Sep 3, 2009

Year 3. Issue: 451 | Venice International Film Festival 2



في هذا العدد

  • أوراق فنيسيا | سجل يوم آخر
  • نقد الأفلام
  • Baaria | The Road | احكي يا شهرزاد




أوراق فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أول من التقي به على جزيرة الليدو من العرب الصديق يوسف شريف رزق الله مع السيدة زوجته يبحثان عن دكّان لشراء بطاقة هاتف محمول٠
الثاني كان سمير فريد بعد خروجنا من فيلم »أحكي يا شهرزاد« ليسري نصر الله. بعد هذا اللقاء بنحو نصف ساعة توجّهت لصالة تعرض فيلماً آخر، على أمل أن يغسل ما علق من الفيلم السابق، سمعت من يقول لي »أنا أمير العمري«٠ نظرت الى ذلك الصديق الواقف قريباً وكانت لحظة انتهت بالأحضان كما لو أن شيئاً لم يكن. هذه هي الصداقة التي تنتصر على كل ما عداها لأن لا شيء آخر يرتفع الى مستواها٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في أول يوم من المهرجان وصلني خبر من اتحاد النقاد الدوليين أن إثنين من نقاد السينما ماتا قتلاً في مانيلا هما أليكسس تيوسيكو و(السلافي) نيكا بوهينش وفي اليوم الثالث مات -قتلاً- أيضاً مخرج وثائقي
الناقدان ماتا في عملية سرقة. ثلاثة مسلحين اقتحما منزلهما في غيابهما للسرقة. أليكسيس ونيكا عادا من الخارج وضبطا العصابة وهي في تسرق وفتحت تلك النار عليهما بكل بساطة ثم لاذت بالفرار٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما المخرج فجريمته مختلفة. المخرج كرستيان بوفيدا (اسباني/ فرنسي) كان ميّتاً في سيّارة متوقّفة عند الحدود المتاخمة لمدينة سان سالفادور، عاصمة السلفادور٠ لكن كالحالة الأولى الفاعل مجهول. لكن بوفيدا البالغ الثانية والخمسين من العمر أنجز في العام الماضي فيلماً وثائقياً يصوّر صراع عصابتي شوارع واحدة بإسم »عصابة مارا« والثانية بإسم »عصابة سالفاتروكا« ومما صوّره عمليّات إعدام متبادلة. الشكوك تحوم طبعاً في أن المخرج دفع حياته ثمنا للكشف عن البيئة الإجتماعية الموبوءة التي تصدّى لها وهو سبق وأن أخرج عدّة وثائقيات حول أوضاع مشابهة في أكثر من بلد لاتيني٠
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليلة البارحة اضطررت لعدم مشاهدة فيلم المسابقة لأني دُعيت، كوني من جمعية مراسلي هوليوود لحفلة ولقاءات منفردة مع شخصيات فيلم »الطريق« أمام وخلف الكاميرا. اللقاء حدث فوق مركب بعيد عن الجزيرة التي نحن عليها (كل شيء يبدو بعيداً بالفعل) وكدت أتأخر عن المركب- التاكسي الذي سينقلنا الى هناك. في الحقيقة، وصلت والكابتن يأمر برفع الجسر
كانت سهرة مفيدة جلسنا فيها (نحن أعضاء الجمعية) مع المخرج جون هيلكوت والممثل فيغو مورتنسن والممثلة تشارليز ثيرون وبدأنا حديثا طويلاً حول الفيلم تحوّل، بسبب اسئلة بعضنا، الى حديث حول مستقبل الأرض تبعاً لموضوع الفيلم٠
أقرأ النقد عنه أدناه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لابد أن أحضر مهرجان توليارايد يوماً لأرى ما كل هذه الضجّة حوله
مهرجان في الجبال العالية يُقام -هذا العام- للمرة السادسة والثلاثين ولا يعلن عن أفلامه الا قبل أيام قليلة ما يسبب، باعتراف مهرجاني فنيسيا وتورنتو بعض الفوضى في البرمجة فلا يستطيع أحدهما الإدعاء بأنه يعرض الفيلم عالميا للمرة الأولى إذا لم يتأكد من تاريخ عرضه في ذلك المهرجان وإذا كان الفيلم موجوداً فيه أساساً
الأخبار بدأت ترد اليوم وفيها أن فيلم »الحياة في زمن الحرب« (أقرأ عنه أدناه أيضاً) و»الطريق« معروضان هناك وهما معروضان هنا أيضاً٠ كذلك فيلم ميشيل هانيكَ »الرباط الأبيض« الفائز بجائزة كان هذا العام وفيلم جين كامبيون »النجمة الساطعة« وفيلم اندريا أرنولد »حوض السمك«٠
أيضاً يحتفي (او كما الكلمة التي لا أطيقها »يكرّم«) المهرجان كل من فيغو مورتنسون (ذكر لي خلال المقابلة أنه يتطلّع قدماً الى هذا الإحتفاء لكنه سيصل الى توليارايد منهكاً) والمخرجة الألمانية مرغريت فون تروتا (التي كنت اخترتها كرئيسة لجنة تحكيم الدورة قبل الماضية من مهرجان دبي) والممثلة الفرنسية أنوك إيميه٠


أفلام فنيسيا | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رياح فيلم الإفتتاح لا تجري بما تشتهي سفن تورناتوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review 3
Baaria (2009) *1/2 ريح (باريا)٠
Dir: Giuseppe Tornatore | جوزيبي تورناتوري
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



إيطالي- الإفتتاح/ المسابقة٠

انطلقت مساء يوم أمس اعمال الدورة السادسة والستين لمهرجان فنيسيا السينمائي الدولي وسط آمال معقودة وتوقعات كبيرة بأن تأتي الدورة الجديدة ترجمة ايجابية لكل البذل والجهد اللذان صرفا عليها في أكثر من جانب وإتجاه. وفيلم الإفتتاح هو جديد المخرج جوزيبي تورناتوري »باريا« بطولة فرنشسكو شيانا وإيفا منديز ومجموعة كبيرة من الممثلين في أدوار متوسّطة وأكثر منهم في أدوار صغيرة

وهناك سبب آخر للإهتمام كامن في أنه الفيلم الإيطالي الوحيد الذي افتتح اي من دورات مهرجان فنيسيا السينمائي وذلك منذ ثمانية عشر سنة. فإذا أضفت الى ذلك، أنه أغلى إنتاج إيطالي منذ سنوات، ورصيد المخرج من الأعمال، وحقيقة أن الفيلم هو سبر حياتين واحد خاص مستوحى، إفتراضاً، من ذكريات المخرج عن بلدته براغيا التي باتت الآن ضاحية من ضواحي مدينة باليرمو، والآخر عام يتعلّق بنضال الحزب الشيوعي المحلّي لكسب الأصوات والإنتخابات والدفاع عن أبناء القرى الصغيرة والمزارعين وسواهم ضد المافيا والحزب الفاشي ثم الأحزاب اليمينية لاحقاً، فإنه من الطبيعي أن يُثير »باريا« كل هذا الإهتمام سواء من قِبل السينمائيين الإيطاليين او العالميين كما من قِبل الأوساط الإعلامية كافة٠

وفي حين التزم الجميع الصمت في حفلة الإفتتاح الرسمية حابسين أنفاسهم ومستعدين لعمل جدير بالإفتتاح، انطلقت مشاهد الفيلم تتوالى في هجوم من الصور المتسارعة والأصوات الضاجّة وفي صياغة غير ذاتية على الإطلاق تجعل من الصعب التعاطف، على نحو او آخر، مع أي من الشخصيات التي تلعب أدوارها هنا. »باريا« كما برهن بعد ساعتين ونصف من العرض عمل ميكانيكي كان يمكن لأي مخرج بذات الإمكانيات إنجازه من دون الحاجة الى إسم عالمي الرنين كإسم تورناتوري
قبل العرض، شاهد رئيس الوزراء الإيطالي الفيلم في عرض خاص

قبل العرض الذي أقيم له مساء أول أمس في فنيسيا، شاهد رئيس الوزراء الإيطالي الفيلم في عرض خاص في روما وأبدى إعجابه بالفيلم. كون هذا الإعجاب آت من سياسي يميني يرى في كل ما هو يساري مؤامرة شيوعية فإن الإعجاب أحدث ردّة فعل متسائلة. لكن الحقيقة أن رئيس الوزراء لديه سببين ليبدي إعجابه بالفيلم. الأول أن هناك مشهداً لشيوعي إيطالي عاد من رحلته الي الإتحاد السوفيياتي في الخمسينات محبطاً ومرتاباً بمباديء الحزب الذي ينتمي اليه، وهذا المشهد وفحواه تركا صدى بين كثيرين اعتبروا المشهد نوعاً من قبول المخرج اليساري بعبثية الفكر الشيوعي ونقده لهذا الفكر٠
السبب الآخر هو أن الفيلم من تمويل المنتج التونسي الأصل والفرنسي المؤسسات طارق بن عمّار الذي أودع في الفيلم نحو 40 مليون دولار. ومع أن المغامرة محسوبة ويُقال أن الفيلم بيع سلفاً بما يوازي نصف هذا المبلغ، الا أن بن عمّار وبرلسكوني صديقان ورجلي أعمال لديهما استثمارات مشتركة ما لا يُتيح لبرلسكوني انتقاد الفيلم حتى ولو لم يعجبه

في واقعه فإن »باريا« هو، بين مواصفات أخرى كثيرة، صرخة يسارية حول أحلام أجهضتها حركات التغيير التي وقعت في إيطاليا بالإرتباط مع تلك التي وقعت حول العالم. إذ ينطلق »باريا« من الثلاثينات وينتهي في الثمانينات، يسرد علينا توالي التيارات السياسية الإيطالية من الفاشية في الثلاثينات وخلال الحرب العالمية الثانية، الى الشيوعية التي انتشرت في إيطاليا بعد انتهاء تلك الحرب وخلال الخمسينات الستالينية، وصولاً الى الثمانينات حيث دخل الحزب الشيوعي الإيطالي مرحلة جديدة من الصراعات السياسية داخل إيطاليا بعد انهيار النظم الرسمية القريبة٠
بوضع هذه الملاحظات جانباً، وبالإقتراب أكثر من ماهية الفيلم وكيانه فإن »باريا« مخيب للآمال على نحو كبير وسيكون صعباً عليه منافسة أفلام جيّدة أخرى منتظرة قد لا تكون بالحجم الكبير نفسه، لكنها ستعمد الى النَفَس المستقل والى الإبداع الذاتي والحكايات والشخصيات القابلة للتصديق كمعين نوعي لها٠
ما يصرف الفيلم جهده عليه هو تقديم عدد لا يُحصى من الشخصيات من دون تركيز فعّال على تلك الرئيسية لتكوين حس جيّد بالعمل ولتطوير ملكية هذه الشخصيات الماثلة. يقدّم الفيلم لنا الأب الذي لم يحصل على علم كثير ويعمل راعياً للمواشي منذ صغره لكنه يحب القراءة، والذي نشأ أبنه صبياً وسط تقلّب الحياة الإجتماعية والسياسية في البلدة وصولاً الى شبابه.
المخرج الراغب في الحديث عن سيرة حياة موازية لشخصيته يتجاهل أن مثل هذا الحديث يحتاج الى قدر كبير من الشعور الخاص والحميمي ومن قدر أكبر من الذاتية والحس الوجداني على نحو ليس بعيداً عما حققه سابقاً حين سرد حكايته صغيراً وكيف وقع في حب السينما في فيلم »سينما باراديزو«. تورناتوري هنا تجاهل ما هو خاص في الوقت الذي يريد فيه سرد حكاية بطله بيبينو (فرنشيسكو شيانا) منذ أن كان صغيراً في الثلاثينات وحتى أصبح رجلاً على أعتاب الخمسين من العمر في الثمانينات. مع هذه الرحلة الشخصية رحلة موازية لإيطاليا وهي تنتقل من عصر الى آخر: الفاشية والحرب العالمية الثانية وازدهار الشيوعية بعد الحرب ومواجهاتها مع كل الأطراف الأخرى٠
بيبينو الفقير القابع في الأزقة يصبح شاباً يجر بقرته ليحلبها مباشرة الى الزبائن وفي يوم تلتقي عيناه بعيني فتاة جميلة (ايفا مندز) فيقعان في الحب. وردح من الفيلم يقع طريح مشاهد عليها أن تتوالي بينما نعلم ما ستنتهي عليه: فببينو وفتاته سيواجهان تعنّت أهلها التي تتمنّى تزويجها من ثري وسيقوم الشاب بالزواج من حبيبته غصباً واضعاً أهلها أمام الأمر الواقع. المشاهد العربي يتساءل متى سيلجأ الممثل الذي يلعب دور الأب لعبارة "من هنا ورايح لا أنت بنتي ولا اعرفك". لكن تورناتوري إذ يسرد هذا الجزء بكل تفاصيله المملّة ينطلق بعده لسرد حكاية ببينو وانتمائه الى الحزب الشيوعي وكيف أن طموحاته غير المحقّة لها علاقة بمحدودية ثقافته. وهو، اي المخرج، يوفر للفيلم عشرات المشاهد وملايين الكلمات من دون أن يسعى للحظة الى توفير ولو مشاهد تأمليّة صغيرة تكون بمثابة فضاءات تتيح للفيلم أن يتنفّس طبيعياً

للأسف، لا القصّة الذاتية تحوي على أي خصال شخصية وألفة تبعث على الإهتمام، ولا القصّة التاريخية تصدمنا بأي جديد او طرح لأي موضوع يحلل اجتماعيا او سياسياً أي شيء جدير بالتحليل. بديل المخرج لكل هذا هو هجوم بالصوت والصورة على عيون وآذان مشاهديه وحرص على ايقاع سريع غير ذاتي وبلا نبرة صدق وبكثير من الرغبة في إنجاز الفيلم بتوضيبة ميكانيكية غير فعّالة ولا يمكن أن تحقق للفيلم، كموضوع او كفن، أي إنجاز يُذكر٠
فوق ذلك كلّه هناك الإستخدام السيء لموسيقا سيئة وضعها -للأسف- الموسيقار الكبير إينو موريكوني. عبر لصقها بمعظم المشاهد مقطوعة ضاجّة وراء مقطوعة ضاجّة، تحوّلت هذه الموسيقا الى قنابل صوتية تختلط فيها أصوات كل شيء في آن معاً: الممثلون الذين يتكلّمون معاً (من باب الواقعية طبعاً) الى أصوات الطبيعة التي تبدو أكبر من حقيقتها الى الأصوات الناتجة عن باب يغلق من هنا وطبل يُضرب من هناك وهكذا٠
وحتى ينتمي الفيلم الى العصرنة، يستخدم وقد وصل الى مرحلة السبعينات بعض الأغاني التي كانت دارجة. يستخدمها من دون أن يحبّها فهي لا تعني شيئاً للمخرج ولا للفيلم لكنك تسمع البيتلز مثلاً في الخلفية ومن دون أي تأثير او مبرر حقيقي٠

بالطبع ليس أن كل إنتاج كبير او ضخم محكوم عليه بالفشل، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، برناردو برتولوتشي وسيرغي بوندارتشوك وكل المخرجين الذين أمّوا الأفلام الضخمة للتعبير عن نظرة بانورامية للتاريخ، لا تزال نماذج صالحة للدراسة. فيها فرص نادرة للسباحة في فضاء الواقع كما لو كان خيالاً ولنبش الذاكرة والمعتّق في البال عبر صور لا تنضب. تشاهد هذا الفيلم وتتمنّى لو كنت تشاهد فيلم فديريكو فيلليني الساحر »أماركورد« عوضه، او فيلم برناردو برتولوتشي »1900« بديلاً له. ما يحدث في فيلم تورناتوري الجديد هو أن الرغبة في حشد كل هذه القصص وكل تلك العناصر الفنية والإنتاجية في فيلم ضخم، أدّى -وعلى نحو غير متوقّع من مخرج عُرف عنه ذكاءاً فنياً مشهوداً- الى عمل مكثّف في كل تلك النواحي و-الأهم- ميكانيكي الحس والصنعة بحيث لا يمكن البحث عن مصادر ذاتية او لقاء بين الحكاية المسردة وبين ما قد يكون واقعاً وليس مجرّد رصف كتابي لخلق حالة او تسجيل موقف٠


الطريق الذي لا يودي ولا يجيب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Review n. 4
The Road (2009) **1/2 الطريق
Directed By: John Hillcoat | إخراج: جون هيلكوت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الولايات المتحدة- المسابقة٠


في العام 2005 قدّم المخرج (الجديد حينها) جون هيلكوت فيلم وسترن استرالي بعنوان »العرض« حول حاكم محلّي في مطلع القرن الماضي (توم ولكنسون) يعرض على شرير كان الحاكم القى القبض عليه (غاي بيرس) أن يصطاد أخيه. المهمّة صعبة أخلاقياً لأن من المفترض لذلك الشرير البسيط أن يقتل شقيقه، وصعبة تنفيذياً بسبب الرحلة المنهكة التي عليه اجتيازها وصولاً الى مكان أخيه ثم العودة للإنتقام من ذلك الحاكم٠
الفيلم وجد إعجاباً من قبل نقاد كثيرين والنقلة التالية بالنسبة للمخرج جون هيلكوت كانت الإنتقال، قبل برود تأثير ردّات الفعل الإيجابية، الى هوليوود لإنجاز فيلم فيها٠
النتيجة »الطريق« عن رواية لكورماك مكارثي (كاتب »لا بلد للمسنين«) تتحدّث عن مستقبل قريب تصبح فيه الأرض دماراً شاملاً ولا يبقى من أحيائه سوى قلّة من السكّان يقتات معظمهم لحم الآخر بعدما نفذ الطعام٠
إنه مشروع صعب كون معظم الأحداث من نسيج رجل (بلا إسم في الفيلم ويقوم به فيغو مورتنسن) وإبنه الصغير (كودي سميت ماكفي) وهما يشقّان طريقهما مشياً عبر أرض أميركية مليئة بالخراب والدمار وخطر السقوط تحت أنياب آكلي لحوم البشر٠
هذا مع فلاشباكات مقتضبة للزوجة والأم (تشارليز ثيرون) في فترة ما قبل مقتلها (الذي لا نراه على الشاشة بل يتناهى إلينا سمعاً) وهي التي كانت تخشى على سلامتها وسلامة إبنها. طوال الطريق يحاول »الرجل« الدفاع عن إبنه ولا تستطيع أن تجد في ذلك لوماً او تخطئة حتى حين يأتي دفاعه قاسياً (مشهد له وهو يعرّي رجل من كل ملابسه ويتركه لمصيره بعدما كان ذلك الرجل سرق طعاماً من إبنه)٠
في إحدى المشاهد يلتقي الأب وإبنه برجل عجوز يعرف أكثر مما يبديه وسنواته المديدة لا تمنحه اي حصانة ضد الغير. أكبر سنّا من أن يؤكل وأوهن من أن يعيش طويلاً. هذا العجوز يؤديه روبرت دوفال تحت قناع من الخطوط والتجاعيد لكن عيناه وحركته لا زالت تكشفه٠ يلتقيان أيضاً بذلك الرجل الأسود الذي يتركه الأب عارياً من كل شيء بعدما حاول سرقتهما. عقوبة أقسى مما يستحق والمشهد يورد نظرة الصبي الى أبيه المتعجّبة من قسوته تلك٠
لجانب شخصيات آخرى قليلة جدّاً، هذا فيلم منفرد العزف طوال الوقت. ما يجعله مثيراً للإهتمام الوعد الذي حضنه منذ البداية: فيلم جاد عن نهاية العالم وسعي بطليه للبقاء أحياءاً مع عدم ولوج طرق تقليدية: فلا أمل مزيّفاً ولا بطولة نادرة ولا الناس التي بدأت تأكل بعضها البعض هم زومبيز على طريقة أفلام الرعب
لكن ذلك لا يمنح الفيلم كارت بلانش تعفيه من زلات قدم تتعلّق بالمعالجة. الفيلم مثل طريقه لا يقود الى شيء . المفاد هو أن طريقاً أخرى مع نهاية الفيلم مثل الأولى لا تعد بشيء! المخرج يترك فرصاً جيّدة تمر في الفيلم من دون استغلالها. إنه كما لو قرر أن يكتفي بتنفيذ سيناريو عبر نقل كلماته وليس عبر خلق رؤيته الخاصّة والإستفادة من تلك المناسبات الرائعة لخلق أجواء يسودها الغموض والترقّب وتتحرك فيها الأحداث على وتيرة تختلف كل قليل عن وتيرة المشهد السابق٠

الصعوبة هي في أن صلب هذا الفيلم هو رحلة من شخصين ليس لديهما الكثير لتبادله سوى وصف ما يقع على الشاشة والذي ليس من الصعب فهمه واستيعابه، ولا الكثير يحدث لهما على أي حال. هذا الفيلم جيّد الصنعة تقنياً لكنه يحتوي على مساحات ضئيلة لبلورة تطوّرات درامية ما او شخصية أيضاً. في النهاية هناك ذلك المشهد الذي ينضم فيه الصبي الى عائلة أخرى تشق طريقها صوب المجهول فوق أرض مليئة بالأشجار التي تسقط من طولها والمنازل المهدومة والموت السائد، لكن المفاد هنا لا يستطيع أن يعلو عن الطروحات ذاتها ما يعني أن مزيدا من الأحداث تنتظر العائلة الجديدة ثم ماذا بعد؟


شهرزاد يسري نصر الله نائمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Review n. 5
** إحكي يا شهرزاد
إخراج: يسري نصر الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصر- خارج المسابقة


الإقبال على العرض الأول للفيلم المصري »أحكي يا شهرزاد« كان حاشداً في معظمه. وكل شيء بدا مشجّعاً لاستقبال فيلم من مخرج شق طريقه الى عدد كبير من المهرجانات العالمية وإن لم ينجز بعد الفيلم الذي يخرج بجائزة رئيسية من تلك المهرجانات (ليس حسب علمي). الإقبال على الفيلم (حضور احتل ثلثي صالة تتسع لأكثر من ألف شخص) لا يعود الى أن »أحكي يا شهرزاد« مشترك في المسابقة، لكن الى فضول لمتابعة سينما تكشف عن نفسها فجأة أمام الجمهور الإيطالي، كما لم تفعل من قبل داخل هذا المهرجان، كما الى إسم المخرج الذي يعرفه عديدون ومنواله من الأعمال السابقة. وهو منوال، عليّ أن أقول، ينزل في منتصف الطريق بين المشاهد العربي والمشاهد الغربي من دون أن يستحوذ كاملاً على أي منهما

فيلمه هذا من كتابة وحيد حامد ويبدأ على نحو تقليدي للغاية: التعريف بالزوجة (منى زكي) التي لديها برنامجاً تلفزيونياً يناقش القضايا السياسية بجرأة وصراحة ما يؤثر على محاولات زوجها (حسن الرداد) المتزلّفة لبلوغ منصب رئيس التحرير إذ لا يستطيع الوصول الى ذلك الحلم المقضي عليه بالإنتهازية من اللحظة الأولى الا إذا توقّفت زوجته عن طرح مثل تلك المواضيع، وهي لاحقاً توافق وتبدأ بانتخاب نماذج نسائية لديها ما تحكيه من وقائع ومشاكل ولو أنها جميعاً تَصُبّ في السياسة. هنا ومع النموذج الأول ينتقل الفيلم من ذلك التمهيد الى مرحلة سرد الحكايات التي تتولّى النماذج النسائية الإدلاء بها على الهواء أمام حفنة من الجمهور في الاستديو وجمهور من المشاهدين بينهم زوج المقدّمة الذي يرتفع ضغط دمه كلّما بدا أن البرنامج سيعود الى الحديث في موضوع شائك٠
القصّة الأولى تخص إمرأة اختارت العيش في المصحّة النفسية بعيداً عن المجتمع كونها لم تجد الشخص الذي تحبّه ولم تشأ الكذب على نفسها وتتزوّج من أي كان. والثانية تخص السجينة التي، بعد خمسة عشر عاماً في السجن، تعيش الآن مع سجّانتها في منزل الثانية والتي كانت قتلت رجلاً غرر بها وبشقيقتيها في قصّة فضفاضة وممطوطة٠ ثم يأتي دور الحكاية الثالثة فإذا بها عن طبيبة أسنان يزورها رجل الأعمال والنافذ الحكومي أدهم (محمود حميدة) ويقنعها بالزواج ثم ينجلي الموقف فإذا به مخادع يمتهن ابتزاز النساء اللواتي يعرفهن٠
الفيلم فقير في خياله الإبداعي. يمشي حسب خطّة سرد تقليدية تتكوّن، كما ذكرت، من تعريفنا بالحالة الإجتماعية والفكرية بين الزوجين، ثم -كما لو أن ذلك التعريف كان كامل العناصر ينتقل الي حكايات كان يمكن سماعها عبر برنامج إذاعي طالما هي لا تتطلّب بالضرورة عنصر الصورة٠
في مفهوم الفيلم وبسذاجة غريبة على الكاتب ومخرجه، أنه إذا ما كان الفيلم يريد الحديث عن حقوق المرأة فإن الرجال عليهم أن يكونوا من طينة واحدة: كلهم سيئون وإنتهازيون. الصحافي مرتزق ورجل الأعمال محتال وعم الفتيات الثلاث مدمن أفيون وصبي الدكّان وصولي وطاقم الصحافيين من مرتبة متدنيّة واحدة... إذاً هذه هي الحال: النساء أفضل من الرجال. هكذا ومن دون بصيرة او استثناءات٠
فيلم المرأة لا يجب أن يكون هكذا لأن التعميم يتحوّل الى سكّين يمزّق الشاشة.
والمسألة، سينمائياً، أسوأ من ذلك. في الحكاية الأولى ينام الفيلم، وفي الثانية يشخر وفي الثالثة يصحو قليلاً (شكراً لوجود محمود حميدة) ثم يغفو مجدّداً بعد أن يعود الفيلم لإغلاق نافذته المفتوحة حول العلاقة بين مقدّمة البرنامج وزوجها الصحافي فهو خسر المنصب الذي تراءى له ويلوم زوجته على ذلك ويضربها ويأتي تصفيق الجمهور الأجنبي موافقة، مفهومة ومُوافق عليها، لموقف الفيلم المؤيد للحقوق المهدورة للنماذج النسائية التي شاهدناها في الفيلم٠
لا شيء للإبداع هنا وكل شيء لسرد حالات تريد أن تنتقد لكنها تكتفي بسرد حكايات ناقدة والفرق كبير. حين ينتقل الفيلم الى حكاية ما، فإنه يعود الى الخط الأول الممتد بين الزوج وزوجته ولو في مشاهد صغيرة نرى فيها الزوجة في الاستديو ملتقطة من على شاشة »المونيتور« بينما ضيفتها المتحدّثة بكاميرا حيّة. ثم العكس أيضاً يقع: المقدّمة بكاميرا حيّة والضيفة على المونيتور. ربما مرّتين او ثلاثة من هذا التناوب مقبول، لكن بعد ذلك تريد أن تعرف لماذا. والجواب ليس في الفيلم٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular