Oct 17, 2009

مهرجان القاهرة الدولي | حوار مع جورج كلوني | السينما التركية- الحلقة الأولى | كلمة إعجاب بفيلم »المسافر«٠

Year 3 | Issue 464
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Cover Story
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Stilyagi/ Hipsters.


أختتم مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي دورة ناجحة (هي الثالثة) بحفل توزيع الجوائز التي شملت الأفلام الروائي الطويلة والأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة. واختطف الفيلم الروسي »مجانين صرعات« الجائزة الأولى بين الأفلام الروائية الطويلة. الفيلم كوميديا موسيقية تقع أحداثها في مطلع الخمسينات أخرجتها فاليري تودروفسكي، وهو أحد أفلام موجة روسية من الأفلام الشبابية الحديثة٠


هذا العدد
1
ماذا عن مهرجان القاهرة؟ محمد رُضا يقترح مديراً يتمتّع بوجهة نظر في الحياة الثقافية يتقدّم بالمهرجان عوض أن يستمر فيه
2
ميسر مسكي يكتب عن السينما التركية باحثاً في جذور الهوية الثقافية ومتواصلاً مع تطوّراتها الأولى
3
في سلسلة المقالات التي تتناول فيلم »المسافر« ، والتي بدأت منذ تمّت مشاهدته في مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي، نقدم رأي الناقد زياد عبد الله الذي يجده عملًا جديراً بالإحتفاء٠
4
حديث مفعم مع جورج كلوني الذي قابله محمد رُضا خلال مهرجان فنيسيا وحاوره حول أفلامه وآخرها »الرجال المحدقون بالماعز«٠


إفتتاحية | محمد رُضــا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مطلوب مدير لمهرجان القاهرة لديه وجهة نظر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكلمة الصائبة التي كتبها سمير فريد بخصوص مهرجان القاهرة السينمائي والمنشورة في العمود الأول من هذا العدد، تتطلّب تعليقاً كنت أود القيام به منذ مدّة والمناسبة الآن، مع تعليق الأستاذ سمير ومع اقتراب موعد انطلاق مهرجان القاهرة في دورته الجديدة، باتت مواتية٠

حسب قوانين الإتحاد الدولي لابد أن يحتوي المهرجان المنتسب الى الإتحاد، حسب معلوماتي، على فيلم محلّي جديد لم يُعرض في أي مناسبة خارج وطنه. في العام الماضي تم إختيار فيلم ضعيف للمناسبة كان لابد منه، وهذا العام هناك بحث عن فيلم ما يسد هذه الثغرة. لن يكون »المسافر« لأنه عُرض خارج بلد المنشأ، كما يوضّح الزميل، مع اضافة أن أحد المهرجانين اللذين استقبلاه (فنيسيا) عضو أيضاً في ذات الإتحاد. إذاً لابد من البحث عن فيلم آخر. إذاً المسألة ليست إنه إذا لم يتم عرض فيلم مصري جيّد لا يمكن القبول بفيلم ضعيف، لأن المسألة ليست فيها حريّة الإختيار٠

قبل أسابيع تحدّث المخرج مجدي أحمد علي عن أن فيلمه الجديد انتهى لكنه سيختار له المهرجان المناسب. المناسب لأي شيء؟ لا أدري، لكني أربط هذا الكلام بالمنتشر هذا العام ولسان حاله هو: ما الذي سيمنحه لي المهرجان من فائدة؟ إذا كان مهرجاناً عربياً فأسنتظر من يطلبه وحين يطلبه سأفرض شروطي- إذا كان مهرجاناً دولياً فإن لا شروط مسبقة لأن دوليّة هذا المهرجان وحدها هي شهادة كافية٠

وأعتقد أن هناك منتجين ومخرجين في مصر يفكّرون في هذه الطريقة. وأن هناك منتجون ومخرجون خارج مصر يفكّرون أيضاً بهذه الطريقة. ما يقودنا الى ما كتبته هنا (ولم يؤازرني فيه أحد من الزملاء الى الآن) ومفاده هو التالي: إذا ما فتحت المهرجانات العربية محفظتها لكي تدفع لقاء قبول الأفلام، وهذا ما بوشر بإتباعه منذ عامين، فإننا أمام سينما- سلعة قابلة للمساومة. السينما- السلعة كانت من أسس عمل المخرجين والمنتجين التجاريين (سينما المقاولات هو أسمها الآخر) لكن لومهم كان مثل رمي الحصى في البحر لأنهم موجودون في السينما لهذه الغاية ولأن أفلامهم لها مفهوم لا يختلف عن مفهوم بيع الرز واللحم والخضروات٠

كتبت هذا سابقاً وحذّرت متنبّئاً بأنه إذا ما كان الحال كذلك فإن مهرجانا مثل القاهرة سوف لن يقدر على عرض فيلم جديد واحد. وها نحن وصلنا الى هذه الحقيقة: المهرجان المصري العريق يبحث عن فيلم مصري يضمّه الى مسابقته الرئيسية٠

الذي قد يحدث الآن، وقد فشل فيلم أسامة فوزي »بالألوان الطبيعية« في أن يُعرض في مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي بسبب رداءة النسخة الآتية من أحد المعامل، هو أن يُختار للعرض في مهرجان القاهرة، وبذلك ينقذ الموقف- لكن هذا فقط إذا ما وافق صانعوه. ربما باتوا الآن ينظرون الى مهرجان دبي كبديل لأن قيمة جائزة مهرجان دبي أعلى من قيمة مهرجان القاهرة٠

الزميل سمير فريد يتعرّض في كلمته الى موضوع آخر مهم في ذات السياق: من يتولّى مهرجان القاهرة؟ هل السيد عزت أبو عوف هو خير من يفعل؟
الى الآن فإن أفضل فترات المهرجان كانت تلك التي أدارها المرحوم سعد الدين وهبة. هناك أكثر من سبب لذلك أهمها هي أنه كانت لديه وجهة نظر. وجهة نظر في الثقافة ووجهة نظر في الفن ووجهة نظر في كيف يمكن لمهرجان القاهرة أن يُفيد الثقافة والفن. وهو أوصل المهرجان من حالة مضطربة الى وضع جيّد ولو أن المهرجان لم يكن قد استكمل كل الإنجازات والمستويات التي كان يطمح اليها حينما توفي رحمه الله٠
منذ الثمانينات والى اليوم، لم يستلم إدارة مهرجان القاهرة شخصية نموذجية. بعض المدراء كانوا أفضل من بعض، لكن المهرجان كان في أفضل حالاته مسألة استمرار وليس مسألة تقدّم. الآن يكاد يصطدم بالجدار، إن لم يكن قد اصطدم به ولا أرى إنقاذاً له سوى البحث عن رجل مناسب للمهمّة ومن الضروري جدّاً أن لا يكون ممثلاً او مخرجاً سينمائياً. بل شخصية إعلامية من صفاتها أنها تتمتّع بوجهة النظر تلك مع باقي الصفات الرئيسية الأخرى: المعرفة، الثقافة، الحزم، العلاقات ولو على نحو غير متساو -إن كان هناك بد٠
لم لا يستلمه سمير فريد نفسه؟ لديه معظم هذه الصفات او ربما كلّها٠
أنا لست هنا في وارد التحبيذ والترشيح لكن يبدو لي أن سمير فريد هو أحد المنقذين القلائل الممكنين وأكثرهم معرفة سينمائية أيضاً٠
زملاء آخرون قد يرشّحون أسماءاً أخرى، وربما الحق معهم. المهم هو أن من سيلعب هذا الدور عليه أن يعرف أن مستقبل المهرجان بأسره متوقّف على قدراتهم احتلال المنصب للبناء وليس لمجرد التنفيذ حسب اللوائح. لا بأس إذا ما عادوا الى الماضي ودرسوا كيف تصرّف كل مدير سابق وما هي الأخطاء ولماذا تقع. ولا بأس إذا ما واجهوا الوضع من حيث تفضيل السينمائيين المصريين عدم الإشتراك بأفلامهم في مهرجان القاهرة وبحثوا في مسبباته ورسموا خطّة عمل من شأنها أن تقضي على تلك الموانع. لابد من خطّة ولابد من وجهة نظر تشمل الوضعين الثقافي والسينمائي كاملاً. المهرجان، أي مهرجان، لا يُقام وحده هكذا. إنه ليس مسلّة يُقام ببنائها في أحد الميادين لا تعني شيئاً لأحد. إنه علاقة عضوية مع كل ما يمكن أن يمثّله في السينما والثقافة من شأن: في الصناعة وفي التجارة وفي الفن وفي الفكر وفي الإبداع. والمهرجانات اليوم لا تتم بمعزل عن خطّة عمل تمارسها الوزارات جميعاً وتتفق عليها الحكومات والمؤسسات. ترايبيكا نيويورك أقيم لإعادة رد الإعتبار الى المدينة بعد حادثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر. القرار فردي لكن العمل جماعي. مهرجان سان فرانسيسكو العتيد أقيم تعبيراً عن وضع المدينة في الحركة الشبابية في الستينات وربطاً لأميركا مع الموجات السينمائية في تلك الفترة. سندانس لتشجيع السينما المستقلّة. "كان" ليكون عيداً شاملاً ومهرجاناً للمخرجين، دبي لكي يشارك في النهضة الإقتصادية للمدينة وأبو ظبي ليكون تعبيراً عن النهضة الثقافية والفنية للمؤسسة الراعية وهكذا٠٠٠٠
المدير الجديد لمهرجان القاهرة (او حتّى الحالي إذا ما أريد له أن يستمر) عليه أن يتحرّك على هذه الصعد جميعاً رابطاً المهرجان بمناخ القاهرة. بكونها عاصمة عربية أولى ومركزاً كان له إشعاعه التاريخي والثقافي والفني ويستطيع أن يعيد هذا الإشعات لنفسه بخطوات من بينها إنجاز المهرجان الصحيح٠
آمل ذلك، فحبي لهذا المهرجان ولتاريخه ولشأنه، وحبي لمصر بصرف النظر عن اختلاف وضعها السياسي اليوم عما كان عليه بالأمس، يجعلني متحمّساً لمشاهدة مهرجان مُنافس ومتقدّم وليس مجرد مناسبة تجر نفسها من عام الى عام٠


دراسة | ميسر مسكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السينما التركية... وفرة تلاشت و عودة روح واعدة (الجزء الأول)٠
موت الصنوبر الأخضر


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسرور بالغ استلمت »ظلال وأشباح« هذه الدراسة من الناقد الزميل ميسر مسكي تفتح ملف السينما التركية لكنها، كأي دراسة جادّة، تتناول في الوقت ذاته جوانب وتأثيرات مختلفة، منها السياسي والثقافي والإجتماعي خلال بحثها ذاك. هذه الدراسة كُتبت خصيصاً، ومع
جزيل الشكر، لهذا الموقع- م. ر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


تاريخ و أزمة هوية ثقافية
في عشرينات القرن الماضي أسّسَ كمال أتاتورك الدولة التركية المُعاصرة على ما تبقى من أنقاض الإمبراطورية العثمانية التي كانت في زمن غابر مترامية الأطراف٠
و منذ اليوم الأول لتأسيسها لعبَ التاريخ و الجغرافيا و مفاهيم الحداثة أدوراً رئيسية في تعميق أزمة الهوية القومية والثقافية للأمة التركية. فالعثمانية كانت مفهوماً يجمع مكونات الإمبراطورية من شعوب و أعراق وديانات، لكن مع ظهور الفكر القومي في نهايات القرن التاسع عشر، تمّ إستبدال "العثمانية" الجامعة بالقومية التركية بخصوصيتها التي اُريدَ لها أن تنفصل عن كل ماضيها الشرقي و الإسلامي و أن تبحث عن إنتماء جديد أساسه المفاهيم الغربية الأوروبية. هذا الإنتماء المُستجدّ تجلى في كل مظاهر الحياة في الدولة التركية الحديثة. فالخط العربي اُستبدل باللاتيني. الإشتقاق القواعدي أصبح فرنسي الأساس. القبعة الغربية أزاحت، و بمرسوم رئاسي، الطربوش. مُنعَ الحجاب. و تركيا أتاتورك أصبحت جزءاً من منظومة الأحلاف السياسية و العسكرية الغربية. حتى التاريخ الطويل لإسطنبول كعاصمة للإمبراطورية العثمانية (وقبلها للبيزنطية) لم يشفع لها فاستعُيضَ عنها بـ أنقرة الحديثة التاريخ. رغم هذا لا تزال أسطنبول اليوم العاصمة المالية و الإقتصادية و الثقافية للبلاد.
تركيا المُعاصرة الخارجة لتوها من عزّ الإمبراطورية المتداعية ومآسيها و المودّعة للخلافة الإسلامية و جدت نفسها و من اليوم الأول في بحث دؤوب، لم يُحسَم بعد، عن هويتها و إنتمائها. و هو البحث الذي لا زال إلى يومنا هذا مكوناً أساسياً في الثقافة و الفن و المجتمع في تركيا، و عاملاً في تحريض الإبداع كما في تحريض الشقاق.
الأديب التركي الفائز بجائزة نوبل للآداب كتبَ عن هذا في عمله الشهير "إستانبول": "غرف
الجلوس و الإستقبال في البيوت التركية في الخمسينات كانت متاحف صغيرة صُممت لتبيّن للزائر المُفترض أن أصحاب البيت قد أصبحوا غربيين(...) لكن لا أحد كان متأكداً ما فائدة أن يكون المرء غربياً (...) فقط مع وصول التلفزيون في السبعينات بدأت هذه العروض الغربية الصغيرة في التلاشي. فقد أكتشف الناس متعة الجلوس سوياً بحرّية لمشاهدة فيلم على التلفزيون. لقد تحولت غرف الجلوس من متاحف صغيرة إلى صالات سينما صغيرة."٠

بعد أكثر من ثمانين عاماً على إصلاحات أتاتورك الجذرية لا زال السؤال قائماً في الثقافة التركية كما في صحافتها و توجهات مجتمعها: أين قلب تركيا و عقلها؟ هل هما في الإمتداد شرقاً نحو أعالي القوقاز حتى حدود الصين حيث يشكل التركمان أغلبية ترى في تركيا مرجعيتها التاريخية والقومية؟ أم هما في الإنفتاح نحو العالم الإسلامي الأوسع؟ أم أن أوروبا الغربية تبقى الحلم الذي راوغَ و تمنّعَ على الأتراك لما ينوف عن خمسين عاماً؟

السينما في تركيا كواحدة من تجليات الثقافة المُعاصرة عانت و تأثرت بهذا التاريخ القلق. فواقع الدولة العثمانية كان شديد الإضطراب منذ نهايات القرن التاسع عشر فقد خاضَ "الباب العالي" حربان مدمرتان في البلقان في أقل من عام، ثمّ جاءت الحرب العالمية الأولى بويلاتها و إنهيار الدولة العثمانية و من ثمّ حرب التحرير من الإحتلال الغربي و تلى ذلك الحرب العالمية الثانية التي بقيت فيها تركيا على الحياد لكنها تأثرت عميقاً بنتائجها.
لذلك فإن أرشيف السينما التركية و على مدى خمس و خمسين عاماً (1896-1945) لم يحمل إلاّ خمسين فيلماً من إنتاج تركي، أي بالكاد فيلم واحد في العام.
الأحوال بدأت في التغير عام 1952 حين اُنتج في ذلك العام وحده حوالي خمسين فيلماً تركياً. و قد ترافقت هذه الطفرة الأولى للإنتاج السينمائي التركي مع رخاء إقتصادي نسبي عمّ العالم إثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية وظهور النتائج الإقتصادية لتطبيق "خطة مارشال" التي قادتها الولايات المتحدة الأميركية لإنعاش الإقتصاد الأوروبي المُدمّر بعد الحرب.
الطفرة السينمائية الثانية في الإنتاج السينمائي التركي جاءت مع بداية الستينات حيث أطلت ما دُعيت بعد ذلك بمرحلة "الصنوبرة الخضراء" و دامت حتى نهاية السبعينات تقريباً. في تلك الفترة بلغَ متوسط عدد الأفلام التركية المُنتجة حوالي ثلاثمئة فيلم في كل عام، و جعل ذلك من السينما التركية الثالثة في الكمّ الإنتاجي عالمياً، بعد السينما الهندية و الأميركية

Yeşilçam (The Green Pine) أيام الوفرة... و سنوات الجفاف!٠

٠"الصنوبرة الخضراء" (بالتركية "يشيل تشام") هو شارع قصير نسبياً في منطقة بويغلو النشطة إقتصادياً في قلب الطرف الأوروبي من مدينة أسطنبول. في هذا الشارع تركزت مكاتب الإنتاج السينمائي في أول الستينات كما إزدهرت صالات العرض السينمائي. في تلك المكاتب كان يتمّ تركيب توليفات سينمائية تستند في أغلبيتها إلى أفلام أميركية رائجة حينها، مع فارق أن الأفلام التركية جاءت رديئة الإنتاج فنياً و تقنياً لكنها كانت تلقى رواجاً كبيراً لدى شرائح واسعة من الطيف الإجتماعي التركي. بعض هذه الأفلام كان يُنتج في أقل من ثلاثة أسابيع، ويُقال أن بعضها كان يصل شاشات العرض في أيام لا تتجاوز السبعة من بدء عملية الإنتاج و التصوير الفعلي
أغلب هذه الأفلام قامت على حبكة ميلودرامية فاقعة وعلاقات ذات رؤى شديدة التقليدية عن المرأة و عذريتها وجرائم الشرف و غسل العار. و الرجولة بمفهوم الذكورة الجنسية. و أخلاق القرية النبيلة مقابل المدينة التي جسدت الإنحلال الأخلاقي. والبطولة الفردية الخارقة. و الخير المُطلق في مواجهة الشرّ المُطلق
ذلك التبسيط الساذج للحياة وجَدَ له جمهوراً واسعاً في الصالات الشعبية (و لا زالَ له جمهوره حتى اليوم و حتى في البلاد المجاورة، سوريا و العراق مثلاً، ممن يفهمون اللغة التركية، و ذلك عبر الإستعادات التلفزيونية لتلك الأفلام) ومن يتابع من سنوات القنوات التركية التلفزيونية الكثيرة لا بدّ أنه شاهدَ العشرات بل المئات من هذه الأفلام التي تُشكلّ اليوم العمود الفقري لساعات البثّ المخصصة للإنتاج التركي على تلك القنوات.
إن الجمهور، الذي حلم أتاتورك أن يصبح أوروبي الهوى بمراسيم رئاسية، كان لا يزال شرقي الهوى في أعماقه و لا وعيه المنتمي إلى مرجعية أجتماعية و أخلاقية و دينية عمرها من عمر الإمبراطورية العثمانية التي دامت خمسمئة عام بين عزّ و إنحطاط٠

شارع الصنوبرة الخضراء

في سنوات الستينات تلك إلتقى الإنتاج السينمائي العربي و التركي في إنتاجات مشتركة عديدة. فهزيمة عام 1967 كان لها مفاعيلها على الإنتاج القاهري الذي هَاجَرَ إلى بيروت حيث فيها كان يتم "تطبيق" حدوته سينمائية تقوم على الأكشن و ممثلات بمايوهات البحر و رهط من ممثلين أتراك و مصريين ولبنانيين و أحياناً سوريين. أفلام تعسة، صبيانية التنفيذ، ركيكة زعمت أنها تنتمي إلى نوع المغامرات. هذه الأفلام المشتركة الإنتاج لم تصل يوماً إلى شاشات العرض الأول لا في بيروت و لا في أسطنبول. فصالات شارع الحمرا كانت تقصر عروضها على الإنتاج الأميركي و الأوروبي. و صالات العرض الأول في أسطنبول كانت في الأصل محتكرة لشركات إنتاج و توزيع أميركية. لذلك إنتهت هذه الإنتاجات التركية-العربية المشتركة إلى صالات الشوارع الخلفية لساحة البرج في بيروت و صالات الأزقة في أسطنبول٠
رغم كل مساوئها بقيت أفلام مرحلة "الصنوبرة الخضراء" ترفد السينما التركية بمئات الأفلام سنوياً و بقي أمل بأن تتحسن نوعية هذه الأفلام. لكن في منتصف السبعينات جاءت الضربة القاضية للسينما التركية من التلفزيون الذي وَطدّ إنتشاره في المدن و الأرياف. كما أن البلاد عانت في تلك السنوات من قلاقل داخلية خطرة كادت أن تفرط عقد البلد. فقد تصادم اليمين و اليسار في شوارع المدن التركية و جامعاتها و استشرى العنف الدامي إلى درجة دفعت الجيش إلى التدخل و بسط السيطرة بقبضة حديدية. كل ذلك ترافق مع تضخم إقتصادي هوى بالعملة التركية إلى أدنى مستوياتها مما أفقـَرَ الكثيرين ممن كانوا يشكلون جمهور إنتاج مكاتب الصنوبرة الخضراء
جلس الناس إلى شاشة التلفزيون في منازلهم ففرغت صالات العرض السينمائي من جمهورها. و أغلقت مكاتب الإنتاج في شارع "الصنوبرة الخضراء" أبوابها و تحولت الصالات لعروض أفلام البورنو. و تلاشى عزّ أيام الإنتاج الكبير تلك و لم يبقَ منه إلا تلك الأفلام الباهتة الصورة و المضمون، التي تعرضها الفضائيات التركية اليوم.
أورهان باموك يضيف، في مقطع آخر من كتابه ذاته، عن ذلك الزمن: " في الخمسينات والستينات
كنتُ، مثل غيري، أحب أن أشاهد فرق الأفلام و العاملين فيها و الذين كانوا منتشرين في كل المدينة. كنتُ أحب مراقبة الباصات الصغيرة و عليها شعارات شركات الإنتاج، والمولدات الحرارية الضخمة التي تزود الموقع بالكهرباء، و أولئك القائمين على التصوير الذين كانوا يصرخون بأعلى من صوت المحركات الصاخب كلما نَسيَت ممثلة مُـثقلة بالمكياج أو ممثل رومانتيكي حوارهما، و أولئك العمال الذين كانوا يحاولون إبعاد الناس و الأطفال من موقع التصوير. بعد أربعين عاماً من ذلك الوقت إختفت السينما التركية لكنهم لا زالوا يعرضون تلك الأفلام بالأبيض و الأسود. و حين أشاهد على الشاشة الصغيرة مشاهد البوسفور والبيوت المتداعية و الحدائق تأخذني الكآبة و انسى أني أشاهد فيلماً، بل و أحس أحياناً أني أشاهد ماضيّ الشخصي."٠


فيلم | زياد عبد الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المسافر لأحمد ماهر: قصّة حب في ثلاثة فصول




إلى أين مضى «المسافر»؟ وكيف لسفر هذا المسافر أن يقع في ثلاثة أيام، ولنقل ثلاثة تواريخ فاقعة وراسخة، وما إلى هنالك من صفات. تأتي الإجابة عاجلة في فيلم المصري أحمد ماهر وهو يقدم تجربته الإخراجية الأولى، وفي إنتاج جاء من وزارة الثقافة المصرية. وعلى شيء من الرهان، جعل الفيلم تحت رحمة وابل من النيران الصديقة وغير الصديقة، مع حالة استنفار كاملة حمّلته وزر فوز الفيلم الإسرائيلي «لبنان» في الدورة الأخيرة من مهرجان البندقية السينمائي، كون «المسافر» من الأفلام المشاركة في المسابقة الرسمية ولم يستطع سرقتها منه! الأمر الذي لا يدفع إلا إلى توصيف هكذا مقاربة بالمضحكة حقيقة، وبما يدفع للرثاء والضحك في آن معاً٠

يطمح فيلم أحمد ماهر إلى تقديم ما يمكن أن يتبدى بداية فانتازيا بصرية، وحكاية مسكونة برهافتها وانفتاحها على جماليات بصرية، تتناغم فيها اللقطة مع الديكورات التي سنعثر عليها في سفينة يحوم فيها طيف فيدريكو فيلليني، وعلى شيء من «وتبحر السفينة» (1983) ولعل تقسيم الفيلم إلى ثلاث مراحل، مرتبطة بتواريخ مفصلية في تاريخ مصر والوطن العربي، يحيل إلى فعل مجاور، طالما أننا لسنا حيال تداخل بين الأحداث والتواريخ، فالسفر زمني وليس تاريخياً، والحكاية التي يرويها تدافع عن جمالياتها بمنطقها الخاص، بسحريتها، وانحيازها أولاً إلى اللقطة والسرد البصري المتناغم مع السيناريو٠

نعود إلى التواريخ الثلاثة، والتي تعني في الوقت نفسه أقسام الفيلم، 1948 : نحن أمام حسن (خالد النبوي)، وهو موظف في بريد قناة السويس، ينتحل شخصية فؤاد الذي تراسله فتاة أرمنية اسمها نور (نسرين عبدالنور) ععمرأجمل جميلات السويس، والتي وقع بغرامها كل الرجال، ويمضي إلى ملاقاتها على سطح السفينة التي عادت بها إلى مصر. وهنا يمضي الفيلم خلف كل ما له أن ينتمي إلى تلك المرحلة، من حيث الموسيقى والغناء والأزياء، وحسن يبحث عن نور إلى أن يقع عليها، فإذا بها تصدق بأنه فؤاد الذي مضى وقت طويل لم تره، لكنه سرعان ما يمضي إلى فظاظة ذكورية، تحت إملاءات إثباته رجولته، ومؤثرات قبطان السفينة ويمارس الحب معها كفعل اغتصاب، لكن سرعان ما يظهر فؤاد الحقيقي (عمر واكد)، وليتزوج من نور في الليلة نفسها٠

لا تتوقفوا عند منطقية الأحداث، دعوا الأمر للكاميرا وتنقلاتها أن تقودكم برشاقة وخفة، والتعاطي المكثف مع الزمن الافتراضي للفيلم، ومعها الأغاني التي توظف كعامل رئيس في ما نشاهده، فكل حدث يقع في لقطة، وعلى الأكثر في مشهد، والحكاية تمضي وفية لسحريتها، كأن يكون رد فعل حسن الوحيد على زواج نور هو في إجبار فؤاد على خلع البدلة التي استأجرها حسن في الأصل، ولتمضي زفة العرس وفؤاد في الثياب الداخلية. هذا مثال عن منطق السرد، ولن يمنع مخرج وكاتب الفيلم من جعل حسن يحرق حظيرة السفينة، لنمضي خلف لقطة ترمى فيها الخيول في البحر.

حسن هو بطل الفيلم والراوي، ونور ستبقى حب حياته الأوحد، لكن، وفي الجزء الثاني، أي في 1973 والذي تدلل عليه الأزياء وقصات الشعر والسيارات، وأغنية «والله زمان يا سلاحي» كإشارة سريعة إلى حرب أكتوبر، الأمر الذي لن يكون حاضراً بحال من الأحوال في الجزء الأول، بمعنى أن نكبة فلسطين تاريخ حاضر في خلفية الأحداث. عودة إلى الجزء الثاني، إذ يكفي اتصال هاتفي لأن تتغير حياة حسن، حيث سيقع على ابنته طبق الأصل عن أمها (نسرين عبدالنور مرة أخرى) التي تكون قد فقدت أخاها الذي رمى نفسه في بحر متلاطم بالأمواج أو ما تسميه «البير»٠

في هذا الجزء ما يمتع أيضاً، هناك ما يربط بين العرس والمأتم، مأتم الأخ الذي ينقلب إلى عرس تتزوج فيه أخته من صديقه المختل عقلياً، هناك ما يجعل من تنجيد الفراش طريقاً إلى حريق، وثمة ديكة تتصارع، وقبر يفتح، وآخر يكون قد نهب، وتجاور لصيق بين الحياة والموت.

مع دخولنا الجزء الثالث، يظهر عمر الشريف، وهو يهيمن على الشاشة بحضوره الطاغي وقد صرنا أمام حسن العجوز، والتاريخ 11 سبتمبر 2001 ، وهنا يلتقي حسن حفيده، وتتوقف الموسيقى والأغاني التي تلعب دوراً رئيساً في سردية الفيلم ومراحله التاريخية، ويستعاض عنها بالقرآن والأذان، والتركيز على الصلاة، ولعل كل ما نشاهده يكون في شهر رمضان، كما ليقول لنا الفيلم إن التديّن هو السمة الأساسية لهذه المرحلة. وإلى جانب ذلك، يأتي حفيد حسن بوصفه شخصية مهزومة، كل طموحه أن يكون مثل خاله الذي غرق في البحر، وجده حسن يدفعه إلى جرأة هو نفسه يفتقدها، لكن ما سيواجهه بعد الألفية الثانية سيكون مختلفاً، الناس أكثر شراسة ويمكن أن يتم الرد عليه بواسطة السيف، ثم سرعان ما تظهر طبيبة تجميل (بسمة) تهيمن الإنجليزية على حديثها. إنها الطبقة الثانية الطافية على سطح المشهد في مصر وربما في دول العالم الثالث، فإما أصولية متزمتة أو الانسلاخ التام عن المجتمع وما من خيار ثالث، ولعل جانباً مهماً يتبدى في هذا الجزء ألا وهو حالة الرثاء، تآكل كل شيء وتفسخه الذي تضيئه مشاهد كثيرة، وعليه، يبدو الفيلم في هذه المرحلة على شيء من الحنين، بحيث يلتصق الجزء الثالث بالواقع أكثر، كما لو أن يقظة واقعية سرت في شرايينه، من دون أن يمنع ذلك حسن من الخروج بحفيده من المستشفى، وهو لم يستيقظ من المخدر جاراً سريره، أو أن نكتشف بأن ولدي نور من صلب حسن وفؤاد سوية، بينما الطبيبة تحلل صورهم تحت وطأة بحث حسن عن سبب كون أنف حفيده كبيراً٠


مقابلة | محمد رُضا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جورج كلوني يتحدّث عن فيلمه الجديد "الرجال الذين يحدّقون في الماعز"٠ ٠
"ما يبدو غريباً أكثر من سواه في هذا الفيلم هو ما حدث بالفعل"٠


في فيلمه الجديد »الرجال الذين يحدّقون في الماعز« نجد جورج كلوني يواجه وضعاً حرجاً للغاية: إنه يؤدي شخصية واحد من المتمتّعين بموهبة خارقة للعادة. في الأفلام الأخرى، هذا ما يحوّل البطل عادة الى »سوبر هيرو« في هذا الفيلم، لا تستطيع هذه الموهبة أن تساعده في الخلاص من الأسر اذا ما وقع فيه .... الا إذا حدث أن الآسرين كانوا قطيعاً من الماعز.... في هذه الحالة ما عليه الا أن يستخدم تلك الموهبة الخارقة للعادة: النظر الى الحيوانات (كل بدوره) الى أن تسقط ميّتة. القيادة التي انتمى إليها ذات مرة، في هذه الكوميديا الخارقة للعادة بدورها، تساءلت: إذا ما كان هذا الرجل قادراً على قتل الماعز بالتحديق فيها، الا يمكن له أن يقتل الجنود الأعداء بالطريقة نفسها وبذلك يكون بالإمكان ربح المعارك من دون سلاح؟
تصوّرَت، حسب أحداث هذا الفيلم، إنه بالإمكان ربح حروب بأسرها بطريقة قتل سلمية ولهذا الغرض أنشأت وحدة من الجنود الذين يتمتّعون بأشكال وأنواع مختلفة من القدرات٠

هناك شيء آخر يفعله جورج كلوني في هذا الفيلم الكوميدي الذي تقع بعض أحداثه في الكويت وعلى الطريق الصحراوي الى العراق. هناك ذلك المشهد الذي يتعرّف فيه والصحافي الذي معه (إوان مكروغر) الى عربي أسمه محمود (يؤديه اللبناني وحيد زعيتر) ويعتذر له. اللقطة بعيدة متوسّطة لكنها لا تحجب صدق انفعال جورج كلوني وهو يعتذر لذلك العربي عن موقف بلاده وعما حدث في وطن محمود من خراب. العقل، العربي على الأقل، قد يشطح بعيداً فإذا بالإعتذار يبدو كما لو كان متجذّراً في كل العلاقة غير المتعادلة التي تعرّض فيها العربي، في أكثر من مكان، الى معاملة مجحفة، لكنه على الأقل إعتذار من أميركي الى عراقي في وضع معيّن. لحظة لا كوميدية في كوميديا ساخرة (والي حد ما مجنونة وهاذية) حول مفهوم الحرب ونتاجات ذلك المفهوم في الواقع٠

وهذا الفيلم هو ما يعرضه في أيام مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي بعدما تم انتخابه مباشرة إثر عرضه في مهرجان فنيسيا، وبحضور جورج كلوني ولو أن هذه المقابلة لم تتم في أبو ظبي، بل في مقهى خال من الروّاد بعد ظهر يوم كسول فوق جزيرة صغيرة (جدّاً) في مقاطعة فنيسيا قبل أسابيع٠
فيها سيتحدّث كلوني مليّاً عن هذا الفيلم وعن نفسه وهذه المرحلة من حياته الفنية وعن تلك اليد التي كسرها والسؤال الذي لم يخطر له على بال٠

وصل في الوقت المحدد. لا تأخير ولا انشغالات، ولا أحاديث جانبية مع معاونين (لم يكن هناك الا السائق الذي انتظر بعيداً) ولا حتى استخدام الهاتف متى حلا له رغم انشغاله. هذا باستثناء مرّة واحدة حين رن له فيها مخرج ليعتذر عن أنه لن يلاقيه في الموعد المحدد لأنه لا يزال ينتظر وسيلة نقل تقلّه الى موعده الأول. هذا في الحقيقة ما منحنا وقتاً أطول من المعتاد لنتحدّث في أمور شتّى داخل وخارج السينما٠
هذه رابع جلسة مع جورج كلوني في خمس سنوات، والمنطلق دائماً هو الفيلم الذي انتهى منه. هذه المرّة فيلمه يتطرّق الى موضوع الحرب الأميركية في العراق. والسؤال الأول كان لابد أن يكون حول هذا الموضوع أيضاً


هل توافق على أن موضوع الحرب العراقية وموضوع العلاقات
العربية- الأميركية متوفّر في ثلاثة من أفلامك الى اليوم بدءاً
من »ثلاثة ملوك« ولاحقاً »سيريانا« والآن »الرجال الذين يحدقون
بالماعز«؟

نعم ولا أعتقد أن هذا أمراً سلبياً والشيء الطريف فيه هو أنك لو قرأت كتاب جون رونسن [مؤلف »الرجال الذين يحدّقون بالماعز"] ستجد أنه مبني على قصّة حقيقية. الأطرف من ذلك هو أن ما قد يبدو غريباً للمشاهد أكثر من سواه في هذا الفيلم هو الجزء الحقيقي من الأحداث٠ أي ما حدث بالفعل. أليس هذا شيء مجنون؟ الأكثر غرابة هو ما حدث بالفعل والأحداث التي قد تبدو معقولة هي تلك التي تم تأليفها٠

تقصد أنه كانت هناك وِحدة خاصّة مهمّتها استخدام الظواهر غير
الطبيعية لإنجاز انتصارات عسكرية؟

صحيح. هذا جزء من التاريخ العسكري الأميركي وكانت الغاية هي الإستعداد لاستخدام هذه الظواهر ضد وحدات مماثلة في جيوش الأعداء. ... أمر كاف لأن تضحك طويلاً لكن هذا ما حدث٠

البعض قد يتساءل ما علاقة ذلك بالحرب العراقية٠ هل هو موضوع
مهم مثلاً؟

بوضوح وبجدّية، يمكن اعتبار الماعز رمزاً لما فعلناه بالبشر في غواتانامو. هناك ناحية مهمّة وهي أن بعض أغراض اللجوء الى الظواهر غير الطبيعية كانت البحث عن كيفية تجنّب خوض المعارك بالأسلحة التقليدية والإستعاضة عنها باعتماد تلك الظواهر وبالتالي الإستغناء عن الحرب بأسرها. للأسف السعي الى السلام قاد لتعذيب الناس في غوانتانامو٠

الأفلام السابقة التي تناولت الحرب العراقية لم تحقق نجاحاً يُذكر٠
هل تعتقد أن الأمر سيختلف تجاه هذا الفيلم؟ لماذا قد يختلف؟

تلك الأفلام التي خرجت عن الحرب العراقية لم تكن لتنجح على أي حال. كلنا شاهدناها ونعرف كيف عالجت المواضيع التي أقدمت عليها. المشكلة هي أنك لا تستطيع أن تخطب في الناس حول هذا الموضوع... حتى ولو أردت أن تعكس ما يدور من دون وجهة نظر معيّنة فإن المسألة صعبة. بالتالي الكوميديا الساخرة هي أفضل طريقة لمعالجة هذا الموضوع. ذكرت »الملوك الثلاث« ذلك الفيلم نجح الى حد معيّن وأعتقد أن الفيلم الجديد لديه ذات النوع من السخرية. إنه عن لا عقلانية بعض الأمور التي قمنا بها كدولة وبالتأكيد كقوّة عسكرية٠


من فيلمه المقبل "في السماء«٠

لقد قمت بتمثيل أنواع مختلفة من الكوميديات. هذا الفيلم يختلف مثلاِ
Leatherheads عن فيلمك السابق
وأعتقد أنه يختلف عن فيلمك الكوميدي المقبل
Up in the Air
الذي لم أشاهده بعد، ما يجعلني أتساءل عن كيفية التطرّق الى أنواع
مختلفة من الكوميديا

Up in the Air
ليس فيلماً كوميدياً في الحقيقة. إنه دراما إنما م أشياء طريفة عديدة تحدث فيه، لكنه ليس كوميديا. »الرجال الذي يحدّقون بالماعز« صُمّم ليكون كوميديا منذ البداية على نسق فيلم »كاتش 22« [كوميديا عسكرية ساخرة أخرجها سنة 1970 مايك نيكولز- المحرر]. ساخر بالتأكيد لكن في صلب الموضوع هو قضيّة جادّة جداً٠

هل يسرّك تمثيل أفلام كوميدية؟
نعم. أستمتع بها وبالتأكيد نجحت في عدد كبير منها وفشلت في عدد آخر. لا أعتقد أن هذا له علاقة بنوعية الكوميديات التي مثّلتها ... او ربما له علاقة لا أعرف. لكني أريد ايضاً الرجوع الى شيء آخر ذكرته حول افلام العراق. هذا الفيلم ليس واحداً منها. بعض أحداثه تدور في الطريق الى العراق كما لابد تعرف، لكنه ليس عن الحرب العراقية وليس عن العراق مطلقاً. إنه عن سخافة الحرب وسخافة بعض ما قمنا به من أعمال او تصرّفات٠

بدأ كل شيء في عهد الرئيس ريغَن. أليس كذلك؟
أعتقد بدأ قبل ذلك العهد. كنت شاباً صغيراً حين عانى الجيش الأميركي من جرّاء الحرب في فييتنام. عانى من نظرة المدنيين اليه ومن عدم قدرته على إنجاز إنتصار ومن السمعة التي علقت به جرّاء القوّة العسكرية التي سقط مدنيون بسببها.... كل شيء. كان البعض يحاول أن يُعيد تأسيس وجهة نظره في اميركا. البعض شعر أن علينا أن نقيّم ما حدث ونستفيد منه. أن نتجنّب تكراره ... لكن هذا لم يحدث. ليس بالصورة الكاملة٠

أنا معك بالطبع. ليس »الرجال الذين يحدّقون في الماعزش عن الحرب
العراقية بل عن مفهوم الحرب في كل مكان، لكني حاولت أن أعرف
رأيك بالأفلام التي تناولت الحرب العراقية ولم تحقق أي نجاح

سأخبرك. هذا ما أعتقده. كوني جاهرت بموقفي طوال سنوات وأنجزت أفلاماً مثل
"Good Night, Good Luck" و "Syriana"
فإنني لا أجد جديداً الحديث في هذا الموضوع مرّة أخرى: أعتقد أن الفشل جاء نتيجة عاملين. مشكلة تكمن عند كل طرف من المسألة. ذلك الطرف الذي مع الحرب وذلك الطرف المعادي للحرب. هذه المشكلة هي أنا على حق وأنت غبي إذا لم تكن تؤمن بما أؤمن به. هذا المبدأ يتولاّه كل طرف ويواجه به الآخر، لذلك لم نصل الى نتيجة. لذلك بقيت الحرب العراقية سجالاً من دون نتيجة حاسمة عند الرأي العام الأميركي. حين تم تحقيق أفلام عن الحرب الفييتنامية حدث ذلك بعد سنوات من نهاية تلك الحرب. لكن من الصعب أن تحقق أفلاماً عن حرب لا زالت دائرة. لذلك كان قرارنا فيما يخص هذا الفيلم هو أنه إذا ما تحدّثنا عنها، فسنتحدّث عنها جزئياً٠

هل ضرب كلوني براد بت؟

سمعت أن السيناريو كان مرمياً منذ سنوات في الأدراج
هذا صحيح. كان أحد تلك السيناريوهات التي ترد في لائحة "أفضل السيناريوهات التي لم تُنجز أفلاماً". كان ذلك من العام 2006 او نحوها. اشتريت حقوقه قبل عامين بعدما اعجبني وأخذنا، المخرج غرانت هسلوف وأنا أدركنا أن المشروع لا يخلو من الصعاب. ليس النوع الذي تبحث عنه هوليوود لكننا حضّرناه جيّدا وأعتقد أن غرانت أنجز فيلماً جيّداً

لقطة من »المحدّقون في الماعز«٠

تعرّض السيناريو لإعادة كتابة؟
سؤال جيد. عملنا مع (كاتب السيناريو) بيتر ستراغون وهو كتب نسخاً مختلفة من دون أن يغيب عنها جوهر العمل في نظري وهو: كم أن الحرب سخيفة٠لكن طوال الوقت كنا أشبه بالباحثين عن سبب للمشروع وسبب لما يحدث فيه. كان كل شيء في الحقيقة جاهزاً بإستثناء أننا كنا نبحث عن وسيلة او لون معيّن نستطيع أن نبني عليه كل شيء. لكن كل ذلك لم يدفعنا لتغيير الكاتب. في أحيان كثيرة، وأنا واثق من أنك تعرف ذلك، يقومون بتغيير الكاتب ويستعينون بثلاثين كاتب كل واحد يضع قدراً من منهجه او فكره في السيناريو وفي رأيي أن تأثير ذلك سيء فعلاً٠

كيف تتعامل مع الإعلام والإعلاميين والصحافيين والمصوّرين؟
ذلك الجو الإحتفائي الذي شهدته حين وصلت الى فنيسيا مثلاً

كنت محظوظاً جدّاً إذ وصلت بعد أربع دقائق من وصول هوغو شافيز الى مطار فنيسيا. لم أكن أريد أن أظهر جنباً الى جنب معه (يضحك) يكفيني ما يُقال عنّي. حين وصلت وجدت أن معظم المصوّرين انشغلوا ما ساعدني على التسلل الى التاكسي من دون أن يلاحظنا كثر٠

المهرجان بأسره كان حفلاً سياسياً: فيلم مايكل مور، فيلم أوليفر
ستون، فيلمك، وصول هوغو شافيز... الفيلم الإسرائيلي... هل
شاهدته؟

ليس بعد ... ولا تنس فيلم الإفتتاح [»الريح« لجوزيبي تورناتوري]٠

ما الذي حدث ليدك المضمّدة؟

أنغلق عليها باب السيّارة. أعرف هذا ليس منظراً لنجم سينمائي. لكن لنشع أنني كسرت يدي حين كنت أضرب براد بت.... لقد نشر هو هذه الشائعة (يضحك)٠

من هو المخرج غرانت هسلوف؟

نحن أصدقاء منذ فترة. تعرّفت عليه في صف دراسة التمثيل واستدنت منه مئة دولار حينها لكي أستأجر مصوّراً لأني كنت مفلسا. المهم أن غرانت كان الوحيد بين طلاب الصف الذي لم ينقطع عن العمل. كنا جميعاً نبحث عن الفرص وكان هو الذي يتلقاها. كان يمثل بينما كان لا يزال يدرس. لكنه بعد سنوات لاحظت أنه ترك التمثيل وانصرف الى الكتابة والإنتاج والإخراج وحينما بدأت شركتي اتصلت به وعرضت عليه أن يعمل على مشاريع تلفزيونية وحققنا مشروعين أنا فخور بهما٠

قرأت أسمه منتجاً لفيلمك »تصبحون على خير، وحظاً سعيداً« الذي أخرجته
أنت٠٠٠

نعم، لكن هناك حكاية. هذا الفيلم من إنتاج الشركة التي أسستها مع المخرج ستيفن سودربيرغ وغرانت هسلوف شارك معنا في إنتاج هذا الفيلم لكنك لا تقرأ سوى أسمه كمنتج وهذا لأنني اتصلت بستيفن ذات يوم وقلت له: أنت لم تنتج هذا الفيلم. اليس كذلك؟ قال: لا ولا أنت أنتجته. واتفقنا أن نلغي أسمينا كمنتجين. والحقيقة أن غرانت قام أكثر منا بمهام الإنتاج وكان يستحق البقاء وحيداً في هذه الصفة٠

هذا غريب الى حد لأني أعلم أنه لولاك لما تم هذا الفيلم أساساً٠
إنه فيلم خاص تطلّب نجماً لتبنّيه٠

صحيح، لكن المنتج في نظري هو الذي يهتم بالعمل الذي ينتجه كل يوم. لقد أخرجت الفيلم وكنت حاضراً كل يوم تصوير. لكن غرانت هو الذي كان حاضراً كذلك وهو الذي اهتم بكل شؤون الإنتاج على نحو يومي. بالفعل لا أنا ولا ستيفن سودربيرغ غطّينا هذا المجال كما فعل هو٠

رومسفيلد في فيلمه المقبل
تقريباً كل أفلامك الأخيرة، تلك التي أخرجتها او تلك التي اكتفيت
بإنتاجها وتمثيلها مأخوذة من وقائع حقيقية: "تصبحون على
خير"، »رؤوس جلدية"، "سيريانا" من قبل و فيلمك الأول كمخرج
وهو »اعترافات عقل خطير«، وهذا الفيلم الجديد، والفيلم الذي
انتجته من بطولة مات دامون، »المخبر«، كلها مأخوذة عن وقائع
حقيقية. لماذا؟

بصراحة، لم أفكر في ذلك الى أن طرحت أنت هذا السؤال. لم يواجهني أحد بسؤال حول هذا الموضوع. أعتقد هذا يأتي مع الإستقرار والنمو في هذا البزنس. كمنتج في البداية تريد أن تشتري المشاريع من آخرين. حين تثبت قدميك وتنمو تبدأ بطرح مشاريعك التي تريد فعلاً أن تحققها وتقوم بكتابتها او بالإشتراك إبداعياً فيها. لكني لم أفكّر في الموضوع على النحو الذي أشرت إليه. هذا مثير (يصمت لحظات مفكّراً). ربما ستتعجّب أكثر حين تعلم أن المشاريع التي أعمل عليها الآن هي أيضاً مقتبسة عن وقائع. هناك فيلم سأدخل تصويره مخرجاً حول حياة وزير الدفاع رومسفيلد. ونطوّر مشروعاً حول الرهائن الأميركية في طهران... وهذا آيضا قصّة واقعية. ربما لأننا نحقق الآن ما نريد تحقيقه فنختار من عناوين الصحف ومن الأحداث ما يثيرنا. لكن ربما عليّ أن أبحث من باب التغيير عن فانتازيا... فانتازيا عجيبة

ما هي المشاريع التي تقوم بالعمل عليها الآن؟ ما هي أنواعها؟

هناك فيلم »أرغو« الذي أخبرتك عنه حول الرهائن في ايران، لكنه كوميدي.... كوميديا كبيرة بالفعل... هذا يعيدني لما بدأنا الحديث به... نحن في مرحلة علينا أن نتحدّث عما يدور لكن من الأفضل أن نعالجه كوميدياً٠

أي رهائن تحديداً تتحدّث عنها؟

قبل سنوات لجأ خمسة أميركيين يعملون في السفارة الأميركية في طهران الى السفارة الكندية واختبأوا فيها لستة أشهر، وذلك حين تم أخذ رهائن أميركيين بالفعل. الطريق الوحيدة لنجاة هؤلاء كانت اللجوء الى السفارة الكندية والبقاء فيها. لكي يضمنوا خروجهم وضعوا اعلاناً في مجلة »فاراياتي« يقولون فيه أنهم يصوّرون فيلماً كندياً وطلبوا فريق عمل كندي وحين وصل الفريق تسللوا معه الى الخارج... أليس هذا طريفاً؟ السيناريو ذكي جدّاً٠
ولدي فيلم عن الوضع في بوليفيا مأخوذ أيضاً عن وقائع وهو كوميدي. ثم »حمدان ضد رومسفيلد« وهو عن محاكمات غواتانامو٠

ولديك فيلم تريد تصويره في ايطاليا ... صحيح؟
نعم

ولا زلت تعيش على ضفاف بحيرة كومو قرب سويسرا٠
نعم

كيف تستطيع أن تكون نشطاً في هوليوود بينما
تعيش في ايطاليا. كثيرون حاولوا العيش خارجها
والنجاح داخلها في الوقت نفسه وفشلوا

أدعو أصدقائي ورجال الأعمال لزيارتي في الكثير من الأحيان. أفضل شيء فعلته في حياتي هو شراء ذلك البيت على البحيرة. أصدقائي يزورونني هناك وهو نوع من الحياة القديمة. آل غور نزل عندي. كثيرون٠

مع منزل كهذا ... هل تحتاج الي عطل؟

يضحك: لا أعتقد٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular