Dec 11, 2009

مهرجان دبي | مهرجان مراكش| هل المهرجانات العربية الدولية ... دولية " | رومي شنايدر | بالب فيكشن

Year 3 | Issue 474

1
يوميّات مهرجان دبي السينمائي الدولي  | محمد رُضـــا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حديث الكتب
التقيت بالصديق أمير العمري وسعدت أنه غيّر رأيه، او بالأحرى أزال موانعه، وحضر. أهداني نسخة من كتابه الجديد "حياة في السينما" الذي أتطلّع قُدُماً لقراءته. نتحدّث في عالم النشر فيذكر كيف أن شروط النشر لا تخدم العملية الثقافية بأسرها فالناشر محكوم بالقراءة والقراءة تعني قراء والقراء غير موجودين. أحدنا تراه يحفّز دور النشر أن تطبع أكثر من ألف كتاب ودور النشر تحصي وتقول أنها لن تستطيع بيع ألف نسخة٠
ألف نسخة ... لا عشرة الاف ولا خمسين ألف ... ألف نسخة فقط٠
من أصل ثلاثة ملايين حبّة رمل عربية ليس هناك أكثر من ألف قاريء لكتاب سينما، ولو كان كتاباً في غير السينما فالحال ليس أفضل بكثير الا اذا كان الموضوع دينياً او سياسياً٠
يتّجه كل منا الى غرفته وأجد بدوري رسالة من شركة لبنانية تعتذر عن نشر كتاب اقترحته عليها عن ألفرد هيتشكوك. في الحقيقة اقترحت عليها كتابين. الثاني عن كلينت ايستوود لكن هيتشكوك هو الأقرب الى الإنتهاء. ماذا تفعل؟ ماذا تفعل حيال هذا الوضع؟
لا شيء. من دون أن تكون قادراً على نشر كتبك بنفسك ... وليس من باب الربح لا تستطيع أن تنشر شيئاً يُذكر. إذا وجدت مؤسسة او دار نشر فبشروط تجعل من عملية الكتابة كلها عملية مجانية بالكامل. لا مردوداً مالياً منها٠
لقد انتبهت الى هذا الموضوع منذ سنوات بعيدة، لذلك نشرت الأجزاء الأربعة الأولى من موسوعة "كتاب السينما" بنفسي، قبل أن ترتفع الميزانية واضطر للبحث عن بيت لهذا العمل، ولو كنت أملك القدرة الماديّة لعدت لنشره اليوم وسيحقق نجاحاً أعلى لأنني سأعرف كيف أروّجه فهو كتابي وليس كتاباً بين الكتب الأخرى٠

حديث الأفلام
شاهدت ثلاثة أفلام عربية يوم أمس وهي، بحسب عروضها، السوري "نصف ميلوغرام نيكوتين" للمخرج أول مرّة محمد عبد العزيز و"أشلاء" للمخرج المغربي عبد الحكيم بلعبّاس و"عصافير النيل" للمخرج مجدي أحمد علي


نصف ميلوغرام نيكوتين **
هناك عدّة شخصيات غير متّصلة ببعضها البعض، بالضرورة، في فيلم »نصف ميلوغرام نيكوتين« [قسم ليالي عربية] يوزّع المخرج الجديد عبد العزيز فيلمه عليها. ينطلق بواحدة من هذه الشخصيات، ثم ينتقل الى الأخرى، ثم الثالثة ويعود الى الأولى قبل أن يقدّم الرابعة ثم يواصل هذا المنوال من الإنتقال من دون ترتيب معيّن. بعد حين الشخصية الأولى والشخصية الرابعة تنتقلان مع تقديم شخصية جديدة وهكذا. شيء تمّت تجربته في فيلم ستيفن سودربيرغ "ترافيك" ( 2005) وفيلم "21 غرام" لأليخاندرو غونزاليس إياريتو (2003) كما في "صدام" لبول هاجيز (2004 ) بنتائج أفضل : صبي يمسح الأحذية عند محيط الجامع الأموي في دمشق وفتاة صغيرة تبيع البالونات الملوّنة. سائق سرفيس مُسن يحاول الإنتحار شاكياً إنه لا يُنجب (ثم نفهم أن لديه إبنة لا أدري كيف) إمرأة ليل في منتصف العمر يستهويها ماسح الأحذية. فتاة منقّبة تحب مسيحياً مستعد لإشهار إسلامه حبّا بها، لكن الأمور ليست بهذه البساطة حين يذهب عند الشيخ الأعمى ليسأله رأيه والكثير من الحالات المعبّر عنها حوارياً على نحو إنشائي مركّب لم أستطع أن أكتبه على الورق لكي آتي بنماذج منه لكنه لا يزال يُعيدنا الى مرحلة من سينما سابقة كان المخرج يعتقد فيها أنه يُمارس شعراً عبر حواره بينما كان يغرق في حالة بعيدة عن الواقع وببعدها عن الواقع تنجرف عما يخططه الفيلم لنفسه وما يرغب أن يكون. حين يتحدّث الشيخ الضرير تجد المخرج يبتكر له مواقف لا يمكن أن تسمعها من اي شيخ . هذه المواقف تحاول تبرير أفكاره. ليكن، لولا أن ما يبنيه الفيلم على هذه الأقوال ينتهي في لحظته. مشهد للشاب المسيحي أمام حالة معاناة يحاول التعبير عن رسماً، يبقي على أرضه بانتهاء المشهد ولا ينتقل في تواصل مع ما سيليه. الفيلم بأسره يتحوّل من مشاهد عليها أن تلتقي في سياق درامي، الى مشاهد متقاطعة وهو واحد من الاختلافات الكامنة بين هذا الفيلم والأفلام المذكورة لهاجيز او إياريتو او سودربيرغ ما يجعل أي فيلم من تلك (وهي ليست متساوية الحسنات) أفضل من هذه المحاولة حتى من دون زج الفوارق في العناصر الإنتاجية التي يتفوّق فيها الإنتاج الأميركي بطبيعة الحال٠
الى ذلك، التمثيل مطلوب وليس مُحرراً. ضمن إدارة المخرج، معظم الممثلين يؤدّون أدوارهم بالطريقة والتوقيت اللازمين حسب طلب المخرج، عوض أن يترك لهم هذا مُلكية الإبداع لأن هذه الثانية بحاجة الى مساحة من فهم المسببات والشخصيات ولماذا تتصرّف بهذه الطريقة وهو ما لا أعتقد أن شخصياته كانت تملكه. ما كان لديها عبارات نثرية ترددها بكل ما تستطيع تشخيصه من حالة وجودية ما يُبقي الفيلم تعبيراً لعدة أصوات كلها في إتجاه ما واحد وليس هناك ما يتواصل أي إثنين منها علي نحو طبيعي. هذا الأسلوب مقصود بالطبع ولابد أن المخرج لديه ما يقوله في هذا الشأن، لكن النتيجة التي على الشاشة ليست شعرية (كما قال مقدّم الفيلم قبل العرض) ولا موسيقا الفيلم المسموعة (تأليف طاهر ماملي) في معظم المشاهد هي ذات تأثير حسن مهما بدت مغايرة او جديدة٠


أشلاء  ***
أشلاء [مسابقة الفيلم الوثائقي] لعبد الحكيم بلعبّاس فيه ملامسة واقعية ليس لأنه فيلم وثائقي فقط، بل أساساً لأنه يعرف أين وكيف يختار خطواته وسط الموضوع الذي يتعامل وإياه. المخرج بلعبّاس لديه بضعة أفلام قصيرة وفيلم روائي طويل (او ربما فيلمين لأني لم أر كل ما أخرجه) سبق له وأن قدّم في إطار مهرجان "دبي" فيلماً جميلاً بعنوان "عليش البحر؟" (او لماذا البحر) لكنه لم يسبق له أن قدّم فيلماً كهذا الفيلم الجديد: لقد صوّره على مدى سنوات مؤرخاً فيه شخصيات قريبة إليه: مثل والديه وبعض أقاربه وبعض أصدقائه وعارض الفيلم في الصالة التي كان بلعبّاس يتردد عليها حين كان صغيراً. يجمع بين حالاته تلك (وهذا ما افتقده الفيلم السوري) لُحمة لسياق واحد. كل حالة/ فصل تلتقي والأخرى في تآلف عوض أن تسير الى جانبها. في هذه الحالات رصد للذكرى والذاكرة والوضع المعيشي والوحدة (بالمعنى الإنفرادي للشخص) والمعاناة. ينتقل من تصوير لحوارات بين المخرج ووالده من ناحية ثم بينه وبين والدته من ناحية ثانية، الى العودة الى السينما التي كان يشاهد فيها تلك الأفلام الأولى، الى بعض الشخصيات التي عاصرها قبل أن يشق طريقه مخرجاً
إذ يفعل ذلك ترى أن ناصية اهتمامه الأولى تتعدّى الخاص لتصب في تصوير جحيم العوز والفقر. كثيرون من شخصياته تعانيه. كثير من المواقع التي يصوّر فيها هي خرابات أكثر منها أماكن عيش. هناك ذلك الفصل حول رجل مريض متكوّم على نفسه فوق فرشة على الأرض بالكاد يستطيع أن يعي المخرج والكاميرا والصديق الذي يحدّثه. مشاهد لغرف صغيرة مصطفّة لست بحاجة لأن تدخلها لتعرف أي وضع معيشي هي عليه٠
الفيلم مؤسس بكاميرا قلّما تتحرّك وأحياناً تستمر في لقطتها الواحدة لأكثر مما ينبغي من الوقت، لكنها مصممة لهذه الغاية لأنها تريد أن تستوعب كل ما تعرضه. هناك تحديد للمطلوب وحالة تقشّف في عملية التصوير والعرض، وابتعاد عن الترفيه واستعراض القدرات تاركاً للصورة أن تتحدّث بنفسها كما لذلك التقشّف أن يتلاءم والحقيقة الإجتماعية التي يرصدها٠


 عصافير النيل***
عصافير النيل [مسابقة الفيلم الروائى] مأخوذ عن رواية إبراهيم أصلان. لم أقرأ الرواية للأسف (ليس بعد على أي حال) لكن الفيلم يوعز بعالمها الغزير من الوصف والشخصيات. يوعز كذلك بأن المخرج مجدي أحمد علي لم يرد أن يرمي منها أي تفاصيل وأن يعمد الى طريقتها في السرد القائمة على الذكرى والذاكرة ما يعني بدوره التزاماً يعكس إحترام المخرج للمادّة الأصلية و-في ذات الوقت- سقوط الفيلم رهينة ذلك الأصل عوض أن يتحرر من الأمانة التي يؤولها على نفسه٠
لدينا شخصية عبد الرحيم (فتحي عبد الوهاب) النزيل في أحد المستشفيات. هناك صورة مشبعة بالألم حتى من قبل تقديم الشخصية المذكورة في مطلع الفيلم. الكاميرا (تصميم وإدارة رمسيس مرزوق) تبدأ من أول ردهة الكوريدور رحلة بين الأروقة. تبدأ بالتحرك قُدُماً ثم التحول الى ردهة الى اليمين ومنها الى عنبر وتمسح من دون انقطاع اللقطة مجموعة من الأسرّة ومن ينام فوقها في ليل المستشفى الكئيب حتى تصل الى عبد الرحيم الذي ينهض بعد ذلك ليتمشّى في رواق آخر ويلتقي بالمرأة التي أحبّها حين كانا أصغر سنّاً٠
يفتحان باب الذاكرة وننتقل الى حياة الريفي النازح الى المدينة عبد الرحيم في كنف عائلة تتكوّن من شقيقته المتزوّجة من رجل طيّب وأولادهما. إنه يسكن معهما وعيناه في الشقّة التي على السطوح كونها مشغولة بإمرأة مطلّقة ذات جسد يُثير. يتسلل إليها ويتعاشران، ثم ينفصلان حين يبدأ بتصديق كلام أهل الحارة بأنها إمرأة سيئة السلوك، ثم يتعرّف على سواها مرّتين. واحدة يخطبها والأخرى يتزوّج منها وفي كلا الحالتين الجنس والإثارة هي التي تسبق خطواته وتؤثر في مساره. حياته العاطفية تلك تنتهي الى الفشل لكنها تمشي بموازاة حالته النفسية والإجتماعية التي تتدهور بالتدريج. وجوده في المستشفى هو تعبير للحالة النهائية التي وصل اليها: خسر كل من أحب من عائلته كما افتقد الحياة الطبيعية وتأليف عائلته الخاصّة به. إنتهى كجزء من ركام الحياة حين يطيح بها المرء منا من دون تفكير فإذا بها، مثله، لم تعد تساوي الكثير٠
خلال ذلك هناك تعرّض لأوضاع تعصف بالحياة السياسية في مصر من سيطرة فاشية للفكر الديني الى اللا عدالة التي تُمارس من دون انتقاء على الناس الى حب التغيير وعدم القدرة عليه او الإنقسام بين من يريد التغيير ومن يجد أنه من الأسلم الحفاظ على الأمور كما هي٠

للمخرج حسنة شحن الفيلم بكل تلك العناصر مشهداً بعد آخر. تتويجه بمشاهد فاصلة ولو مبعثرة يبعد بينها أن العديد من المشاهد هي استمرار لما ثَبُت قوله من قبل. المشكلة هي أن المخرج، ومن دون أن أقرأ الرواية كما ذكرت، لا يؤسس للفيلم كحالة منفصلة، بل يسعى للإلتصاق بالوسيط السابق او الأصلي له. هذا يمكن تلمّسه بوضوح من خلال المعالجة سواء المتوالية مشهداً وراء مشهد، او من خلال الحكم على المعالجة ككل. لكن ما يطغى يبقى أهم من هذه المشكلة وما يطغى هو فيلم يحب فيه المخرج ما يصنعه هو حتى ولو كان التزاماً بالمادة الأصلية. "عصافير النيل" تكسب مواقع في القلب بسبب وجدانيّاتها وصنفها الواقعي واستحواذها على نفس يوجز الصورة الكبيرة لعالم القاهرة بشخصيات محدودة وبالحارة ومن ثم بالبيت٠

2
قيد النظر| هل مهرجانات السينما العربية الدولية .... دولية فعلاً؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا


من الفيلم الإماراتي المشارك في مسابقة دبي: مدينة الحياة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يصل قطار المهرجانات العربية الى محطّته الأخيرة متمثّلة بمهرجان دبي السينمائي الدولي. هذا بعد أن مرّ القطار على محطّات متعددة في الأشهر الثلاث الأخيرة. من محطة مهرجان أبو ظبي، ومنها الى محطّة مهرجان دمشق ثم محطّة مهرجان القاهرة فمرّاكش قبل أن يقفل عائداً الى محطّة أخري في دولة الإمارات متمثلة بمهرجان دبي. هذا من دون أن ننسى محطّة جديدة افتتحت على الطريق ما بين أبو ظبي ودمشق هي الدوحة٠
ومن دون أن ننسى أيضاً محطّات أصغر متناثرة ما بين مصر والمغرب ولبنان وفلسطين. بعض هذه المحطّات الصغيرة محلّي، بعضها أقليمي وبعضها الآخر هو دولي أيضاً٠

وينطلق مهرجان دبي في دورته السادسة محمّلاً بالآمال ومن واقع ظرف اقتصادي معيّن عليه أن يتجاوزه. والإشارات الأولى تفيد بأنه سيفعل ذلك بنجاح. الإفتتاح والختام بإثنين من أفضل أفلام الاستديوهات في هوليوود وهما "تسعة«، الفيلم الموسيقي الجديد لمخرج »شيكاغو« روب مارشال، والختام لأحد أهم الإنجازات التقنية في تاريخ السينما وهو »أفاتار« لجيمس كاميرون٠
بين الإفتتاح والختام نحو 200 فيلم بينها 29 عرضاً عالمياً للمرّة الأولى. مسابقة عربية حافلة وأخرى أفريقية واعدة ونحو 700 ضيف من السينمائيين٠

لكن السؤال الأكثر طرحاً في كل عام، والذي يطرح مجدداً للمناسبة هو إذا ما كانت هذه المهرجانات ضرورية بالفعل، ثم إذا ما كان من الممكن نقلها من حيّز الأشهر الثلاث الأخيرة من العام، الى فترات أخرى من السنة بحيث لا تكتظ هكذا، متوالية ومتضاربة في مواعيدها، كما الحال اليوم بالنسبة لمهرجاني دبي ومراكش. ويتبع ذلك سؤال تقليدي آخر عما إذا كان هناك ما يكفي من أفلام عربية لكي تنتقل من مهرجان الى آخر٠

كلّها أسئلة مشروعة لكن هناك سؤال لم يُطرح بعد يتعلّق بما إذا كان أي من هذه المهرجانات يحمل تصنيفاً أكبر من الواقع ذاته. بكلمات أخرى، ما إذا كانت صفة "العالمية" او "الدولية" في محلّها أم لا. وفي حين أن كل هذه الاسئلة تعكس قدراً كبيراً من القلق حول مهرجانات تتماوج في مساحات متقاربة زمنياً وجغرافياً، وتجمع بين تلك التي يناهز عمرها ثلاثين سنة، وبين تلك التي لم تنجز بضعة سنين من عمرها بعد، الا أن السؤال الأخير يمضي بعيداً ليتعلّق بالهوية ذاتها. ففي نهاية المطاف، هناك أكثر من ألف ومئتي مهرجان حول العالم ثلثها يعرض أفلاماً من أنحاء العالم، فما الذي يميّز المهرجان الدولي العربي عن ذاك الذي في البرازيل او ألمانيا او ذلك الذي يُعقد في سان فرانسيسكو مثلاً؟
تاريخ مفيد
التاريخ المختصر للمهرجانات السينمائية العربية بدأ بمحاولات دولية. في الستينات، مثلاً، محاولة لإطلاق مهرجان سينمائي دولي في بيروت. أقيم لعامين متتابعين ثم توقّف. لكن في الستينات كذلك، عرفت المهرجانات العربية أول مهرجان متخصص لها وهو مهرجان قرطاج للسينما العربية والأفريقية الذي لا يزال يُعقد مرّة كل عامين في تونس. وفي مطلع الثمانينات عقد اتفاقاً مع مهرجان دمشق يقضي بالتعاون الإستراتيجي بينهما. أمر لا نراه منتشراً بين المهرجانات الغربية، فكل مهرجان هو كيان خاص قائم بذاته٠
هذا الإتفاق، الذي لم يعد معمولاً به حتى من قبل أن يتحوّل مهرجان دمشق من مرّة كل عامين الى مهرجان سنوي، تم بعدما أنطلق الى العلن مهرجان القاهرة السينمائي في العام 1976 كمهرجان دولي وسنوي٠
ترأسه حينها الصحافي كمال الملاّخ وكان بذلك ثاني أكبر مهرجان في منطقة الشرق الأوسط بعد مهرجان طهران الذي كان يكبر باضطراد أيام الشاه، ثم اندثر مع قيام ما سُمّي بالثورة الإسلامية. ومع أنه عاد بعد ايقافه بسنوات، تحت إسم جديد، هو "مهرجان الفجر"، الا أن قيمته الفعلية على الصعيد الدولي محض أقليمية٠
المهم، هو أن العالم العربي في الثمانينات ومعظم التسعينات بقي موزّعاً بين ثلاثة محطّات كبيرة (ولو نوعاً) هي القاهرة ودمشق وقرطاج، مع بضعة مهرجانات أصغر شأنا من بينها مهرجان الإسكندرية لسينما دول البحر المتوسّط، ومهرجان طنجة المغربي للفيلم القصير ومهرجان خريبكة للسينما الأفريقية وهو أيضاً في المغرب. وتوسّعت المهرجانات طوال تلك الفترة وانحسرت أكثر من مرّة. حيناً هناك مشروع مهرجان للفيلم القصير في طرابلس، ليبيا وحيناً لا يوجد. ينطلق مهرجان في عنّابة الجزائري وبعد عام واحد يتم إلغاؤه. كذلك الحال في العراق: من مهرجان للسينما الفلسطينية، الى مهرجان للسينما المعادية للصهيونية، ثم الى مشروع لمهرجان سينمائي عربي لم ير النور٠
إنجازات
والمزيد من المحاولات تدافع في نهاية العقد الأخير من القرن العشرين. في الكويت محاولة لخلق مهرجان وسوق تلفزيونية قادها الإعلامي والمنتج محمد السنعوسي تم إحباطها من قبل المتشددين في الحكومة آنذاك. في قطر مهرجان "الشاشة العربية المستقلّة" الذي أطلقه السينمائي محمد مخلوف لعام واحد معلناً الحاجة الماسّة له في ساحة السينما العربية ليتبعه مهرجان للسينما العربية (من دون تخصيص) أطلقه المخرج السينمائي البحريني بسّام الذوادي وهذا أيضاً استمر عاماً واحداً٠
ثم جاء دور السينمائي الإماراتي مسعود أمر الله آل علي الذي خاض تجربة تبلورت عن نجاح لم يحققه مهرجان محلّي من قبل: لقد تسبب في ولادة سينما إماراتية٠
مسعود أمر الله في العام 2002 كان رئيس قسم السينما في "المجمّع الثقافي" في أبو ظبي، تحت إدارة محمد سويدي وهو المركز الثقافي الباهر الذي تم تغيير أسمه الى "الهيئة العامّة للثقافة والتراث". ما فعله أمر الله بإختصار هو أنه أوجد الشاشة التي يبحث عنها المخرج الإماراتي خصوصاً ثم الخليجي على نحو عام لعرض أفلامه. حالما أوجد الشاشة وجدنا كيف أن المنطقة بأسرها التهبت إنتاج أفلام هي بداية المرحلة الحالية من الحياة السينمائية في منطقة الخليج٠
لم تكن أفلاماً من نوع واحد: كان هناك الروائي والوثائقي. القصير والطويل والمتوسّط. الجيّد والرديء. الطامح الى حالة فنيّة والموغل في الواقعية لكنها جميعاً كانت إنعكاس لنشاط وردّ فعل إيجابي على فعل قاده شخص واحد٠
أمر الله، شارك في تأسيس مهرجان دبي منذ خمس سنوات، عام واحد بعد تأسيسه وهو الآن مديره الفني وكما كان مهرجان أفلام من الإمارات هو الأول محليّاً وأقليمياً من نوعه في منطقة الخليج، جاء مهرجان دبي الدولي كأول مهرجان إحتفائي كبير في المنطقة ذاتها. بعده اتّسعت الحلقات. مرّاكش بات لديها مهرجانها بنفس الحجم، ومدينة أبو ظبي أطلقت مهرجانها الذي يُعبر الأضخم حجماً، بالنسبة لميزانيّته والمبالغ الماديّة لجوائزه، وهو المهرجان المعروف بمهرجان "الشرق الأوسط"، وهذا قبل أن ينطلق هذا العام مهرجان الدوحة السينمائي الدولي الداخل في شراكة مع مهرجان ترايبيكا السينمائي الدولي في نيويورك٠
وخلال سنوات العقد الأول من هذا القرن أيضاً تمت ولادة مهرجانات في مسقط وجدّة وعاد الى العلن مهرجان بيروت السينمائي الدولي، بعدما كان انطلق ثم توقّف في أواخر العقد الماضي، وتأسست مهرجانات للسينمات العربية والسينما الوثائقية في بيروت٠
دولية المهرجان ليست هوية
كل هذا التاريخ، وقد أوجزناه قدر المستطاع، يضعنا أمام منطقة تستدعي إلقاء الضوء الساطع عليها. فالمسألة لم تعد ما إذا كانت المهرجانات السينمائية الموجودة في المنطقة ضرورية او مهمّة (وهي ضرورية ومهمّة بلا ريب)، بل إذا ما كانت مجدية على نحو يجعل كل منها قادر على الإستمرار بنجاح، وليس الإستمرار فقط. لتأمين ذلك، على المهرجان، أي مهرجان، أن يبني لصرحه هويّة. فما هي الهوية لمجموعة المهرجانات العربية المتواجدة حالياً؟
من اللمحة الأولى يلاحظ المتابع أن المهرجانات الصغيرة، تلك التي لا هي عالمية ولا تدّعي أنها كذلك، ولو أن بعضها قد يعرض أفلاماً من أنحاء مختلفة من العالم، هي الأكثر تمتّعاً بالهوية الخاصّة. كل منها أوجد منواله ونشاطه تبعاً لهدف معيّن: سينما الأطفال، السينما الخليجية، سينما البحر المتوسّط، سينما الهواة، سينما عربية وأفريقية إلخ. أما تلك التي انطلقت كبيرة وعلى نحو من يريد احتلال إسم ومكانة على الخارطة العالمية فهي من تبدو، على نحو غالب، بلا هوية. او، كما الحال مع بعضها، يُصارع لكي يؤسس هوية ما ويدافع عنها٠
السبب في هذا هو أن دُولية مهرجان ما، تلك التي تتيح له عرض أفلام من كل أنحاء العالم، لها الكثير من السلبيات وهذه تبدأ بالنظر الى جانب واحد من "دوليّته" هو جانب الإتيان بأفلام أميركية وأوروبية ولاتينية وآسيوية داخل او خارج المسابقة. بينما الجانب الأهم والمفصلي هو الجانب المتعلّق بموقع المهرجان الجغرافي٠
ما يجعل مهرجان برلين او كان او فانيسيا او سان سابستيان او تورنتو او سندانس او ترايبيكا او بوسان الكوري مهرجانات دولية، كونها تقام في مدن هي مفاتيح أسواقها. موقع المدينة من السوق المحيط هو الذي يخلق الدولية وليس جلب الأفلام الدولية. فلو لم يكن في مقدور برلين حشد طاقات اعلامية وتجارية معاً تتيح للمنتجين وصانعي السينما المشتركين التمدد في الإتجاهين بنجاح، لما أصبح برلين عالمياً. كذلك الحال مع كان بالنسبة للسوقين الفرنسية والعالمية، وفنيسيا بالنسبة لهاذين السوقين، وتورنتو كمفتاح للسوق الأميركية الشمالية، وسندانس حاملاً هويّته الفريدة كأفضل ملتقى للسينمائيين المستقلّين٠
لكن المدن العربية بأسرها تنتمي الى واقع مختلف تماماً يحد من قدرة هذه المهرجانات أن تلعب دوراً عالمياً. مختلف لأنه متخلّف فهو إما واقع تحت هيمنة الأفلام المقرصنة، وإما أنه سوق بلا صالات سينمائية أصلاً، او هو سوق بلا شركات توزيع تطمح لبناء مشاهد متفتّح يطلب الإختلاف عن السائد فتؤمّنه له، وإما هو سوق بلا قوّة إعلامية بل محطّات تلفزيونية فيها برامج تهليلية عن السينما مصنوعة للحديث الخفيف كون السوق الإعلانية مرتبط بقدرة تلك البرامج على البقاء هشّة نظراً للإعتقاد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لنجاح تلك البرامج٠
نواقص
والغالب أن كل هذه الأسباب تجتمع في معظم الدول العربية، ما يجعل الحديث عن خلو بعض الدول العربية من صناعة سينمائية ما يعني عدم صلاحيتها لإقامة مهرجانات سينمائية أمراً في غاية الثانوية. فها هي مصر رائدة السينما العربية ومصنعها الإنتاجي الأول الى اليوم، ومع ذلك فمهرجانها يعاني من التهميش رغم أنه يحمل صفة الدولية عارضاً أفلامه من مختلف بقاع الأرض ومستمرّاً على نحو متواصل (تقريباً) من ثلاثين سنة، بينما مهرجان دبي ينطلق في بلد لا صناعة سينمائية فيه لكنه يتميّز بالتنظيم وباستقطاب ناجح للأفلام الجديدة ونجومها. ذلك لأنه بصرف النظر عما إذا كانت هناك صناعة او لا، فإن المشاكل المذكورة أعلاه، من عدم وجود السوق النشطة التي تغري صانعي السينما بتخصيص هذه المهرجانات بأفضل ما لديهم، الى عدم وجود اهتمام إعلامي مستقل وخارجي كاف يعرقلان أي سبيل فعلي للتحوّل من مهرجان دولي على رقعة محليّة الى مهرجان دولي على رقعة عالمية


Avatar
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجان دبي، للآن، ينجح أكثر من سواه في عملية الجمع بين هويّته وعالميّته، وذلك عن طريق مسابقته المفتوحة على السينما العربية بمختلف أشكالها، وعن طريق استحواذ سبق العمل على مد الجسور الثقافية بين العالمين العربي والغربي، مانحاً دوليّته مشروعية لم تبلغها المهرجانات الأخرى من قبل. وربما لن تبلغها طالما أن الظروف والمشاكل النابعة منها هي ذاتها٠
ولا ننسى انجازاته التي أدّت الى ظهور وانتشار سينما خليجية أكثر ثقة بنفسها مما كانت عليه يعرض منها المهرجان في دورته الحالية أكثر من عشرة أعمال متفرّقة بينها فيلم إماراتي طويل بعنوان »مدينة الحياة« للمخرج علي مصطفى وذلك بعد أن بات بالإمكان، وعلى الرغم من الظروف الإقتصادية المعروفة، توقّع إنجاز فيلم روائي إماراتي طويل واحد على الأقل كل عام وذلك مقابل لا شيء على الإطلاق قبل موجة المهرجانات الحديثة٠

3

مهرجانات | مراكش السينمائي الدولي ... نسخة بالفرنسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة

المهرجان المغربي الذي يحب فرنسا أكثر من المغرب بلغت غربته لدرجة أن أحد أركانه، نور الدين الصايل، مُنع من ارتياد القاعة ذات مرّة.... إنها القصّة القديمة- الجديدة حول هل ينتمي المهرجان إلينا أم هو أجنبي في بلدنا؟- م . ر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الفيلم المغربي "بلا شمال"٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنتهي الدورة التاسعة لـ «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» في المملكة المغربية مساء اليوم السبت. تعلن النتائج الخاصّة بالمسابقة الرسمية، المتضمّنة خمسة عشر فيلماً روائياً طويلاً. تُوَزّع الجوائز على الفائزين بها، بناء على قرار صادر عن لجنة تحكيم تألّفت من أمزجة وهواجس مختلفة، أو متناقضة. اختير الإيراني عباس كياروستامي رئيساً لها. أما أعضاؤها، فهم: الفرنسية فاني آردان والهندية نانديتا داس والإيطالية إيزابيلا فيرّاري والأميركي مايك فيغيس والفرنسي كريستوف أونوري والإسبانية ماريزا باراديس والفلسطيني إيليا سليمان والأرجنتيني بابلو ترابيرو والمغربي لحسن زينون. عشرة أعضاء شاهدوا خمسة عشر فيلماً، بهدف منح أربعة جوائز فقط: النجمة الذهبية/ الجائزة الكبرى، جائزة لجنة التحكيم وجائزتا أفضل ممثل وأفضل ممثلة. أعداد كبيرة. أرقام كثيرة. أفلام بعضها مهم، وبعضها الآخر أقلّ أهمية. مديرة المهرجان الفرنسية مليتا توسكان دو بلانتييه قالت، في حوار منشور في العدد الثاني كانون الأول الجاري) من «الرسمي»6الأحد، ( النشرة اليومية الناطقة باسم المهرجان الدولي)، إنه ( يُفترض بالأفلام المختارة أن تكون الأولى أو الثانية لمخرجيها. أرادت بهذا أن تُقدّم للسينما مخرجين جدد: «سكورسيزي ولينش الغد»٠
فَرْنسَة

طموح كبير. سعى المهرجان، منذ تأسيسه في العام 2001، إلى أن يكون منبراً دولياً لسينما دولية. أسّسه فرنسيون وأداروه. لا يزال هؤلاء مسيطرين عليه. يمسكون بكل شيء: التنظيم، الاختيار، التكريم، لجان التحكيم، النشرة، العاملين، آلية العمل... إلخ. أخبرني أحدهم أن هذا الـ «كل شيء» يتمّ في باريس، ثم يُنقل إلى مراكش قبل أيام قليلة من إطلاق كل دورة. هناك فقط بعض العاملين المغاربة. روى لي صديق مغربي أن الموظّفين السابقين جميعهم كانوا فرنسيين. تبدّل الأمر قليلاً بعدما تعرّض نور الدين الصايل، المدير العام لـ المركز السينمائي المغربي» ونائب الرئيس المنتدب لمؤسّسة المهرجان، لموقف «غير طبيعي»: منعته موظّفة فرنسية شابة من الدخول إلى قاعة أقيمت« في داخلها حفلة تكريمية كبيرة، لأنه لم يحمل معه بطاقة الدعوة. الشابة لا تعرفه. الأوامر صارمة. ضجّة كبيرة قامت. هو المشرف العام على المهرجان. هو منظّم الحفلة المذكورة. روى الصديق قال: «مسؤولون فرنسيون رفيعو المستوى في إدارة المهرجان اعتذروا منه. لكن أحدهم لم يتردّد عن لومه لعدم إحضار بطاقة الدعوة معه»٠
هذا ليس تفصيلاً عابراً. منذ تأسيسه على أيدي فرنسيين، واجه المهرجان انتقادات حادة من سينمائيين مغاربة، بسبب ميله الصارخ إلى «الفَرْنسَة». تمّ إبعاد كل ما له علاقة بالمغاربة والعرب. تبوّأ نور الدين الصايل منصباً رفيع المستوى بعد مرور دورات عدّة. حاول تخفيف السطوة الفرنسية. أتاح فرصة ما أمام السينمائيين المغاربة والعرب لتقديم إبداعاتهم. لكن السلطة لا تزال في أيدي الفرنسيين، بل في يدي مليتا توسكان دو بلانتييه تحديداً. أحكمت المرأة قبضتها على المهرجان بُعيد وفاة زوجها، المنتج دانيال توسكان دو بلانتييه، إثر نوبة قلبية حادّة في الحادي عشر من شباط/ فبراير 2003
في الدورة الأخيرة هذه، لم يتبدّل الأمر كثيراً. فيلمان عربيان فقط في المسابقة الرسمية: "هليوبوليس" للمصري أحمد عبد الله و"الرجل الذي باع العالم" للأخوين المغربيين سويل وعماد نوري. إنه الفيلم الأول للمصري. إنه الفيلم الثاني للأخوين المغربيين، بعد «أبواب الجنّة». ضيوف عرب قليلون. لكن المشكلة كامنةٌ في تهميش ما عاناه معظمهم. نقّاد وصحافيون وإعلاميون مغاربة وعرب لم تُدرج أسماؤهم في الدفتر الخاصّ بلائحة المدعوين جميعهم. تردّد أن سينمائيين وفنانين مغاربة انزعجوا من طريقة دعوتهم إلى المهرجان. بعضهم قال إن الدعوة هادفةٌ إلى تغطية إعلامية استعراضية، تفيد أن المهرجان مهتم بأبناء البلد. لا يُمكن تأكيد الخبر، وإن نشرته صحف مغربية. الصراع حادٌ بين تيارين مغربيين: واحدٌ متّجه نحو فرنسة أو تغريب شبه مطلق، وثان مدافع عن المحلي والعربي. هذا صراع موجود في داخل المجتمع المغربي أيضاً. ميل غربي في مقابل تمسّك مغربي بالوطني والعربي، وبينهما أصوليون متزمّتون. ليس تبسيطاً، لكنه اختزال أول لما يجري٠
بات نور الدين الصايل (الرجل الأول في السينما المغربية، كما وصفه الزميل هوڤيك حبشيان في حوار أجراه معه مؤخراً) عرضة لانتقادات عنيفة من قِبل «التيار الوطني العربي»، إن جاز التعبير. المشاكل قائمة بينه وبين سينمائيين مغاربة عديدين. هذا أمر طبيعي. هناك من يعتبره حاجزاً أمام طموحاته ومشاريعه. هناك من يراه الداعم الأبرز لنهضة سينمائية مغربية جدّية. منصبه كمدير عام لـ «المركز السينمائي المغربي» يُسهّل إطلاق اتهامات متفرّقة ضده. منصبه كنائب رئيس مؤسّسة المهرجان، أضاف تسهيلاً آخر لإطلاق هذه الاتهامات. الرجل منيع. قيل إنه مدعوم من القصر الملكي. من شقيق الملك مولاي رشيد شخصياً، رئيس مؤسّسة «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش». يصعب معرفة حقيقة الخفايا. للرجل أصدقاء وأعداء في الوقت نفسه. لكن أحداً من خارج اللعبة الداخلية لا يُمكنه تناسي دوره الفعّال في منح السينما المغربية استفاقة جديدة ومهمّة. إشرافه المباشر على مهرجان مراكش لا يُلغي موقعه الأساسي في تنظيم كَمّ هائل من المهرجانات السينمائية المُقامة سنوياً في مدن مغربية عدّة، ومنها الأفضل والأهمّ في خارطة المهرجانات السينمائية العربية، كمهرجان الفيلم القصير في طنجة ومهرجان سينما المؤلّف في الرباط مثلاً، الذي استمله مؤخّراً الناقد محمد بكريم، أحد كبار المسؤولين في «المركز السينمائي المغربي»٠

فرص مهمّة
يطول الحديث في هذا المجال. لكن الدورة التاسعة، المُشرفة على نهايتها، منحت المهتمّ بالفن السابع فرصاً عدّة لا يُمكن الاستفادة منها كلّها في أسبوع واحد (افتُتحت الدورة هذه مساء الرابع من الشهر الجاري). فكيف إذا كانت مدّة الزيارة الأولى إلى مراكش ومهرجانها أربعة أيام فقط؟ حتّى أولئك الذين تابعوا الأيام كلّها، لا يُمكنهم مشاهدة روائع مستلّة من الذاكرة السينمائية الدولية كلّها: تكريم السينما الكورية الجنوبية محتاج إلى أسبوع كامل. أربعة وأربعون فيلماً منتجاً بين العامين 1955 2009

أفلام عدّة محفورة في التاريخ الإبداعي لذلك البلد القائم بين حراك سينمائي بديع ونظام أمني وسياسي قامع. التكريمات الأخرى لا تقلّ أهمية: الممثلون الأميركي كريستوفر والكن والبريطاني السير بن كينغسلي والفرنسي المغربي الأصل سعيد طغماوي، والمخرج البوسني أمير كوستوريتزا. هناك أيضاً «نبضة قلب» وإطلالة على السينما التايلاندية ويوم البيئة و«ماستر كلاس»، أي «دروس في السينما» ألقاها، هذا العام، المخرجون المكسيكي ألفونسو سيوران والأوسترالي كريستوفر دويل والأميركي جيم جارموش والبوسني كوستوريتزا. هذه نشاطات تليق بالمكانة المطلوبة لمهرجان دولي، على الرغم من الملاحظات النقدية المُساقة ضده٠
أفلام المسابقة الرسمية متفرّقة. أبرزها (من بين الأفلام التي تسنّت لي مشاهدتها) المغربي «الرجل الذي باع العالم» للأخوين نوري. اقتباس عن رواية «قلب ضعيف» للروسي فيودور دوستويفسكي. أحدث الفيلم صدمة. بعض المغربيين نبذوه منذ إنجازه في العام الفائت. بعضهم قال إن الصدمة الجمالية التي أحدثها لا تختلف عن صدمة الفيلم الأول «أبواب الجنة» أيضاً. للأخوين نوري لغة سينمائية مختلفة تماماً عن السائد العربي. يُمكن اعتبارها متجانسة والحركة المتجدّدة في السينما المغربية. «يا له من عالم رائع» لفوزي بنسعيدي و«كازانيغرا» لنور الدين لخماري ساهما بفعالية في تنشيط الحركة هذه. الأفلام الثلاثة بديعة. الصورة السينمائية مشوّقة. أسلوب المعالجة الدرامية مشغولٌ بحرفية باحثين في الجماليات، لا مجرّد سرد قصص. هناك حكاية طبعاً، لكن الشكل المعتمد في سردها مبني على التفكيك وإعادة الصوغ. «الرجل الذي باع العالم» استفاد من مناخات مسرحية وأنماط تشكيلية، لكنه حافظ على المفردات السينمائية في التوغّل داخل النفس البشرية. هناك أداء حرفي قدّمه سعيد باي وفهد بنشمسي في الدورين الرئيسين. هناك مخرجان محترفان، لا يزالان في بداية الطريق الطويلة. لكنهما كشفا عن قدرة بصرية على تأسيس بداية متينة ومهمّة ولافتة للانتباه. النزاع الذاتي والتمزّق الداخلي ركيزتا الفيلم. الكوابيس والهوس المفضي إلى الجنون أيضاً. علاقات الحبّ والصداقة والشغف... عناوين مكتوبة بنَفَس سينمائي، ومغلّفة بشيء مسرحي. صُوَرها أشبه بلوحات تشكيلية معلّقة عند الحدّ الواهي بين الحلم والحقيقة، أو بين الواقع والمتخيّل. لعبة الألوان مهمّة. رماديّ ومائل إلى الأصفر. والبياض صنو الموت الذي يزنّر المدينة الخيالية الواقعة تحت نير حرب ما. يحتاج «الرجل الذي باع العالم» إلى قراءة نقدية مفصّلة. لكن الأساسي كامنٌ في انتمائه إلى المختلف، شكلاً ومعالجة. وهذا أمر نادرٌ في النتاج السينمائي العربي. الأساسي كامنٌ أيضاً في قدرته على كشف المستور النفسي والروحي، بلغة عصبية وحادة وجميلة. العصبية والحدّة لا تلغيان الجمال، بل تدفعانه إلى تخوم أخرى من التعبير البصري الاحترافي٠
تنويعات
هليوبوليس» مختلف أيضاً، في إطار سينما مصرية يصنعها مخرجون شباب. خصوصيته كامنةٌ في جعله المدينة (القاهرة) شخصية سينمائية « وسط شخصيات محطّمة ومنهارة. جماليته كامنةٌ في محافظته، في لحظات كثيرة، على المعنى السينمائي للصمت. الصورة أساسية. تصوير شخصية الشرطي/ حارس الأمن بديع. الوجه والنظرات والجسد والحركة، أمور مشغولة بتقنية إبداعية عالية. الحنين إلى زمن مضى عنوان مهمّ. العجوز على شرفة منزلها. الشاب الباحث في التحوّل المجتمعي والعمراني للمدينة. هنا، سقط الفيلم في الهوّة المحظورة: الوثائقي (أراد الشاب تصوير التحوّل على كاميرا فيديو لتشاهد العجوز المعزولة في بيتها الآنيّ) كسر السياق الجميل للحكاية. التزم ثرثرة مباشرة أفرغت النصّ من محتواه الجمالي. هناك الشاب الآخر الراغب في الهجرة. ثقل الخيبات والآلام جعله متعباً. جعله أشبه بعجوز حامل سنين طويلة على كتفيه، وفي ذاته وروحه. المدينة قاتلة. بل هي التحوّلات. الرغبة في الخروج من الحصار آيلة إلى الفشل. هذا اختصار لحالة المرأة في الفيلم الإسباني «امرأة من دون بيانو» لخافيير ريبولّو أيضاً. لم تعد قادرة على السير قُدماً في حياة روتينية قاتلة. أرادت التغيير. اصطدمت بعتمة الليل والنفس والبيئة. المدينة، هنا أيضاً، متبدّلة. أو ربما المرأة اكتشفت تبدّلها متأخّرة


هيليوبوليس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الليل مرآة المجتمع. نماذج إنسانية وحالات نفسية وانكسارات وآلام. لكن الفيلم مشغولٌ بطريقة سيئة. انعدام واضح للحساسية الإبداعية. استخدام مزعج للموسيقى. وَهنٌ لا يُحتمل أصاب البنية الدرامية كلّها. اختياره من قبل إدارة «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» لم يكن موفّقاً. الفشل في كسر الحصار عنوان إنساني لفيلم «بلا شمال» للمكسيكي ريغوبيرتو بيريزكانو أيضاً. الشاب ضائع. رغبته في اجتياز الحدود الشمالية لبلده باتجاه «أرض الأحلام»، أي الولايات المتحدّة الأميركية قوية. الهجرة غير الشرعية خلاصه من جحيم المكان المقيم فيه. أو اللامكان بالأحرى. لم يستطع فعل شيء. رجال الشرطة بالمرصاد، له ولأمثاله الكثيرين. وجد نفسه معلّقاً في مدينة صغيرة. اللافت للانتباه والمثير للمتعة معاً أمرٌ واحدٌ: إمعان في تقديس الصورة السينمائية على ما عداها من مفردات الصنيع السينمائي. الصورة ولا شيء غير الصورة. وعندما يأتي الكلام، تُصبح الحروف والكلمات والجمل خفيفة وجميلة وسلسة. ما كان ينقص «امرأة من دون بيانو» مثلاً، مخيّلة تحيل الصمت المتوفّر فيه إلى عصب إبداعي. في «بلا شمال»، شكّل الصمت لغة. باتت الصورة سيّدة مطلقة على النصّ. إنها أساس السيناريو٠
الدرامية ليست كوميدية فقط. هناك تشريح لبيئات ومجتمعات وحالات. هناك إثارة للضحك، في مقابل ابتكار موفّق، غالباً، لنصّ إنساني. الضحك أداة للكشف. الكوميديا معبر للبوح. التجربة مهمّة. هذا مهرجان راغبٌ في التواصل مع الجميع. الإعاقة الجسدية لا تلغي الحقّ البشري في متابعة إبداع السينما العالمية. التقنيات في خدمة المعرفة. والمعرفة حقّ للجميع. والسينما ذاهبة إلى محبّيها بشغف المقبلين إليها أيضاً٠

4
شخصيات | رومي شنايدر: صباح الخير أيها الحزن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ميسّر مسكي

يتناول الصديق ميسر مسكي في هذا العدد شخصية أخرى من الماضي القريب: الممثلة رومي شنايدر ذات الحضور الطاغي على الشاشة والألم المبرح في الحياة٠



ربما لم يلائم عنوان رواية فرانسوا ساغان الشهيرة هذا كما لائمَ حياة رومي شنايدر في السنة الأخيرة من حياتها. فهذه المرأة البديعة كانت تتأرجح على حافة الحياة. كل صباح كانت تنهض لتعانق حزنها إلى أن أصبحَ أكبر من إحتمالها٠
في صباح التاسع و العشرين من أيار 1982، طارَ خبر موتها إلى العالم مع إيحاء أن الرحيل كان إنتحاراً. لكن التقرير الثاني عن الوفاة أوجَزَ أنها كانت نتيجة نوبة قلبية ولإسباب طبيعية. لكن والدتها علـّقت: بحق السماء، ما هي الأسباب الطبيعية التي تجعل إمرأة جميلة، في الثالثة والأربعين من عمرها تقضي نحبها؟
لم تكن حياة رومي شنايدر الخاصة سهلة رغم النجومية الواسعة والسيرة المهنية المتألقة، لكنها رغم هذا إستطاعت أن تتغلب على هواجسها الداخلية إلى اليوم الذي تجَسَدَ فيه أسوأ كابوس قد تتخيله أم في حياتها: موت إبنها. ففي تموز (يوليو) من العام 1981 كان إبنها البكر و الوحيد ديفيد (لها إبنة من زواج لاحق) والبالغ أربعة عشر عاماً يتسلق السور الحديدي في بيت جَدّه حين سقط وإخترقت الأوتاد الحديدبة المُدببة جسده و مزقت إحداها قلبه٠
مع رحيل إبنها دافيد إنقطعت آخر أسباب الحياة لدى والدته. فأصبح الموت إحتمالاً عاجله يسبق آجله بكثير٠
أدمنت رومي شنايدر الكحول و المهدئات إلى أن قضت عليها في ظروف قال البعض أنه رحيل متعمد فيما أكـَدَ آخرون أن الجسد المُنهك و الروح المكسورة ما عادَ بإمكانهما إحتمال الحياة، فرحلا "لإسباب طبيعية."٠
"لو كان الأمر لي لإصبحت ممثلة مثل والدتي."


هكذا كتبت روزماري ماغدلينا آلباخ، الفتاة ذات الخمسة عشر عاماً في دفتر مذكراتها. لم تكن تعلم هذه اليافعة أنها ستلعب أول أدوارها في السينما ذلك العام و أنها ستصبح فيما بعد أكثر شهرة من والدتها بكثير٠
ولدت رومي شنايدر تحت إسم روزماري آلباخ في النمسا لوالدين ألمانيين سنة 1938 والدتها ماغدا شنايدر كانت ممثلة مشهورة إلتقاها الزعيم الألماني إدولف هتلر غير مرّة و أشاد بأدوارها في السينما الألمانية. مع نهاية الحرب العالمية الثانية إنفصل والديها وعاشت رومي في رعاية والدتها التي لعبت دوراً كبيراً في توطيد رغبة الصبيّة في دخول عالم السينما. بل إن الأم مارست و لسنوات وصاية فنية على إبنتها أيام شهرتها الأولى٠
هذه الشهرة جاءت مع سلسلة أفلام "سيسي" و هو الإسم الذي أطلقه الألمان على الأميرة البافارية التي أصبحت إمبراطورة النمسا في نهايات القرن التاسع عشر. الأفلام الثلاث عن الإمبراطورة وضعت رومي شنايدر في قالب كان يصعب عليها الخروج منه في ألمانيا، لذلك حين جاءتها فرصة العمل في فرنسا سارعت للتشبث بها. لعبت رومي شنايدر في فيلم "كريستين" عام 1959 أمام آلان ديلون الذي كان أيضاً في أول مشواره إلى الشهرة. إنتهى تصوير الفيلم لكن لم تنتهي العلاقة بين ممثليه الذين أعلنا خطوبتهما. ديلون قـَدّمَ شنايدر إلى أهم العاملين في السينما الفرنسية، فلعبت الجميلة الآتية من النمسا على المسرح تحت إدارة لوتشينو فيسكونتي. كما إختارها أورسون ويلز للدور النسائي في فيلمه الشهير "المحاكمة" عن رواية فرانز كافكا. ثمّ عادت مجدداً لتلعب تحت إدارة فيسكونتي في "بوكاتشيو 70"٠
إنهيار علاقة رومي شنايدر مع آلان ديلون سيضعها أما تجربة الموت للمرة الأولى. فحين قرر النجم الفرنسي أن يهجر شنايدر ترك ورقة صغيرة يخبرها فيها أنه غادر مع ناتالي (ناتالي ديلون لاحقاً) الحامل بإبنه إلى المكسيك. فردت شنايدر بقطع شرايين يديها لكنها اُنقذت٠
بعد تعافيها و أمام النجاح الباريسي في سيرتها المهنية إختارت رومي شنايدر أن تقيم في باريس و أن تتقمص جنسيتها الفرنسية الجديدة. "أريد أن أصبح فرنسية في كل شيء. في العيش، في الحب، في النوم، في الأزياء..."٠
وبعد سنوت أضافت أن ثلاثة في تجربتها الفرنسية غيروا حياتها: آلان ديلون، لوتشينو فيسكونتي و كوكو شانيل. و سيكون من الصعب على الكثير، بعد بضعة سنوات، أن يُميّز الجذور الألمانية و النمساوية لهذه النجمة التي ما لبثت هوليوود أن لوحت لها. تجربة رومي شنايدر الأميركية (كما أغلب نجمات و نجوم أوروبا) لم تدم طويلاً ولم تكن مثمرة. فبعد بضعة أفلام غير لافتة (أحدها "ما الأمر يا حبيبتي؟" أمام بيتر أوتول، بيتر سيللرز و...وودي آلن الذي كتب السيناريو)
عادت رومي شنايدر إلى فرنسا لتلعب في فيلم "السارقة" (1966) دورها الأول أمام ميشيل بيكولي. تعاون سيتكرر كثيراً و يعطي السينما الفرنسية بعض أهم أفلامها. بعد ذلك بثلاثة أعوام لعبت في فيلم "المسبح" لجاك ديراي أمام آلان ديلون الذي تحولت علاقتها به إلى صداقة متينة شهدت وقوفه إلى جانبها غير مرّة معنوياً ومادياً٠
في أول السبعينات بدا و كأن على رومي شنايدر أن تعيد حساباتها في السينما الفرنسية فهي لم تكن قد لعبت في فيلم هام منذ سنوات. لكن فجأة ظهرَ المخرج كلود سوتيه وأسندَ إليها ذلك الدور الهام في فيلمه الشهير "أشياء الحياة" (قدمته هذه المجلة مع حفنة من أعمال المخرج إلى قرائها في العدد السابق) سوتيه كان مدهوشاً بحضور شنايدر الطاغي على الشاشة كما أنه كان يقول أنه ملهمته في الأعمال الأربعة التالية له حيث لعبت شنايدر الدور النسائي الأول في جميعها. في "ماكس و تجار الخردة" كانت المومس ذات العلاقة الملتبسة مع المحقق. في "سيزار و روزالي" كانت المرأة الموزعة بين رجلين. و في "قصة بسيطة" كانت السيدة العاملة من البورجوازية الصغيرة و نالت عن دورها هذا سيزار السينما الفرنسية كأفضل ممثلة لذلك العام، كما حاز الفيلم ترشيحاً لإوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1978
سنة 1979 إلتقاها كوستا غافراس في "ضوء إمرأة" . فيلم عاطفي بسيط هو الوحيد الذي خرجَ فيه غافراس عن السياق السياسي المباشر الذي طالما طبعَ سيرته السينمائية. لم يلق الفيلم نجاحاً، فعاد غافراس إلى ما إعتادَ عليه في السينما و عادت شنايدر إلى حياتها التي بدأت تضطرب. فالناقد الراحل سمير نصري كتبَ في جريدة النهار يوم غيابها ما سياقه أن من عرفوها قالوا أنها كانت تجلس أمام المرآة تراقب ظهور التجاعيد حول عينيها٠
ربما رومي شنايدر لم تكن تهجس بآثار الزمن حول عينيها بقدر ما كانت تخشى من نضوب نبع الحياة داخلها. فهي قالت في مقابلة: " أنا إمرأة تعيسة. في الثانية والأربعين من عمري وإسمي رومي شنايدر."٠
في ذلك العام كان خبر إنتحار زوجها السابق (والد إبنها ديفيد) قد هزّ وجودها. فذلك الزواج الذي دامَ سنوات إنتهى بضجة إعلامية كبيرة و كارثة ماليه لرومي شنايدر التي إضطرت للتنازل عن نصف ثروتها للإحتفاظ بحضانة إبنها٠
آخر أفلامها كان "العابرون" حيث بعده عبرت رومي شنايدر إلى الموت٠
بعد فترة قصيرة من دفنها قامَ آلان ديلون بالإجراءات اللازمة لنقل رفاة إبنها دافيد حيث تمّ دفنه إلى جانب والدته٠
بعد سبع و عشرين سنة من رحيلها يحاول الألمان اليوم أن يستعيدوا ممثلتهم التي غضبوا منها حين إختارت إنتمائها الفرنسي على جذورها الألمانية. المفروض أن يتمّ إطلاق فيلم من تمويل  وورنر الأميركية بعنوان "إمرأة مثل رومي". كما أن شركة إنتاج ألمانية أعدّت مسلسلاً بعنوان "رومي". وهناك عملاً مسرحياً موسيقياً بعنوان "رومي – العالم الذهبي" يتمّ تحضيره لينطلق في ألمانيا٠
اليوم، رومي شنايدر كانت ستكون في الواحدة و السبعين من عمرها ، و إذا ليس من جدال حول حضور رومي شنايدر الآخاذ كممثلة إمتلكت أدوات تعبيرها الخاص، و كأنثى حملت ملامحها تلك القدرة النادرة على التلون ما بين إمبراطورة النمسا و مومس في شارع باريسي متواضع، لكن يبقى السؤال عن ما الذي كان ممكناً أن تكون عليه شنايدر اليوم لو لم تفارق عالمنا قبل أوانها. هي تلك الحالة التي رافقت الرحيل المبكر لأسماء لامعة في عالم الفن و السينما و حتى السياسة. هل الموت المُبكر قادر على صنع المجد الذي طالما بدت الحياة و كأنها تهدره؟ لماذا تبقى الذاكرة و صور الوهم المُفترض مفعمة بالحياة أكثر من حاضر ٍ يبدو و كأنه يُبدد أسباب وجوده؟



5
النافذة الخلفية | بالب فيكشن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا



Pulp Fiction
العبارة كانت عنوان فيلم كونتين تارانتينو الشهير. سنة 1994 توسّم المخرج المذكور فيلماً من عالم الجريمة يستوحي العنوان ليسرد قصّة قاتلين محترفين وزوجة رئيس العصابة وحبكة مؤامرة مع سامويل ل. جاكسون، جون ترافولتا وأوما ثورمَن٠
لكن إن كان الفيلم استوحى العنوان فإنه لم يستوحي العالم ذاته. هذا جاء بعد أكثر من عشر سنوات
Death Proof لاحقة حين أخرج
مع كيرت راسل كقاتل على الطريق يصطاد الضحايا من النساء بسيّارته المزوّدة بقسم خاص للراكب مزوّد بآلة للقتل. حين ينطلق فوق طرقات الريف مطارداً ثلاث فتيات، يتحوّل الى طريدة بدوره ومن طريدة الى جثّة٠

عبارة "بالب فيكشن" مقصود بها القصص التي كانت تُنشر في مطلع العقد الأول من القرن العشرين على ورق خشن سهل لجمهور سريع الإستجابة ورخيص الدفع. ناشر بإسم فرانك مَنسي تجاهل الورق الجيّد آنذاك وأم نسخاً ورقاً أقل كلفة لحكايات أقل عناية بالصياغات الأدبية. بالنسبة إليه، ولسواه لاحقاً، المسألة كانت اقتصادية في الدرجة الأولى. تستطيع أن تشحن ألوف الأعداد من مصدر النشر الى الولاية (بالنسبة الينا الى البلد) الأخرى بربع سعر شحن مجلّة ذات ورق مصقول لأن ورق البالب فيكشن لا يزن كثيراً٠
واحدة من أولى المطبوعات (إن لم تكن الأولى فعلاً) التي انخرطت في الركب كان أسمها "أرغوسي"، على إسم اسطول سفن. كان عمري ستة عشر عاماً في مطلع السبعينات عندما اشتغلت في مكتبة اطلعت فيها على هذه المجلّة. كانت لا تزال تصدر، وبنفس عنوانها كانت تصدر مجلة أخرى بريطانية إنما بقصص مختلفة. كلاهما كان بوليسي النصوص٠
من مطلع صدور أرغوسي الأميركية كان واضحاً التعامل مع القاريء الذكر. القاريء الذي يُعرف بخشونته والذي تحببه الروايات المنشورة الى هذا الجانب منه. ليس متحضّراً او مثقّفاً بل ... رجلاً. هذا كان المعنى المحدد بالرجولة وما كان محدداً بالمعني مفردات مثل الخشونة ومعاملة المرأة ككيس بضاعة والقتلة (رجال غالباً) بمطرقة من رصاص وفولاذ

لم تكن المجلات والروايات المنتمية الى هذا النظام من نوع قصصي واحد. لم تكن كلّها بوليسية وحكايات تحرٍ خاص. مثل السينما آنذاك (وقبل أن تنتظم السينما الأميركية في لعبة الأنواع) كان هناك التحري والرعب والرومانسي والمغامرات الطرزانية والتاريخية. وأسماء تلك المجلات كانت مشعّة
Amazing Stories, The All-Story, Spider, The Shadow, Black Mask magazine, Weird Tales
والكثير غيرها٠
في السبعينات، تعرّفت على القليل مما كان لا يزال متواجداً. كان اضطرت لتحسين نوعية الورق بعض الشيء لأن الجيل الذي توجّهت اليه كَبُر ولم يعد منخرطاً في الإثارة المرتبطة بالشكل السابق. لكن الى اليوم لا زالت هناك مجلات تشي بتلك التي كانت متواجدة. ليست بالب لكنها مجلات ذات ورق قشيب تنتمي الى القصص البوليسية أهمها
Allery Queen Mystery Magazine و Alfred Hitchcock Mystery Magazine, Strange Detective, Startling Stories
Mike Hammer في السبعينات كانت لا تزال تصدر مجلة أسمها
ومايك هامر هو البطل الخيالي للكاتب ميكي سبيلين الذي طبع أكثر من 225 مليون نسخة من رواياته وكتبه. لكن هذه كانت بقايا. الشيوع الأكبر كان في العقود الأربعة الأولى من القرن الماضي مع شخصيات مبتكرة كثير منها ظهر في الأفلام حينها او لاحقاً تحمل أسماءاً تجذب الخيال والرغبة في الخروج من الواقع بأي حال. مثلا
Doc Savage, Fu Manchu, Buck Rogers, The Avenger, Doctor Death,
The Shadow, Nick Carter, Tarzan, Moon Man, Zorro
هذه وغيرها كانت من تأليف مئات من الكتّاب بعضهم أشهر من بعضهم الآخر. الأشهر في الخيال العلمي راي برادبوري وآرثر س. كلارك وإسحاق أزيموف في الوسترن لويس لامور، في البوليسي داشل هاميت، جون د. مكدونالد، رايموند شاندلر، ساكس رومر وجيم تومسون٠
لم أقرأ الكثير من هذه الروايات بل شاهدت الكثير من الأفلام المقتبسة عنها (او عن روايات شبيهة اتخذت صياغات أدبية أعلى) لكن ما قرأته كان مثيراً بالفعل لمن يحب عالم الخيال البوليسي خصوصاً شخصية »ذ شادو" او "الظل" التي وجدت نسخاً قديمة منها في مكتبة فرنسية ذات يوم٠ كذلك وجدت قبل أعوام أعداداً من الخمسينات لمجلة "أرغوسي" البريطانية التي تتميّز بصياغة أدبية مبهرة لما يُنشر فيها٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular