Sep 10, 2009

Year 3. Issue 454 | واحد صفر لصالح "واحد صفر" | المسافر وأفلام أخرى


ملاحظات على جملة أفلام ومواضيع
إنتصار مصري رائع يجسّده فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر« وسؤال كبير حول »المسافر«٠
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا



في هذا العدد نقد للأفلام التالية
واحد صفر ****
المسافر ***
رجال بلا نساء ***
The Men Who Stare at Goats ***
Lebanon **


تمهيد

تحية لمصر من سينمائييها

فيلم كاملة أبو ذكرى "واحد صفر" ينتهي باحتفال شعبي كبير بانتصار مصر في مباراة كرة. تشعر بحب الشعب المصري لهويّته، ويأتي هذا الإنتصار كما لو كان يريد أن يغسل متاعب الأيام وشقاء الساعات وتبعات المحن المختلفة ولو إلى حين
لكن فحوى النهاية ليست التحية الوحيدة لمصر. »المسافر« أيضاً، رغم ملاحظاتي ونقاد آخرين كثر هنا عليه، هو تحيّة أخرى. ليس لأنه دخل المسابقة الرسمية. هذا شيء رائع لكنه ليس الأهم. إنه تحيّة أخرى من حيث أن كل مرّة يُتاح لمخرج مصري التمتّع بما تمتّع به أحمد ماهر، مخرج »المسافر« وبما تمتّعت به كاملة أبو ذكرى، من إمكانيات وثقة وفي كل مرّة يبذل فيه السينمائي المصري من أصغر ممثل الى المنتج مروراً بكل جوانب العمل السينمائي إنما يحيّي وطنه مصر وبل يحيينا جميعاً نحن العرب. والعكس حين يحدث، من انتصار عربي لأي هوية انتمى هو أيضاً انتصار لمصر لأننا في مركب واحد نجوب البحار معاً ونغرق- لا سمح الله- معاً

على يومين متواليين انطلقت عروض أربعة أفلام تمثّل، في حكاياتها كما في إنتاجات غالبها، المنطقة المتعارف على تسميتها بـ »الشرق الأوسط« وتضم هذا الجزء من العالم العربي والدول غير العربية التي تعيش في كنفه٠
يوم الأربعاء موعد عرض فيلمين مصريين مشتركين رسمياً في المهرجان. الأول هو »واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى (في مسابقة قسم »آفاق«) والثاني هو »المسافر« لأحمد ماهر (المسابقة الرئيسية) . في اليوم السابق له، تم عرض الفيلم الألماني »نساء بلا رجال«، الذي أخرجته ايرانية حول ايران الأمس أسمها شيرين نزهت وذلك بعد عرض الفيلم الوارد من الكيان المغتصب والذي عرضناه في التقرير الماضي وعنوانه »لبنان«٠
وإذا ما كان »لبنان« فيلماً خبيثاً مبطّنا بشخصيات تبدو جميعاً كما لو كانت حمامات سلام فَرَض عليها لبنان والعرب الحرب، فإن »تيمة« فيلم شيرين نزهت وحبكة فيلمها »نساء بلا رجال« لا تعوّضان فقط غياب الواقع السياسي للفيلم »الإسرائيلي«، بل تعوّض أيضاً غياب الفن الحقيقي فيه. بالنسبة لأولئك الذين يرون أن المخرج »الإسرائيلي« صاموئيل عاموز أقدم على إنجاز فني لكونه صوّر 99,99 بالمئة من فيلمه داخل دبّابة، فإن الإنجاز هو حسن تنفيذ تقني وليس عملاً فنيّاً جيّداً او رديئاً. في المقابل، فيلم شيرين نزهت التي وُلدت في إيران وتعيش في نيويورك وموّلت فيلمها هذا من شركة ألمانية تؤمن الفن للفيلم الذي تتناوله مصحوباً بلمسات شعرية رائعة في وصفها وفي سكونها ولحظاتها٠
WOMEN WITHOUT MEN
ذات مرّة في إيران



إنه عن أربعة نساء يعشن عالماً متوتّراً في حمى أزمة 1953 بين إيران والغرب. في ذلك العام، كان عمر حكومة محمد مصدّق قد بلغ سنتين، وكانت بريطانيا والمخابرات الأميركية تعمل على تقويض رئاسته للوزراء على الرغم من التأييد الكبير الذي كان يحظى به بين طبقات الشعب وهذا ما استطاع الغرب فعله فأصدر للشاه محمد رضا بهلوي أمراً للجيش بأن يتحرّك لإلقاء القبض على محمد صادق والسيطرة على الأمن المهتز في طهران وكانت تلك الحركة المضادّة هي مطلع سلسلة من الأفعال المضادّة لأي حركة شبابية او شعبية معادية للنظام قدّر لها أن تنمو الى حين قيام نظام الثورة الإسلامية. لكن سنوات طويلة قبل تلك الثورة كان الحزب الشيوعي في ايران من بين أكثر الأحزاب والجهات المعارضة للشاه نشاطاً وتم التعامل معه بحزم عن طريق جهاز السافاك المخابراتي
تنتقل المخرجة بين هذه الوقائع السياسية على الأرض (من دون ذكر الثورة الخمينية لا من قريب ولا من بعيد. فهي تحصر فيلمها في ذلك العام وتحيط بإتجاهات الشارع والنظام معاً من دون أن تفقد، في الوقت ذاته، ذلك الخيط الإنساني والأنثوي الجامع بين شخصياتها الأربعة: إمرأة بلغت الثلاثين ولا زالت غير راغبة بالزواج بسبب ما يكتنفه رأسها من عوامل تمرّد على الوضع، وصديقتها التي لا تجد من يأويها بعدما اغتصبها شابّان ذات ليلة، وعاهرة تتمرّد بدورها على وضعها ثم زوجة كولونيل في الجيش الإيراني تنهار أحلامها في علاقة عاطفية وهي التي تشعر بأنها تعيش على هامش الحياة كونها لم تعد قادرة على تحمّل زوجها المختلف والملتزم بشؤون عمله فوق واجباته الزوجية٠

مختلف
مصير ثلاثة من الأربعة الى بيت غامض يكمن وسط بستان كبير تسكنه أشجار عالية ويمر به نهر جميل، ساكن ووديع. يتقدّمه طريق طويل يبدو كما لو أنه يوصل السائر فيه ما بين الحياة الإجتماعية المرفوضة سياسياً واجتماعياً وبين أمل في حياة أفضل. وما تلبث ساكنات المنزل أن يشعرن بالتآلف ويجدن بعض القوّة النفسية في ذلك الجو المنعزل باستثناء أن المرض كان اشتد على العاهرة الشابّة بعدما وُجدت مغشى عليها في النهر، فماتت في الليلة التي تدعو فيه زوجة الكولونيل الى حفلة في القصر فيلبّي الدعوة رجال ونساء الطبقة العسكرية ورجال الأعمال المرفّهين. أما المرأة الرابعة، التي عادت، بشكل رمزي إنما غير مشبع، للحياة بعد انتحارها، فتنضم الى الحزب الشيوعي وتشهد إنهيار قوائمه في غارات ليليلة تضعها المخرجة متزامنة مع تلك الليلة التي تكتشف فيها أن الرجل الذي بالغ في لطفه معها لم يكن يحبّها كما اعتقدت بل ها هو يجلب الى الحفلة زوجة المستقبل: إمرأة أميركية. زوجة الكولونيل تغنّي أغنية حزينة ينتهي الفيلم بها٠
الفيلم مختلف في كل شؤونه عن الأفلام الإيرانية التي اعتدنا مشاهدتها وتحديداً على صعيد القصّة كما على صعيد الأسلوب. لا كاميرا محمولة ومهتزة كما لا حديث عن إيران اليوم لا مع الثورة الإيرانية ولا ضدّها. لكنه، في كل الأحوال، يبقى مرتبطاً بتاريخ ليس بعيداً عن الحاضر وبل معنياً ببحث ماضي هذا الواقع الآني من دون خطابة او مواقف. مشكلته في التنسيق بين الحكايات ذات الصدى الواقعي (الجانب السياسي من مظاهرات وفلتان أمني الخ...) وبين تلك ذات المستوى الشعري والرمزي. يبدو الفيلم غير متّحد في جانبيه وعدم تناسقه يؤدي الى اختلال توازنه العام٠

واحد صفر
مصر اليوم


فيلم كاملة أبو ذكرى »واحد صفر« يتحدّث عن مصر اليوم من خلال شخصيات عديدة تجسّدها نهاية تجمع بين معظم هذه الشخصيات. إنها القاهرة خلال يوم سينتهي بانتصار فريق كرة القدم المصري. كل الأحداث التي تقع خلال 24 ساعة سابقة ستؤدي الى تلك المباراة ليس لأن المباراة بذاتها لها علاقة مع ما يدور في ملعب الحياة، بل لأن النصر الذي سيحدث يصهر الخلافات ويوحّد الناس في نهاية تعكس حب المصريين لمصر رغم كل ما يعانونه من آلام فيها وأحياناً بسببها٠
شخصيات تبدو لا علاقة لأي منها بالآخر لوقت طويل: المرأة التي وصلت الى منتصف العمر او فوقه بقليل والتي تبيع مواد تجميلية تدّعي بأنها تزيل التجاعيد. لا نعرف أن الشاب الكوافير الذي يسرق من المحل الذي يعمل فيه أدوات عمله لكي يفتتح بها دكّانه الخاص هو إبنها الا بعد أن يُضبط ويُطرد ويلجأ الى بيت أمّه باحثاً عن المال الذي يعتقد إنها تخفيه. إحدى زبوناتها هي المرأة المسيحية المتقدّمة أيضاً في السن والنضج (إلهام شاهين) التي تعيش منفصلة عن زوجها وتكتشف إنها حبلى من عشيقها فتطلب من الكنيسة حلاً لأنها كانت طلبت الطلاق. هناك حلان، يقول لها المحامي: "إما رفع دعوى على الزوج او التحوّل عن الدين المسيحي الى الدين الإسلامي"٠
لا نعلم أن مقدّم أحد البرامج الترفيهية على الشاشة الصغيرة (خالد أبو النجا) هو عشيقها والد الجنين. إنه مدمن كحول وله نيّة النيل من ضيفته المغنيّة بهدف رفع أسهم برنامجه. هذه لديها عشيق (حسين الإمام) الذي يستغلّها جنسياً وفنيّاً لكنها تصرف على أمها وشقيقتها التي ترتدي الحجاب وهذه تأخذ لنفسها، ولأول مرّة، موعداً مع بائع السندويتشات الشاب الطيّب الذي بدأ في الوقوع في حبّها٠

في تلك الليلة الحاسمة سيضرب مقدّم البرنامج بسيارته صبياً صغيراً وسيتشابك الكوافير مع عشيق المغنية (لأن المغنية كانت صديقته منذ زمن) وسيلقى القبض على الفتاة المحجّبة والشاب بعدما كانت ردّت محاولات الشرطي عنها فعمد الى الإنتقام علماً بأنهما لم يكنا يفعلان شيئاً منكراً في الشارع كما يدّعي وستتجمّع كافة الخيوط في اللحظة التي يعلن فيها انتصار الفريق المصري لتنفجر مصر بالفرحين ولتذوب تلك المشاكل وغيرها في فرحة عارمة٠
تلك النهاية تجسيد لحب مصري يمسح، ولو لحين، كل تلك الآلام التي يعيشها الشعب المصري نتيجة الظروف الإقتصادية والأحلام الكبيرة التي تواجهها وتحول دون تحقيقها جدران من الإحباطات والمشاكل المختلفة٠
فيلم كاملة أبو ذكرى رائع في قدرته على التعامل مع كل تلك الخيوط من دون الغروق في أي من التبعات. لا حبكات ملتوية ولا غموض مواقف ولا غلاظة في عرض الأحداث. الممثلون جميعاً جيّدون خصوصاً غير المعروفين بالضرورة مثل نيلي كريم وأحمد الفيشاوي وانتصار والمخرجة تمنح ممثليها مواقف عصيبة يبرهنون فيها عن عواطفهم كما حسن إداءاتهم وترجماتهم لتلك العواطف. الناحية المتكررة الوحيدة التي يجب الوقوف عندها هي حركة الكاميرا ما بين شخصين في المشهد الواحد. ليس التصوير بذاته (فهو رائع بفضل نانسي عبد الفتاح) بل تصميم اللقطة التي حددتها المخرجة كما رأت أنها ضرورية٠

المسافر
مسافر الى أين؟


اما فيلم أحمد ماهر »المسافر« فهو فيلم تجريدي معاش بأحاسيس مختلفة ومنتم الى سينما ذات مشاهد بصرية تسيطر على العين لكنها لا تستطيع أن تقتحم الفؤاد او النفس. السبب هو أن هذه المشاهد تتبلور كجماليات مناخية مصنوعة لذاتها وغير متّصلة بأبعادها على نحو فعلي ما يجعلها مقطوعة بعيداً عن الواقع او مغتربة عن الأبعاد التي في بال مخرجها٠

فيلم أحمد ماهر، في هذا الصدد، عمل للنظر ثم الإنصراف. تتمتّع به العين لكن البال يلح في أن يستوعب ما هو وراء الصورة. وهذا ما كان يمكن له أن يصنع الفيلم الجيّد. مبدأياً، إذ أن الفيلم مليء بالتساؤلات التي لا تجد أجوبة، هو عن رجل مر في كل تلك العصور وبدأ بها باحثاً عن إمرأة ضاجعها وأنجب منها وانقطع عنها ثم تعرّف على إبنته التي مات شقيقها الذي يمكن أن يكون من زوج المرأة ثم على حفيده. لكن العلاقات ليست بهذه السهولة التي قد توحي بها الكلمات. ما بين كل شخصيّتين في هذا الفيلم (وهناك شخصيات أخرى عدّة أخرى غير هذه المذكورة) هو فراغ أبيض بنقاط غير موصولة. مساحات تنتظر من المخرج أن يعبّأها ولو ببعض الحياة لكنه لا يفعل٠
أحد النقاد ذكر أن هذا من شيم المخرجين الكبار وضرب مثلاً ثيو أنجيلوبولوس وألكسندر سوخاروف، لكن هذا في الظاهر: الإيقاع ورتابة الصورة والمناخ المشيّد جيّداً والمشاهد التي تثير التأمّل كلها موجودة، لكن في سينمات الآخرين ليست موجودة لكي تكون موجودة وحسب بل هناك قراءات ثرية تنضح بها الشاشة وليس مجرّد اسئلة لا يجد المشاهد، مهما كان قادراً على التحليل ومهما كان معجباً بما يراه، أجوبة عليها٠

THE MEN WHO STARE AT GOATS
ذات مرّة في العراق


وفي إطار عسكري أيضا يتقدّم الفيلم الأميركي »الرجال الذي حدّقوا بالماعز«: سيناريو نام في الأدراج طويلاً الى أن قرأه جورج كلوني فقرر شراء حقوقه لإنتاجه وهذا ما فعله مسندا الإخراج الى الجديد نوعاً غرانت هسلوف
كلوني يؤدي دوراً رئيسياً لجانب إيوان مكروغر وجف بردجز وكَفن سبايسي وروبرت باتريك٠ كوميديا سوداء ساخرة من العسكرتاريا والحروب من فييتنام الى العراق تحمل جرعة كبيرة من الجرأة من دون أن تكون سخريتها منصبّة على الجنود أنفسهم. بذلك هو قريب من »الملوك الثلاث« الذي قام جورج كلوني أيضاً ببطولته ومن »كاتش 22« و»ماش« و»دكتورسترانجلوف« وكلّها وجدت في الحرب مادّة للسخرية عما يقود للحرب وما يحدث فيها٠
الكتاب هو المصدر الأساسي وضعه جو رونسون سنة 2004 وتحدّث فيه عن حكايات غريبة الأحداث ادعى بأنها حقيقية. والفيلم يذكر في مقدّمته أن أغرب ما يرد في الفيلم هو حقيقي حتى لو لم يظهر على هذا النحو
حسب الكتاب والسيناريو ثم الفيلم، خلال الحرب الفييتنامية تم تأليف فرقة من المشاة الأميركيين مهمّتها شن الحروب من دون أسلحة قتالية. كل ما عليها استخدامه، بعد تمارين مجهدة تتخلّلها تدريبات روحانية مستمدّة من علوم شرقية، هو ادمان النظر الى العدو حتى يموت. والتجارب شملت الماعز. ونرى في مشهد بالغ السخرية جورج كلوني جالساً على كرسي يحدّق الى تلك المعزة وهي تمضغ أكلها. ثم تتوقّف عنه و... تنقلب الى جانبها ميّتة٠
الفيلم ينتقل بين الحاضر (الحرب في العراق) وبين الماضي (الحرب الفييتنامية وبعدها) لكنه ليس فيلماً حربياً إذ يخلو من الجيش النظامي ولا يصوّر حرباً دائرة في أي مكان. الذي يسرد أحداثه هو صحافي (مكروغر) يتعرّف على الجندي أسمه سكيب (كلوني) الذي يرضى بأخذه معه من الكويت الى العراق. يتوهان في الصحراء وتنقذ حياتهما عنزة إذ يتبعانها الى حيث بركة مياه وسط الرمال. وهذا بعد معركتين بين جهازين أمنيين أميركيين تنشب بطريق الخطأ وتتبع اختطاف الصحافي والجندي الموهوب بالتحديق اذ هو خريج تلك الفرقة الخاصّة، من قِبل مجموعة عربية مسلّحة٠
كلوني يريد أن يؤكد هنا أن الخلط بين العرب ليس صحيحاً. حين يتحدّث لرجل عربي كان محتجزاً من قبل المسلحين العرب ويقول له "ليس كل العرب أشراراً" هو لا يستخدم حواراً وارداً في السيناريو فقط، بل حواراً أراد استخدامه في الفيلم لأنه يعنيه٠ رسالة صغيرة تفصح عن أن الخاطئين في لعبة الحرب هذه هم المعتدون من كل الفئات أميركيين وغير أميركيين وأن الأبرياء أيضاً هم من كل الأجناس. ومصدر تأكيدها هو تلك اللقطة القريبة للرجلين وعيني كلوني اللتان تعكسان إيماناً واضحاً فيما يقوله. في حديث هذا الناقد معه في اليوم ذاته، أكّد أن ما يعنيه من أفلامه ذات الطروحات السياسية هو فتح لغة التواصل بين الناس لأن منظور الأميركي للآخر لا يزال واقعاً تحت عبء الإعلام المنحاز ٠

أحداث الفيلم كثيرة ومتشعّبة واستخدام الإنتقال بين الماضي والحاضر يُبقي المشاهد يقظاً وكل ذلك نتيجة وضع يد محكمة على الأحداث ما يجنّب الفيلم التشرذم والإفلات من وحدة السرد٠
ما يحسب للفيلم أيضاً كل تلك المادة الكوميدية الساخرة التي يوفّرها الفيلم على صعيد المشهد وديناميكيّته كما على صعيد حواره الملغوم٠
شخصيات الفيلم مجنونة او تكاد. من شخصية كلوني الذي يرتكب قرارات خاطئة تكاد تودي به وبالصحافي الى التهلكة، الى جف بردجز الذي يؤدي شخصية رئيس تلك الفرقة التي يستخدم جزءاً من ميزانية الجيش الممنوحة إليها لشراء المخدّرات التي يُقال (لا نراه) يتعاطاها. أيضاً الى كَفن سبايسي الذي يحقد على الجميع ويريد قيادة هذه الفرقة لكنه ينتهي مندحراً وبشكل يدعو للسخرية٠


لبنان ... مرّة أخرى٠
تصفيق حار للفيلم الإسرائيلي من قِبل الجمهور الإيطالي في حفلتين واحدة للنقاد والإعلاميين واصحاب المصالح والحرف السينمائية وواحدة للجمهور. السبب بالطبع هو إعجابهم بفيلم مدهم ومُقحم أنجزه سامويل ماعوز بعنوان »لبنان«، ينطلق من نقطة توتر عالية ويبقى كذلك طوال الوقت مع كاميرا محصورة في داخل دبّابة اسرائيلية عليها أن تجتاز بلدة لبنانية من طرفها الى طرفها الآخر خلال حرب 1948

داخل الدبابة هناك فريق من أربعة أشخاص. خارجها ثلّة من القوّات الإسرائيلية. التركيز على من في الداخل والكاميرا لا تغادر الدبّابة الا في لقطة واحدة في نهاية العمل. الدبّابة توجّه مدفعها الى بضعة أهداف كذلك يفعل الفيلم. هناك قتلى عرب (لا نعرف هويّاتهم) لكن هناك أيضاً إصابات على صعيد المنطق والمصداقية. هذا فيلم يغلّف الحقيقة بشرشف قصير يشدّه الى رأسه فتنكشف قدميه ويشده الى قدميه فينكشف رأسه. لكنه تقنياً جيّد التنفيذ وإقحامه المُشاهد من المشهد الأول الى الأخير يحمل نبرة عالية من تحدّى محدودية المكان واحتمالات الإنزلاق في الدعاية المباشرة للجيش الإسرائيلي وينجز ذلك بنجاح بصري لافت٠

ليس أنه يخلو بالنتيجة من هذه الدعاية، لكنه ينطلق صوبها كما لو أن ذلك ليس وارداً في باله. حين تتقدّم الدبّابة من البلدة التي سبق للطائرات أن دمّرتها (نسمعها ولا نراها) تواجه أول تحدياتها: سيارة فيها مسلّحين تتوجّه الى حيث الدبابة والجنود الإسرائيليين خارجها. يطلب آمر الوحدة من الجندي المكلّف بمدفع الدبابة تدميرها، لكن هذا يخاف ما ينتج عنه تبادل إطلاق النار ومقتل أحد المسلحين وهرب الثاني ومقتل جندي إسرائيلي. يخاف؟ إذ يدق ذلك مسماراً أولاً في نعش الواقع، تتقدّم سيارة ثانية بعد دقائق يسيرة. كان يمكن للفيلم منح نفسه مسافة أكبر بين السيّارتين فلا بد أن سائق السيارة الثانية قد سمع اطلاق النار قبل انطلاقه صوب نفس المكان. المهم أن الجندي المكلّف هذه المرّة يطلق قذيفته على السيّارة فيفجّرها. هذه المرّة صلّح الخطأ السابق، يقول الفيلم، بخطأ آخر إذ أن السيارة لم تكن تحمل سوى أقفاص دجاج٠
بعد ذلك، لا إحصاء للمسامير الأخرى. فالخوف ليس في ذات ذلك الجندي وحده بل في ذوات الجميع. طوال الفيلم تكنشف نقاشاتهم عن حيرة وخشية وعدم ثقة، كما لو كانوا أبرياء عاديين وضعوا في ظرف لم يستعد له أي منهم. تتساءل وأنت ترقبهم في فوضاهم وعدم انضباطهم إذا ما كانوا ينتقلون من بيوتهم الى الجبهات من دون إعداد نفسي وعسكري. طبعاً بما أن هذا هو ليس الحال، بل يتعرّض الجندي الإسرائيلي لتدريب قاس على كل الأصعدة. أكبر تلك المسامير، هو اتخاذ حزب الكتائب اللبنانية مشجباً لتعليق آثام الحروب الإسرائيلية في لبنان. هذا ما فعله فيلم »الرقص مع بشير« وهذا ما يفعله هذا الفيلم. ليس أن حزب الكتائب كان حمامة سلام وليس أن هناك ألوف الضحايا الأبرياء معلّقة في رقبته، ورقبة كل حزب مارس القتل المدني٠
في هذا الخروج عن المنطق يكمن المشهد الذي يدخل مسلح كتائبي الدبابة (ودخوله أقرب الى الإقتحام إذ أن الجيش يمنع أياً كان دخول دبابة ما الا إذا كان من فريقها حتى ولو كان من افراد الجيش نفسه، فما البال بغريب عن ذلك الجيش؟) ويعامل الجنود الإسرائيليين بعجرفة ويصدر ما يصل الى حد الأوامر اليهم حول الوجهة التي على الدبابة أن تتخذها. في مشهد آخر داخل الدبّابة أيضاً ينظر الى جندي سوري كان سقط في الأسر واحتجز مقيّداً في الدبابة، ويقرفص بحذاه ثم يتوعّده بقتل بطيء واعتداء جنسي وقلع عين وتمزيق جسده بين سيّارتين٠

»فيلم »لبنان« يصوّر المسألة على أن الوحشية وعدم احترام شخص السجين، بعدما وقع سجين سوري في يدي القوّات الإسرائيلية واندفع الكتائبي يعده بتعذيب جسدي فظيع أول ما يأخذه من ايدي الجنود، هي من عمل الكتائب اللبنانية. أما الجنود الإسرائيليون فهم وادعون يعارضون مثل هذه السلوكيّات٠
بالنتيجة الحرب كانت، بالنسبة لهذا الفيلم، نتيجة ما ارتكبه العرب فيما بينهم. ويدل على ذلك المشهد الذي نرى فيه مسلّحا عربياً )غير معروف الهوية أيضاً وكوفياتهم قد تكون سورية او لبنانية او فلسطينية) يتّخذ من إمرأة وأولادها درعاً ما يحجم القوات الإسرائيلية من إطلاق النار عليه خوفاً من إصابتها. أوكي. مقبول. لكن الحل الذي يجده الفيلم هو دخول مسلّح آخر وإطلاق النار على العائلة ما يسمح للجنود فتح النار عليه وعلى رفيقه وقتلهما. بعد ذلك، المرأة الناجية وحدها تهاجم جنديا إسرائيليا بقبضة يديها الذي يهرع لنجدتها حين تمسك النار بثيابها فتحرق الرداء الواحد الذي عليها ثم يساعدها لستر نفسها



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular