Sep 12, 2009

Year 3. Issue 455| جوائز مهرجان فنيسيا | المسافر : قراءة مفصّلة | أوراق ناقد

16.09.09


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أسفار

مررت بلندن قبل توجهي الى لوس أنجيليس (ومنها الى توسون) عر طريق باريس. ووجدت نفسي لا زلت أحب السفر خصوصاً حين يكون ذلك مرتبطاً بمهرجان ما. ولا أذكر سوى مرّات قليلة في حياتي، وقد سافرت مئات المرّات منذ أن كنت في السابعة عشر من عمري او نحوها، أني سافرت للسياحة او العطلة سوى مرّتين: مرّة كنت أبحث عن ملجأ هرباً من بيروت فبقيت في أثينا لشهرين ومرّة حين وجدت نفسي في قرية فرنسية منزوية وصغيرة استحملتها أربعة أيام فقط٠
ومرّة ثالثة في مطلع هذا العام حين ذهبت وزوجتي الى مرتفعات سيدونا في شمالي ولاية أريزونا حيث خلق الله جمالاً فوق جمال تشعر حياله بالرهبة٠

في لندن بحثت عن فيلم ايليا سليمان ولم أجد لكني التقطت »ضد المسيح« (الصورة) الذي سأكتب عنه في العدد المقبل من »فيلم ريدر« لجانب مهمّة نقد موجز لأكثر من ثلاثين فيلم شاهدتها في مهرجان فنيسيا. وكنت حاولت القيام بإحصاء مع بعض الزملاء لمعرفة ما هي أفضل خمسة أفلام شاهدها كل منهم لنشرها هنا، لكن الوحيد الذي وجدته أمامي، حين جاء موعد تسليم القوائم، لم يكن سوى الزميل يوسف شريف رزق الله، أما الباقون فكانوا لا يزالون ينتقلون من صالة الى أخرى. المهرجان، أي مهرجان، فرصة رائعة لرؤية العالم يفكّر ويستعرض او يثرثر٠
بالمناسبة، تغيب هذه الصفحة الى يوم الإثنين المقبل إن شاء الله بسبب عيد الفطر أعاده الله عليكم جميعاً بالخير يا رب٠
.......................................................................
لديك بريد

قاريء مجهول لم يشأ ذكر إسمه كتب رسالة ذكية يقول فيها

لم أشاهد بالطبع فيلم »المسافر« ولكن من الوصف الذي تذكره حضرتك في مشهد الجياد أستطيع أن أستذكر أخا له في فيلم التشويق والرعب (والمملوء بالجماليات رغم ذلك) الخاتم أو ذي رينج.. تذكر معي وقوف البطلة نعومي واتس على ظهر سفينة تقل جوادا واحدا وهو إذ تقترب يستشعر شؤم حضورها ويقفز من السفينة إلى الماء

جواب | حال قراءتي رسالتك تذكّرت، وكنت حين كتبت مراجعتي لفيلم »المسافر« أمضيت نحو دقيقة او دقيقتين أفكر فيما إذا كنت شاهدت مشهداً مماثلاً دون أن يكون لدي الوقت الكافي لكي أتأكد. ولعل ما ساعد في بعدي عن الصواب في هذه النقطة هو أني حين فكرت في الموضوع وجدت نفسي أبحث عن صور في البال من أفكار روسية وليس أميركية. كلامك صحيح، هناك ذلك المشهد الذي يرمي الحصان نفسه في الماء هرباً والآن بات عليّ مشاهدة الأصل الياباني لأعرف ما إذا كان المشهد ذاته موجود في نسخة 1998 التي أخرجها هايديو ناكاتا٠ شكراً للملاحظة٠

والصديق عبد الرحمن عيتاني كتب
تابعت مقالاتك من فنيسيا وأهنئك على ما بذلته من جهد في سبيل تغطية هي حقاً مختلفة ولابد أن الجهد كان كبيراً. وضعتنا هذه التغطية اليومية في قلب الحديث بالفعل. شكراً

جواب | واستمتعت جداً وأنا أفعل ذلك٠

ومن محمد بلخير
قرأت في العدد الجديد هذا خبراً قصيراً عن المخرج محمد الدراجي حول محاولته تأمين 150 ألف يورو لقاء بيع حقوق فيلمه الى مهرجانين عربيين. وعندي لك أستاذ محمد عدد من الاسئلة حول هذا الموضوع: ما الضرر في أن يبيع مخرج حقوق فيلمه الى مهرجان أو أكثر طالما أن هذا يؤمن له باب رزق مع العلم أن الأبواب موصدة في وجه المخرجين الجادين؟ ثانياً: أي مهرجانين تقصد؟ هل تقصد دبي وأبو ظبي؟ ثالثاً: لماذا حذفت المادة فلم تعد موجودة؟
ويختم
أريد أن أحيي تغطيتك لمهرجان البندقية لأنها كانت تغطية شاملة ومفيدة. شكراً وعذراً (على) التطويل وكثرة الاسئلة

جواب | الموضوع كان لفت نظر وبحاجة الى مزيد من التحقيق لذلك حذفته استراتيجياً، لكن المبدأ هو التالي: مثل هذه المبادرة إذا انتشرت، وهي الآن ستنتشر، ستضر ولن تنفع لأن كل مخرج لديه فيلماً يريد عرضه لمهرجان سيرفع يافطة تشبه يافطات الدكاكين المعروضة للأجار تقول: أدفع وخذ الفيلم لمهرجانك والمهرجانات في سبيل استحواذ برمييرات عربية ستفعل ذلك وسنجد أن السوق اتسع واضطرب وإذا بمهرجانات لا تدفع (مثل القاهرة ودمشق) ليس لديها ما تعرضه من أفلام جديدة. أعتقد أن هذا البزنس خطأ بصرف النظر عن المخرج (وأنا لا أعرف محمد الدارجي كثيراً) وبصرف النظر عن الفيلم٠ سأعود للموضوع في شكل واسع بعد فترة وجيزة٠ وشكرا للتحية٠

شكراً للأخ عمر منجونة وللأخت سمر على تحياتهما أيضاً

...........................................................................
الوداع الطويل

رحل الممثل باتريك سوايزي عن 57 عاماً و39 فيلماً ما بين 1979 حين لعب دوراً صغيراً في
Skatetown, USA
وبين فيلم شارك في أدواره الرئيسية لجانب جسيكا بيل وفورست ويتيكر وراي ليوتا بعنوان
Powder Blue
توجّه الي سوق الدي في دي مباشرة من مطلع صيف هذا العام٠ كان مثيراً للإهتمام تبعاً للفيلم الذي يشترك فيه وليس لأنه ممثل جيّد بالضرورة. برع في
The Outsiders
لفرنسيس فورد كوبولا (1983) حين شارك وجوهاً جديداً بطولة ذلك الفيلم الممتاز من بينهم س توماس هاول ومات ديلون ورالف ماكيو وروب لاو وإميليو استيفيز وحتى توم كروز ودايان لاين٠ ثم توجّه باتريك الى افلام الأكشن فظهر في
Red Dawn
Uncommon Valor الذي سيعاد إنتاجه قريباً وفي
Grandview, USA ثم لجأ الى الدراما في
Dirty Dancing ثم برع في الرقص في فيلم رديء هو
قبل أن يتحوّل الى شبح في »شبح« أحد أسوأ إنتاجات ستيفن سبيلبرغ (أخرجه ديفيد زوكر)٠
Steel Dawn, Road House, Next of Kin
Point Break و
عاد الى جادّة أفلام القوّة والأكشن ثم نوّع أكثر لاحقاً٠
قابلته مرّة واحدة حيث تحدّث عن عودته الى الأضواء التي كانت انحسرت عنه قبل نهاية تسعينات القرن الماضي وحتى مطلع العقد الحالي٠



أوراق فينسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جوائز مهرجان فنيسيا: الغلط والمغلوط


كان على رئيس لجنة التحكيم المخرج الأميركي ذي الأصل الصيني آنغ لي، وهو مخرج محنّك لديه أفلاماً جيّدة في أكثر من نوع من بينها فيلم حربي بعنوان
Ride with the Devil
سنة 1999، أن يعلم أن الفارق بين الفيلم الجيّد والفيلم المنفّذ جيّداً هو فارق كبير وبالتالي فإن الفيلم الذي يرفع عنوان »لبنان« ليقتات عليه، وهو الفيلم الإسرائيلي المشترك في المسابقة لسامويل عاموز، هو تنفيذ جيّد من حيث وضع الكاميرا في مكان مغلق وهات يا تصوير. لكن ما يمنح الفيلم، أي فيلم، فنيّته، هو الرؤيا الأصعب تنفيذاً والتي لا علاقة لها بما إذا كانت الكاميرا محبوسة بين أربع جدران او طليقة، بل بكيف تترجم المادة التي لديك الى فن وبلاغة في التعبير. في هذا الحقل فإن الفيلم الإسرائيلي »لبنان« الذي فاز بذهبية الدورة السادسة والستين، ليس فيلماً فنيّاً على الإطلاق٠
ما يبدو محتملاً أن لجنة التحكيم بُهرت بفرادة الموضوع وطريقة التنفيذ كما فعل العديد من النقاد الغربيين والإيطاليين على وجه التحديد. لكن هذا الإبهار خطف الأنظار بعيداً عن الفيلم الأميركي »الحياة خلال الحرب« لتد سولونز والفيلم الأميركي التسجيلي »الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور والدراما الألمانية »مطبخ روحي« لفاتح أكين، كما من الفيلم النمساوي »لوردز« لجسيكا هاوزنر وكلّها نالت ذات الإستحسان الكبير بين النقاد العالميين٠
لم يكن لدى هذا الناقد شك حال انتهى عرض »لبنان« في حفلته الأولى وسط تصفيق وتحية وقوف طويلة، أن الفيلم إنما ضرب عصباً بين النقاد الغربيين وأن ذات العصب قد يصيبه حين يعرض أمره في جلسات لجنة التحكيم، وهكذا كان. فاللجنة، حسب ما تسلل من اجتماعها الأخيرة واجهت صعوبة في الوصول الى كيفية توزيع الجوائز وكان هناك جدال حتى على كل الأفلام والشخصيات التي فازت٠
بعض الإعجاب الكبير بالفيلم راجع الى قراءة مغلوطة في طابعه السياسي اذ اعتبر كثيرون من النقاد الغربيين أن الفيلم إنما يعادي الحرب وكونه عملاً إسرائيلياً فإن ذلك يعني إنه يعارض الحرب الإسرائيلية وينتقد عسكرها. لكن الحقيقة أنه لا يعارض شيئاً، بل يتحدّث عن الأزمة النفسية التي عانى منها أربعة جنود داخل دبّابة وليس كل فيلم عن معاناة جندي او أكثر هو فيلم ضد الحرب. على العكس هو ضد الآخرين في تلك الحرب ويخلو تماماً من كل تحليل سياسي٠
وإذا ما أراد المخرج، كما يقولون هنا، نقل الخوف الذي اعترى الجنود الإسرائيليين داخل الدبّابة، فإن الخطوة التالية لترجمة ذلك هو التساؤل حول السبب الذي دفع اسرائيل لغزو لبنان العام 1982. والغالب أنه مريح للأفئدة الغربية أن يكون الفيلم على ما هو عليه بعيداً عن طرح نقاش حول السياسة الإسرائيلية، وهذا سبب آخر لفوزه علماً بأن الفيلم ذاته يحقق ما تحاول السينما الإسرائيلية ذاتها تحقيقه في مهرجان تورنتو من خلال الإحتفاء بمدينة تل أبيب في السينما وهو استعادة أرض إعلامية فقدتها بسبب أفلام فلسطينية وفّرت للمشاهد الغربي رؤية مختلفة ومتناقضة لذلك الكيان العنصري، وبسبب شهر المذابح التي قامت بها في غزّة قبل أشهر قليلة٠

الجوائز الأخرى

جائزة أفضل إخراج ذهبت للمخجة الإيرانية شيرين نزهت التي ربحت الفضيّة عن فيلمها الأول »نساء بلا رجال« وتستحق هذه الجائزة بلا ريب: أربع نساء في خضم أحداث 1953 ووسط متاعب كل منهن مع مجتمع تسيطر عليه علاقات جافّة وتقاليد صارمة٠
الفيلم الأميركي »الحياة خلال الحرب« (وهو لا علاقة فعلية له بالحرب) لتود سولنتز نال جائزة أفضل سيناريو وهو يستحق ذلك ولو أن السيناريو يحمل في طيّاته ذلك القدر من التكرار في المواقف الذي سيبقي بعضنا بعيداً عن تقدير الفيلم حق قدره٠
وجائزة أفضل ممثل نالها البريطاني كولين فيرث عن دوره في دراما حول رجل مثلي يفتقد شريكه ويزمع الإنتحار لولا أن محيطاً جديداً من الشخصيات يمنحه الأمل. الفيلم هو
A Single Man
للمخرج الجديد توم فورد٠
أما مثيل هذه الجائزة نسائياً فكانت من نصيب الروسية كسينيا رابوبوت عن دورها في »الساعة المزدوجة« وهو فيلم إيطالي للمخرج جيزيبي كابوتوندي. ونال المخرج الألماني (ذي الأصل التركي) فاتح أكين جائزة لجنة التحكيم عن عمله الجديد (الروائي الثالث) »مطبخ روحي«٠
أكين وسولوندز مخرجان جديدان لكن الجوائز، بما فيها الأولى، من نصيب مخرجين لأول مرّة ما يمنح الجوائز طابعاً خاصّاً كونه استبعد مخرجين تداولوا السينما مراراً وتكراراً ومنهم مايكل مور عن »الرأسمالية: قصّة حب« وبياتريس شيو عن »اضطهاد« وجاك ريفيت عن »حول الجبل الصغير« وجوزيبي تورناتوري »باريا« الذي افتتح المهرجان وخسر معركته من حينها٠


حدث ذات مسافر
1

توالت الأحداث هنا على نحو متسارع مع اقتراب المهرجان لنهايته
ومحورها، بالنسبة للسينما المصرية على الأقل، هو فيلم »المسافر« لأحمد ماهر الذي سبق لي وأن لمسته من الخارج بكلمة سريعة، وأعود إليه اليوم في قراءة أكثر تفصيلاً. بنتيجة هذه القراءة أن فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد-صفر« لا يزال أفضل من »المسافر« على معظم الأصعدة وبل يرى العديد من النقاد الغربيين الذين التقيت بهم أنه هو الأجدر بتقديمه في المسابقة٠
والسيدة إلهام شاهين تخبرني أن ماركو مولر كان يريده للمسابقة أساساً لولا أن شروط المسابقة لم تنطبق على الفيلم كون هذا سبق له وأن عُرض خارج مصر٠ وديريك ألي، وموقعه في مجلة فاراياتي الشهيرة »كبير النقاد الأوروبيين« يسألني كيف تم انتخاب هذا الفيلم ولا أقول له لأني لست في وارد نشر الإشاعات٠
لكن »المسافر« قسّم الوفد المصري او بعض أعضائه على الأقل الى قسمين مع وضد: كثير من النقاد المصريين ضده ولكنهم جميعاً مع »واحد-صفر« هذا قبل أن يدلو الممثل عمر الشريف بدلوه فيتسبب في ردّات فعل سادت الليلة التي تلت افتتاح الفيلم، فقد سألته قناة النيل (لكني لا أدري إذا ما بثّت الفقرة) عن رأيه في الفيلم فقال لها، وهو منفعل بغضب، أن الفيلم بشع ولم يعجبه، ثم صعد الى غرفته٠

2
مجلة إيطالية تصدر يومياً في المهرجان سألت 22 ناقداً عالمياً (عشرة يكتبون في صحف غير إيطالية وإثنا عشر يكتبون في صحف إيطالية) آرائهم في كل أفلام المسابقة الى حين العدد (22 فيلم) فجاء »المسافر« في المركز الـ........... 22! للأسف (وأعني كلمة للأسف)٠
الأفلام الخمسة الأولى حسب النقاد هي
1. Life During War
2. Capitalism
3. Soul Kitchen
4. Lebanon
5. Bad Lieutenant




المسافر مرّة أخرى | محمد رُضا
لا الفكرة تصل ولا أحمد ماهر فديريكو فيلليني


لدي اسئلة لم أجد إجابات عليها لا على الشاشة ولا من الزملاء المصريين (علا الشافعي، يوسف شريف رزق الله، أحمد فايق وآخرين) سألتهم إزالة ذلك الإلتباس ووجدت أن معظمهم خرج أيضاً من الفيلم وهو يشعر بأنه حدّق في الشاشة لساعتين محاولاً جهده تكوين رأي او فكرة او وضع اليد على كنه الرسالة ولم يستطع

في نهاية أمر »المسافر« فإن السؤال الواحد الذي يلخّص كل الاسئلة هو حول ما إذا استطاع حقّاً تجسيد ما يريد قوله، والأهم.... ما هو هذا الشيء الذي يريد قوله؟
ثلاثة فصول كل منها يقع في خريف عام معين
يبدأ الفيلم أحداثه سنة 1948 لينطلق بعد ذلك الى أحداث خريف 1973 ثم الى أحداث خريف العام 2001 وإذا ما بدت هذه التواريخ محددة بأحداث جسام (ضياع فلسطين، حرب أكتوبر ثم كارثة الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر) فإن المغزى من إختيار تلك السنوات كأطر لأحداث الفيلم المنتقلة من مرحلة الى أخرى ليس واضحاً الا في مخيّلة المخرج أحمد ماهر
طبعاً لن يُخفى على المشاهد الممعن أن الفيلم مليء بالرمزيات بينها رمز للمرأة التي يسرد الفيلم في جزئه الأول حكايتها فهي (غالباً؟) فلسطين (ولو أني سمعت من يقول أنها مصر) ما يجعلها رمزاً لفلسطين (او مصر) هو فعل اغتصاب تتعرّض إليه. لكن المغتصب ليس أجنبياً (حتى لا أقول يهودياً) ما يجعل المسألة تعاني من عدم القدرة على تأمين عناصر الرمز بحيث لا يتوزّع الإهتمام (هل هي مصر؟ هل هي فلسطين؟ او هل هي مجرد فتاة في قصّة؟) وهذا ما سيتكرر في كل منعطف من منعطفات الفيلم الذي يتلو حكاية متّصلة بالتاريخ السابق في كل مرّة. يتحدّث عن الشاب ثم الرجل ثم العجوز الذي قد، وقد لا، يكون هو الشخص ذاته. نسمع هذا قريب ذاك وتلك إبنة تلك وشقيقها الميت يكون كذا ونرى عمر الشريف في نهاية الفيلم يشكك في أن الشاب ذي الأنف المميّز بانعكافه قد يكون حفيده رغم أنه يكره أن يكون إبناً للرجل الذي تزوّجت الفتاة التي اغتصبها (هو أو سواه) سنة النكبة٠

الخوف أن لا يكون سوى توظيف للأحداث المصرية والعالمية في تلك السنوات من دون دلالات دامغة او محددة. إذا كان المخرج يقصد فعلاً مثل هذه الدلالات لمعان يعتقدها موجودة في الفيلم، فإن الفيلم بحاجة الى أكثر من مجرد القصد لإنجاز مهمّة الربط بين الحدث المرتسم على الشاشة وبين التاريخ خصوصاً وأنه مرّة واحدة يتم في الحوار ذكر الحدث الأعم وذلك في الفصل المنتمي لأحداث العام 1973 عندما تذكّر إحدى الشخصيات شخصية أخرى بأن الدنيا في حرب٠
خالد النبوي يؤدي شخصية عمر الشريف في شبابه في الاسكندرية العام 1948 ونراه يبحث عن فتاة لينقذها من رجل سيتزوّجها. يقول بصوت عمر الشريف »أغار من رجل لم التق به على إمرأة لا أعرفها". حين يجدها على ظهر باخرة يتقدّم منها بليونته ولطفه ويراها بعد قليل تراقص آخر. يغيّر منواله، بناءاً على نصيحة كابتن الباخرة، ويتقدم منها مرّة ثانية ويمارس معها الحب عنوة ثم نجده قد سقط في البحر بينما يصل عريسها الذي يحمل أنفاً مختلفاً عن أنفه سيكون له دلالته في فصل لاحق٠
ننتقل الى العام 1973 وهذه الفتاة الشابّة قد تكون إبنته وأخيها قد يكون إبن زوج المرأة التي أحب وهذا الجزء من الأحداث يمط عرضا وطولاً ولست واثقاً عما يتحدّث عنه ليس لأنه لغزي على طريقة تاركوفسكي او برغمن بل لأن حواره ليس شفّافاً لكي يسهم في ايضاح النقاط ولا الأحداث وسيلة لربط المفارقات وسد الثغرات. الأمثلة أكثر من أن تحصى لكن، ومن قبيل المثل لا أكثر، ماذا تعني حركة بطل الفيلم حين يطلب من الفتاة دخول المشرحة وحدها إذ هو سيشتري علبة سغائر. يتركها، ويمضي الى بائع جوّال يشرب عنده زجاجة صودا (كازوزة) ثم يعود من دون سغائر والمشهد التالي يقف معها خارج المشرحة يتحدّث الى البوّاب. ماذا يعني ترك هذه القصّة الثانية وفترتها معلّقتين من دون استنتاج والإنتقال الى الثالثة؟
ماذا عن كل الفصل الذي يقع بين عمر الشريف وبين من يمكن أن يكون حفيده (حسب اعتقاده) من جهة وبين مدير بزنس صراع الديكة؟ لماذا هذا الفصل من الأحداث وما علاقته بكل ما سبقه؟ إنه يقول شيئاً عن الجد وحفيده ومسل بحد ذاته، لكنه لا يلتحم جيّداً مع سواه من الفصول٠
ويستطيع المرء أن يواصل طرح الاسئلة من هذا النوع وهي كثيرة، لكن عليه أن لا يغفل أن هناك حسنات في خانة تأسيس وتصميم المشهد وأفكار نيّرة (مثلاً مثل مشهد إلقاء الجياد بنفسها من ظهر الباخرة الى البحر الذي لا أعتقد أن أحداً سبق أحمد ماهر إليه). لكن إلقاء الجياد بنفسها في الماء متّصل بفكرة أن شخصية خالد النبوي أضرمت النار في عنبر مليء بالحيوانات. لماذا؟ لا تعلم. لماذا تلك الحيوانات في الباخرة؟ لا دلالة٠
وهذا نموذج لمشهد جميل التركيب والإيحاء وبصرياً لافت، لكنه آت بلا دلالات موضوعية ولا تواصل مع افكار محددة. الرمزية ليست أنك تصنع فيلماً لا يفهمه أحد، بل هي أن تصنع فيلماً يمكن للرمز أن يأخذ شكلاً ويترك تأثيراً وبالتالي لا يبقى تأويلات مفتوحة لا ماض لها٠

المسألة الغائبة الأخرى، لجانب عدم القدرة على استخدام الرمز على نحو مفيد او صحيح، ولجانب غياب التواصل بين المطلوب والنتائج، هو أن التمثيل جامد من قِبل الجميع لأن الشخصيات لا تتبلور على نحو صحيح والحوار يسيطر على تعابيرها وذلك باستنثاء تمثيل عمر الشريف الذي تتخلله الحياة عوض أن يبقى في كساد الصورة٠
في حديث للمخرج ذكر أن فديريكو فيلليني من بين المخرجين المفضّلين عنده. والتقط أحد الصحافيين الإيطاليين القول ليسأله في المؤتمر الصحافي عن ذلك معتبراً الفيلم »فيلينياً«. ثم جاء دور أحد نقاد مجلة فاراياتي (جاي وايزبيرغ) الذي بدأ مقالته بالعبارة التالية: فيلليني لديه مقلّد٠
الجزء الأول من الفيلم يحمل موقعاً حمله أحد أفلام فديريكو فيلليني الأخيرة وهو »السفينة تبحر«، الذي أخرجه سنة 1983 ودارت كل أحداثه فوق باخرة. لكن الموقع المكاني لمشهد او لفيلم لا يعني مطلقاً أن ذلك المشهد او ذلك الفيلم فيلينياً او برغمانياً او انطونونياً، وبالتالي المقارنة بفيلليني ليست صحيحة. حتى تكون المقارنة صحيحة مع أي سينمائي كبير على الفيلم أن يحتوي على الإلهام الواحد وطريقة التعبير المشابهة والفطنة إياها في معالجة الفيلم شكلاً ومضموناً. هذا ليس موجوداً في فيلم أحمد ماهر قصد التشبّه بفيلليني او لم يقصد٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular