Nov 25, 2009

كلود سوتيه | ثيسالونيكي | شو صار | إدغار ألان بو

SECTION 1 | حاليّــات
سنوات ضوئية | لغة نقدية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  محمد رُضـا 

في السبعينات، حين بدأت الحرفة فعلياً، كان التوجّه المسيطر على الحركة النقدية هو ايديولوجيّة وجهة النظر تبعاً لاعتبارات فكرية وسياسية مسبقة تتعلّق بتطبيع كل شيء بتلك الإيديولوجية. اعتبرت نفسي على يسار خط الوسط لكني لم انتم الى أي من تلك الممارسات التي تطرح الفيلم من وجهة معنا او علينا، او من زاوية ايديولوجية مُعيّنة. اعتبرت نفسي ولم يعتبرني معظم الآخرين لأني لم أكن أشترك في المناقشات السياسية وكنت لا أحكم على الفيلم أنه تقدّمي لمجرد أنه يتمتع بحس اجتماعي ليبرالي او يساري او رجعي لأنه لا يتمتّع بذلك الحس٠
هذا وحده نفاني من الحلقات المنتشرة آنذاك لتبرهن الأيام (ولا أقول ذلك للتباهي) على أن الأيديولوجية مثل السياسة التي تتّبعها تذهب وتعود لكن اللغة السينمائية هي التي تبقى وحري، بالتالي، الإبقاء على وجهة نظر تتعامل وشروط الفيلم ومضامينه وقواعد تنفيذه من مفهوم سينمائي غالب، إن لم يكن مفهوماً سينمائياً بحتاً٠
التفسير الأيديولوجي للفيلم (ولكل مسائل الحياة الأخرى) خلق منظّرين كثيرين، لكنه لم يكن التفسير الوحيد الشائع. كان هناك أيضاً النقد الإنطباعي (الأسهل تحقيقاً لدى الناقد غير المتخصص) والنقد المستند الى خلفية أدبية. وهذا الأخير على نوعين. نوع لا يمانع استناده الى الخلفية الأبدية من استخدام الناقد للغة سينمائية جيّدة، ونوع يكتب الإنشائيات الطويلة التي تلتقي ولغة الخطابة لدى الفريق الأيديولوجي المذكور٠
أكثر من ذلك، ملاحظة أنه في الوقت الذي كان فيه النقد الأكثر إنتشاراً هو النقد ذا المنطلق اليساري عموماً، كان لليمين نقّاده لكن أصواتهم لم تكن تلتق ومعظم المشاهدين. الحال ذاته الذي نلحظه في هوليوود اليوم حيث صوت مايكل مور مرتفع أكثر بكثير من صوت مخرج وثائقي يميني يعارضه وحيث الأفلام التي خرجت حول حرب العراق كانت، في معظمها، يسارية التوجّه منتقدة الحرب، بينما تلك التي أيّدتها عبر تعزيز اللغة العسكرية فيها هي أقليّة٠
لكني الآن أعلم أن كوني رفضت أي لغة مختلفة عن لغة الفيلم نفسه وضعني على المحك: النقاد اليساريون اعتبروني يمينياً، طالما أنني أتحدّث عن جون فورد وألفرد هيتشكوك وسام بكنباه والسينما الأميركية ككل، واليمينيين اعتبروني يسارياً طالما أنني في نهاية الأمر أتحدّث مؤيّداً، حين يصل الأمر الى رسالة الفيلم، النظرة التقدّمية للأشياء منتقداً العنصرية وإبادة الهنود الحمر وحرب فييتنام ومصفّقاً للبطل الأسود حتى في الأفلام التجارية الصرف التي استمتعت بما لم يكن أبلهاً منهاً٠
في نظري أن تجارية الفيلم ليست ذات قضيّة. هل كان المخرج الكوبي مانويل أوكتافييو غوميز سيزعل لو أن مشاهدي فيلمه »أيام الماء« سنة 1971 زادوا عن عشرين ألف مشاهد؟ او أن توماس غوتييرز لاندريان كان سيتضايق لو أن أي من أفلامه الوثائقية (وبينها فيلم بعنوان »قهوة عربية«) جمع مليون دولار من عروض عالمية؟
النظرة الجامدة للأمور أثّرت على تثقيف المشاهد آنذاك (وتستطيع أن تفعل هذا اليوم أيضاً) وهناك دلائل كثيرة من بينها، على سبيل المثال، النظر الى أفلام ألفرد هيتشكوك وتقديرها. طويلاً ما اعتبر هيتشكوك مخرجاً »ترفيهياً« وبالتالي »غير ذي مكانة« لكونه لم يتحدّث لغة فيلليني او برغمَن او كينجي ميزوغوتشي. لكن ذلك الإعتبار، في واقعه، مغلوطاً لكونه -على الأقل- يتعامل مع لغة فنيّة على أساس غير فني. هذه اللغة موجودة عند فيلليني وبرغمن وميزغوتشي وانطونيوني وكوروساوا وتاركوفسكي والآخرون جميعاً كما عند هيتشكوك لكن كل بأسلوبه ومن ضمن عالمه ومقتضياته. الحكم على الفيلم، من قبل المُشاهد او المشاهد-الناقد، من زاوية او زاويتين محدّدتين هي تماماً مثل القول أن المخرج المصري الوحيد الجيّد هو يوسف شاهين لأنه (في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة من حياته على الأقل) تعامل ومنطلقات ذاتية، بينما صلاح أبوسيف لم يفعل ذلك او كمال الشيخ ليس بمستوى توفيق صالح لأن توفيق صالح تحدّث في السياسة غالباً وأفلام الشيخ تحدّثت في السياسة نادراً٠
وكما هيتشكوك، كلينت ايستوود. قبل الإعتراف به مخرجاً كبيراً اليوم، اعتبره العديد من النقاد مجرّد سوبر هيرو أميركي يمثّل أفلاماً بوليسية ورعاة بقر. وهذا ما يجرّنا الى النوع أيضاً كما لو أن السينما الجيّدة عليها أن تكون نوعاً دون آخر فقط
أنا لا أقول أن هذا النوع من النقد أفضل من ذاك او أن الثاني أفضل من هذا. الجمهور وحده هو الذي يقرر ذلك وهذا بدوره سينقسم بين محبّذ لهذا الإتجاه وآخر يحبّذ الإتجاه المضاد. لكن ما يبدو لي أن الفاصل بين الرأيين هو إذا ما كانت السينما هي سينما أوّلاً وسياسة ثانياً او العكس٠

مهرجانات | ثيسالونيكي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  سمير فريد
حضر الزميل سمير فريد الدورة الخمسين من مهرجان »ثيسالونيكي« اليوناني ونشر تقاريره التالية عن نشاط المهرجان وانطباعات الناقد خلاله٠


1
فيلم »هليوبوليس» الفيلم العربى- المصرى الوحيد فى مهرجان ثيسالونيكيي الدولى الـخمسين
بغض النظر عن تصنيف الاتحاد الدولى للمنتجين فى باريس لمهرجانات السينما فى العالم، فإن المهرجانات الكبرى فى العالم هى برلين فى فبراير وكان فى مايو وفينسيا فى أغسطس، وكلها فى أوروبا
وفى أوروبا أيضًا سبعة مهرجانات أخرى مهمة، وإن لم تكن فى حجم الثلاثة الكبار، وهى روتردام فى هولندا ولوكارنو فى سويسرا وسان سباستيان فى إسبانيا وموسكو فى روسيا وكارلو فى فارى فى الجمهورية التشيكية وتورينو فى إيطاليا وثيسالونيكي فى اليونان

وهذا إلى جانب المهرجانات النوعية وأهمها كليرمون فيران للأفلام القصيرة وأنسى لأفلام التحريك فى فرنسا وامستردام للأفلام التسجيلية فى هولندا٠
ثيسالونيكي الذى تنعقد دورته الـخمسين من 13 إلى 23 نوفمبر الحالى (دورة اليوبيل الذهبى) يتميز بالتركيز على البرامج الثقافية والتأكيد على العلاقات بين السينما والفنون الأخرى أكثر من أى مهرجان، وبمناسبة اليوبيل الذهبى ارتفعت القيمة المالية لجائزتيه الذهبية والفضية فى المسابقة المخصصة للأفلام الطويلة الأولى أو الثانية لمخرجيها إلى 40 ألف يورو و25 ألف يورو
ويتولى رئاسة لجنة التحكيم فنان السينما اليونانى العالمى الكبير ثيو انجلوبولوس، وهو أحد أعمدة المثلث الذهبى الذى وضع السينما اليونانية على خريطة السينما العالمية مع ميشيل كاكويانس وجول داسان، ولا ننسى الموسيقار نيودراكيس، والممثلتين ميلينا ميركورى وإيرين باباس
افتُتح المهرجان بالفيلم الألمانى «مطبخ الروح» إخراج فاتح أكين الذى عرض فى مسابقة مهرجان فينسيا وفاز، ويختتم بالفيلم الفرنسى «العشب البرى» إخراج آلان رينيه الذى عرض فى مسابقة مهرجان كان، ولم يفز رغم استحقاقه للفوز بالسعفة الذهبية
وفى المسابقة خمسة عشر فيلمًا من الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا ورومانيا والمجر واليونان (فيلمان)، ومن آسيا ٣ أفلام من كوريا الجنوبية والفلبين وإسرائيل، ومن أمريكا اللاتينية ٣ أفلام من الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك، ومن أفريقيا والعالم العربى الفيلم المصرى «هليوبوليس» إخراج أحمد عبدالله السيد، وهو الفيلم العربى الوحيد فى كل المهرجان٠
هذا هو أول فيلم مصرى يعرض فى مسابقة المهرجان منذ عام ١٩٩٩ حين عرض «الأبواب المغلقة» إخراج عاطف حتاتة وفاز بجائزتى أحسن سيناريو لمخرجه وأحسن ممثلة (سوسن بدر)، وكان رئيس لجنة التحكيم كاتب السيناريو الإيطالى العالمى الكبير تونينو جويرا٠
ولم يكن اشتراك «هليوبوليس» سهلاً مع غياب أفلام من فرنسا وإيطاليا وإسبانيا واليابان والبرازيل والصين وغيرها من صناعات السينما الكبرى فى أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية

2
الإحتفاء بالمخرج ڤرنر هرتزوغ في ثيسالونيكي: هكذا يكون الإحتفاء الحقيقي
يتكون برنامج مهرجان ثيسالونيكي فى دورة اليوبيل الذهبى التى تنعقد فى المدينة اليونانية التاريخية الشهيرة من البرنامج الرسمى (المسابقة- خارج المسابقة- عروض خاصة ) والبرنامج اليونانى (عروض خاصة- أفلام الديجيتال- أفلام الطلبة) وبرنامج أيام السينما المستقلة (البرنامج الرسمى- عروض خاصة- أفلام للأطفال- برنامج صعود السينما فى الفلبين- برنامج أفلام أبينك اليابانية- أفلام شباب أمريكا- اسم للترقب: الألمانية الشابة مارين آدى) وبرنامج نظرة على البلقان (البرنامج الرسمى- تكريم جوران باسكاليفيتش من صربيا بعرض كل أفلامه) وبرنامج ما بعد الحكاية أو أفلام عن الحب، وبرنامج ملتقى الأفلام التجريبية، وأغلبه أفلام قصيرة٠
يبلغ عدد أفلام المهرجان الطويلة والقصيرة ٢٤٠ فيلمًا من مختلف دول العالم مع التركيز على السينما اليونانية وسينما البلقان والسينما الأوروبية ثم السينما فى قارات العالم الأخرى، وهكذا تكون الاستراتيجية الصحيحة لأى مهرجان دولى، حيث يعنى بالسينما المحلية (اليونان) وسينما الإقليم (البلقان) وسينما القارة (أوروبا) ووضعها بين سينمات الدول والأقاليم والقارات الأخرى، وإلى جانب تكريم باسكاليفيتش، يكرم المهرجان فنان السينما الألمانى العالمى الكبير ورنر هرتزوغ بعرض كل أفلامه الطويلة والقصيرة من كل الأطوال والأنواع، وعددها ٥٢ فيلمًا، فى نسخ جديدة مرممة بالتعاون مع معهد جوتة فى أثينا٠
وهكذا يكون التكريم الحقيقى فى أى مهرجان: تكريم شخصية دولية من الإقليم، وأخرى دولية من القارة، وليس من الضرورى تكريم شخصية من بلد المهرجان لأنه مهرجان دولى، أى تكريم اثنين أو ثلاثة فقط حتى لا يفقد التكريم قيمته، وإلى جانب كل أفلام الشخصية المكرمة يتم منحها الإسكندر الذهبى التذكارى رمز المهرجان، وإصدار كتاب شامل عنها بلغة البلد (اليونانية) وبالإنجليزية، وإقامة حوار خاص معها
ويبتكر «ثيسالونيكي» فى الحوار مع الضيوف، حيث لا يخصص مؤتمرًا صحفيًا بعد كل عرض، وإنما يخصص ساعة يوميًا باسم «ساعة الحوار» من الرابعة إلى الخامسة بعد الظهر، وهو حوار مفتوح من دون موضوع محدد، أى عن الأفلام وغيرها من الموضوعات
وليس هناك معرض واحد عن هرتزوغ، وإنما معرضان، الأول شامل بالتعاون مع متحف تورينو للسينما، أى وثائق وصور وملصقات، والثانى يقتصر على الفوتوغرافيا فقط للمصور السويسرى بيت برسير، الذى صور أغلب أفلام هرتزوغ فوتوغرافيا، كما صوره أثناء العمل خلف الكاميرا٠

3
اليوم تعلن جوائز مهرجان ثيسالونيكي والأمل كبير فى فوز «هليوبوليس»٠


تعلن اليوم جوائز مهرجان ثيسالونيكي الدولى الـ ٥٠، ثم يعرض فيلم آلان رينيه «العشب البرى»، وهو مسك الختام بكل معنى هذه العبارة، مرة أخرى هذا العام يعرض فى مسابقة مهرجان دولى فيلم من مصر وآخر من إسرائيل، بعد عرض فيلم «المسافر» إخراج أحمد ماهر فى مسابقة مهرجان فينسيا مع «لبنان» إخراج شامويل ماوز٠
ولكن بينما كان «لبنان» إحدى روائع مسابقة فينسيا واستحق الفوز بالأسد الذهبى، فإن الفيلم الإسرائيلى، الذى يشترك مع «هليوبوليس» فى مسابقة مهرجان ثيسالونيكي «عجمى» إخراج إسكندر قبطى ويوران شانى، لا يستحق الفوز بأى جائزة، بل لا يستحق العرض فى مهرجان دولى، ولا حتى فى أحد البرامج الموازية٠
نعم، عرض الفيلم فى ختام برنامج «نصف شهر المخرجين» فى مهرجان «كان»، وفاز بالجائزة الذهبية فى مهرجان مونبلييه لأفلام البحر المتوسط، بل ليس من المستبعد أن يفوز بجائزة فى ثيسالونيكي اليوم، ولكن ليس لأسباب فنية، فلا يزيد مستواه على مستوى الأفلام المصرية التجارية العادية فى الخمسينيات، وأنما لتوق الجميع إلى السلام فى فلسطين بعد الحرب التى لم تتوقف منذ ستين سنة رسمياً، ومنذ مائة سنة فعلياً، واستغلال إسرائيل هذا التوق بإنتاج فيلم يشترك فى إخراجه مخرج عربى من إسرائيل، وآخر يهودى، ورغم المنافسة الشديدة، فالأمل كبير فى فوز «هليوبوليس».٠
موضوع المنافسة بين المهرجانات هو العروض العالمية الأولى لأفلام منتظرة، أو اكتشافات جديدة، والمهرجانات الكبرى الثلاثة فى «برلين» و«كان» و«فينسيا»، تحصل على ٧٥ فى المائة من العروض العالمية الأولى لهذه الأفلام، وتتنافس المهرجانات الأخرى للحصول على الـ٢٥ فى المائة الباقية٠
ولذلك يستمر العمل طوال العام، لأن إنتاج الأفلام لا يتوقف طوال العام وكل عام، ودعك من الذين يقولون إن مهرجانات نهاية العام لا تجد أفلاماً، وبرلين يغلق باب التقدم للاختيار يوم ٣٠ أكتوبر٠
ولكن العروض العالمية الأولى إذا لم تتيسر فى أى مهرجان، فإن إدارته توفر لجمهورها من السينمائيين والنقاد وعشاق السينما، وهم غير جمهور دور العرض العادية بالطبع، العديد من روائع الأفلام التى عرضت فى المهرجانات الأخرى٠
ويعرض ثيسالونيكي من هذه الأفلام العشرات من الأفلام التى فازت فى «برلين» و«كان» و«فينسيا» و«لوكارنو» و«روتردام»، أو التى لفتت الأنظار فى هذه المهرجانات وغيرها، وهى الأفلام التى لم يعرض منها فى مهرجان القاهرة غير بعض أفلام المخرجين العرب٠

4
العناق العظيم بين الفنون وحتى لا تكون السينما فى «حارة يهود»٠
لم يُعلن فنان السينما اليونانى الكبير ثيو أنجلوبولوس فى ساعة متأخرة من مساء الأحد جوائز مهرجان ثيسالونيكي السينمائي الدولي الخمسون فقط، وإنما أُعلنت أيضاً جوائز ملتقى الإنتاج المشترك حيث تتم المنافسة بين سبعة عشر سيناريو جرى اختيارها في سنة كاملة، ويشترك فيها من العالم العربى الأردنى حازم بيطار «سيناريو ماراجوه» مشروع فيلمه الطويل الأول، والسوريتان رنا قزقز وإيناس خلف «سيناريو مناظر دمشقية» وهو أيضاً مشروع فيلمهما الطويل الأول٠
وكما أن من أهداف أى مهرجان دولى، ومن فكرة الدولية أساساً التفاعل بين المحلى والإقليمى والعالمى، فإن من أهداف المهرجانات أيضاً أياً كان تخصصها «سينما أو مسرح أو كتاب إلى آخره» التفاعل بين الفنون والفنون والآداب، أو هذا ما يجب حتى لا يكون أى فن فى «حارة يهود»، وهو التعبير المستمد من عزل اليهود فى حارة، سواء بإرادتهم أو دون إرادتهم، والسينما هى أكثر الفنون تعبيراً عن العناق بين الآداب والفنون، فالأدب مصدر رئيسى لإلهام فنانى السينما، وتكوين الكادر السينمائى على علاقة وثيقة بالرسم والنحت، والتمثيل عنصر مشترك بين السينما والمسرح، وكذلك الموسيقى من حيث إن الفيلم عمل فنى فى الزمان مثل العمل الموسيقى، وفى أغلب الأفلام موسيقى مؤلفة وديكور وأزياء تشكيلية، وفى كل الأفلام مصور فوتوغرافى وراء كاميرا السينما٠
ويتراوح اهتمام مهرجانات السينما بذلك العناق العظيم بين الفنون والآداب، ويعتبر مهرجان ثيسالونيكي نموذجياً فى التعبير عن ذلك، هناك دروس السينما، وكان عددها هذا العام ثمانية: أربعة عن الإنتاج الكبير والمحدود والدولى وتصميم الإنتاج، ودرس عن الموسيقى، وسادس عن السيناريو، وسابع عن الفيديو والسينما، وثامن عن الروائى والتسجيلى، وهذه الدروس ٥٠لأساتذة ومبدعين كبار من هوليود إلى صربيا، وهناك خمس ندوات عن السينما المستقلة والسينما والبيئة والمهرجان فى سنة، والفنون فى مقدونيا وجوائز السينما٠
وإلى جانب المحاضرات والندوات هناك ثمانية معارض صور ووثائق وفيديو عن «هرتزوغ والسينما»، و«هرتزوغ: السينما تجسيد»، و«أسرار المخرج المكسيكى جوليرمو ديل تورو»، و«فيديو آرت من النمسا»، و«مدير الإنتاج اليونانى العالمى فوتوبولوس، ومعرض للمصور الفوتوغرافى اليونانى العالمى تسيراس، وسابع فيديو يونانى لإثني عشر رجلاً وإثني عشر امرأة، وثامن لطلبة معاهد السينما فى اليونان٠
كما أقيمت أثناء المهرجان ست حفلات موسيقية، وأصدر المهرجان عشرة كتب عن السينما٠

5
فيلمان من إسرائيل يفوزان بـ٤ جوائز منها الذهبية الثالثة هذا العام!٠
أعلنت جوائز دورة اليوبيل الذهبى لمهرجان ثيسالونيكي السينمائى الدولى، الذى يخصص مسابقته للأفلام الطويلة الأولى أو الثانية لمخرجها. فاز الفيلم الإسرائيلى »عجمى» إخراج إسكندر قبطى ويارون شانى بالجائزة الكبرى «الإسكندر الذهبى» و٤٠ ألف يورو
كما فاز الفيلم نفسه بجائزة أحسن سيناريو لمخرجيه، وبجائزة الجمهور التى تمنح بناءً على استفتاء جمهور المهرجان (4 آلاف يورو). وفاز الفيلم الإسرائيلى «لبنان» إخراج شامويل ماوز الذى عرض خارج المسابقة بجائزة أحسن فيلم يعبر عن القيم الإنسانية (١٥ ألف يورو)٠
هذه هى الجائزة الذهبية الثالثة التى تفوز بها السينما الإسرائيلية، هذا العام، بعد فوز «لبنان» بالأسد الذهبى فى مهرجان فينسيا، وهى أول جائزة ذهبية حصلت عليها السينما الإسرائيلية فى تاريخها، وفوز «عجمى» بالجائزة الذهبية فى مهرجان مونبلييه لأفلام دول البحر المتوسط الذى ينعقد فى المدينة الفرنسية٠
توقعنا، أو لم نستبعد فوز «عجمى» لأسباب سياسية لأنه أول فيلم يشترك فى إخراجه عربى ويهودى من إسرائيل، ولتوق العالم إلى السلام فى فلسطين، ولكن لم نتوقع أن يفوز بالجائزة الذهبية لأنه ليس فيلماً ذهبياً من الناحية الفنية. ولاشك أن جائزة السيناريو محاولة من لجنة التحكيم لإثبات أن فوز الفيلم بالجائزة الذهبية لم يكن لأسباب سياسية فقط ولكنه يظل فيلماً متواضعاً حتى لو فاز بأوسكار أحسن فيلم أجنبى حيث يمثل إسرائيل فى الأوسكار، العام المقبل٠
فاز الفيلم الرومانى «ميدالية الشرف» إخراج كالين نيتزير بجائزة لجنة التحكيم الخاصة «الإسكندر الفضى» و٢٥ ألف يورو، وكان أحق بالفوز بالإسكندر الذهبى، خاصة أنه الفيلم الوحيد فى المهرجان الذى فاز بأربع جوائز هى بالإضافة إلى الإسكندر الفضى أحسن سيناريو لكاتبه تيودور فوكان «مناصفة مع (عجمى)»، وأحسن ممثل «فيكتور ريبينجوك» وجائزة الاتحاد الدولى للصحافة السينمائية «فيبريس» لأحسن فيلم فى المسابقة، وجائزة الاتحاد اليونانى للحرف السمعية البصرية «إتيكا»٠
وقد شهد المهرجان العرض العالمى الأول للفيلم الرومانى الذى يؤكد النهضة التى تشهدها السينما الرومانية فى العقد الأول من القرن الميلادى الجديد، وبعد عقدين من سقوط ديكتاتورية شاوشيسكو «الشيوعية»٠
ويعبر الفيلم عن تحولات رومانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية من خلال بطله «٧٥ سنة» بعد أن أخبرته وزارة الدفاع بأنه حصل على ميدالية الشرف لاشتراكه فى الحرب العالمية الثانية عن طريق الخطأ، وتم استردادها منه٠
وفاز روبرتو بيريز كاتو بجائزة أحسن إخراج عن الفيلم المكسيكى «لا اتجاه للشمال»، وبجائزة أحسن ممثلة روث نيريرى عن دورها فى الفيلم البلجيكى «يوم اللعنة» إخراج فيليب فان ليو، وبجائزة أحسن إسهام فنى فيلم كوريا الجنوبية «شخص مفقود» إخراج لى سيو٠

ينشر سمير فريد عموداً يومياً في
صحيفة »المصري اليوم« القاهرية٠

SECTION 2 | سينما عربية


ثلاثون عاماً ولم ينطفأ السؤال ... شو صار؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  بشّار إبراهيم 

ينضم الزميل الناقد الفلسطيني بشّار إبراهيم الى المساهمين في مجلة »ظلال وأشباح« طارحاً للقراءة فيلماً وثائقيّـاً لبنانياً/ فلسطينياً من إنتاج رشيد مشهراوي وإخراج ديغول عيد. شكراً للزميل٠



ليس الجديد، أو الغريب، في الفيلم التسجيلي اللبناني الطويل «شو صار؟»، أنه إنتاج لبناني/ فلسطيني، بدعم فرنسي، وذلك على الرغم من أن المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي سيتحول في هذا الفيلم، من موقع المخرج إلى موقع المنتج، الداعم لهذا المشروع الاستثنائي، الذي سيخرجه هذه المرة مخرج لبناني اسمه: ديغول عيد، في أول أعماله٠
كما ليس الجديد، أو الغريب، أن يختار مخرج الفيلم نَحْتَ اسم الفيلم بالعربية والأجنبية، وبالأحرف ذاتها، لنجد أنفسنا أمام فيلم اسمه بالعربية «شو صار؟»، ولنقرأ على تيتراته عنوان الفيلم «Chou sar?»، وكأنما المخرج أراد الاحتفاظ بهذه النبرة اللفظية، النابعة من روح اللهجة اللبنانية الدارجة، والدالة على توق عميق لمعرفة الحقيقة، يختزله هذا السؤال: «شو صار؟»٠
الجميع سيسأل: «شو صار؟».. سواء أكانوا راغبين بمعرفة الحقيقة، لذاتها، أم لأنفسهم، أم للعدالة، أم ربما للتطهّر.. وسنكتشف أن الفيلم ما هو في النهاية إلا رحلة لمعرفة الحقيقة، مهما كانت موجعة، ومؤلمة، وفاجعة!٠
في معرفة الحقيقة تتماهى أوجه عدة، يصحُّ أن نتملاها جميعها. نبحث عن الحقيقة لنعرف، وفي المعرفة تتحقق الذات، تتطهر، تتسامى.. نبحث عن الحقيقة لنلتقطها، لنمجدها، ولنمنحها صفة الخلود، ولتغدو سمة ماض انتهى، وركيزة مستقبل يأتي. ونبحث عن الحقيقة حتى لا تتكرر، وحتى لا تغدو بتغييبها حدثاً عادياً يمكن ممارسته وتكراره بتجاهله ونكرانه.. نبحث عن الحقيقة، لأنها بوابة الولوج إلى العدالة. العدالة مع أنفسنا، مع ما حدث، والذاكرة، وكذلك العدالة مع الآثم الجاني٠
قرابة ثلاثين سنة مرت، ولم ينطفئ سؤال: «شو صار؟» ومن تراه كان يتوهم للحظة أن السؤال يمكن له أن ينطفئ، على الأقل قبل أن يقع على جواب حاسم، وقبل معرفة «شو صار؟»٠
رحلة طويلة من البحث والغوص في عمق الجرح، وفي عمق الألم والفاجعة، وعودة طويلة مضنية، محفوفة بالمخاطر، ليصل الرجل في النهاية، ويقف أمام القاتل، ويقول له: «إنت اللي قتلت أمي»!.. فقط ليقول له هذا، ويقفل عائداً في دروب المكان الذي مازال محتقناً بآثار النار والحرائق، وآثار الدمار والقتل، وبالفراغ الذي يلفّ الدروب التي كانت ذات يوم ملعب طفولة وبراءة، فصارت مكمن ذاكرة مجرزة وموت، ومبعث ألم، ومطوى أحزان، ووجوه غابت بقسوة لا نظير لها٠
هناك، على عتبة بيته في الريف الفرنسي، وقبل أن ينطلق في رحلة العودة إلى قريته في الشمال اللبناني، سيقول ديغول لطفلته ذات السنوات الأربع، وهو يودّعها: «راجع بابا راجع»!.. وربما ما كان يدري أنه لن يعود بعد معرفة الحقيقة، كما كان قبلها. ربما سينجو. وربما لا!.. ولكنه في كل حال لن يرجع كما كان٠
بانحياز بارد إلى منطق السينما وفنها وأصولها، وعلى الرغم من أن الموضوع يكوي الروح، يمكننا الانتباه إلى أن الفيلم سيعتني بتقديم حكايته بطريقة فنية لائقة؛ ببناء فني يليق بهول الفاجعة، ووجوب تقديمها بشكل راق، لا ينال من هيبتها، وحضورها الكامن في أعماق ضحاياها، الذين تناثروا في دروب الحياة حاملين ندوباً في النفس، ندوباً لا تندمل، وليس سوى الحقيقة يمكن أن تهدهدها، وتجعلهم يتساكنون معها، ويمضون ما تبقى لهم مألومين مكلومين٠
لقطة افتتاحية لقطار يمخر عباب نفق مظلم، قبل أن ينتهي إلى نهاية النفق، حيث الفتحة التي تطل على الضوء. لقطة سوف تتكرر في الفيلم أكثر من مرة، بتنويعات ذكية عليها. تارة أولى في فرنسا، وثانية في بيروت، وثالثة في طرابلس، في اقتراب متتال من الحدث، من المكان والذاكرة.. المرور من نفق مظلم، إلى فسحة الضوء، هو المعادل الفني للخروج من ظلمة اللا أدري، إلى ضوء معرفة الحقيقة، تماماً كما سنكتشف أن الفيلم هو ذاته هذه الرحلة٠
من فرنسا، وبهدوء أنيق، نتعرف إلى الشخصية الرئيسة في الفيلم، المخرج ذاته «ديغول عيد». هل نقول بطل الفيلم، وهو في الحقيقة الضحية الصارخة، كما سنعرف!.. سنعرف أنه لن يقصّ علينا حكايته، بل سيحاول أمامنا معرفة حكايته التي انطوت ثلاثين سنة في أعماقه، وبقيت تنبض بكل وجعها في داخله. هدوء تام في الملامح، لشاب لبناني في نهايات الثلاثينات من عمره. هدوء في الكلام، والتحرك، والتصرف.. لكن كل ما فيه ينبئ عن غليان وضجيج، يتوقد في الداخل، ويمكن لعين نافذة ذكية أن تراه٠

الحزب الفاشي
على الرغم من البيت الأليف، والزوجة المتفهمة، والطفلة الرائعة، وكل ما يحثه على النسيان، والبقاء، إلا أن «ديغول»، يقرر العودة إلى لبنان. كل من حوله كأنما يحاول ثنيه، لكن لا سبيل إلى ذلك. حتى أن شقيقه الأصغر «جان»، يرفض فكرة العودة تماماً، ويطردها حتى من مخيلته.
«كل العائلة ساكتة، ينبغي على أحد أن يتحدث.. هذه مأساة بلد، وليست مأساة شخص، أو شخصين».. يقول ديغول لشقيقه، في حوار يبدو أن لا رجعة لكل منهما عنه. جان لن يعود، فربما أراد خيار الفرار من الحقيقة، بينما ديغول كان قد انخرط في الرحلة فعلاً٠
احتفال ودود مع أصدقاء. رقص وغناء، لا يستطيع محو نبرات الوداع القلق، وترقب الغامض المجهول!. سنعرف فيما بعد أنها لم تكن رحلة عودة إلى لبنان، بل رحلة عودة إلى الذاكرة، إلى الحدث، لمعرفة الحقيقة، حتى وإن كان ثمة من تواطأ مع نفسه، وأخذ موقف من لا يريد معرفة الحقيقة، ولا معرفة «شو صار؟»، والاكتفاء بأن الذي حدث قد حدث٠
سيتضح لنا، من قراءة بناء الفيلم، أنه سينقسم إلى خمس حركات أساسية، تتقاسم وبالتساوي تقريباً مدة الفيلم البالغة قرابة ساعة وربع. تتشظى الحكاية، وتتناثر المعلومات، في النصف الأول من الفيلم، لتتجمع وتنجدل في النصف الثاني، وتنعقد قبيل النهاية، لتظهر الحقيقة بينة



في بيروت، ومع لقطة شبيهة باللقطة الافتتاحية. سيارة تمخر عباب النفق، لتنتهي إلى الضوء. إنها بيروت تطل من نهاية النفق، وتنفتح على المشهد مكاناً قلقاً يفيض بنور غامر. ينتهي ديغول إلى منزل أخته روز، التي سنعرف أنها الناجية مثله من المجزرة التي انعقدت ذات مساء، وما مشاهدة بهض صور العائلة، والتقاط التشابه بين ملامح طفلته و«المرحومة أمي»، سوى مداخل تشي عن حكاية تلملم تفاصيلها شيئاً بعد شيء٠
يذهب ديغول إلى عمه حنا، الذي صنع على سطح منزله حديقة كما في الضيعة.. يسأل عمه عن الدعاوى التي رفعت في الضيعة، عندما حدثت القصة. العم لا يعرف شيئاً، أو لعلعه يدعي بعدم معرفة أي شيء.. والكلام المغمغم عن المجزرة التي صارت بالضيعة.. المجزرة التي صارت عام 1980، وعن أميل الذي لا يرغب بتحريك الدعوة.. مفاتيح أخرى ينثرها الفيلم أمامنا، دون أي ميل للتشويق أو الإثارة٠
الشاب ينتقل إلى طرابلس.. يلتقي المحامي بشارة، فرد آخر من العائلة.. المحامي يكشف جانباً من الموضوع.. بشارة يتحدث، ويرى أن الجريمة اعتبرت قضية سياسية.. وهي بالأساس موضوع إرهاب.. الطرف الثاني قتل 13 رب أسرة في وقت واحد.. والعائلات فرّت من الموت.. بشارة يفصح عن اسم الطرف الثاني «الحزب السوري القومي الاجتماعي» ناعتاً إياه بالحزب الفاشي!٠
سنعرف من التفاصيل المتناثرة أن شقيق أحد المسؤولين في الحزب السوري القومي الاجتماعي، من آل دياب، قد قُتل في بيروت الغربية حينها، وأن أميل عيد، العضو في حزب الكتائب اللبنانية، قد اتُّهم بأنه من فعل ذلك. يعود التنضيد إلى طابعه العائلي أو القبلي: آل دياب، وآل عيد. ذاك المساء تمَّ شن الهجوم الذي أفضى عن قتل 13 رب أسرة من آل عيد كان بينهم والد فتى فيلمنا ديغول، ووالدته، وأعمامه.٠

مآسي المجزرة
أين العدالة؟.. لا يوجد عدالة؟.. من قتل أبي ما يزال طليقاً حراً .. يقول ديغول وهو يمعن في رحلته لمعرفة الحقيقة. ينتقل إلى بيت الكتائب، حيث اجتماع موسع لكوادر من الحزب. يلتقط عمه إميل الذي يحاول شرح ملابسات الحادثة، وفق ما يعرف: لقد جرى اغتيال أحد أشقاء الأمين خليل دياب في طرابلس. تم اتهام ضمني لإميل. بعد أربعين يوم اغتيل أخ آخر له في بيروت الغربية. تم منع الجثمان من المرور على حاجز المتحف، كونه ملفوف بالزوبعة. زوجة المقتول تعلن أنها شاهدت أميل على الحاجز. وأميل يشكك برواية الزوجة، على أنها لا تعرفه، ولا يعرفها.٠
سيدفع أهالي قرية «عدبل» من آل عيد ثمن هذه المشكلة، قتلاً جماعياً منظماً. أميل يرى أن لا علاقة لهؤلاء بما حصل، كونهم أصلاً ليسوا على علاقة بالحزب.. «أبوك وأمك لم يكونا على علاقة بالاحزاب على الإطلاق»!.. يقول إميل، ويردف بأسى: «رد فعل غرائزي».
في الحروب تشتعل الغرائز، فلا تبقي ولا تذر، وسيكون الأبرياء، الذين لا علاقة لهم، هم الوقود لتلك النار الغبية التي تلتهم كل ما ومن تطاله. ولكن من يعيد للأبرياء آخر شهقاتهم التي سحقتها اللابراءة٠

شتات الحكايات
أميل يرى أن المجزرة فتحت للناجين فرصة أن ينطلقوا إلى الآفاق بعد أن كانوا يعتقدون أن الدنيا هي القرية التي كانوا فيها.. كأنما هو يريد استخلاص إيجابية واحدة من فيض مآسي المجزرة وويلاتها. وديغول سوف يتحول إلى التحقيق بمدى علاقة أميل بالقصة. يلتقي بسام، ابن عمه، الذي يقول إنه سمع روايتين: له علاقة.. ولا علاقة له.. هناك من قال إن إميل له علاقة.. وإميل قال لا علاقة له.. والد أميل لم يقتل.. أباؤنا وأعمامنا هم من قتلوا.. وأميل هو الذي جنى ثمار القصة.. إذا ربطنا الأمور نجد أن أميل هو السبب٠
وديغول يسأل: لماذا لا نجلس كلنا مع أميل ونعرف منه شو صار؟.. لكنه سيواجه بالصمت٠
ينتقل ديغول إلى اللقاء مع عزت، ابن عمه الآخر، الذي يبدو أكثر اقترباً من الحديث عن المسكوت عنه: هذه الصور لا تنسى.. اللحظات والدقائق تستعيدها كأنك تعيشها الآن.. من كان في قلب المجزرة ليس كم سمع عنها..
لقطة سيارة تعبر النفق إلى الضوء، مرة أخرى، والانتقال للقاء الأخت هلا التي يبدو أنها أفرغت شحنتها من خلال أطروحة جامعية عن الموضوع.. قبل ذلك كان الأمر يأتيها على هيئة كوابيس.. دم وجثث وقتلى.. طلبت من زوجها أن يوصلها إلى القرية.. فذهبت.. اكتشفت الفرق بين ذاكرتها الطفلية، وما كانت ترسمه من اتساع في المكان، وما تراه الآن من صغر المكان وضيقه ومحدوديته.. تمنت لو أنها لم تذهب.. لأن القرية في ذاكرتها كانت أجمل٠



بعد شظايا الحكاية.. نستمع للحكاية كاملة من العم بسام: في 9 كانون أول 1980، كنا ساكنين في عدبل. الساعة الثانية بعد الظهر، قام المسلحون القوميون بمحاصرة القرية، وتحديداً بيوتنا. حاصروا الحارة حتى لايغادرها أحد. وفي الليل بدأ الهجوم على بيوت آل عيد. إطلاق نار غزير. وتفاصيل قتل يسمعها أفراد العائلة أول مرة.. من قتل الأهل ما زالوا في عدبل.. الأفضل ننسى عدبل لأنها لا تجلب سوى المواجع٠
كانت هذه هي المرة الأولى التي نسمع شتات الحكايت يتلملم أمامنا، وأمام البعض من أفرد الأسرة. ولا يجد ديغول سوى العودة إلى شقيقته روز التي ستسأله: بعد أن تكلمت مع أفراد الأسرة.. شو صار؟.. يجيب: خبروني.. منهم من يفكر بالانتقام.. منهم من لا يريد الحديث في الموضوع لأنه موجع٠
روز تحكي عن شعورها يوم أن زارت القرية. الحيطان السوداء تصرخ. هذا الصراخ في دواخلنا جميعنا أبناء المجزرة. الحيطان تبكي.. وروز تعترف: كل يوم تعيش المأساة في داخلي.. في كل لحظة.. أنا أصبر على أمل أن تأتي اللحظة لتتبين الحقيقة.
يعود ديغول إلى العم أميل، ويبدو كأنه يحاكمه: قلت إن للمجزرة جوانب إيجابية.. هل تعرف شو صار مع كل واحد، كل ليلة؟.. شو عاشوا في قلب المجزرة؟.. وكيف عاشوا بعد المجزرة؟.. إنها غلطة الكبار.. مش غلطة الصغار.. والصغار دفعوا ثمن كبير. ويرمقه بنظرات قوية، فيما أميل لا يحير جواباً٠
بعد قول الحكاية يبدو أن الشاب بات أمام خطوة أخيرة هي الذهاب إلى القرية.. والجميع سوف ينصحه يعدم الذهاب إلى القرية لما ستتركه من أسى.. إنت تجازف بإحساسك.. ولكنه يمضي. بعد أن كان يقود السيارة بهدوء.. هنا قيادة متوترة مهتزة.. كاميرا محمولة في شوارع خاوية وخطى قلقة إلى مقابر متهالكة.. وبيوت محترقة.. الشاب يبكي بحرقة أمام مدافن آل عيد.. ويمضي إلى البيت المدمر المحترق.. إلى غرفه.. وحتى المطبخ والحمام.. ويبكي
هنا كانت لنا حياة.. هنا كنا نعيش.. وهنا كانت لنا ذاكرة.. يخرج من البيت ليجوس في شوراع القرية حيث كان يلهو في مدارجها.. يذهب إلى أحد بيوت آل خليل.. يسمع صوتاً طفولياً ينادي أمه.. هذا صوت طفولي لازال تتاح له فرصة مناداة ومناجاته أمه.. ويستمر في حواري القرية.. في بيت آخر يرى حبل الغسيل طازجاً.. الحياة تستمر كأنما لم تمر على مجزرته٠
نشرة الأخبار تمر على مواجع لبنان الراهنة.. اغتيال الشهيد رفيق الحريري.. والكاميرا التي أخذت وضعية عيني الشاب تمر على تفاصيل القرية.. وجه ربما شارك في المجزرة يطل من خلف سور.. أطفال يلهون، ربما لم يسمعوا بالمجزرة التي كانت هنا ذات يوم.. شوارع فارغة من أن طاردتهم رصاصات المجزرة.. يصل إلى رجل.. يسأله: غريب إنو ما بتتذكرني؟.. إنت اللي قتلت أمي!٠
يبدو الرجل حائراً لائباً.. يفرك سالفه بيده.. يفرك يديه ببعضهما البعض.. يعقد ذراعيه خلف ظهره.. لا شيء يوحي أنه مجرم.. إنه واحد من تلك الوجوه التي يمكن أن تصادفها في كل مكان٠
يعود الشاب للتجول في القرية، عائداً إلى بيته.. يغلق باب البيت أهله، ويمضي.. ولكن هل أغلق باب الحكاية؟٠
«شو صار؟».. فيلم مدهش لفتى لبناني نجا ذات يوم من مجزرة ساطته بلهيبها.. فيلم يعرف تماماً ماذا يقول، وكيف.. فيمضي إلى حافة الحقيقة، متسائلاً: «شو صار»؟!.. لعلنا نملك ذات يوم قدراً من الشجاعة لنقول الحقيقة. على الأقل لأنها حقيقة٠

نشرت مقالة الزميل إبراهيم بشّار في
صحيفة »المستقبل« اللبنانية٠

SECTION 3 | شخصيــات


كلود سوتيه ......... شاعر الحزن العذِب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  ميسّر مسكي
يلقي الصديق والزميل ميسر مسكي في تناوله شخصية المخرج الفرنسي كلود سوتيه (1924-2000) نظرة شاملة على حياة المخرج الفرنسي الرائع والمنسي ليتبع ذلك بنقد وتقديم ثلاثة من أبرز أفلامه




رغم الإهتمام الذي ناله كلود سوتيه في سنواته الأخيرة و التي عَبّرَ عنه الرئيس الفرنسي جاك شيراك في تأبينه للرجل بأنه" الفنان الذي حَمَلَ مرآة زماننا"، فإن البعض (ومنهم كاتب السطور هذه) لا زالَ يعتقد أن أعماله لم تنل ما تستحق من تقدير. فالرجل طاردَ حلمه بالفن والسينما حتى رمقه الأخير. فقـَبَضَ على بعضه وراوغه البعض الآخر ٠
منذ طفولته إكتشفَ سوتيه ولعهُ بالفن، فمارس النحت لفترة قبل أن يغادره إلى العمل العام إثر إنضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي الذي لم يلبث أن تركه عام 1952. رغبته الأكيدة للعمل في السينما واتته حين "داهمه" فيلم مارسيل كارنييه "شروق النهار". إلتحق سوتيه بمهعد الإيديك الباريسي الشهير للدراسات السينمائية أيام تأسيسه الأولى. و إثر تخرجه عملَ مُساعداً لعدد من الأسماء الشهيرة في السينما الفرنسية قبل أن يُخرج فيلمه الأول "إبتسامة الصباح" و الذي مضى دون أن يلفت نظر النقاد أو الجمهور. بعد خمسة سنوات و في عام 1960 صَنعَ سوتيه "طبقة خطرة"، الفيلم الذي نـَقـَلَ إسمه من الغموض إلى الشهرة. فيلم بوليسي لعب دوري البطولة فيه لينو فنتورا، الذي أصبح الصديق المُقرّب لسوتيه، و جان بول بلموندو الآتي لتوه من نجاحه الكبير في "اللاهث" تحت إدارة جان لوك غودار
في الوقت الذي بدا فيه أن حلم كلود سوتيه السينمائي على وشك التحقق، عَصَفت "الموجة الجديدة" الآتية من صفحات مجلة دفاتر السينما بالحال السينمائي في فرنسا والعالم. أسماء مثل غودار، تروفو، شابرول، ديراي... كانت ترسم رؤيا جديدة للسينما جعلت النقاد يُعرضون عن إسلوب كلود سوتيه الذي بدا لهم و كأنه خارج الزمن. و رغم أن سوتيه بقي لسنوات على مقاعد الإحتياط ينتظر فرصته الثانية، لكنه لم يكن بلا عمل. فالعديد من مخرجي الموجة الجديدة إستعانوا بخبرته في إنقاذ سيناريوهات كان يمكن أن تقضي لولا جهد سوتيه في إحيائها من جديد. ربما لهذا كان فرانسوا تروفو يُطلق عليه لقب "طبيب السيناريو". ورغم أن أغلب جهده هذا كان يتم دون أن يُذكر إسمه في مقدمة الفيلم، لكن أولئك الذين كتبوا عن تلك المرحلة قالوا أن بصمات سوتيه في صياغة الحوار ونظرته التأملية في الشخصيات الموزعة بين عواطفها المتناقضة لم تكن خافية على أحد ٠
عام 1969 جاءت فرصة سوتيه الثانية مع فيلم "أشياء الحياة" (نتحدث عنه بالتفصيل بعد قليل) حيث كان في الدور الأول ميشيل بيكولي و رومي شنايدر التي أيضاً وجدت الفرصة لإعادة الدفق إلى سيرتها المهنية التي كانت تخبو. سوتيه، بيكولي، شنايدر شكلوا ثلاثياً ( يُضاف إليه فيليب سارد في الموسيقى و جان- لو دابادي في السيناريو و جان بوفيتي في التصوير) تعاوَنَ في أغلب أفلام سوتيه القادمة. و لم يأت هذا التعاون إلى نهايته إلاّ مع إنتحار رومي شنايدر المأساوي ٠
في تلك المرحلة الأكثر خصوبة في سيرة كلود سوتيه السينمائية جاءت بعض أهم أفلامه: "ماكس وبائعي الخردة" و الفيلم الجميل و العذب "سيزار و روزالي"٠
في الثمانينات و التسعينات وجَدَ سوتيه في دانييل أوتوي وإيمانويل بيار شيئاً يستعيد عبره طيف شنايدر وبيكولي، فصنع "قلب في الشتاء" الذي يجادل البعض أنه أهم أفلامه، و "نيللي والسيد أرنو". عن الفيلم الأول حازَ سوتيه الجائزة الثانية في مهرجان البندقية عام 1992، كما نالَ عن الثاني سيزار السينما الفرنسية عام 1995
توفي كلود سوتيه عام 2000 بعد معاناة من سرطان الكبد‘ و كان يبلغ من العمر ستة و سبعين عاماً ٠
على مدى سيرته في عالم السينما وقـَفَ النقاد على تضاد تجاه رؤية سوتيه الفكرية و السينمائية. فالبعض كان يرى أن سوتيه يصنع سينما أنيقة، لبقة تشبه شخصياته البورجوازية التي كانت دائماً تلبس بأناقة و تأكل بذوق وتتصرف بتحفظ و إنضباط حتى في عزّ إنكسارها. فيما رأى آخرون أن سوتيه كان يلامس روح شخصياته بعذوبة و رقة و شاعرية فيما هي تتمزق بين رغباتها و واقعها.
في السطور التالية سنعرض لثلاثة من أعمال كلود سوتيه: "أشياء الحياة"(1969) "ماكس و بائعي الخردة" (1971) و "سيزار و روزالي" (1972) و لن يكون غريباً أن نجد أسماء مثل ميشيل بيكولي و رومي شنايدر في الأدوار الرئيسية تتكرر في بعضها و كذلك كاتب الموسيقى و السيناريو. سوتيه كان دائماً، حسَبَ من عرفه، شديد الإلتصاق بأصدقائه ٠

ثلاثة أفلام

Les Choses de La Vie | أشياء الحياة
1969



كما أن الذاكرة لا تعود إلينا بسياق زمني متتابع، كذلك فإن كلود سوتيه يعيد تكوين حياة بيير (ميشيل بيكولي) عبر مشاهد غير مسلسلة زمنياً. هي مَشاهد تتدفق في رأس رجل مرمي على قارعة الطريق إثر حادث سير فادح. حياته تترنح على خيط دقيق فيما يستعيد (ونحن معه) صور وحالات شغفه و لوعته و تردده و تمزقه بين عالمين لم يكن له أن يدرك أي منهما٠
من شاهد الفيلم قبل أربعين عاماً تقريباً ليس له أن ينسى تلك المشاهد الأولى و تقطيعها الفريد و موسيقى فيليب سارد التي تضيف بُعداً إلى حالة تـُحفـّز العين بقلق الآتي من صور تعيد تركيب الماضي٠
بيير، مهندس، حياته موزعة بين برود حالة عائلية في طور الغياب و بين دفء علاقة مع هيلين (رومي شنايدر) إمرأة شابة تنتظر من بيير أن يحسم خيار عواطفه. لكن الأخير يبدو غير قادر على إنتزاع ذاته من ذاكرة ماضيه و لا التخلي عن لهفة حاضره٠
هي أشياء الحياة تلك، الصغيرة و الكبيرة (و أحياناً الصغيرة قبل الكبيرة) هي التي تجعلنا ما نحن عليه. فحين يسمع بيير من زوجته أن عمال الترميم قد حطموا منضدة في المنزل الريفي، لا يجد نفسه قادراً على التوقف عن سؤال زوجته عن كيف وقع الأمر و ما مدى الضرر الذي لحق بالمنضدة. هي العلاقة مع أشياء الحياة تلك التي تأخذه في دوامة من التردد تقوده إلى إستعجال النهاية غير المتوقعة٠
في مرحلة مبكرة من الفيلم يروي كلود سوتيه حالة بيير من خلال مشهد نرى فيه بيير يدخل غرفة إبنه الشاب فيجده غارقاً بين أجهزة و أسلاك كهربائية، يسأله عما الذي يفعله، فيجيبه الإبن أنه يصنع و يسّوق أجهزة كهربائية تـُصدر أصواتاً تشبه أصوات العصافير المنزلية. و حين يلاحظ بيير إبتذال المُنتـَج و زيف الصوت الصادر عنه، يسأل إبنه إن كان هناك مشترين لهذا الجهاز، يقول الإبن أن هناك سوقاً يتنامى لإن الناس تريد وتحب أن تسمع صوت العصافير و أن تصدق أن هناك عصفوراً في البيت لكنهم في الوقت ذاته غير مستعدين لبذل الجهد اللازم لرعاية عصفور حقيقي ، خصوصاً أن هذا العصفور الصناعي يزقزق فقط حين يضغط المرء على زرّ التشغيل٠
قبل نهاية الفيلم تبرز دلالة هذا المشهد حين تطلب هيلين من بيير أن يبدي إلتزاماً أكبر تجاه علاقتهما، يبقى بيير صامتاً فهو لا يريد أن يبذل أي جهد للتشبث بعلاقة أصبحت تتطلب منه حسم خياراته. الجهاز الكهربائي والعصفور الحقيقي و هيلين، هي أشياء الحياة التي نريدها أن تنتمي إلينا دون نحن إلى شيء٠
مشهد حادث السيارة، و الذي يأخذ حوالي العشرين دقيقة بتفاصيله و لواحقه، ينفذه سوتيه بإيقاع بصري شديد التركيب و سلس في آن يساعده في ذلك مونتاج خلاق. مشهد لا يمكن لك أن تنسى حتى تفاصيله بالحركة البطيئة أو بالسرعة العادية٠
سوتيه في فيلمه عن مثلث الحب الأبدي هذا، لا يأخذ مواقف أخلاقية.لا يُحاكم. لا يُدين. و لا يُبرر. هو فقط يقترب بعذوبة من روح شخصياته و يراقبها في لوعتها كما في شغفها. لا الشخصيات تنفجر إنفعالاً و لا كاميرا سوتيه تلهث وراء الحدث. حتى سيرة الموت عند النهاية إنما تـُُروى صمتاً و من وراء الحواجز الزجاجية٠
في التسعينات من القرن الماضي، و على عادة كانت هوليوود قد درجت عليها، تمّت "أمركة" الفيلم حيث لعب الأدوار الرئيسية كلٍ من ريتشارد غير، شارون ستون و ميلينا جوجوفتش. وأيضاً على عادة هوليوود جاءت النتيجة مسخاً مصطنعاً بالكاد يستحق المشاهدة٠

Max et les Ferrailleurs | ماكس وتجّار الخردة
 1971



إذا كان الفيلم السابق، والذي وضع كلود سوتيه تحت أضواء الشهرة، يميل إلى عالم فرانسوا تروفو حيث لوعة الشخصيات الممزقة بين بين مثلث الحب المستحيل، فإن سوتيه في فيلمه التالي يأخذ ذاته و شخصياته إلى عوالم جان – بيير ملفيل (سبق أن قدمت هذه المجلة إطلالة موسعة على سيرته وأعماله) حيث الشخصيات تدور في مناخ داكن، قلق، تختفي فيه الخطوط الواضحة بين رفعة القيَم و إنحطاطها٠
ماكس (ميشيل بيكولي) قاض ٍ سابق، يترك سلك القضاء بعد أن أضطرَ إلى إطلاق سراح مجرم لم يستطع النظام القضائي الفرنسي إدانته لـ "نقص الأدلة". ينضم ماكس إلى حقل التحقيق الجنائي مدفوعاً بهوس ضبط المجرمين بالأدلـّة الدامغة. هوس لا يلبث أن يجعله يتغاضى عن الجانب الأخلاقي حين ينصب فخـّاً (بموافقة رؤوسائه) لمجموعة من الشباب العاطلين عن العمل و يدفعهم لسرقة مصرف عبر تمرير معلومات لهم عن تحركات الأموال في المصرف و ذلك عن طريق مومس تُدعى ليلي (رومي شنايدر)٠
سوتيه هنا ينفذ إلى عدة قضايا في آن. هناك سلطة الفرد و قدرته على إستغلالها للتحكم بمصائر الآخرين. فرغم أن ماكس يعلم أن مجموعة الشباب العاطلين و المتكسّبين من تجارة غير ثابتة في الخردة، لم يسرقوا مصرفاً من قبل و لا علاقة لهم بسلسلة السرقات التي حصلت سابقاً، لكنه يمعن في إستدراجهم إلى مصير محتوم يرسمه وينفذه ببرود و صلابة و الأغرب أن ذلك يتمّ...بالقانون!
أيضاً تحضر قضية الفساد الإنساني و سقوط المرء أمام سطوة المال. فالمومس ليلي، التي يغريها المال السهل الذي تحصل عليه من ماكس، تندفع و دون علمها في تنفيذ مخطط ماكس الذي قَدّمَ لها نفسه على أنه مدير مصرف و ذلك بتمرير المعلومات عن المصرف إلى أصدقائها. الكلّ هنا يحركه الجشع و المال السهل فيما السلطة (مُمثلة بماكس) تستغل ذلك في رسم المصائر و إستغلال الضعف البشري أمام مغريات الحياة و المال٠
لا بدّ هنا أن نذكر أن الفيلم جاء في سنوات كانت فيها فرنسا لا تخرج من فضيحة فساد و إستغلال سلطة حتى تدخل في فضيحة ثانية٠
على هذه الخلفية السياسية غير المباشرة و المرسومة بخيال بوليسي طالما أجادته السينما الفرنسية بإمتياز وخصوصية نادرة، لا ينسى سوتيه أن يُدخل خيطاً رفيعاً و أثيراً لديه، ألا وهو علاقة عاطفية غامضة، غير محكية، و محكومة بالمأساة بين ماكس و ليلي٠
ماكس و ليلي هناك ما يجمعهما بقدر ما يفرق واقعهما الحياتي و المهني. كلاهما متوحد، لا عائلة ولا إستقرار و لا إرتباط راسخ إلاّ بما هو هاجس مختلف لكل ٍ منهما. هو القانون و الدليل الدامغ دون هوادة، و هي المال و الحياة السهلة حتى الثمالة. حين يلتقيان في الشقة الصغيرة يشتعل الجو برغبة مكبوتة ولهفة تقولها النظرات و يسكت عنها اللسان. لهفة تقود الأمور في النهاية إلى منعطف خطر حين تصبح اللعبة أكبر من قدرة ماكس على السيطرة عليها. فالسلطة (يمثلها هنا المحقق الجنائي) لا تريد الوقوف عند الحدود التي رسمها ماكس لخطته. بل هي تريد الذهاب نحو النهاية في تطبيق القانون الذي طالما تغافلت عنه هذه السلطة ذاتها حين سمحت لماكس بإستغلال الضعف الإنساني في نفوس مجموعة تجار الخردة الصغار و إستدراجهم نحو جريمة يتركنا سوتيه إثرها متسائلين عما إذا كان ماكس و رؤوسائه شركاء في الجريمة أم حُماة القانون٠
ميشيل بيكولي يقدم هنا أداء مدهش في إنضباطه العاطفي و السلوكي مما يُضفي على الشخصية غموضاً و قوة تبدو متوارية خلف هدوء و برود يثيران القلق. رومي شنايدر حضورها لافت كالعادة. لكن في فيلمنا التالي سيتحول هذا الحضور طاغياً و آخاذاً٠

César and Rosalie | سيزار وروزالي
1972



كل شيء في هذا الفيلم يجعله يبدو أقرب إلى الحلم رغم واقعيته. شخصيات ساحرة الحضور تدور في عالم عواطفها المضطربة و المتقدة. إمرأة ممزقة بين رجلين من عالمين متناقضين، لكنهما يكملان بعضهما في آن. ثلاثة يبحثون عن "آخر" ليتكاملوا معه و فيه، لكنهم لا ينجزون غير تمزيقه٠
هو الشغف حين تنهكه اللوعة. هي الروح حين تؤرقها الوحدة. هي الحياة حين يضنيها البحث عن السعادة في الآخر٠
روزالي (رومي شنايدر في ذروة تألقها الفني و سحرها الإنثوي) إمرأة مُطلقة، إختارت العيش مع سيزار وإستكانت لكل ما يفرقهما بحثاً عن إستقرار منشود. سيزار (إيف مونتان عظيم ولا يُنسى) تاجر سيارات و آليات مستعملة، ثري، إنفعالي، تعوزه اللباقة الإجتماعية من حيث السلوك و المظهر، لكنه يعشق روزالي إلى حد الهوس٠
حياتهما الهادئة يقلقها ظهور دافيد، الرجل الذي إرتبط بعلاقة مع روزالي قبل سنوات و ها هو يعود ليجدد الماضي الذي إنقضى. رجلان و إمرأة و علاقة مستحيلة تبدو فيها الشخصيات مهووسة بشغفها كما برغبتها المحمومة في البحث عن سعادة لا تبلغها. كاميرا سوتيه تلتقط بكادرات قريبة و متوسطة علاقات و أحاسيس تراوح بين الذلّ و الهيام و الإنتقام. ثم عند النهاية يأتي مشهد بديع، آخاذ في هدوئه ليعود بالرواية إلى بدئها لكن مع إيحاء أنه ليس بالضرورة أن يكون مثلث الحب مستحيلاً٠
هناك سحر خفي لكنه شديد الحضور في صورة الفيلم كما في صياغته البصرية. سوتيه يرسم فيلمه بأناقة لا تأخذ من عمق نظرته إلى دواخل شخصياته المأزومة بعشقها و لهفتها. كما أن الصورة غالباً ما تختصر تقديم الشخصية و إنفعالها. ففي أغلب اللقطات التي نرى فيها سيزار يقود سيارته، تأخذ الكاميرا السيارة من الأمام بحيث يبرز في مقدمة الكادر التصميم الصارم و القاسي أو حتى العدواني لمصابيح السيارة مُضافاً إليه السرعة والإندفاع نحو الكاميرا مما يوحي بشخصية سيزار الإنفعالية و المندفعة و حتى العنيفة لو شاءت العاطفة ذلك٠
نادر من يستطيع تجسيد دور سيزار كما إيف مونتان. رجل عصامي، صنع ثروته بنفسه لكنه يشعر بالنقص حين الحديث عن الفن فيداري نقصه باللامبالاة أو ...المال. رجل تعصف في دواخله عواطفه فيداريها بإبتسامة قلقة تشي بالعنف القادم٠
رومي شنايدر و ببساطة ، ما كان لغيرها أبداً أن تكون روزالي. حضور يسرق العين و الكاميرا و القلب والروح٠
وإذا كان ميشيل بيكولي، صديق سوتيه، ليس له دور على الشاشة لفإن صوته لا يغيب عن الشريط الصوتي حيث يروي من خارج الكادر بعض التفاصيل عن الحكاية٠
السيناريو أيضاً و كما الفيلمين السابقين من وضع دابادي و كذلك فيليب سارد في الموسيقى. هو فريق سوتيه الذي ما تنازل عنه في أغلب أفلامه٠

الزميل الناقد ميسر مسكي كتب هذه المقالة
النقدية خصيصاً لـ »ظلال وأشباح«٠

SECTION 4نافذة  خلفية

إدغار ألان بو: حبيب الغربان وأول من كتب الرعب والتحرّي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـا
كنت كتبتُ مقالة قصيرة عن الروائي إدغار ألان بو، لكن هذه هي الدراسة الموسّعة عن أعماله٠



أول مرّة سمعت فيها بإسم إدغار ألان بو كانت حين طالعت مجموعة روايات قصيرة تم ترجمتها عن الإنكليزية. المرّة الثانية هي حين عزمنا، وكنّا مجموعة من الطامحين المتجاوزين ملامح بداية حرب أهلية في منتصف السبعينات، كتابة مجموعة سيناريوهات رعب من تأليف بعض أفضل من هم في »بزنس« هذا النوع من الأدب. صديقي إدغار نجّار، وكان مثلي ناقداً سينمائياً لكنه توقّف بعد ذلك، اختار رواية »أورلا« لغي دو موباسان، وأنا اخترت قصّة لا أذكر أسمها الآن لإدغار ألان بو. لا أذكر أسمها لكني أذكر أنها كانت عن ذلك الرجل المنعزل في بيته الوضيع. ذات يوم تئن ذبابة بالقرب منه. يهشّها مراراً وتكراراً لكنها لا تبتعد الا لتعود إليه بإلحاح أكثر في كل مرّة حتى استطاعت التسبب في سقوطه بينما كان يحاول النيل منها. ها هو الآن مقعداً ورأسه ملفوف بضمامة تجعله أشبه بالمومياء. يعتقد لحين إنه -على الأقل- ارتاح منها، هذا قبل أن يسمع أزيزها المزعج من جديد.... هذه المرّة تحت الضمادات!٠
بعد ذلك كانت السينما. عشرات الأفلام التي تم اقتباسها عن أعماله وواحد فقط (الى الآن) عن حياته او بعضها على الأقل. أنجزه أردني بإسم محيي الدين قندور بعنوان »شبح إدغار ألان بو« وقام بمونتاجه واحد بإسم عبّاس أمين، وكلاهما كان يعيش في الولايات المتحدة في مطلع السبعينات، لكن في حين أن المخرج لم يحقق فيلماً أميركيا آخر (لديه أعمالاً روسية بعدما انتقل الى موسكو) فإن عبّاس أمين قام بتوليف فيلم آخر من نوع البورنو الخفيف عنوانه
Flesh Gordon
والعنوان، بالطبع، لعب على إسم البطل القادم من حبر روايات الكوميكس
Flash Gordon بإسم
دعا المخرج قندور بعض أهل مهنة النقد في لبنان لحضور الفيلم الذي كان من بين أبطاله روبرت ووكر في دور المؤلّف الكبير وسيزار روميرو وتوم دريك. لم يكن فيلماً مهمّاً بقدر ما كان فيلماً مثيراً للإهتمام، لكن المثير أيضاً أنه كان من بين حفنة أفلام عنيت بالحديث عن الشخصية وحياتها المتعَبة التي انتهت باكراً قبل مئتي سنة٠
وُلد في هذا العالم في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير سنة 1809 في مدينة بوسطن، تلك التي آل إليها جبران خليل جبران في العقد الأخير من القرن التاسع عشر. والدة إدغار هي إليزا ووالده هو ديفيد وكلاهما كان ممثلاً مسرحياً. لكن الأب ترك الأم وأولادها الثلاث قبل ثلاث سنوات من موتها وحين كان إدغار وأخيه وشقيقته لا زالوا صغاراً. هذا ما أدّى بهم الى التشتت. كل في بيت لا ينتمي اليه. مصير إدغار كان في بيت ثري أسمه جون ألان تبنّاه لأن زوجته كانت مريضة لا تستطيع الخلفة. منحه السقف والطعام والتعليم لكنه ضن عليه بالحنان وحين تم طرد إدغار من الجامعة بسبب شربه وإدمانه القمار لم يهب متبنّيه بالمساعدة ولم يحاول أن يجد له عملاً. في العام 1827 عاد إدغار الى بوسطن وهو العام الذي انضم فيه الى الجيش لكنه سرّح بعد سنتين في الوقت الذي تعاظمت فيه ديونه بسبب القمار. في ذلك العام نفسه وضع أول كتاب وكان كتاباً شعرياً بعنوان
Tamerlane and Other Poems
الذي طُبع منه خمسين نسخة فقط
مناخ الوحدة
لجانب القلم كان الكأس والخيال الداكن وحياته حتى وفاته عن أربعين سنة، العام 1849 متأثراً بمرض السل (ماتت به والدته) وباعتلال صحّته نتيجة الإدمان، لم تكن سوى سلسلة من الآلام والإحباطات ومشاعر اليأس. لا. كانت أكثر من ذلك. كانت ذلك النوع من الإبداع المتّصل بالمعاناة. المثمر منها والناتج عن ألوانها الداكنة. قبل بو، لم يكن هناك أي كاتب في التاريخ وضع الرواية المرعبة. إذا كان هناك فرد ما فهو لم ينشر والعالم القديم لم يعرفه. ليس هذا فقط، بل هو أوّل من كتب روايات التحري البوليسية قبل البريطانيين آرثر كونان دويل وأغاثا كريستي والفرنسي جورج سيمنون والأميركيين إيرل ستانلي غاردنر وإيرل در بيغرز وهم من جيل واحد وُلد بعد وفاة بو بسنوات٠
لم يكن إدمان بو على الشرب سوى نتيجة تأثره بمناخ الوحدة وفقدان العطف والغاية الكبرى، وحين أحب لم يحب طبيعياً. فقد أحب إبنة عمّه فرجينيا كلم وتزوّج منها سرّاً وهي في الثالثة عشر من العمر سنة 1825 وحين ماتت سنة 1847 تصدّع ما كان بقي منه وتوغّل في المزيد من الدمار الذاتي حتى وُجد متشرّداً يعاني حشرات الموت ذات يوم فنقل الى المستشفى حيث مات فيه في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر سنتين فقط بعد رحيلها٠
في ثيابه وجد أحدهم كلمته الأخيرة: "مؤمن بأن الله أودعني عبقرية متوهّجة، لكنها موهبة تمرّغت بالتعاسة"٠
العبقرية التي أودعها الله فيه عُرفت سنة 1839 لأوّل مرّة حين وضع قصّته المعروفة، والتي انتقلت الى
The Fall of the House of Asher السينما مراراً: سقوط منزل آل آشر
ليتبعها بروايات عدّة من أهمّها وأشهرها في الوقت ذاته »قناع الموت الأحمر« و»القلب الراوي« و»الخنفسة الذهبية« و»الحفرة ورقّاص الساعة« والعقاب« من بين أخرى. لكن ما هو جدير بالملاحظة أنها بالتأكيد لم تكن مجرد هواجس في كني أساليب مستعجلة وإثارية وهّاجة، بل يكتشف من يقرأها اليوم كم كان مُعنى بها أدباً ولغة وأسلوباً. كم هي عاكسة لاختيار الكلمات بدقّة ولزواج مُباح بين صنف من الروايات لم يسبقه إليه أحد وبين أدب اللغة بالإضافة الى الموقف الأخلاقي والفكرة النيّرة في إطار الحدث الغريب الذي أوجده بظروف وطقوس تختلف بين كل رواية وأخرى مهما بدتا متشابهتين٠


The House of Usher

ما يُثير الإنتباه أيضاً الجدل الذي استمر طويلاً حول كيف كتب بو أعماله تلك. هل كتبها تحت الإدمان؟ لسنوات عديدة كان هذا ما انتشر بين الذين كتبوا عنه او حاولوا تأريخه، لكن السؤال الذي لم يقدروا الإجابة عليه هو إنه إذا ما كتب ما كتبه تحت تأثير الشرب او المخدّرات (كما يدّعي البعض أنه لازمه لحين) كيف استطاع امتلك ناصية الكتابة الدقيقة التي عُرفت أعماله بها؟ من ناحية، لا ريب أنه كان صريع المأساة، من ناحية ثانية لابد أنه خلق فاصلاً بينه وبينها على الأقل حين كان يجلس ليضع قصصه

الغراب والقط



The Raven

كما أنجز المؤلف مكانة بالغة الأهمية في الأدب الغربي (من حيث لم يدر؟) فإنه أنجز للسينما مكانة مناسبة وذلك عبر عشرات الأفلام التي تم استيحاؤها عن أعماله. وهذا الإهتمام بدأ قبل 101 سنة عندما قام مجهول باقتباس رواية بو »جرائم قتل في شارع المشرحة«، إحدى أكثر رواياته ظهوراً على الشاشة في زمن الأبيض والأسود وحتى مطلع السبعينات. في العام 1909 تم إقتباس فيلمين عن أعماله. الأول فرنسي لهنري دسفونتان عن رواية »الحفرة ورقّاص الساعة« والآخر أميركي بعنوان »الغرفة المختومة« للمخرج ديفيد و. غريفيث ولو أن هذا الثاني يحمل بعض الإلتباس فالمخرج يذكر في مقدّمة فيلمه أنه اقتبس قصّته عن الفرنسي أونوري دي بلزاك. شاهدت ذلك الفيلم القصير (12 دقيقة) وراجعت مؤلّفات بلزاك فلم أجد عملاً له يحمل ذلك العنوان كما لو أن الأمر التبس على المخرج الأميركي فوضع إسم بلزاك عوض إسم إدغار ألان بو او أنه قانونياً لم يحصل على ترخيص- لكن في الوقت ذاته، فإن الفيلم لا يحمل معالم بو على الإطلاق، ولا زالت الأحجية قائمة٠
وأحد أوائل الأفلام المتعاملة مع أدب بو كان فيلماً مجهول المخرج أنتجته شركة بإسم إكلير أميركان وأدّى فيه غي أوليفر دور الكاتب المذكور وذلك سنة 1912. ومن الطبيعي أن يقوم ممثل هنا بإداء شخصية بو في عمل له، ذلك أن الفيلم، وعنوانه »الغراب«، كان شعراً ذاتياً وضعه بو سنة 1845 كمرثاة عاطفية يناجي فيها غراباً زاره في غرفته هارباً من عاصفة عاتية. في الرواية ينطق الغراب بكلمة واحدة في أعقاب كل بوح او فقرة فيقول
Nevermore: او فقرة فيقول "كفى" او بالأصل
هناك غراب ناطق في رواية غير متداولة كثيراً للمؤلّف البريطاني تشارلز ديكنز عنوانها
Bamaby Rudge
لكن من غير المؤكد أن بو استوحى غرابه من عالم ديكنز لاختلاف الإستخدام اختلافاً عميقاً ولو أن كلاهما يستند الى الموروث من الإعتقاد بأن الغراب، أسود اللون ولا يملك صوتاً يغرّد به، هو أبعد أنواع الطيور عن اعجاب الآدميين، وفي الأساطير حمل الغراب رمز الموت (في الكتب السماوية) والشؤم عموماً. لا عجب أن بو اختاره ليبث له لوعته فنظرته الى الحياة كانت موتاً وشؤماً وكان يحتاج الى طير يلائم المقام٠
ولا عجب أيضاً أن السينما بقيت بعيدة من العام 1912 الى العام 1963 عن هذه القصيدة لأنه من الصعب -طبعاً- بناء فيلم قائم على قصيدة ذات منوال واحد وبلا أحداث. لكن المنتج والمخرج روجر كورمان عالج الصعوبة بإضافة أحداث من عند كاتبه رتشارد ماثيسون (لاحقاً من كتّاب أفلام ستيفن سبيلبرغ الأولى) في فيلم يحمل ذات العنوان ويقوم ببطولته فنسنت برايس وبيتر لوري وبوريس كارلوف، مع دور صغير لجاك نيكولسون٠ الثلاثة الأول من شخصيات السينما التشويق على ناحيتيه المخيف والتشويقي، والقصّة هنا أصبحت حول ذلك الطبيب الغارق في حزنه لفراق زوجته (برايس) الذي يفاجأ ذات يوم بزيارة غراب هو في الأصل ساحر انقلب عليه سحره حين نجح عالم آخر (كارلوف) في تحويله الى غراب. كل من الطبيب والغراب سيزوران ذلك العالم. الأول لكي يسترجع »روح« زوجته والثاني لكي يسترجع شكله الآدمي الأول٠
إقتباس آخر من حقبة أولى بعنوان »القط الأسود«٠

إقتباسات أمينة
هنا النص ساحر من مطلعه إذ يقول
نسبة للرواية الأليفة التي سأخطّها، أنا لا أتوقع ولا ألتمس تصديقاً، سأكون مجنوناً لو أني توقّعت ذلك في قضية ترفض فيها أحاسيسي براهينها. رغم ذلك، أنا لست مجنوناً وبالتأكيد أنا لست حالما"٠
بالإنكليزية لملامسة روح النص
For the most wild, yet most homely narrative which I am about to pen, I neither expect nor solicit belief. Mad indeed would I be to expect it, in a case where my very senses reject their own evidence. Yet, mad am I not- and very surely do I not dream

لا يمكن قراءة هذه المقدّمة لما سيلج اليه الكاتب واصفاً أحداث روايته اللاحقة الا ويندفع القاريء في محاولة الوقوف على باقي النص لنواحية الأدبية والجمالية كما القصصية. وفي بعض أفلام مخرج أفلام الرعب وليام كاسل في الخمسينات عمْدٌ الى تقديم الأحداث بمونولوج شبيه بهذا ما يسمح بيقين شبه كامل من أنه استوحى ذلك من طريقة بو في مقدّمته. كذلك قد لا يكون الأمر بعيداً عن خاطر المخرج الألمع ألفريد هيتشكوك (الذي لم ينجز فيلماً من أعمال بو مطلقاً) حين اختار تقديم حلقات برنامجه المعروف »ألفرد هيتشكوك يقدّم« في الستينات


The Black Cat

السينما الألمانية كانت أول من انتبه الى قصّة بو مع ذلك القط (الذكر) الأسود السمين الذي كان يتواصل مع صاحبه صمتاً. يقول في قصّته: "صداقتنا استمرّت سنوات عديدة" رابطاً تغييرات في حياته بما يرقبه القط بعينيه الفاحصتين كما لو أنه، وأسمه بلوتو، يعلم ما يمر به صاحبه. الفيلم الألماني الذي كان أوّل من تناول هذه القصّة (المنتقلة لاحقاً الى مفارقات مخيفة) هو »الحكايات الخارقة للطبيعة« والذي تأّلف من خمسة قصص لخمسة كتّاب (من بينهم مخرج الفيلم نفسه رتشارد أوزوولد وروبرت لويس ستيفنسون) ثالثها هي »القط الأسود« التي وضعها بو سنة 1943. هذه الرواية القصيرة ورواية بو الأخرى »القلب الحاكي« يقومان على فعل الشعور بالذنب حيال قيام الراوي في كليهما بارتكاب جريمة قتل واعترافه في النهاية بذلك بعدما اعتقد أن أحداً (سوى القط في الرواية الأولى وقلبه في الثانية) قد شاهده. الفيلم فُقد طويلاً قبل أن تُكتشف نسخة منه في معمل باريسي سنة 2001 ويُصار الى ترميمه وهو الآن يجول عروض معهد غوتة الألماني. نسخة أوزوولد تتميّز بمنحاها التجريبي كعدد من الأفلام الأخرى التي تم إنتاجها في العقد الأول والثاني من القرن الماضي٠
في هوليوود تم للمخرج (الرخيص إذ كان يستطيع إنجاز أفلام جيّدة بميزانيات ضحلة) إدغار ج. ألمر تحقيق فيلم ثان عن »القط الأسود« سنة 1934 مستوحاة بتصرّف كبير عن الأصل ومن بطولة إثنين من مشاهير مشخّصي الرعب بوريس كارلوف وبيلا لاغوسي

بعد ثماني سنوات قامت شركة يونيفرسال بإنتاج اقتباس جديد (أكثر أمانة للأصل) من إخراج ألبرت روغل وبطولة البريطاني باسيل راثبورن وهيو هربرت وبيلا لاغوسي أيضاً. لكن أكثر الإقتباسات أمانة وردت من مخرج آخر غير معروف هو هارولد هوفمان والفيلم اختفى من حين انتاجه سنة 1966

شعر ورسم ومؤثرات
واحدة من أكثر رواياته انتشاراً على الشاشة »سقوط منزل آل أشر« التي وضعها سنة 1838 وفيها معلّق يروي سبب زيارة يقوم بها المعلّق الى منزل صديق له يعيش منعزلاً في الريف. صديقه، وأسمه رودريك أشر، يعاني من حالات عصبية ونفسية صعبة وهنا لابد من الذكر أن الروائي بو يصفها على نحو محدد وواضح علماً بأن علم النفس لم يحددها (وفي بعض الحالات يكتشفها) الا سنوات طويلة لاحقة. صديقه يخبره أنه يعتقد أن المنزل الكبير الذي يشغله مأهول بأحاسيس تخص البيت وأشيائه ونقرأ، بعد أحداث تشمل دفن شقيقة صاحب البيت التي كانت ماتت قبل وصول المعلّق، كيف أنه في أوج عاصفة عاتية يلحظ المعلّق كيف أن محيط القصر مُضاء على نحو غير مبرر او معروف (طبعاً لم يكن هناك كهرباء أساساً)، كذلك اللوحات التي في القصر هي مضاءة بوهج غريب ما يؤكد ما ذهب اليه صديقه من أن للأشياء أحاسيسها٠ وفي النهاية، وبعد عودة شقيقته الى الحياة، يموت رودريك من شدّة الخوف بينما يهرب المعلّق ناجياً بنفسه. نظرة الى الوراء ويرى انشطار القصر الى نصفين وتهاويه غارقاً في يم من الرمال٠


بطبيعة الحال، فإن السينما لن تبق بعيداً عن رواية فيها كل الخيال الجانح والمرعب . والقصّة ذاتها دائما ما اعتبرت (من قِبل الوسط الأدبي) تلخيصا نموذجياً لعالم الموّلف. وهي بالفعل نُقلت الى الشاشة ثلاثة عشر مرّة (معروفة) أولاها سنة 1928 في فيلمين، واحد فرنسي للمخرج جان إبستين، والثاني أميركي لمخرج بإسم جيمس سيبلي. لكن أشهر الإقتباسات بريطاني سنة 1949 ثم ذاك الأميركي الذي قام روجر كورمان بإخراجه وجمعه -أيضاً- مع فنسنت برايس وذلك في العام 1960
على الشاشة، وفي أي من هذه الأفلام، لم يستطع المخرج، ولأسباب معذورة، أن يمد جسوراً صوب عالم المؤلف ذاته خارج نطاق القصّة التي يتعامل معها مباشرة. إنها أفلام رعب بالتأكيد لكن روايات بو هي أكثر من ذلك كونها تحمل خيوطاً متعددة من التشريح العلمي الى النفسي الى الفلسفي وتعني كثيراً بالموت ورمزياته وبعقدة الذنب وتوابعها كما بالأوهام
كذلك فإن عوالم الموّلّف تشمل مراجع أوروبية مختلفة لمن سبقه على صعيد الشعر والرسم (قصر آل أشر يشبه، كما لاحظ مؤرخون، القصر الذي ورد في لوحة الرسّام البريطاني هنري فوسيلي الذي توفّي سنة 1825)٠
معظم الأفلام اللاحقة تم اقتباسها من أعمال بو الأكثر تداولاً وشهرة ومن بينها »الخنفوسة الذهبية«، التي كانت من أوائل رواياته التحريّة و»قناع الموت الأحمر« ثم »جرائم شارع المشرحية« و»الحفرة ورقاص الساعة« و»القلب الحاكي« (او »الواشي« كما يُقصد بالمضمون)٠
ويبقي روجر كورمان أكثر سينمائيي هوليوود إغارة على أعمال الكاتب. من بعد »منزل آل آشر« الذي رصّعه فنسنت برايس بتمثيل دور رودريك قام الإثنين بالتعاون مجدداً سنة 1961 بعد عام واحد على الفيلم السابق على اقتباس »الحفرة ورقّاص الساعة« الذي تقع أحداثه في أسبانيا. المادّة كما هي مكتوبة إنعكاسات الراوي في ظلمة سجنه الأسباني. أمر آخر لم يكن في مقدور الفيلم أن يقوم به من دون أن ينتج عن ذلك فيلماً حبيس المكان بدوره. ما فعله السيناريست رتشارد ماثيسون هو استغلال ما ورد في القصّة من أحداث يرددها الراوي من خلال هواجسه وأفكاره وتقديم فيلم مبني عليها وعلى ملحقات لابد منها لأجل ملء الساعة والنصف من الأحداث كما وسّع من دور المرأة في الفيلم ولعبتها الممثلة الإنكليزية المعروفة آنذاك باربرا ستيل. والنتيجة ليست سيئة رغم أن صيت كورمان مخرجاً تعلو في نواحي عدّة حقيقته وقدرته في هذا المجال٠
الفيلم الثالث معاً ضمن إطار قصص بو (لأنهما عملا معاً في أفلام رعب كثيرة أخرى خارج هذا الإطار) هو، كما مر هنا، »الغراب« سنة 1963 وصولاً الى »قناع الموت الأحمر« (1965). وهذه الرواية عمل رائع آخر من أعمال بو تدور حول امير أوروبي (برايس في الفيلم) يتحصّن في قصره خوفاً من إنتشار الوباء الذي يعم القرية ويفتك بالفلاحين فيها. لكن فجأة يظهر له الموت في غرفته في شخص رجل مقنّع ويقضي عليه. لجانب أن النقاد الأدبيين اعتبروا الرواية واحدة من أعمال المؤلّف التي تتحدّث عن الموت كرمز، فإن الواضح هو خلافهم على تحديد ما هو »الموت الأحمر« ورمزه. بما أن الرواية نشرت سنة 1842، أي قبل الفكر الماركسي، فإنه لا يمكن إرجاعها الى شعور بالخطر من ايديولوجية معيّنة. الأرجح هو أن مرض السل هو المقصود خصوصاً وأن وصف المؤلف لما يعتري القرويين المصابين ليس بعيداً عن وصف الأطبّاء للمصابين بمرض السل٠
في شتّى الأحوال، فإن بو لا ينفك يثير، بعد مئتي عام من رحيله، عالمنا الأدبي والسينمائي وهناك المزيد من الكتب للمناسبة. أما السينما فهي تواصل الزحف على أعمال بو مرّة تلو المرّة، وفي كثير من الأحيان، فإن ما توفّره من أفلام رعب يبقى قريباً من الأسس التي وضعها بو أدركت ذلك او لم تدرك٠

نُشرت في ملحق صحيفة »النهار« اللبنانية
بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوڤمبر


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular