Oct 31, 2009

إدغار ألان بو | مهرجان الدوحة- ترايبيكا | المسافر، هيلوبوليس، أحكي يا شهرزاد | مقابلة مع مايكل مور | السينما التركية- الجزء الثالث

Year 3 | Issue 466

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Cover Story


London River

بينما يعرض فيلم »لندن ريڤر« في مهرجان دوحة/ ترايبيكا هذه الأيام، تتم الإستعدادات لإطلاقه في عروض أميركية في المدن الكبيرة (لوس أنجيليس، نيويورك الخ...)٠
هو الفيلم الأخير للمخرج الجزائري الأصل رشيد بوشارب ويدور حول صداقة بين مهاجر مسلم أسمه عثمان (الأفريقي سوتيكوي كوياتي) وإمرأة إنكليزية أسمها إليزابث (برندا بليثن) يتعرّضان لمحنة المجزرة الإرهابية التي وقعت في العاصمة اللندنية قبل سنوات٠



هذا العدد

هناك تحيّات لأوجه متعددة للسينما العربية في هذا العدد: محمد رُضا يكتب مادّة أولى عن مهرجان الدوحة | نديم جرجورة يحتفي بالفيلمين المصريين »المسافر« و»هيليوبوليس« بينما يرفع هوڤيك حبشيان قبّعته لفيلم يسري نصر الله. الى ذلك، يختم ميسر مسكي ملفّه عن السينما التركية بنماذج مثيرة للإهتمام لبعض الإنتاجات والأسماء الحديثة، بينما يُجري محمد رُضا مقابلة مع مايكل مور ويكتب عن المؤلّف إدغار ألان بو بمناسبة 200 سنة على موته٠

مهرجان الدوحة ترايبيكا آخر المهرجانات الخليجية

محمد رُضا



انطلق مهرجان الدوحة/ ترايبيكا السينمائي (من دون كلمة الدولي في عنوانه رغم أنه دولي في برمجته) يوم الخميس التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم واستمر حتى الأول من الشهر الحالي كما لو كان في رحلة قصيرة ما أن تبدأ حتى تنتهي ولو على نحو مقصود

مهرجان الدوحة السينمائي هو آخر مهرجانات السينما في منطقة الخليج . هذه المهرجانات كانت بدأت في مطلع الثمانينات عندما أطلق المنتج الكويتي محمد السنعوسي مهرجاناً خاصّا بالتلفزيونات العربية فأقيم لسنةين ثم فُض شمله حين احتج المحافظون على ما سمّوه بتصرّفات بعض الممثلين الضيوف. ما حاول المنتج والإعلامي تأسيسه تمّت التضحية به والمنطقة بقيت خالية من المهرجانات الى أن انطلق في مطلع العقد الأول من هذا القرن مهرجان البحرين للسينما العربية بإدارة المخرج بسّام الذوادي الذي عرف حاجة المنطقة والسينما العربية في آن الى مهرجان سينمائي ونفّذ فكرته، ولو أنه نفّذها لسنة واحد فقط

بعد ذلك انطلق مهرجان في مسقط، عُمان، وجاء زاخراً بالوعود في الأول ثم أخذت أهميّته تتقلّص سنةاً بعد آخر مع بعد المسافة بين الدورة والأخرى، إذ يُقام مرّة كل سنةين. في هذه الأثناء أطلق مسعود أمر الله مهرجان أفلام من الإمارات الذي كان أوّل نجاح مهرجاناتي يصيب هذه المنطقة من العالم على الرغم من محلّيته وبل بسبب محليّته تلك. وحين تم إطلاق مهرجان دبي السينمائي الدولي وجد هذا الحدث نفسه مُحاطاً بكل ما يلزم لأن يحقق غايات إعلامية وفنية كبيرة ونجح في هذا التحدّي كأول مهرجان سينمائي دولي كبير. تبعه، كما نعلم، مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي، الذي بدأ متعثّراً لكنه أنجز نجاحاً ملحوظاً في دورته الثالثة التي انتهت قبل أسابيع قليلة٠

دوحة ترايبيكا ينشد الإختلاف ووسيلته الى ذلك هو الإرتباط بهيكل مهرجاني سينمائي عالمي (هو مهرجان ترايبيكا الذي انطلق في نيويورك في 2002 كرد فعل على كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) وإقامة جسر تعاون بين مهرجانين هما في الواقع مختلفين وذلك على عكس الإعتقاد الذي ساد بأن المهرجان الحالي سيجمع مجمل ما تم عرضه في المهرجان النيويوركي ويعرضه وينتهي الأمر. على العكس من ذلك، أمضى المهرجان أشهره القليلة السابقة وهو يحاول الحصول على العدد الكافي من الأفلام الجديدة، وفي هذا السبيل واجه العديد من المعوقات معظمها كامنة في أنه مهرجان جديد يكمن في منتصف الطريق بين مهرجانين خليجيين مؤسسين، وفي فترة لا تزيد عن أربعة أيام. الى ذلك، فإن اختيار إدارة تتعلّم وهي تمشي ليس أمراً واعداً وبناءاً عليه فإن بضعة معيقات وإحباطات إدارية وعدد من القرارات أدّت الى غير ما أرادت ومن بينها الحصول على أفلام بعضها أقدم من بعض. عربياً ، على سبيل المثال، هناك فيلم الأردني أمين مطالقة »كابتن أبو رائد« الذي عرض قبل سنةين في مهرجان دبي وشبع بعد ذلك دوراناً في المهرجانات، وفيلم الفلسطينية نجوي نجّار »المر والرمّان« الذي سبق له وأن عُرض في مهرجان دبي في الماضي
الى ذلك، هناك بضعة أفلام عُرضت في مهرجان الشرق الأوسط المنصرم من بينها »الزمن المتبقّي« لإيليا سليمان (فلسطين) و»الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور و»لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية« لبهمان قوبادي (إيران)٠

وقت للتقييم
لكن للأمانة، لم ينطلق المهرجان القطري وهو غائب عن فرضية حاجته لتأسيس وجوده في هذا الأول ولو بعرض أفلام سبق عرضها في المنطقة. منذ البداية، كما قالت لهذا الناقد، مديرته المباشرة أماندا بالمر، لم يمانع المهرجان عرض أفلام تتوجّه الى المهرجانات المحيطة. قالت: "ما زلنا جدداً في المنطقة وهمّنا الأوّل هو اختيار الجيّد من ناحية وإتاحة الفرصة لمشاهدته داخل قطر من قبل المواطنين والمقيمين الذين لا تتاح لهم فرصة مشاهدة أفلام فنية وثقافية طوال "٠



  إيليا سليمان في »الزمن الباقي«٠

بالطبع هذه الغاية وحدها تستحق التقدير، فوجود مهرجانين كبيرين آخرين لا يبعدان أكثر من ساعة ونصف بالطائرة (او أقل) عن مهرجان الدوحة لا يعني أن كل قطري ومقيم يستطيع أن يسافر الى دبي او أبو ظبي لمشاهدة الأفلام. الي ذلك، هناك أفلام عديدة (من بينها فيلم الإفتتاح »أميليا« للهندية ميرا نير) لم يسبق له عرضه في أي من هذين المهرجانين
أيضاً يجب الأخذ بعين الإعتبار أن النيّة لإنشاء مهرجان سينمائي قطري وُضُحت، ولو أنها لم تعلن رسمياً، قبل أربع سنوات أي حين تم الإتصال ببعض السينمائيين الأميركيين في هوليوود للغاية، ثم تم ايقاف التباحث حين أدرك المعنيّون هنا أنهم أنفسهم بحاجة الى وقت لتقييم أشمل وأدق للمسائل. خلال هذه الفترة انطلق مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي وواصل مهرجان دبي تقدّمه ما جعل انطلاقة هذا المهرجان تبدو كما لو كانت متأخرة٠
ما يؤخذ على مهرجان الدوحة/ ترايبيكا هو عدم إستعانته بخبرة عربية لتأمين ما يحتاجه كل مهرجان من دعم من قبل سينما المنطقة التي ينتمي اليها أوّلاً (لحين استعان بخبرة المنشّط محمد مخلوف لكن تعاونهما توقّف)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، قراره بأن يولد صغيراً بعدد من الأيام لا تتجاوز الأربعة أيام. طبعاً الهدف في المقبل هو أن ينجز أضعاف منجزاته الأولى هذه السنة وأن يطرح نفسه منافساً ليس فقط على صعيد المنطقة الخليجية، بل على صعيد العالم العربي وعلى مستوى الخارطة العالمية أيضاً وهو يستطيع إذا ما عالج القصور التنظيمية والإدارية التي واكبت دورته الأولى٠


أفلام عربية حديثة: أحمد ماهر وعبد الله يجددان السينما المصرية

 نديم جرجورة


المسافر  

على الرغم من غيابها الواضح عن لائحة الأفلام الفائزة بجوائز الدورة الثالثة لـ«مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي، أبو ظبي»، التي أُعلنت في السابع عشر من تشرين الأول الجاري، كشف فيلمان مصريان حديثا الإنتاج نمطاً جديداً في مقاربة المسائل الإنسانية الراهنة. وعلى الرغم من تفوّق النجوم السوريين على زملائهم المصريين في الدورة هذه، خصوصاً في حفلة الافتتاح في الثامن من الشهر نفسه، وفي أروقة الأيام العشرة كلّها تقريباً؛ بدت مشاركة سينمائيين مصريين في لجان التحكيم الخاصّة بالمسابقات الرسمية الثلاث تأكيداً على أولوية النوعية، وانسجام إدارة المهرجان، المعقودة على المدير الفني الأميركي بيتر سكارليت، مع أهمية السينما وإعلاء شأنها، في مهرجان أقيم سابقاً على ثنائية النجومية والاستعراض الإعلامي. ذلك أن اختيار المخرج يُسري نصر الله رئيساً للجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية القصيرة، التي ضمّت إليه الممثلة الشابّة منّة شلبي؛ ومشاركة المخرج محمد خان في عضوية لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الروائية الطويلة (التي ترأّسها الإيراني عباس كياروستامي)؛ شكّلا حظوة للمصريين في واحدة من فرق العمل الخاصّة بمهرجان يُفترض به أن يقترب، أكثر فأكثر، من العمل السينمائي السليم، حيث يُمكن للنقاش الجدّي أن يعثر على مكان أوسع وأرحب. يُمكن إضافة اسم الممثلة هند صبري، المنضمّة إلى لجنة التحكيم الخاصّة بمسابقة الأفلام الوثائقية، مع أنها تونسية الأصل والهوية، ومصرية العمل التمثيلي
شعوران متناقضان 
وقد اشترك فيلمان مصريان في المسابقة هما «المسافر» لأحمد ماهر و«هليوبوليس» لأحمد العبد الله؛ بالإضافة إلى الفيلمين الوثائقيين «كاريوكا» لنبيهة لطفي و«جيران» لتهاني راشد. علماً بأن فيلماً روائياً طويلاً ثالثاً كان يُفترض به أن يُعرض في المسابقة الرسمية أيضاً، وهو «بالألوان الطبيعية» لأسامة فوزي، غير أن النسخة الأولى الخارجة توّاً من مسنةل الطبع كانت سيئة، إلى درجة أن فوزي قرّر سحب فيلمه هذا من المسابقة الرسمية نهائياً، بموافقة إدارة المهرجان. وإذا بدا الروائيان الطويلان أكثر تماسكاً درامياً، وأقوى جماليات فنية، وأفعل تأثيراً سينمائياً وإنسانياً؛ فإن الفيلمين الوثائقيين انطلقا من حالة جغرافية (غاردن سيتي)، بعوالمها الاجتماعية والثقافية والمناطقية والحياتية، وجدت نفسها في مرحلة متناقضة تماماً وذاكرتها الموغلة في الوجدان والحساسية والتاريخ البعيد (جيران)؛ أو من شخصية فاعلة ومؤثّرة في المشهد الفني المصري والعربي، ومن فنانة (تحية كاريوكا) تحوّلت سيرتها في الفيلم (كاريوكا) إلى معاينة شفّافة لتاريخ مصري جماعي منفتح على أسئلة الانتماء والإبداع والتحوّلات. أرادت تهاني راشد استعادة الزمن الجميل للحيّ الشهير في القاهرة، على ضوء المستجدات الأمنية المفروضة عليه بسبب وجود الحراسة الأمنية المشدّدة على السفارة الاميركية، وما أحدثه التشدّد (بالإضافة إلى عوامل أخرى، كاكتساح الفقراء شوارع المدينة والحي مثلاً) من تبدلّ فظيع في أحوال المكان وناسه. وسعت نبيهة لطفي إلى إعادة رسم الصورة الأنقى عن الفنانة الأجمل، معتمدة البناء الكلاسيكي في ترجمة الصُوَر الوثائقية واللقاءات التي أجرتها مع عدد من المثقفين والفنانين المصريين. لم يخرج «جيران» و«كاريوكا» من القالب التقليدي البحت في صناعة الفيلم الوثائقي، ولم يندرجا في السياق الإبداعي المتجدّد في دمج الوثائقي بالمتخيّل، ولم يذهبا إلى أبعد من كونهما شهادة» جميلة وعادية عن زمن مضى. «٠

غياب الزمن الجميل
هذه العودة البصرية إلى زمن مضى ماثلةٌ أيضاً في المناخ للفيلمين الروائيين الطويلين، اللذين امتلكا قواسم مشتركة عدّة: فهما الفيلم الروائي الطويل الأول لصاحبيهما، وهما من إنجاز مخرجين شابين، بحثا في التحوّلات المدينية والثقافية والإنسانية والتاريخية لبيئة ومجتمع وناس، ورسما معالم الاغتراب الفردي، من خلال شخصيات محطّمة وخائبة ومنزلقة إلى عزلاتها القاتلة. في المقابل، هناك اختلاف واضح في أسلوب المعالجة وإدارة الممثلين والأمكنة الجغرافية، بامتداداتها المجتمعية والحياتية والتاريخية المتعلّقة بالذاكرة، كما في اختيار الممثلين أيضاً، إذ تعاون أحمد ماهر مع «نجوم»، أمثال خالد النبوي وعمر الشريف، بالإضافة إلى سيرين عبد النور؛ بينما تسنةل أحمد العبد الله مع ممثلين شباب، انتقى من بينهم خالد أبو النجا لتأدية دور أساسي قد يكون امتداداً شخصياً له، من حيث العين اللاقطة ملامح التغيير والتبدّل في المستويات كلّها، ومن حيث التلصّص على مآزق الناس المهمَّشين، والتحدّيات التي يواجهونها يومياً. بينما ظلّ أحمد ماهر بعيداً عن مفهوم التلصّص والمعاينة المباشرة للحدث والتحوّل والواقع، على الرغم من أن «المسافر» برمّته شكّل مرآة سينمائية له جعلته يلتقط النبض الإنساني في لحظات تاريخية مصيرية، محرّراً خطابه الثقافي من الحشو السياسي والتحليل المجتمعي والثقافي الفجّ، ومحافظاً على حيوية السينما في مقاربتها الأحاسيس المتفجّرة إزاء مواقف وحالات ولحظات. والتلصّص، كأداة سينمائية بامتياز، غاص في متاهة الفرد داخل الجماعة، جاعلاً آلة الكاميرا نافذة على العالم الذاوي في عزلاته القاتلة، بل على ذاكرة لم تعد قادرة على الصمود طويلاً أمام الوحش المتغلغل في ثنايا المجتمع والعمران والفضاء الإنساني، في قاهرة المعزّ، في العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين٠

اختار أحمد ماهر ثلاث محطات أساسية لمقاربة المسار التاريخي للتحولات الحاصلة في القاهرة مرتكزاً على تحديد واضح وصرح للحالة . فهو بدأ سيرة بطله (خالد النبوي/ عمر الشريف) في خريف 1948 قبل أن يتوقف ثانية معه في خريف 1973 قبل أن يصل الى خريف 2001
. لكن الإشارات لا تتسلّط على النصّ السينمائي، ولا تفرض حضوراً سياسياً/ تاريخياً قسرياً على المعالجة الدرامية، وإن وزّعت إشارات متواضعة لها في طيّات الحبكة، كدلالات على المضمون الأساسي للحكاية المتعلّقة ببطل يعاني خريفاً دائماً في حياته، » إشارة ما إلى نكبة فلسطين منذ اللحظة التي وجد نفسه فيها منتحلاً شخصية ليست له. وإذا بدا مشهد الاغتصاب الملتبس في خريف على أيدي اليهود المهاجرين إليها بالقوّة؛ فإن الفصل الأول هذا كلّه نجا من ورطة السياسي والنضالي، لأنه ذهب إلى شجون البطل وانفعالاته وبحثه المستمرّ عمّا يؤكّد وجوده داخل الارتباكات الحاصلة. وإذا أفضى الفصل الثاني إلى نهاية متلائمة و«رعشة» الانتصار المصري/ السوري في حرب تشرين/ أكتوبر 1973، غلّفها ماهر بصورة انتقادية قاسية (انتصار الغبي على الآخرين، وانتزاع هذا الغبي للمرأة الجميلة الوحيدة (خريف الجماعة من الرجال كلّهم)؛ فإن الأحداث السابقة للنهاية أمعنت في تغريب البطل عن محيطه، وفي دفعه إلى مزيد من العزلة والوحدة والابتعاد قدر المستطاع عن كل ما يمكن أن يكشف حقيقته. وإذا انطلق الفصل الثالث من سقوط دشمتين كادتا تقتلان البطل، فإن انعكاسٌ حاد للمأزق الفردي في مقاربة التحوّل القاتل داخل القاهرة، وارتباك العيش اليومي فيها.
من جهته، فضّل أحمد العبد الله التزام لحظة واحدة محدّدة، تجعله أقدر على الغوص في تداعيات الأزمنة المتلاحقة، التي أفضت إلى العزلات والاغتراب الاجتماعي والثقافي في قاهرة اليوم. فهو، باختياره «مصر الجديدة» (أو بالأحرى منطقة محدّدة فيها)، أراد معاينة الأشياء والهوامش والتفاصيل الصغيرة، التي بدت جداراً فاصلاً ليس بين ذاكرة عتيقة وراهن موحش، بل بين أناس متشابهين لا يعثرون على خلاص لهم من جحيم الأرض. وهو، باستعادته الاسم القديم لتلك المنطقة عنواناً لفيلمه (هليوبوليس)، بدا كأنه يحيل المُشاهد، منذ اللحظة الأولى، إلى مراقب ومشارك في آن واحد: مراقب يُسرف في التلصّص على المدينة وناسها، وعلى الذاكرة وبقاياها، وعلى الراهن وتشعبّاته القاتلة؛ ومشارك يعيد كتابة الآنيّ مع المخرج الشاب نفسه، بدلاً من أن يبقى محايداً في مشاهدته٠
أما الشخصيات المرسومة بدقّة درامية جميلة، فقد عكست جوانب متفرّقة من الحياة الآنيّة في القاهرة اليوم: شخصيات مضطربة وقلقة، وشخصيات هامشية معزولة ومهانة، وشخصيات محاصرة بتاريخها الفردي ومحصّنة بتغييب قاس لحقيقتها، وشخصيات مسحوقة أمام قوة التغيير الحاصل، ومستسلمة لمشيئة التحوّل القاتل. لكن خللاً ما أصاب الفيلم، عندما أدخل في سياقه الروائي مفردات العمل الوثائقي، من دون أن يدمجهما معاً في سياق سينمائي واحد. فعندما قرّر الباحث في شؤون الأقليات الباقية في قلب القاهرة، تصوير نتائج التحوّلات التي أصابت العمارة والشوارع والناس، كي تستطيع السيدة اليهودية (أوهمت جيرانها جميعهم بأنها مسيحية) المقيمة في منزلها منذ سنين طويلة معاينة ما يجري خارج جدران بيتها وعزلتها، اهتزّ البناء الدرامي، لأن العلاقة بين النوعين لم تُترجم كما يجب. وهذا لم يؤثّر كثيراً على البنية الدرامية كلّها، لأن إيجابيات عدّة منحت «هليوبوليس» حضوراً متميّزاً في المشهد السينمائي المصري، الخاصّ بجيل سينمائي شاب جديد، لعلّه يؤشّر إلى إمكانية ولادة نمط سينمائي متجدّد ومنقلب على المساوئ الدرامية والفكرية والجمالية للغالبية الساحقة من الإنتاج السينمائي الحالي

مايكل مور: فكرت في فيلم »الرأسمالية« منذ فيلمي الأول قبل عشرين سنة


مقابلة: محمد رُضا



تقول الملحقة الصحافية لي  قبيل وصول المخرج الى مأدبة الغذاء التي أقيمت على شرفه وشرف المخرجين أوليفر ستون وأنطوان فوكوا: أتصل ليقول آسف على التأخير، لكنه في الطريق الينا وسيكون هنا بعد خمس دقائق٠
ثم تضيف: "إنه لا يذهب الى مكان من دون مرافق؟"٠
حين وصل مايكل مور وتقدّم من مكانه المحجوز اعتذر للتأخير لكني لم ألحظ معه أي مرافق. نظرت الى الملحقة الصحافية فأعطتني إشارة تفيد بأنها لا تعرف الجواب٠
المهم مايكل مور وصل والغذاء سيبدأ وبعده الحوار٠
كونه يظهر في الأفلام التي يحققها يجعله معروفاً على صعيد عالمي، لكن حتى ولو لم يظهر في أفلامه الوثائقية المختلفة التي يقوم بإخراجها، فإن أعماله كانت ستشهره كونها شهدت نجاحات حول العالم. وعلى أساسها عُرف بالمخرج المشاغب حيناً والمخرج المعادي لأميركا حيناً آخر و»كاره أميركا« كما يحب اليمين الأميركي أن يطلق عليه٠

لكن من وجهة نظر غير أميركية، على الأقل، وسينمائية في الوقت ذاته، فإن مايكل مور في أفلامه لا يأتي بنظريات وأيديولوجيّات بقدر ما يبحث في كوامن إجتماعية تؤدي، بالضرورة، الى طروحات سياسية. إنه السينمائي الأميركي الوحيد حالياً الذي يواصل تحريك قضايا تعبّر عن مشاكل المواطنين الآنية. غيره من السينمائيين لين في الحقل الروائي يختارون قضايا تهم الأميركيين لكنها ليس بالضرورة من وجهة نظر المواطن٠
هذا هو بعض الخاص في سينما مايكل مور. البعض الآخر قدرته على أن يصنع فيلمه الوثائقي بعين ريبورتاجية وبصيغة المقال الممهور بقلم وأسلوب كاتبه. وهو دائماً، حين يفعل ذلك، يجعل المنطلق محاولة الإجابة على اسئلة تتردد في باله وفي بال الكثيرين وتراه يحمل الاسئلة لا في شكل الفيلم الوثائقي فقط، بل مباشرة الى أهل الحكم او السُلطة او المعنيين٠
في »روجر وأنا« (1989) قصد أصحاب مصانع السيارات »جنرال موتورز« ليسألهم تفسيراً لإغلاق مصنعهم في مدينة فلينت، ولاية ميتشغَن، ما تسبب في طرد ألوف العمّال
في »باولينغ لكولمباين« (2002) أراد معرفة ما الذي يدفع الأميركيين لحمل السلاح ولماذا تجارة المسدّسات والبنادق مزدهرة في الحياة العامّة في اميركا أكثر منها في كندا. لهذا الغرض ذهب لمقابلة الممثل الراحل تشارلتون هستون، الذي كان، ومنذ سنوات عدّة، يرأس »الجمعية الأميركية للبنادق« لا مدافعاً عن حق الأميركيين في حمل السلاح فقط، بل نشطاً في سبيل هذه الدعوة. تشارلتون استقبل مور وبدا عليه كمخرج يريد إجراء حديث معه. وكيف لا يكون حديثاً للتعريف بالجمعية او مسؤولياته رئيساً، او ربما بأدواره التاريخية. حين فوجيء بأن المخرج مور يحاوره من مبدأ مناهض لمبدأه طلب إنهاء المقابلة. مور وجد نفسه خارج البيت مكتفياً بما استطاع تصويره٠
في فيلمه الثالث »فهرنهايت 9/11« (2004) استوقف أعضاء من الكونغرس ليسألهم سبب تأييدهم للحرب على العراق أولاً، و»هل سترسل إبنك ليدافع عن أميركا في تلك الحرب؟« ثانياً. لا عجب أن معظمهم لم يرد الحديث إليه وهم الذين سمعوا به من قبل٠
ثم جاء »سيكو« (2007) الذي تجرأ فيه على المقارنة بين الطبابة في اميركا والطبابة لا في فرنسا وبعض الدول الاسكندنافية وكندا فقط، بل في كوبا أيضاً. هذا الفيلم نهى علاقته الودّية، او ما بقي منها، لدي اليمين الأميركي الذين كانوا بدأوا يتحرّكون ضدّه اعلامياً وسينمائياً فإنجزوا بضعة أفلام وثائقية مضاده وفيلماً روائياً واحداً بعنوان »إنشودة أميركية« دار حول مخرج بدين أسمه مايكل مالوني (قام به كَڤن فارلي) يحقق أفلاماً معادية لأميركا ما يستوجب فتح عينيه على الحقائق الغائبة عنه. مناسبة ليلتقي بملك الموت الذي يأخذه في رحلة عبر التاريخ يلتقي فيها والجنرال الأميركي باتون والرئيس السابق جون ف. كندي ومقدّم البرامج التلفزيونية اليميني بيل اورايلي كما أول رئيس جمهورية أميركي وهو جورج واشنطن (قام به الممثل جون فويت الذي عمل في حملة انتخابية مناوئة لباراك أوباما كما آخرين منهم أرنولد شوارتزنيغر وتشاك نوريس)٠

لكن لا هذا الفيلم ولا سواه، ولا الهجوم الإعلامي المركّز عليه يمنعه من المواصلة. وها هو »رأسمالية: قصّة حب« (الذي عُرض في مسابقة مهرجان فنيسيا، حيث تمّت هذه المقابلة، قبل توجهه الى مهرجانات أخرى من بينها تورنتو والشرق الأوسط في أبو ظبي) يطرق ذات الباب بأسئلة صعبة مستمدّة مما حدث لأميركا من أزمة اقتصادية كادت أن تشل الحياة المالية بأسرها٠

الى جانب أنك الآن أنجح مخرج وثائقي حول العالم، فإنك أحد أكثر
المخرجين الأميركيين إصراراً على التسنةل مع المواضيع السياسية. هل
ينتابك أحيانا إحساس بأنك تريد تحقيق فيلم لا علاقة له بالسياسة؟

وهل هناك فيلم لا علاقة له بالسياسة؟ اسألك٠
لا طبعاً

إذاً حتى ولو رغبت في عدم طرح موضوع لا علاقة له بالسياسة، إفتراضاً أن ذلك ممكناً، فإن السياسة
فيه بلا ريب

كيف تطوّر مشروع هذا الفيلم؟ هل يتطوّر كل فيلم على نحو مختلف؟
حملت هذا الموضوع في بالي لنحو عشرين سنة. كلما جلست لأكتب فيلماً وحين المباشرة في تصويره
أفكّر فيه . فكّرت فيه منذ فيلمي الأول »روجر وأنا« قبل عشرين سنة، ثم حين بدأت تنفيذ »بولينغ لكولمباين« وبعد ذلك حين أخرجت »فهرنهايت 9/11«. المسألة أن الوضع الإقتصادي يقف وراء كل هذه القضايا الأخرى. لم أتوقّف وأقول لنفسي أن عليّ الآن تحقيق هذا الفيلم لكنه كان دائماً في مؤخرة رأسي

فيلم »روجر وأنا« دار حول الوضع الإقتصادي في بلدة
فلينت، متشيغَن٠
صحيح، وفي ذات الوقت ليس فيلماً عن فلينت وحدها. او عن مؤسسة »جنرال موتورز« بالتحديد. بل
عن النظام الإقتصادي غير العادل الذي تعانيه أميركا

ما الذي، إذاً، يجعل »الرأسمالية: قصّة حب« مختلفاً في رأيك؟
عن »روجر وأنا«؟

نعم
أعتقد أنني قبل عشرين سنة لم أقرأ الوضع الإقتصادي على نحو شامل. وحين ووجهت بما يعارض
معلوماتي الأوّلية لم أسع الى توسيع رقعة المعرفة وتصرّفت على نحو مختلف تماماً عما تصرّفت عليه هنا حيث أصبح من غير الممكن غض النظر عن مسؤولية هذا الوضع بالنسبة للأزمات المختلفة التي نعاني منها٠

إذاً كيف تطوّر هذا المشروع؟
حينما كنت أحضر لفيلم »سيكو« خطر لي أنه لم يعد بالإمكان التغاضي عن مواجهة هذا الموضوع
الذي يقف وراء كل المشاكل التي نعاني منها في أميركا. كما تعلم »سيكو« هو فيلم عن شركات التأمين الصحّي وهو في النهاية يصب في ذات الخط العريض لهذا الفيلم. كلاهما، مثلاً، يتحدّثان عن الجشع الذي يمتلك النظام الإقتصادي الذي نعيشه. طبعاً في ذلك الفيلم هو في حدود مؤسسات التأمين الصحّي نفسها وما تقوم به من ممارسات تجعل طلب الإستشفاء شبه مستحيل لمئات الملايين من الأميركيين. كل ذلك لأن تلك المؤسسات تريد تحقيق أرباح وهي ليست في وارد السؤال عن اخلاقية ممارساتها طالما أن الغاية المادية هي الأهم. ماذا ستفعل؟ ستكون عادلة او مهتمّة بالمواطن فعلاً على حساب ما تجنيه حالياً من أرباح؟ مستحيل. للإجابة تحديداً على سؤالك: هذا ما أقوم به. أفكر في المشروع. أنتقل الى تنفيذه٠




الا تضع سيناريو؟
أضع أفكاراً لكنها تعيش في بالي على أي حال. معظم المخرجين يكتبون السيناريو سلفاً لأنهم بذلك يضمنون مرجعية ما يقومون به. لكنهم بذلك يربطون عملهم بما وضعوه على الورق. يصير لزاما تصوير ما يتّفق مع السيناريو. أعتقد أن السبب الذي تبدو فيه أفلامي مختلفة هي أنني أقبل التحدّي وانطلق للعمل باحثاً ومتسائلاً تماماً كما تشاهدني في الفيلم٠

الأصبع على الجرح

مثل أفلامك السابقة، هناك، في »رأسمالية« دعوة للتغيير. تغيير
شيء ما. ما الذي تطلبه من المشاهدين في هذا الفيلم او
في أي من أفلامك السابقة؟
أطلب منهم في البداية أن يفكّروا بما شاهدوه. في الحقيقة ربما هذا كل ما أطلبه منهم. أنا واثق من
معظم المشاهدين يخرج من الفيلم مختلفاً عن دخوله إياه. حتى اولئك الذين يعرفون المشكلة وسواهم من الذين يعرفون ما أطرحه في أفلامي. هؤلاء يأتون لكل فيلم لأنهم يريدون معرفة الجواب على عدد من المواضيع المثارة. لدينا شبكة إعلامية واسعة لكن القليل جدّاً مما يُبث مفيد ويضع الأصبع على الجرح تماماً. بل لا أدري إذا كان هناك أحد غيري يطرح الأمور على هذا النحو٠

لماذا أنت بالذات؟ ما الذي يجعلك مهتمّاً أكثر من سواك؟
بكلمة واحدة أستطيع أن أقول لك: إسأل غيري لماذا لا يتحدّثون اللغة ذاتها. لماذا ليس هناك نقاشاً جادا
حول هذا الموضوع؟ لماذا على مايكل مور وحده أن يكون ذلك السينمائي الذي يواصل التحرّش بمثل هذه المواضيع؟ بالنسبة إلي إذا أردت جواباً مني فأنا أقوم بما أؤمن بأنه رسالتي وهذا كاف لدي٠

لكن هناك نقاشات حول هذا الموضوع في الكونغرس بين
المؤيدين لمحاولات باراك أوباما الإصلاحية والمناهضين لها
حين بدأت التفكير في هذا الفيلم لم تكن مسألة النظام الصحي في الولايات المتحدة مطروحة هذا
أولاً. ثانياً أنت ربما تنسى أن الفيلم ليس عن مؤسسات التأمين الصحي فقط. إنه عن كل الأزمة المالية التي انفجرت في وجهنا٠

صحيح. هل تعتبر أن المشكلة تكمن في النظام الرأسمالي
إذاً؟ ماذا عن النظم الأخرى؟ هل هناك نظام متكامل؟

المشكلة بالنسبة إلينا نحن في أميركا لها علاقة بكيف مارسنا النظام وليست بالنظام وحده. إنها مشكلة تمتد عميقاً في صلب البناء الأساسي. أعتقد أننا غالينا فيه كثيراً. تسألني عن النظم الأخرى. كما بيّنت في »سيكو« وفي »الرأسمالية«، أوروبا من بين تلك التي تعيش نظاماً رأسماليا تزاوج مع مقتضيات التحكّم في الأرباح غير المشروعة وبالجشع كمحرّك فردي. في »باولينغ لكولومباين«« حين تحدّثت عن العنف في أميركا، التي تجاورنا لا يموت فيها قتلاً أكثر من مئتي ضحية في كله. هل تعلم كم جريمة قتل تُرتكب كل يوم في أميركا؟ أربعون. المسألة هي أن ممارستنا للنظام الرأسمالي فاقت المباديء الأساسية التي بنيت أميركا عليها. أصبحنا دولة سينظر اليها العالم في المستقبل على أساس أننا كنّا مغفلين. وفي الأساس، وكما في فيلمي لابد من القول أن
المسألة في نهاية المطاف هي أن هذا النوع من الرأسمالية يتنافى والديمقراطية ونحن علينا أن نكون ديمقراطيين أوّلاً٠

الإنتساب لهوليوود
ما هي علاقتك مع هوليوود؟ هل تعتبر نفسك واحداً
من أبنائها؟
يضحك: أنا سينمائي انتمي الى السينما الأميركية وليست كلّها هوليوودية .... أنت تعرف ذلك٠

نعم. حين أخرجت فيلمك الروائي الوحيد »كناديان بايكون« هل
كان ذلك محاولة منك للتوسّع في طروحاتك السياسية؟
ربما. كانت لديّ فكرة كتابة هذا الفيلم الإفتراضي من نوع »ماذا يحدث لو ...« والإفتراض هنا
كان الرئيس الأميركي لكي يرفع من شعبيّته بحاجة الى حرب ولو أنه لا يريدها فعلاً وكندا، التي تقع على الحدود وتتميّز بنظام رأسمالي »عادل« بدت البلد المناسب لإشاعة حرب باردة. طبعاً ليست هناك من فكرة لفيلم وثائقي في هذا الموضوع وطرحه روائياً كان السبيل الوحيد٠

هل عني لك عدم نجاحه التجاري شيئاً مثل لم أقدمت
على فيلم روائي؟
تساءلت، إذا أردتني أن أكون صريحاً معك، عما لو أنني كنت بحاجة الى فيلم روائي لكن هذا
طبعاً بعد أن حققت الفيلم. ثم مرّة ثانية بعد أن عُرض. لم يفشل الفيلم تماماً. ليس أقل إيرادا من العديد من الأفلام التي يتم إنتاجها. لكني مرّة ثانية لابد أن أذكر أن قول ما أردت قوله لم يكن ليتم الا بواسطة الفيلم الروائي. هل لو نجح كنت سأستمر في الروائي؟ تستطيع أن تقلب السؤال. لا أعتقد لأن ذلك الفيلم لم يكن مقدّمة للعمل في هذا النوع من الأفلام او لكي انتسب الى هوليوود. لو نجح أكثر؟ لا أدري. أعتقد أنني الآن في المكان الصحيح في الوقت الصحيح وفي الإطار الصحيح أيضاً لكي أتحدّث عما أريد الحديث فيه حول المسائل التي تهم المواطنين

في حين أن مخرجين آخرين في هوليوود يتناولون الموضوع
السياسي، الا أنك تتناوله من زاوية المواطنين. دائما في بالك٠
شكرا. هذه تحيّة. لكن الحقيقة أن شعوري هو التالي: لم يكن من المفترض بي أن أكون في هذا الموقع لولا أنني واحد من ملايين الناس العاديين. أنا انتمي الى معظم الأميركيين. نحن لا نملك أجهزة إعلامية نعمل من خلالها ولا محطات تلفزيون ولا صحف. يوماً ما تفاعلت مع صرف الموظّفين في مصنع جنرال موتورز للسيارات فنقلت هذا التفاعل الى السينما. ثم وجدت أنها وسيلة صحيحة ومنتشرة لنقل آرائي وآراء الأميركيين العاديين الى اميركا والعالم فاستمرّيت٠

المسألة ليست بهذه السهولة على ما أظن. هناك الإتهام الذي
يوجّه اليك بأنك معاد لأميركا، ثم هناك حقيقة أخرى: الفيلم
الوثائقي لم يسبق له أن أنجز نجاحات كما يفعل كلما قدّمت
أنت فيلماً. ما تفسيرك؟
كلاهما متّصل بالآخر. حين أخرجت فيلم »باولينغ لكولومباين« لم يكن هناك اهتماماً كبيراً به. من
كان سيصدّق أنه سينجح؟ أولاً كتبت عنه الصحف الأوروبية بأنه فيلم معاد لأميركا وثانياً موضوعه العنف والمدارس وما حدث في كلية في بلدة صغيرة أسمها كولمباين حين فتح شابّان النار على باقي الطلاّب. لكن المفاجأة كانت أن أمثالي من الأميركيين كانوا يريدون معرفة الحقيقة. مصدر ما حدث. دافعه. ولم يكن هناك من سيتولّى الكشف عن هذه الحقائق لأنها مرتبطة بالنظام الذي يُتيح لتجارة السلاح أن تترعرع، ولها أيضاً جوانب أخرى تتعلّق بالحياة السياسية والإقتصادية برمّتها. من سيهتم في هذا الموضوع؟ أقصد خارج النطاق الإخباري؟ محطات التلفزيون والصحف؟ هي فعلت ذلك كحدث ثم أعقبته أحداثاً أخرى والجديد يطغى على القديم٠

تصرّف كوميدي
في كل فيلم نراك تحاول إحراج الطرف الآخر. ضحكت كثيراً
حين بدأت توقف رجال الكونغرس في »فهرنهايت 9/11« لكي
تطرح عليهم اسئلتك حول رأيهم في الحرب العراقية. وفي هذا
الفيلم تستأجر سيارة نقل أموال مصفّحة وتعلن أنك تريد أن
تستعيد البلايين الثمانية التي حصلت عليها المؤسسات المصرفية
لتجاوز أزمتها .... بعض النقاد يقولون أن هذا تصرّف كوميدي منك
وهم لا يقولون ذلك مدحاً، والبعض الآخر يقول إنك تعاني من
حب الظهور. وهذا بالتأكيد ليس مدحاً

يقولون أيضاً أنني مثير للمشاكل ومعادي لأميركا ولا أحب وطني وأفضل عليه كوبا. وهناك أفلاماً ضدي. لكني في النهاية أنظر الى الموضوع على هذا النحو: ما هي الطريقة الأفضل التي أستطيع فيها الوصول الى الأميركيين؟ إذا كان الأمر يستدعي أن أظهر في بعض المشاهد .... هل تعتقد حقيقة أنني أفعل ذلك كدعاية لنفسي؟ على الأفلام أن تصل. ذلك المشهد الذي تتحدّث عنه في »رأسمالية: قصّة حب« آت من ضرورة تقديم هؤلاء المسؤولين عن الأزمة الإقتصادية في أميركا والعالم الى الرأي على حقيقتهم. تراهم يتحاشونني وفي بعض الأحيان يتحاشاني كثيرون غيرهم كما لو أني سأحمل أخباراً غير سارّة٠

من أين ستمضي من هنا؟ ما هو فيلمك المقبل؟
هذه أول مرّة أنتهي من تحقيق فيلم دون أن يكون لدي فكرة عما سيكون عليه فيلمي المقبل. ليس
عندي إتفاق جاهز مع أحد. الجميع الآن ينتظر من أوباما أن ينقذنا من هذا الوضع الذي نحن فيه وأنا معهم. لن أفكّر في فيلمي المقبل الآن، لكني أفكر في الخطوة التي سيتّخذها أوباما لأنه جاء من طبقة اجتماعية مختلفة تماماً عن تلك التي يأتي منها عادة السياسيون الآخرون، وهذا مطمئن جدّاً٠

نشرت هذه المقابلة في صحيفة »الشرق الأوسط«٠


السينما التركية في التسعينات واليوم
ميسر مسكي





مَلفـّات ساخنة
منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي، نشطت حركة ثقافية مستجدّة في تركيا تناولت الكثير مما كان محظوراً الخوض في شؤونه قبل سنوات. و لم تتأخر السينما في إلتقاط اللحظة لطرح رؤية مخرجيها في قضايا و ملفات لم تـُناقـَش منذ سقوط الدولة العثمانية قبل ثمانين سنةاً.

سنورد هنا بعض هذه الملفات في عجالة على أن نعود إليها بالتفصيل إلى بعض منها في الجزء الثاني٠

لعلَ أهم هذه الملفات هي أزمة الإنسان – الفرد في مجتمع شَهَدَ تحولات جذرية، عنيفة و قسرية في تعريف إنتماؤه كما في توجيه مساراته في حياته اليومية العادية. و من تلك الأفلام عمل المخرج فاتح أكين "عبور الجسر"، و فيلم نوري بيلج جيلان "مسافة بعيدة".
لكن السينما في تركيا إلتفتت أيضاً إلى ملفات موروثة من صراعات الإمبراطورية القديمة و لا زالت تلعب دوراً في تحديد علاقة الأمة – الدولة مع جوارها الإقليمي كما مع الداخل في تنوع إثنياته٠

الملفّ الأول: اليونان، جار...أم عدو؟
منذ أن اُعلنـَت الدولة التركية الحديثة بعد حرب ضروس و دامية إنتهت بهزيمة الجيش اليوناني سنة 1923، وتشريد أكثر من ثلاثة ملايين شخص من الطرفين، بقيت السينما التركية تتناول هذا الصراع من باب البطولة والنضال و ريادة أتاتورك، زعيم الأمة، في تكريس إنتصار تركيا الحديثة. أما اليونانيون فيتناولون تلك المرحلة بشيء يشبه حنين العرب إلى الأندلس٠
سنوات طويلة من سطوة الجيش على الحياة ة في تركيا، رَعَت و دَعمَت هذا التوجه في الرؤية السينمائية لمرحلة مصيرية من تكوين الأمة و تعززت هذه الرؤية سنة 1974 بغزو الجيش التركي لقبرص لإنقاذ الأقلية التركية هناك من بطش الأكثرية اليونانية حسب التوصيف الرسمي التركي للأحداث٠
لكن التحولات الكبيرة و المُستجدة منذ أوائل التسعينات في المجتمع و السياسة و طموحات تركيا بالتقارب مع جوارها الأوروبي فتحَ باب الجدل الثقافي و السينمائي نحو نظرة جديدة و بعيدة عن البطولة و شيطنة العدو. فكان فيلم "الوحل" للمخرج درويش زعيم سنة 2003، عن العلاقة المُضطربة بين الجاليتين التركية و اليونانية في الجزيرة المُقسّمة و محاولة الطرفين الوصول للآخر. و في سنة 2004 كان فيلم "في إنتظار الغيوم" للمخرج وسيم أوسطا أوغلو. دراما إنسانية عن إمرأة يونانية أخفت هويتها حين أنقذتها عائلة تركية أيام الحرب مع اليونان سنة 1923. و حين تحاول هذه المرأة البوح بسرّها تنشأ أزمة مع عائلتها اليونانية و تستفيق الجروح التي ما أندملت٠

الملفّ الثاني: أكراد...أم أتراك الجبال؟
تُشكل المسألة الكردية المعضلة الإثنية الأهمّ و الأكثر دموية في تاريخ الدولة التركية الأتاتوركية الحديثة. فحملة "التتريك" التي قادتها النخبة السياسية الحديثة في أنقرة أرادت إنفصالاً كاملاً مع الماضي العثماني الجامع لقوميات مختلفة تحت ظلّ الباب العالي. لذلك ذهبت هذه النخبة إلى حدّ نفي وجود أي عرق آخر غير التركي ضمن حدود الدولة. و من هنا نشأت أزمة الهوية القومية الكردية التي لا زالت مستمرة إلى هذا اليوم٠
هذه المُعضلة كان محرّماً الإشارة إليها في كل نواح الحياة الثقافية التركية حتى سنوات قليلة مضت. أما اليوم وضمن المناخ الأكثر إنفتاحاً، تشهد السينما في تركيا أكثر من إطلالة تتناول الجوانب الإنسانية لهذا الصراع المفتوح مثل فيلم "رجل كبير، حُبّ صغير" سنة 2001 لـ وسيم أوسطا أوغلو، و الذي حُظر عرضه لمدة ستة أشهر قبل السماح له بالظهور على الشاشات التركية و ذلك بسبب ما أعترضت عليه السلطات من طريقة تناول الشرطة التركية فيه. و قبله فيلم "رحلة إلى الشمس" سنة 1999 للمخرج هندان إيبكجي، و هو الفيلم الذي نالَ أكبر تغطية في الغرب منذ فيلم "الطريق"٠

الملفّ الثالث: مذبحة...أم مآساة حرب عالمية؟
قضية تهجير ملايين الأرمن سنة 1915 أثناء الحرب العالمية الأولى، و ما تعرضوا له من مصاعب مروعة أثناء هجرتهم، لا تزال قضية شديدة الحساسية في الوعي التركي الرسمي كما في و اللاوعي الجمعي الشعبي. فما يقول الأرمن أنه مذابح إبادة جماعية دبرتها و نفذتها الدولة التركية، تردّ عليه الحكومات التركية المُتعاقبة منذ الإستقلال أنه واحد من مآسي الحرب التي عانى منها كل الأتراك نتيجة المجاعة و إنفلات الأمن و أنه لم يكن عملاً مخططاً له أو مُدبر. كما أن الأتراك يجادلون في الأرقام التي يطرحها الأرمن عن عدد القتلى منهم
السينما لا زالت غير قادرة على طرح هذه القضية على الشاشة لحساسيتها الشديدة التي جعلت أديباً تركياً عالمي السمعة مثل أورهان باموك، و الحائز على جائزة نوبل للآداب، يتعرض لملاحقة قضائية حين تفوه بما رآه الكثير من الأتراك خيانة قومية عندما تناول هذه القضية في مقال موسع٠

نماذج
على مسافة بعيدة
Uzak – Distant 2002
المخرج: نوري بيلج سيلان



تفتح الكاميرا في مشهد البداية على صورة يتناوب فيها الأبيض مع الأخضر الباهت و الأزرق الرمادي لتعطي إحساساً بإفتقاد حرارة اللون و حرارة الحس الإنساني. في مقدمة الصورة سهل ممتد يغطيه الثلج، يعلوه هضبة بهتَ لونها الأخضر حيث تتناثر بيوت القرية، و ما تبقى من الصورة يحتله شريط ضيق هو سماء ألتبسَ لونها بين الأزرق الباهت و الرمادي. من عمق الكادر و على المساحة البيضاء يتحرك رجل من عمق الكادر بإتجاه مقدمته. إنه يوسف، الشاب الذي يقرر ترك القرية بحثاً عن عمل في إسطنبول إثر إغلاق المعمل الوحيد في المنطقة و الذي طالما شكلَ مصدر العمل اليتيم لإهل القرية. يوسف يأمل أن يحصل على عمل على متن سفينة تقله إلى العالم الواسع بعيداً عن الموت البطيء في قريته. عمل يعرّفه إلى العالم و يملأ جيوبه بالدولاارات.
حين يصل يوسف إلى مقدمة الكادر، يلتفت إلى القرية، و من ثمّ يخرج من الكادر. هو خروجه (أو محاولة خروجه) من سكون الأشياء و إحتضار الأمل في ريف ناءٍ بدا و كأن العالم قد نسيه خارج الحياة و الزمن
في إسطنبول، يقصد يوسف شقة قريبه محمود الذي سبق و أن غادر القرية قبل عقود حاملاً حلمه بالخلاص في مدينة كانت في يوم عزّ الإمبراطورية. حلم محمود بالفن و التصوير الفوتوغرافي إنتهى به إلى خيبة أن يعمل مصوراً لصالح شركة تنتج السيراميك٠
في الشقة الصغيرة، كما في إسطنبول الواسعة، إبتعدت المسافة بين الرجلين. كلٍ له عالمه و مفهومه للحياة والجنس و الحب و التوق. لوهلة يبدو أن الرجلين هما تجسيد لحال مكونات المجتمع في تركيا المعاصرة. مجتمع موزع بين تقاليد الأسرة و النسب و الإلتزام بالآخر و بين إرهاص الحياة اليومية في مدينة معاصرة تنوء بذاكرة عزّها المندحر و هموم أيامها الراهنة٠
أختار المخرج سيلان أن يصور إسطنبول الرازحة تحت ثلج ثقيل ليحولها إلى جزء عضوي من الحكاية والرؤية. فالمدينة هنا ليست مجرد مكان، بل هي عنصر أساسي في عملية التغريب التي تقود الرجلين في رحلة إبتعادهما المتواصل. تحت طبقة الثلج الكثيفة البيضاء تختفي التفاصيل و تزداد المسافة إتساعاً و وحشة ً. إسطنبول هنا هي أقرب ما تكون إلى بورتريه بالأبيض و الأسود. حتى الشخصيات ترتدي ألبسة سوداء أو رمادية لتزيد من ترسيخ إلتباس العلاقات و إغترابها٠

و تبدو قدرة المخرج لافتة للغاية في خلق كل تلك التفاصيل البصرية و الإنسانية في حكاية لا يحدث فيها شيء، لو جاز التعبير. في خلال بحثه عن عمل يقصد يوسف الميناء على البوسفور و نراه يمرّ أمام سفينة تجارية ضخمة و قد إنقلبت على طرفها و يبدو نصفها غارقاً في مياه البوسفور فيما نصفها الآخر راسياً على البرّ المكسو بالثلج. ندرك هنا، حتى قبل أن يدرك ربما يوسف، أن حلمه بالعمل و السفر على متن باخرة تجارية إنما قد جَنـَحَ أو غرق قبل أن يولد. في تكوين هذا المشهد و البعض غيره، لا تستطيع إلاّ أن يراودك طيف تاركوفسكي. فضآلة الفرد أمام هزيمته المحتومة، و الصمت الذي يروي إنكساره يجمعان بين بيلج سيلان و تاركوفسكي و لو "على مسافة بعيدة."٠
تبدو المسافة بين الرجلين (بيلج سيلان و تاركوفسكي) أقرب في فيلم سيلان القصير "الشرنقة" بالأبيض والأسود.
حاز فيلم "على مسافة بعيدة" على الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي سنة 2002 و كانت تلك أول جائزة أساسية للسينما التركية عالمياً منذ فيلم يلماز غوناي "الطريق" سنة 1982.
كما نالَ الممثلان الرئيسيان في الفيلم: مظفر أوزدمير (في دور محمود) و هو دوره الأول سينمائياً و الشاب محمد أمين توبراك جائزة أفضل ممثل في نفس المهرجان. توبراك لم يحضر لإستلام الجائزة لإنه قضى في حادث سيارة قبل إعلان فوزه بأسابيع قليلة. كان حينها في الثامنة و العشرين من عمره٠

Nuri Bilge Ceylan
نوري بيلج سيلان...في لمحة


ولد سنة 1959 في إسطنبول. إثر تخرجه من كلية الهندسة الكهربائية، عادَ إلى معهد "المعمار سنان" الشهير حيث درسَ السينما. فيلمه القصير الأول "شرنقة" سنة 1995 عُرض في مهرجان كان لذلك . فيلمه الطويل الأول كان "مدينة صغيرة". أما فيلمه الثالث "على مسافة بعيدة" هو الذي وضعه على خارطة المهرجانات العالمية حين حاز على جائزة التحكيم الكبرى. أما فيلمه "مناخات" سنة 2006 فقد منحه نقاد مهرجان كان جائزتهم لإفضل فيلم لذلك . نوري بيلج سيلان كان ضمن لجنة تحكيم مهرجان كان للمسابقة الرسمية سنة 2009

رحلة إلى الشمس
Journey to the Sun 1999
المخرجة: يشيم أوسطا أوغلو



إذا كان نوري بيلج سيلان قد أختارَ أن يسبر أزمة مجتمعه من خلال سيرة فردية وجودية، فإن المخرجة يشيم أوسطا أوغلو تذهب مباشرة إلى ملف سياسي بإمتياز. ملف طالما بقي حبيساً بأمر قلم الرقيب: أزمة الأقلية الكردية في تركيا!
أوسطا أوغلو لا تدين ممارسات الجيش و لا عمليات إرهاب الجماعات الكردية المسلحة. هي لا تبحث عن تحليل سياسي أو أيديولوجي لصراع إستنزف أرواح ثلاثين ألف شخص على مدى سنواته التي زادت عن الثلاثين، بل هي تروي حكاية إنسانية بشاعرية تلامس القلب و الروح. أوسطا أوغلو تترك كاميرتها أحياناً تدور في خواء وصمت قرية نائية هجرها سكانها و حملت جدرانها إشارات حمراء وضعها الجيش لتمييز بيوت المخربين حسب التوصيف الرسمي التركي. الصورة توحي بالموقف دون صراخ و لا شعارات.
محمد، شاب تركي داكن السحنة يكافح لكسب قوته في إسطنبول، يجد نفسه يوماً متورطاً في قضية أمنية لا علاقة له بها. فتنشأ بينه و بين شاب كردي (برزان) صداقة لا تلبث أن تضع محمد على طريق إكتشاف ذاته و الآخر الذي طالما أراده المجتمع (أم أن ذلك الآخر أراد لنفسه) أن يكون عدواً
عبر محمد و برزان ذو النشاط المشبوه أمنياً تـُطلّ أوسطا أوغلو على الجانب المظلم من مدينة إسطنبول ذات الحزن الساحر. هي ككل المدن الكبيرة في الدنيا، لها أكثر من وجه و حال. لكن المخرجة تحمل عدستها إلى حيث يتواطؤ البؤس و الفاقة و الحاجة و الظلم و القمع ليؤسسوا عالماً آخر و بلداً ثانياً و أزمة إنتماء لا تكفي الهوية القومية لحلها
"رحلة إلى الشمس" مقسوم إلى نصفين: الأول تتدافع فيه الأحداث و الشخصيات المهرولة من( أو إلى) مصيرها. أما النصف الثاني فهو رحلة محمد و معه جثمان صديقه برزان الذي سقط في صدام مع البوليس إثر مظاهرة. محمد يريد أن يعيد صديقه (و لو ميتاً) إلى مسقط رأسه زوردوش، و هي قريته التي طالما تمنى أن يعود إليها ولم يستطع و هو على قيد الحياة. و حين يصل أخيراً إلى "زوردوش" القرية المنسية على الحدود العراقية، يكتشف محمد أن القرية إنما تغرق تحت مياه بحيرة سدّ جديد، فيدفع الجثمان إلى مثواه الأخير طافياً على مياه....الذاكرة!
محمد، الذي صبغ شعره أشقراً لتمييز ذاته عن الأكراد الداكنـيّ السحنة و الشعر، يُغطس رأسه في حوض ماء لإزالة الصباغ. فقد إكتشفَ ذاته و عاد إليها. بل هو الآن أكثر وفاءً و ولاءً لصديقه السابح على سطح ماء البحيرة نحو وطن و مثوى يبقى مراوغاً كماء البحيرة
لسبب ما لا يندمج قسما الرحلة إلى الشمس رغم (أو ربما بسبب) خصوصية كل ٍ منهما. في النصف الأول تشعر أن كوستا غافراس وراء الكاميرا، أما في النصف الثاني فتشعر بنـَفـَس الإيطالي المضرم فرانشيسكو روزي. المقارنة هنا ليست للتقليل من أصالة عمل أوسطا أوغلو. فالفيلم يبدو أصيلاً في سبره لعلاقات شخصياته و المدينة التي تغمرهم بالأسى كما بالأمل. كما أن شاعرية يشيم أوغلو في رحلة عودة الجثمان تدغدغ الدمع في مخبئه

نالَ الفيلم سنة 1999 جائزة الملاك الأزرق كأفضل فيلم أوروبي في مهرجان برلين لذلك . كما حازَ جائزة أفضل إخراج في مهرجان إسطنبول. و رغم أن الفيلم قد حصلَ على موافقة الرقيب التركي حين إنجازه، فإن العديد من نقاد السينما الأتراك فضـّلوا تجاهله لفترة غير قصيرة. الفيلم يتمّ إستعادته الآن في صالات الفن و التجربة و يتوفر على أقراص مدمجة. و الحقيقة هي أنه مجرد وجود هذا الفيلم يدلّ على المسافة التي قطعتها الثقافة (والسياسة) التركية نحو التصالح و مواجهة ذاتها و الآخر

Yeşim Ustaoğlu
يشيم أوسطا أوغلو ... في لمحة


ولدت يشيم أوسطا أوغلو سنة 1960 في شرق البلاد قرب الحدود الأرمينية. تخرجت و عملت كمهندسة معمارية لمدة عشرة سنوات قبل أن تنحاز إلى السينما حيث صنعت حفنة من الأفلام القصيرة التي تحب أن تصورها: "...لإنها تشعرك بالحرية. أما مع الفيلم الطويل فأنت تدخل في مشاكل المال و التمويل"
حققت أول فيلم طويل لها سنة 1994 بعنوان "الأثر" عن رجل بوليس سابق مارس التعذيب و قررَ أن يغيرمعالم وجهه بعمليات تجميل كي يستطيع الإستمرار في حياته٠
فيلم أوسطا أوغلو التالي عالجَ أيضاً و احداً من الملفات الحساسة في الميراث الثقافي و الإجتماعي التركي: العلاقات مع اليونان و التاريخ الدامي بين الشعبين. الفيلم كان »بإنتظار الغيوم« سنة 2204

يسري نصر الله وحكاية البنات الثلاث
هوڤيك حبشيان



بعيداً من التصنيفات الجاهزة، لا يسعنا الا ان نرفع القبعة لنصرالله على هذه الميلودراما الساحرة التي أدخلته الى مرحلة أنضج من مساره السينمائي. نضر، ديناميكي، ممسوك بقدرة قادر، يقظ...، هذه هي بضع صفات عمل يعيد رسم بورتريه لقهر المرأة في مجتمع يحكمه الفساد السياسي والوصولية. النصّ الذي ألّفه القدير وحيد حامد، يتضمن تيمات ومحاور عدة، تبناها صاحب مرسيدس" وفسّرها على سجيته، مانحاً فيلم المؤلف بعداً آخر، " ومذكّراً كل لبيب بأنه ليس بالتأليف وحده يصبح السينمائي محاور تشكل منها "احكي يا شهرزاد"، يغوص فيها مؤلّفاً. هنا، إجابات المخرج يسري نصرالله، على عشرة اسئلة ضمن مقابلة أجريت معه في الدورة الأخيرة من مهرجان أبوظبي السينمائي

وحيد حامد
لوحيد حامد موهبة كبيرة. اهميته في قدرته على الاصطدام وفي " التوفيق بين ما ينتمي الى العقلية السائدة وما يتيح التمرد على هذه العقلية. ثمة شيء عند هذا الجيل مرتبط بعصاميته: هؤلاء لم يصلوا الى ما هم عليه بسهولة. كشخص، كنت أخاف منه! لم اتخيل يوماً انني سألتقيه. كان له عالمه الخاص، والسينمائيون الذين يتعاون واياهم. أما أنا فكنت في طور تحديد أهدافي السينمائية. خوفي كان مرتبطاً بفكرة انني كنت أحتاج لأقول مَن هو يسري نصرالله. ويبدو أنه كان هناك اعجاب متبادل بيننا، لكن حامد هو الذي بادر بالخطوة الاولى، فطلب اليّ أن أقرأ نصاً. "يا تصيب يا تخيب"، قال لي
منذ الصفحة الاولى، شعرت أن النصّ سيعجبني. ففكرة الحدوتة داخل الحدوتة تستهويني. كان في هذا السيناريو ما يمس طرحي في أفلامي السابقة، وقوامه ان الشخصيات التي أقدمها لا تطرح ذاتها كضحايا. ما لفتني ايضاً ان أفلامي كلها تبدأ حيث ينتهي هذا الفيلم، مما يفسر لماذا كان هذا الفيلم "اسهل" بالنسبة الى المتفرجين من أفلامي الأخرى. تنطلق أفلامي عادة من شخصيات حسمت علاقتها بمنظومة الأخلاق والسياسة السائدة، بمعنى انها همّشت نفسها لترى كيف يمكن خلق علاقة جديدة بالمجتمع، لكن بشروط يتقدمها منطق "أنا هنا!". يتضمن "احكي يا شهرزاد" شخصيات ممتثلة تماماً، تتملق المنظومة السائدة ولا تشعر باغتراب عنها. فيلمي يُري تدريجاً كيف تولد هذه الشخصيات من رحم المنظومة! تالياً، كيف تضطر الى الانسلاخ عنها فقط للبقاء على قيد الحياة. انطلاقاً من هنا، تابع المتفرج "العادي" الفيلم. كأنك تأخذ بيده لتريه كيف أن كل ما تربّى عليه من قيم ومن فصل بين الصح والخطأ، ينتمي الى منظومة متخاذلة. والناس انفعلوا جداً مع هذا الطرح. وكأنك تأخذ بيد طفل وترافقه لتريه العالم وتقول له لماذا هذا العالم "مش ماشي" (...)٠
هناك أشياء أردت تعديلها مع وحيد قبل بدء التصوير، وبدا مرناً ومنفتحاً. كان العمل بيننا أشبه بلعبة بينغ بونغ. تسنةلتُ مع النصّ كما لو أنني أتسنةل مع نصّ لشكسبير، بحيث أردت أن اضيف اليه تفسيري الخاص. وهنا كانت لي حرية مطلقة. كان وحيد حامد حريصاً على عدم التدخل فتركني حراً، سواء في اختيار الممثلين أو في نمط المعالجة"٠



الحوار
لم أرد التسنةل مع هذه الشخصيات باعتبارها ابواقاً. كان عليّ أن " آخذها على محمل الجدّ، وتفادي جعلها مجرد متحدثة باسمي أو باسم وحيد حامد بغية إمرار آرائنا في مسائل عدة. كان عليها أن تمعن باستقلالية وتعبّر عن نفسها بنفسها. فكان لي سؤال: اذاً، لماذا يتكلم هؤلاء على النحو الذي يتكلمون فيه؟ (...)٠
أول شيء صدمني هو الحوار الذي كان قوياً، وكان يبدو للوهلة الاولى مباشراً. ثمة أشياء أعاد حامد صوغها بعدما جلسنا معاً. هو الذي تولى عملية تعديلها، ذلك أنني كنت حريصاً في تعاوننا معاً على الا يشعر أحد منا اننا في مصارعة. كنت احاول ان ادنو برفقته الى شيء يتفق عليه كلانا، بعيداً من التنازلات. أشياء، لا نشعر بغربة عنها، لا أنا ولا هو"٠

الميلودراما
عندما أمسكت النصّ، تساءلت عن الفورما التي كنت اريدها " للفيلم. فكان قراري أن أعزز من الطابع الميلودرامي. فعلت ذلك لأنني أجد أن الميلودراما، سواء في السينما المصرية أو الأميركية، هي التي، أكثر من غيرها، في إمكانك أن تعبر من خلالها الى معانٍ سياسية متمردة وانقلابية، يقبلها الجميع. وهذه هي حال أفلام دوغلاس سرك وفيرنر فاسبيندر وحسن الامام. فذهبت في هذا وهو على كل حال شيء أحبه وموجود Mise en scèneالاتجاه، اتجاه الـ
في كل أفلامي: اللقطة الطويلة المتضمنة حركات كاميرا مستمرة. كنت اريد شريطاً سلساً ومؤسلباً، لا تشعر انه غريب ولكن في الحين نفسه لا يكون نصير المدرسة الطبيعية
Naturalisme

الشاشة
ما علاقة مقدمة التلفزيون هبة بضيفتها أماني؟ بالنسبة الى المذيعة فهذا استعراض، كونها اعتادت محاورة سياسيين، وفي اعتقادها انها تستطيع أن تتعاطى بالطريقة نفسها مع أماني، أي بأقل قدر من الشخصنة للموضوع الذي تطرحه. لكن سرعان ما تكتشف انها استغلت فتاة رقيقة. لذلك ينتهي المشهد مع المرأتين في الظلمة، فتتوجه هبة الى أماني بالسؤال: "لماذا قبلت أن تظهري في برنامجي؟". انتقال هذا الشيء بين الشخصيات كلها يجعلك تشعر ان كلا الجنسين، رجالاً أكانوا أم نساء، هما ضحية عقلية ما. لذا، فالصورة التي تراها في شاشة البرنامج هي بالأبيض والأسود، اذ ترى جانباً من شفتي هبة، والى ما هنالك من تفاصيل (...). الضيفة الثالثة في البرنامج الدكتورة ناهد، هي بمنزلة شبح هبة، كونهما من طبقة اجتماعية واحدة، مما اتاح لهذا الفصل من الفيلم أن يكون لعبة مرايا بين شخصيتين. وهنا شهدنا انهيار هبة. فعندما تقول ناهد انها لم ترد طفلاً من شريكها، تدرك هبة بدورها أنها لا تريد طفلاً من زوجها، على رغم انها كانت حتى الأمس تحاول اقناعه بضرورة الانجاب. وعندما تدرك هذه الواقعة تجهش بالبكاء وتفقد مهنيتها والسيطرة على نفسها، لتدرك في موازاة ذلك ان قصص هؤلاء النسوة اللواتي ينتمين الى طبقات اجتماعية مختلفة لا
تختلف عن قصصها وحكاياتها. المساحة التي أتاحتها كانت لانهائية. لذا، كنت سعيداً جداً وأنا أصنع هذا الفيلم"٠

سمير بهزان
كان "جنينة الأسماك" فيلماً عن النور والظلمة. هنا كنت أتكلم عن " شيء فيه نوع من تنوير. اشتغل سمير بهزان شغلاً "خرافياً" على هذا الفيلم. عندما اخترت المكان الذي صوّرنا فيه شقة البنات الثلاث، قال لي انه سواء أكنا في الليل أم في النهار، فالشيء الوحيد الذي يؤكد وجودنا في الليل أو في النهار هو النور الذي في الخارج. أما في داخل الشقة، فهناك احساس دائم بأننا في الليل، واحساس بالاختناق والانغلاق. بطريقة مختلفة تماماً، تمت اضاءة شقة هبة الكبيرة، وهي نقيض شقة البنات الثلاث، لكن في خاتمة الأمر تبقى سجناً على رغم مساحتها. احساس السجن هذا يأتي من ان لا مكان تختبئ فيه. لا تستطيع هبة أن تجد مكاناً حميمياً لها بعيداً من أنظار زوجها. وكأن هذه الشقة غرفة فندق او بيت دمية. صارحت سمير بهزان برغبتي في أن اعمل وفق تقنية اللقطات الطويلة. أولاً لأنني أشعر بأن هذا الشيء يساعد الممثلين. كانت لقطات معقدة جداً ولكن لا تبدو كذلك. لم نقصد يوماً أن تكون حركات الكاميرا ظاهرة وكأنها موجودة بذاتها، وكان مبررها بسيطاً وهو الرغبة في تصوير حالة من التوتر من دون اللجوء الى المونتاج. عندما تعمل مع الممثلين على هذا النحو، يفقد الحوار خطابيته وليس أهميته، فلا ترى أمامك ناساً يتكلمون إنما ترى ناساً يفكرون. وهذا شي من صميم السينما. هذا يتعلق بمدى أخذك للشخصيات على محمل الجد"٠

الضحايا
عندما تقرأ السيناريو تعتقد أن الرجال كلهم أشرار والنساء " طيبات. لنفترض ان هذا حقيقي، يبقى أن هؤلاء الرجال على قدر عال من الجاذبية. لم اتقبل يوماً، شريراً يفتقر الى الكاريزما والسحر. اذا كان شريراً وثقيل الظلّ، فمن السهل التخلص منه، اما اذا كان شريراً وساحراً، فهذا أصعب. ثم انني كنت اريد القول من خلال هذا، إن هؤلاء النساء لسن غبيات. لو كانت هبة متزوجة من عبيط لكنت ستعتبرها عبيطة! لذا، كان يجب أن يشعر المُشاهد بأنه يحق له أن يفتتن بهؤلاء الأشخاص. هم جميعهم يتحركون ضمن منظومة أخلاق واحدة. لو لم يدخل الحبّ في الحكاية، ولو ان العلاقة بقيت صفقة تجارية كما هو سائد اليوم، لكانت الحكاية على ما يرام. الهنة انه لديك شخصيات رجالية مبرمجة لتكون مسيطرة على الدوام، وسرعان ما تقع ضحية هذا الشيء. ولأن النساء الأربع ينقذن أنفسهن، فالضحايا الحقيقية لهذه العقلية، في الأخير، هم الرجال الذين لم يستطيعوا التخلص من تربية تفرض عليهم أن يبقوا اصحاب سلطة وسيطرة"٠

منى زكي
فكرت في منى زكي، منذ اللحظة التي قرأتُ فيها النصّ. أولاً " لكونها ممثلة بديعة. شاهدتها على المسرح وهي كانت لا تزال مراهقة. ثم، منى زكي صغيرة الحجم. وأنا عملت كثيراً في هذا الفيلم على أجسام الممثلين. انطلاقاً من الاحساس الدائم بأن المرأة ضعيفة ويمكن كسرها. وعندما ترى منى الى جانب زوجها، تجدها كالطفلة الصغيرة، وهو يبدو خائفاً عليها من كسرها. فعلاً، هناك لحظة، حين يضربها، يخاف المُشاهد عليها من أن تتكسر. عندما يقول لها زوجها في آخر الفيلم إنها عروسة من بلاستيك وبغبغان ملوّن، فالواقع أنها كانت كذلك طوال الفيلم، وهذا هو الانطباع الذي ارادته لنفسها. تدريجاً، تتحول الى بني آدم، وبني آدم قوي. فهو تزوجها لأنها عروسة بلاستيك وبغبغان ملون لكنها تمردت على وضعها. وعندما اخترت الممثلة المغربية سناء عكرود، فإن جزءاً حاسماً من اختياري لها، تجسد في أنها في حجم منى زكي، وهي كانت مرآة لها. هي الأخرى عندما يمسكها رجل (حميدة هذه المرة)، نخاف عليها من أن تُكسر، لكنها في الأخير، هي التي تكسره.
الجدال الذي دار حول الفيلم انطلق منذ ظهور الاعلان. لم يكن جدالاً بقدر ما كان شتيمة. استعملوا مفردات دينية في هجومهم. الاعلان كان واضحاً: هذا فيلم عن قهر المرأة وعن وضعها الحالي في مجتمعنا. وعندما تشارك منى زكي في فيلم عن قهر المرأة كتبه وحيد حامد وأخرجه يسري نصرالله، فهذا يعني ان المسألة جدية وليست تهريجاً. هذا ادى الى عداء حقيقي. ثمة أفلام فيها عري وأشياء أخرى لم تتعرض لما تعرضنا له. الهجوم هنا كان منبعه الذعر. كانوا مقتنعين بأن الفيلم سيحدث مشكلة، وهو أحدث مشكلة. أحدهم مثلاً استخدم الانترنت على نحو تحريضي جداً ليكتب فيه كلاماً فظيعاً وشتائم وآيات قرآنية عكست الطابع الاصولي والمتزمت لهذا الخطاب، بحيث تداخلت فيه مسألتا الحلال والحرام. كان هذا كلاماً ايديولوجياً مبرمجاً. الآن انتقل هذا الموضوع الى المغرب وضد سناء عكرود. فسناء ممثلة كبيرة والناس جميعهم يعلمون ذلك، ويعلمون انها ليست ممثلة اغراء خفيفة تريد اظهار طرف صدرها (هؤلاء لا يأتي أحد على ذكرهم). وأنا اخترتها لقدرتها ولم أخترها لأنها مغربية. وهنا أسأل مهاجميها: هل شعر أيٌّ منهم في أيّ لحظة، أنني استخدم جسد المرأة؟ فعندما تتكلم عن موضوع قهر المرأة، فأحد أشكال هذا القهر هو اعتبار الانثى لعبة جنسية، أي اعتبارها "شيئاً". لكن، ما أحبه في الفيلم أن الرجل هو اللعبة الجنسية٠
ما هذا المجتمع الغريب الذي يعتبر ان المرأة مصدر غواية، ويتغاضى عن كون الرجل بالنسبة الى المرأة هو أيضاً مصدر غواية؟ لا يسعك التكلم عن قهر المرأة من دون أن تتكلم عن قهر الرجل أيضاً. في الأخير، نحن في مواجهة وضع يسمم العلاقات ويسمم القدرة على الحبّ. وهذه كارثة بالنسبة الى الجنسين. كرجل، انت مبرمج منذ الصغر لتسيطر، واذا فقدت سيطرتك تفقد ذكوريتك. عليك أن تفرض الشروط، وعلى المرأة أن تمشي خلفك. والمرأة تقبل بهذا الأمر. المنظومة هذه، يا للغرابة، مقبولة من كلا الطرفين"٠



تمرّد
الشخصيات جميعها تتمرّد في الفيلم. واحدة تتمرد من خلال " رفضها الزواج، وواحدة ثانية من خلال القتل، وواحدة ثالثة تشارك في تظاهرة، وواحدة رابعة تظهر على التلفزيون لتقول "انظروا اليَّ انا التي أبدو عروسة وسطحية، انظروا ما حصل لي وسأحكي لكم حكايتي مع انني لم اتصور يوماً انني سأتحول من مخبرة لحكايات الناس الى حكاية". التمرد مصدره البوح. وهو الاطروحة النقيض لـ"جنينة الاسماك"، حيث القمع كان باطنياً ويعوق الكلام. هنا أسأل: لماذا الفتيات الثلاث يتمكنَّ من التمرد أكثر من غيرهن؟ ذلك لأنهن لا يمتلكن سلطة، لذا فمن السهل جداً أن يتنازلن عن شيء لا يملكنه، وهذا الشيء هو أقوى ما فيهن. لن تتمرد ما دام ثمة فكرة تسيطر عليك، مفادها أن الحبّ ليس مهماً وأن السيطرة هي أهم شيء. أما حين تلغي السلطة من قائمة اهتماماتك وتتعقب الحبّ، فلا أحد سيقوى عليك"٠

الفساد السياسي
ليشغل منصب رئيس تحرير صحيفة، لماذا على شخص موهوب " وساحر مثل كريم أن يُنتخب انطلاقاً من قدرته على أن يكون ذليلاً، بدلاً من أن يُنتخب استناداً الى مواصفاته الحسنة. في الظرف الذي هو فيه، من الطبيعي أن تختفي ميزاته، وهذا ما تقوله له زوجته في لحظة معينة: "النجاح هو أن يقرأ لك الناس ويحترموك ويحبوك". لكن كلمة "يحبونك" لا يطيقها، وعنده أن الناس جميعهم يلهثون خلف المناصب. يقول عن النجاح انه لمبة صغيرة، لأيٍّ كان القدرة على اطفائها...
لا نعرف مَن يحكم مصر مستقبلاً وكيف. لدينا في مصر حكومة لم تتغير منذ ثلاثين سنةاً. مؤسسات الدولة تنهار واحدة تلو الاخرى. بدلاً من ان تكون لنا دولة، لدينا سلطة. ما الحلّ؟ ليس لديَّ حلّ. لست سياسياً وليس من شأني أن أطرح الحلول (ضحك). لكن أعرف أن قضية مثل قضية طلعت مصطفى وسوزان تميم كان يمكن أن تلفلف بسهولة لكن الرأي حسم موقفه وطالب بالاقتصاص منه… لا، لا، لا نستطيع ان نبقى صامتين الى الأبد على كل ما يجري من حولنا!"٠

الجمهور
لم يكن التقرب من الجمهور الدافع خلف انجازي هذا الفيلم. انجزته " لأنني أحببته. أخذهم الفيلم خطوة خطوة الى حيث أخذتهم أفلامي السابقة منذ زمن بعيد. بعد "شهرزاد" سيتفرج المشاهدون على باقي أفلامي بطريقة أخرى. بالنسبة اليَّ كان هذا الفيلم بمنزلة مذكرة تشرح سبب انجازي لأفلامي الأخرى، ولماذا شخصياتي هي على النحو التي هي عليه؟ . كثر سألوني "ترى كيف ستعيش هبة حياتها، بعدما ظهرت على التلفزيون وروت حكايتها أمام الجميع؟". فكان ردّي: "اذهبوا وشاهدوا أفلامي الأخرى". الأجدر انها ستحاول خلق علاقة جديدة بالمجتمع، علاقة مبنية على الصدق وليس على الكذب والتمثيل٠
باستثناء "جنينة الأسماك"، لا أعتبر أفلامي ذات لغة سينمائية صعبة، وخصوصاً "المدينة" و"باب الشمس". لكن محسوب عليّ أشياء كثيرة، منها انني أعمل مع ممثلين جدد وأنني بدلاً من إنجاز "باب الشمس" باللهجة المصرية أنجزته باللهجة الفلسطينية (!)، وانني اختار باسم سمرا في "المدينة" بدلاً من نجم كبير، على رغم انه فيلم شعبي جداً (...). جزء من الناس الذين شاهدوا "احكي يا شهرزاد" شاهدوه من أجل وحيد حامد ومنى زكي ويسري نصرالله. وكلّ واحد منهم فوجئ بما جاء به واحد من هؤلاء الثلاثة. على المستوى التقني البحت، هذا من أصعب افلامي"٠


الرعب وُلد على يديه: مئتا سنة على وفاة إدغار ألان بو

محمد رُضا



لا أحد، منذ وفاة المؤلّف الأميركي إدغار ألان بو في السابع من تشرين الأول/ اكتوبر سنة 1849 يعرف طبيعة تلك الخلايا الذهنية التي كان يتمتّع بها والتي تفتقت دوماً عن رصف بعض أغرب وأوحش صور الخيال آنذاك والى اليوم
إدغار ألان بو الذي وُلد في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير سنة 1809 كان كاتباً روائياً وشاعراً وناقداً أدبياً. واحد من أوّل من كتب الرواية المرعبة بالإنكليزية (إن لم يكن أوّلهم) وأحد أوّل كاتبي القصص القصيرة في اميركا، على الأقل، وبالتأكيد أول من كتب روايات التحري البوليسية. بعده جاء آرثر كونان دويل وفرانك أرنو وإيرل در بيغرز ولي براكيت وإيرل ستانلي غادرنر وصولاً الى أغاثا كريستي ورايموند تشاندلر وكولين دكستر وجورج سيمنون وجيمس م كاين وميكي سبيلاين وجون مكدونالد وروس مكدونالد ثم تجاوزاً الى من يحفل بهم الأدب البوليسي اليوم٠
إدغار لم يكتب الخيال العلمي، لأنه لم يكن هناك صفة لهذا الخيال، لكن بعض ما كتبه من غرائبيّاته تعتبره المراجع تمهيداً لذلك النوع من الروايات٠

قصّة حياته كانت عبئاً عليه طوال عمره الذي لم يتجاوز الأربعين سنة حين مات. وُلد إبنا لممثلين مسرحيين لكن والدته توفّيت حين كان في الثانية من عمره ووالده كان هجرها قبل ذلك بنحو سنة. حين ماتت تيتّم إدغار وشقيقه وشقيقته وما لبثوا أن توزّعوا. ثري من الجنوب الأميركي أسمه جون ألان تبنّاه إرضاءاً لزوجته التي لا تنجب. لم يحبّه كما لو كان إبنه لكنه صرف على تعليمه. مشاكل إدغار بدأت من سنوات الشباب إذ كان في العشرين من عمره حين أخذ يقارع الخمر والقمار فتم طرده من الكليّة التي كان يدرس فيها وما لبث والده بالتبنّي أن طرده من حياته حين امتنع عن تزويده بالمال٠
كان وضع كتاباً من الأشعار سنة 1827 (حين كان في الثامنة عشر من عمره) ووجد أن ميوله تكمن في الصحافة والكتابة فانتقل في العمل في الصحف من دون أن يستطيع التغلّب على إدمانه الشرب. في ثلاثينات القرن التاسع عشر وأربعيناته كتب معظم رواياته القصيرة (لديه رواية طويلة واحدة هي »حكاية آرثر غوردون بين«). في 1847 ماتت زوجته التي أحب، وقبل يومين من وفاته عُثر عليه متشرّداً في الدروب وهو في حالة إعياء. وكان أصيب بمرض السل من 1843 الذي عانى منه حتى موته٠
بعد وفاته وُجدت في حوزته رسالة كتب فيها: "مؤمن بأن الله أودعني عبقرية متوهّجة، لكنها تمرمغت بالتعاسة"٠


باربرا ستيل في
The Pit and the Pandulum
-------------------------------------------------------------
أردني صنع فيلماً عنه
هو أيضاً كتب ذات مرّة: "لا أتوقّع ولا التمس التصديق حيال ما سأكتبه من خيال مفرط وفي الوقت ذاته أليف"٠ ومن هذا المنطلق وضع بو عشرات القصص القصيرة التي وجدتها السينما نموذجية في سعيها لتقديم قصص الرعب الكلاسيكي على الشاشة. وهذا بدأ قبل 101 سنة عندما قام مجهول باقتباس رواية بو »جرائم قتل في شارع المشرحة«. في التالي، كان هناك فيلمان مأخوذان عن بعض أعماله واحد فرنسي لهنري دسفونتين هو »الحفرة ورقّاص الساعة« والآخر أميركي بعنوان» الغرفة المختومة« أخرجه ديفيد و. غريفيث٠
بعد ذلك تكاثرت الأفلام المقتبسة عن روايات المؤلّف طوال المئة سنة السابقة ووصولاً الى مطلع هذا عندما تم إعادة تحقيق قصّة »الحفرة ورقّاص الساعة« (وحدها اقتبست أكثر من عشر مرّات) في فيلم أخرجه الجديد ديفيد ديكوتيو من بطولة لوريل نيو وستيفن هانسن وآخرين من شبّاب السينما الجدد غير المعروفين. الفيلم ذاته صغير ولا يوازي اقتباس المخرج ستيوارت غوردون سنة 1991 الذي قام ببطولته ممثل أدوار الشر (عادة) لانس هنريكسن. كذلك فإن نسخة 2009 المذكورة لا تصل الى جودة فيلم روجر كورمان الذي قام فنسنت برايس (وكان أحد أهم ممثلي أفلام الرعب والشر) ببطولته لجانب الممثلة البريطانية باربرا ستيل التي كان لها حضور في مثل هذه الأفلام في ذلك الحين٠
هذه النسخة تم تصويرها سنة 1961 وبعدها بثلاث سنوات قام ثنائي كورمان وبرايس بتقديم رواية أخرى من أعمال إدغار ألان بو الجيّدة هو »قناع الموت الأحمر« التي نشرها المؤلّف سنة 1842 ولاقت من حينها اهتماماً أدبياً كبيراً٠
على أن كورمان وبرايس سبق لهما أن قدّما رواية أخرى لبو هي »سقوط منزل آشر« التي انتقلت الى الشاشة أكثر من مرّة من بينها ثلاثة أفلام فرنسية (بدءاً من 1928). كما استوحى منها المخرج البريطاني كن راسل مادّة فيلمه ذي القصّة المعاصرة سنة 2002 فيه حوّل المخرج الذي كانت له صولاته في السبعينات فيلماً موسيقياً من الروك أند رول ولو أن أحداثه بقيت مستوحاة من الأصل٠
على كثرة الأفلام التي اقتبست عن رواياته (والتي لا مجال لإيرادها هنا) فإن أفلاماً قليلة تحدّثت عن حياته. أحد هذه الأفلام أخرجه في أميركا عربي من الأردن أسمه محيي الدين قندور قام سنة 1974 بزيارة لبنان ومعه نسخة من فيلم سمّاه »شبح إدغار ألان بو«. عرضه على الحفنة من النقاد الذين أمّوا العرض الخاص. بعد ذلك عرض الفيلم، الذي قام بدور الكاتب فيه روبرت ووكر، تجاريا وتم سحبه بعد أسبوعين. لم يختف الفيلم فقط، بل اختفى أيضاً مخرجه٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved Mohammed Rouda ©2007 2009٠

No comments:

Post a Comment