Nov 16, 2009

مقابلة أوليڤر ستون | أخبار من دبي | أسبوع الفيلم الفلسطيني في بيروت | سينما التحري الخاص - مجرد بداية

سنوات ضوئية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضا ـــــــــ
Do the Right Thing

كل ما عَنته لي مباراة كرة القدم التي وقعت قبل ثلاثة أيام هو كم تتواءم مع الفصل النهائي من فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر«. في الحالتين مباراة كبيرة تقع يفوز بها الفريق المصري فينتشر المحتفون في الشوارع في ابتهاج شديد يرفعون الحناجر والأبواق بحب مصر و تعم تلك الفرحة التي ستهضم الممتاعب الصغيرة والكبيرة للناس ليوم او نحوه قبل أن تستمر الحياة على النحو التي تسير فيه كل يوم٠
في فيلم كاملة أبو ذكرى، تغمر السعادة حتى تلك الأرواح المنتفضة من جراء مشاكلها العاطفية والمادية والإجتماعية فالمصري يحب مصر ولا أحد يستطيع لومه على ذلك، وحين يتحقق سبب للفرح فإن هذا الحب يطفو والقلوب تشتعل بحب الوطن. طبعاً هذا الحب موجود بآلام الوطن او من دونها ولو أن المسألة تبدو، ربما لغير المصري أكثر من المصري، كما لو كان التعبير العاطفي الكبير عنه هو نوع من »فشّة خلق« وتعويض لوضع ليس بالمتاح تغييره٠
ما يتمنّاه المرء هو إنحسار العاطفة وإحلال العقل. لا أطلب كل العاطفة ولا حتى كل العقل. مثلاً، حين توفي يوسف شاهين انطلق الإعلام يكتب المقالات الإنشائية والتهم الحزن قطاعاً كبيراً من الناس ثم .. باي، باي ... حين تم اختيار بضعة أفلام مصرية في سياق الدورة الأخيرة من مهرجان فنيسيا عمّت الفرحة ثم ولّت مع النتائج. وحتى لو كانت النتيجة فوز الفيلم المصري المنافس لا أعتقد أن المسار القائم على عاطفة الفرح والحزن كانت ستتغيّر٠
هذا كلّه من دون الإكتراث بتخليد يوسف شاهين (او سواه من قبل او من بعد) ولا الإكتراث لدعم السينما المصرية بحيث لا يبدو ما حدث في فنيسيا هذا العام فلتة زمن وانتهى الأمر. لست ضد الفرح ولا حتى ضد الحزن، لكن كل شيء يجب أن ينجب شيئاً آخر أفضل منه والبحيرة الراكدة ليست جميلة. تلك المتحرّكة التي تحمل أمواجاً دافئة تجدد الحياة على البر وتغري الطيور بالتغريد والإنسان بالتواصل مع خالقه ومخلوقاته. تحرّك فيه بواعث الإستمرار والنقد وطرح الاسئلة: لم لا يكون هذا الإنتصار الرياضي دائماً؟ لم لا تنتشر السينما المصرية في كل المهرجانات؟ لم لا ينهض مهرجان القاهرة من عثراته؟ لم لا يفعل الواحد منا (كل واحد منّا) الشيء الصحيح؟ ودعونا نتصارح: معظمنا كل في بيته ووقته وشارعه وبيئته يعرف ما هو الشيء الصحيح. لكن قليلون منّا يكترثون لفعل هذا الشيء الصحيح. وصدّقوني، لا عذر لنا على الإطلاق إذا لم نفعل وهناك عشرات وبل مئات الأشياء الصحيحة التي في مقدورنا القيام بها لنساهم في تحسين العلاقات بين بعضنا البعض انتابتنا الأفراح او الأحزان. توالت علينا الإنتصارات او الهزائم. لنساهم في رأب الصدع ورفع قيمة الإنسان وايقاف الهدر في الوقت والجهد والمواهب والمال٠


 SECTION 1 |  حاليّــات
مهرجان دبي يعلن برنامج قسم »سينما عالمية«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


متروبيا لطارق  صالح 

استلمت نشرة صحافية صادرة من مكتب مهرجان دبي السينمائي الدولي وفيها إعلان عن الأفلام التي ستشترك في قسم »سينما العالم« في هذه الدورة السادسة (من 9 الى 16 ديسمبر) من المهرجان وكتبت مقالتي للمجلة الأسبوعية »سكرين انترناشنال« مستوحى من هذه المعلومات ومبتعداً عن المنحى الترويجي لها معتمداً على معلوماتي حول الأفلام الواردة٠

قسم سينما العالم هو انتخابات للأفلام النوعية التي انتجتها السينمات الغربية حول العالم وعددها هذه المرّة 20 فيلماً خمسة منها يتمحور حول الموسيقا. وكان المهرجان في سنواته السابقة عزز حب الجمهور للحفلات الموسيقية باستقدام فرق غنائية، لكنه هذا العام يتجاوز ذلك باستقدام أفلام تدور عن الموسيقا والغناء وثائقية وروائية٠
من هذه الأفلام »صُنع في هنغاريا« حول شاب عاد من الولايات المتحدة في الستينات متأثراً بالروك أند رول وهو فيلم للمجري غيرغيلي فونيو. بينما »نادي زنزبار الموسيقي« وثائقي حول الإرث الموسيقي الثري لتلك الدولة وهو من إخراج باتريس نيزان. البريطاني جوليان تمبل يقدّم وثائقياً آخر عن فرقة
Dr. Feelgood
واحدة من الفرق البريطانية الأهم في تاريخ الروك أند رول (والمزيد عنها على موقعي

فيلم الأنيماشن »متروبيا«، الذي أخرجه المصري طارق صالح جنباً الى جنب الفيلم الأميركي
Fantastic Mr. Fox
من النوع ذاته. هذا الثاني للأميركي وز أندرسن مع أصوات جورج كلوني وميريل ستريب وبيل موراي. وربما تم ضم أفلام أنيماشن إضافية في أقسام المهرجان الأخرى
السينما الأميركية ممثلة أيضاً بفيلم درو باريمور (الأول لها كمخرجة) وعنوانه
Whip it
كما بفيلم لرودريغو غارسيا بعنوان »أم وطفلة« مع أنيت بانينغ وناوومي واتس وكيري واشنطن وسامويل ل. جاكسون في البطولة. أيضاً »شقيقان« وهو فيلم لجيم شاريدان إعادة صنع لفيلم غير قديم إذ حققته الدنماركية سوزان برايير سنة 2004. النسخة الأميركية من بطولة توبي ماغواير وجايك جيلنهول ونتالي بورتمن: واحد من هذين الرجلين يذهب للحرب في أفغانستان، خبر موته يصل. يبدأ الشقيق برعاية الأسرة ثم يتزوّج من الأرملة ... هذا طبعاً قبل أن يعود الزوج حيّاً معافى. لابد أنه كان يشاهد فيلما قديماً ذي موضوع مشابه٠
بإنتظار إعلان الأفلام الرسمية في المسابقات المختلفة، هناك فيلم عن تجارة البشر في »الجندي الصغير« لأنيت أولسن وآخر عن مأساة شعب الصحراء (مستمرّة ولا أحد يسأل) بعنوان »حمادة« لمخرجته آنا بوفارول٠
م. ر

SECTION 2 | تقارير
أسبوع السينما الفلسطينية في بيروت: مفيد وجيّد وبلا جمهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نديم جرجورة ـــــــــ

ما هتفت لغيرها للزميل محمد سويد


الخطوة مفيدة. العودة إلى زمن مضى لاستعادة تجربة، أمرٌ مرغوبٌ فيه إذا شاء المرء التنبّه إلى جذور الآنيّ، أو بعض أسبابه، أو إلى الاطّلاع عليه. نبشُ فصول من الذاكرة مسألةٌ حيوية، إذا تحرّر النبش من النصّ البكائي، بسعيه إلى معاينة حالة وتبدّلات. الخطوة مفيدة. إنها دافعٌ إلى إجراء مقارنة نقدية بين نتاج قديم وأعمال حديثة. تحريضٌ على قراءة المسار التاريخي، بأبعاده المتفرّقة، وعلى مشاهدة آلية العمل، سابقاً وراهناً. ما فعلته «وزارة الثقافة اللبنانية» عاديّ. لكنه مثير لنشوة الاقتراب من الحدّ الفاصل هل أقول القاطع) بين جماعتين مقيمتين في أرض ( واحدة، بل بين أسلوبين في التعامل مع موضوع واحد. تنظيم الوزارة أسبوعاً سينمائياً بعنوان «فلسطين والقضية الفلسطينية في السينما اللبنانية»، دعوةٌ مبطّنة (هل أقول لاواعية؟) إلى منح هذه العلاقة نَفَساً جديداً من النقاش السليم. عنوان الأسبوع نفسه لافتٌ للانتباه: لا وجود للفرد ومشاغله. القضية أهمّ. الجماعة أولوية مطلقة. حسناً. لكن، أين هي السينما اللبنانية؟ أليست المبادرة الفردية اللبنانية ركيزة دائمة للإنتاج الفيلمي؟ هذا تناقض: الفرد اللبناني صنع أفلاماً، لكن فلسطين حاضرة جماعياً، أرضاً وقضية وتاريخاً وذاكرة٠

الخطوة مفيدة. لكن المأزق كامنٌ في غياب المتلقّي. هذا نوع من الاحتفالات السينمائية لا جمهور له. هؤلاء منفضّون عن السينما. عن عناوين أساسية في الحياة اليومية. عن شؤون العيش وكيفية تحصينه وسط الانهيارات الكثيرة. لم تعد فلسطين مغرية، إلاّ لماماً. أو فقط بالنسبة إلى سياسيين يستخدمونها لمزيد من الشتم والعنصرية. هناك مؤمنون بها وبناسها، ومناضلون حقيقيون من أجلها ومن أجل شعبها. غير أن النار التهمت المحيط كلّه. الجمهور اللبناني يطلب أموراً أخرى، أو ربما لا يطلب شيئا. صالة سينما «أريسكو بالاس» فارغة. هناك عددٌ قليل من المشاهدين. لعلّه الموضوع. لعلّها الأفلام وكيفية صنعها. لعلّها الصالة وموقعها الجغرافي، إذ بدت بعيدة عن الحساسية الجماهيرية. ما سبق جميلٌ. لكن القراءة مقتصرة على أفراد قلائل مهتمّين بالفن والسينما والقضايا الثقافية. معظمهم مُدركٌ سلفاً معنى التحوّلات ومساراتها. مُدركٌ شيئاً كبيراً من الذاكرة والتفاصيل. هناك مأزق آخر: أفلام قديمة مختارة للأسبوع هذا معروضةٌ بنسخ سيئة. لم تعد النسخ «النظيفة» موجودة. هذا يطرح سؤال البحث عن القديم وترميمه. الوزارة مطالبة بعمل جدّي في هذا المجال، بالتعاون مع مؤسّسات لا تدّعي حرصاً على التراث، ولا تُرمِّم» القديم على نسخ «دي في دي» ٠

تنويعات
انتهى، يوم السبت الماضي، الأسبوع المذكور بعرض أربعة أفلام (بدءاً من السابعة والنصف مساء، وهو موعد بدء الحفلات اليومية كلّها): «براميل صبرا» لشيرين أبو شقرا و«أرض النساء» لجان شمعون» و«رسالة إلى صديق فلسطيني» لرنا عيد و«أحلام المنفى» لمي المصري. المخضرمان شمعون والمصري حاضران في التاريخ السينمائي اللبناني/ الفلسطيني. أبو شقرا وعيد مقبلتان حديثاً على صناعة الصورة في لبنان. رنا عيد اختارت العمل في مجال الصوت. باتت بارعةٌ فيه. اختصاص نادر في بلد مليء بالمشاريع السينمائية والبصرية المتفرّقة. الهمّ الفلسطيني جامعٌ بينهم جميعهم. لكن العمل الإبداعي مختلف٠
يوم الجمعة الماضي، تمكّن المهتمّون من مشاهدة أربعة أفلام أيضاً: «سفر» للميا جريج و«كل واحد وفلسطينو» لنادين نعوس و«يا سلام» لفؤاد عليوان و«ما هتفت لغيرها» لمحمد سويد. آخر هؤلاء منتم إلى جيل التسعينيات الفائتة. بدأ الباقون تقديم أعمالهم إما في نهاية القرن الماضي، وإما في الأعوام الأولى من القرن الجديد. الأمر نفسه في عروض اليوم الخميس: فيلمان لهادي زكّاك هما «ألف ليلة ويا ليالي» و«لاجئون مدى الحياة»، وثالت لنبيهة لطفي بعنوان «لأن الجذور لا تموت»٠

هذه صورة عامّة للتحوّل الفكري والثقافي والإبداعي في التعاطي مع المسائل العامّة. إن مشاهدة الأفلام تلك قادرة على منح المهتمّ، الذي لم يُشاهدها، قدرة البحث النقدي في المآل التي بلغها تحقيق الأفلام اللبنانية، الروائية والوثائقية على حدّ سواء. نبيهة لطفي مثلاً منتمية إلى جيل لبناني مشبع بالغليان الفكري والثقافي الذي عرفته بيروت قبل اندلاع حربها الأهلية، وفي بداياتها. جيل اعتبر «السينما» أداة نضال ومواجهة. جعل الأفلام منابر خطابية من أجل القضية والأفكار الكبيرة. كانت لحظة تاريخية أولت اهتماماً كبيراً للمضمون، من دون اكتراث فعلي بالشكل. الآخرون مختلفون. جاءوا السينما في زمن الصورة. لم يبرعوا جميعهم في صناعتها إبداعياً. لكنهم بدوا أقرب إلى الفن منه إلى الخطاب. شغلتهم فلسطين، شعباً وأرضاً وقضية؟
هذا صحيح. حثّتهم قضايا إنسانية عامّة على إنجاز أعمال بصرية؟ هذا صحيح أيضاً. لكن قلّة منهم تمرّدت على التقليد، ووازنت بين طرفي المعادلة الإبداعية المطلوبة (المضمون والشكل)، وأدخلت التجديد الغربي في صناعة الأفلام الوثائقية على نتاجاتها. محمد سويد أحد أبرز المخرجين الوثائقيين اللبنانيين والعرب في هذا المجال. تماماً كنبيهة لطفي، لكن في النمط الآخر. أي النمط الكلاسيكي التقليدي. المخضرمان شمعون والمصري قريبان إلى أسلوب الاشتغال الخاصّ، مع أنهما مستمران في تحقيق أفلام وثائقية لغاية اليوم. ميزة أفلامهما: اهتمامها بالفرد. شخصيات مستلّة من الواقعين اللبناني والفلسطيني. لكن المعالجة تقليدية. زكّاك ابن التسعينيات. بارعٌ في إنجاز أكاديمي متقن للأفلام الوثائقية. «ألف ليلة ويا ليالي» روائي مبتكر. استند إلى المناخ العام لـ «ألف ليلة وليلة»، مسقطاً المضمون على فلسطين. «لاجئون مدى الحياة» وثائقي يشبه الطريقة المعتمدة في صناعة أفلامه. لا ادّعاء ولا فذلكة. مواضيع إنسانية مشغولة بتقنيات عادية. لكن أفلامه انعكاس واضح لغليان إنساني من نوع آخر. إنه الغليان المشوب بالبؤس والشقاء٠
أفلام
لم يبلغ الفيلم الوثائقي «فلسطين والقضية الفلسطينية في السينما اللبنانية» مرتبة سوية، تليق بالموضوع. أنتجته «وزارة الثقافة اللبنانية» بإمكانيات متواضعة. نفّذه «نادي لكل الناس». كان يُمكن الاستفادة من الأرشيف الغني أكثر من ذلك. اعتُمد في تحقيقه على الأفلام المختارة للأسبوع المذكور، وبعض العناوين الأخرى. العنوان نفسه. عرضُه في افتتاح الأسبوع مساء الاثنين الفائت مدخلٌ جميلٌ لمن لا يعرف شيئاً عن الذاكرة السينمائية اللبنانية والمسألة الفلسطينية والعلاقة بينهما. مشكلته: اختياره النمط التقليدي العادي جداً في تقديم فصول من التاريخ السينمائي المشترك بين لبنان وفلسطين. إدخاله الشخصيّ (موقف كريستيان غازي مثلاً من غاري غارابتيان أثناء تصويرهما في وقت واحد فيلميهما فدائيون» للأول و«كلنا فدائيون» للثاني؛ صُوَر عائلية للثنائي شمعون والمصري وردت في السياق بشكل متصنّع... إلخ)٠

من "أحلام في المنفى" للمخرجة مي المصري 

مع هذا، لا بأس. الوثائقي نفسه مرآة بسيطة لواقع ملتبس ومرتبك ومُنتِج ومفتوح على الأسئلة كلّها. وزارة الثقافة لا تملك إمكانيات مالية كبيرة. لا تشارك في إنتاج الأفلام اللبنانية. لكنها أقدمت على هذه الخطوة احتفاء بـ «القدس عاصمة للثقافة العربية للعام ». «نادي لكل الناس» نشيط سينمائياً في هذه المرحلة. أصدر مؤخّراً اسطوانة مدمّجة خاصّة بفيلمي «مئة وجه ليوم واحد» (عُرض أمس الأربعاء) و«نعش الذاكرة» لغازي. أنجز فيلماً عن المخرج نفسه أيضاً. له نشاطات سابقة متعلّقة بشمعون والمصري وبرهان علوية. اختير كفر قاسم» لعلوية في افتتاح الأسبوع اللبناني الفلسطيني أيضاً. هذا مخرج ساهم بفعالية في تأسيس ما عُرف بـ «السينما اللبنانية البديلة»، « تلك التي تحدّت السيطرة الإنتاجية المسطّحة، المتأثّرة بالنمط المصري، دافعةً سينمائيين عديدين إلى جعل الكاميرا مرآة الواقع والناس وقضاياهم. كفر قاسم» مزج الوثائقي بالمتخيّل. كان أشبه بإعلان مبكر عمّا بات سائداً اليوم في الإنتاج السينمائي العام: «الوثائقي الإبداعي». اختار المجزرة« التي ارتكبها جنود إسرائيليون عمداً بحق فلسطينيي القرية المعروفة هذه (كفر قاسم) مادة لفيلم/ شهادة. تعامل مع الفلسطينيين كبشر. نزع عنهم الأرقام في لائحة الضحايا. أعاد إليهم الصورة الحقيقية للإنسان. تعامل معهم كشهداء٠
في الإطار العام، هناك مشهد مزعج: غياب شبه كامل لجمهور مفقود. مع أن الاحتفاء اللبناني بفلسطين ممتد على سنين عدّة، ومنسحبٌ على سينمائيين منتمين إلى أجيال متفرّقة. مع أن فلسطين حاضرة بقوّة في الوجدان اللبناني، سلباً وإيجاباً٠

نديم جرجورة ناقد صحيفة »السفير« اللبنانية

SECTION 3 | مقابلات

أوليفر ستون يقصد التعريف بالوجه الآخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضاـــــــــــ
في رابع المقابلات التي أجريت خلال مهرجان
فنيسيا السينمائي الماضي، يطرح محمد رُضا
اسئلة حول اتجاهات أوليڤر ستون السياسيـة
وعما إذا كان هذا المخرج يعمل على كل الجبهات٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يجلس أوليڤر ستون بين المخرجين مايكل مور وانطوان فوكوا والثلاثة يتحدّثون في موضوع لا ينبغي سماعه. على الأقل ليست تلك الفقرة من الحديث التي بدأت بـ "لا يمكن اعتبار السينما مسؤولة عن السياسة، نحن .." وخفت صوت ستون وهو يقول لصاحبيه٠
كل هذا قبل أن يتدخّل آخرون، وأنا بينهم، لإحساسهم بأنهم في مكان عام
قابلت المخرج المعروف ثلاث مرّات الى الآن. المرّة الأولى في فندق فور سيزنز في لوس أنجيليس بعد إنجازه فيلمه الكوارثي »الإسكندر« سنة 2004. الثانية حين تمّت استضافته لمهرجان دبي السينمائي حيث كنت أرأس المسابقة وهذه المرّة عبارة عن »هالو ... هاو آر يو؟« مرّتين وفي الثالثة حاولت إرشاده الى أين يتّجه لكي يصعد المسرح في الحفلة الختامية ثم كيف يخرج، لكنه بدا غير مستوعب ولو أنه نفّذ التعليمات على نحو صحيح. الثالثة هي هذه المرّة في أعقاب عرض فيلمه الأخير »جنوب الحدود«. لم أكن شاهدت الفيلم بعد لذلك وَجُب الحذر. ووجب الحذر أكثر لأنه عُرِف عنه سرعة دفاعه عن نفسه، ربما لكثرة الإتهامات التي وُجّهت إليه سابقاً٠
مرّة هو يُشيع لنظريات المؤامرة. مرّة هو يحقق أفلاماً تبدو كهلوسات فنية. مرّة أخرى هو من اليسار المعادي لأميركا ومرّة أخرى هو متذبذب في موقفه. يبدو عليه أنه يريد أن ينتقد لكنه لا يفعل. أين هو من أوليڤر ستون الثمانينات؟ سأله أحد النقاد ذات مرّة٠

وُلد أوليڤر ستون قبل 63 سنة في مدينة نيويورك ورحل الى فييتنام حيث حضر بعض مواقع الحرب لكنه أمضى معظم الوقت مدرّساً في موقع آمن نسبياً. حين ترك الخدمة وعاد الى نيويورك دخل مدرسة للسينما. في العام 1974 كتب وأنجز فيلم رعب بعنوان »نوبة« وبعد أربع سنوات كتب »مدنايت أكسبرس« الذي أخرجه البريطاني ألان باركر والذي أثار غضب الأتراك والعديد من المسلمين كونه صوّر الأميركي الذي هرّب المخدّرات هو الضحية ووصف السجّانين بالإنصاف كما القمع والوحشية٠
كتب أيضاً »كونان البربري« لجون ميليوس (1982) الذي وُصِف حينها باليميني كونه اعتد بالقوّة الإسكندنافية البيضاء على ما عداها، ثم كتب »الوجه ذو العلامة« او
Scarface
الذي أخرجه برايان دي بالما سنة 1983 وهذا لم يخل من منتقدين كونه أظهر العصابة العاتية ورئيسها الشرير (آل باتشينو) لاتينيين، ثم وضع سيناريو »ثمانمائة طريقة للموت« آخر أفلام المخرج الرائع هال آشبي وذلك سنة 1986
في هذه الأثناء كان انتقل الى الإخراج فأنجز فيلم رعب آخر بعنوان »اليد« (1981) ثم عاد للوقوف وراء الكاميرا بمواضيع أكثر أهمية كما الحال في »السلفادور« (1986) الذي كان بداية أعماله المتوغّلة في السياسة. بعد »فيلق« (1987) عن ذكرياته في الحرب الفييتنامية، ثم فيلمه المعادي لوول ستريت (وتحت ذات الإسم) سنة 1988 وتبعه بفيلم عن العنصرية في
Talk Radio
سنة 1988 أيضا قبل أن يخط لنفسه وسينماه منحى أكبر مع
Born on the Fourth of July
سنة 1989 عن مصير المجنّدين الذين عادوا معاقين من الحرب الفييتنامية وموقف الإدارة الأميركية اللاهي لمصابهم٠ وفيلميه عن »جون ف. كندي« (1991) و»نيكسون« (1995) كانا من ذات الهوية بالإضافة الى ما عكساه من توسيع إطار الإتهامات في اغتيال الأول ومؤامرات الثاني بحيث تنادى النقاد الغربيون على تسميته بمخرج نظريات المؤامرة
خلال ذلك مر في فترة هلوسة فنية شملت »مولودون قتلة طبيعياً و»استدارة كاملة« ولو أنه قبل ذلك خاص غمار الروك اند رول بفيلمه عن فرقة »ذ دورز« ورئيس الفرقة جيم موريسون كما أدّاه فال كيلمر. هذا الفيلم، كما »نيكسون« و»جون ف. كندي« من بين الأفلام التي تعاطت مع شخصيات واقعية. كذلك أفلامه الوثائقية الثلاثة: واحد عن الراحل ياسر عرفات بعنوان »شخصية غير مرغوبة« (2003) وواحد عن فيدل كاسترو بعنوان »البحث عن فيدل« (2004) والأخير عن الزعيم الفنزويللي أوغو شافيز بعنوان »جنوب الحدود« هذا العام٠
وفي طيّات هذه الأعمال عاد للتنوّع: »أي يوم أحد« رياضي، »الإسكندر« تاريخي، » مبنى التجارة الدولي« عن كارثة 2001 ليعود الى الحياة الشخصية في فيلم روائي في فيلم
W.
الذي تمحور حول الرئيس السابق جورج و. بوش٠
حالياً هو مشغول في تصوير الجزء الثاني من »وول ستريت« تحت عنوان: "المال لا ينام« الذي يُنتظر له أن يعالج العلاقة بين المؤسسات المالية الكبرى والوضع الذي آل إليه الإقتصاد الأميركي بسببها٠

شخصيات سياسية
ما هو المقصود من تحقيق أفلام وثائقية عن زعماء لا يلتقون -
والسياسة الأميركية الخارجية؟
ستون: نعم. كل واحد من الحالات الثلاثة له علاقة، او كانت له علاقة، صعبة مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن الغاية أعتقد أنها واحدة: تعريف الآخر الى الأميركي وتقديم وجهة نظره ليستمع إليها وإذا أحب يتّفق معها او يحتفظ بموقفه منها٠


South of Border

تترك القرار للمشاهد الأميركي٠ -
ستون: صحيح. لكن ليس للأميركي وحده. لكل من يشاهد الفيلم، لكن للأميركي أوّلاً. صحيح. المشكلة في بلادنا أن الإعلام يتبع السياسة حتى حين يعارضها في بعض الأحيان. لا أعتقد أن المحطات التلفزيونية الرئيسية تولي الإهتمام الكافي لتقديم وجهات النظر الأخري. أنا أفعل وبتمويل من بعض المحطّات الفضائية الأميركية أحياناً ولجمهور يريد أن يعرف الحقائق او على الأقل وجهات النظر الأخرى ليقيّمها وله أن يرفض او يقبل بها٠

هذا الفيلم وُصف بأنه أكثر أفلامك احتفاءاً بالآخر. هناك -
الكثير من المدح بشخصية وسياسة أوغو شافيز
ستون: لا أعتقد أن غايتي من الفيلم هي احتفائية. بالتأكيد أوغو شافيز لا يحتاجني لكي يحتفي. فيلمي هو رحلة في سبر غور الرجل وكيف ينظر اليه آخرون في الولايات المتحدة كما في أركان أخرى من أميركا اللاتينية وهو دعوة لفهم أفضل للدول الجارة جنوباً لنا٠

وهو ما يبدو في حسبان الرئيس باراك أوباما٠ -
ستون: صحيح

هل ستحقق فيلما عن أوباما كما حققت أفلاماً عن -
كندي ونيكسون وبوش؟
ستون: هذا وارد لكن ليس الآن. لا أستطيع الجزم بأني سأفعل او لا. كل فيلم من هذه الأفلام الشخصية، الوثائقية او الروائية، كان نتيجة ظروفه ولم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق. تريد أن تلتزم بالحقيقة في الوقت الذي لديك فيه اسئلة مهمّة تريد طرحها، ما يجعل طلب الحقيقة أصعب منالاً٠

وإنتاجياً؟ هل كان ايجاد التمويل لهذه الأفلام سهلاً؟ -
ستون: سهلاً بحدود وبتفاوت. لا تنسى أن نجاح »جون ف. كندي« مهّد لفيلم »نيكسون« ونجاح هذا مهّد لأفلامي الأخرى٠

من فييتنام الى العراق
شاهدت »شخصية غير مرغوبة« حول ياسر عرفات وفي -
بدايته تدخل مجلسه الذي يضم عدداً كبيراً من المستشارين
والزائرين. هل شعرت أنك استقبلت بتقدير خاص؟
ستون: (ضاحكا): في البداية فوجئت بأن الزيارة ليست خاصّة، لكن لاحقاً ما تحدّثنا وسنحت له الفرصة لكي يعرفني أكثر. لا أعتقد أن التقديم كان وافياً على كل حال٠

هذه كانت أول مرّة تزور فيها فلسطين. أليس كذلك؟ -
ستون: نعم. لكني لم أكن غريباً عن الوضع بصورة إجمالية٠

إلى ماذا يعود اهتمامك بالسياسة؟ هل يمكن أن نجد اشتراكك -
في حرب فييتنام سبباً لذلك؟
ستون: هذا محتمل. تعود من حرب كهذه وفي رأسك اسئلة حول أسبابها ودعواها ولماذا بدأت وكيف انتهت. وماذنب الذين سقطوا قتلى من الأبرياء كما من الجنود٠


ستون مع ڤال كيلمر خلال تصوير: ذ دورز 

في هذا الصدد، يترك »مولود في الرابع من يوليو« تأثيراً -
عميقاً كونه يبحث في هذا الوضع، لكن »فيلق« يبدو أكثر
اهتماماً بما كان يحدث هناك٠
ستون: كلاهما صورة مختلفة لحرب واحدة. وكل منهما يسير في خط معاكس عن الآخر. »مولود« عن خلفية محارب عاد من فييتنام، هو الآن في وطنه بعدما أصيب برصاصة في ظهرة أقعدته ولم يكن مضى على وجوده في فييتنام سوى فترة قصيرة. »فيلق« هم جنود في رحى الحرب ذاتها والوطن بعيد لكنهم في الحقيقة يحاربون على جبهتين واحدة مع العدو وواحدة بين أنفسهم٠

لماذا في رأيك نجحت معظم الأفلام التي تم تحقيقها عن حرب -
فييتنام ولم تنجح معظم الأفلام التي دارت عن حرب العراق؟
ستون: سؤال صعب في الواقع لكن الظروف تختلف من حيث أن البلاد خلال الحرب الفييتنامية كانت منقسمة على نفسها منذ البداية. فريق محافظ مع وفريق معظمه من الشباب ضد. الحرب في العراق تمّت بعد عدوان على الولايات المتحدة ومعظم الناس أحسّوا أنهم مستهدفون لذلك ربما طلبوا أفلاماً تؤيد تلك الحرب أكثر مما أرادوا مشاهدة أفلام تنتقدها ومعظم الأفلام التي خرجت عن الحرب العراقية كانت انتقادية٠

أيضاً هناك التلفزيون. اليوم ينقل لك ما يقع في كل الأوقات -
بينما خلال الستينات كانت الأخبار تصل متأخرة
ستون: هذا ربما يكون سبباً جوهرياً حين البحث في صياغة الرأي العام ومحاولة حشد الموقف المؤيد للحرب٠ أعتقد٠

أكثر ليونة؟
كيف تفسّر فيلمك عن بوش؟ الكثيرون توقّعوا عملاً انتقادياً -
للرئيس الذي لم يتمتّع خصوصاً مع نهاية ولايته الثانية بأي دعم
شعبي حقيقي، لكن الفيلم كان ... هل أستطيع أن أقول مهادناً؟
ستون: سمعت هذا الرأي من قبل وردّي هو أنني في الأصل لم أجد من الدوافع ما يجعلني أدخل في سجال حول حقبة بوش في الحكم لأنه حين بدأنا الإعداد للعمل، وبل حين بوشر بعرض الفيلم، كان بوش لا يزال رئيساً لأميركا. أردت الإبتعاد عن صيد سهل والحديث عن خلفيّته وشخصيته٠

هل توافق على أن هذا الإختيار لم يكن ما طلبه العديدون منك؟ -
ستون: نعم أوافق لكن الفيلم هو ما يريد المخرج تقديمه. حين أخرجت فيلميّ السابقين عن نيكسون وكندي كان هناك من لم يرغب في أن أطرح ما طرحته لكني فعلت. المسألة هي نسبية في حد ذاتها لأن هناك آخرون وافقوا على اختياراتي وعلى الرأي الذي بثثته٠

لكن هل أنت أكثر ليونة اليوم مما كنت عليه؟
ستون: (يضحك): هذا عليك أنت أن تعتقده او لا. أنا أجد أنني لم أتغيّر. ربما تطوّر عندي أسلوب التقديم. ربما أصبحت أكثر رغبة في أن أحيط بالشخصية المواجهة لي. في الثمانينات، وأنت تبدو لي على علم بذلك، كانوا يطلقون عليّ لقب مخرج نظرية المؤامرة. اليوم لديهم أوصافاً أخرى٠

ستبدأ قريباً إخراج فيلم يعتبر الجزء الثاني من »وول -
ستريت«. حينها هاجمت الجشع الذي في هذا البزنس
وهذا قبل سنوات ضوئية من الحالة الإقتصادية التــي
وقعت هذا العام. عما سيتحدّث الجزء الجديد؟
ستون: النتائج التي حصدناها بسبب جشع ذلك القطاع من الأعمال الإقتصادية هي التي -كما قلت- تمثّلت فيما حدث هذا العام. أعتقد أن البذرة كانت موجودة وهناك من زرعها وسقاها فنبتت الى حيث أثمرت عن الحال الذي وصلنا اليه. في الفيلم الجديد سأواصل البحث في هذا الصدد. في مفهوم أن »الجشع جيّد« للبعض وسيء لمعظم الناس

في أي مرحلة من العمل هو الآن؟ -
ستون: سأبدأ التصوير خلال أسابيع. عليّ أن أنجز بعض التعديلات الطفيفة على السيناريو وأقوم بذلك الآن بالفعل٠

نُشرت في »الشرق الأوسط« بتاريخ 13/11/09



SECTION 4 | نافذة خلفية
المهنة: رجل لا مستقبل له
سينما التحرّي الخاص على الشاشة | مجرد تمهيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضـاـــــــــــ



أحب المشهد الذي يقف فيه روبرت ميتشوم عند النافذة ناظراً الى المدينة خارج الغرفة الصغيرة التي يعيش فيها. يقف هناك ناظراً الى حياة تبدو خارج حياته ويعترف إنه تَعِب: "أنا تعب. ربما لأن هذه القضية أتعبتني، ربما لأن هذا العالم بات متعباً، او ببساطة ربما لأني تقدّمت في العمر"٠
هذا المشهد ورد في فيلم دِك رتشاردس
Farewell, My Lovely
سنة 1970. رتشاردس كان مدير تصوير في الأصل وهو حقق حفنة أفلام إثنين منهما من مستوى قل إنجازه اليوم. »وداعا، يا حبّي« أحدهما. الثاني وسترن بعنوان
Culpepper Cattle Company

روبرت ميتشوم كان ممثلاً عادي المزايا في مطلع سنوات مهنته (الثلاثينات) أزداد نضجاً في الأربعينات والخمسينات وصار كالخمر المعتّق في السبعينات. من أفضل ممثلي الشاشة كونه لم يكترث لأن يلعب شخصية لا يرى أنه بحاجة إليها او لا يجد فيها نفسه. لذلك ابتعد، غالباً، عن التنوّع وركّز على أفلام الوسترن والفيلم نوار والبوليسي. بالنسبة لدوره في »وداعا، يا حبي« لم يكن أحد أفضل، بل كان أفضل من لعب شخصية التحري فيليب مارلو كما كتبها الروائي البارع رايموند تشاندلر٠

التاريخ مختلط والأفضل الحفاظ عليه على هذا الشكل٠
انطلقت روايات التحري الخاص في مجلات البالب فيكشن (سٌميت كذلك كونها مطبوعة على ورق خشن وتباع بأسعار شعبية جدّاً) وعززها داشيل هاميت فنقلها الى حيّز الكتابة الجادّة ثم جاء تشاندلر فخلق منها أدباً٠
مختلط التاريخ أيضاً من حيث أنها تُعرف بسينما الشخصيات الصعبة، وبالإنكليزية
Hard Boiled
كما بأفلام التحري الخاص، وقسم كبير منها تنتمي الى أسلوب الفيلم نوار، ودائماً ما ستجد البطل وحيداً يجابه كل الناس وكل المجتمع وكل نفسه. المشكلة أن لا أحد يحبّه. حتى نفسه٠

من أين أبدأ؟
لم أعاصر البدايات ولا حتى الفترة الثرية في الخمسينات. لم أتعرّف على المدن الحبلى بالإحتمالات. لم التق بنساء كاللواتي تترصّع بها تلك القصص. لم أمسك مسدّساً ولم أرتدي قبّعة. وحين تدثّرت بالمعطف الواقي من المطر ومشيت في لندن أوّل مرّة كان خيالي سبقني ومن بين حي سوهو ومستديرة البيكاديللي كنت ألّفت قصّة أنا فيها البطل. لو لا الناس لمثّلتها على الطريق. لتحدّثت لنفسي. لخرجت من هذه الدنيا ودلفت الى السينما من داخلها٠
لم أعش. لم أعاصر. لم ألتق. لم أمسك. لم أرتدي. لكني قرأت الكتب وشاهدت الأفلام. الى اليوم أعتقد أنه لو كان لديّ خيار لكنت شخصية من تلك الشخصيات الهارد بويلد دتكتيڤز. لم أكون أي شيء آخر؟
في العشرينات انطلقت في شكل البالب فيكشن كما ذكرت. في الثلاثينات كانت من أكثر أنواع القصص إنتشاراً. في ذلك الحين أدرك الناس ما يعنيه المؤلف بتلك الشخصية. إنه رجل يخدم القانون من خارجه. تتم الإستعانة به لأن القانون لا يمكن استئجاره، وأحياناً لا ينصف. هذا يريده ان يبحث عن إمرأته، وتلك عن زوجها. وأخرى تخشى أن هناك من يريد أن يقتلها، ورجل يريده أن يكشف له عما إذا كانت زوجته تخونه. هذه القضية تضعه ضد رجال البوليس، وتلك ضد العصابة، والثالثة ضد قاتل لا يرحم ودائماً تضعه ضد نفسه. ولا أحد يشكره. لقد استأجروه. لماذا يشكرونه؟

إنه مثل بيضة مسلوقة أكثر مما يجب. تصبح عسيرة الهضم. شخص لا مستقبل حيث هو ذاهب، وماضيه يضيع كلما عاش يوماً آخر. إبن الشارع وشغبه ولا أخلاقيّاته. يجد نفسه مواجهاً لرجال خشنين ونساء خادعات ويواجه رجال بوليس فاسدين. فقير مثل تلك الأحياء. أرعن مثل تلك السيارات. يعيش حياة خشنة. يُضرب ويُحقن ثم يُضرب ثانية. حين يريدون تسديد معروف له يطلقون عليه النار ليقتلوه. لكن كل ذلك يزيده عناداً وخشونة٠
في البداية كانت تلك القصص قائمة على تطوير معيّن لأبطال وأشرار الغرب الأميركي. المبدأ نفسه بالنسبة لكيفية حل المواجهة بين الخير والشر: على الأول قتل الثاني لأن الثاني لن يمهل الأول إذا ما استطاع إليه سبيلاً. انتشار الجريمة في العشرينات سبب آخر لانتشار هذه الروايات. متنفّس خيالي يتم فيه تحقيق البطولة. القاريء يصير بطلاً بما أن رجل البوليس الحقيقي إما عاجز وإما مشترك في الفساد٠


لكن لاحقاً ما تم تهذيب كل هذه المسائل من الشوائب المتطايرة. المؤلّف داشل هاميت ابتدع شخصية سام سبايد وكارول جون دايلي قدّم رايس وليامز. رايموند تشاندلر ابتدع فيليب مارلو، وتوالى الكتّاب بعد ذلك وتوالى أبطالهم. التالي لائحة ببعض المؤلّفين الأميركيين في هذا المجال من الذين تم نقل شخصياتهم الى الشاشة. تبدأ بإسم الكاتب وتليه إسم الشخصية التي ابتدعها

Raymond Chandler: Philip Marlowe
John D. MacDonald: Travis McGee
Ross Macdonald: Lew Archer
Brett Haliday: Michael Shayne
Dashiell Hammett: Sam Spade
Ellery Queen: Ellery Queen
Micky Spillane: Mike Hammer
Rex Stout: Nero Wolfe

موقع ويكيبيديا (الإنكليزي على الأقل) يذكر أن البذرة الأولى كانت عربية (كما كانت بذرة السينما على يدي إبن الهيثم لكن ذلك موضوع آخر) وهي موجودة في كتاب »ألف ليلة وليلة« من خلال قصّة عنوانها »التفاحات الثلاث«. وبالفعل هناك قصّة بهذا الإسم وتحتوي على فعل التحرّي حين يطلب الخليفة هارون الرشيد من وزيره جعفر معرفة جثّة من هي تلك التي وجدها الخليفة في الصندوق المهدى إليه. لقد حدث أني الآن في الليلة السابعة والستون من حكايات الف ليلة وليلة و»قصّة التفاحات الثلاث« تبدأ من الليلة السبعين. قريباً سأرى. لكن حتى ولو كانت القصّة بوليسية فهي بالطبع تختلف. روايات ألف ليلة وليلة إعجاز أدبي بكل المقاييس ومنعها حضيض حضاري بكل المقاييس أيضاً- لكن ما يهتف له قلبي هو ذلك التحري كما وصفته. الذي هو أنا الذي لم يحدث٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular