيلم جيّد عن المخرج الأوكراني سيرغي بارادجانوف٠
عرفته من مطلع الثمانينات. أميركي انتقل الى برلين واستقر فيها. كان ودوداً، لطيفاً ودمث الأخلاق، يذكّرك بمن كنت تسمع عنهم بهذه الصفات من عهد مضى. تزوّج من ممثلة مسرحية ألمانية أسمها دوروثي وكان دائم الظهور في المهرجانات٠
كان يحمل معه في حقيبته في كل مهرجان يحط الرحال إليه، أعداداً من مجلة عن السينما الألمانية تصدر بالإنكليزية ليوزّعها على النقاد. كانت مجلة صغيرة لكنها معلوماتية مفيدة وكان يصدرها من جيبه الخاص ويجد بعض الإعلانات لتسديد الفاتورة إذا تمكّن. وكنت دائماً ما أقول لنفسي حين أشاهده يفعل ذلك: ها نحن عشرون ناقداً سينمائياً  وخمسين آخرين يتعاطون الكتابة في السينما وليس لدينا مجلة واحدة. من يملك لا ينتج ومن لا يملك يحلم٠
كنت أقف وإياه ذات مرّة في صالة قصر المهرجان في برلين وكنت آكل الفستق. عزمته عليها فقبل الدعوة لكنه ضحك وقال: "أنت دائماً تدعوني الى شيء". لم أكن فكّرت بذلك من قبل، لكنه ذكّرني إنني في كان عزمته على آيس كريم (وقَبِل)٠
زوجته كانت تماثله دماثة وكانت تنتظر منّي، كلّما التقيت بها عند مدرج قصر مهرجان كان او عند باب برلين (بإنتظار فتح الأبواب) أن أضحكها، طوّرت عندي، عبر السنين، النزعة للسخرية الباردة.  وكنت استمتع بذلك. بعض الناس تشجعك على تكون  سعيداً وذلك يسعدها أيضاً. والفيلسوف بلوتو قال قبل هكذا ألف سنة: "كن رؤوفاً مع الآخر فلابد أنه، مثلك،  يعاني من مصاعب الحياة"٠ 
رون هولواي ... وداعاً٠

2
بيان | ضد لصوص المقالات والوضع الفاسد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أدناه، عزيزي القاريء،  بيان قررنا، أمير العمري وصلاح سرميني وأنا، إصداره وتوجّهنا به الى مجموعة من النقاد والصحافيين السينمائيين طالبين تأييدهم لما يرد فيه. إنه صرخة ضد لصوص المقالات الذين يستسهلون السطو على جهد الآخرين نسبوه الى أنفسهم او لم ينسبوه. وبالأمس فقط صحا الزميل سرميني على سرقة جديدة، كان كتب مقالاً من جزأين حول المثليين في السينما في موقع إيلاف فإذا بموقع آخر (أعتقد أن أسمه المنتدى) ينشره بلا إذن لا من ايلاف ولا من الناقد ... وبلا إسم صاحبه بالطبع٠
رأيي الخاص، أن الفساد يستشري  في هذا المجتمع العربي بأسره. في أركانه السياسية والإدارية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والفنية الخ ... البيان لن يضع حدّاً له، وبل لن يضع حدّاً لسرقة المقالات أساساً، لكن لو ارتفع صوت كل منا في حقله ليصلّح خطأ واعوجاجاً ألن يصبح عالمنا أفضل مما هو عليه الآن؟ لو أننا كل في مجاله سعى (على الأقل سعى) لتغيير جزء صغير من حياته لانتشر ذلك الفعل بيننا وأصبح من الصعب على أي لص، في أي من الأركان المذكورة أعلاه، التمتّع بالحصانة التي نمنحها له حين لا نتصرّف او نتصدّى٠
البيان جمعني والزميل صلاح هاشم الذي دائماً ما اعتبرته صديقاً عزيزاً وإنساناً مخلصاً وصادقاً وهذا ما جعلني أدرك أكثر وأكثر أن في الإتحاد قوّة. الإتحاد وحده هو الذي يستطيع أن ينجز الأهداف في هذا الزمن الصعب، والتفرقة هي ما يهدم وما يجعل المرء غير قادر وحده على تحقيق أي حلم٠
لكن البيان ليس وقفاً على نقاد السينما. نريد من السينمائيين، مخرجين ومدراء مهرجانات وممثلين وكتّاب سيناريو ومدراء تصوير، الإنضمام اليه، لذات السبب الواضح المعني بعملية السعي لإصلاح خطأ  حاصل كما لسبب آخر مهم جدّاً: النقد السينمائي ينتمي الى صلب العملية السينمائية في كل هذه الحقول من إخراج وتمثيل وكتابة وتصوير ومونتاج وموسيقا الخ... إنه ليس عمل خارج عن نطاق الصناعة  التي تعاني الكثير من الفساد بدورها. ربما نبدأ هنا، ثم معاً نستطيع إعادة الحياة الى الحياة السينمائية الواقعة اليوم تحت براثن ذات النوع من الفساد الإخلاقي الذي نتحدّث عنه٠
اليكم البيان مسبوقاً بالرسالة التي تم توجيهها الى الأصدقاء والزملاء

الآنسات، السيدات، والسادة
تحيةً لكم جميعاً، وكلّ عام، وأنتم بخير
يُسعدنا، من خلال هذه الرسالة، إطلاعكم على بيانٍ بعنوان: "من أجل حماية الأخلاقيات المهنية للنقد السينمائي"٠
وسوف تجدونه كاملاً في الملف المُرفق مع أسماء القائمة الأولية للنقاد السينمائيين العرب الذين وافقوا عليه٠
وللفائدة العامّة، نأمل من جميع الزملاء في المشهد السينمائيّ، والنقديّ العربي المُتضامنين مع محتوى البيان، وأهدافه، المُساهمة معنا في الإعلان عنه، والترويج له بالطريقة التي تجدونها مناسبة
ـ نشر الخبر في الوسائل الإعلامية التي تتعاملون معها (إذاعات، قنوات تلفزيونية، صحف، مجلات، مواقع، مُدونات، منتديات،...)٠
ـ الترويج له عن طريق صفحاتكم، ومجموعاتكم في موقع الـ
او أي مواقع مماثلة  Facebook
ـ تحويل البيان إلى من يهمّه الأمر في قائمة عناوينكم الإلكترونية، وخاصةً السينمائيين من كافة اختصاصاتهم، النقاد، الإعلاميين، الصحفيين، وكلّ العاملين في مجال الثقافة السينمائية،..
نشكركم سلفاً للمُساهمة معنا في تطوير، ونشر الثقافة السينمائية، والتكاتف لدعم السينما العربية، والسينما بشكلٍ عامّ كوسيلة تعبيرٍ ثقافية، وإنسانية٠
****
بعد قراءة البيان المُرفق، نأمل الحصول على موافقة أكبر عددٍ من النقاد، الصحفيين، والعاملين في الحقل السينمائي، وبإمكان من يرغب تحويل الرسالة إلى مُرسلها مع كتابة، أو نسخ الفقرة التالية:

"قرأتُ البيان بعناية، وأوافق على محتوياته، وأضمُّ صوتي للتصديّ لظاهرة السرقة، والنصب، والاحتيال في الثقافة السينمائية العربية، وبإمكانكم نشر اسمي في قائمة الداعمين لهذه المُبادرة"٠

كما يُشرفنا تلقي ملاحظاتكم، وأفكاركم لتطوير هذه المُبادرة كي تكون مفيدةً، ناجعةً، وفعالة٠

ولمزيدٍ من المعلومات، يُرجى التواصل مع
محمد رضا
merci4404@earthlink.net
أمير العمري
emary20@hotmail.com  
             صلاح سرميني
salah_sermini@hotmail.com
من أجل حماية الأخلاقيات المهنية للنقد السينمائيّ

قررّ المُوقعون أدناه، توجيه هذا البيان إلى المُؤسّسات الإعلامية العربية كافةً من أجل حماية الأخلاقيات المهنية للنقد السينمائيّ، والكتابة السينمائية الجادّة، وذلك لمواجهة إنتشار ظاهرة السرقات التي يتعرّض لها نقاد السينما العرب من قِبل دخلاء يلجأون إلى هذه الوسائل غير الأخلاقية٠
فقد تفشت خلال السنوات الأخيرة، ظاهرةٌ خطيرةٌ تهدّد الثقافة السينمائية العربية، وتعرقل مساعي نقادها السينمائيّين، تتجسد في النقل، القصّ، اللصق، الانتحال، الترجمة بدون ذكر المُؤلف، والمصدر، أو السرقة الكاملة للنصوص النقدية.
وأمام الاستسهال، وفقدان آليات المُحاسبة، ومن أجل مواجهة هذه الظاهرة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، أصبح من الضروري أن ترتفع أصوات النقاد السينمائيين، وكلّ من يكتبون عن السينما، ومن يعتبر نفسه صادقاً، نزيهاً، وشريفاً، للتصدّي بكلّ الوسائل المُتاحة للسرقة، والقائمين بها٠
ولهذا السبب، تكوّنت هيئة أولية من بعض نقاد السينما المهمومين، والغيورين على الثقافة السينمائية العربية، كي تأخذ على عاتقها الدفاع عن وجودها، ومهنتها٠
نعتبر من حقّنا، وواجبنا حماية هذه المهنة من الانحدار، أو حتى الاندثار، وإعادة الاعتبار إلى النقد، والصحافة السينمائية، وهذا لن يتحقق إلاّ بمُواجهة هذا التسيّب الحاصل، وتساهل العديد من أجهزة، ومؤسّسات، ووسائل الإعلام في هذا النطاق٠
إننا نعتبر المادة النقدية المكتوبة عملاً إبداعياً خاصاً، لا يختلف عن كافة الأعمال الإبداعية الثقافية، والفنية، والأدبية، وسواها، وبالتالي، تمتلكُ حقوقاً ثابتة تُسمّى "حقوق المُؤلف"، ولا يجوز الاعتداء عليها عبر نقلها، أو سرقتها٠
من هذه الاعتداءات
* نقل جُملٍ، أو فقراتٍ بدون الإشارة إلى المُؤلف الأصلي، والمصدر
* الترجمة الجزئية، أو الكاملة لمقالٍ، أو دراسةٍ بدون الإشارة إلى المُؤلف، والمصدر
* السرقة الجزئية، أو الكاملة لمقالٍ، أو دراسةٍ كتبها ناقدٌ، ونسبها الشخص المُنتحل إلى نفسه بعد حذف اسم صاحبها عنها، وتغيّير بعض جُملها، وعباراتها بقصد التمويه٠
* نقل، انتحال، أو الاستحواذ على خبرٍ، بيانٍ، أو ملفٍ صحفيّ بدون الإشارة إلى المصدر، إلاّ إذا عمد الكاتب إلى تحليل الخبر، البيان، أو المعلومات الواردة في الملف الصحفي، وقدم وجهات نظره في محتواها٠
وقد قررنا، نحن المُوقّعون أدناه، القيام بالخطوات التالية بعد الكشف، والتأكد تماماً من وجود حالة السرقة بمُقارنة الأصل مع النصّ المشكوك فيه
* نشر الحالة، وتفاصيلها في كافة الوسائل الإعلامية التي يعمل فيها أعضاء اللجنة، أو الذين سوف ينضمّون إليها لاحقاً٠
* الاتصال بإدارة الوسائل الإعلامية التي ظهرت فيها السرقة بهدف لفت النظر، والمُطالبة بإجراءٍ مهنيّ فعّال
*إرسال رسالةٍ إلى المهرجانات السينمائية العربية تتضمّن تفاصيل السرقة، والانتحال
* تخصيص ركن في المُدونات، والمواقع السينمائية لأعضاء اللجنة، أو أصدقائهم لنشر تفاصيل، وأسماء من ثبتت عليهم حالة السرقة، والنصب مع وضع الروابط الضرورية٠
* اللجوء إلى القضاء بمُوجب قوانين حماية الملكية الفكرية، واتفاقاتها الدولية
***

3

  مقابلة | جيمس كاميرون يتحدّث لمحمد رُضا عن فيلمه
Avatar

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لويس لو برينس أنجز سنة 1888 الفيلم الأول في التاريخ٠
تشارلي تشابلن غيّر وجه الكوميديا٠
ايزنشتاين طلع بنظرية المونتاج٠
ألفرد هيتشكوك امتلك ناصية التشويق٠
ستيفن سبيلبرغ غيّر فصول السينما٠
أما جيمس كاميرون فقد نقل السينما من عصر الى عصر٠
فيلمه الجديد "أڤاتار" أكثر من مجرّد فيلم فانتازي ثم أكثر من مجرّد فيلم مؤثّرات. إنه عالم مصوّر آت من بعيد لم تصنعه الكاميرا وحدها او المؤثرات وحدها او الكومبيوتر غرافيكس بمفرده. صنعته مخيّلة مخرج بارع، عنيد النيّة وموهوب حتى آخر خلية في مخّه٠
هذا أغلى فيلم تم صنعه وأعلى الأفلام على صعيد الطموحات المحيطة به. يوم الجمعة في الرابع من هذا الشهر تم عرض الفيلم علينا نقاد هوليوود. يوم السبت قابلنا المخرج وفريق عمله  ومن آنذاك والفيلم، الذي اختتم الدورة السادسة من مهرجان "دبي" ، لم يبارح البال. صوره عالقة. مشاهده تذهب معك الى الفراش وتستيقظ فتجدها تنتظرك في اليوم التالي٠
عمل غريب المواصفات في الوقت ذاته قابل للتصريف على أكثر من وجه. هو قصّة حب. هو وسترن في عصر مستقبلي. هو فيلم سياسي. هو فيلم مغامرات خيالية- علمية وهو فيلم فانتازي. تكلّف مئتين وخمسين مليون دولار- كما يخبرنا مسؤولون في شركة فوكس المنتجة. كلّف 400 مليون دولار كما يؤكد أصحاب الشائعات. سينجح محطّماً الأرقام القياسية، يقول مسؤولي الاستديو، من الصعب أن ينجح يتوقّع الساخرون. لكن ذلك كله متوقّف على كم مهم بالنسبة للفرد مقارنة الدولار باللقطة او بالكادر الواحد. بثانية يتيمة منفصلة من الفيلم الذي تبلغ مدّة عرضه 163 دقيقة٠


مع سيغورني ويڤر خلال التصوير

نحن في مؤسسة علمية وعسكرية أميركية متقدّمة فوق كوكب بعيد أسمه باندورا سنة 2154. المارينز الأميركي جاك سولي (سام وورثنغتون) متطوّع للتحول الى "أڤاتار": مخلوق نصفه آدمي من الأرض ونصفه من شعب ناڤي الذي يسكن القارّة. مطلوب منه أن يتعوّد على عادات وتقاليد شعب ناڤي لكي يتجسس على ذلك الشعب المتمسّك بأرضه وجه مطامع المؤسسة وسياساتها الهادفة الى تهجير الشعب عن أرضها طمعاً في ثروتها المدفونة تحت الأرض والتي لا تقدّر بثمن. لكن جاك يقع في حب المحاربة نيتيري (زو سالدانا) التي تقود مع والدها وشقيقها تلك الحملة المدافعة عن وطنها رغم أن سلاحها لا يعدو القوس والنشّاب. جاك يجد نفسه منجذباً لا الى الفتاة التي أنقذت حياته ومنحته ثقتها فقط، بل الى الحياة التي يحاول ذلك الشعب الحفاظ عليها ضد الجحافل العسكرية المزوّدة بأحدث المعدّات (موديل العام المذكور). وما تلبث المعارك غير المتكافئة أن تقع وعلى جاك أن يقرر أين ينتمي٠
طموح
جيمس كاميرون طالما تعامل مع المؤثرات الخاصّة، لكنه لم يتعامل معها على هذا النحو الكاسح والجامح والجانح كما يفعل في هذا الفيلم. لم يبن عالماً متكاملاً ومذهلا على هذا النحو. سابقاً، في أفلام مثل »ترميناتور« و»آليانز" و»تايتانك« استخدم المؤثرات في مطارح متعددة لكنه هنا يستخدمها طوال الوقت منفّذاً رؤية صاحبته لخمسة عشر سنة. بعد »تايتانك« وأوسكاراته، توقع الجميع أن يعود كاميرون بفيلم كبير آخر، لكن ليس بعد إثني عشر سنة ولا بهذا الحجم. جيمس يجلس ليتحدّث وهو إذا يتحدّث يكاد لا يتوقّف فحجم ما لديه قوله يماثل حجم فيلمه الجديد، لذلك وجب القيام بمونتاج حتى لا تحتل المقابلة صفحتين او ثلاثة٠

هل صحيح كما يقول الملف الموزّع علينا أن الفيلم  -
عاش معك خمسة عشر سنة قبل أن يتحوّل الى حقيقة؟
صحيح. يومها كتبت الفكرة على أوراق احتفظت بها وكنت في كل مرّة ألقي النظر عليها أقرر أن الوقت لم يحن بعد لإنجازها فيلماً٠

لماذا؟ -
لأن المؤثرات لم تكن قد وصلت الى ما أطمح إليه. أقصد بذلك  أن التطوّرات التقنية لم تكن قد وصلت الى ما وصلت إليه الآن. خلال السنوات الفاصلة بين فيلمي »تايتانك" سنة 1997  وهذا الفيلم تقدّمت المؤثرات التقنية بكافّة مجالاتها ولم يكن من الممكن مطلقاً تنفيذ الفيلم قبل اليوم بنفس النتيجة التي جاء  عليها الآن. ولا تنسى فيلماً كهذا حتى يكتمل تطلّب سبع سنوات من كتابة السيناريو الي الظهور على الشاشة بالصورة التي شاهدتها٠

حرب من المصالح
هل كبرت أحلامك خلال هذه الفترة؟ هل كبرت  -
أنت؟
لا أعتقد أنني كبرت على الإطلاق لكني أعتقد أنه خلال السنوات العشر الأخيرة أصبحت أكثر تركيزاً على ما أريد القيام به. لا أقصد كأفلام فقط، بل على صعيد ما نعيشه من حالات وظروف. طبعاً لاحظت أن القوّة التدميرية التي تمثّلها الأرض فوق كوكب باندورا هي صدى لما يحدث فوق كوكبنا الآن. وحين أقول أنني أصبحت أكثر تركيزا، فأنا أقصد أنني بدأت أتعاطى ومسائل البيئة المختلفة وهذا ما تراه في الفيلم كيفما قرأته. لقد سبق لي وأن عالجت هذه المسألة في أفلامي التسجيلية الأخيرة. لقد بدأت أرى حقيقة كيف يمكن لي أن أستخدم السينما كطريقة للحديث عن العلم والبيئة ولكي أبحر في مسائل الحياة على الأرض وما سبّبه الإنسان من ضرر للطبيعة في كل مكان٠


الفيلم أيضاً يتحدّث عن هنود القارة الأميركية -
فبقليل من التحوير نفهم أن ما يحدث على كوكب
قارة "باندورا" هو نفسه ما حدث مع المواطنين الأصليين
لأميركا. إبادة. تهجير. حرب ضارية ٠٠٠
صحيح لأن هذا النوع من الحرب مرتبط بالمصالح ذاتها التي تسببت في الإضرار بالبيئة العالمية تبعاً لسياسة اقتصادية لم تأخذ بعين اعتبارها المسائل الإنسانية ولا المصالح الرئيسية للناس في أي مكان. نحتاج أن نقدّر الحياة الأم كما وُلدت على سطح هذه الأرض. علينا حماية البيئة والطبيعة والدفاع عما وجدنا هذا العالم عليه حين وُلدنا فوقه عوض أن نتركه خراباً ودماراً للأجيال المقبلة. هذا يشغلني لأنه ليس مسألة خارجية او كمالية. إنها مسألة لها علاقة ببقائنا أحياءاً. علينا أن نفهمها بطريقة علمية  وعلينا أن نفهم ما علينا لاقيام به قبل أن ننجح في تدمير الأرض . بالتالي علينا أن نغير طريقة حياتنا وبذلك فإن المسألة ليست مجرد طبيعة لا تلبّي إحتياجاتنا بل هي مسألة تتعلّق بنا في الأساس٠

حين تتحدّث عن العلم تعني العلم في حياتنا. أليس كذلك؟ -
بالطبع 
لكن ماذا بالنسبة للعلم على الشاشة؟ هل أستطيع أن أشكرك -
أوّلا على أنك أعدت العلم الى الخيال العلمي بدل أن يقى النوع
شأنا ترفيهياً خالصاً؟
أنا من أشكرك  وهذا صحيح. العلم في الخيال العلمي ضاع بالفعل. ألا تعتقد؟ . لقد تابعت أفلام الخيال العلمي منذ أن كنت صغيراً وأذكر كيف كانت تتحدّث عن المخاطر التي تهدد الإنسان منذ ذلك الحين. وكانت تتنوّع في مصادر هذه المخاطر. بعضها كان يتحدّث عن دمار العالم بفعل القنبلة النووية، بعضها بفعل الهجوم على الأرض ٠٠٠٠

حضارات مهددة
في "أڤاتار"  نحن الذين نهاجم الكواكب الأخرى -
صحيح٠
وما أقوله هو أنك كنت تستطيع أن تجعل أهل الكوكب  -
الآخر أشراراً وبذلك يتم تحويل العلم الى غاية للدفاع عن
الإنسان بصرف النظر عن أفعاله... بذلك يصبح "أڤاتار"
 فيلماً عسكرياً
كان لابد من الإهتمام بما يمنح الفكرة كل ما ذكرته من تعاطي في الشؤون الإنسانية. لقد محا الإنسان حضارات سابقة بفعل الهيمنة والسيطرة على الشعوب التي كانت تعيش تبعاً لتقاليد لم تكن لتستطيع مقاومة التغيير الهائل الذي حدث٠

تماماً كالجنود الزرق والهنود الحمر٠٠٠ -
صحيح. ولا أعتقد أنه كان بالإمكان إيصال هذه الرسالة من دون منح أهالي الكوكب المذكور حيّزاً واقعياً وحقيقياً لأنك لا تستطيع تمرير رسالتك إذا ما وجدت أن الضحايا في الفيلم يستحقّون مثلاً أن يكونوا كذلك. كأن تقدّمهم كعدائيين للحضارة الوافدة. عليك أن تُلازم الحقيقة كما برهنها التاريخ وهي أن الإنسان الأبيض هو الذي أضر بمصالح الحضارات الأولى وسمّاها بدائية. جزء من هذا الإحترام هو إيجاد لغة جميلة يتحدّث بها أهل الكوكب٠

من أين ألّفت هذه اللغة؟ من أين جئت بها؟ -
هذه لغات حقيقية بعضها ذي أصول هندية وبعضها من أصول آسيوية٠ لغات حقيقية متداولة ومهددة٠ تصوّر أن هناك لغات قد اندثرت تماماً من دون أن يستطيع الإنسان الإحتفاظ بها. إنها جزء من حضارات منتهية كان يمكن إنقاذها من الدمار٠

هل لك أن تتوسّع قليلاً في الحديث عن كيف -
تم إنجاز هذا الفيلم تقنياً؟ هذا أيضاً جزء من
الإحتفاء بالحضارة أن تعتني بالعالم الذي تقع فيه
تلك الحضارة ونحن نلاحظ قوّة بصرية تدعو الى
الإعجاب بالمكان وبالشعب٠
هذا ما أود سماعه وقد انتهيت من مشاهدة فيلمي كاملاً لأول مرّة قبل ساعة ونصف فقط من عرضه عليكم. كنت اتساءل إذا ما كان سيقدّر البعض أن جماليات الفيلم كلها تكمن في ذلك العالم الجميل وليس في العالم المسلّح بالرغبة في السيطرة عليه. ردّاً على سؤالك، كنا نعلم أننا سنحاول رفع سقف فن الكومبيوتر غرافيكس الى ما لم يصل إليه فيلم آخر. كان علينا أن نؤسس لمخلوقات جديدة وعالم جديد من دون أن نغترب بعيداً. كان علينا أن نبقى قريبين من العاطفة في الوقت ذاته. هذا فيلم عاطفي ليس فقط بسبب قصّته، بل بسبب ما يقترحه من علاقة منشودة بين المشاهد وبين شخصياته الإيجابية. علينا أن نصدّق ما نراه لكي نتعاطف مع ما نراه.  لذلك كان علينا أن نبلور تكنولوجيا جديدة تستطيع إنجاز ذلك والتأكيد إنه ممكن. وكان علينا أن نبرهن لأنفسنا أوّلاً أن إنجاز هذه التقنية لتؤدي هذا الغرض هو أمر ممكن والا لما كان هناك فيلم أساساً.  كنا نريد أن تشعر شركة فوكس بأن ما نقدّمه أمر يستطيعون تبنّيه أيضاً قبل أن يضعوا التمويل المطلوب لهذا الفيلم٠

آذان وأذيال
الممثلون الآدميون صوّروا أدوارهم ثم تم تلبيس -
الشخصيات الملامح المستحدثة على الكومبيوتر وهذا
تم سابقاً وإن لم يكن بنفس الطريقة٠
بيتر جاكسون ("سيد الخواتم") وروبرت زميكيس ("كريسماس كارول") فعلا ذلك، لكن الوسيلة التي اتبعناها على الكومبيوتر، وأسمها أنيماشن غرافيكس اختلفت. في الأساس استخدمنا ما توصّلت اليه التكنولوجيا في هذا المضمار ثم أضفنا الكثير مما لم يتم توفيره من قبل ضمن هذه التكنولوجيا. أعتقد أن النتائج أكثر وضوحاً ودقّة والحركة أكثر تلقائية كذلك لا تنسى وجود الأذن التي تتحرّك تلقائياً والأذناب أيضاً. هذا شعب جديد وكان بحاجة الى معالجة جديدة من كل النواحي. تلاحظ أيضاً أن إمارات أهل الكوكب تختلف فيما بينها كما تختلف إماراتنا. لكل ملامحه وهذا بدوره كان يتطلّب شغلاً خاصاً على الوجه وبأدق التفاصيل٠

فوق كل حسناته هو أيضاً فيلم بالأبعاد الثلاثة. هل  -
ترى أن السينما ستنتقل من اليوم والى الأبد الى هذا
النوع من العرض، ولماذا تعتقد أنه مهم لنا؟
هذا ما أراه في هذا الشأن: أنت ترى العالم في حياتك الخاصّة بالأبعاد الثلاثة. لكنك تعوّدت الى البعدين وعلى محدودية الشاشة المسطّحة. قبلت بها.  تماماً كما كنا قبلنا سابقاً بأن الأفلام أبيض وأسود الى أن تم صنع الأفلام ملوّنة وفي البداية بدا ذلك غريباً، لكنه بات اليوم ضرورة. لا تستطيع أن تشاهد فيلماً جديداً غير ملوّن من دون أن تشعر بقدر من الغرابة. هذا ما سيقع بالنسبة لسينما الأبعاد الثلاثة. ربما هناك من لا يزال يفضّل عليها الأفلام ذات البعدين وأنا لا أقول أن هذا الإعجاب بها سينزوي قريباً. لا أعتقد أن سينما الأبعاد الثلاثة ستهيمن على السينما في القريب العاجل لكنها بكل تأكيد هي المستقبل٠

كم من الوقت سيمضي قبل أن تعود في فيلم جديد؟  -
ضاحكاً: لا لن يكون الفاصل إثنا عشر سنة أخرى. أنا في المكان الذي أود أن أكون فيه الآن. أستطيع أن أنجز ما أريد٠

إذاً تعتقد أن هناك متّسعاً من التطوّر فوق ما أنجزته -
الى الآن؟
صحيح. أعتقد ذلك بالفعل وسأعود قبل مضي خمس سنوات على هذا الفيلم. لقد أنشأنا عالماً كما أنشأ »ستار وورز« عالمه. لكنه عالم مختلف بالطبع وإذا ما نجح هذا الفيلم سيكون هناك المزيد منه٠



 4
نافذة خلفية | ذكريات من مهرجان دينار السينمائي

الجزء الأول: حرب العصافير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كنت نشرت هذا الجزء قبل نحو خمسة أسابيع، لكن تمهيداً للإنتقال الى الجزء الثاني، لابد من إعادة نشره٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بيت مري


في العام 1974 أقيمت في بلدة بيت مِري في لبنان،  دورة من مهرجان »دينار« للسينما الفرانكوفونية.  لم أستلم دعوة، لا بصفتي ناقداً ولا بصفتي صحافياً ولا حتى بصفتي شابّاً صغيراً يريد أن يتعرّف على المهرجانات ويتابعها أسوة بالآخرين الذين كانوا قادرين على السفر الى أركان الأرض الأربعة لحضور مهرجاناتها٠
كذلك  لم يتم دعوتي كرئيس تحرير أول مجلة سينما لبنانية (بالعربية) وهي »فيلم«، ولا حتى ناشرها المخرج جورج شمشوم وبعض أركانها الآخرين مثل زيناردي حبيس وإدغار نجّار والمرحوم حسّان أبو غنيمة٠
لكن ذلك لم يمنع المخرج جورج شمشوم، ناشرها من الإصرار على الحضور ووجدت نفسي في مشاوير مكّوكية بين بيروت وبين بيت مِري. كتبت ونشرت ما كتبت ونشرت في مجلة »فيلم« بعد إنتهاء المهرجان، لكني تركت الزبدة للآخرين الذين تابعوا فاعلياته٠
في الزيارة قبل الماضية الى بيروت، إكتشفت تقريرا مفصّلاً طبعته على الآلة الكاتبة حول المهرجان ولا أدري إذا ما كنت نشرته في مكان ما او لا. حين قرأته وجدته يبحث في نواحي تكشف عن مشاكل ناتجة عن اختلاف وتباعد المفاهيم بين النقاد والسينمائيين أنفسهم. وما أشبه اليوم بالبارحة
التالي النص كما كتبته بإستثناء تصليحات إملائية قليلة، وما لابد من إضافته (بين هلالين) لتبيان او ايضاح الصورة. في نهاية المقال لائحة بالعناوين الأصلية لبعض الأفلام الأجنبية التي ترد في هذا التقرير، والتي لفّتها بكرة الزمن نفسه٠
محمد رُضا  -

عندما انتهى آخر عرض يوم السبت في 8 أيلول/ سبتمبر في الساعة الثانية عشر والنصف، دُعينا نحن النقاد الى اجتماع لإنتخاب الفيلم الرابح. جرى كلام حول إعطاء جائزة النقاد لفيلم (سهيل) بن بركة الرائع »ألف يد ويد«. بعدا لتشاور علم المجتمعون أن إدارة مهرجان دينار سوف تعطي الفيلم جائزتها الأولى فاستبعد. حل مكانه  فيلم "العصفور". العديد من النقاد، وبينهم فرنسي واحد وبلجيكي وأفريقيّين وخمسة لبنانيين وأردني يعمل في سوريا (قُصد به الزميل حسّان أبو غنيمة) أعطوا ملاحظات على "العصفور" ذات شكل لطيف ومخفف أنما قالوا في مبرر إعطائهم الجائزة أنهم قد وجهوها لفيلم يوسف شاهين نظراً لحب المخرج الى بلاده ونظراً لنوعية الأفلام السابقة التي قدّمها الى السينما العربية٠
عند التصويت، عارضت ترشيحه فكنت الوحيد الذي أبدى رأياً مضادّاً مرشّحاً مكانه فيلم بلجيكي  بلغ حدّاً كبيراً من الجمال والإتقان موضوعاً وشكلاً عنوانه »وطني، وطني الحبيب« لبنوا لامي٠

طبعاً، كوني الوحيد المعارض جعل الكفّة تميل أكثر الى جانب "العصفور" فأعطي جائزة النقاد ونال فيلم عربي آخر جائزة المهرجان وهو "ألف يد ويد" لسهيل بن بركة (المغرب). وإن كان لابد التفضيل بين هذين الفيلمين، وكانت هذه المرّة الأولى التي ينال فيها فيلمان عربيان جوائز مهمة في مهرجانات غير عربية (لا  أستطيع اليوم التأكيد على هذا الإستنتاج الا ببحث موسّع لكني لا زلت أميل اليه)  فإنني أفضل لغة سهيل بن بركة السينمائية الواضحة  ذات الموضوع الإنساني- السياسي السليم علئ ذاك الذي أخرجه واحد من أشهر مخرجي السينما العربية بأسلوب لا يفتقد التعقيد فقط، إنما الأمانة [هذا الرأي الحاد نتج آنذاك عن وجهة نظر لم تتحمّس للتفسير السياسي الذي حمله الفيلم ودلالاته، لكن نظرة لاحقة الى الفيلم حين تمّت مشاهدته مرّة أخرى، قدّرت حريّة رأي المخرج وإن وجدت تكلّفاً في سرده ما يجعل كلامي عن سلاسة فيلم بن بركة مقابل تعقيد فيلم شاهين في محلّه غالباً)٠

في أول أيلول/ سبتمبر كان المهرجان بدأ٠ بيت مَري (منطقة جبلية جميلة) مليئة بالغيوم وقاعة فندق البستان صباحاً ليست مكتظّة. المخرجون والنقاد الأجانب كانوا السبّاقين الى التواجد في تلك القاعة بينما السينمائيين اللبنانيين، اللهم الا إذا كانت لهم علاقة مباشرة مع المهرجان، كانوا أرفع من أن يأتوا صباحاً مؤجّلين حضورهم الى المساء (قصدت نقد الشلّة النقدية التي كانت سائدة آنذاك)٠
الفيلم الأول الذي عُرض كان خارج المسابقة وعنوانه »تريستان وايزو« لإيفان لاغراف. إنه نقل صوري عن الأوبرا الشهيرة بنفس الإسم والتي تمثل في ساعة ونصف الصراع والكآبة التي تحيط بالبشر نتيجة صراعاتهم. فيلم لاغراف لم يكن عميقاً في نقل هذا البعد، إنما مشاهده لوحات جميلة لا يمكن أن تُنسى. الأجواء الشاعرية القاسية وأجواء وطبيعة أمكنة التصوير نفسها (صوّر الفيلم عموماً في المغرب) منحت للفيلم صور فريدة التأثير والجمال٠
في نفس اليوم عند الثالثة والنصف عُرض أوّل الأفلام اللبنانية التي اشتركت في المهرجان "من أجل إعطاء صورة عن السينما اللبنانية" ... وأي صورة!٠
الفيلم كان "الأجنحة المتكسّرة"، آي تلك المذبحة السينمائية التي قُتل فيها جبران خليل جبران وأدبه وأبيح عالمه لمخرج من الدرجة الأخيرة هو الراحل يوسف معلوف [نفسه يوسف معلوف الذي كان قبل ذلك أخرج بضعة أفلام مصرية]. وفي كل يوم في الساعة الثالثة والنصف كان الموعد المقرر مع تلك التحف اللبنانية: "إلى أين؟" لجورج نصر، »بيّاع الخواتم" ليوسف شاهين (إنتجه السوري نادر الأتاسي وحمل الهويّة اللبنانية)، "الأخرس والحب" لإميل بحري، "كلنا فدائيون" لغاري غرابتيان و»مئة وجه ليوم واحد" لكريستيان غازي٠
عند مساء اليوم الأول ذاته، عرض فيلمان داخل المسابقة الأول "تيرو" كندي من إخراج كليمان بيرو، والثاني "دعوة"، سويسري لكلود غوريتا [شوهد لاحقاً أيضاً وهو من أفضل أفلام الفترة]. وبينما كان الأول عرض مجاني لمشكلة شاب ملقّب بالثور لضخامة جسده ولتصرّفاته الصبيانية، تعمل أمه راقصة ستربتيز وتتعهّر فيما بقي من ليلها، استعرض الثاني بكثير من الحس والمقدرة عالم البرجوازية المريض من خلال ثمانية شخصيات تتلقى دعوات لزيارة موظّف في فيلّته الضخمة. طوال الفيلم نحن في حديقة وغرف تلك الفيللا نتعرّف على أفكار وتصرّفات (قصدت أن أقول سلوكيات) ومستويات البشر كما تنطلق رأساً وبعفوية من أعماقهم. الفيلم ذكّرني برائعة لويس بونويل الأخيرة "الحياء اللطيف للبرجوازيين" إنما لكل منهما أسلوبه الخاص ضمن المعالجة النفسية والموقع الفكري المتشابه٠

البسمة الأولى
في صباح اليوم الثاني عدد الحضور لا يزال قليلاً. أمام أعينهم عرضٌ لمخرج جزائري خارج المسابقة. المخرج هو محمد بن صالح والفيلم الذي حققه عنوانه "الواحد والآخرون". بن صالح حاول استعراض مشكلة المهاجرين الجزائريين في فرنسا. كاد أن يفعل العكس. الموضوع الذي اختاره بدا مطروقاً بحيث أن كل مهاجر يعرفه (الموضوع) وهو حكى عنه كبديهية ملتفتاً الى مواضيع جانبية أخرى لم يكن لها أساساً أي أهمية (أنقل العبارة على ركاكتها من دون أن أفهم اليوم ما الذي قصدّته آنذاك)٠
الثاني هو أفضل ما شاهدته في المهرجان. سهيل بن بركة مخرج مغربي يحب الكتمان والتخفّي. يستمع جيّداً الى الحوارات القائمة دون أن يشارك بها. في أوائل العام الحالي كان قد أنهى هذا الفيلم الأول له المعنون بـ "ألف يد ويد" والمعنى المقصود يبرزه الفيلم ويؤكد عليه  مستعرضاً حالات مأساوية (مأسوية): مدينة مغربية تصنع النسيج. أحد عمّالها يقع أثناء العمل فيصاب بما يستوجب الطبيب. لكن الطبيب يأنف عن الحضور فيخرج إبن العامل الشاب بحثاً عن أي عمل وعندما لا يُقبل في أي مكان، يتّجه الى بيت صاحب المصنع الثري. يقابل زوجته التي تصرخ فيه كيف جرأ وداس على السجّاد الذي هو من صنع يديه ويدي والده. هنا يثور ويقتلها ويعتقله فيما بعد البوليس٠
لتحقيق فكرته حول الأيدي العاملة واليد الوحيدة التي تقبض أتعابهم وتتعامل بها من دون شفقة، عمد سهيل الى بعض التأثيرات غير المضرّة وإن بدت أحياناً غير واجبة. هذه التأثيرات تتعلّق ببعض الجماليات الشكلية التي استخدمت أكثر من مرّة إنما في مناسبات متاحة وليست مناسبات اصطناعية. ومنها ما يتلعق بإظهار طفلة صغيرة بدأت المأساة تضع خيوطها الغليظة من حولها هي الأخرى. لكن هذه الجماليات والمؤثرات لم تنل من قيمة عمل المخرج الذي لا يمكن تحسسه الا بألم. الجمهور كان غفيراً وأعطى الفيلم فوراً ثقته وحبه متعاطفاً معه وكان سبب بسمتي الأولى منذ بدأ المهرجان أعماله

صورة للرئيس السادات
في اليوم الثالث  أنزلونا الى بيروت. هناك أربعة أفلام الصورة فيها على بكرة والصوت على بكرة أخرى، وهذا ما لا تقدر عليه آلة العرض التعيسة التي في الفندق الأفلام الأربعة تعيسة بدورها وأتعسها فعلاً هو ذلك الفيلم المعنون "صورة للرئيس السادات"  لـلي ديراي وف. شوفيل. إنه ساعة من الإعلان المفتوح الذي لو أدّى الى نتائج اعلامية ايجابية لهان الأمر، لكنه أدى الى نتيجة سلبية تظهر واضحة عند كل مشهد، إما من خلال تصوير سلبيات الحياة القاهرية، كالزحام والفوضى، وإما من خلال تصريحات السادات نفسه الى الصحافيين وهو يكلّمهم عن طفولته وعما كان والديه وجدته يقولونه له حين كان صغيراً. ويصل الفيلم الى السخافة فعلاً عندما نرى السادات يخلع ثيابه لينزل الى منطقة نائية من البحر. يسير أكثر أكثر من عشرة أمتار فوق الرمال المطمورة بالمياه ثم يغطس متمهّلاً كهاو، وما هي الا نصف دقيقة حتى يخرج مشيراً بيده الى بعض أصحابه أن انتهى الإستعراض فيعود الى الشاطيء حيث يسارع أحد الذين معه لكي يضع عليه بعض الثياب٠

في نفس اليوم مساءاً شاهدنا أحد أفضل ما التقطناه في هذا المهرجان من أفلام: فيلم مدّته نصف ساعة وعنوانه »العتبات الممنوعة» وفيه يحكي المخرج رضا الباهي عن مجتمعه التونسي المكبوت [تعرّفت على الصديق رضا الباهي لأول مرّة خلال هذا المهرجان ولا تزال صداقتنا وطيدة الى اليوم]. إنه عن شاب يبيع للسائحات البطاقات البريدية طوال النهار. نراه يرقب سيقان السائحات ويتمناها وعندما يذهب الى غرفته الصغيرة يعمد الى العادة السرّية تخلّصاً وهمياً من كبته. في أحد الأيام يلحظ وجود سائحة في داخل أحد المساجد. يلحق بها وهي تدخل غرفه وصوامعه وعندما تصبح وحدها بعيداً عن الأعين يغتصبها. يقول الباهي  بصراحة: " هذه القصّة حدثت، وبورقيبة أصدر حكماً بالسجن 25 سنة على ذلك الشاب متجاوزاً بذلك قرار المحكمة ومبرراً حكمه بأنه سيضع حدّاً لمضايقة السيّاح. بالنسبة إليّ، المشكلة ليست في ذلك الكبت الجنسي الذي يعاني منه القيراوانيّون [صوّر الباهي الفيلم في بلدة القيراوان التي وُلد فيها بدوره) بل في كون السياحة التونسية وتنشيطها يتم بعيداً عن تنشيط الأسس الإقتصادية والحياتية للشعب التونسي. أردت أن أقول أيضاً أن اغتصاباً أهم وأخطر من الذي قام به الشاب يتم دوماً عبر تحويل الجوامع الى أماكن سياحية يدفع الداخل اليها بضع فرنكات لزيارتها"٠
فيلم رضا الباهي ممنوع من العرض والحجة كانت في وضع صورة بورقيبة الى جانب سيقان إحدى الممثلات في الفيلم، وذلك في مشهد صوّره رضا داخل بيت الشاب (بطل الفيلم)، لكن المخرج يؤكد أن طمس حقيقة الفقر والمبررات التي دفعت ببطل فيلمه لاغتصاب السائحة هو الذي كان السبب وراء قرار المنع٠

مؤامرة فرانكفونية
في اليوم الرابع بدا وكأن كل شيء سيسير اعتيادياً. فجأة همهمات بدأت تصل الى المتواجدين: فريق من السينمائيين الشباب يرفض المهرجان ويحضّر لبيان يطرحه أثناء المناقشة الليلية التي تقام إثر إنتهاء العروض٠
الجميع ينتظر ما يمكن أن يثيره البيان من ضجيج. دخلوا الصالة لرؤية فيلم عمّار الخليفة »صراخ« وهم يفكّرون بما سيحدث على الأثر. فيلم الخليفة بالمناسبة مأخوذ عن فيلمين عربيين آخرين: "بس يا بحر" لخالد الصديق و"سلام بعد الموت" لجورج شمشموم [هذا كان ما استوحيّته آنذاك لكني لست واثقاً من ذلك اليوم] حاكياً عن شاب يسافر الى عرض البحر تاركا حبيبته التي كان يقابلها سرّاً . هذه الحبيبة تتزوّج غصباً فيموت الشاب حسرة وتجن هي٠ قبل أن تجن يستعرض الخليفة قصّة اختها التي اغتصبت فقتلت من اغتصبها ليجتمع أهل القرية على قتلها محواً للعار. حوالى  9 قتلى و7 مشاهد مسروقة وأسلوب سلماني (نسبة الى المخرج اللبناني الراحل محمد سلمان) ولا ينتهي الفيلم الا بطلوع الروح٠

نخرج الى المناقشة ونستمع
برهان علوية، المخرج اللبناني الذي حاز على جائزة من لجنة التعاون الثقافي العربي- الفرنسي يتكلّم عن فيلم قصير له عرض بعنوان "ملصق ضد ملصق" . يتساءل (المنشّط والصحافي السينمائي) وليد شميط الذي أدار المناقشات، إن كان هناك أحد عنده سؤال. لا أحد يجيب فينتقل الحديث الى فيلم جورج نصر "الى أين«. يحكي المخرج بالفرنسية عن فيلمه وقصّة حياته. مرة ثانية يسأل وليد شميط إن كان أحداً لديه سؤال ثم يعطي الكلام بإشارة الى مهندس الصوت الى مجموعة شبان بينهم (الناقد) إبراهيم العريس (والمخرجون) جان كلود قدسي، بهيج حجيج وجان شمعون، ليتلوا بيانهم وقد جاء فيه أن أصحابه يتساءلون عن السبب في عقد المهرجان في لبنان أولاً، وفي فندق البستان تحديداً. وبشرحون أن هذا الإختيار، بل وهذا المهرجان إنما هو إحد حلقات الصراع بين الفرانكوفونيين والأنغلوساكسونيين وإن لبنان لا يمكن اعتباره ناطقاً، ولو جزئياً بإحدى هاتين اللغتين٠
البيان لاقى عند الكثيرين حماسة فصفّقوا له بينما اكتفى البعض بالصمت وصفّر ضدّه بعض ثالث. هنا هب منشّط النوادي أنطوان عويس وهاجم البيان متّهما الذين صاغوه بمحاولة تخريب المهرجان وتشويش علاقات لبنان وتسييس المهرجان. رد البعض عليه بإستهزاء من أفكاره خاصّة عندما قال: "أتركونا من السياسة". بعد دقائق قليلة انصرف الجميع وبقيت الساحة خالية الا من الكراسي المرصوفة والموائد المغطّاة بأعقاب السغائر وشاب ينظّفها وحيداً في العتمة٠

يتبع٠٠٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular