Oct 9, 2009

القُبلة في السينما العربية | كوبولا في مهرجان بيروت

العدد الجديد من "فيلم ريدر" صدر اليوم (أنقر الصورة >>

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Year 3 | Issue 462
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إضافة: 09/10/11


مهرجانات | هل من جائزة في مِل فالي للطريق؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين تم عرض فيلم »الطريق« في فنيسيا (فيلم لا يبدو أن أحداً أكترث له عربياً الى الآن- ولو لأسباب مختلفة) حضرت المشهد التالي: زوجة مخرج الفيلم (جون هيلكوت) تتقدّم من زوجها الذي كان يجلس معي على طاولة غداء لتودّعه، إذ كانت عائدة الى لندن. تحتضنه بحنان وتتمنى له أن يفوز بالجائزة ويقول لها وهو يضع رأسه على صدرها مثل ولد على صدر أمّه "إدعي لي بالجائزة"، ثم ينظر اليّ بعد انصرافها ويقول: "زوجتي ستغادر الجزيرة بعد قليل"٠ ثم يشيح بنظره متابعاً إياها وهي تبتعد٠
حسناً، لا مجال للمحارم. لم أذكر للغاية عاطفية، بل لأقول أن جون خرج من فنيسيا، كما نعلم الآن، من دون جائزة ودعوات الزوجة أظهرت فقط حسن نيّتها. لكن الفيلم مبرمج لمهرجانين على الأقل أولهما في فنلندا خلال هذا الشهر، وأسمه رؤى ليلية كون الليل يحتل معظم ساعات اليوم هناك في هذه الأيام، والثاني في الولايات المتحدة وهو مهرجان
Mill Valley
ويقام أيضاً هذا الشهر. ومل فالي بلدة لا تزال على الطراز القديم (لكنها حديثة بالطبع) تقع على الطرف الآخر من جسر غولدن غايت (الطرف الأول تكمن فيه مدينة سان فرنسيسكو)٠ لم أزر المهرجان مطلقاً لكني راجعت قبل قليل صوراً عن المدينة والطبيعة التي لها وتمنيّت لو أني فعلت٠
هل يجد فيلم »الطريق« في أحد المهرجانين جائزة؟

جوائز | مشهور وميت وفائز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي ريو دي جنيرو، الذي انتهى مهرجانها قبل أيام قليلة، خرج فيلم عنوانه
Os Famosos Eos Duendes Da Morte | المشهور والميت
للمخرج أزمير فيلهو (27 سنة) الذي سبق له وأن أخرج بضعة أفلام قصيرة من قبل. الفيلم ذاته نال جائزة إتحاد النقاد الدوليين هناك. يبدو أنه بالفعل أفضل المعروض٠
في المركز الثاني بين الجوائز نال فيلم بعنوان »أسافر لأن عليّ أن أفعل ذلك، أعود لأني أحبك« للمخرجين كريم عينوز ومرسيلو غاميز عن رحلة تقع في الأطراف الشمالية الشرقية من فنزويللا وكان عُرض في فنيسيا لكنه فاتني للأسف٠

إخراج | طروحات إجتماعية في أفلام تهاني راشد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المخرجة الوثائقية المصرية تهاني راشد لديها فيلم جديد عنوانه »جيران« وقد اختارت له مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي مكاناً لعرضه العالمي الأول. لم ير أحد الفيلم بعد، لكن فيلمها السابق »البنات دول« الذي أخرجته قبل ثلاثة أعوام استحق الشهرة التي استحوذها نقدياً وإعلامياً، ولو أنه حمل مشاكل معيّنة ولم يخل من المشاكل إذا ما ألقى المرء نظرة لما تحت القشور. لكن »البنات دول« كان فيلم قضية بلا ريب ويكشف عن حسنات في التنفيذ
قضيّته هي الفتيات الشابّات اللواتي يعشن الأرصفة والطرقات والمقاعد الخلفية للسيارات المركونة. إذا كان ذلك عيشاً. والنماذج التي عرضها ذلك الفيلم تغالب، حين الحديث للكاميرا، دموعها حيناً وتخذلها الشجاعة والمكابرة فتبكي. أشد الفتيات شأناً كانت مريم التي تدّعي إنها تضرب الرجال (وبعض المشاهد صوّرتها في مشادّة بالفعل) في محاولتها لحماية الفتيات الأخريات وشد أزرهن
وهناك طروحات إجتماعية صارخة وحادّة أخرى تلتقي جميعاً في أنها نتاج الحياة الصعبة التي تعيشها القاهرة اليوم، لكن الفيلم عوض أن يتقدّم في منطلقاته او يعرج على مسائل اوسع طرحاً راوح مكانه معظم الوقت، وبذلك صار الموضوع حدثاً حوارياً مهما بلغت الصورة من القوّة والإحكام. رغم ذلك، يرفع الفيلم راية إنسانية عالية مفادها تلك الأرواح المقهورة التي صنعها الناس بالناس والبشر بالبشر والتي شهدت على مر السنين ازدواجية الأحكام كما هي العادة في كل موقف يبحث فيه المجتمع عن مبررات لوجود ضحاياه
لقد كتبت سابقاً هنا عن الفيلم اليمني »أمينة« لخديجة سلامة حيث تقبع إمرأة متّهمة بقتل زوجها لمجرد أن على أحد دفع ثمن جريمة ما هي تلك الظاهرة (قتل شخص لآخر) لكن ماذا عن الجريمة التي يتعرّض إليها الطفل والمرأة (وهما الأضعف في كل مجتمع)؟ سؤال طرحه »أمينة« وطرحه »البنات دول« في وقت واحد
في نهاية حديثي عن الفيلم اليمني تساءلت ما الذي يمكن أن يكون حدث لتلك الفتاة السجينة. هل تم تنفيذ حكم الإعدام بها؟ الآن أتساءل أيضاً عما يمكن أن يكون حدث لبنات القاهرة اللواتي ظهرن في فيلم تهاني راشد؟ أم أن لا أحد غيري يكترث؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مشروع |لارس فون ترايير

تجنّبت المهرجانات العربية جلب فيلم »ضد المسيح« كما تتجنّب وزارات الصحة الكوليرا. ولا عجب في ذلك. فيلم لارس فون ترايير، الذي تناولناه هنا وتناوله زملاء عديدون كل على شاشته، عنيف للغاية ويتقصّد صدم المشاهد معتبراً أن هناك فن الصدمة وهو يمارسه٠
وفون ترايير يخطط حالياً لفيلمه المقبل الذي قد يكون من نوع الأفلام الكوارثية رغم أن ميزانيّته ليست
Planet Melacholia كذلك. الفيلم الجديد عنوانه
وميزانيته لا تعلو عن خمسة ملايين دولار لموضوع يحيطه المخرج بكتمان شديد (عين الحسود؟) لكن شريكه في الإنتاج (أسمه بيتر آلباك جنسن) يقول أن الفيلم سيكون "بنفس روحية »ضد المسيح« أنما من دون قطع الأجهزة التناسلية" .... طمأنتنا يا بيتر٠



هذا العدد


أوراق ناقد | عن حضور فرنسيس فورد كوبولا لبيروت | افلام للأوسكار | لماذا السينمائيون الأميركيون بعيدون عن بولانسكي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مهرجانات | نديم جرجورة وهوڤيك حبشيان يتناولان مهرجان بيروت السينمائي الدولي بالنقد. ثم يتناول هوفيك فيلم فرنسيس فورد كوبولا »تيترو« بينما يتحدّث الزميل جرجورة عن فيلم آنغ لي »اكتساح وودستوك«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحقيق | القُبلة في السينما العربية لها تاريخ ومراحل بعضها أفضل من بعض وهي تحمل رموزاً مختلفة وحيناً هي خجولة وحيناً موحية وفي بعض الأحيان ممنوعة | محمد رُضا٠


أوراق ناقد | محمد رُضا

كوليت/ كوبولا

الخبطة التي أنجزها مهرجان بيروت السينمائي (الدولي) أكبر من حجمه٠
لنكن صريحين.... نعم مهرجان مرّاكش في المغرب دعا سابقاً المخرج الكبير فرنسيس فورد كوبولا واحتفى به، لكن مرّاكش مهرجان لديه ميزانية أكبر ربما عشرين مرّة من تلك التي يتمتّع بها مهرجان بيروت، ومهرجان مرّاكش أيضاً أكثر شهرة من مهرجان بيروت٠
مهرجان بيروت السينمائي (في عامه التاسع الآن) وُلد صغيراً ولا يزال. بالنسبة للحجم هو أصغر من كل المهرجانات المحيطة به، ويقوم على حب غير واضح الأهداف والمعالم للسينما، وكما يذكر الزميل نديم جرجورة في هذا العدد، لم يشأ المهرجان التعلّم من أخطائه او الإسترشاد بما كتبه النقاد خلال السنوات الماضية (لماذا؟ هل سيفهم النقّاد أكثر من القائمين عليه؟ مستحيل) فمارس نوعاً من الحبو أولاً، ثم وقف على قدمين غير ثابتتين الى اليوم. أي خلل سيوقفه. أي معركة في شارع جانبي بين أنصار هذا الزعيم وذاك، قد يعرقله ومعركتين تلغيه٠
لكن -وعلى الرغم من ذلك- لا يمكن المرء الا أن يرفع قبّعته تحيّة لمديرته العامّة كوليت نوفل التي استطاعت جلب فرنسيس فورد كوبولا الى بيروت. لم يفكّر به اي مهرجان عربي كبير في الجوار، وإن فكّر فإنه لم يُقدم على هذه الخطوة
كوليت نوفل أنجزت خبطة إعلامية وسينمائية رائعة لمهرجان ينظر اليه الكثيرون على أساس أنه تظاهرة او في أفضل الأحوال محاولة. هنيئاً لها وشكراً لكوبولا، شيخ الشباب، الذي نحى جانباً الحذر وقرر أنه يريد التعرّف أكثر على العالم العربي ولتكن بيروت محطّته الثانية في هذا السبيل

في الطريق الى الأوسكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مطلع العام الحالي قام مهرجان سندانس بعرض فيلم وثائقي أثار الكثير من ردات الفعل الإيجابية بعنوان »نجمة أفغانية« وهو عبارة عن تحقيق حول الأفغانيات اللواتي يطمحن للظهور في نسخة
American Idol أفعانية من البرنامج المعروف
وكيف يحملن مخاطرة كبيرة إذا ما أردن التحوّل الى مغنيات، ناهيك عن الظهور في التلفزيون الأفغاني. أخرجته البريطانية هافانا ماركينغ وموّلته »قناة 4« البريطانية. هذا الفيلم هو الترشيح البريطاني لأوسكار أفضل فيلم أجنبي (كونه ناطق غالباً بالأفغانية)٠

وبالمناسبة الأفلام الأميركية التي سنقرأ عنها طوال الأشهر المقبلة كترشيحات أوسكار أساسية، في هذا القسم او ذاك، هي - الى الآن
في مسابقة الفيلم الروائي
The Hurt Locker, The Road, Bright Star, The Men Who Stare at Goats, Up in the Air, A Serious Man, Inglourious Basterds.
في مسابقة الأنيماش الى الآن
Up, 9
في مسابقة الفيلم الوثائقي
Capitalism: A Love Story

المحاكمة او لا محاكمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بينما يقبع رومان بولانسكي في الزنزانة السويسرية (التي للأسف لا تطل على بحيرة جنيف) تقوم إحدى شركات الأسطوانات بإطلاق فيلمه المعروف
Chinatown
من جديد (كان أطلق مرّتين من حين إنتاجه سنة 1974). إنه ذلك الفيلم البوليسي الذي يستوقفني فيه مشهدان دالاّن: رومان بولانسكي يلعب دور شرير يتقدّم من التحري الخاص جاك نيكولسون ويقطع أنفه بسكين، وفاي داناواي تعترف أن والد إبنها ليس زوجها بل والدها٠
طبعاً النقاد آنذاك صفّقوا للتويست الموجود في هذه الحبكة كما لظهور بولانسكي في مشهد عنيف. لكن اليوم لا يُترجمان، وسط الحالة التي يمر بها بولانسكي، وهي بالتأكيد مأزق العمر، الا كمشهد عنف ومشهد ذو دلالة جنسية منحرفة تماماً كما حال فعلته بعد ذلك بثلاثة أعوام حين اعتدى على عفاف فتاة دون السادسة عشر من العمر٠
وهل لاحظت أن الموقّعين على العريضة التي تطالب بإطلاق سراحه ليسوا من هوليوود، حتى ولو كان بعضهم أميركي مثل وودي ألن؟ كل تلك الأسماء ومن بينهم الأسباني بدرو ألمادوفار والكوري وونغ كار واي والممثلة الفرنسية ازابيل أدجياني والمخرج الكندي ديفيد كروننبيرغ هي أما أجنبية او تعمل بعيداً عن هوليوود. أما هوليوود ستيفن سبيلبرغ ومايكل باي والمنتج جيري بروكهايمر والممثل توم كروز او توم هانكس او جوليا روبرتس. حتى لو رغبوا لما استطاعوا لأن المجتمع الأميركي، بصرف النظر عن كيف ينظر اليه البعض من الخارج، لا يزال محافظاً وهؤلاء لن يعرّضوا البزنس الذي هم فيه للخطر لمجرد الدفاع عن زميل سينمائي لهم الا في حالة أن الرأي العام الأميركي مع ذلك الزميل- وهذا ما لم يقع، ولا أعتقد إنه سيقع٠

آخر عشرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه آخر عشرة أفلام شاهدتها. شارة <> بجانب الفيلم الذي شوهد سابقاً أيضاً


<> Toy Story- 3 D | John Lassiter [USA- 1995,1999] ****
Surrogates | Jonathan Mustow [USA-2009] ***
The Invension of Lying | |Ricky Gervais [USA-2009] **
Fame | Kevin Tancharoen [USA-2009] *
God Forgives, I don't | Giuseppe Colizzi (1967] **
<> Coogan's Bluff | Donald Siegel [Italy- 1968] ***
His Trust | D. W. Grifith [USA-1911] **1/2
12 | Nikita Mikhalkov [Russian- 2008] ***1/2
<> The Chess Players | Satyajit Ray [ India- 1977] ***
<> Don't Look Now | Nicholas Roeg [UK- 1973] ****



مهرجان | بيروت السينمائي الدولي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يعرف ما يُريد وإذا عرف استعصى عليه نيله
هوفيك حبشيان

Tetro
اذا وضعنا جانباً الخبطة الاعلامية التي تمثلت في الاتيان بأحد جبابرة الفن السابع الى بيروت، فإننا نرى أن الدورة الحالية من مهرجان بيروت السينمائي تأتي مطابقة الى حدّ بعيد لسابقاتها. وكأن الطبع يغلب دائماً التطبع لدى مديرته كوليت نوفل التي بات مصيرها، ويا للأسف، أن لا تقنعنا بخياراتها الفنية المتسرعة والعشوائية. خياراتها الفنية؟ نعم. فالمعيار الأول لتقويم مهرجان هو التشكيلة الرسمية التي تعبّر عن قرارات ورؤى. ولا يهمّنا لا مع مَن تتعاقد للحصول على مصادر تمويلية جديدة ولا مَن هنّ سيدات المجتمع اللواتي انضممن حديثاً الى اللجنة المنظمة. القرارات الفنية بالغة الأهمية لأنها وحدها تعبّر عن أفكار. والأفكار تعبّر عن عالم نعيش فيه. بيد أن هذه الادارة، ومهما ترفع من شأن طموحاتها، تبدُ كمن يقول: تريدون مهرجاناً دولياً؟ هاكم مهرجاناً دولياً يزوره عظيم مثل كوبولا! لكن ماذا عن الأيام السبعة بعد رحيل كوبولا؟ وهل البانوراما الدولية هي التي ستقنعنا بأن هذا المهرجان دوليّ الصفة، في حين أنه ما برح في الحقيقة مهرجاناً متواضعاً. وهل أفلام تافهة كـ"فجر العالم" أو "فيلم" لارا سابا المتواضع (يتباهى المهرجان بعرضه على رغم انه عرض في كل المهرجانات التي عقدت في بيروت أخيراً)، تصنع تشكيلة رسمية جديرة بالاحترام؟ مع ذلك، لا يرضى طموح نوفل بما دون الدولية والعالمية، وهي الصفة التي اصلاً لم تعد تعني ما كانت تعنيه في السابق، في الستينات والسبعينات من القرن الفائت، وخصوصاً ان المحلي أحياناً بات ينافس الدولي ولا سيما في المهرجانات، وخصوصاً في النوعية التي تهمّنا.
في السنتين الأخيرتين، تخلص المهرجان من علة كانت ترافقه باستمرار، فانتقل من كونه تظاهرة متقطعة الايقاع الى موعد ثابت الى حدّ ما، مما يعني انه بات في اتجاه التكريس، لكن مشكلته الاساسية لا تزال حول غياب المنهجية وانعدام الرؤية الفنية. فالتشكيلة التي تُقترح هنا، لا رؤية لها ولا هدف، وكلنا يعلم كيف تحط رحالها في بيروت (من هالك لمالك...). وربما تكفي قراءة ما جاء في افتتاحية الكاتالوغ لندرك مرة أخرى، اذا كانت هناك حاجة الى ذلك، أن همّ السينما ليس من أولويات المديرة. فالكلمة تكريمية وعامة وبسيطة، تشكر هذا أو ذاك، بعيداً من جوهر الموضوع، تماماً كما هي الحال مع هذا المهرجان الذي لم يستطع على مرّ الدورات التسع أن يبني هوية له وأن يرتب له مكاناً في أذهان السينيفيليين٠

لكن علة وجوده باتت معروفة. فهذا المهرجان لا يعرف ما يريد. واذا عرف، استعصى عليه نيله. واذا نال، لا يعرف كيفية توظيفه في الاطار الصحّ. فماذا يعني مثلاً ان يؤتى بكوبولا الى بيروت، ولا يُستغل وجوده الا للسياحة ولمناسبات اجتماعية عديمة الفائدة والأهمية، لإرضاء أطراف لا يهتمون الا بتسطيح الأشياء وافراغها من معناها. صحافة متخصصة، طلاب سمعي - بصري، مهتمون بالشأن السينمائي، سينيفيليون، أين هؤلاء من هذا الحدث؟ ما إن جاء الرجل حتى تبخر، لا نعرف اين. هناك شيء، لا بل أشياء لا نفهمها، وهي كانت دوماً على هذا النحو السريّ في هذا المهرجان، والأرجح ان الوضع سيبقى على ما هو عليه.
بعض المهرجانات السينمائية تصنع مدناً. أما هذا الموعد الذي نحن في صدد متابعته فأصبح نزوة موسمية، وهو لا يستوقف الجمهور ولا يشغل متابعي الدورة السينمائية في البلد. عمر المهرجان، الذي غيّر جلده مراراً، بات تسع سنوات. ولا يبدو مهرجان بيروت شيخاً لاهثاً في نهاية عمره، بل يبدو مراهقاً. فما السبيل للنهوض بهذا المهرجان، الذي يحمل اسم بيروت، وتحويله من موعد للنزوات الموسمية لجعله موعداً حقيقياً للأفلام، حيث النقاش هو السائد، والمادة الجادة هي المهيمنة؟ قرار هذه الانعطافة الضرورية في يد كوليت نوفل، ولا احد سواها


فـــي "تـــيــــتـــــــــرو"إيـــطـــــالــي الـــــهـــــــوى فـــرنــســـيــــس،

بعد ثلاثة عقود على نيله "السعفة الذهب" في مهرجان كانّ، عن فيلمه "القيامة الآن"، عاد فرنسيس فورد كوبولا وقدّم فيه، في ايار الفائت، واحداً من أكثر الأفلام شخصانية في مساره. لكن مشاركته هذه المرة لم تكن في المسابقة الرسمية بل في "اسبوعا المخرجين"، وهو القسم الذي وجد انه يليق أكثر بفيلم ينحو الى التجريبية. "تيترو" هو خلاصة عمله كسينمائي أميركي من أصول ايطالية، نظرته مشبعة بثقافة بصرية عالية جداً، وهو الشيء الذي كثيراً ما يجري إهماله عندما نتحدث عن شغله. فلا عجب اذاً، ومخرجنا يريد التفنّن والابتكار، ان نجد في الشريط الباروكي الاسلوب والايطالي الهوى، بعض اللقطات التي تذكّرنا بإدارة ايطالية للممثلين، بدءاً من دخول الشخوص الى الكادر وخروجهم منه، وصولاً الى الحوارات المتشعبة والمتداخلة. طبعاً، كوبولا يتلذذ لتحلّيه بقدر هائل من الحرية، على رغم ان الحرية هي عند صاحب "العراب" وهم ظل يبحث عنه طوال حياته، وحين وجد هذا الوهم لم يكن الا علاقة حبّ من طرف واحد. بمعنى آخر، ان أهم ما انجزه كوبولا في حياته هو ما انجزه مقيّداً وليس حراً. الضغوط الخلاّقة كانت دائماً تنتشله من العبث الذي سار خلفه سنين طويلة. في اللقاء الذي جرى معه في كانّ، قال الآتي: "كان عندي استقلالية تامة في عملية تصوير كل الأفلام التي أنجزتها بعد "العراب"، ومَنْتَجتها. ولكن عندما تعرضت لانتكاسة مادية كبيرة، وصرت مديوناً للمصرف، فإن كل الأفلام التي انجزتها ما بين سنوات الاربعين والخمسين من عمري هي اعمال طُلب مني أن أنجزها، ولست صاحب المبادرة. لكني، عندما لم أعد مديوناً، توقفت عن العمل بهذه الطريقة".
كوبولا ازعج "السيستيم" القائم عليه المصنع الهوليوودي، ولا يزال. لكن استفاد منه الكثير ايضاً ليصنع مجده. اللافت في تيترو"، تحويل تجربته الخاصة في مجال يعرف اسراره جيداً الى " فيلم ينسبه الى طرف آخر. فخلف الكاميرا هناك جبارّ لا تستطيع أن تتكلم عن الاربعين سنة الأخيرة من تاريخ السينما الأميركية من دون أن تأتي على ذكره عشرات المرات. أما على الشاشة، فهناك شخصيات، كلٌّ منها هو كوبولا في جانب من جوانبه. وبينهم جميعاً، هناك شاب في الثامنة عشرة مصفاة الحكاية. جدير بالذكر أن المراهقة ليست موضوعاً طارئاً لدى كوبولا.
الفيلم أولاً وأخيراً هو عن الخلق والكتابة والتأليف. ودعونا نستذكر هنا هوس كوبولا بالتأليف واعتبار كاتب النص الاصلي ذا شأن كبير في عملية صنع الفيلم. ألم يضع في أكثر من مناسبة اسم الكاتب فوق اسم الفيلم: "عراب ماريو بوزو"؛ "دراكولا برام ستوكر". في لقاء له مع الجمهور في مهرجان كانّ، كان له التوضيح الآتي: "عندما أنجزت "العراب" كان العنوان يحمل اسم الكاتب بطريقة لا تجزأ، وعلى الشكل الآتي: "العراب لماريو بوزو". فعلت الشيء نفسه مع "دراكولا لبرام ستوكر". وكنت أحلم دائماً بأن يكون اسمي في عنوان أحد أفلامي. لكن من أجل ذلك كان ينبغي لي أن أكتب نصاً أصلياً. كنت أعتبر عملية الكتابة شيئاً صعباً، ومن هذا المنطلق لم يكن يحق لي أن اضع اسمي مع العنوان، ما دمت لم أكتب السيناريو، وذلك احتراماً وتقديراً. "تيترو" أتاح لي أن أفعل ذلك للمرة الأولى".
دم شكسبيري يجري في عروق السينما التي يصنعها كوبولا، ولا سيما في "تيترو"، حيث التأرجح الصارم بين الجميل والقبيح، بين عبقرية الوالد (في الفيلم) والقدرة المحدودة للولدين الشقيقين اللذين سيحاولان النجاة من سطوته الفكرية عليهما. العائلة وروابط الدم والعلاقات المكلومة، هذه كلها يسردها بدراماتورجية مفخمة وباروكية قد يصنفها البعض في خانة الترف والمزايدة، لكنها لعبة تجريبية تسلّي مخرجاً لم يعد عنده شيء ليثبته. أما الجمال التشكيلي بالأبيض والأسود، فهذه قصة أخرى، يستخدمها كوبولا لأسباب تيماتيكية وجمالية وسردية في آن واحد. بممثلين بارعين يقدّمون أفضل ما يملكونه، يحوك كوبولا نصاً معقداً وشاملاً عن رؤيته للحياة والفنّ، حصيلة ما تكوّن في جعبته خلال سبعين عاماً من الابحار بين الواقع والنزوة. بين الحياة - الحلم والحياة - الكابوس. في حمأة هذه الصراعات، لا خلاص عند كوبولا الا بالعشق المتطرف الذي لم يخف عنده البتة مع التقدم في السن، لا بل زاد، وما يؤكد هذا الشيء هو الكلام الذي قاله أمس لكل لبيب: "الفنّ لعاشقه فحسب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مهرجان بيروت: منطق مبني على العشوائية وغياب الرؤية
نديم جرجورة

Taking Woodstock
دورة جديدة لمهرجان بيروتي لا يزال مرتبكاً، لعجزه عن التحوّل إلى مؤسّسة متكاملة، تنظّم حضوره الثقافي والفني بشكل سليم. دورة جديدة لمهرجان أُريد له أن يرتبط بالمدينة، فإذا به يتّخذ من المدينة اسمها فقط، محلّقاً في آفاق أخرى وجغرافيات لا تنتهي. فهو مهرجان دولي للسينما تارة أولى، وهو مهرجان دولي لأفلام شرق أوسطية تارة ثانية. جعل مسابقته الرسمية عربية ذات مرّة، مُدخِلاً فيها إيران؛ وفتح التنافس على الجوائز المعنوية أمام جنسيات دولية متفرّقة، مرّات أخرى. لا بأس بهذا كلّه. لكن السجال النقدي لم يؤدّ إلى نتائج تتيح للمهرجان أن يخطو خطوة واحدة، على الأقلّ، إلى الأمام. والجدل الذي أثارته مقالات نقدية خاصّة بدورات سابقة لم يحرّض إدارة المهرجان على البحث الجدّي في لُبّ المشكلة، بهدف حلّها وتحسين شروط النجاح لدورات لاحقة. فإذا بالارتباك سيّد المهرجان، وإذا بالأخطاء ـ التي يُمكن تداركها سريعاً لأنها لا تحتاج إلى ذكاء خارق لمنع وقوعها، بل إلى إحساس بسيط بالمسؤولية وحسن الإدارة والتنظيم ـ تبدأ قبل أربع وعشرين ساعة على افتتاح هذه الدورة، التي أريد لها أن تكون مميّزة بدعوة مخرج أميركي كبير، ظنّاً من إدارة المهرجان أن دعوة كهذه، مهما كانت مهمّة، تُغطي البهتان الحاصل في داخل النشاط الاستعراضي٠

كوبولا
حتى اللحظة الأخيرة، لم يُصدِّق بعض الزملاء النقّاد أن المخرج الأميركي فرنسيس فورد كوبولا سيلبّي دعوة إدارة «مهرجان بيروت السينمائي الدولي» للمشاركة في افتتاح الدورة التاسعة بفيلمه الأخير «تيترو»، على الرغم من الحشد الصحافي والإعلامي الكبير نسبياً في الطابق التاسع في فندق «ألبيرغو» في الأشرفية، الذي انتظر وصول «العرّاب» للقائه إياهم في مؤتمر صحافي عُقد مساء الثلثاء. تأخّرت الطائرة التي أقلّته من دمشق إلى بيروت (تردّد أن السلطات اللبنانية لم تسمح لطائرته الخاصّة بالهبوط في مطار العاصمة اللبنانية، لأسباب لم يذكرها أحدٌ من مسؤولي المهرجان أو مندوبيه الصحافيين)، ما أدّى إلى تأجيل موعد اللقاء تسعين دقيقة، انتهت بدخول كوبولا وزوجته إليانور ومديرة المهرجان البيروتي كوليت نوفل، التي لم تتقيّد بأصول الضيافة، المتمثّلة بتقديم المخرج بكلمة سريعة والاعتذار عن التأخير وتوضيح ملابساته، وبالجلوس إلى جانبه طوال فترة لقائه الزملاء، ولا بأس إذا أدارت اللقاء بينه وبين النقّاد القلائل والصحافيين والإعلاميين الكثر. فهي ارتأت البقاء بعيداً عن هذا الصخب كلّه، ولم تنتبه إلى أصول أخرى يُفترض بها أن تُمَارَس احتراماً للزملاء وللسينما وللمهرجان وللضيف. فالمكان المختار ضيّق للغاية، وآلية تنظيم جلوس النقّاد والزملاء غائبة تماماً، لأن العشوائية طغت، إلى درجة أن النقّاد وجدوا أنفسهم في صفوف خلفية، لأن مصوّرين وصحافيين غير معنيين بالسينما تمترسوا في المقاعد الأولى والثانية. تساءل البعض عن سبب عدم اختيار صالة سينما «متروبوليس/ أمبير صوفيل» في الأشرفية لعقد المؤتمر الصحافي، وعن سبب عدم دعوة مخرجين سينمائيين ومثقفين لبنانيين معنيين بالفن السابع، للقاء المخرج الكبير. لم يحصل أحدٌ على جواب شاف. هذه تفاصيل صغيرة، لكنها تعكس المنطق السائد في إدارة المهرجان، وهو منطق مبني على العشوائية وعدم التخطيط السليم وغياب الرؤية الواضحة والادّعاء الفارغ والهوس القاتل بالاستعراض الإعلامي العابر. هذه تفاصيل صغيرة أكّدت، للمرّة الألف، استحالة قيام إدارة سوية، تصنع مهرجاناً لائقاً بالسينما أولاً وأساساً.
والمهرجان، إذ يحتفل هذا العام بدورته التاسعة (علماً أن توقّفاً حدث ذات عام لأسباب غير مفهومة)، استعاد اسماً قديماً له هو «مهرجان بيروت السينمائي الدولي» (يحلو لإدارة المهرجان ترجمة الاسم الإنكليزي إلى «مهرجان بيروت الدولي للسينما»)، ومقدّماً أفلاماً متفرّقة الأشكال والمضامين. والحركة التي يُحدثها النشاط المذكور هذا، إذ تقترب من الاحتفال بالذكرى العاشرة للتأسيس، باتت إحدى المحطّات السينمائية اللبنانية، التي لم تستطع لغاية الآن الخروج من العاديّ (أو ما دونه) إلى تأكيد حضور ثقافي وفني متحرّر من سطوة المنطق السياحي/ الاستعراضي المغلّف بالسينما وأفلامها ونجومها، إن حضر هؤلاء. وإذا حصلت إدارة المهرجان على عناوين سينمائية مهمّة، بفضل العلاقات العامّة المنسوجة مع أكثر من طرف سينمائي هنا وهناك (وهذا أمر حسنٌ، بل ضروريٌ لإنجاح المهرجان لكنه غير كاف لوحده)، فإن الأفلام الجادة وحدها لا تصنع مهرجاناً، لا يزال محتاجاً إلى شروط عدّة كي يستحقّ اسم «مهرجان» وصفة «دولي»٠

وودستوك
على غرار الدورة السابقة، التي افتُتحت بفيلم بديع ومهمّ وساحر بعنوان «إل ديفو» للإيطالي باولو سورّينتينو، الذي روى فصولاً من سيرة رئيس الوزراء الإيطالي السابق جوليو أندريوتي وعلاقاته المشبوهة بالمافيا وأساليب اشتغاله السياسي والاجتماعي والاقتصادي والمالي؛ اختارت إدارة المهرجان البيروتي لافتتاح دورة هذا العام فيلماً جميلاً ومُربكاً، بالمعنى الجمالي والدرامي والإنساني والفني، أنجزه كوبولا بعنوان «تيترو»، الذي افتتح الدورة الواحدة والأربعين لتظاهرة «نصف شهر المخرجين»، في إطار الدورة الثانية والستين لمهرجان «كان» السينمائي في أيار الفائت. لكن الاختلاف بين الدورتين ظاهرٌ في «فيلم الختام»، إذ عُرض الفيلم اللبناني «ميلودراما حبيبي» لهاني طمبا في ختام الدورة السابقة، بينما اختير الفيلم الأخير للتايواني آنغ لي «اكتساح وودستوك» (المسابقة الرسمية في مهرجان «كان» في دورته الأخيرة) ليختتم الأيام السبعة الخاصّة بالدورة التاسعة للمهرجان البيروتي في الرابع عشر من الشهر الجاري. فالفيلم اللبناني، على الرغم من بساطته الجمالية وسلاسته البصرية واشتغاله الدرامي على العلاقة القائمة بين الآنيّ والذاكرة، بعيداً عن التصوير المباشر لهواجس الحرب ولذكريات الألم والتمزّق الفرديين؛ لم يبلغ المرتبة الإبداعية الجميلة لـ «اكتساح وودستوك»، المنفلش على الذاكرة، والمنفتح على إحدى اللحظات التاريخية التي شهدت تحوّلاً جذرياً في أنماط الثقافة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية والانفعالية في أميركا الستينيات٠

إذا شكّل «إل ديفو» افتتاحاً لائقاً لمهرجان متخبّط بأزمات عدّة؛ فإن «تيترو» استعاد تلك اللحظات القليلة والجميلة. ذلك أن كوبولا، العائد إلى الاختبارات السينمائية المغايرة لحالات إنتاجية عادية مرّ بها، إثر وقوعه في كَمّ هائل من المشاكل المالية والأزمات النفسية، اختار أن يعيد صوغ ذكريات خاصّة بسيرته الذاتية، في قالب سينمائي امتلك شكلاً آسراً ومضموناً مُربكاً، لاحتوائه على جرعات متتالية من الصدمات البصرية والدرامية المحرّضة على إعمال العقل والاجتهاد في تفكيك البنى النصّية لفهم سياقاتها المتداخلة بين الذاتيّ والعام، والمتشابكة حكاياتها بعضها ، باحثاً عن جذور أحد أبرز النشاطات الفنية في الولايات 1969بالبعض الآخر. في حين أن آنغ لي عاد، في «اكتساح وودستوك»، إلى العام في فرنسا، والتحوّلات 1968المتحدّة الأميركية، الذي أسّس منعطفاً حقيقياً في المسار التاريخي للمجتمع الأميركي، بعد اندلاع أحداث أيار الاجتماعية والثقافية والإنسانية والحياتية التي زُرعت في قلوب ملايين البشر وعقولهم وانفعالاتهم. أراد أن يستكشف آلية التأسيس لهذا التحوّل، عندما اختار شخصية إليوت تيبر (ديمتري مارتن) ـ الشاب الأميركي اليهودي المتخصّص بهندسة الديكور الداخلي، والمقيم مع والديه، والمرتبك جرّاء عيشه لحظة تحوّل حياتي وإنساني من دون أن يتّخذ القرارات الملائمة لطموحاته وأحلامه ـ محوراً لفيلم مصنوع بتقنية التوثيق ومناخاته الفنية، ومغلّف بأسلوب روائي سردي لم يغرق في التسطيح، لأنه حافظ على المعطيات الواقعية لرسم ملامح مرحلة وتفاصيل ذاكرة لا تزالان فاعلتين، إلى حدّ ما، في الوجدان الجماعي للمجتمع الأميركي (والعالمي، وإن بدرجات متفاوتة). لهذا كلّه، يُمكن القول إن «اكتساح وودستوك» شهادة بصرية عن معنى المواجهة السلمية لملايين الشباب الأميركيين ضد الحرب والسياسة، والدفاع عن الحرية والجنس والتحرّر المطلق من قيود البيئة الغارقة في الدم والعنف والموت. غير أن آنغ لي لم يصوّر الحدث نفسه، بل حفر في التفاصيل المتفرّقة التي بدّلت وجه أميركا والتاريخ، في ظلّ حرب فيتنام، ) وارتفاع حدّة المواجهة الصامتة في حرب الاستنزاف بين 1967واحتدام النزاع القائم في منطقة الشرق الأوسط إثر هزيمة حرب الأيام الستة ( إسرائيل ومصر، بالتزامن مع إحدى أهم الانجازات الأميركية: الصعود إلى القمر. فهذه كلّها مُقدَّمة في المشاهد الأولى من الفيلم، الذي يدخل سريعاً في الحياة المملّة في المدينة الأميركية «غرينويتش فيلاج» القريبة من نيويورك، قبل أن تنقلب الأمور كلّها رأساً على عقب

تحقيق | تاريخ وحاضر القُبلة في السينما العربية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

تحية كاريوكا وشكري سرحان في "شباب إمرأة"٠

تختصر القُبلة في رموزها الكثير مما يمكن أن يُقال فيها وحولها٠
ليس فقط أن هناك قُبلات وليس قُبلة واحدة، من قُبلة الأب حين وداع ولده الى قبلة الفتاة التي تنتظر حبيبها في خلوتهما، ومن قُبلة الصلح والمصالحة، وهذه ذات نوعين، كاذب وصادق، الى قُبلة يطبعها الصغار والكبار على أيدي ممتدّة تطلب امتثالاً وتنشد الطاعة. والقبلة العاطفية بدورها على درجات: واحدة مجاملة والأخرى نصف ممتنعة والثالثة للإثارة بحدود والرابعة بغير حدود٠

القبلة تختصر رموزاً عدّة ليس فقط لأن أنواعها وغايتها كثيرة وكل منها مشروع لأجل غاية مختلفة بل لأن القبلة هي اختصار زمني. الجسر الممدود بين طرفين وحالما يقطع مسافته كل طرف بإتجاه الآخر فإن القبلة تصبح الخطوة الأولى التي تمهّد، الا في الحالات الإستنثائية، الى الممارسة الغرامية حيث تتوزّع القبل فوق كلّ الجسد وحين تفعل تكون بمجملها الوصلة بين القُبلة الأولى وبين البلوغ والنشوة الجنسية. وهي -القُبلة وليس النشوة- تعود فتختم المطاف، ولو مؤقتاً، قبل بدء دورة جديدة. لأن "مرة واحدة لا تكفي"٠

القبلة عند أنطون تشيخوف في روايته القصيرة "القبلة" هي فاصل بين حقيقة وخيال: يحضر حفلة. يدخل غرفة مظلمة. تهب إليه أنثى. تطبع على فمه قبلة قبل أن تدرك أنه ليس الرجل الذي كانت تنتظره. تمضي في سرعة ويقف هو محتاراً. باقي الرواية هي بحثه عن تلك المرأة وهو الذي لم يستطع تبيان ملامحها، وبالتالي لا يملك أي دلالة على أن تلك القبلة حدثت٠
لابد من الإشارة ومن دون استعراض السينما الغربية هنا أنه في العام 1896 أحدثت قُبلة تبادلها جون رايس وماي إروين في فيلم من 47 ثانية أسمه »القبلة«، ردّات فعل حادّة واحتجاجات صحافية ومؤسساتية وجدت أن تلك القبلة لا محل لها أن تعرض على الناس. ولو وقعت على الطريق العام لنالت ذات الإستهجان ولربما تدخل البوليس. لكن الشاشة الكبيرة أفدح. إنها كل الطرق. كل المدينة٠


القُبلة الأولى .... تمّت ... لم تتم

الأفلام الصامتة العربية قليلة جدّاً، لكن أوّلها حمل القبلة في العنوان. إنه فيلم للفلسطينيين إبراهيم وبدر لاما (أساساً "الأعمى" وليس لاما، لكنهما حملا لاما بعدما هاجرا الى تشيلي وتزوّدا منها بطريقة النطق فصارت الإسم المعروف عربياً أيضاً). هذا الفيلم هو »قبلة في الصحراء« الذي عرض في الخامس من أيار (ماي) سنة 1927 ولو أن المرء سيجد بعض المؤرخين في مصر يذكرون أنه كان ثاني الأفلام المصرية رغم أنه عرض قبل الفيلم الآخر، وهو فيلم »ليلى« لعزيزة أمير بنحو ستة أشهر. السبب هو أن الاما كانا فلسطينيين وبداية السينما المصرية يجب أن تكون مصرية بالكامل٠

ويستطيع المرء أن يقلّب التاريخ بين يديه ويستخلص، لكن المهم هنا هو أن بيانات هذا الفيلم المفقود لا تشير إذا ما احتوى بالفعل على قُبلة، ذلك أن القصّة تذكر أن مشروع قُبلة يقع لكنها لا تذكر إذا ما وقع بالفعل وذلك في مشهد يلتقي فيها بطل الفيلم (بدر لاما) بالفتاة الأميركية (وداد عرفي) في رحى معركة دائرة. كانا التقيا سابقاً ووقعاً في الحب من النظرة الأولى لكن شيئا لم يحدث آنذاك. الان هو مقنّع لكنها تعرفه من خنجره. تهفو اليه لكي يقبّلها او -على الأقل- لتقبّله هي، لكنه يتحاشى ذلك و-حسب مصادر- لأن العادات العربية تمنع القبلة في الأماكن العمومية (كما كان الحال في العديد من دول الغرب في ذلك الحين)٠



إنه من الصعب جدّاً تصوير القُبلة٠
نتكلّم سينما لنصف حالة٠
إذا قرر المخرج لقطة قريبة لوجهين يقتربان ثم يلتحمان في قُبلة فإن الخطر هنا هو أن يبدو ميكانيكياً٠
إذا صوّرهما من بعيد، الخطر هو أن يفقد المشهد حسّه ونبضه٠
إذا طلب منهما قبلة خاطفة قتل على المكنون الداخلي، وإذا طلب منهما قبلة بطيئة خاف أن يسمع شخير من في الصالة٠
إذا صوّر المرأة بلقطة وهي تتحرّك بوجهها الى الأمام، ثم لقطة -من نفس الحجم والزاوية- للرجل وهو يتحرّك بوجهه الى الأمام. ثم لقطة ثانية لها، وثالثة له ثم اليهما معاً، شبّه القُبلة بقطارين يتصادمان من حيث لا يريد٠
لأن تصوير القُبلة أمر صعب، فإنه من النادر أن ينتقل حس القُبلة الى المشاهدين. وهؤلاء في العالم العربي، على الأخص، لديهم "زوايا نظر" أخرى غير تلك المسجّلة على الشاشة. الرجل الساخر من الفيلم العربي لقصوره في تجسيد الواقع منذ البداية، سوف ينتظر ما بعدها. وإذا انتظر ما بعدها ضاعت القُبلة وأثرها، لأنها من المفترض أن تسطو على اهتمام المشاهد لذاتها، كما تسطو القُبلة في الحياة على اهتمام فاعلها لأنها التمهيد لما بعد٠
بالنسبة للمكبوت او المحروم، ذكراً او أنثى، وعلماً بأن غالبية الأفلام العربية تتوقّف عند حد القُبلة وتترك للمشاهدين تخيّل الباقي، فإن القبلة بالغة الأهمية وإذا ما كان الرجل هائماً بـإحدى الممثلات، نقل معه إحساس القبلة لخارج الصالة واعتبر أن الممثلة التي يحب هي أفضل من قبّل. حين يتزوّج سيطلب من زوجته أن تقبّله كما قبّلت تلك الممثلة البطل. والعكس صحيح. الفتاة، في عصر أخاله مضى الآن لأسباب ليست كلّها إيجابية، كانت تأخذ صورة رشدي أباظة او عبد الحليم حافظ او -نعم- حسن يوسف أحياناً لما بعد الفيلم وتقارن كل شاب تلتقيه بتلك الصورة. أهو قريب منها او بعيد؟ هل يستطيع أن يقترب؟ هل لديه خصال تشبه تلك التي لدى رشدي او عبد الحليم؟

لكن الفريق الأعم من الناس هم الذين كانوا يدركون أن الرقابة تمنع على المخرج وعلى الفيلم ومن ثم عليهم أن ينتقلوا الى الجانب الآخر من الجسر. لذلك فإن القبلة كانت مهمّة ويتم التركيز عليها لأنها مفتاح ما سيتفاعل ما في البال خصوصاً إذا ما سمح المخرج وممثليه لأنفسهم التمادي قليلاً لما بعد القُبلة، او تحويل القبلة الى ممارسة جنسية مصغّرة عن طريق ذلك النهم المفترض أن بطليه سيغرفان منه٠
وعلى القُبلة تتوقّف أشياء كثيرة. مثلاً وقعها إذا ما كان الرجل والمرأة متزوّجين يختلف عن وقعها إذا ما كانا غير متزوّجين، او إذا كانا حبيبين او لاهيين. او ربما هو اللاهي وهي المخدوعة او العكس كما في فيلم صلاح أبوسيف الرائع "شباب إمرأة" (1956) حيث تحية كاريوكا هي »المعلّمة« هي المنفتحة التي تعرف كل ما يجب أن تعرفه عن الرجل جنسياً وشكري سرحان هو إبن الصعيد الساذج الذي كان وعد الفتاة التي تركها في القرية بأن يعود إليها بعد استكمال دراسته. شكري هو الثمرة المكتنزة هذه المرّة على عكس النظرة التقليدية حيث الفتاة الحلوة التي صانت نفسها من الرجال هي التي تحلو في عين الرجل، ليكن أحمد رمزي او يوسف فخر الدين او ذلك المتأنّق »زير النساء« صلاح نظمي٠

السينما قبل الحب
القبلة لها معان عديدة حسب استخدامها على الشاشة. العنوان كاف، في أحيان كثيرة، من وصف الفيلم بأسره: "ألف بوسة وبوسة" سوف لن يكون سوى كوميديا او خفيفاً. القُبلة هنا هي مطلب مشترك بين حسين فهمي ونجوى فؤاد ويسرا وسمير غانم ولبلبة في فيلم أخرجه محمد عبد العزيز حول مفهوم العلاقة بين الجنسين، وقد يكون رمزاً لألف إمرأة وإمرأة او ألف مجامعة ومجامعة. لكن في فيلم مثل »القبلة الأخيرة« لعز الدين ذو الفقار (مع رشدي أباظة وماجدة وإيهاب نافع- 1967) فإنها لابد أن ترتقي الى موضوع مخرج عالج دراميات عاطفية بنجاح وهذا الفيلم لا يختلف. العنوان يُشير الى نهاية العلاقة بين مخرج سينمائي (أباظة) كان أحب ممثّلته (ماجدة) وتزوّجها وأخذا يحققان الأفلام معاً. فجأة يكتشف أن زوجته مشدودة الى بطل الفيلم الجديد (نافع) الذي هو أصغر سنّاً. في البداية تؤكد له أنه يتوهّم لكنه يتأكد لاحقاً وهي لم تعد تكترث لكبح عواطفها. هاهي تحضنه في المستشفى حين يتعرّض لإصابة. الزوج- المخرج لكي لا يعرّض فيلمه للأذى يكمل التصوير من دون أن يصارح زوجته بما سيفعله بعد انتهاء التصوير: سيطلّقها وسيبارك علاقتها العاطفية الجديدة٠

القبلة تكسر رأس رشدي أباظة العنيد في »عدو المرأة«. أخيراً يقع في الحب إذ علّمته نادية لطفي درسين او ثلاثة في العلاقات العاطفية. في ذلك الفيلم الذي أخرجه سنة 1966 محمود ذو الفقار أيضاً نجد الكاتب الروائي الذي، حسب قصّة يوسف جوهر، لا يحب المرأة. ليس أنه يحب الرجال مثلاً، لكنه ذي موقف متناقض: لا يمانع في النوم معها، لكنه لا يحب شخصيّتها ويعتبرها أقرب الى الآفة الإجتماعية. هذا الى أن تقرر نادية لطفي قيادته من ربطة عنقه الى حيث لم يسمح لنفسه أن ينساق من قبل. ما بين الإغراء الأنثوي حيناً ولعبة القط والفار حيناً آخر وسيل من القبل ينتهي الى الإيمان في النهاية الى تغيير رأيه كاملاً في المرأة٠

لكن نادية لطفي في »النظّارة السوداء« [حسام الدين مصطفى- 1963] هي التي تعاني، حسب قصّة لكاتب قيل فيه أنه كان الأكثر جرأة بين باقي الأدباء وهو إحسان عبد القدّوس، من نماذج رجالية توالت عليها من المخادع الى الأناني وصولاً الى العاشق الذي على استعداد للتضحية بحبه خوفاً من العلاقة وما ستجرّه إليه٠
وسوف لن نجد ممثلة أخرى عكست ذلك القدر من الأنوثة القويّة. تلك المتوّجة بحق المرأة في حرّيتها واستقلالها بصرف النظر عن نظرة الرجل اليها وبل بسبب تلك النظرة: إنها المرأة المشكوك في صدقها وحبّها حيناً والمرأة التي تبدو مستهترة حيناً آخر، وتلك التي لديها ما تحاول أن تخفيه حتى لا يتهدد مستقبلها حينا آخر. لكن حتى في فيلم لاه صنعه حسين كمال سنة 1969 بعنوان »أبي فوق الشجرة« وطلب فيه من نادية لطفي وعبد الحليم حافظ شتاءاً من القبلات فإنها لم تكن تمارس قبلاتها كما تفعل فتاة مراهقة، او لنقل إمرأة متحررة أخرى٠
فيلم »أبي فوق الشجرة« كان يريد أن يربح جولته التجارية عن طريق منح هذين الممثلين: هي التي بدت لنساء كثيرات نموذجاً محبوباً (ولو صعباً) في وضع إجتماعي مُقيد بالتقاليد والمحظورات، وهو الذي كان كهرب الشطر الثاني من النساء عبر أغانيه وصورته الرومانسية. فريد الأطرش لم يكن ليصلح لهذا الدور فيما لو عُرض عليه (ولا أعرف إذا كان سيقبله) فرومانسيّته مختلفة. لكن هذا لا ليعني أن عبد الحليم حافظ كان ممثلاً صالحاً. هناك فرق بين صلاحية الدور لأسباب تتعلّق بالهالة التي تحيط بالممثل وبين التمثيل »الصالح« بمعنى الجيّد٠ حين تشاهد الفيلم اليوم، إذا ما فعلت، ستجد أن صوته هو الذي كانت نادية لطفي، والمشاهدات آنذاك، تمارس الحب معه. لا ملامح وجهه٠

رجل بإتجاهين: يوسف شاهين والجنس


هند رستم عرفت جانباً آخر من دور الأنثى القويّة. لكنها قويّة على »بلدي« (بينما نادية لطفي قوّية على نحو ثقافي- نصف أجنبي). هند رستم هي تشخيص للمرأة التي ستأكل الآيس كريم في الشارع ونادية لطفي التي لن تفعل الا على شاطيء البحر او في داخل البيت. لكن هند رستم هي الإغراء الجسدي المتفجّر الذي لم يخلفه إغراء آخر الى اليوم٠
تعرّف المخرج الراحل يوسف شاهين عليها حين لعبت في فيلمه الأوّل »بابا أمين« (1950) ثم جلبها بعد ثماني سنوات و 35 فيلم الى أحد أفضل أفلامه قاطبة وهو »باب الحديد«. ما بين الفيلمين فإن الكثير من الأدوار التي لعبتها هند رستم، مثل »اعترافات زوجة«، »الجسد«، »إبن حميدو« ، »عشاق الليل« الخ... أكّدتها كممثلة ذات مزايا جسدية فاتكة، بالغة الإثارة، قادرة على فعل النشوة، ولكن ليست المرأة الرخيصة التي تهب من دون حب على الإطلاق٠
كل هذه الأدوار وسواها تعاملت مع جسد هند رستم وجمالها، لكن »باب الحديد« تعامل مع شبق تلك الأنوثة ومن وجهة نظر رجل أسمه قناوي (يوسف شاهين نفسه) يرنو إليها. عاشق متيّم. يلاحقها بنظراته التي تلتهما وبخياله حين يأوي الى خلوته، ويحاول أن يلمسها وأن يقبّلها وأن يصبح كل ما ترغبه منها في الوقت الذي يدرك فيه أنه أعجز من أن يلبّيها. والمخرج ترك فعل التلبية عالقاً: هل هي التلبية الجنسية وحدها او التلبية بأسرها؟
سبب رئيسي أن بائع الصحف قنّاوي نفسياً مضطرب ويتحمّل وزر عاهة في قدمه تجعله يعرج. عجزه ذاك يلتقي وعجز الشهوة الرجالية بين المشاهدين التي تريد الوصول الى جسد هند رستم ولا تستطيع. لكن عند قناوي هذا ليس العجز الوحيد. هنّومة (رستم) بائعة المرطّبات المثلّجة التي تعرف كيف تمسك بالزجاجة الباردة لترطّب بها جسدها الحار، على حب مع الحمّال ذي القوّة البدنية والصحّة المتكاملة أبو سريع (فريد شوقي). في عجزه يريد قنّاوي أن يصبح مثل أبو سريع. وبل، بفهم دوافعه، يريده لنفسه أيضاً٠

إنه من الصعب أن تجد بين الأفلام المصرية (والعربية أساساً) أعمالاً تحمل رموزاً عاطفية ونفسية على نحو ما حملته أفلام يوسف شاهين. »باب الحديد« ما يزال الوحيد من نوعه في السينما العربية وفيه الكثير من الملامح العاطفية الأخرى التي تطرّق إليها شاهين من قبل ذلك الفيلم وبعده، ولو في حدود مواضيع لم يكن أحدها تفصيليا لكن الإيحاء الجنسي واضح ويمشي بإتجاهين
مثلاً في «صراع في الوادي» (1954) نلاحظ أرجوحة القوى ذاتها بين فريد شوقي وعمر الشريف. الأول قوي والثاني ضعيف، الأول يبدو وكأنه يمثل حاجة الثاني إلى سلطته وقوته كما كان الأمر في «باب الحديد» ما بين فريد شوقي أيضاً ويوسف شاهين . لكن شاهين هنا مربوطاً أكثر الى ضرورة توفير قصّة "مستقيمة" أكثر منها نفسية متأرجحة لذلك كان من الضروري أن يحكم القبض على عناصر العلاقة العاطفية التي تربط عمر الشريف وفاتن حمامة في هذا اللقاء الأول بينهما. أحد هذه العناصر تم التعبير عنها بقبلة تجاوزت حدودها سريعاً. فمؤرخي الفترة يؤكدون أن طلاق فاتن حمامة من زوجها عز الدين ذو الفقار تم بسبب تلك القبلة التي زرعتها فاتن حمامة علي وجه عمر الشريف في المشهد الذي جلس فيه الشريف مصاباً ووهناً لا يستطيع الحراك٠


البعض يمضي ليضيف أن شرط فاتن حمامة قبل التصوير هو أن لا تقبّل أحداً او يقبّلها أحد، وكان يوسف شاهين لا يزال ينصاع للنجوم من ممثليه في ذلك الحين فوافق. لكنه (وعمر الشريف) فوجيء بأنها انحنت وقبّلت ثغر الممثل وذلك بعدما شدّها إليه ذلك الوميض الذي شعرت به حين مثّلت معه ذلك المشهد٠
قبله بعام واحد أخرج شاهين »أنت حبيبي« وفيه أيضاً إيحاء ذكوري خفي بين فريد شوقي وشكري سرحان (أكاد أجزم بأنهما لم يقرآها على هذا النحو). الأول أيضاً رمز القوّة والثاني الشاب الطيّب الذي يفتقد ذلك الجانب الذي يتمتّع به الأول. لكن هذا الفيلم فيه بعد آخر مهم مرّره شاهين في أفلام أخرى: في أحد المشاهد تلاعب برلنتي عبد الحميد (وهي نجمة إغراء أخرى لكنها لم تفز بالأدوار الجيدة التي فازت بها هند رستم) صبياً صغيراً فوق أكياس الحصاد. نرى المشهد ذاته تقريباً في فيلم »الأرض« حين تلاعب نجوى إبراهيم صبياً في نفس العمر تقريباً. كلمة تلاعب ليست لوصف تصرّف جنسي مباشر، لكن الجنس في أفلام شاهين مثل الهواء تستنشقه دون أن تراه. في »حدوتة مصرية« يكبر الصبي عما كان عليه في الفيلمين الأوّلين ويستسلم لإمرأة ناضجة رغبت فيه. بعض أبطال شاهين لا يمكن لهم ممارسة الحب الا بدعوة من المرأة٠

ظلال الحرية

ما سبق يؤكد ارتباطاً وثيقاً بين القبلة والجنس. ويكاد هذا الأمر أن يُقبل من دون تردد. القبلة التي تُطبع على الشفتين هي جنسية. ليس لها تفسير آخر. حين يود أحد الطرفين تفادي المعنى الجنسي فيها فإنه يطبعها على الخد او يستبدلها بمصافحة يد. لكن في السينما العربية جيز لها أن تحمل إبهاماً دائماً (ولو ليس قويّاً) في الكثير من الأحيان بسبب التقاليد والروابط الإجتماعية مع المفاهيم الدينية والأخلاقية ممتزجة
وهذا الإرتباط كان يحرم المشاهد من متابعة ما يأتي بعد القبلة. علينا أن نفهم أن البطلين مارسا الحب حتى ولو لم يخلعا ثيابيهما. لكن في الستينات والسبعينات أصابت الحياة السينمائية العربية حريّة لم تعرفها في الخمسينات ولا تعرفها اليوم في العقد الأول من القرن الجديد٠
ففي ظل حكم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر (الذي قد يصفه البعض بالدكتاتور) تم الفصل تماماً بين الدولة والدين ما سمح للأفلام بأن ترتفع الى مصاف التعبير الذكي عن الجنس في أحايين كثيرة٠ هناك فيلم رائع (ومنسي) لمخرج جيد (ومنسي أيضاً) بعنوان "غرباء« (1973) يحتوي على الكثير من الطروحات المعبّر عنها جمالياً على نحو جيّد مع بطولة للممثلة التي لم تقل أنوثة عن أي من الممثلات اللواتي تم ذكرهن آنفاً وهي سعاد حسني. المخرج هو سعد عرفة٠
تلك الفترة إياها كانت ناضحة بما لم يستطع الرقيب فعل شيء يُذكر لحجبها. وجد أن عليه تخطّي ترقيع المجتمع على ذوقه مستخدماً المقص في المواضع التي كان لسنوات قليلة سابقة يجد نفسه مضطراً لبترها٠
في تونس أخرج رضا الباهي »شمس الضباع« وفيه مشهد جنسي يحاول فيه شاب من قرية غزاها السوّاح اغتصاب سائحة شقراء في مسجد. الباهي لم يؤلّف الفيلم بل اقتبسه من واقعة حقيقية، وهو سمح لنفسه بفعل التعرية الجزئية لإيصال رسالة معادية لسياسة فتح البلاد للسياحة من قبل إعداد المواطنين وهدم الهوّة الإجتماعية والثقافية والطبقية بينهم وبين الوافدين٠

والعري جزئياً كان مسموحاً به وكان عدد كبير من الممثلين والممثلات المصريين يمارسونه في أفلام يتم تصويرها في لبنان. مديحة كامل، نوال أبو الفتوح، ناهد شريف وسواهن. في سوريا، لم تكتفي الممثلة إغراء بتقبيل الممثل أديب قدّورة، بل تعرّت له له أيضاً في مشاهد حب أخرجها السينمائي نبيل المالح لم ترتفع الأفلام السورية اللاحقة الى درجة حرارتها الى اليوم٠
والمخرجون اللبنانيون كانوا حثيثي الخطى . لجانب أن سمير الغصيني تجاوب مع المد التحرري وأتاح لممثلاته وممثليه التعبير جسدياً عن نوازعهم، وقدّم المخرج المتوقّف رفيق حجّار مشروعاً تحررت فيه بعض بطلاته من ثيابهن، ذهب المخرج سمير خوري لأبعد من ذلك في فيلميه "سيدة الأقمار السوداء« و»ذئاب لا تأكل اللحم« معتمداً على استعداد عزت العلايلي ومديحة كامل وناهد شريف في تأمين الحاجة العاطفية التي كان يحتاجها لمشاهده. هذه الأفلام كانت من الجرأة بحيث أن العري كان كاملاً لبعض هؤلاء٠

في أفلام الثمانينات أنطلقت مجموعة من الأفلام التي أريد لها أن تعود الى الوراء. هي استندت، في بعض الأحيان، الى روايات نجيب محفوظ واسماعيل ولي الدين في التحليل الذكي لشخصيات الحارة المصرية، لكن الجانب الذي لم يأبه له أحد في حمى المنافسة على توفير أفلام الحارة المصرية وطاقمها من المعلّمين والفتوّات وأتباعهن المسلّحين، هو أنها كانت تحجب عن المشاهد الحب في دلالاته العاطفية البسيطة. في تلك الأفلام، الجيد منها، مثل »الشيطان يعظ« لأشرف فهمي، والرديء، مثل »جدعان باب الشعرية« لكمال صلاح الدين، المرأة كانت العجز الذي يعاني منه الرجل. هو قوي إذا كان قادراً على ضرب المرأة او حتى اغتصابها (كما في »الشيطان يعظ«) ومهووس بالحب الأناني الذي يتحوّل الى حالة اختبار، إذا سمح للأنثى استبداله او الزواج من غيره جُرحت كرامته وهذا ليس فعلاً يقبله الرجل الذكر٠
كثير من هذه الأفلام كانت تكنّى بأسماء الحارات لكي تبيع للناس تصرّفات خشنة عاكسة لإنهيار القيمة الإنسانية بعد السبعينات كما الحال في فيلم حسام الدين مصطفى »درب الهوي« (1983) و»الذئاب« [عادل صادق- 1982] و»السلخانة« [أحمد السبعاوي- 1983] ولاحقاً"فتوّات البولاق« [يحيى العلمي- 1985] و»وكالة البلح« [حسام الدين مصطفى- 1985]٠
وفي حين لم يكن هناك ما يمنع المخرجين من الإنبهار بفتوّة يحمل العصا الثقيلة ويحاول سيادة الحارة طالما أنه أفضل من المعلّم الحالي، فإن شيئاً لم يمنع الممثلة نادية الجندي من التعبير، في بعض هذه الأفلام، عن شخصية المرأة التي لا تريد الإنتقام لشرف ضاع إثر قبلة تهاوت بعدها أرضاً او بالأحرى، سريراً، بل من الرجال أجمعين٠

رجولة بلا قُبل

هنا ما أصبحت القُبلة تعبيراً نهماً وبشعاً للعلاقات الإجتماعية. وهنا غاب سحرها المرصود في أعمال الستينات والسبعينات وما فتحته من نوافذ أطلّت فيها على ممثلين عرفوا قيمة القُبلة كمفتاح للدراما التي عليهم أن يتولّوا القيام بها. غابت الرومانسية كلها بغيابها لأنها لم تعد كذلك. ومع أن هذه الأفلام الجديدة كانت تعالج أوضاعاً في الحارة المصرية في الخمسينات ونحوها، الا أنها لم تشأ أن تمنح الفرد المصري ذلك الرقي في الأحاسيس الذي منحته الأفلام الأخرى، بل بدت مثل أفلام الكاوبوي من دون البقر. حالات انتقام متوالية تبعاً لرغبات سيطرة وتسيّد. والأنكى أنه حين تدخّلت فيها نادية الجندي (الذي عكست أنوثة يود الرجل تركها وشأنها) تدخّلت فيها من زاوية أنه يحق لها كسر الرؤوس كما الرجل. المشكلة هي أنه في حين أنه من المثير للإهتمام أحياناً مشاهدة عمل يحمل تعبير المساواة بين الرجل والمرأة، الا أن العنف هو أسوأ نوع من المساواة يمكن أن يرصده إنسان٠
ذكرت آنفاً أنه من الصعب تصوير قبلة في فيلم عربي اليوم. لكن الأسباب، يجب أن أضيف، ليست محض تقنية وقواعد تعبير واختيار زوايا الكاميرا. بل تأتي في سياق الحريّة المنتفاة من سينما اليوم. هناك أفلام فيها قُبَل لكنها مخطوفة ومزوّرة الأحاسيس خوفاً من جماعات متطرّفة ومن نطاق تصرّف بات ضيّقاً على السينمائيين أمام الكاميرا او خلفها٠
الفارق بين القبلة في فيلم عربي وبين أخرى في فيلم أجنبي لا يكمن في المسائل التقنية والفنية، بل في الشروط الإبداعية المفقودة عند سينمائيي اليوم وتلك المتوفّرة في الغرب. لذلك قبلة في فيلم غربي جيّد لا زالت تثير معظم الأصحاء منّا على الأقل بينما قبلة في فيلم عربي كافية لأن تقضي على الإثارة. وإذ تفعل ذلك، تنتفي الحاجة إليها خصوصاً وأنها غالباً ما ترد في الأفلام الكوميدية التي تسطّحها حتى من قبل أن تصل الى ذلك المشهد الذي إذا رمشت بعينك فلت منك من فرط قصره٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


2 comments:

  1. مدونة متميزة للغاية ، ملحوظة الفيلم الذى جمع برلنتى عبد الحميد وشكرى سرحان ومن اخراج يوسف شاهين هو نداء العشاق

    ReplyDelete
  2. أنت لا تكتب كثيراً عن السينما العربية او المصرية لذلك فإن كتابتك عن موضوع القبلة في لسينما العربية هام. من خلال أن الموضوع هام لوحده ومن خلال أنه عن السينما العربية. المطلوب الإكثار من هذه المواضيع وشكرا

    صالح الديري

    ReplyDelete