Oct 6, 2009

كونتين تارانتينو وفيلمه من جديد | حوار حول السينما مع ثلاثة نقّاد | السيناريو وفلسفة الفيلم الحلقة الرابعة | أوراق ناقد


Year 3 | Issue 461

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا العدد

أوراق ناقد | موسم المهرجانات يطرق الأبواب ومحمد رُضا ينضم الى أسرة مجلة
Screen International
عبّاس كياروستامي المحتفى به أكثر مما يجب
وأول فيلم طاجكستاني يعرضه بيسان الكوري٠


حوار حول السينما | نديم جرجورة يستفتي ثلاثة نقاد
سينمائيين حول موقف المخرجين من النقاد. متى يحبّون
الناقد ومتى يعتبرونه طفرة٠






فيلم | هوفيك حبشيان يكتب يدلو بدلوه في موضوع فيلم كونتين تارانتينو الأخير المثير للنقاش
Inglorious Basterds
ويجد أن المخرج تعامل مع موضوع التاريخ الذي يمكن له أن ينزلق على قشرة موز


السيناريو وفلسفة الفيلم | محمد رُضا يواصل حديثه عن المطبّات التي لا يزال السيناريو العربي يقع فيها وعن كيف يمكن تجنّبها... الأمر يتطلّب الخروج من الصندوق ومشاهدة أفلام محمد خان٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخبار شخصية

مرحباً يا أصدقائي.... مرحباً بكل واحد من الأربعمئة وأكثر الذين يزورون هذين الموقعين »ظلال وأشباح« و»فيلم ريدر« كل يوم. مرحباً وشكراً ٠
.....................................


أفقت صباح أول أمس على دعوة من مهرجان الدوحة. أربعة أيام من الأفلام. وقد قبلتها بالطبع وسأكون سعيداً أن أحضر هذا المهرجان الجديد من التاسع والعشرين تشرين أول/أكتوبر ومنه، إن شاء الله، سأنتقل الى مهرجان القاهرة السينمائي، أعتقد كعضو لجنة تحكيم إتحاد النقاد الدوليين وذلك لأول مرّة منذ سنوات. وفيما بعد مهرجان دبي السينمائي الدولي ما يعني أني سأمضي ثلاثة أشهر في المنطقة العربية- الخطر طبعاً أن أقع في حبّها هذه المرّة وأبقى٠
.....................................
في الحقيقة كان هناك شيء آخر في البريد الخاص: قريباً سأصبح كاتباً لمجلة »سكرين انترناشنال« التي تصدر بالإنكليزية من لندن. هي واحدة من ثلاث مجلات سينمائية تهتم بجوانب الصناعة والتجارة الى جانب »ذ هوليوود ريبورتر« (التي كتبت لها في مطلع الثمانينات وحتى منتصفه) و»فاراياتي«. المجلة البريطانية المذكورة تم انتخابها حديثاً من قِبل صحيفة التايمز اللندنية كواحدة من أفضل عشر مواقع سينمائية على الإنترنت٠ سأغطي العالم العربي في »سكرين انترناشنال« وهذا يتطلّب جهداً كبيراً لكن محسوبكم قدها وقدود٠
.....................................
وهناك خبران كبيران آخران (او ثلاثة) لكني لا أستطيع البوح بهما الآن.... لكنّهما يتلألآن في الأفق٠
....................................
بدأت بإحصاء عدد الأفلام التي شاهدتها منذ أن بدأت تسجيل كل ما أشاهده في لوائح وكنت في الثامنة عشر من عمري. الصعوبة هي أنني شاهدت العديد من الأفلام قبل ذلك وعليّ استعادتها، كما في أنني انقطعت عن تدوين تلك اللوائح أكثر من مرّة منذ ذلك الحين وأحياناً لعامين او ثلاثة وعلى تغطية هذه المساحات البيضاء. لكن الإحصاء الأوّلي يزيد عن خمسة عشر ألف فيلم. يا للهول... ياللهول. لو تم تعويض الوقت الذي صرفته عن كل فيلم رديء تسلل الى مشاهداتي لعدت الى سن الثامنة عشر من جديد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوائز ومناسبات

مهرجان الشرق الأوسط
يتوجّه المخرج الصديق محمد خان الى مهرجان أبو ظبي السينمائي الدولي كعضو لجنة التحكيم *
للفيلم الروائي ورئيس اللجنة عبّاس كياروستامي ولا أخشى على الصديق محمد من رجل غولي في تقدير سينماه، لكني أتمنّى لو استطيع التنصّت على المداولات التي تقوم بها لجنة التحكيم لأني أتوقع أن لا تلتقي الأذواق مطلقاً خصوصاً بين كياروستامي ومحمد خان٠
باقي أعضاء اللجنة هم الممثلة الصينية جوان تشن والمنتج الهندي سونيل دوشي والمخرجة نايلة الخاجا والمنتج الأميركي مايكل فيتزجيرالد. في المسابقة الوثائقية جيمس لونغلي، وهو مخرج أميركي جيّد، رئيساً ومن عضوية المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي والممثلة التونسية هند صبري٠
أما مسابقة الفيلم القصير فيتولاها المخرج المصري يسري نصر الله (رئيساً) ومن أعضائها المخرج اللبناني شادي عز الدين والهندية ديبا مهتا٠

مهرجان مرّاكش
كياروستامي أيضاً هو رئيس تحكيم مهرجان مرّآكش الذي سينعقد في الرابع من ديسمبر حتى *
الثاني عشر منه. هذا يتعارض -ومراكش يعرف ذلك- مع مهرجان دبي الذي سيقام من التاسع حتى
السادس عشر من الشهر٠

مهرجان بوسان


وبعد الإحتفاء بالسينما المصرية ومن قبلها الإيطالية في إطار مهرجان مرّاكش، فإن الوقت حان للإحتفاء بالسينما الكورية التي يصفها المهرجان المغربي عن صواب بـ »النابضة« وهي نابضة طبعاً بفضل دعم الدولة لها وبفضل مواهبها و.... بفضل مهرجان رائع يُقام بها وينطلق في ذات اليوم الذي ينطلق فيه مهرجان الشرق الأوسط (اليوم، الأربعاء الثامن هذا الشهر) وحتى السادس عشر منه عارضاً 355 فيلماً..... من 70 دولة في 11 قسم من بينها 98 عرض عالمي أوّل.... واو...
للعلم مهرجان تورنتو عرض في الشهر الماضي 335 فيلماً لكن عدد العروض العالمية الأولى بلغ 171 فيلماً٠
أحد رئيسي المهرجان، كيم دونغ-هو يقول أن هذا العام هو عام خاص: "لقد أخذنا بعين الإعتبار حقيقة أن عدداً كبيراً من الأفلام الجيّدة تم تحقيقها هذا العام من قبل مخرجين جدد ومخرجين معروفين على حد سواء"٠
الصورة المنشورة هنا هي لفيلم طاجكستاني بعنوان »ظهيرة حقيقية« ... لناصر سعيدوف. ليس مجرّد فيلم طاجكستاني، بل أول فيلم طاجكستاني منذ ثمانية عشر سنة (باستثناء بعض الإنتاجات الغربية التي شاركت فيها البلاد بخدمات محدودة) ٠
مزيد من بوسان لاحقاً٠

جائزة الفيلم الأوروبي
الممثلة الفرنسية ايزابيل اوبير ستنال جائزة خاصّة (بإسم جائزة الإنجازات) خلال الحفل الثاني *
والعشرين لجوائز الفيلم الأوروبي المتوقّع عقده في الثاني عشر من كانون الأول/ ديسمبر. وهي طبعاً ليست غريبة عن الجوائز فقد نالتها نحو أربعين مرّة في حياتها بينها جوائز من مهرجانات كان (مرّتين) وبرلين وفنيسيا ومونتريال وموسكو وسان سابستيان كما بافتا البريطانية والسيزار الفرنسي٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المخرج وربطة العنق

ألفرد هيتشكوك

معظم المخرجين، عرب وأجانب، لا يرتدون ربطة العنق خلال التصوير، والعديد منهم لا يرتديها مطلقاً. السبب؟ جدير بالمعرفة بلا ريب. ها هم السياسيون والإداريون الإيرانيون يكرهونها لكنهم يفعلون ذلك لأنها تذكير بالغرب، لكن لم لا يعتمدها مخرجون غربيون مثل برنارد ترفنييه، جوويل وإيتان كوون، جوزيبي تورناتوري، إيليا سليمان، يسري نصر الله، كن لوتش، ديفيد لينش وسواهم العديد؟
يمكن الإجابة على هذا السؤال من زاوية أخرى تبدد ريب البعض في أنه سؤال غير مهم. نعم المهم هو الفيلم وليس إذا ما ارتدى المخرج ربطة عنق او لا. لكن ربطة العنق لها علاقة بما يصنعه المخرج ويتركه لنا لنشاهده على الشاشة٠
ألفرد هيتشكوك كان دائماً ما يرتدي ربطة عنق. هي والبذلة أساسية ومن بين أول خمس وعشرين صورة تجدها له على موقع غوغل، إذا ما جرّبت، ستجد واحدة او إثنتين منها فقط، بدون ربطة عنق وهذه الواحدة او الإثنتين، لم يتم التقاطهما خلال تصوير الفيلم. من عاصره يقولون لك إنه كان يفضّل تحمل حرارة لوس أنجيليس صيفاً على أن يأتي لمكان التصوير »سبورت« او من دون ربطة عنق. ماذا عن المشهد الشهير من فيلمه »شمال وشمال غرب« ذلك الذي صوّره في بعض حقول ولاية كاليفورنيا؟ نعم كان يرتدي ربطة عنق٠
جان-لوك غودار مخرج آخر لم يتخلّ عن ربطة عنقه. هل تذكرون تلك الصورة الشهيرة له وهو يفحص قطعة من فيلم خلال مونتاج أحد أفلامه؟ كان يرتدي ربطة عنق وفي كل أعماله حرص على ربطة العنق. وهو، بالمناسبة، من وصف ألفرد هيتشكوك ذات مرّة (وهذا قبل خروج أندريه تاركوفسكي الى العلن) بعبارة "شاعر السينما"٠
عربياً، المرحوم كمال الشيخ ارتدى ربطة العنق في معظم المرّات وصلاح أبو سيف في مرّات كثيرة. المفاد؟
ربطة العنق توحي بأشياء كثيرة في مقدّمتها الأستذة. والمذكورين الثلاث يجمع بينهم أن كل كان استاذاً في مجاله (وبالنسبة لغودار لا يزال)
لا يعني ذلك أن أنطونيوني وبرغمن ليسا استاذين مثلاً، لكنهما توسّطا (وسواهما من عدم محبي الربطة) طريقاً أخرى للتعبير عن ذلك. أما كمال الشيخ وجان-لوك غودار وألفرد هيتشكوك فقد توسّطا الطريق الآخر وأكّدا عليه بالإلتزام بربطة العنق أيضاً


حوار حول السينما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كيف يتلقى السينمائي اللبناني النقد في نظر المسمار ورُضا وحبشيان؟
يعتبر الناقد طفيلياً ويقبل منه ما يحابيه٠

نديم جرجوره

الناقدة ريما المسمار

لا يزال سؤال العلاقة السينمائية الملتبسة بين المخرج والناقد، في لبنان والعالم العربي، مطروحاً للنقاش، لأن العلاقة نفسها مرتبكة وغير واضحة المعالم، طالما أن الأول يرفض النقد إذا لم يُعجبه، وطالما أن الثاني متمسّك بحقّه في تقديم قراءته الخاصّة بنتاج الأول، مهما كان نوع العلاقة الشخصية بينهما. لكن، ليست هناك صناعة سينمائية لبنانية وعربية (خارج مصر) متكاملة، تستطيع، أو بالأحرى تساهم في «خلق» نصّ نقدي سينمائي يتابع الإنتاجات ويعاين مضامينها وأشكالها، ويطرح مسائل متعلّقة بارتباطها ببيئتها ولغتها ونمطها البصري وتأثّراتها وتأثيراتها، ويذهب إلى ما هو أبعد من الفيلم بحدّ ذاته، أي إلى القضايا الجمالية والفكرية والتقنية وغيرها، وإلى إجراء حوار دائم بينه وبين السينمائي. لكن الحالة اللبنانية والعربية مصابة بوهن الإبداع، على الرغم من الاختبارات الفردية المهمّة جداً، التي يصنعها مخرجون متمكّنون من أدوات التعبير، في مقابل سجال نقدي سليم ومتواضع، يسعى إلى إشاعة مناخ صحي مرتكز، أساساً، على نقاش ووعي معرفي والتزام مطلق بأولوية هذا الحوار وأهميته. والحالة المذكورة ليست حكراً على صناعة الفيلم، لأنها منسحبة على صناعة النصّ
النقدي أيضاً، خصوصاً أن الكتابة النقدية العربية الجدّية نادرةٌ.

علاقة معقّدة
في بيروت، لا يوجد حوار دائم بين السينمائي والناقد، لانعدام حركة صناعية سينمائية متكاملة، (مع التنبّه إلى طغيان المستوى العادي أو ما هو دونه على الجدّي)، تتيح للناقد إمكانية صوغ نصّ نقدي يتعدّى المتابعة الآنيّة لإنجاز فيلم أو تنظيم مهرجان؛ ولغياب شبه مطلق لفعل النقد، في مقابل تكاثر الكتبة الفنيين الذين يظنّون أن متابعاتهم الصحافية والإعلامية تجعلهم نقّاداً. لا مكان لصورة كهذه، لأن مخرجين سينمائيين كثيرين يتعاملون مع النقّاد القليلين بمنطق الصداقة أو التبعية، إذ يرون في الصداقة طريقاً إلى المديح الدائم، ويجدون في التبعية ركيزة علاقة سوية، خصوصاً أن المخرج يضع الناقد في خانة «الملحق الإعلامي»، لأن هناك صحافيين وإعلاميين فنيين كثيرين يلعبون هذا الدور، بترويجهم «البضاعة» بعيداً عن أي سجال نقدي ممكن. ولأن الأمور محدّدة بهذا الإطار، تقع خلافات «شخصية»، ويُصبح الناقد في نظر مخرجين عديدين «عديم الفهم» و»مدّعياً» و»حاقداً»، لأنه غربل الصنيع، ووضعه في خانة التشريح السينمائي؛ ولأنه رفض الخضوع لأي ابتزاز، ووضع الصداقة جانباً، بل جعل الصداقة درباً إلى نقاش حقيقي، يجد صداه، لحسن الحظّ، عند سينمائيين قليلين.٠
لا يتمتّع المخرجون السينمائيون اللبنانيون والعرب جميعهم بروح منفتحة ومتجاوبة مع الرأي النقدي الآخر. بل على العكس من ذلك، تعادي غالبيتهم الساحقة ناقداً عبّر عن رأيه بحرية وصراحة وموضوعية، لأن رأيه هذا يتناقض ورغبة هؤلاء في الاطراء والمديح، ظنّاً منهم أن أعمالهم البصرية خارج الاعتبار النقدي، وفوق المحاسبة. المسألة معلّقة، والأمور مرتبكة، لأن التفاهم الثقافي بين الطرفين معدومٌ، أي القدرة الثقافية السوية على نقاش نقدي سليم وموضوعي بين الناقد والسينمائي، لا يتزلّف، ولا يبغي صداماً عشوائياً أو مديحاً كاذباً، ولا يسعى إلى إلغاء الآخر.

الناقد هوفيك حبشيان

العلاقة بالمخرج اللبناني والعربي معقّدة جداً»، كما حدّدها هوفيك حبشيان (النهار)، «إذ يتداخل فيها المهني بالأخلاقي، والفني بالشخصي». « ذلك أن «عدم تقبّل المخرج للنقد في نهاية الأمر شيء يستمدّه من أخلاقيات المجتمع، الذي يرفض أن يضع الموروثات كلّها في إطار البحث والمعاينة والتدقيق». فالمسألة بحسب حبشيان «مسألة تربية وأخلاق وتقاليد». من جهتها، رأت ريما المسمار (جريدة «المستقبل») أن «من مفارقات الكتابة النقدية في منطقتنا الشعور بحرية أكبر في انتقاد غودار مثلاً، مقارنة بالكتابة عن فيلم لمخرج عربي يقضي معظم أوقاته في ملاحقة النقاد والردّ عليهم»، معتبرة أن «المخرج اللبناني يُصاب بالمرارة والاحباط بسبب أي نقد لا يصبّ في مصلحة عمله، الذي استغرق أعواماً طويلة لإنجازه، كتابة وتحضيراً وإنتاجاً»، ومشبّهةً الأمر «بعيادة نفسية كبيرة نحيا فيها، والناقد ليس في موقع أفضل». بالنسبة إليها، «إذا كان الناقد الغربي مطالب بالدفاع عن رؤيته النقدية في وسط نقدي كبير ومكرَّس، فالناقد اللبناني أو العربي يُصاب بدوره بالاحباط إزاء مواجهة ما بينه وبين المخرج بسبب نصّ نقدي، لأن ذلك يعني إقصاءه والتهديد بمكانته التي يشكّ فيها هو أحياناً، بسبب طبيعة عمله غير المكرّسة وغير المقدّرة تماماً، في بلد يعاني خللاً ثقافياً وفنياً، فما بالك بالنقد»

محمد رُضا

في الإطار نفسه، شدّد محمد رضا (صحف عربية عدّة) على ضرورة «حيادية الناقد» في تعامله مع الأفلام اللبنانية، معتبراً أن عليه (الناقد) «أن يكون فوق الشبهات»، ومشيراً إلى أن المخرجين اللبنانيين في الآونة الأخيرة منقسمون إلى فئتين «أو ربما إلى طبيعتين: فئة تدّعي عدم الاكتراث بما يُكتب، وهي قليلة؛ وفئة تتواصل مع الناقد لتناقشه، أو كي تشكره. هناك فئة ثالثة أيضاً تعادي المادة النقدية». أعطى رضا أمثلة عن مخرجين منتمين إلى الفئة الثانية، كمي المصري وفيليب عرقتنجي وبهيج حجيج، لكنه أكّد أن «عدداً ممن يتواصلون مع الناقد لشكره على مقالته، يفعلون ذلك إذا كانت المقالة لصالحهم»، واصفاً العلاقة بين الطرفين بأنها «غريبة»، ومشيراً إلى أن «الناقد يعتبر نفسه دائماً جزءاً من بنية الثقافة السينمائية، لكن غالبية المخرجين يعتبرونه خارج الصناعة السينمائية بأسرها. يعتبرونه عشباً فطرياً نما إلى جانب جدار» الفيلم وترعرع هناك، كونه لم يُشارك في العملية الإبداعية منذ البداية». هذا ما قاله حبشيان أيضاً، محدّداً ثلاثة أنواع من السينمائيين: « من لا يقرأ النقد، من يقرأ ولا يعيره أهمية، ومن يقرأ ويغضب وتكون ردوده قاسية»، معتبراً أن المخرج الفذّ «هو الذي لا يغضب بسبب نقد « سلبي، لأنه يعرف أن هذا ليس آخر فيلم يُنجزه، وأن الناقد المحترم يعود عن رأيه عندما يُخرج فيلماً يستحق التقدير»٠

جنسية الفيلم
لكن، كيف يتعامل الناقد اللبناني مع الفيلم اللبناني: هل يُقيم وزناً للانتماء الجغرافي أو للجنسية، أو للظروف الصعبة التي تحول دون قيام صناعة سينمائية لبنانية؟ «الفيلم اللبناني ليس بالضرورة أقرب إليّ من أي فيلم آخر، لمجرّد أنه وليد بيئة أو واقع مشتركين، بل إن ذلك قد يكون أحياناً مصدر نقد أكبر، لأن مشاهدة عمل يُفترض به أنه يُعبّر عن «ثقافتي ومجتمعي ومحيطي» يخلق علاقة أعقد وأكثر تركيباً بين الناقد والعمل الفني»، كما قالت المسمار، مشيرةً إلى أن أفلاماً لبنانية كثيرة «لاقت التهليل في الأوساط النقدية العربية والغربية، في حين أنها لبنانياً، بالنسبة إليّ على الأقلّ، لم تكن تستحق هذا المديح كلّه». ذلك لأن التباين في الرأي «بقدر ما هو طبيعي، نتيجة اختلاف زاوية الرؤية، إلاّ أن أساسه كامنٌ في التفاصيل»، كالسيناريو والإخراج والمعالجة العامة، التي نعرفها نحن تماماً بحكم انتمائنا إلى هذا المكان، الذي ينتمي إليه العمل ومخرجه. بينما « لا يفتقد المشاهد والناقد الغربيين هذه «التفاصيل»، التي لا تؤثّر على عملية المشاهدة الكلّية للعمل». بالنسبة إلى رضا، فإن «جنسية الفيلم ليست في الصف الأول من اهتماماتي عندما أكتب عن فيلم»، وإن وجد نفسه مضطراً إلى ذكرها لأسباب متعلّقة بسرد معلومات عن الإنتاج والدول المنتجة مثلاً: «لا آخذ الظروف الصعبة بعين الاعتبار. يبقى المخرج مسؤولاً في الحالات كلّها، فهو بات بإمكانه الاستعانة بكاميرا ديجيتال لمواجهة تلك الظروف مثلاً، لكنه مطالب بتقديم فيلم جيّد، أو فيلم يُمكن الدفاع عنه على الأقلّ. لا يُمكن للناقد إرجاع التقصير إلى الظروف. هذا يشبه تماماً مطالبة البعض بمراعاة مسألة أن هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، كأن هذا الاعتبار يُغيّر شيئاً. فمن كثرة «المراعاة» و»الاعتبارات» في السابق، ضاعت قيم كثيرة، علماً أن معظم المخرجين الذين أصيبت أفلامهم الأولى بمشاكل عدّة، لم يتخلّصوا من هذه المشاكل في أفلامهم اللاحقة»٠
إلى ذلك، يؤمن حبشيان بأن «لا وطن للسينما»، لأن «السينما هي بحدّ ذاتها الوطن والشارع والقرية والديانة والعائلة». واعتبر أن «الناقد الأصيل، الذي يحمل همّ السينما في داخله، يصطدم دائماً بالفكر الشوفيني الرخيص الذي يريد منه أن يكتب عن سينما بلاده ما هو إيجابي، معتماً على الهنات والثغرات والعيوب، بحجة بائسة تتكرّر دائماً: «ولو، هذه صناعة وطنية!». بالنسبة إليّ، الوطنية عدو السينما. هذه الحجة مرفوضة عندي. لا تُبنى السينما هكذا، ولا تتطوّر. المسايرة العمياء لا قيمة لها إلاّ عند الذين يريدون للسينما أن تبقى رهينة «المهرّجين» والوصوليين. لا أريد التعميم. لكن كثراً منهم يتحدّثون هكذا». وهذا ما ذهب إليه رضا، بقوله إن «استخدام هوية البلد للإشادة بالسينما الوطنية أو النيل منها بمناسبة فيلم ما، غير واردة لدى نقّاد يهتمّون بأمور أهمّ من السؤال عمّا إذا كانت السينما اللبنانية بخير أو لا، وعمّا إذا كان يجب دعمها أو لا»٠

معايير
غير أن للمسمار رأياً آخر، إذ اعتبرت أن الفيلم اللبناني يخضع لمعايير «أكثر صرامة وتعقيداً خلال عملية تقييمه، لا سيما أن السينما اللبنانية أو الفيلم اللبناني ليس منفصلاً عن حركة سينمائية عالمية، هي بمثابة المرجعية القريبة أو البعيدة، المباشرة أو غير المباشرة، بالنسبة إلى المخرج والمشاهد والناقد على حدّ سواء»، مضيفةً أنه يتمّ التعامل مع الفيلم اللبناني «بوعي أو من دون وعي، على أساس أنه رجل مريض، أي أنه في نهاية المطاف محدود القدرات. فإذا تميّز عمل رفعناه إلى مصاف العالمية، وإذا فشل آخر قلنا «هذه قدرات السينما عندنا». إن «المشكلة» كامنةٌ في أننا على دراية كاملة بظروف إنتاج أي فيلم لبناني، وأننا في معظم الأحيان على معرفة قريبة بمخرجه. هذه عوامل لا تنفصل عن الكتابة النقدية. لكن، لا يعني هذا عدم القدرة على الحكم على الفيلم بصرف النظر عن التفاصيل الخارجية هذه. اعتبر أن كل فيلم، مهما علا شأنه أو صغر، تجربة تمتلك مفاتيحها الخاصّة وأبوابها التي تمنحنا زاوية النظر إليها ودخول عوالمها. أعتبر تلك المفاتيح أساسية في تقييم الفيلم، وكلّما كانت مفاتيحه فنية ومن داخل عالمه، كان أقرب إلى السينما. وكلما ابتعدت مفاتيحه عن عالمه الداخلي وتركّزت «حوله» وليس «فيه»، ابتعد عن السينما. في الحالتين، أتعاطى معه كتجربة، قد يكون أجمل ما فيها كواليسها أو قصتها أو أسلوبها أو موقعها في مسيرة صاحبها. وإذا امتزجت العناصر كلّها بعضها بالبعض الآخر، بخصوصياتها وهفواتها أحياناً، اقتربت التجربة أكثر من السينما»٠
يتوقّع السينمائيون منا مواكبة عملية إطلاق أفلامهم في الصالات، أو الاحتفاء بعرضها في المهرجانات. يعتبر بعضهم دورنا مشابه لدور الملحق « الصحافي، مع فرق بسيط، هو أننا لا نكلّفهم مقابلاً مادياً»، هذا ما قاله هوفيك حبشيان. أما ريما المسمار، فرأت أن المشكلة «تمسّ صميم مهنة كل واحد منهما (المخرج والناقد)، وتضرب على وتر إحساس كلٍّ منهما بالغبن، في مكان ما». من جهته، رأى محمد رضا أن للّبناني واحدة من ردّتي فعل: «إما أنه يتفهّم منطلقك كناقد، أو إنه يُظهر لك أنه متفهّم، بينما هو في داخله لا يكترث. لكن، مع التنبّه إلى أننا شعبٌ لا يعرف المنطق غالباً، فإن ردود فعل كثيرة تكون رافضة لما تكتبه إذا كانت الكتابة أقلّ من الإعجاب الكامل». ترى المسمار أن المخرج «يرفع الناقد الذي يمدحه أو يمدح أعماله (لاستحقاق المخرج وعمله هذا المديح، أو للمجاملة) إلى مصاف الناقد الكبير العالِم بأمور السينما وشجونها. والمخرج نفسه ينعت الناقد بالجاهل والمتحامل والظالم، إثر نشره مقالة نقدية سلبية»، ولا يتردّد عن القول أحياناً إن الناقد يستخدم النقد «للنيل من المخرج»، وهذا أفظع» ما يحصل، لأنه «ينسف مصداقية الناقد ومهنيته». أما حبشيان، فرأى أن السينمائيين يثبتون أنهم أبناء هذا المجتمع في سلبياته أكثر من« إيجابياته: «قد لا نكون وحدنا في هذه المنطقة من العالم من يعتبر النقد السلبي لفيلم سبّة أو عداوة. لكن نحن من المجتمعات القليلة التي تعتبر هذا النقد إهانة لصاحب الفيلم، في منطقة تحوّل فيها كل شيء إلى مسألة شرف وأخلاق وكرامة شخصية. هذه الأشياء متأتية من رفض الخاسر الاعتراف بخسارته»، وتساءل عن سبب عدم اعتراف السينمائي العربي بالناقد شريكاً له: «ربما لأنه يعتقد أن ذكوريته موضوعة على المحك، إذا قال له أحدهم إن نتاج أفكاره محتاج إلى بعض الترتيب. حتى أننا نسمع البعض يربط النقد السلبي بإحساس الحقد. يقولون إن فلاناً يحقد على فلان، لهذا كتب ما كتبه. هذا انحطاط وتقليل من قيمة النقد»٠
لا يتغاضى حبشيان عن مسألة لا تقلّ أهمية. فهو، بتأكيده على أن السينما لا يمكن أن تتبلور وتستمر من دون نقد ونقاد، رأى أن «عدم وجود تراث نقدي عريق، كما في فرنسا مثلاً، يجعل النقد يبدو كأنه تهجّم على السينمائي، أو كأنه شيء ثانوي». ورأى أن الغرب «بطبيعة تكوينه، لا يسمح لأي كان أن يكتب نقداً، ما لم تكن في جعبته ثقافة سينمائية معرفية وموسوعية»، متوقّفاً عند الواقع اللبناني والعربي: «أي كاتب هنا شاهد ثلاثة أفلام في حياته يطرح نفسه ناقداً». وانتهى إلى القول إنه «للإنصاف» يُعطي الحقّ أحياناً لبعض السينمائيين «الذين يتذمّرون من المستوى الهابط لبعض النقّاد الذين يكتبون انشاءات أخلاقية بليدة، لا علاقة لها بالسينما»٠


فيلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كوانتن تارانتينو منتقماً من تاريخ ينزلق على قشرة موز
بــانـــــغ بــانـــــغ بــانــــــغ... وســقـَـطَــــت الــنـــــازيــة!٠

هوڤيك حبشيان

كونتن تارانتينو

ما كان يمكن أن يكون استعادة مجنونة لأفلام حربية عدة من المكتبة السينمائية الشخصية لكونتن تارانتينو، اصبح في رعاية المخرج السينيفيلي فيلماً انتقامياً آخر على خلفية حرب عالمية ثانية ومحرقة ورجال أشرار و"سلسلة باء" بموازنة عالية. بيد أن بيل يُستبدل بأدولف، والسيارة المحصنة ضد الموت يحلّ مكانها الصليب المعكوف للجزار الالماني الشهير. كان غودار يقول انه لا يحتاج الى أكثر من امرأة وفي يدها مسدس لصنع فيلم. تارانتينو يحتاج الى أقل من هذا. الشرّ المطلق الذي يجسده الفوهرر يكفيه لحبك رواية خيالية من حوله. الأهم من هذا كله في هذا البرنامج الهزلي الذي يطول قرابة ثلاث ساعات هو الانتقام من التاريخ الذي ينزلق على قشرة موز مثيراً القهقهات العبثية في أرجاء الصالة. كتاب التاريخ الكبير يتصفحه أميركي من الطبقة الوسطى على سجيته ويتمنى لو يعيد كتابته. المشروع عبارة عن فانتاسمات لسينمائي زنديق لا يؤمن بشيء. انه ابن جيل كان مراهقاً عندما دخل الفيديو المنازل في آواخر السبعينات من القرن الفائت. كانت الأفكار الكبيرة بدأت تتهاوى واحدة تلو الاخرى في غياب البديل. السينما التي تربّى على قيمها في تلك الحقبة هي، أيضاً وأيضاً، اساس هذا الفيلم، لبّه، جسده ووعيه.
طبعاً تارانتينو، وقبله روبيرتو بينيني (في "الحياة حلوة") مشروطان بألا ينسيا ان الفصول الدموية للمرحلة النازية هي، في خاتمة الأمر، أكثر فظاعة مما نراه، اذ يذكّراننا مع كل انعطافة جديدة بأنه ما دام يستحيل تجسيد بعض الأشياء، فالأفضل أن نتخيل شيئاً قريباً لها. هذه مسألة أخلاقية لا تتحمل المناقشة. في فانتازيا كهذه، لا شي أكثر طبيعية من أن نخدّر عاطفتنا ونمشي في اللعبة حتى الأخير، نضحك منها وعليها، اذ هناك خلف الكاميرا من يمسك بكل مفاصلها واحتمالاتها. ليني رييفنشتال، المخرجة المناصرة لقضية الرايخ الثالث، هل هي أكثر تأثيراً في الزمن من هنري جورج كلوزو، السينمائي المقاوم للنازية الذي قبض المال من الالمان لصنع فيلمه "الغراب" ثم دان فيه احتلال بلاده؟ ها ان ردّ تارانتينو على هذا الهمّ المعلن والحاضر في ذهن الشريط، يصلنا عبر فيلم ينقلب على العنف بالسخرية والازدراء، بخفة دم قريبة الى اسلوب... دعونا نقول الى اسلوب لا أحد. لا شيء يعز على تارانتينو اكثر من تلميع صورة السينما، أكانت عميلة أم حليفة أم عدوة. تارانتينو كعادته مخلص لتقنياته في الهزء. هو دائماً في حاجة الى شخصيات يخيّل اليها أن اللجوء الى العنف أفضل الحلول. لكن هذا اللجوء لا يزيدها إلاّ بلاهة وغباء في عيون الآخرين. وما "سفلة مجهولون" الا تأكيد لتأكيد، خطاب جديد على خطاب قديم، تأثير فوق تأثير، وأحياناً تأثيرات متضاربة.
 
في البداية هناك رجل وأفراد عائلة يقيمون على تلة في قرية ابان الاحتلال النازي لفرنسا. لا يذكّرنا مشهد الافتتاحية هذا بأفلام الوسترن سباغيتي، اذ لا اشارة مباشرة منها واليها، لكن اذا اصررنا ان نراه من ذلك المنظار، فيمتزج حينذاك الاستيهام السينيفيلي بالواقع، ونبدأ برؤية أشباح وظلال من أفلام أخرى في كل وحدة تصويرية. انها مسألة ارادة ورغبة. الامتحان الاسلوبي يبدأ منذ اللقطة الاولى. لا يحتاج تارانتينو الى أكثر من بضع ثوان ليُمِرّ لنا السر الذي يتأسس عليه الفيلم برمته: نحن في كوكب سينمائي متكامل لا نحتاج فيه الى الواقع. هذا الواقع هو ليُستلهَم لا ليكون ديكتاتوراً على مخيلة فنان. أفلام تارانتينو كانت دائماً نموذجاً في قراءة الدال والمدلول في لغة السينما، لشدة زحمة المراجع والاستنادات والغمزات التي تتيه فيها السيرورة الدرامية. لكن في لقطة الافتتاحية، وهي بالتأكيد الأغرب في مساره، ثمة محاكاة حتى للمحاكاة. انها محاكاة فوق محاكاة ممتلئة بغمزات سينيفيلية مزروعة في كل مكان وفي اللامكان، والبصيرة لا تملك الوقت الكافي لالتقاطها واستيعابها، نتيجة الاشياء الكثيرة التي تحدث هنا وهناك.


في اولى هذه اللقطات اذاً، هناك غريب يأتي ليعكر صفاء عيش إحدى العائلات (في هذا الباب ربما نعثر على الاستعانة بأبجدية الوسترن). انه الكولونيل النازي هانس لاندا (كريستوف والتز، جائزة التمثيل عن جدارة في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ) المعروف لكونه صياداً ذائع الصيت لليهود. هوذا نموذج للكولونيل الشرير والسادي الذي، بعد 20 دقيقة من حوار متكلف وغريب بينه وبين رب عائلة فرنسي يخفي يهوداً في قبو منزله، يكتشف أخيراً اين يختبئ هؤلاء، فيأمر رجاله بقتلهم، فنراهم يرمونهم بالرصاص من خلف أرضية المنزل الخشبية. لا يرفّ له جفن، طبعاً لأنه نازي وخسيس! لكن ما يحصل في تلك اللحظة، وهذا ما يتيح للفيلم أن يكون، هو افلات فتاة من المجزرة الجماعية، لنراها اصبحت، بعد اختزال زمني، صاحبة سينما في احد الاحياء الباريسية.
لن ندخل في تفاصيل الحكاية لئلا نفسد عامل المفاجأة لدى المشاهد المحتمل، لكن القارئ الحذق يستطيع أن يكتشف أن لدى هذه الفتاة الفرنسية اليهودية التي تدعى شوشانا (ميلاني لوران)، صاحبة الصالة التي تعرض فيها مضطرة أفلاماً تغازل النازية (رييفينشتال نموذجاً، ولكن ليست وحدها)، رغبة جامحة في الانتقام من قتلة عائلتها. مذذاك ستتوافر امامها كل الظروف العبثية لتحقيق هذا الانتقام، ولا سيما عندما تدخل على الخطّ زمرة السفلة المجهولين (أميركيون يهود) الذين يأتون الى فرنسا ليقتلعوا فروات رؤوس النازيين، مستخدمين أساليب قتل أعنف بكثير من اساليب أعدائهم (الغمزة السياسية الجميلة لتارانتينو الى الحاضر)، الشيء الذي يتيح تصعيد حدّة العنف الى حدّ تحولها كارتونية في أماكن عدة، ولا سيما في الثلث الأخير من الفيلم٠
هؤلاء اللقطاء (هكذا يدعوهم عنوان الفيلم الذي ينطوي على خطأ املائي مقصود، بدلاً من
Bastards
Basterds يستخدم المخرج كلمة
الذين يتأكلهم احساس الضغينة والحقد، يترأسهم الضابط المخبول والغريب الأطوار الدو راين (براد بيت في دور هجين ولكنة ظريفة جداً). هؤلاء يقررون الانضمام الى ممثلة المانية اسمها بريدجيت فون هامرسمارك (ديان كروغير) وخصوصاً عندما يعلمون أن ثمة فيلماً بروباغانديا مستوحى من "بطولات" جندي نازي شجاع قتل وحده المئات، يغازل بدوره شوشانا، وأن هذا الفيلم سيُعرض في حفل تمهيدي في حضور أدولف هتلر (نعم هو!) وجوزف غوبلز وحشد من النازيين، مما يشكل مناسبة لا تفوّت لتصفيتهم. لكن ليس وحدهم السفلة من سيستغل هذه المناسبة التي ستشكل قمة الفيلم، لكونها ستجري داخل ظروف استثنائية تعجب خاطر تارانتينو وتعكس رؤيته لسلاح السينما الهدامة. وطبعاً تشبيه السينما بسلاح هو فكرة فضفاضة قائمة على المبالغة، اذ ان الفنّ لا يستطيع شيئاً أمام النار والرصاص. لكنها فكرة رومنطيقية يطلق من خلالها تارانتينو عنان مخيلته. وحسناً يفعل.
اذاً كل شيء معدّ سينمائياً: عملية تصفية هتلر تحمل اسم "كينو"، أي "سينما". مكان المجزرة هو صالة مظلمة. العميلة المزدوجة التي لها يد في انزال العقاب بالديكتاتور، هي ممثلة. الاداة التي ستستخدم في قتلهم هي بكرات أفلام سريعة الاشتعال. هذا كله يشعل عند تارانتينو، أولاً، رغبة لا تضاهى بالتسلية والتهكم، ويتيح له ثانياً، أن يرتّب لنفسه مكانة خاصة وسط هذه المعمعة التاريخية ومناقشة دوره فيها. غني عن القول أن الإقفال على نخبة من نازيين مبتهجين بمشاهدة فيلم يمجد انتصاراتهم في داخل صالة، وحرقهم، عملية كيدية ستتيح لتارانتينو أن يحلّق بنصه عالياً. العنف هو مفتاح العبقرية عند هذا المخرج، وهو كذلك عند بكينباه٠
هذا الفصل من الفيلم الذي يعبره تارانتينو كجندي يعبر حقل ألغام لكن من دون أن يضع رجله على أيٍّ منها، ممسوك بقبضة حديد، إخراجاً وتوتراً مؤسلباً. صوت الرصاص المرافق للفيلم التمجيدي المعروض على الشاشة، لا يسكت: بانغ بانغ بانغ، بانغ بانغ بانغ، بانغ بانغ بانغ! الكونتراست اللعين يحضر من حيث لا نتوقعه، أي على يد الجندي النازي الذي تحولت أفعاله فيلماً. فعندما يترك الفيلم ويصعد الى غرفة الـ"بروجيكسيون" ليعلن ولعه بشوشانا، هي اليهودية، نرى من الجانب الآخر للزجاجة الفاصلة، تجسيده السينمائي مواصلاً قتل اليهود، فيما تتابع اصداء البانغ بانغ بانغ على الشاشة٠



تارانتينو، مخرج نسائي الى الآن، يضع المرأة المصرة دائماً على ان تكون الاشياء على قاعدة العين بالعين والسن بالسن، أمام التضحية الكبرى والخيار الأصعب: الموت في سبيل الذاكرة. لكن شوشانا هي يهودية بالمصادفة. وما تقوله عن انتقامها الذي سيسكن ضمير العالم وضمير السينما، ليس سوى مزحة ولا يمكن تحميله معاني كبيرة. السبب بسيط: تارانتينو تعرّف الى الانتقام قبل أن يعرف شوشانا! لكن دعونا لا نغفل عن حقيقة أخرى. تارانتينو، وبأقل قدر من المعاداة للسامية، يقول إن السينما المتهمة دائماً بانحيازها الى اليهود (لأن نخبة صنّاعها هم يهود)، هي وحدها السينما التي تغيّر المعادلة. هل من معارض؟
على مستوى الشكل المعتمد، يبقى تارانتينو مخلصاً لثلاثة محاور على الاقل في هذا الفيلم حيث الكل يحكي لغته ولغة الآخر، وهي: حاجته الدائمة الى تحويل العالم شاشة مستطيلة اذ لا شيء خارجها له القيمة نفسها مما لو كان داخلها؛ الفيتيشية المرضية التي تتجسد بقدم الممثلة الالمانية التي اصيبت بالرصاص خلال المشهد الحواري المديد في المخمرة والذي ينتهي بجولة بانغ بانغ بانغ أخرى؛ اللجوء الدائم الى الحوار الموتور كبلورة درامية. مع ذلك كله، لنكن واقعيين. الخطاب لا أخلاقي ولا تربوي ولا ادانة للنازية او اعادة اعتبار الى ضحايا المحرقة، وان مَن يقف خلف الانتاج هو هارفي واينستين، اليهودي الأصل. المسألة هنا محض سينمائية. القضية الوحيدة في الفيلم هي السينما. صورة هتلر الكاريكاتورية تأتي من "الديكتاتور العظيم" (1940) لشابلن أكثر مما تستند الى أرشيف التلفزيون. وهذا ليس بجديد عند صاحب "جاكي براون". مَن يعتقد ان تارانتينو يأبه كثيراً لليهود ومصابهم، وللنازيين وشرّهم المطلق والبدائي، فليشاهد الفيلم مرة واثنتين وثلاثاً، الى أن يكتشف في الخاتمة ان الرجل ذو عقلية سينيفيلية ضيقة ومتعصبة، لكن خلاقة ومخربة، وان لا همّ عنده يعلو فوق همّ الفن السابع الذي انقذه من براثن الحياة الخانقة وشرورها، مثلما ابعده من الالتزامات الانسانية والاخلاقية التي لا دخل له فيها، طالما لا تراقَب من خلال بؤرة، بؤرة الكاميرا.
تارانتينو فقد الأمل بالانسانية الرعناء، لكنه لا يزال قادراً على جعل شرورها فعلاً كاريكاتورياً مبدعاً الى ابد الأبدين. هذه سينما "ماذا لو"، قائمة على الحوار الذي يعيد موضعة بعض المفاهيم، وقائمة أيضاً على الثرثرة الخلاقة واللقيات، اذ لا عجب أن نسمع في نهاية الفيلم وعلى لسان براد بيت عبارة "اعتقد ان هذه هي تحفتي الفنية"، بعد أن يكون قد حفر صليباً معكوفاً، من دم ولحم، على جبين الكولونيل النازي، قبل استرداده الى أميركا. هنا ثمة تماهٍ بين المخرج وبطله الدموي الضاحك. يختلفان في كل شي بدءاً من فاشية الاسلوب حتى الرعونة في تطبيقه، لكن يتفقان على تحويل الجريمة مادة، وليس أي مادة، بل مادة يُحتفى بها. معروف عن الدمّ انه يفسد معنى الأحلام. بينما في سينما تارانتينو (كما أيضاً لدى سكورسيزي) ما إن ينزف أحدهم حتى يتحرر الفيلم!


السيناريو وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
4
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أجد من الضروري التذكير مرّة أخرى أن الغاية هنا ليست تعليمية بل هي تعريفية بحالات ونماذج في كتابة السيناريو الأفضل مستقاة من متابعة الناقد لألوف الأفلام ومن دراسته السيناريو عبر محاضرات تلقّاها في مطلع التسعينات حين اعتقد أنه سيستطيع اقتحام هوليوود في ثلاثة او أربعة أعوام والفوز بالأوسكار قبل نهاية العقد٠ طبعاً الطموح لا يزال هناك، لكن الواقع هو الذي هنا والواقع يقول أن المسيرة صعبة لأكثر من سبب: لكي تكتب السيناريو الذي تريده هوليوود عليك أن تكتب السيناريو الذي يريده الجمهور. وحتى تكتب السيناريو الذي يريده الجمهور فإن عليك أن تغيّر الكثير من مفاهيمك حول السينما والفن و،بالنتيجة، الجمهور. بكلمات أخرى: أن تختار منذ البداية أي نوع من السينمائيين أنت: نوع تاركوفسكي وبونويل وفرنسيس فورد كوبولا او نوع سبيلبرغ وكلود ليلوش وحسام الدين مصطفى. قليلون فقط يستطيعون الإنتقال من نوع الى أخرى في أي إتجاه. أحدهم شريف عرفة (بداياته غير نهاياته) وحسين كمال٠

لو كانت الغاية تعليمية لوجب الحديث عن تقسيم الصفحة وتقسيم عناصر الصورة وكيفية كتابة الحوار وكيفية تأسيس الأدوار والشخصيات وكيف تكتب مشهداً صعباً ينتقل من الماضي الى الحاضر او العكس وشتّى تقنيات الكتابة التي بعضها سيبقى مجهولاً لدى الكاتب العربي إما للإستسهال او مشياً وراء التقليد. لكن هذا لا يعني إنني لن اتطرّق الى مثل هذه المسائل حال يكون هناك مناسبة

واحد من أصعب عناصر تكوين السيناريو هو رسم الشخصية وكيفية وضعها في إطار صحيح. تريد شخصية تكتنز من دون أن تكون كثيرة الغموض. وتريد شخصية تتعرّف عليها كشرط لقبولها من دون أن تفصح عن كل شيء بحيث تفقد الإثارة. وحين تجد أنك وصلت الى الصفحة الثلاثين من السيناريو ولا زلت بحاجة لتبرير تصرّفات شخصية من شخصياتك فإن ذلك معناه واحد: الخلل في مطلع السيناريو وربما ليس لهذه الشخصية وحدها بل لكل الشخصيات٠
الكثير من السيناريوهات في الأمس واليوم تحل مشكلة شرح ما تمر به الشخصية الرئيسية بزرع شخصية دورها في الفيلم الإستماع الى ما يجول في بال الشخصية الرئيسية، وفي ذات الوقت تأمين الجانب الكوميدي
Sidekick يسمونه بالإنكليزية
على هذا الأساس، يرد في السيناريو أن أيمن (صديق البطل) يلحظ أن صديقه أنور (البطل) منقبض فيسأله لماذا هو هكذا فيجيبه أنور بأنه يعاني من مشكلة. السؤال والجواب هي فرصة السيناريو، والفيلم، للإفصاح عما يجول في بال أنور وتمهيداً لاقتراح من نوع: "ما تتكلّم معاها وتقولها عالحقيقة" مثلاً. بعد ذلك يأتي دور الفتاة (لنقل أسمها أماني) التي تستمع الى ما أنور وفي هذا الإستماع تكرار لما تم تبادله من حوار بين أنور وأيمن بذلك فقد هذا الجزء من السيناريو (والفيلم بعد ذلك) أي قيمة. إذا ما خرجت أماني من مقابلتها مع أنور محتارة فسيخلق لها الفيلم صديقة تسألها ذات السؤال فتفتح أماني صدرها لها وتقول لها لماذا هي محتارة .... هذا يعني المزيد من اللف والدوران من دون تقدّم٠
قد يقول البعض : لكن هذا ما كانت عليه الأفلام القديمة، أما الجديدة فمختلفة. ليست جميعاً مختلفة. لقد قرأت سيناريوهات معظمها لم يُنفّذ وفيها هذا المنوال من الثرثرة. وشاهدت أفلاماً أيضاً حملت ثرثرتها الى الشاشة ولو أن صانعيها شباباً٠

لكن كيف تقدّم الحالة؟ هل يمكن الإستغناء عن هذا الوسيط؟
لنقل أن مريضاً لا يعرف كيف ينقل خبر مرضه الى زوجته. سيموت بعد شهرين، قال له الطبيب٠ يدخل البيت. تستقبله زوجته في المطبخ ويهرع اليه ولده او إبنه وإبنته او يرددان "بابا جه... بابا جه". لكن الزوجة ستلاحظ أنه متجهم. ستسأله. سيخفي. سيتّجه الى غرفته لأنه لا يشعر بالجوع. لقطة عليها وهي مستغربة او إذا لم يفعل ركض إبنه الى حضنه وسأله إذا ما كان سيفي بوعد قطعه عليه. لقطة لوجه الأب وهو يكاد يبكي الخ... الخ...٠
في الأساس كل المشهد هو مناسبة وراء مناسبة للتسلل الى قلب المشاهد لكي يشعر بالأسف والحزن وبالمأساة التي تطرق باب عائلة سعيدة. لا بأس من براءة الأطفال في اللعبة العاطفية التي تجري. العمل خارج هذا الصندوق -إذا كان الكاتب يريد الإختلاف من دون أن يخسر فرصة كتابة سيناريو جماهيري- ليس سهلاً لأن أي اختلاف هو مضي في النوعية على حساب العاطفة او المبدأ الإستهلاكي المباشر بالنسبة لجمهور أكل وشرب كثيراً على هذه الأفلام بحيث ما عاد قبوله لأوضاع مغايرة او لأسلوب مختلف لطرح مثل هذا الوضع أمراً سهل التحقيق٠
لكن لو كنت أنا الذي أكتب هذا الفصل من المشاهد لبدأته باختياري لتلقي الخبر من الطبيب (ذات الإختيار الأول) لكن من دون كثير حوار. المشهد هو فرصة لمعرفة شيء عن الطبيب (إذا أردت) مهما كان دوره صغيراً: هل يكترث؟ هل يعامل بطلنا كواحد من كثيرين وبالتالي ليس لديه شعور خاص تجاهه؟ أم هو يشعر تجاه المصابين؟ هذا مهم حسب منهج الفيلم: وحدة البطل (إذا ما كنت سأتناول رجلاً هو وحيد او مختلف في بيئته) قد تناسب أن يكون الطبيب ميكانيكياً في عملية إخباره. لاحقاً، عوض الإسراع الى البيت وتمثيلية العواطف ربما جعلته يختار حديقة يجلس فيها لساعات. حين وصوله: الشمس ساطعة. الكثير من الناس. أطفال يركضون الخ... بعد قليل نلحظ أن الوقت مرّ وهو لا زال جالساً في مكانه. الناس أقل. فجأة تبدأ الدنيا بالمطر. نرى شخصان من بعيد (معاً والأفضل أن يكونا شاب وفتاة) يركضان تحت المطر الذي داهمهما. بطلنا لا يزال في مكانه. ينظر الى السماء٠

هناك حل آخر: عوض الذهاب الى الحديقة العامّة (او الى البحر) لقطة تنتقل من باب غرفة الطبيب وقد أغلقه بطلنا وراءه الى وجه الزوجة أول ما تتلقّف الخبر. لا حوار يكرر النبأ بل
Cut to
الوجه عابق تحت تأثير المفاجأة قبل أن نقرأ في عقلها (اللقطة القريبة عادة ما تساعدنا على قراءة العقل) محاولتها تحمّل النبأ والتخفيف من وقعه على زوجها أولاً٠
لا أطفال في تلك اللحظة حتى ولو كان لديهما أطفالاً. النهاية المناسبة للمشهد قد تكون في لقطة له وهو يخبرها بما سيقوم به (القرار) عوض مرمغة الحالة في شتّى انواع العواطف قبل الإنتقال الى الفعل اللاحق٠
لكن هل العاطفة خطأ في الفيلم؟
إذا كانت على شاكلة ما يرد في أفلام محمد خان فهي صحيحة. إذا كانت على شاكلة ما يرد في أفلام خالد يوسف فهي غير صحيحة. الأولى تتعامل والعاطفة على نحو يشمل الموقف في تلك اللحظة من الحياة والثاني ينحصر في الموقف في تلك اللحظة فيما يخص الموقف. في هذه الحالة لا يستطيع الفيلم أن ينتقل من الخاص الى العام (في داخله) الا بافتعال الحركة (لذلك أقول أن أضعف مشاهد فيلم يوسف شاهين »العصفور« هي تلك التي يتأثر فيها عدد من شخصيات الفيلم سلباً بما قاله الزعيم جمال عبد الناصر إيجاباً- والحديث قد يطول هنا)٠
في فيلم »زوجة رجل مهم« يعتمر الشعور بالحزن صدر ميرفت أمين وهي تستمع لأغنية لعبد الحليم حافظ. في كل أفلام عبد الحليم حافظ العاطفة مركّبة لكي تصل الى المشاهدين. هذا هو الفرق. لو بكت ميرفت أمين في »زوجة رجل مهم« لهبط مستوى المشهد. أصبح المستوى الأدنى من العاطفة . ما يساوي
Sentimentality كلمة
بقاؤها صلبة وفي ذات الوقت ضمن لقطة تربطها بحاضرها من ناحية وبماضيها من ناحية أخرى وتربط الفيلم بأسره بالحاضر والماضي معاً، فإن المشهد فيه
Emotions
العاطفة ليست خطأ في الفيلم لكن عليها أن تكون ترجمة للموقف في كل الإتجاهات وأكاد أن أقول عليها أن تكون عقلانية. حين تكون مجرد تعبير عن شعور محدد فهي تهبط الى مستوى التأثير المباشر كما حال مقطوعة موسيقية تُستخدم لمزيد من التأثير في هذا المشهد او ذاك٠

يتبع


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular