Nov 11, 2009

التحرير: رائعة يوري أوزيروف | كرستيان غازي: المهنة سينمائي مضطهد | فيلم ضخم جديد عن الإسلام | ألمادوفار وبينيلوبي كروز: تكامل | السينما المغربية الصامتة: هل كانت استعمارية؟



Year 3 | Issue 469
Section 1 | حاليّات

سنوات ضوئية | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مما هو مفقود

المسألة ليس أن هذا الناقد في منتصف الطريق بين الخمسين والستين من عمره، بل المسألة لا علاقة لها بالعمر على الإطلاق. كل ما في الأمر أن هناك الكثير من الأشياء الجيّدة والجميلة والمفيدة والمبتسمة.... لكن معظمها في الماضي
العادات السينمائية تغيّرت. في السابق مثلاً كنت تترقّب في الأفلام الأميركية كلها البدء بكتابة عنوان الفيلم والعاملين الأساسيين إما على لقطة ثابتة او على مشاهد مصوّرة ومتحركة. الآن قد تختار شركة الإنتاج البدء بلا عناوين على الإطلاق- لماذا؟ لأنها تتوسّم أن ذلك أسرع جذباً للمشاهدين
في السينما العربية، كان المتداول ذلك الصوت الرخيم الذي يقدّم الأحداث والمشاهد في المقدّمات الدعائية عن الأفلام. صوته الجهوري كان يحرّك العديد من المشاعر. كان هناك شيئاً موجّهاً من الفيلم اليك عبر ذلك الصوت الذي يصدح قائلاً: "أفلام حلمي رفلة تقدّم الفيلم الرائع" وتدرك أنت أنها الدعاية، لكن الصوت يتجاوز ذلك الإدراك لأنه لن يتوقّف هنا بل يمضي ليقول: "ماذا يصنع الحبيبان إذا ما كان القدر تدخّل للفصل بينهما؟" ويلي ذلك بضع مشاهد عاصفة قبل أن يُضيف: " ولكن من المسؤول؟ " ويكمل ليذكر عنوان الفيلم ويضيف: "الدراما الإجتماعية العاطفية التي تضافرت جهود مجموعة كبيرة من الفنانين على إنجازها: عماد حمدي، شادية، شكري سرحان، أحمد رمزي، رقية ابراهيم، عبد المنعم إبراهيم وشرير الشاشة الموهوب محمود المليجي"٠
الآن يدقّون لك الموسيقا ويغنّون لك ويقدمون المشاهد ويتحدّثون اليك باللهجة المحكية -إذا ما فعلوا- ولا شيء يعلق في البال٠
أفلام اليوم من نوع »هشّك بشّك« ولا أحد يريد أن يقتنع أن هذا هو إنحدار يتساوى ويتلازم مع إنحدارات أخرى تنتشر من الكتابة الى التمثيل الى الإخراج الى الإنتاج الى كل ما له علاقة بالصوت والصورة
نعم المسألة ليست أن بعضنا عاصر زمناً ذهبياً مضى، والبعض الآخر لم. المسألة هي أن من عاصر تلك الفترة مُبعد، قبل الأوان، عن العمل ومنح السينما اليوم بعض عناصرها الجيّدة. لم يكن صدفة أنها كانت أفضل مما هي عليه الآن، ولم يكن بالصدفة أن الجمهور كان بأضعاف أعداد الجمهور اليوم، كذلك لم تكن صدفة ان الأفلام كانت مدروسة وقاعات السينما كانت قصوراً. لو رجع أهل السينما الى الأمس لوجدوه قابلاً للتطبيق مرّة أخرى٠

تقارير

فيلم ضخم عن الإسلام والرسول
هل يتغلّب الإنتاج على المصاعب المتوقّعة؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 الرسالة: مصطفى العقّاد
--------------------------
في اليوم الأخير من مهرجان الدوحة السينمائي الأول الذي انتهى في الأول من هذا الشهر، قامت شركة قطرية بإسم »النور« بالإعلان عن قرارها إنتاج فيلم اسلامي ضخم عن النبي محمد صلى الله عليه وسلّم بميزانية 150 مليون دولار
والإعلان جاء في مؤتمر صحافي تم حشد مجموعة كبيرة من الإعلاميين والسينمائيين وضيوف المهرجان إليه وترأسه مدير عام الشركة أحمد الهاشمي وضمّ فضيلة شيخ الأزهر يوسف القرضاوي والمنتج الأميركي باري أوسبورن
والفكرة بسيطة ولو أن تنفيذها لن يكون كذلك
فالشركة تسعى لتقديم عمل اسلامي كبير لائق بالشخصية وبالمناسبة وبالدين الإسلامي ولديها أكثر من حافز على ذلك، من حاجة العالم الى فيلم يُظهر حقيقة الإسلام الى الرغبة في تقديم حياة وجهاد النبي محمد، الى اعتبار أن هذا الفيلم هو فاتحة أعمال ومشاريع سينمائية كثيرة لاحقة على المستويين العربي والعالمي٠
والفكرة الى الآن هي البدء بتعيين المنتج الصحيح لهذا المشروع وقد تم اختيار المنتج الأميركي باري أسبورن الذي لديه خبرة كمّية ونوعية مشهود لها، فمن بين أعماله النوعية »العرّاب 2« و»سفر الرؤيا ... الآن«، ومن تلك الجماهيرية ذات القيمة الفنية أيضاً »ماتريكس« و(على الأخص) »سيد الخواتم«٠
وحين سأله هذا الناقد عن معلوماته حول الموضوع الذي سينهمك فيه قال له أنه إلى حين قريب لم يكن يعلم شيئاً بإستثناء ما تورده وكالات الأنباء. مضيفاً: "أعتبر هذه المناسبة فرصة كبيرة للتعمّق في الدين الإسلامي ومعرفة ما يقترحه على العالم من رسالات. وأعتقد أن الوقت ملائم جدّاً الآن لأن الملايين لا تزال تستقي معلوماتها من الأخبار وهي كما تعلم ليست ما يجب أن يبني عليه المرء معلوماته"٠

وكان المنتج شاهد فيلم »الرسالة« للراحل مصطفى العقّاد ما جاز السؤال عنه: "أعتقد أنه فيلم نجح في محاولته الصعبة تقديم حياة محمد من دون القدرة على تصويره. وأنا لا أعرف أن هناك وسائل كثيرة لتقديم مثل هذا العمل مع المحافظة على مبدأ عدم ظهور النبي على الشاشة. لذلك، وفي هذا الإطار فإن المخرج نجح في عمله. لكن علينا نحن الآن أن نفكّر في وسائل جديدة تتيح لنا تحقيق فيلم ناجح كرسالة وناجح كدراما، من دون التفريط في المباديء"٠
بالتالي، يستنتج المرء سريعاً، كنه الصعوبة الكامنة في مثل هذا العمل. مشكلة فيلم »الرسالة« كانت درامية. لقد التزم بالأعراف وتحاشى إظهار النبي والخلفاء المسلمين وكبار الصحابة لكن على حساب السياق الدرامي نفسه لأنه حين تحرر من هذه القيود وحقق بعد ذلك »عمر المختار« (او »أسد الصحراء« كما عنوانه الآخر) برهن عن تلك القدرات الدرامية وصنع عملاً جيّداً في شتّى نواحيه٠

ومع أن الشيخ القرضاوي أكد ترحيبه متفهّماً الحاجة الماسّة لفيلم يعيد تقديم رسالة النبي محمّداً صلى الله عليه وسلّم، إلا أنه، وجواباً على سؤال وجهه له هذا الناقد، اعترف بأنه جهاتاً إسلامية أخرى قد لا ترى رأيه. قال: "الحاجة الى هذا الفيلم ماسّة لأن على العالم بأسره أن يعرف الإسلام على حقيقته وأفضل وسيلة للتعريف هي الفيلم لما له من تأثير وشيوع حول العالم" ثم قال: "نعم. هناك جهات قد تعارض الفكرة وبل أن هناك من الأطراف الإسلامية من يرى أن التمثيل أساساً حرام لأنه كذب، لكني أعتقد أن هذا المنظور غير صحيح وأن علينا أن نستخدم أدوات العصر لنشر الإسلام لأن الإسلام هو السلام والسلام أجدى من التقوقع والحرب"٠

المدير العام للشركة، أحمد الهاشمي، على علم بالرحلة الطويلة التي سيخوضها هذا الفيلم من الكتابة الى العرض على الشاشات العالمية، وحين سئل لماذا لا يتوجّه الفيلم الى السوق العربية أجاب بما يدل على إيمانه بما يحاول إنجازه مذكّراً السائل أن السوق العربية لا تكفي مطلقاً لجلب إيرادات جيّدة، ناهيك عن الأرباح ذاتها: "لذلك يجب الإعتماد على السوق العالمية لمثل هذا الإنتاج. كما أننا نريد أن نتوجّه بهذه الرسالة الى العالم. المسلمون والعرب يعرفونها لكن العالم هو من بحاجة إليها"٠

م .ر

 عبر الشاشة
تعاون ألمادوڤار وبينيلوبي كروز تحت المجهر


كلاهما يكمل الآخر؟
---------------------

على الرغم من اشتراك المخرج الأسباني بدرو ألمادوڤار في أكثر من دورة من دورات مهرجان كان السينمائي المعروف، الا أن لجان التحكيم المتعاقبة ضنّت عليه بجائزة ذهبية الى اليوم. ففي السنوات العشر الأخيرة عرض على تلك الشاشة ثلاثة أفلام أوّلها »كل شيء عن أمّي« (1999) الذي نال عنه جائزة أفضل مخرج، و»فولفر« (2006) الذي حصد عنه جائزة أفضل سيناريو، وثالثها فيلمه الأخير، والرابع مع الممثلة بينلوبي كروز وهو »عناقات مكسورة« (2009) الذي خرج من دون أي جائزة على الإطلاق٠
لكن، وفي كل مرّة، يطبع ألمادوڤار إثر العرض ذكرى خاصّة للمشاهد بصرف النظر عما إذا كان استبعاد الفيلم عن السعفة الذهبية كان صائباً اومحقّاً أم لا
لجانب أن »عناقات مكسورة« يحمل النَفَس الميلودرامي العاطفي الخاص الذي يميّز أعماله مانحاً كلمة الميلودراما بُعداً جديداً لها، فإن العمل على الفيلم كان صعباً على الممثلة كروز وهي التي تقول اليوم أنه الفيلم الذي بكيت بين لقطاته (خلال التصوير) أكثر من سواه. ويمكن معرفة السبب حين مشاهدة الفيلم الذي يتحدّث عن متاعب ممثلة (كروز نفسها) مع الحياة الأخرى التي تتقمّصها على الشاشة وتلك التي تحاول تحقيقها في الحياة. فجأة هي إمرأة ضائعة بين الهويّات كما بين العواطف، فمن ناحية تعيش مع شخص وتقع في حب رجل آخر٠
إنه فيلم حزين، بل ربما أكثر أفلام ألمادوڤار حزناً. ليس أنه في السابق كان يصنع الكوميديا ويؤلّف الضحك، لكن في أحيان كثيرة كان الضحك الممتزج بالهم الشخصي يتسلل الى المشاهد لغاية هنا او هناك. هذه المرّة الفيلم خامة من المشاعر التي تربط بطلته الى واقع مفقود. ماض تحاول أن تنساه وحاضر يبدو مبهماً لا وجه له٠


Volver  من
----------------
بالنسبة الى بينيلوبي كروز، فإن مشاعرها الخاصّة خلال التصوير ربما كانت مفهومة، فالفيلم يتحدّث عنها ولو من دون أن يكون مبنياً عليها. هذا يأتي موازياً ومنسجماً مع العلاقة الخاصّة التي تربط المخرج بالممثلة المعروفة. ليست علاقة حب جسدي (المخرج  مثلي) لكنها علاقة حب عاطفي نابع من تقدير متبادل ومثمر عن أعمال عادت على بينيلوبي دائماً بالتقدير و-أحياناً- بالجوائز٠
في العام 1997 ظهرت في مطلع فيلم لألمادوڤار عنوانه »لحم حي«. ظهورها لم يتجاوز الدقائق العشر الأولى من الفيلم لاعبة دور إمرأة متعة تضع في حافلة عامّة في مدينة مدريد
اللقاء الثاني ورد سنة 1999 عندما لعبت بطولة »كل شيء عن أمّي« الذي نال أوسكار أفضل فيلم أجنبي . هذا قبل أن تلتقي بالمخرج من جديد قبل ثلاثة أعوام مؤدية دور إمرأة قويّة تواجه بضع معضلات من بينها قيام إبنتها بقتل زوجها بعدما حاول التحرّش بها. الفيلم كان »فولفر وهو وجد إعجاباً كبيراً بين نقاد دورة 2006 في مهرجان كان لم ينتقل فعلياً الى النتائج النهائية٠
بينيلوبي كروز في الخامسة والثلاثين من عمرها (ألمادوڤار في الستين) ولقاؤها الأول معه تم حين كانت في السابعة عشر، بذلك يمكن -والى حد بعيد- القول أنه كان من بين من صاغ لها معالم شخصيّتها السينمائية التي لا زالت تظهر بها الى اليوم٠
نتيجة هذا التعاون بالنسبة إليها جائزة واحدة من كان (كأفضل ممثلة عن دورها في »فولفر«) وأخرى من مؤسسة الفيلم الأوروبي عن ذات الفيلم . أما باقي جوائزها فكانت عن أفلام أخرى ومن بينها أوسكار أفضل ممثلة مساندة عن دورها في فيلم وودي ألن ما قبل الأخير »فيكي كرستينا برشلونة«٠
وعلى صعيد عالمي، يحتفظ كل منهما بناصيته من الشهرة. هو معروف كمخرج أسباني (وقد رفض العمل في هوليوود مدركاً سطوتها على المخرجين وقراراتهم) وهي معروفة كممثلة انتقلت ما بين أسبانيا وهوليوود وعدد آخر من مراكز الإنتاج في العالم. طبعاً مساحة شهرتها أوسع كونها نجمة، لكن لقائهما معاً دائماً ما يبدو بمثابة العودة الى الجذور٠

Section 2 | شخصيات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كرستيان غازي: مهنته سينمائي مضطهد | هوڤيك حبشيان


كرستيان غازي (اليمين) مع المخرج جان شمعون
    -------------------------------------------
القلق كان ولا يزال هو الشيء الذي يهجس به كريستيان غازي ويحضّ عليه محرّكاً وحافزاً. لا أعرف ما اذا كان لفنان أو لسينمائي أن يصمد هذا الصمود كله، لو تعرّض لربع ما تعرّض له غازي خلال سنوات حياته المأسوية، إن على المستوى الشخصي أو المهني. باستثناء فيلم واحد ، فأفلامه لاقت 1969هو "مئة وجه ليوم واحد" مصيراً استثنائياً غير مسبوق: الحرق. لم يحصل الحرق بقذيفة طائشة بل كان مقصوداً ومخطَّطاً له على يد السلطة والميليشيات التي كانت تضع في مرصادها كل من يملك رأياً مخالفاً لرأيها فيلماً، 45ومعتقداتها. غازي يقول انه صنع طوال مساره ما يقارب الـ ولا يملك اجازة لعرض أيٍّ من هذه الأفلام.
احد فصول الصدام الاول كان عندما ألقى غازي نظرة مختلفة على الواقع اللبناني، بعيداً من النظام الترويجي البدائي الذي كانت الدولة تسعى خلفه من خلال "تلفزيون لبنان والمشرق" لجذب السياح الى بلاد الأرز. وتلقى العقاب لكونه طرح نظرته المستهجنة عن واقع فقراء المزارعين في لبنان مجابهاً اياهم بأثرياء يرتادون الكازينو لتبذير أموالهم. وزارة السياحة لم تتقبل فكرة ان يضع المخرج صوت الابقار مع صورة مرتادي الكازينو والعكس. النتيجة: اثنا عشر فيلماً وثائقياً عن السياحة في لبنان كان نصيبها ان تتحول رماداً بأمر من "المكتب الثاني"٠
اما الفصل الثاني من مأساته، فكان اقتحام احدى الميليشيات (لن نسميها لكنها معروفة، وهي اليوم في ما يسمّى "المعارضة")، مكان اقامته وتدمير كل اعماله، بما فيها مقتنياته الشخصية. "كانوا يبحثون عن تدفئة. فاحتلوا منزلي وحرقوا نيغاتيف أفلامي وتدفأوا بها". وعندما رفع غازي دعوى ضد اعضاء التنظيم الميليشيوي، رد عليه المسؤول القضائي، قائلاً "هل تريد الشكوى ضد هذين الشخصين؟"، قبل ان يسارع الى تمزيق طلب الدعوى٠
ما نجا من تلك المأساة ("مئة وجه ليوم واحد") تحوّل بياناً تأسيسياً للسينما البديلة اللبنانية، في أواخر الستينات من القرن الماضي. الهدف الاساسي منه كان توجيه السهام الى الكوادر البورجوازية الصغيرة في المنظمات الحزبية. "في هذا الفيلم أهاجم طبقة المفكرين البورجوازيين وخطر هذه الطبقة لأنها تتخذ قرارات ومبادرات تذهب بحياة الكثيرين بينما هم في بيوتهم مرتاحون. يقررون حياة الآخرين بحسب مزاجهم. وُجِّهت إليّ الانتقادات بعد عرض الفيلم بأني لا أصنع الوثائقي المتعارف عليه، وهذا أمر يحزنني. اعمالي تشبهني وليس لها ان تشبه الآخرين. لكن الحوار في لبنان ليس موجوداً على كل المستويات وفي كل الميادين. الناس هنا في مونولوغات دائمة ثم يصمتون ولا يسمعون البتة الطرف الآخر. لم يتعلم اللبنانيون بعد ماهية الحوار. الحوار في مئة وجه ليوم واحد" هو مع المشاهد. حاولت ان أكون في تفاعل دائم مع " المشاهد من خلال الموسيقى والشريط الصوتي كي لا يرتاح وكي يبقى يقظاً٠
ما كان يهمني هو الشكل الذي يخدم المضمون وينسجم معه، إن في لغة الصوت او في لغة الصورة. اردت قول شيء، وخصوصاً حول علاقة الصوت بالصورة. تعمدت ان يكون الشريط الصوتي مزعجاً والعنف الذي يحويه الفيلم موجوداً في الحوارات"٠
حمل غازي شهادة دكتوراه في الموسيقى. لكن الكتاب والشعر المكتوب بالفرنسية كان مدخله الى السينما التي لم يدرسها أكاديمياً. اعتنق هذا الفن حينما ادرك انه في حاجة الى لغة تعبير اكثر كمالاً. حتى المسرح لم يره كافياً لمخزونه الفكري والثقافي. كانت ظروف صنع الفيلم اللبناني انذاك لا تختلف في شيء عن ظروف صناعته اليوم. على رغم تأثيرات شتى من هنا وهناك، بدا غازي فاقداً للمرجعية السينمائية، علماً انه كان يقدّر عدداً من المخرجين المعروفين آنذاك، في مقدمهم كريس ماركر الذي ربطته به صداقة ونظرة متقاربة الى السينما.
كان غازي سينمائياً طليعياً وسابقاً لزمنه، لكن مع تراكم الخيبات، انسحب هذا المضطهَد من الحياة المهنية، فظلّت مقاهي شارع الحمراء هامش تحركه الضيق وملاذه ("لا أدعها تعتب عليّ، الفّ الحمراء بأكملها يومياً عشرات المرات الى أن أتعب"). انسحب "ناسك الحمراء" اذاً الى الصمت والتأمل، وكان من يحادثه يلمس عنده قرفاً واحتجاجاً واضحين حيال الجهل والتصنع والسطحية التي آل اليها عصره. هو المنخرط في الستينات والأفكار النضالية التي سعت الى تغيير العالم، أجبر على "معاشرة" زمن الأفكار الاستهلاكية والرأسمالية وكل ما حارب ضده في أفلامه التي لم يبق منها شيء. انه من جيل كانت الأفكار محركه. ولم يكن رواد تلك المرحلة تهمّهم حركة الترافيلينغ ونسيج الصورة بقدر ما كانوا يعتنون بالخطاب الضمني الذي ينوون إمراره في اعمالهم والملتصق دائماً بالقضايا الكبرى، وغالباً ما كانت متمحورة على حلم استرجاع فلسطين٠
ظلّ غازي يشعر بالغربة في بلده وبين ناسه. وعلى رغم انه كان مصنفاً، الا ان سينماه هي أبعد ما تكون من لعبة التصنيفات. يكفي مشاهدة "مئة وجه ليوم واحد" لإدراك تأثير "الموجة الجديدة" في وجدانه السينمائي، وأوجه الشبه بين أفلام تلك المرحلة وهذه الجوهرة السينمائية التي لم تُفهم انذاك، ولا تزال الى اليوم تتضمن قدراً من الغموض. أما تأثير "الموجة" فملحوظ بدءاً من استخدام هذا الوسيط الفني كلغة تخاطب بين ذات المخرج وذات الفيلم، وصولاً الى التقنية المستحدثة في استخدام الصوت بمعزل عن الصورة أو بالتفاوت بينهما. للأسف، شأنه شأن معظم السينمائيين اللبنانيين (بغدادي، الشهال، علوية...)، ظلت تجربته غير مكتملة. مع هذا كله، ظل يؤمن بأن الاحساس أهم عنصر للقيام بأي شيء٠

Section 3 | نافذة خلفية

Liberation | السينما والحروب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما هو أكبر فيلم حربي عرفه التاريخ؟ الجواب لابد أن يكون »التحرير« ليوري أوزيروف
 محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


‮»‬التحرير‮«‬،‮ ‬حسب الناقد الروسي‮ ‬سيرغي‮ ‬راكين،‮ ‬كان الرد الروسي‮ ‬على الفيلم الأميركي‮ »‬أطول‮ ‬يوم في‮ ‬التاريخ‮« [‬كن أناكن‮- ‬1962‮] ‬على أساس‮ »‬لم تعتبر الحكومة أن الفيلم الأميركي‮ ‬ذكر الحكاية كاملة ولا كان منصفا لدور الجيش السوفياتي‮ ‬في‮ ‬تحرير أوروبا من النازية‮. ‬أعتبرت العمل ناقصا وعليه كان لابد من تنفيذ رؤيتهم‮«.‬
وكانت رؤية ضخمة‮... »التحرير« (6691) كان ‬أضخم من أي‮ ‬فيلم حربي‮ ‬في‮ ‬التاريخ حينها ‬وبالنظر الى الجحافل التي اشتركت فيه وخلوّه من المؤثرات والخدع البصرية الحاضرة، هو أضخم إنتاج لفيلم حربي الى اليوم. ‬على ضخامته وموسوعيته هو فيلم منسي‮. ‬وسيتطلب الأمر عقد إتفاق استثنائي‮ ‬مع أرشيف السينما الروسية اليوم لمشاهدته كاملا‮: ‬خمسة أفلام مدة كل منها ساعتين بنظام‮ ‬70‮ ‬مم الأصعب تنفيذا على صعيد تصميم‮ ‬المناظر وفعل التصوير نفسه‮. ‬
يوري‮ ‬أوزيروف برّر إهتمامه بإنجاز هذا الفيلم بذلك الحجم قائلا‮:‬
‮»‬في‮ ‬السنوات الأخيرة ظهرت العديد من الإنتاجات الكبيرة حول العالم تزوّر وقائع الحرب العالمية الثانية‮. ‬في‮ ‬تلك الإنتاجات تم التغاضي‮ ‬عن التضحية الكبيرة للشعب السوفياتي‮ ‬الذي‮ ‬تحمّل أعباء الحرب وكسر العمود الفقري‮ ‬للقوات الفاشية‮«. ‬
‮»‬لا شيء‮ ‬يساويه في‮ ‬عالم السينما حجما او معرفة من حيث إحتوائه‮ ‬أهم المواقع التاريخية خلال الحرب العالمية الثانية‮« ‬قالت النشرة الخاصة به آنذاك‮. ‬وفي‮ ‬الحقيقة لم تشهد السينما معدّات عسكرية وأعداد جنود وضعت تحت تصرّف فيلم بهذا القدر او العدد من قبل‮. ‬
بعض المشاهد احتوت على‮ ‬500‮ ‬وحدة عسكرية وفي‮ ‬أخرى‮ ‬يمكن ملاحظة ما لا‮ ‬يقل عن ألف جندي‮ ‬يملأوون المشاهد العامة مع أرطال‮ ‬غير محصورة من الدبّابات والآليات العسكرية‮.‬
يوري‮ ‬أوزيروف كان جنديا حين إندلاع تلك الحرب ثم أصبح مخرجا بعدها وحقق عددا كبيرا من الأفلام المعروفة بينها بضعة أفلام حربية أخرى‮. ‬وهو استند الى خبرته في‮ ‬العمل بدءا من فعل الكتابة الذي‮ ‬شاركه فيها‮ ‬يوري‮ ‬بونداريف،‮ ‬وهو مؤلف روايات حربية بدوره شارك في‮ ‬تلك الحرب،‮ ‬وأوسكار كورغانوف الذي‮ ‬كان مراسلا لصحيفة‮ »‬برافدا‮« ‬خلال الأربعينات وغطى الجبهة‮.‬
إذ‮ ‬ينتقل الفيلم بين مراحل الحرب من خلال وجهة السلطة الشيوعية فإن أبسط ما‮ ‬يمكن قوله إنه كان بروباغاندا دعائية‮ ‬يتفق اليوم على ذلك أصدقاء وأعداء النظام الشيوعي‮ ‬في‮ ‬زمن إنتاج الفيلم‮. ‬لكن الملاحظ بنفس القدر من الحيادية النقدية،‮ ‬أن الفيلم تميّز بعاملين مهمّين‮: ‬كان فيلما‮ ‬يعتمد الوقائع المسجلة من دون أن‮ ‬يكون تسجيليا،‮ ‬وكان فيلما‮ ‬يصر على عدم معاملة الألمان معاملة نمطية‮- ‬كاريكاتورية وهي‮ ‬عادة درجت عليها الكثير من الأفلام الحربية الهوليوودية‮. ‬وكان ذلك مدروسا وضروريا وربما بقرار،‮ ‬ذلك لأن‮ ‬غاية الفيلم‮ ‬‭ ‬إظهار مشقة النصر الذي‮ ‬حققه الروس حينها‮ (‬ولو أن الناقد الليبرالي‮ ‬راكين‮ ‬يصر بدوره على أن الروس في‮ ‬معظم الوقائع التي‮ ‬خاضوها لم‮ ‬يكونوا بذلك التنظيم والشدّة التي‮ ‬عكستها أفلام تلك الفترة‮) ‬وهذا لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتم جيدا الا إذا تمت معاملة الجندي‮ ‬الألماني‮ ‬بإحترام وإظهار حنكته وخبرته وقوّته‮. ‬
‮»‬التحرير‮« ‬فيلم‮ ‬إعلامي‮ ‬موجه بلا ريب وستالين‮ (‬قام به شبيه مثّل‮ ‬غالبا على خشبة المسرح هو بوخوتي‮ ‬زكريادزه‮) ‬يظهر فيه بطلاً‮ ‬سياسيا وعسكريا مغوارا‮ (‬ولو من مكمنه بعيدا عن الجبهة في‮ ‬معظم الوقت‮)‬،‮ ‬لكن هذا لا‮ ‬يجب أن‮ ‬يغيّب عن المرء الجهد الكبير المبذول في‮ ‬إنجاز فيلم بهذا الحجم وتشكيل عمل‮ ‬يدعو للإعجاب بمنأى عن سياسته‮. ‬وإذ‮ ‬غطّى الفيلم أحداث الحرب ما بين‮ ‬1943‮ ‬و‮ ‬1945‮ ‬تم تقسيمه الى خمسة أفلام طويلة هي،‮ ‬حسب تواليها‮:‬

الفيلم الأول‮: »‬نتوء النار‮« ‬The Bulge of Fire
‮- ‬يتناول هذا الفيلم خلفيات والتحضيرات التي‮ ‬أدّت الى موقعة كورزك التاريخية الشهيرة‮ (‬معروفة الى اليوم بأنها أكبر معركة دبابات في‮ ‬التاريخ‮) ‬سنة‮ ‬1943‮. ‬تلك الموقعة كانت محكا فاصلا‮. ‬بداية التحرير الفعلي‮ ‬للأراضي‮ ‬الروسية وأول خسارة تواجهها ألمانيا بهذا الحجم في‮ ‬تاريخها العسكري‮. ‬

الفيلم الثاني‮: »‬الإختراق‮« ‬The Break-through
‮- ‬موقعة نهر دنيبر عندما أدركت القوات الألمانية أن الخطة التالية للقوات السوفياتية هي‮ ‬نقل الحرب الى‮ ‬غربي‮ ‬النهر لكنها لم تكن تعلم أين الموقع الذي‮ ‬سيتم فيه الإنزال‮. ‬الخطة السوفياتية قضت بعدة تحرّكات لإيهام العدو بأكثر من عملية هجوم علما بأن واحدة منها فقط هي‮ ‬الصحيحة‮. ‬الفصل الأخير من الفيلم‮ ‬يظهر لقاء ستالين بتشرشل وروزفلت وبحثهم خطط فتح جبهات أخرى‮.‬

الفيلم الثالث‮: »‬إتجاه الهجوم الرئيسي‮« ‬The Direction of the Main Attack
‮- ‬في‮ ‬العام ‮٤٤٩١ ‬تقدمت القوات السوفياتية عبر‮ ‬غابات بولندا الكثيفة بعدما اختارت الإبتعاد عن خوض الحروب في‮ ‬الأماكن ذات الطبيعة الجغرافية السهلة‮. ‬والفيلم‮ ‬يروي‮ ‬الحملة،‮ ‬السياسية أولا ثم العسكرية،‮ ‬وصولا لتحرير أولى القرى‮ ‬البولندية‮.‬

الفيلم الرابع‮: »‬معركة برلين‮« ‬Battle of Berlin
‮- ‬كما‮ ‬يشير عنوانه هو حول التوجه الى برلين لحصارها ثم اقتحامها واحتلالها‮. ‬وكما في‮ ‬الأجزاء السابقة‮ ‬يتيح الفيلم فسحة للحديث عن الأوضاع السياسية والخلفيات العسكرية بعيدا عن الجبهة قبل وخلال المواقع الكبيرة‮. ‬ولا‮ ‬يفوت الفيلم هنا الإشارة الى أن ستالين‮ ‬إنما‮ »‬هب لنجدة‮« ‬قوات الحلفاء التي‮ ‬كانت تستعد لردء هجوم قرره هتلر في‮ ‬منطقة الآندراس‮. ‬

الفيلم الخامس‮: »‬الهجوم الأخير‮« ‬The Last Assault
‮- ‬ينتقل الفيلم هنا الى إقتحام برلين والمعارك التي‮ ‬دارت في‮ ‬الشوارع بين الجيش السوفياتي‮ ‬والجيش الألماني‮ ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يدفع بآخر إحتياطاته‮. ‬الى ذلك،‮ ‬يتناول الفيلم الأيام الأخيرة من حياة هتلر في‮ ‬موقعه الحصين تحت الأرض‮... ‬لكن ليس من‮ ‬قبل أن‮ ‬يتزوّج من عشيقته إيفا براون في‮ ‬إحتفال‮ ‬يعكسه الفيلم بكل سورياليته السوداء‮.‬

في‮ ‬وقت تصوير الفيلم،‮ ‬أعتبر أوزيروف أن الزمن لن‮ ‬يمحُ فيلمه‮:‬
‮»‬موضوع فيلمنا لن‮ ‬يعلوه‮ ‬غبار الرفوف الأرشيفية‮«. ‬المؤسف بالطبع هو أن الغبار علا فعلا هذا الفيلم لكن ليس من بعد أن شاهد كل فصوله‮ ٠٠٣ ‬مليون مشاهد‮ ‬ولفت إنتباه جون فورد،‮ ‬كينغ‮ ‬فيدور وويليام وايلر فمدحوه‮.‬

يوري‮ ‬أوزيروف
ولد في‮ ‬1926/1/26‮ ‬إبنا لنيكولاي‮ ‬أوزيروف،‮ ‬مغني‮ ‬الأوبرا الشهير في‮ ‬مسرح بولشوي‮. ‬المحيط الذي‮ ‬ترعرع فيه كان فنيا صرفا إذ أمّ‮ ‬المسرح التمثيلي‮ ‬والغنائي‮ ‬منذ الصغر‮ ‬وكان دائما‮ ‬ينوي‮ ‬العمل في‮ ‬المسرح لكنه أنخرط في‮ ‬الجيش سنة‮ ‬1939‮ ‬وأمضى فيه ست سنوات‮. ‬وكان من ضمن الذين خاضوا حرب تحرير أوكرانيا وبيلوروسيا وهو لا‮ ‬يزال في‮ ‬الحادية والعشرين‮. ‬بعد ثلاث سنوات كان أصبح ضابطا‮ (‬برتبة مايجور‮). ‬بعد الحرب قرر العودة الى حبه للمسرح حيث شارك في‮ ‬عدد من الأعمال المختلفة‮. ‬هذا كله قبل أن‮ ‬ينخرط في‮ ‬فريق سينمائي‮ ‬بقيادة المخرج إيغور سافشنكو ويتخرج في‮ ‬مطلع الخمسينات‮. ‬في‮ ‬سنة‮ ‬1952‮ ‬بدأ العمل في‮ ‬ستديو موسفيلم وأنجز أفلاما تسجيلية قصيرة ومتوسطة قبل تحقيق أول فيلم له وهو‮ »‬إبن‮« ‬سنة‮ ‬1956‮. »‬التحرير‮« ‬لم‮ ‬يكن سوى الأول من سلسلة أفلام حربية تناولت تلك الفترة بينها‮ »‬ستالينغراد‮« ‬الذي‮ ‬أخرجه سنة ‮٩٨٩١. ‬فيلمه الأخير‮ »‬جيورجي‮ ‬زوخوف‮« ‬حققه العام 1995 ‬كتابة وإخراجا‮.‬

Section 4 | وثائق

ماقبل تاريخ السينما المغربية (1919-  1956) | مصطفى المسناوي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يطرح البحث في بدايات السينما المغربية قدراً من الاسئلة يتعدّى بكثير مقدار ما يمكن التوصل اليه من خلاصات ونتائج. ذلك أننا نجد أنفسنا أمام بدايات كُتب حولها القليل، أولا، ومن طرف الغربيين وحدهم، ثانياً، وتعددت، مع ذلك وجهات النظر حولها رغم قلّة الكتابات المذكورة ورغم انطلاقها من مركز واحد هو الغرب، ثالثاً٠
فبينما يرى البعض أن بدايات السينما في المغرب تعود الى ما قبل الظهور الرسمي في عام 1896، وبالضبط الى الفيلم المخبري »الفارس البربري« الذي أنجزه جول إتيان ما عام 1885 بالطريقة الكرونوفوتوغرافية (اي القائمة على تحليل الحركة تصويرياً) يرى البعض الآخر أن ظهور السينما في هذا القطر العربي يعود الى فترة تتراوح بين 1895 و1905، وهي الفترة التي يجمع فيها »كاتالوغ المشَاهِد« الخاص بشركة لوميير الفرنسية حوالي 1800 فيلم قصير من الأفلام التي أنجزتها الشركة في ذلك الوقت، من بينها حوالي 60 فيلم عن أفريقيا الشمالية، تضم فيلماً وحيداً عن المغرب يحمل الرقم 1394 تحت إسم »راعي الماعز المغربي« (لعل النيغاتيف الخاص به مازال موجوداً حتى الان بخزانة الأفلام الوطنية الفرنسية- السينماتيك- التي نُقل إليها بُعيد الحرب العالمية الثانية)٠
الا أن الرأيين معاً لا يمكن الأخذ بهما لسبب بسيط هو أن الأمر لا يتعلّق فيهما بفيلم مغربي، وإنما بفيلم أنجزه أجانب عن المغرب. أي أن النظرة التي يعبّر عنها هنا هي نظرة خارجية مترفّعة، تنظر الى الآخر (الذي هو نحن والحالة هذه) كأنه شيء جامد من أشياء طبيعية: فالفارس لا يختلف عن فرسه، مثلما لا يختلف الراعي عن معيزه، والكل ينتمي الى عصر خاله الأورربيون انتهى واقنضى، فإذا بهم يكتشفون أنه ما زال حاضراً حياً، على أبوابهم!!٠

ولعل بإمكاننا قول الشيء نفسه بخصوص مئات الأمتار التسجيلية التي صوّرها فيليسك ميغيش، المصوّر والصحفي الفرنسي، عام 1907 بمدينة الدار البيضاء، أثناء مهاجمة القوات الفرنسية لها بحراً وشروعها في احتلالها. لقد كتب هذا المصوّر يقول: ".... حين وصلنا الى الدار البيضاء عن طريق البحر، كان الدخان يتصاعد من المدينة بفعل القصف. وقادتنا مفرزة من البحارة قنصلية فرنسا حيث تمترسنا. وقد صوّرت بعض المشاهد للجند في الشوارع المقفرة والمغطّاة بالجثث، والتي تتصاعد منها رائحة نتنة وغيوم من الذباب، كما صوّرت مشاهد للمعسكر، بما فيه من قنّاصة جزائريين إضافة الى اللفيف الأجنبي"٠
ومن الواضح، من خلال هذا الوصف، أن النظرة التي يعبّر عنها ميغيش هي النظرة الكولونيالية، فالمدينة التي تحترق لا تثير لديه إحساساً بالإستنكار، مثلها مثل جثث المواطنين المغاربة »النتنة«، بل بالعكس يحس بالزهو والفخار لأنه صور الجند ومعسكرهم وتحركهم وسط »الشوارع المقفرة« وهو تحت حماية القنصلية الفرنسية. بعبارة أخرى، إن النظرة التى الإحتلال الفرنسية للدار البيضاء كانت ستختلف بالتأكيد لو أن الذي أمسك بالكاميرا كان مواطناً مغربياً يصوّر ما حصل من طرف المغاربة باعتباره مقاومة مشروعة، لا مجرد عمل همجي يقوم به رعاع متخلّفون عن ركب الحضارة، ولعل من المثير، بهذا الصدد، ملاحظة الإهتمام البالغ الذي أولي في فرنسا، وقتها، لصور ميغيش المتحركة، ذلك أنها كانت المشاهد السينمائية الأولى عن اللقاء الصدامي الدموي بين القوّة الإستعمارية الفرنسية والمقاومة الشبعية المغربية العربية الرافضة لك سيطرة أجنبية، ما دامت السينما، هذا الفن الجديد، لم تكن حاضرة أثناء الإصطدامات التي حصلت إبان بدايات الإحتلال الفرنسي للجزائر (1830) او لتونس (1870). ويمكننا، في السياق نفسه، أن ننعت ما اعتبره بعض نقاد السينما الفرنسيين أول فيلم روائي مغربي بأنه (وكل الأفلام التي تلته) مجرد نقل للعين الفرنسية (او الغربية عامة) الى مكان آخر، هو المغرب، مع احتفاظها بجميع رؤاها وأحكامها المسبقة عن البلد وأهله بحيث أنها كانت ترى على أرض الواقع ما كانت تتخيّله أصلاً، من دون أن تبذل ولو أدنى مجهود للنظر الى المكان الجديد وأهله والعلاقات القائمة بينهم، وبين المكان، كما هي بالفعل، مع السعي لفهم كل ذلك واكتساب نظرة جديدة من خلاله الى الذات والعالم٠

يتعلّق الأمر هنا بفيلم »مكتوب« أول فيلم روائي غربي يُصوّر في المغرب، سنة 1919، من قبل المخرجين ج. بانشون ودانيال كانتان. ومن الملاحظ أن هذه السنة (وي السنة ذاتها التي صٌور فيها أول فيلم روائي فرنسي في تونس، وذلك بعد 8 سنوات على تصوير أول فيلم روائي فرنسي في الجزائر العام 1911) تشير الى مرور 12 سنة على احتلال الدار البيضاء، لكنها تشير، على الخصوص، الى مرور سبع سنوات على إعلان الحمايتين الفرنسية والأسبانية على المغرب في 30 مارس و27 نوفمبر سنة 1912 على التوالي. أي أن الأمور قد هدأت نسبياً في البلاد واستقرت السلطة في يد قوات الإحتلال، مما مكّن من تصوير الفيلم دون أي مشكل في مدن الدار البيضاء وطنجة ومراكش؛ ومعنى أن الأمور لم تهدأ الا نسبياً كون القوّات الإستعمارية ستضطر الى خوض المزيد من المعارك ضد المقاومة المغربية، وذلك حتى أواسط العشرينات في جبال الريف، وبداية الثلاثينات في جبال الأطلس. بحيث أنه إذا كان الإستعمار الفرنسي قد واصل احتلاله للمغرب، عموماً، طيلة 44 سنة ( من 1912
الى 1956)، وهو الرقم الذي استغلّه، بالمناسبة، مخرج مغربي هو مومن السميحي في فيلمه التاريخي الذي يحمل العنوان نفسه، فإن المناطق الجبلية التي لم تخضع الا بين عامي 1932 و1934 لم تعرف الإستعمار الا لمدّة 22 سنة، ظلت مالكة خلالها -مع ذلك- لقدر كبير من حرية التحرك والمواجهة، بل وشكّلت خلفية مهمة لإنطلاق جيش التحرير المغربي فيما بعد. والنتيجة هي أن مجمل الأفلام التي صُوّرت في المغرب صوّرت في المناطق "الآمنة"، وأن الكاميرا الغربية لم تغامر بالتغلغل في مناطق المقاومة المسلّحة، وإن فعلت ذلك فتحت الحماية المشددة من طرف قوات الإحتلال الفرنسية٠
لا يكفي إذاً، تصوير الفيلم في المغرب، من طرف مخرج فرنسي، إبان احتلال فرنسا للمغرب، لكي يكون مغربياً، كما لا يكفي أن يشارك فيه »كومبارس« او »ممثلون« مغاربة، لأن يعتبر كذلك. فقد شارك كومبارس مغاربة بالمئات وبالآلاف أحياناً، في أفلام من هذا النوع، كما شارك فيها أفراد مغاربة بوصفهم ممثلين، لا نعرف عنهم غير أسمائهم: إبراهيم الحاجب، يعلي، زهرة بن بلبا، عبد السلام بلكبير، لحبيب بلغالية، ليلى عطونة، توفيق الفيلافي، ليلي وهبي، ليلى فريدة، الخ الا أن مشاركتهم كانت من الدرجة الثانية او الثالثة، حيث كان المطلوب منهم هو فقط أن يعطوا تعبيراً خارجياً ينسجم مع الديكور ومع طباعهم المتراوحة بين السذاجة والخبث، التي حددها السيناريست والمخرج الأجنبيان. ما يؤكد ذلك أكثر أن مقدّامات الأفلام غالباً ما كانت تحمل أسماء هؤلاء الممثلين دون ألقاب: الطاهر، مولاي، عائشة، سي سعيد، جلول٠
وقد حاولت فرنسا، في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولأسباب سيرد تفصيلها لاحقاً، إقامة سينما مغربية يشرف عليها ويخرجها مخرجون فرنسيون، هذا حق، الا أنها ناطقة باللغة العربية الدارجة وتتناول قصصاً مغربية بمشاركة ممثلين مغاربة. وهنا أيضاً لا يمكن أن نتحدّث عن سينما مغربية، ما دام الأمر يتعلّق، في العمق، بمجرد تنويع على الإتجاه الكولونيالي في السينما بالمغرب، حيث اعتبرت هذه »السينما المغربية« (تحت الإحتلال) مرادفاً لنقل الحكايات الشعبية المحلية او حكايات »ألف ليلة وليلة« او مسرحيات موليير الى السينما في إطار مغربي٠
يبقى أمامنا في النهاية احتمال واحد هو أن نطلق إسم »فيلم مغربي« على كل فيلم أنجزه مخرج مغربي انطلاقاً من نظرة داخلية، غير متعالية، تنطلق من الواقع المعيش لا الواقع الأسطوري او الخرافي وتنظر الى الواقع، بصفة عامة- نظرة تقترب منه قدر الإمكان، مع النظر الى الأداة المستخدمة (السينما) بإعتبارها وسيلة تعبير ومعرفة٠
وهنا يمكن القول أن أول فيلم مغربي يستحق هذا الإسم حقاً هو الفيلم التربوي القصير »صديقتنا المدرسة« (11 دقيقة، أبيض وأسود) الذي أخرجه المغربي العربي بنشقرون عام 1956



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular