Sep 1, 2009

Year 3. Iss.: 450 | Apan | La Grande Guerre أفلام فنيسيا

في هذا العدد
  • أوراق فنيسيا | سجل اليوم ما قبل الأول من أيام المهرجان
  • نظرة عامّة على دورة هذا العام
  • نظرة على الإشتراك العربي هذه السنة، لماذا هو مميّز وبماذا؟
  • نقد فيلمين أوّلين شوهدا الى الآن

دفتر خرطوش (اليوم ما قبل الأوّل)٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


نحو 1600 ناقد وصحافي وإعلامي حجزوا أماكنهم في المهرجان لكني كنت من بين الأربعمئة الأوائل الذين وصلوا قبل يومين من افتتاحه. هذا الرقم قالته لي إحدى موظّفات المركز الصحافي بينما كانت تشرف على خطوات تسليمي بطاقتي الصحافية. خطوات لم تأخذ منها أكثر من خمس دقائق (في برلين دقيقتين من لحظة وصول دورك في الصف) وقد كنت في مهرجانات عربية وانتظرت نصف ساعة لأن البطاقة لم تكن حاضرة- وفي مهرجان آخر لم تكن كل البطاقات حاضرة وحين حضرت في اليوم الثالث تم فرشها على طاولة بلا مسؤول وما عليك سوى أن تلتقط بطاقتك او بطاقة غيرك إذا أردت٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا عرب بعد والوحيد الذي أعرفه وقابلته هو سيمون فيلد، من فريق مهرجان دبي السينمائي (لا أدري إذا ما كان لا يزال يعمل). إنه نازل في ذات الفندق الذي كان وعد بأن الإنترنت موجود في كل الغرف لكن هذا هو الأمل. الحقيقة هي أن عليّ أن أكتب تقاريري في الغرفة ثم أحمل الكومبيوتر الى صالون الإستقبال وأبعث ما اكتبه من هناك٠
كنت وعدت نفسي، من نحو ثلاثة أشهر أن لا أترك شيئاً يؤثر سلباً علي، بما في ذلك أن يبيعك الفندق نفسه على أساس أنك سترتاح فيه لتجد أنها راحة مشروطة. زميلي هوفيك حبشيان نزل في هذا الفندق في العام الماضي ولا يبدو أنه أعجبه. قال لي حين سألته عنه (هاتفياً) "يعني... ماشي الحال". لكن كل الفنادق فوق الليدو، وهي الجزيرة التي يُقام عليها المهرجان، حتى تلك الكبيرة ماشي الحال٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سعيد بوجودي هنا لأكثر من سبب لكن أحد هذه الأسباب حقيقة أنني أستطيع أن أمشي نحو كيلومتر ما بين الفندق والمهرجان في الذهاب والإياب. خلال السنتين الماضيتين أضفت، من دون إرادة، لوزني بضع كيلووات لا حاجة لي بها. لكن طبيعة العمل في البيت في الولايات المتحدة والمنطقة الصحراوية التي أعيش بها تجعل أيامي محددة بالجلوس حين أكتب. بالجلوس حين أقود السيارة. بالجلوس حين أشاهد الفيلم والقليل جداً من المشي٠
هنا مع سلطات بحر متوسّطية والكثير من زيت الزيتون والخل والفاكهة واكثر من ذلك من المشي، آمل أن أخسر وزنا. الخسارة الوحيدة التي أحلم بها في الحياة٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إتصال هاتفي في منتصف الليل من السينمائي رضا الباهي يخبرني فيها عن بدء عجلة مشاريعه من جديد. هو سيبدأ تصوير فيلم سوري عما قريب، وقبله سينجز ما بقي من مشروع »براندو، براندو« ويسألني عن مشاريعي. على كثرتها أجد أن أهمها هو أنني سأشاهد نحو أربعين فيلم خلال إقامتي في فنيسيا. هاكم أول إثنين في هذا العدد زائد نظرات عامّة على المهم والمتوقّع

دورة كبيرة تعد بأسئلة شائكة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا

من «ضابط سيئ: مرفأ نيو أولينز » لفرنر هرتزوغ
هل سينجز مهرجان فنيسيا أفضل دورة
له أم سيطير على الوعود التي تتبدى في
عروضه المقبلة ليسقط بسببها أيضاً؟
.................................................

ينطلق اليوم، الثاني من أبريل/ سبتمبر مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي في دورته السادسة والستين محاطاً بتوقعات كثيرة ليس أقلّها أن تكون دورته هذه أفضل الدورات التي تمّت تحت إدارة ماركو مولر، المدير الفني الذي تم تعيينه قبل ست سنوات في عقد ينتهي العمل به هذا العام
وإذا ما كانت هي أفضل دورة تتم تحت إشراف مولر، فهي بطريقة آلية، إحدى أفضل دورات المهرجان في تاريخه المتوسط، أي منذ أن أعيد الى الحياة بعد توقّف استمر بضع سنوات في مطلع الثمانينات٠

والسبب هو قوّة الأفلام، ولو على الورق٠
وهو سبب دائماً ما يكون مخادعاً، فالمخرجون »الكبار« اليوم يرتكبون هفوات قاتلة كشأن »الصغار« منهم او أن أعمالهم قد تتبلور في الظاهر شيئاً واعداً وحين تُعرض يتحوّل هذا الوعد الى أنقاض، كما حدث أكثر من مرّة مع مهرجاني »كان" و"فانيسيا" آخرها، كما قيل، الدورة الأخيرة من مهرجان كان السينمائي في دورته لهذا العام٠
إذاً لابد من النظر الى الورق والوعد التي تنضح به الى أن تتكشّف الأفلام واحداً تلو الآخر لكن مع فارق أن مهرجان فنيسيا يمارس حرصاً هذا العام لا يبدو أن كان مارسه في ربيع هذه السنة حين انطلقت دورته الثانية والستين نابعاً من حقيقة أن دورة العام الماضي من فنيسيا كانت، بإجماع معظم من حضر، من أسوأ دوراته ما جعل مديره مولر مستاءاً من النتيجة من ناحية ومصمماً على تجاوزها نحو دورة ناجحة يقول عنها الآن أنها أفضل الدورات التي أشرف عليها٠

البحث عن تمويل
أوروبا المشتركة في تشكيل قوي واضح هذه الدورة قد تحمل في مفردات أعمالها الفارق الرئيسي الذي سيميّز هذه الدورة عن سابقاتها. فالأسماء المطروحة هي جزء من الثقافة الحاضرة في السينما الأوروبية بدءاً من فيلم »مطبخ روحي« للمخرج التركي الأصل فاتح أكين وليس انتهاءاً بفيلم »نساء بلا رجال« للإيرانية شيري نزهت التي تعيش وتعمل في نيويورك٠
المشترك بين هذين الفيلمين والملاحظ في أكثر من فيلم آخر في الدورة الحالية حقيقة أن المخرج التركي الأصل فاتح أكين تركي ينجز أفلامه في وطن المهجر ألمانيا، بينما مخرجة »نساء بلا رجال« هي ايرانية تنجز فيلمها الأول هذا لحساب السينما الألمانية أيضاً٠
مخرجون يعملون خارج دولهم أيضاً، البلجيكي جاكو فون دورمايل الذي يحقق فيلمه الجديد »السيد لا أحد« في نطاق السينما الفرنسية والألماني فرنر هرتزوغ الذي أنجز لحساب شركة أميركية فيلماً صوّره في ولاية لويزيانا عنوانه »الضابط السيء: ميناء نيو أورلينز«٠ وإذا ما بدا العنوان مألوفاً فلأن المخرج الأميركي آبل فيريرا سبق له وأن حقق الفيلم نفسه قبل نحو خمسة عشر سنة ولو أن أحداثه آنذاك دارت في مدينة نيويورك وليس في نيو أورليانز٠

والبحث عن التمويل ولو في الصين ليس أمراً جديداً. ها هو المخرج الجزائري مرزاق علواش يحقق فيلمه الجديد »الحرّاقون« (المعروض ضمن تظاهرة "أيام فينسيا") بتمويل فرنسي كما فعل منذ البداية لأنه لا بديل له عن الشركات الفرنسية التي موّلت له مسيرته الى الآن٠
والمصري يسري نصر الله على درب يوسف شاهين من حيث أنه أنجز معظم أعماله الى الآن بتمويل فرنسي، بينها فيلمه الجديد »إحكي يا شهرزاد« المشترك خارج المسابقة أيضاً٠
هذا ما يجعل هذين الفيلمين أوروبيين فهل سيحوّلهما المهرجان الى فيلمين عالميين؟
هذا متوقّف على إذا ما جاء رد فعل النقاد الحاضرين هذه الدورة، ومعهم صحافيون وشخصيات إعلامية الذي يتجاوز عددهم 1400، إيجابيا حيال كلي العملين. إسم علواش في أوروبا معروف أكثر من إسم نصر الله لكن الأمر بالنسبة لأي منهما يتوقّف عند نضارة وجودة العمل الذي يوفّره المخرج لمشاهديه العالميين. من ناحية فإن مرزاق علواش مخرج حقق أعمالاً جيّدة ولافتة، ثم أخرى رديئة وعابرة، وهو يريد العودة لما أنجزه من مكانة سابقة عبر موضوع جديد يتناول المهاجرين العرب والأفارقة الذين يتسللون بحراً الى اسبانيا٠
أما يسري نصر الله فهو حقق بعض الصدى الطيّب عبر أفلامه السابقة (مثل »مرسيدس« و»أيام الشمس« و»حديقة الأسماك«) لكنها لم تنجز الحضور المتوخّى منها في الذهن الأوروبي (او العالمي) ولا زال بحاجة الى الفيلم الذي يحقق هذا الحضور. »إحكي يا شهرزاد« يعد بأن يكون هذا الفيلم٠

وجهات نظر
لجانب هذين الفيلمين القادمين من مخرجين عربيين نلحظ وجود الفيلم التونسي »أسرار مدفونة« لرجا عماري في مسابقة »آفاق«، وفيلمين مصريين آخرين »واحد صفر« لكاملة أبو ذكرى (في مسابقة »آفاق« أيضاً وهي التظاهرة الثانية من حيث الأهمية وأسمها »آفاق«) وفيلم أحمد ماهر »المسافر« في المسابقة وهو إنجاز مهم، تحاول بعض الكتابات -بداعي الموضوعية- الحد من توقّعاتها بشأنه، وأخرى تؤكد أن الفيلم ما وصل الى مسابقة مهرجان فنيسيا الا عبر وساطة قامت بها وزارة الثقافة المصرية في أعلى مستوياتها مع مدير المهرجان ماركو مولر نتج عنها قبول الفيلم، وبعض الكتابات تصوّر المسألة على أن هذا القبول تم بعض ضغوط وليس عن قناعة٠
هذا في الوقت الذي قول فيه ماركو مولر لمجلة »سكرين انترناشنال« أنه مسرور للغاية بوجود فيلم »المسافر« ويضيف: "بحثت بجهد كبير لأن أجد موهبة" كموهبة أحمد ماهر٠
لكن ذلك النوع من الحكم المسبق الذي تواجهه السينما العربية من البعض لن يؤثر بحال من الأحوال على مستقبل »المسافر«. لقد وصل الى مسابقة المهرجان، وهذا وحده، بصرف النظر عن كيفيّته، إنجاز يأخذه المخرج وصانعي الفيلم بعين الإعتبار الشديد كونه دخل المسابقة وتم رفض نحو 1500فيلم آخر. هذا وحده يعني الكثير٠
لكن الرحلة لن تكون سهلة أمام »المسافر« بسبب وجود بعض الأسماء التي لها قدم وساق في المسابقات الدولية نظير مواهبها وخبراتها. يكفي وجود المخرج الفرنسي جاك ريفيت (87 سنة) القادم من تاريخ عريق كأحد مخرجي »الموجة الجديدة« في الخمسينات. لجانب جان-لوك غودار، حافظ ريفيت على لغة لا تخلو من التجريب والتحديث ولو أن مواضيعه (كما الحال في فيلمه الجديد »36 منظراً لسانت لوب«) غالباً ما تمحورت حول الفن عموماً وبنيت ركائزها على لغة تواصل بين المسرح والسينما٠

باريا لجسيبي تورناتوري

هناك أيضاً الفرنسي باتريس شيرو وفيلمه »اضطهاد« المنتظر أن يكون أحد الأعمال الكبيرة في المسابقة، وفيلم يماثله حجماً وطموحاً هو »باريا« لجسيبي تورناتوري الذي فاز بجائزة مهرجان فنيسيا قبل عشرين سنة عن فيلمه »سينما باراديزو«٠
كل هؤلاء من جيل يمتد من الخمسينات الى اليوم وهناك من هم أبناء جيل قريب مثل الإيطالي ميشيل بلاسيدو الذي يعود بفيلمه الجديد »الحلم الكبير« ومثل المخرج الأميركي مايكل مور الذي يعرض هنا »الرأسمالية« قصّة حب«، فيلماً وثائقياً آخر يتحدّث فيه عن مساويء الوضع الحالي في الولايات الأميركية منتقداً شجع المؤسسات الكبيرة وحماية إدارة بوش لها٠

توازن هش
إذاً، أحمد ماهر ينضم الى جيل جديد حقق أفلامه لأول او ثاني مرّة. الى هذا الجيل نجد الأميركي جون هيلكوت عبر فيلمه الكوارثي (عن الحياة بعد دمار الأرض) »الطريق« وتوم فورد عبر »رجل عازب« ومثل فيلم النمساوية جسيكا هاوزنر في »لوردس« . كذلك هناك المخرجة الجديدة شيرين نزهت التي تقدّم »نساءاً بلا رجال« وهو فيلم بدأته قبل أعوام عدّة كمشروع فيلم قصير لكنها أنجزت منه هذا الفيلم الروائي المنتقد لوضع المرأة في ايران والمشغول بتمويل ألماني، كما ذكرنا، علماً بأن شيرين فنانة تشكيلية تعمل وتعيش في نيويورك منذ عدّة سنوات٠
المشكلة هي وجود فيلم »إسرائيلي« عنوانه »لبنان« لمخرج أسمه سامويل ماعوز٠
هو مشكلة لأنه يفي بتلك الرغبة الهشّة بالمساواة بين فيلم عربي وآخر »اسرائيلي« كما لو أنه كثيراً على السينما العربية أن تدخل مسابقة ما من دون أن تسارع بعض الجهات لاقتراح فيلم »اسرائيلي« من باب التوازن المقيت٠
يجوز طبعاً أن يكون فيلم ماعوز فيلماً يستحق التسابق لكن هذا احتمال تداخله الشبهات مع تكرار محاولات توازن سابقة كما لو أن المهرجان المعيّن يخشى لومة لائم. فيلم »لبنان« يدور حول الغزو الإسرائبلي للبنان في منتصف الثمانينات من خلال »مذكّرات« و»ذكريات« جندي كان من بين الذين »عاشوا محنة« الحرب. وكان فيلم »الرقص مع بشير« تحدّث عن حرب 1984 نفسها وعن المأزق ذاته، لكنه أخفق في التحليل السياسي إخفاقاً شديداً ولا ندري بعد إذا ما كان ماعوز سيتجاوز هذا الإخفاق. لكي يفعل ذلك، فإن ما يحتاجه هو أن يعكس أن »المحنة« لم تكن من نصيب الجندي الإسرائيلي الفرد، بل أساساً هي اختيار كيان سياسي/ عسكري/ ديني فاشي وعنصري استباح أراضي الغير ولا يزال٠

اشتراكات اميركية
سنرى أيضاً تأثير سياسة جديدة ينتهجها مدير المهرجان حيال السينما الأميركية. فهو يقول مؤخراً أنه . استبعد هوليوود لكنه حرص على حضور السينما الأميركية. وهذا قد يكون صحيحاً بالنظر الى السمات الإنتاجية لكنه لا يزال بحاجة الى تدقيق٠
داخل المسابقة خمسة أفلام أميركية هي »الطريق« لجون هيلكوت. هذا هو ثاني أفلامه (من بعد فيلم وسترن لافت حققه في استراليا بعنوان »العرض« مع غاي بيرس وراي ونستون) وأكبرهما حجماً: خيال علمي من تمويل شركتين اميركيّتين شبه مستقلّتين، مع فيغو مورتنسن في دور أب لعائلة تحاول شق طريقها في أميركا المنكوبة بعد دمار شامل من شرقها الى غربها مدافعاً عنها ضد زمر من الأشرار٠ نظرة داكنة يعود مصدرها الى الروائي كورماك ماكارثي ذلك الذي وضع أعمالاً أحبّت السينما اقتباسها آخرها »لا بلد للمسنّين« الذي قدّم في نطاق مهرجان "كان" العام الفائت ثم استحوذ الأوسكار بعدها٠
أيضاً »الحياة خلال الحرب« للمخرج المستقل تود سولوندز مع آل شيدي وشياران هيندز، غابي هوفمان والبريطانية شارلوت رامبلينغ وعدد كبير من الممثلين الذين يلعبون أدواراً مساندة على طريقة ما كان المخرج روبرت ألتمن حيث تتعدد الشخصيات وتغطّي على الحبكة غير التقليدية٠
هذا لجانب ما ذكرناه من أعمال أميركية وهي »الرأسمالية، قصّة حب« و»رجل أعزب« و»ضابط سيء: ميناء نيو أورلينز«٠


أعرق مهرجانات السينما يبدأ دورة
جديدة
بحقيبة مليئة بالإنتاجات العربية
٠
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد رُضا


ما هي حقيقة الإشتراكات العربية في
مهرجان فنيسيا هذه السنة؟ هذه نظرة
على الإشتراكات العربية التي يوفّرها
مخرجون من مصر وتونس والجزائر٠
.............................................

هناك أكثر من مسابقة في مهرجان فنيسيا (ستّة) أهمّها مسابقة أولى رسمية، وأخرى في نطاق تظاهرة رسمية أيضاً تأتي الثانية أهمية بين أقسام المهرجان أسمها »آفاق«٠ في المسابقتين هناك فيلم مصري هذا العام وذلك للمرّة الأولى في تاريخ المهرجان٠
ففي المسابقة الرسمية الأولى هناك فيلم »المُسافر« لمخرجه الشاب أحمد ماهر، وهو فيلم يشترك في بطولته عمر الشريف وخالد النبوي، وهو الفيلم الأول لمخرجه وأول إنتاج لوزارة الثقافة المصرية. وفي المسابقة الثانية هناك »واحد صفر« للمخرجة كاملة أبو ذكرى وهو من بطولة إلهام شاهين وأحمد الفيشاوي. وكلا الفيلمين اثارا ضجّة في مصر، الأول من خلال الترحيب به كونه دخل مسابقة مهرجان فنيسيا الصعبة التي لم يسبقه اليها فيلم مصري لمخرج أول من قبل، والثاني لكونه متّهم بأنه يمس الديانة المسيحية. تهمة نفتها المخرجة المصرية وسيتسنّى لنا في المهرجان الإيطالي الوقوف على حقيقة وضع الفيلم من هذه الناحية على الأقل٠

في العروض الكثيرة الأخرى يبرز إسم مخرج مصري ثالث هو يسري نصر الله الذي يُعرض له في نطاق تظاهرة بعنوان »أيام فنيسيا« فيلمه الأخير »إحكي يا شهرزاد« الذي انقسم النقاد من حوله في مصر، شأن ذلك شأن كل فيلم أخرجه المخرج في مصر من قبل٠
وإسم مصري آخر يبرز في قسم »أسبوع النقاد« هو إسم طارق صالح الذي يقدّم فيلمه السويدي الإنتاج وعنوانه »متروبيا«، وهو الأول له أيضاً. في البطولة جولييت لويس وفنسنت غالو مع ستيلان سكارسغارد. والمخرج مهاجر منذ سنوات بعيدة الى السويد وانطلق في رحاب الفن كرسّام قبل أن يقرر أن تحل الكاميرا محل الريشة في التعبير عن رؤيته٠
والسينما التونسية متواجدة في إطار فيلم لرجا عمّار عنوانه »اسرار مدفونة« معروض في مسابقة »آفاق« وبذلك يكون هناك فيلمان عربيان متنافسان لجانب فيلم كاملة أبو ذكرى٠
علي صعيد آخر يعرض المخرج الجزائري فيلمه »الحرّاقون« في تظاهرة »أيام فنيسيا« خارج المسابقة وهو فيلم عودته الى النشاط السينمائي بعد نحو ثلاثة أعوام مرّت على آخر فيلم له٠

وإذا كانت السينما العربية تعرض نفسها في هذا المهرجان بزخم ملحوظ، فإن السينما الغربية لديها -بالطبع- الكثير جدّا مما تعرضه. مسابقة هذه السنة تشكّلت من خمسة أفلام أميركية، لكن مدير المسابقة ماركو مولر يؤكد أنها أميركية لكن غير هوليوودية، هى »الطريق« لجون هيلكوت، »خلال زمن الحرب« لتود سولونتز، »رجل أعزب« لتوم فورد، »الرأسمالية: قصّة حب« لمايكل مور و»ضابط سيء: مرفأ نيو أورلينز« للألماني فرنر هرتزوغ الذي اعتاد تحقيق أفلام أميركية في الآونة الأخيرة٠
أما أهم أسماء السينما الأوروبية فتتمحور حول الفرنسي جاك ريفيت (»36 منظر لسان لوب«) والتركي الألماني فاتح أكين (»مطبخ روحي«) والإيطالية فرنشسكا كومنشيني (»فضاء أبيض«) وهي إبنة المخرج الإيطالي الكلاسيكي المعروف لويجي كومنشيني، وكل ذلك لجانب عدد آخر من المخرجين المخضرمين او الواعدين٠


أفلام فنيسيا | محمد رُضا

1- La Grande Guerra (1959) ***
Dir: Mario Monicelli

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إيطالي- خارج المسابقة٠

عروض ما قبل الإفتتاح عادة درج عليها مهرجان فنيسيا منذ بضع سنوات ربما لتخفيف الضغط قليلاً عن اليوم الأول بالنسبة لعملية استقبال الحضور وتنظيم المهرجان إدارياً. لكنها ليست عادة سيئة حين يكون الفيلم جديراً- وهو عادة ما يكون متميّزاً على الأقل وهذا العام هو كذلك بالفعل٠

لا زال »الحرب الكبرى« (الذي نال ذهبية فنيسيا قبل خمسين سنة لكنه لم يحظ بأوسكار أفضل فيلم أجنبي حين دخل الترشيحات) يشي بمخرج كان يجد في الأفلام الحربية الصامتة مصدر إلهام. اللحظات التي يمضيها مع الصورة أكثر من تلك التي يمضيها مع الكلمة في ذلك الحيّز من المشاهد التي تسبح فيها الكاميرا فوق مواقع القتال. كذلك فإن موضوعه المعادي للحرب متّصل بثلاثة أفلام معادية للحرب إثنان منها صامتان هما الإستعراض الكبير« لكينغ فيدور (1925) و»ما ثمن المجد« الذي أخرجه الأميركي راوول وولش (1926)٠
الفيلم الثالث هو ناطق أخرجه ستانلي كوبريك سنة 1957 (عامان قبل هذا الفيلم) بعنوان »ممرات المجد« الذي هو التشابه الأقرب من حيث البعد المعادي بوضوح للحرب الذي يستخرجه فيلم مونيشللي من فيلمه ايضاً٠
الفارق الأساسي أن فيلم كوبريك متجهّم وجاد وليس لديه وقت للمزاح. فيلم مونيشللي، الذي أطلق عليه النقاد الإيطاليون قبل سواهم »ممرات المجد الإيطالي« على خط الوسط بين الدراما والكوميديا. موضوع جاد بتعابير هزلية٠
قصّة تركها المخرج بسيطة من حيث الجوهر: جنديّان ايطاليان (الراحلان ألبرتو سوردي وفيتوريو غاسمان) ينخرطان في الجيش الإيطالي في الحرب العالمية الأولى ويتعاملان مع قيادة ستيسطر بقراراتها على حياتيهما وسترسلهما للإشتراك في ما عُرف بمعركة "نهر بيافي« وهي معركة خاضتها ايطاليا لجانب قوّات فرنسية وبريطانية محدودة ضد قوات نمساوية ومجرية سنة 1918 وهي معركة انتصر فيها الإيطاليون بعد هزيمتين متواليتين في العام نفسه٠
لدى نقاد أوروبيين عديدين فيلم مونيشيللي تحفة سينمائية جديرة، وهو بالفعل عمل جيّد يجمع عناصر السينما الحربية والواقعية محلاة بمعالجته للموضوع٠
يبدأ المخرج فيلمه بتصميم مشهدي جيّد: لقطة طويلة واحدة لصف طويل واحد من الإيطاليين المصطفّين تمهيداً لضمّهم الى الجندية. صداقة تنشأ بين رجلين تستمر حتى النهاية رغم أن الفيلم ليس عن الصداقة ذاتها، بقدر ما هي معايشة، على قدر من المرح غير المضحك، لحياة المجنّدين قبل أن يتم إرسالهم الى جبهة القتال. هناك خمسون دقيقة من الفيلم مصروفة على هذه المعايشة في الجبهة الداخلية وتقديم الشخصيات المحيطة وعلاقة القيادة بالجنود وموقف مونيشيللي المنتقد للأولى. بعد ذلك نحو سبعين دقيقة من معايشة الجبهة الأمامية حيث المزيد من تلك التصاميم المثيرة للإعجاب من تصاميم الكاميرا وشغل التصوير (عمل مونيشللي مع ثلاثة مديري تصوير) من حيث تجسيده المعارك على نحو واقعي وبممثلين حقيقيين (مقابل ما هو منتشر اليوم من رسمهم بالكومبيوتر). لكن هذه التصاميم إذ تعكس رغبة المخرج المحققة بالإنتماء الى سينما حربية مشغولة بإتقان وحرفية عالية، الا أنها تترك مسافة كبيرة بينها وبين باقي العناصر. المخرج المعروف بلونه الكوميدي يطلق الكثير منها لكن القليل فقط يترك صدى او ردّ فعل. ربما آنذاك لمس أوتاراً حسّاسة بالنسبة لشعب كانت الحرب العالمية الثانية لا زالت ماثلة، والأولى لم تبرح بال مسنين بعد٠

السؤال هو التالي: لماذا حقق المخرج فيلماً كبيراً عن الحرب العالمية الأولى وتحاشى الحرب العالمية الثانية؟
مونيشيللي الذي يبلغ من العمر الآن 94 سنة كتب وأخرج ستة أفلام لها علاقة بالحرب، لكن العدد الأكبر مما حققه (75 فيلماً من بين 125 أخرجها او كتبها) كانت كوميديات اجتماعية من بينها أفلاماً أخرجها حين كانت الحرب العالمية الثانية لا زالت مستعرة٠
ربما المشاهدة الثانية المزمعة أفادت في القاء ضوء على هذا الموضوع، وربما لن تفد، لكن المهم القول أن من بين أفلامه الستّة التي تعاملت مع جبهات ساخنة، فيلم شارك وعدد من المخرجين الإيطاليين بتنفيذه تحت عنوان »رسائل من فلسطين« وحسب من شاهده "استمد من موقفه المعادي للحرب والباحث عن عدالة الإنسان ما عكسه على الفيلم"
٠
2- Apan/ The Ape (2009) ***1/2
Dir: Jesper Ganslandt

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



قسم: أيام فنيسيا دنماركي
في »القرد« طاقة مدروسة من قِبل المخرج جسبر غانزلاند ومن قِبل ممثّله الأول (وشبه الوحيد) أولي ساري، كما من قِبل مدير تصويره فردريك وينزل، جدير بها أن تُعتبر نموذجاً. لكن لندع هذا الجانب لحين ذلك لأن الدقائق الأولى من الفيلم سوف لن تخبرنا أي شيء عن هذه الطاقة الممارسة بأسلوب تتضافر فيها هذه الجهود الثلاثة، بل سيتركنا المخرج نواجهها بعد أن رصف الفيلم بمشهد هامد. هناك على أرض حمّام منزل نتعرّف على كريستر (ساري) وهو نائم. رأسه متدل من فوق كتفه وثمة رضّة تحت عينه وأخرى على جبينه. يصحو ويقفز من مكانه سريعاً حين ينظر الى يديه وملابسه الملوّثة بالدماء ويسارع الى غسل وجهه جيّداً قبل أن يخرج من غرفة الحمّام الى حيث جثّة صبي على الأرض٠
من هنا هو يوم واحد في حياة هذا الرجل الثلاثيناتي. يترك البيت ويزور عمله ثم يفقد أعصابه حين كان يمرّن فتى على القيادة. يعتذر ويترك السيارة. يزور النادي ويلعب (جيّداً) التنس لكن عينه على شاب يحاول التعرّف عليه. يتبعه الى الحمّام ويدخل غرفة الدوش وهو لا زال في الطلب ذاته. لكن الشاب يرميه بالرد المناسب مدركا إنه يتحرّش به ويغادر. كريستر ينطلق يعود الى البيت بعد 25 دقيقة من الفيلم وهنا نكتشف أن الصبي الملقى على الأرض هو إبنه وأنه حاول قتله. لكن الصبي لا يزال حيّاً وهو ينطق »بابا«. يهرع الأب به الى المستشفى ثم يغادر المستشفى دون أن يعرف إذا ما كان إبنه سيحيا او سيموت. يغسل السيارة وينظّفها من الدم ثم يعود الى البيت ليكتشف أن البوليس هناك. ينطلق بسيّارته الى منزل والدته. نراه يحمل سكّيناً. تستدير ناحيته قبيل وصوله اليها من الخلف وتحضته طبيعياً٠
يقطع المخرج هنا، لنرى كريستر يحفر حفرة صغيرة ليخفي السكين فيها. نعرف طبعاً أنه قتلها. يحاول الإنتحار لكنه يخاف. في الليل يعود الى المستشفى حيث يزور إبنه ويدرك إنه سيعيش. يصل البوليس ويبدأ التحقيق معه. لا نسمع شيئاً من هذا التحقيق إذ أن الكاميرا داخل غرفة الصبي والمخرج ينحو الى دقائق صامتة من هذا النوع أكثر من مرّة. في مشهد سابق. يخرج من سيّارته وتبقى الكاميرا. لا نسمع من العالم الخارجي شيء الى أن تنقلنا اللقطة التالية اليه. هنا يتركه البوليس يدخل الغرفة لتوديع إبنه الذي يقول له: "لقد شاهدت حلماً. كل الناس حيوانات ما عداك«٠

هذا فيلم عن الأسرة وعن رجل خسر كل شيء ولم يعرف كيف يحافظ على ما تبقّى له. ممثله ساري يستطيع أن يضعك في جو قاتل تلاشى المنطق من أمامه. ليس القاتل الذي يتحدّث الى نفسه ليؤكد لمشاهديه أنه فقد عقله، بل رجل لا يزال قادراً على التواصل مع ما كان عليه قبل أن يبدأ بارتكاب جريمته. الأم تحضنه في لحظة غير متوقّعة كما لو أنها أدركت فجأة أنها تريد توديعه لأنه سيقتلها، والإبن يخبره حلماً ينبؤ عن غفرانه له لجريمته في حقّه. في أحيان كثيرة لا نعرف قيمة ما نملكه الا بعد أن نخسره
سينمائياً مشدود وممثله يكتنز كل المطلوب لتجسيد الشخصية على نحو جيّد قابل للتصديق. المخرج غانزلاند يسرد في ثمان وثمانين دقيقة وضعاً اجتماعياً من زاوية شخصية واحدة وبأسلوب عمل بارع ومدروس بحيث لا يتم هدر دقيقة واحدة منه٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular