Sep 18, 2009

YEAR 3. ISSUE 456| حوار حول السينما | المسافر مرّة أخرى | سينما جاك ريڤيت

هذا العدد
  • رسالة من قاريء مُلم تفتح آفاق الحديث عن ثلاثة مواضيع مهمة حول السينما
  • محمد فايق يكتب عن »المسافر« الذي لم يُسافر بعيداً٠
  • محمد رُضا عن سينما وأفلام جاك ريڤيت
  • أوراق ناقد | إحصاء



نقطة حوار | عن المشاهد مبصبصاً والممثل شريراً

[REC]

الأخ عاصم عبد الرسول هنداوي كتب رسالة تطرح مسائل بالغة الأهمية يسرّني جداً الإجابة عليها. يقول

أستاذي العزيز محمد رضا
لا تدري مدي إعجابي بك .. و لا تدري كم تعلمت من مدونتك .. فأرجو أن تتابع هذا الكفاح لإنه حق عظيم
سأقدم نفسي سريعاً .. اسمي عاصم عبد الرسول .. مصري .. عشرون عاماً .. أحب السينما جداً وأريد أن أتعلم عنها كل ما استطيع و أتمني أن أكون يوما صانع أفلام ماهرٌ
جئت اليوم لأسأل بعض الأسئلة التي تحيرني كثيرا .. و هي أقرب لتساؤلات لا ماهية لها .. اكثر من أسئلة ذات إجابات صريحة بسبب الصعوبة التي أجدها في صياغتها إلي أسئلة

أولاً : أسمعها كثيراً هنا في مصر حينما يتحدث أبطال فيلم معين عن الفيلم " الحلو في الفيلم ده أنه بيناقش قضية ... بلا بلا بلا " طبعاً أنا أعرف معظم تلك الأفلام ليست أفلام أساساً و لكن ما أريد أن أعرفه ... ما هو الفيلم الحقيقي الذي يناقش قضية ما؟ و هل هناك فرق بين فيلم يناقش قضية و ما يحيط بها و بين فيلم يطرح فرضية معينة و يعرض تفسير لوجه نظر معينة من خلال الفيلم؟
من معلوماتي الضئيلة أن من الأفلام التي تناقش قضية .. هي افلام مثل
Soderbergh's Traffic and Che .. Attenborough's Ghandi
و من الأفلام التي تعرض فرضية أو فكرة معينة .. هي أفلام مثل أفلام كرستوفر نولان و الكثير الكثير من الأفلام
حاولت أن أوضح ما يصول و يجول في خاطري .. و السؤال هل نستطيع أن نفرق بين أفلام تناقش قضية علي أرض الواقع، و أفلام تطرح فكرة إنسانية أو فرضية ما .. أم لا يوجد شيء كما أقول وفي الأول والآخر هنالك موضوع معين يتم طرحه ؟ أتمني أن اكون وضحت ما أريد قوله و أن توضح لي الفرق إن وجد

ثانياً : أري أفلام كثيرة من بلدان مختلفة و مخرجين مختلفين و ثقافات مختلفة .. وكل منهم يطرح فيلم بأسلوب مختلف عن الآخر .. ولكن هنالك شيء لا أفهمه أو بالأحرى الاحظه لكني لا أستطيع أن أسميه أو أضع يدي عليه: كيف أجد في فيلم معين أني علي مسافة من البطل و الأحداث و أني في وضعية المراقب ( و هذا لا يستدعي ان يكون الفيلم مملا أبدا على العكس) و كيف في فيلم آخر أذوب في نسيج الفيلم
في الحالة الأولي لا أستطيع أن أتذكر حالياً الا فيلم »أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان«٠
أما الحالة الثانية فهي تحتوي علي معظم الأفلام التي رأيتها و الجدير بالذكر أن هنالك احيانا صورة أقوى من التفاعل .. حدثت لي فعلاً في فيلم الرعب
Quarantine and in the spanish version [REC]
و السؤال هل هناك مسميات لتلك الأساليب المتنوعة في الإخراج و السرد و ما هي الطرق الفنية و التكنيكية التي تحدث تلك الفروقات والتي تضعني في وضع
Voyeurism as in 4 months, 3 weeks 2 days .. and makes me jump to much higher interaction like what happened in Quarantine
شهور كانت من المسببات لذلك علي العكس في فيلم " كوارينتين " .. أتمني أن تنيرني في

أعلم أن حركة الكاميرا القليلة مثلاً في فيلم »أربعة أشهر...« كانت من المسببات لذلك على العكس في فيلم كوارنتين«. أتمنى أن تنيرني في تلك المسألة و أن كان هناك قراءات تستطيع أن تفيدني فسيكون من الرائع ذكرها

ثالثاً : ( أعتذر جداً للتطويل ) يقول بعض الفنانين في مصر .. المزيفين .. الذي أكتسبوا اللقب لغياب الفنانين الحقيقين ( آسف لكني حانق جدا علي وضع الفن عموماً و السينما خصوصاً في مصر و العالم العربي شأن الكثيرين ) حينما يؤدي أحدهم دوراَ من أدوار الشر يقول الآتي بعد سيل لا ينقطع من المجاملات الرخيصة "أنا مبسوط أوي أن الناس أضايقت .. لأني الدور كان فعلاً فيه شر و لو الناس أضايقت مني فيبقي أنا أديت الدور كويس و نجحت فيه الحمد لله !!! ) أنا لم اتضايق و لو للحظة من "هانيبال ليكتور" أو الجوكر أو "تايلر ديردن" أو "روي باتي" .. علي العكس و أني أري السبب في عدم نجاح فبلم "بليد رانر" نجاحاً ساحقاَ هو قوة الخصم علي البطل هاريسون فورد هنا .. كيف لهم أن يقولوا هذا الكلام؟ّ و هل له أي أساس من الصحة ؟ في أحد المفابلات للي مارفين حينما سألوه عن بشاعة تأديته لأدوار الشر لثلاثين عام قال
"Me? I don't play bad people. I play people struggling to get through their day, doing the best they can with what life's given them. Others may think they're bad, but no, i never play bad people."
لا أحد يري نفسه سيئاً ( قرأت هذا الجزء في كتاب روبرت ماكي.. القصة ) بعد مقدمة طويلة السؤال هو ما هي الخصومة الصحيحة ؟ و ماذا يشكل الخصم الجيد ؟ و إلي أي مدي يمكن أن يكون الخصم قوي ؟ و ان كان الخصم غير بشري مثل الحال في " حالة بينجامين باتون المثيرة " كيف نستطيع صياغتة ليصبح بتلك القوة و الجمال ؟

رابعاً : و هو طلب و ليس سؤالأً .. لقد كتبت منذ مدة أن من الممكن أن تكتب سلسلة مقالات عن فن كتابة السيناريو أن وجد من يريد .. و هانذا أريد و الكثيرون غيري يريدون
سيكون من الرائع أن توجهنا للفن الصحيح

آسف جداً علي التطويل .. و أتمني أن ترد علي .. و إن لم ترد فأنا متفهم ذلك لقدر مشغولياتك و لك جزيل الشكر و أتمني يوما أن أرتقس لأكون تلميذا لك من حيث قراءة الأفلام
شكراً .. شكراً .. و شكراً

جواب | شكراً لرسالتك ولا تخشى او سواك من التطويل إذا ما كانت هناك ضرورة. رسالتك من النوع الذي يتمنّى كل ناقد حول العالم استلامها لأنها تمنحه فرصة التعليق على مسائل مهمّة في عالمه السينمائي٠

أولاً: هناك مسألتان مهمّتان يا أخ عاصم٠
الأولى أن معظم السينمائيين لا يشاهدون الأفلام. ومن منهم يشاهد الأفلام، لا يشاهدها مشاهدتنا نحن لها. بل يشاهد ما يعتبره هو مهمّاً او سمع أنه كذلك٠
ثانياً: أن معظم السينمائيين ومعظم الكاتبين في السينما يعيشون حالة بائدة عمرها 121 سنة تفرّق الأفلام على هذا الأساس٠
الحقيقة التي يمكن ضحدها أن كل فيلم مهيؤ لأن يتحدّث في قضايا بشرية اجتماعية او سياسية او إنسانية. وان معظمها يفعل ذلك. فيلم رعب عن فيروس مستقبلي قاتل يحوّل الناس الى أكلة لحوم بشر ربما كان قراءة غيبية تستخدم سينما التخويف لكن الفيلم ربما ينتقد العالم الذي نعيش فيه الذي يحمل بذور الإحتمال. فيلم دراكولا قد لا يكون عن الكونت مصاص الدماء، بل رمز للطبقة التي تمص دماء طبقة أخرى (وهذا موجود في »نوسفيراتو« لف. و. مورناو سنة 1922). وفي طيّات فيلم الخيال العلمي »باتمان« قراءة لنبذ مبدأ الإنتقام (وهو مبدأ تجده في ملخّصات معظم الأفلام التجارية)، بينما يدعو »لقاءات قريبة من النوع الثالث« للتواصل بين الحضارات عوض التصدّى لها، في حين أن فيلم بيتر هايامس »كابريكون وان « يستخدم الخيال العلمي لإدانة الخداع على الأرض الخ...٠
تقسيم الأفلام لفئة ذات قضايا وأخرى لا قضايا لها (ولذلك تسقط من الحسبان) تقسيم خاطيء كما تلمح الى ذلك بنفسك٠

4 Months, 3 Weeks and 2 Days

ثانياً: المخرج وما يصنع في هذه الحالة. هناك مخرجون يريدونك مراقباً او متلصلصاً، كما ذكرت، وآخرون يريدونك متورّطاً. في مرحلة ما اختار المخرج أسلوبه في هذا الشأن انتماءاً الى رؤيته وقناعاته. البديع أندريه تاركوفسكي كان يريدك أن تتلقّف معه أبعاداً إنسانية وحياتية تختلف فقط باختلاف الفيلم الذي يقدّمه. بذلك هو مخرج يضع نفسه في مساواة المشاهد في حوار صامت بينهما٠
هيتشكوك كان ملك اسلوب البصبصة. السينما التي تريد تحويلك الى شريك فيما يدور. لكنه كان يختلف عن أسلوب صانعي فيلمي الرعب اللذين ذكرت اختلافاً جذرياً معتبراً أن شرط البصبصة ليست استعارة عينك لتحل محل الكاميرا، بل عن طريق أصعب بكثير يتطلب اندماجك وكل عنصر آخر (بما في ذلك الكاميرا) في صلابة العمل السينمائي ككل٠
طبعاً الفرق بين المراقبة والمشاركة ليس المشكلة وفي الأمثلة التي ذكرتها أنت لا فرق الا بحدود. »4 أشهر، ثلاثة الخ....« هو يريدك شاهداً لكنه يقدم على أسلوب يجعلك مراقباً على شهادته في حين أن فيلم الرعب »المحجر« يريدك مراقباً وشاهداً لكن ليس لشهادة اجتماعية وسياسية بل لأجل تدشين عالمه المرعب في خيالك أنت٠
المخرج يختار إذاً -في البداية- ما يريده من السينما وما يريده من فيلمه وموقع الجمهور منها. لا أعتقد أن كل المخرجين سواسية في نظراتهم للجمهور. هناك من يحترم. هناك من يزدريء وهناك من يعتبرهم عملية حسابية عليه أن يبادلها المنفعة فيغدق عليها بالفن والعناصر التقنية الكبيرة لأجل كسبهم وهذا خارج عن طرح الإحترام من عدمه٠
في ذلك التأسيس المبدأي يعلم المخرج دور الكاميرا في هذا الشأن. لم يكن الفرد هيتشكوك لاهثاً كمخرجي »المحجر« او »ريكورد« او»بلير ويتش بروجكت« وعلى الرغم من ذلك أنجز بعض أفضل أفلام التشويق والرعب في التاريخ. ولم يكن ستانلي كوبريك كوميدياً، لكن بعض أفلام الكوميديات السوداء جاءت من عنده٠
في العملية الصافية لما هو سينما مما هو تقنيات، ستجد أن الغائب عن العين في الفيلم (اي فيلم) هو، إذا ما كان المخرج جيّداً، أهم وأكثر إثارة وإمتاعاً وقيمة، مما يتبدّى على الشاشة. في كل الحالات هناك كاميرا مستخدمة، لكن في الحالات الجيّدة، مستخدمة لتقرأ وفي الحالات الأخرى، مستخدمة لكي تقرأ عن المشاهد محوّلة اياه الى جزء من الوهم من دون نفع. متلقّ يعيش الفيلم بعينيه وعواطفه الحسيّة المباشرة٠
هذا هو ردّي على هذا الجزء من السؤال كما فهمته، وإذا لم يكن ردّاً صحيحاً من وجهة نظرك او مرضياً أرجو أن لا تتأخر في الكتابة اليّ بذلك مرّة أخرى على أن تكون أكثر ايضاحاً٠

لي مارڤن (مع غلوريا غراهام) في: الحرارة الكبيرة

ثالثا: يلغي الممثل الذي يقول هذا الكلام أي سبب آخر لانزعاج المشاهد منه، كما لو أنه واثق مئة في المئة من أن سبب الضيق عند المشاهد يعود الى أن الممثل أحسن تأدية دوره. بذلك ملاحظتك صحيحة. هل تضايق أحد فيما مضى من تمثيل محمود المليجي؟ كل ما يحتاجه الممثل لكي يجسّد الدور، بصرف النظر عن ماهية الدور، تجسيداً صحيحاً هو أن يستوعب بعده اللا مرئي ويأتي من دواخله بقراءته هو له٠
هنا يكمن السبب في أن بعض ممثلي الشر لا تأخذ منهم سوى ارتفاع الحاجب الأيمن وهو يقول شيئاً مثل »أنا وانت والزمن طويل«، بينما تأخذ من ممثل شر فنان نظرة صامتة تخيفك وتجعلك تصدّق أنه سيء النيّة٠
حين يتكرر النظر الى ممثل معين في أدوار شريرة تكتشف أنك لا زلت تحبّ منه هذا النوع لأنه نجح فيه والنجاح في لون معيّن ليس مشكلة او قصوراً. إنه فقط حين تتساءل عن لماذا يؤدي الممثل هذا الدور بهذه الطريقة تدرك أنه سقط في التعبير، والممثل الشرير الجيّد لا يسقط في التعبير لأنه لا يستخدم التعبير مجّانياً. أكتب وفي البال أيضاً لي مارفن في فيلم
The Big Heat
إخراج فريتز لانغ سنة 1953. نعم هو شرير حتى النخاع، لكنه شخص. إنسان. وهذا ما يلعب عليه كل ممثل وينجح إذا ما لعب عليه من دون رفع علم أحمر يريد منه لفت النظر اليه أولاً والدور ثانياً٠
الخصومة التي وردت في كتاب أستاذ السيناريو روبرت ماكي صحيحة جدّاً. ونابعة من ضرورة أن يكون للخصم شأن مواز للخصم الآخر. أيهما بطل ايهما شرير هذه المسألة تأتي لاحقاً٠

بالنسبة للطلب، سأنجز سلسلة دراسات (على غرار »النقد وفلسفة الفيلم«) تتناول السيناريو (ربما تحت إسم »السيناريو وفلسفة الفيلم) لكنها لن تكون من نوع "كيف تتقن كتابة السيناريو في سبعة أيام" مثلاً ولا هي إرشادات تعليمية، بل انعكاسات وقراءات لهذا الفن الذي هو أصعب مما يعتقد معظمنا. الفيلم بالكلمات الذي عليه سريعاً، حال إنجازه، تشكيل العمود الفقري للفيلم المرئي٠

أشكرك جدّاً لرسالتك وأهلاً بك لانضمامك وأرجو أن لا تنقطع عن الكتابة٠



نقد | المسافر: سينما بلا هوية يموّلها المصريون من جيوبهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد فايق


ينضم الناقد الزميل أحمد فايق الى أسرة "ظلال
وأشباح" الذين يكتبون لها خصيصاً او يوافقون
على إعادة نشر بعض آخر أعمالهم. كان الزميــل
حضر مهرجان فنيسيا وأرسل منها هذه المقالة
النقدية حول »المسافر« من جملة أفلام أخرى شاهدها
هناك٠


فى قاعة "دارسنا " بمهرجان فينسيا السينمائى الدولى وتحديدا فى الساعة الساعة السادسة والنصف الاربعاء الماضى وقبل عرض فيلم المسافر بنصف ساعة المشارك فى المسابقة الرسمية ، شعرت بالفخر بهذا الفيلم المصرى الذى ضاهى طوابيرجمهور "مايكل موور" و"أوليفر ستون" و"فاتح أكين" و"هيرزوج " ، لقد كان إحساسا صادقا كتبته قبل بداية فعاليات المهرجان ، تطرفت فى فرحتى وتمنيت أن أرى الناس يحملون علم مصر فى جامعة الدول العربية مثلما نفوز فى مباريات كرة القدم ، ومنذ المشهد الاول كنت مستعد نفسيا لتلقى الفيلم وتقبله بنفس الشعور ، اللقطة الاولى مع صورة فيها الكثير من الابهار تبدأ من الثلث الاخير من سفينة عملاقة ، وتتحرك الكاميرا الى الخلف لنرى نفس المنظر من شرفة قطار ، هنا قلت فى أذن الزميلة علا الشافعى "شكله فيلم حلو " ، ومع مرور الاحداث فى الفيلم توالت الصدمات ، رأيت فيه بعض الايجابيات والكثير من السلبيات ، القاعة كان بها مالايقل عن 1500 صحفى وناقد من أهم كتاب العالم فى السينما ، وبعد 15 دقيقة إنسحب الحضور واحد تلو الاخر ، ومع نهاية عرض الفيلم لم يتبقى فى الصالة أكثر من النصف ، فى لحظة تصورت أن لدى مشكلة فى التلقى ، لذا تمهلت قبل أن أكون وجهة نظر كاملة عن الفيلم
صممت على أن اشاهد الفيلم مرة أخرى قبل أن أكتب عنه ، وحتى لا أظلمه ، ولكن مع المشاهدة الثانية تأكد لدى إنه حقا "ضجيج بلا طحن " ، هناك هيئة من النقاد والصحفيين نصبوا أنفسهم محامين عن هذا الفيلم ، وتبرعوا بشن هجوم على أصحاب وجهات النظر المعارضة "ملحوظة : أحدهم لم يشاهد الفليم وينتمى إلى هيئة الدفاع من منازلهم " ، تبرعوا بإتهامات لا مبرر لها سوى أننا فى حالة يرثى لها ، هاجموا دون أن يقرأوا وجهات النظر المعارضة ، تعرضنا لعملية إرهاب مسبقة عنوانها "لو لم تكتب جيدا عن الفيلم ستكون غبيا وليس لديك قدرة على تلقى نمط مختلف من السينما " ، تجرأ بعضهم ووصف تصنيف مجلة فاريتى لافلام المهرجان بالتخلف ، حيث أعطت المجلة للفيلم أربعة درجات ونصف من عشرة ، مجلة سكرين أعطته نجمتان أى أقل من المتوسط ، و"لافانجارديا " نجمة واحدة و"البوزيتيف "نجمة واحدة و"تيليراما " ثلاث نجمات و"سيزدتيش زيتنج " نجمتان ، أما الصحف والمجلات الايطالية فكانت أكثر رحمة فأعطته إحداها نجمتان وأخرى نجمتان ونصف وصحيفتان أعطت كلا منهما نجمة واحدة ، أى أن إجمالى تقييم النقاد الايطاليين والاجانب لفيلم المسافر يترواح مابين نجمة إلى ثلاثة نجمات أى من ضعيف جدا إلى متوسط ، فى الوقت الذى حصل فيه الفيلم الاسرائيلى الفائز بالاسد الذهبى على تقييمات تراوحت بين الثلاث والخمس نجوم ووصل إجمالى تقييمه الى سبعة درجات ونصف من 10 ، وبعد إنتهاء عرض الفيلم وفى حفل العشاء الذى أقيم على شرفه إنتقد عمر الشريف مخرج الفيلم أحمد ماهر بعنف وصل الى السباب وفعل نفس الشئ مع بقية العاملين فى الفيلم ،وحينما سأله المذيع الايطالى فى الختام على السجادة الحمراء عن رأيه فى الفيلم بعدما شاهده لاول مرة قال عمر الشريف : مافيش فيلم أساسا ....!، أيضا نقاد كبار عرب كتبوا عن الفليم بشكل سلبى منهم الناقد اللبنانى محمد رضا والناقد المصرى الكبير والمقيم بلندن أمير العمرى ، إلا أن هيئة الدفاع المبجلة والتى تبرعت بشن حرب شعواء ضد من لم يتقبلوا الفيلم تبرعوا بإتهامات كثيرة لنا وللمهرجان أيضا ، وقرر بعضهم فجأة أن جائزة الاسد الذهبى ذهبت للفيلم الاسرائيلى "لبنان " بسبب ألاعيب السياسة ، ولمحوا إلى أن إستبعاد المسافر كان سياسيا ، أتفق معهم فى الجزء الاول ، خاصة أننى لم أقع فى هوى فيلم "لبنان " لانه هناك فارقا كبيرا بين فيلما جيدا واخر مصنوع بشكل هوليودى جيد ، ولكن لا مقارنة بين الفيلمان ، والاسرائيلى يتفوق ، كانت هناك أفلاما تستحق الفوز بالاسد الذهبى وليس من بينها المسافر إنما يقف فى مقدمتها "الرأسمالية قصة حب " لمايكل موور و"الحياة خلال وقت الحرب "الاميركى و"نساء بدون رجال "الالمانى ، ليس من العيب أن نقول أن فيلم المسافر به الكثير من المشاكل ، ولكن العيب الحقيقى هو إتهام الاخرين بالجهل وتسفيه أرائهم والعمل فى إطار من الشللية دون مبرر
فيلم المسافر تدور أحداثه خلال ثلاثة ليال فى حياة مواطن مصرى به الكثير من السلبية ، اليوم الاول فى بورسعيد خريف 1948 ، نرى حسن الذى يعمل موظفا فى مكتب التلغراف ، يقرأ برقية قادمة من نور الى فؤاد ، نور تحب فؤاد على الرغم من أنها لم تلتقيه سوى حينما كانوا أطفالا ، يشعر حسن بالغيرة ويقرر أن يبحث عن نور فى السفينة ، هناك يقابل القبطان الذى يتعلم منه كيف يتعامل مع السيدات ، القبطان يبدو خبيرا فى النساء ، أما نور فهى أرمنية وكانت أجمل بنت فى بورسعيد ، عاشت هناك حتى عمر ال17 ، كل رجال بورسعيد وقعوا فى غرامها ، إلا أنها سافرت ولم تعود من جديد إلا فى السفينة ، يقابل حسن نورويكذب عليها مصورا نفسه أنه فؤاد ويقع فى غرامها ، وبناء على نصيحة من القبطان بالتحلى بالشجاعة يمارس معها الجنس بشكل عنيف ، يأتى فؤاد الحقيقى ويتزوج من نور ، حسن شخص سلبى فى الحياة ولا يقوى على فعل أى شئ ، لدرجة أنه لم يعترض على زواج فؤاد من نور سوى بطلبه من فؤاد أن يخلع حلته .....!
اليوم الثانى فى الاسكندرية خريف 1973 نرى فى المشهد الاول قطار يقفز منه عسكرى ، يقابل حسن نادية إبنه نور التى ماتت منذ ستة سنوات ،
يشك حسن فى أن نادية إبنته ، وطوال اليوم الثانى يتحدث الجميع عن على الشجاع الجرئ الذى يهوى مصارعة الديوك وألقى بنفسه فى البئر ، ولكن شخصية على لا تظهر فى الاحداث ، إنما يظل هو البطل الهيرو الذى يتحدث عنه الجميع وربما يقصد به المخرج الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، يوصى على قبل وفاته بزواج نادية من "محمد شومان " الحشاش الذى يبدو أهبل فى اللحظات الاولى، لكنه مع مرور الاحداث داخل اليوم يتضح أنه شديد الذكاء ويتزوج من نادية رغما عنها ، وكالعادة يبدو حسن سلبيا لا يفعل شيئا وليس لديه فضولا ليرى جثة على
اليوم الثالث فى القاهرة خريف 2001 ، يظل حسن سلبيا ويقابل حفيده من نادية ويظل الكلام عن شجاعة الخال الجرئ "على" ، ويضحك حسن على حفيده مؤكدا له أنه شجاعا وحينما يدخل مشاجرة يجرى هو وحفيده هاربين وخائفين من الموت ، ولكن فجأة يصاب الحفيد بنزيف فى الانف ويذهب الى المستشفى لنكتشف أن هناك مشكلة فى أنفه التى لا تشبه أنف الجد ، يكتشف حسن أنهم جميعا ليسوا من نسله
الصورة كانت رائعة وهناك تشكيل فى الكادر وجماليات شاهدناها قبل ذلك فى كثير من الافلام كان اخرهم فيلم "باب الشمس " للمخرج يسرى نصرالله والمصور سمير بهزان ، أما شريط الصوت فكان رائعا وديكور أنسى ابو سيف أكثر جمالا ، وهذه هى الايجابيات داخل الفيلم ، اما السيناريو فكان رتيبا سيئا مملا يلعب فى مساحة بين الواقع والوجودية يقرأ الاحداث والشخصيات من خلال الزمان كاسرا وحدة الزمان والمكان الارسطية الشهيرة ، ولكن التنفيذ كان سيئا ولو قارنته بفيلم "رجال بدون نساء " للمخرجة الايرانية شيرين نشأت ، لاتضح الفارق بين الاثنان ، فيلم المخرجة الايرانية فيه الكثير من الحيوية ويستطيع أن يجذبك من البداية للنهاية على الرغم من إيقاعه البطئ ، "المسافر " لم اشعر فيه بوجود هوية بل هو تقليد للسينما الايطالية فى الستينات وتحديدا أعمال فللينى وهذا ماقاله الناقد "جاى ويسبرج " فى مجلة فاريتى بادئا مقاله بجملة "فللينى يجد مقلدا " ، والتقليد لا يصنع فيلما جيدا ، لذا حلى للبعض تسمية مخرج الفيلم أحمد ماهر بأنه فللينى السينما المصرية ، أما الحوار فكان مملا رتيبا تخرج الكلمات بصعوبة من على لسان الممثلين وبإيقاع شديد البطئ وكأنه يريد أن يقول ان حسن يولد فى الفيلم ويتطور بداخله، أداء الممثلين كان فيه الكثير من رتابة المخرج ، وهذا خطأ مزدوج بين المخرج أحمد ماهر وبين خالد النبوى تحديدا لان خالد أصبح يمتلك من الخبرة مايجعله يقف أمام المخرج رافضا أن يتحول للعبة فى يديه دون وجهة نظر ، وهو الفخ الذى خرج منه عمر الشريف ومحمد شومان ووقع فيه خالد النبوى وعمرو واكد ، أما سيرين عبد النور فكانت أسوأ من يؤدى دور "نور " لاننى لم أشعر بها طوال الاحداث أما شريف رمزى فقد كان مقبولا فى دور الحفيد واستفاد كثيرا من إيقاع عمر الشريف كممثل ، لقد بدا لى هذا الفيلم باردا بليدا ، وكأنك تقدم هدية رثة مغلفة بعلبة فخمة "الصورة " بها رائحة من أثمن العطور الفرنسية "الصوت " معمار داخلى جيد "الديكور " تصدح بأفضل أنواع الموسيقى "الموسيقى التصويرية لفتحى سلامة


ضوء على | أفلام وسينما جاك ريڤيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

جاك ريڤيت يعود بفيلم آخر عن الفن والحياة سيرة مخرج يرى فن السينما إبن المسرح



أحد الأفلام التي مرّت مرور الكرام في الدورة المنتهية من مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي هو
36 voes du Pic Saint-Loup
ويقود بطولته كل من سيرجيو كاستليتّو وأندريه ماركو وجين بيركن. وهو الفيلم رقم الثاني والثلاثين بين أفلام المخرج المخضرم البالغ من العمر حالياً 81 سنة. ريڤيت وألان رينيه (87 سنة) وإريك رومير (89 سنة) هم أكبر من لا يزال يتنفّس سينما في فرنسا ويحقق أفلاماً الى اليوم٠
فيلم ألان رينيه الأخير "عشب برّي" شهد عرضه العالمي الأول في "كان" هذا العام، وفيلم جاك ريڤيت الجديد هذا سيشهد عرضه العالمي الأول في الدورة الجديدة المقبلة من مهرجان ڤنيسيا الإيطالي٠

جاك ريڤيت أحد أصحاب الموجة الفرنسية الجديدة التي انبثقت في الخمسينات والتي كان قوامها مجموعة من المخرجين الطامين لتغيير الطريقة التي تسرد فيها الأفلام الفرنسية حكاياتها ومواضيع تلك الحكايات الى حد بعيد. كان زميلاً لجان- لوك غودار وكلود شابرول وإريك رومير وفرنسوا تروفو، لكن شيئاً ما حدث بعد ذلك بوقت قصير: كل واحد من هؤلاء حقق شهرة قاطبة باستثناء ريڤيت

مثل المذكورين هنا، كان ريڤيت ناقداً سينمائياً مولعاً بالأفلام حين بدأ الكتابة في المجلة التي خرّجت كل هؤلاء كاييه دو سينما. قبل ذلك كان وُلد في سنة 1928في مدينة رووَن وانتقل الى باريس حيث كتب النقد السينمائي في مجلة »غازيت دو سينما« التي كان يديرها إربك رومير. حين أخذ يحقق أفلامه الأولى من العام 1960 أبدى ميلا واضحاً نحو التجريبية كما لم يفعل أي من أترابه الى حين أخذ جان-لوك غودار، وفي أسلوبه ومنحاه الخاصّين، بتحقيق تلك الأفلام ذات الهوية التجريبية بدورها٠

في تلك الأثناء، كان نقاد السينما الفرنسية الأكثر شهرة (والأقل ميولاً للتغيير) يعتبرون أن السينما الفرنسية هي سينما النوعية، أما الأميركية فهي سينما الترفيه والهزل والحركة. ريڤيت كان من الذين سعوا لتبديل هذه النظرة: هناك أفلام أميركية كثيرة للترفيه والهزل والحركة، لكن ضمن هذه الأفلام هناك عدداً كبيراً من الإنتاجات الجيّدة منفّذة بأساليب فنية صارمة. في نطاق كتاباته عن هذا الموضوع كشف، وزملاءه، عن الخصائص الفنية المهمة لدى نيكولاس راي وهوارد هوكس وجون فورد (في حين اتجه كلود شابرول وفرنسوا تروفو صوب تأكيد أهمية ألفرد هيتشكوك)٠

Paris nous Appartient

تمارين شكسبيرية
ما بين العام 1958 والعام 1960 وقعت نقلة نوعية للسينما الفرنسية حين أقدم أربعة من نقاد فرنسا على تحقيق أولى أفلامهم. الباديء كان كلود شابرول الذي أخرج »سيرج الجميل« سنة 1958، تبعه ريڤيت بفيلمه
Paris nous Appartient
ثم فرنسوا تروفو بـ »النفخات الأربعمئة« سنة 1959 وبعد ذلك أقدم جان-لوك غودار على إخراج فيلمه الأول »نفس لاهث«. لكن فيلم ريڤيت وصل آخراً الى دور العرض لأنه لم يستطع تكملة فيلمه ذاك لعدم وجود التمويل الكافي ٠
النظر الى »باريس تنتمي لنا« اليوم يفي بشروط العمل الذي يحيا لسنوات بعد إنجازه. في الأساس هو مشاهد بلا حبكة تقليدية حول فريق من الممثلين المسرحيين يتمرّنون على مسرحية وليام شكسبير »برسيليس«٠
التمارين ليست سوى تبرير المخرج لوضع الحياة الباريسية تحت المجهر في تلك الفترة الزمنية المحددة، لكن التحديد هو ضمن الفيلم، ما يتجاوزه هو أن الحياة التي يرصدها هي حياة قلقة ومخيفة وتحمل نظرة غير إجتماعية للعالم بأسره ما يجعل الفيلم اليوم يبدو كما لو كان تعليقاً على أيامنا هذه. لا عجب أن المخرج اهتم بالفضاء والمسافات وما قد يحمله تصميمَي المناظر والتصوير من رمزيات ما حدا بنقاد ذلك الحين الى اعتبار عمله لغزياً ويحمل قدراً من البارانويا. وهذا أمر لا يخفيه المخرج بل على العكس لاحقاً ما عمل عليه أكثر من مرّة. لأن ما خطّه بالطبشور في فيلمه الأول تحوّل الى كتابة واثقة في الأفلام اللاحقة مثل
L'Amour fou و Celine et Julie Vont en Bateau
La Bande des Quatre و
والجامع بين هذه الأفلام الثلاثة التي تمتد من أواخر الستينات الى أواخر الثمانينات، وبين أفلام أخرى له هو الشغل على المعالجات المسرحية، ليس إدائياً ولا ديكوراتياً بل على أساس أن كل شيء يحدث في هذا العالم يمكن له أن يحدث في بؤرة مصغّرة بين إثنين من الممثلين٠

بداية الشغل على التعقيد

والبؤرة المصغّرة كانت قادرة من فيلمه الأول وما بعد، لأن تجعل المشاهد يعيش ترقّباً ثقافياً إذا جاز التعبير. فأعماله لا تتحدّث عن البارانويا ونظرية المؤامرة والخطر المحدق من خلال أحداث ومفارقات تفرز هذه الطروحات على شكل مشاهد او حوارات، بل تنقلها كما لو كانت ترداداً لصدى منتشر داخل وخارج الصالة. أيام ذاك، لابد من القول، كان خطر الحرب النووية سائداً وأحد مخاوف المخرج المترجمة الى الشاشة عن طريق تلك الطروحات هو وقوع تلك الحرب وما سيؤول اليه المجتمع إذا ما حدث ذلك. وهذا موقف سياسي سريعاً ما أكّده حين ترأس تحرير مجلة »كاييه دو سينما« (1963-1965) بديلا لزميله إريك رومير الأرق حاشية. ثم عاد الى الإخراج ليقدّم فيلمه الثاني »الآثار المقدّسة« عن رواية لدنيس ديديرو ناصباً في البطولة أنا كارينا، الممثلة التي كانت زوجة زميله جان-لوك غودار آنذاك٠
الفيلم أثار الكنيسة الكاثوليكية ودفع الحكومة الديغولية الى منعه (يُقال أنها وجدت نفسها مُنتقدة) لكن المشكلة المثيرة للإهتمام هي أن هذا الفيلم هو أقل أفلام ريڤيت أهمية من حيث أسلوب العمل والإبداع. أكثر من ذلك، هو فيلم معمول على مسطرة السينما التقليدية في الأربعينات . إنه كما لو أن المخرج أراد النيل من التقاليد والمسلّمات الإجتماعية بطرحها عبر أسلوب كلاسيكي شبيه بأفلام جان بوييه وكلود أوتان-لارا (الذي واصل تحقيق أفلامه الى السبعينات وشوهد العديد منها في بيروت قبل الحرب) وروبير فرناي وسواهم٠

بعد ذلك، عاد ريڤيت الى منواله وحافظ عليه. في »باريس تنتمي لنا" بداية شغله على »تعقيد« النظرة الى الفيلم موغلاً بأسلوبه الخاص في تأسيس علاقة جديدة بين السينما والمسرح. هذه العلاقة بدأت هنا وتطوّرت في أعماله اللاحقة. في فيلمه الثالث
L'amur fou غبي حب
نراه يلاحق منتجاً وممثلة يستعدّان لتقديم مسرحية »أندروماك« لجان راسين (كانت ثالث أعماله المسرحية كتبها وهو في سن السابعة والعشرين وتم تقديمها لأول مرة في السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1667). كون المنتج والممثلة متزوّجان لن يغيّر في طبيعة العلاقة الفنية شيئاً، لكن ريڤيت يستخدم العلاقة الخاصّة لمد خط متواز مع القصّة، ولكي يفعل ذلك جعلهما موضوع فيلم تسجيلي يقوم بتصويره (فيلم داخل فيلم) فريق آخر. بذلك صار لدينا جهتان نتعامل معهما وثلاث اهتمامات: بولي أوغيير في دور الممثلة كلير وجان- بير كالفون في دور المنتج سيباستيان وهما يتحدّثان مسرح وفن، ثم هما كزوجين موضوع فيلم تسجيلي، و، ثالثاً، الفيلم التسجيلي و ريڤيت هنا أصر على جلب فريق عمل منفصل لتصوير الفيلم داخل الفيلم إمعاناً في واقعية الأمور وابتعاداً عن الحاجة لسرد درامي يتعلّق بالجانب الثالث

تركيبة صعبة لكن الحكاية لا تخلو من مواقع مثيرة للإهتمام، لأن المخرج يدرك أنه في النهاية عليه استحواذ قصّة درامية من خلال تركيبته الأسلوبية الصعبة، وهو يفعل ذلك عن طريق التطرّق الى موضوع سنراه مؤثَراً
لديه وهو هشاشة العلاقات الإنسانية حتى بين زوجين تعاضدتا عن حب٠ ففي طيّات أيام من التمارين والإستعدادات وقيام فريق عمل بتصوير الفيلم (والمخرج ريڤيت ينتقل من الـ 35 مم الى 16مم إمعاناً في التفرقة بين الفيلمين) يصطدم المنتج بعقبة التمويل ويؤثر إخفاقه والضغط الذي تعرّضت اليه الممثلة لإنجاز دورها الى تهاوي العلاقة بينهما٠
التأسيس المسرحي في السينما استمر في أفلام ريڤيت المتلاحقة كما "سيلين وجولي يبحران بالمركب« او
Celine et Julie vont en Bateau تحديداً
Out One: Noli me Tangere و"المخلص" وفيلميه المعنونين
Out One: Spectre و
سنة 1971 و1972 على التوالي (الثاني نسخة موجزة م الأول الذي وصلت مدّته الى ثلاثة عشر ساعة)٠
قلت التأسيس المسرحي في السينما لكن ربما فضّل المخرج القول: التأسيس السينمائي في المسرح، فهو صاحب قول يدعو للتمعّن (والنقاش) وهو أن "كل الأفلام عن المسرح"٠
ماذا عن فيلم مثل »المواطن كاين« لأورسن وَلز او »سايكو« لهيتشكوك او حتى »سارق الدرّاجة« لدي سيكا؟
يتشبّث ريڤيت: " كل الأفلام عن المسرح"٠
التعبير هنا يختلف عن القول" "أصل السينما مسرح" او حتى عن "كل السينما مسرح"، فهو يحدّد النتائج التي يفرزها في السينما ونعرفها نحن بكلمة "أفلام" مع ما تحمله من أساليب في العرض والتأليف والتصوير واستخدام الزمان والمكان الخ...٠

ثلاثة عشر
من دون أن نحيد عن موضوعنا الأساسي (ولا أرى كيف يمكن لنا ذلك إذا ما كان هذا الطرح من صلب سينما ريڤيت) فإن ما يقوله متردد في كتابات الناقد والمؤرخ أندريه بازان في مقالته المعنونة "المسرح والسينما"٠


La Belle noiseuse

بالنسبة لبازان "المسرح موجود بفضل جانبه العكسي وغيابه عن كل شيء وراء ذلك. مثل اللوحة هي موجودة بفضل إطارها"٠
الجانب العكسي هو الخشبة والأقمشة والمسامير التي تمكّن المسرحية من أن تتجسّد في حياة- لكن ما عدا ذلك فهي "منفصلة عن الحياة تماما" كما يقول بازان مضيفاً "وهي بذلك منفصلة عن السينما"٠
هذا المفهوم يجعل من السينما التي تتحلّى بالقدرة على الحركة متعاملة مع شؤون الحياة بحرية بلا إطار لوحات ولا خشبة مسرح، ما يعمل ضد مفهوم كلا من بازان و ريڤيت الا إذا ما أعاد المخرج السينما الى التعامل المسرحي مؤسساً كل شيء، من أسلوب عرضه وسرده الى موضوعه ليدور حول المسرح وهذا يخدم، في الوقت ذاته، مسألة أن الشخصيات المحدودة تستطيع، كما الحال في المسرح، احتواء كل العالم عن طريق مشاغلها وهمومها وحواراتها٠
والمكان لا يجب أن يكون مغلقاً عند ريڤيت لكي ينقلنا الى المسرح وشروطه او مفهومه لديه. في »آوت وان" اقتباس عن رواية بلزاك يدور حول ثلاثة عشر شخصية تعيش في باريس وإثنان منهم (معظم الباقين لن يتعارفوا) وهما جان-بيير ليو (الذي كان وجهاً مألوفاً في أفلام تروفو) وجولييت برتو، يتعاونان لمواجهة ما اعتبراه مؤامرة يصيغها المجتمع لإبقاء الصلات والعلاقات مقطوعة بين البشر٠ هذا الفيلم، والنسخة المصغّرة منه التي بفضل مونتاج المخرج لها بدت فيلماً جديداً، توّج المخرج كصاحب نظرية مؤامرة تختلف عن النظريات الممارسة في أفلام السبعينات الأميركية (مثل "بارالاكس فيو« لألان ج. باكولا و»ثلاثة أيام من الكوندور« لسيدني بولاك و»المحادثة« لفرنسيس فورد كوبولا) في أنها لا تكترث لكشف اللغز وتحديد المصدر او الإجابة علي الأسئلة لأن أيا من هذه المحاولات هو تحويل الفيلم »الريفيتي« الى مجرد قصّة تدخل وتخرج منها بحريّة كما لو كانت تجربة تستعيد فيها حريّتك بمجرد أن يطمئنك الفيلم الى الحلول او يحدد لك المسؤوليات٠
لكن »آوت وان« مهم لأسباب أخرى بعضها يتقاطع مع بعض. في البداية خمسة أجساد صغيرة . ثابتة. معلّقة بلا حياة ظاهرة (ولو أننا ندرك لاحقاً إنها حيّة) بشكل مقلوب. إنها لخمسة شخصيات مجمّدة ندرك حين تتضّح الرؤية أنهم ممثلون في التدريب. لكن المعنى المعمّق لمدخل الفيلم يتعلّق، مسرحياً أيضاً، بولادة كل منهم الى هذه الحياة. الخطوات التي أدّت الى الحياة ربما ليست طبيعية، بل ربما كان هؤلاء من الثلاثة عشر فرداً الذين تم صنعهم وإطلاقهم في الحياة الباريسية لكي تتابعهم كاميرا الفيلم وتسبر غور علاقاتهم المختلفة٠
بالنسبة لمخرج دائماً ما يكترث لتحديد هويّات شخصياته، فإنه من الغريب أن يعمد هنا الى ترك تلك الهويّات مفتوحة ولو أنها شخصيات تحتوي على العمق المُتاح في كل أفلامه الأخرى. عدم تحديد هويّاتها مناسب من حيث أنه إذا لم تكن مخلوقات إنسانية فعلاً، فإن هويّاتها ليست ذات أهميّة، وربما لا يمكن تكوينها. ما يمكن تكوينه ونراه في ساعات الفيلم اللاحقة، هو مصائرها

حركة الريشة
في الثمانينات أنجز عدداً من الأفلام المهمّة الأخرى من بينها نسخته من رواية إميلي برونتي »مرتفعات ويذرنغ« و»جسر الشمال« و»حب الأرض«. وأحد أهم أفلام تلك الفترة »عصبة الأربعة« او
Bande des quatre
الذي ينطلق من تقديم أربعة ممثلين مسرحيين يظهر لهم رجل غامض ليخبر كل منهم أن صديقاً له في خطر. إذاً: أربعة ممثلين وأربعة أصدقاء لهم وأربعة حالات فيما يبدو أكثر أفلام المخرج اقتراباً من طرح »أوت وان« الشكلي على الأقل٠
في هذا الفيلم يتبيّن لنا المزيد عن السبب الذي وجد النقاد الفرنسيون (ثم سواهم) أن ريفيت مخرج أفلام ألغاز من دون ولوج الترجمة البوليسية للكلمة. مثل الحالات السابقة، فإن الألغاز تزداد هنا لكن المخرج سوف لن يكشفها من باب أنه لو فعل لتنازل عن حسّه المألوف بأن العالم مقبوض عليه من قوى تتآمر على من فيه٠ لكن عدم الكشف هذا، ونسبة لحذق المخرج في إدارة هذه الشخصيات على نحو يعوّض مسألة السرد التقليدي للحكاية، فإن المرء على استعداد ليقبل البارانويا التي يوردها المخرج ويمنحها ما تستحقه من إمعان وتفكير٠
La Belle noiseuse باشر ريڤيت فترة التسعينات بفيلم
والعنوان هو إسم لوحة فرنهوفر الشهيرة وفي دوره ميشيل بيكولي مع جين بيركن وامانويل بيارت. ومشاهدة الفيلم اليوم مثيرة كما كانت بالأمس. الفيلم مؤلف من نحو أربع ساعات وكان يمكن أن يكون من ساعتين جيّدتين، لولا أن المخرج يختار أن يمضي دقائق إضافية في كل مرّة يصوّر فيها مشهد قيام فرنهوفر برسم موضوعه متابعاً حركة الريشة وتأليف اللوحة مرحلة وراء أخرى. الموضوع بالطبع هي الشابة بيارت التي تعرّف عليها فرنهوفر في فترة بدا كما لو أن الوحي الفني غادره، فإذا بها تصبح ملهمته. إذ يسبر المخرج دقائق الرسّام مع موضوعه ذاك وبذات التقنيات الفنية، لا يفوته استعراض الغيرة التي تشعر بها زوجته (بيركن) من تلك العلاقة التي لا تعرف ما إذا كانت ستنتهي بعد انتهاء زوجها من اللوحة او أنها ستستمر٠

أفلام جاك ريڤيت لم تكن كلها متساوية الصفات ومتآخية العناصر كما لو كانت مصنوعة بجهاز اصطناعي لا يخطيء. بعضها أفضل من بعض لكن فقط في نطاق الدرجة التي يسمح فيها الموضوع للمخرج بإبداع إضافي. بكلمات أخرى، أعماله التي شاهدت (12 من أصل 28) مبدعة لكن بعضها أفضل من بعضها الآخر في هذا المجال٠
وهذا ما تؤكده كذلك الدراسات المنشورة عنه- إذ قلّما تجد أن الناقد المعيّن أعجب على نحو متساو بكل أفلامه، لكن معظمهم أعجب بأفلامه

من يعلم؟

هل اختلف شيء من ريڤيت في مطلعه و ريڤيت اليوم؟
نعم. اختلف الجمهور الذي واكب مرحلة السينما الفرنسية البديلة التي سُمّيت -عن حق- بـ "الموجة الجديدة". هذا الجمهور (نقاداً ونظّارة) أبدي إرتياباً حين قدّم المخرج الفرنسي فيلمه "من يعلم؟" في مطلع الألفية الجديدة. لكن الفيلم، لي على الأقل، هو رائعة أخرى من العلاقات الإنسانية في بيئة فنيّة أقل ما يمكن أن يُقال فيها أنها راقية (كشأن أفضل أفلامه): ستة شخصيات من الممثلين المسرحيين يعملون على نقل مسرحية للويجي بيرانديللو، القاص الإيطالي الذي نال جائزة نوبل للأدب سنة 1934، عامين فقط قبل وفاته، وفي الوقت ذاته يحاولون تصريف مشاعرهم العاطفية كل تجاه الآخر: بطلة الفيلم الرئيسية كاميل (جين باليبار) التي عادت الى باريس بعد ثلاث سنوات من الغياب لتكون لجانب زوجها (سيرجيو كاستيتللو) الذي سيخرج هذه المسرحية، التي تضم صديقها/ عشيقها السابق (جاك بونافي) المتزوّج حاليا من الممثلة صونيا التي تخونه مع الممثل آرثر (برونو تودوشيني) وعلى كاميل أن تحافظ على وضعها في هذه الشبكة التي تضم شخصيات أخرى لكنها تتمحور حول من ذكرت مع خيوط لا تخلو من الكوميديا العبثية خصوصاً حين يعمد آرثر الى سرقة عشيقته التي تطلب مساعدة كاميل التي تحاول تجنّب محاولات بيير الإيقاع بها في حبائله من جديد٠
وودي ألن يعرف هذا النوع من الأفلام، إذ دائماً ما يمارس قصص حب مع علاقات نطناطة، لكن فقط ريڤيت يمنحها جوهراً مختلفاً بعيداً عن الميلودراما وقريباً جدّاً من الحياة٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular