Sep 26, 2009

أوراق ناقد | السيناريو وفلسفة الفيلم - الحلقة الثانية | محمد رُضا عن "غلوريا" |نديم جرجورة حول مهرجان بيروت للأفلام الوثائقية

يوم الجمعة: عدد جديد وحافل
Year 3 | Issue 459
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إضافة | قضية رومان بولانسكي تقسم
المجتمع السينمائي بين مؤيد ومعارض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إضافة | "حياتي كشجرة". قصّة قصيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الموضوع الرئيسي | فيلم »غلوريا« كان عملاً
يختلف عما سبقه ولحقه من أعمال المخرج جون
كازافيتيس وبطلته كانت قويّة واجهت المافيا٠



أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
السياسيون والقراء ضد موقف السينمائيين من قضية رومان بولانسكي


معظم الذين شاركوا في التصويت الى الان مع مثول المخرج رومان بولانسكي الى العدالة بسبب تعرّضه لقاصر سنة 1978 وهذا ليس حال هذا الإستفتاء البسيط فقط، بل حال استفتاء مماثل أقدمت عليه مواقع او من خلال التعليقات التي استلمتها حين نشرت الخبر. مثلاً التعليقات الستة التي وردت تعليقاً على الموضوع المنشور في »سكرين دايلي« (متوفّرة للمشتركين) كلها تؤيد تسليم بولانسكي الى السلطات الأميركية. بل أحدها يبدأ بالقول: "هذا القطعة من الشظايا الإنسانية أعطى قاصراً مخدّرات وكحول لكي يغتصب الفتاة ويخطف منها براءتها". تعليق آخر قال" "السبب أن بولانسكي بقي طليقاً طوال تلك السنوات يرجع الى أن يهودي"٠
وفي الأخبار الواردة أن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك نأى بعيداً عن تأييد المخرج البولندي الأصل قائلاً: "مخرج بولندي رائد متورط في قضية اغتصاب قاصر هو أمر للقضاء". والآن الحكومة الفرنسية، على لسان وزير الداخلية تتخذ موقفاً موازيا يعبّر عن موقف الحكومة ككل. فقد أعلن وزير الداخلية برنار كوشنر كان طالب بإطلاق سراح بولانسكي لكن الحكومة الفرنسية، حسب أخبار نشرها موقع »بي بي سي« الإنكليزي« اليوم تبدي موقفاً آخر إذ تقول: "رومان بولانسكي ليس فوق القانون او تحته" (أفهم ما تعنيه عبارة "فوق القانون" لكن تحته؟)٠

هذا ما يزيد انقسام السينمائيين والسياسيين حول المخرج المعروف الذي يحمل جنسيّتين بولندية وفرنسية والذي لم يستطع استلام الأوسكار الذي مُنح له قبل سنوات عن فيلمه »عازف البيانو« بسبب خوفه من قيام البوليس الأميركي بإلقاء القبض عليه٠
وقد تداعى للوقوف معه 110 موقّعاً على عريضة بهذا المعنى من بينهم مارتن سكورسيزي ووودي ألن وديفيد لينش وفيم فندرز وبدرو أملادوفار، من المخرجين،، ومونيكا بيلوتشي وتيلدا سونتون من الممثلين. والممثل بيتر فوندا قال: "ما هو أكثر أهمية الإحتفال بالقاء القبض على أسامة بن لادن وليس على بولانسكي". المخرج والمنتج الفرنسي لوك بيسون رفض التوقيع.
وشركة وايلد بَنش الفرنسية، وهي شركة إنتاج وتوزيع كبيرة، سحبت فيلمها الجديد
Coco Chanel & Igor
من مهرجان زيورخ واتهمت المسؤولين عنه بأنهم استفادوا على حساب الوضع في حين كان عليهم، حسب قول الشركة، إيقاف المهرجان لحظة قيام السلطات السويسرية القاء القبض عليه٠

بالنسبة لي، لا يمكن للقانون أن يتراجع عن خطوته. فقط أتمنّى لو أن إلقاء القبض عليه تم قبل عدّة سنوات عوض أن يتم الآن والرجل أصبح في السادسة والسبعين من العمر. بكلمات أخرى، لابد كل مذنب أن ينال عقابه على الجريمة التي يقترفها، لكن الآن فإن السن سيدخل في الإعتبار حين تقديمه الى المحكمة من جديد كذلك موقف المجتمع السينمائي منه والإلتماسات المختلفة. وهذا ليس بدوره عدلاً. وإذ لابد من أن يأخذ العدل مجراه، فإن موقف السينمائيين المعارضين للعدل مغالط للموضوع. مزدوج المعايير من حيث أن العريضة الموقّعة (أضيف إليها أسماء فاتح أكين، وولتر سايلس، برنار ترفنيير) تنتقد استخدام مهرجان زيورخ كشرك للإيقاع بالمخرج. ما لهذا والجريمة التي ارتكبها؟ هل كان مفترضاً بالبوليس الترصّد له خارج المطار مثلاً؟ او مداهمة منزله في سويسرا او فرنسا؟
ثم إذا لو أن المجرم لم يكن رومان بولانسكي ... لنقل أنت او أنا او شخص من قاع المدينة، هل كان القضاء سيعفو عنه؟



حياتي كشجرة | قصّة لمحمد رُضا

في تلك الليلة سمعت نفسي وأنا أتقلّب على سريري أقول "أريد أن أموت"٠
في اليوم التالي، قبيل الظهر، كنت ماراً في أحد الأسواق لكي أصل الى الطرف الآخر منه عندما سقطت على وجهي ميّتا
كنت والحاضرين سمعنا لعلعة رصاص قبل لحظات. لابد أن رصاصة طائشة أصابتني. سقطت وغاب العالم عني، لكني سمعت من يهمس في أذني "مرحباً بك"٠
كان الصوت خارجاً من الأرض التي سقطت فوقها والصوت أكمل: "أنا الأرض. هل لديك مانع لو وافقت على أن تنزل روحك الى هنا عوض أن تصعد السماء... لفترة من الزمن على الأقل؟"٠
لم أعرف كيف أجيبه وأنا لا أستطيع الحركة او الكلام. قال الصوت "كل ما تحتاج إليه هو أن تقرر في نفسك وسأفهم ما قررته واتصرف تبعاً له. إذا لم تكن تريد لروحك أن تنزل الأرض تمنّى وستصعد الى بارئها فوراً، إما إذا نزلت الأرض فأن أجلها سيتأخر"٠
قررت٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
لا أدري كم من الزمن مرّ وأنا في سكون وركود مفصولاً عن جسدي. خطر لي أني أريد أن أقرأ ما كتبته الصحف عن الحادثة .... هل قالت " سقط رجل قتيلاً برصاصة طائشة بينما لاذ الآخرون بالفرار. وقد هرعت الى المكان قوات الأمن وعاينت الجثّة وحسب أحد المصادر فإن الرصاصة أصابت الرجل وأسمه محمد في مؤخرة رأسه ومات بنتيجتها على الفور"؟
سمعت صوت الأرض مرّة أخرى: هل استعدت عافيتك؟
ابتسمت روحي ووافقت٠
تستطيع البقاء تحت الأرض لسنوات- قالت الأرض
فكّرت: "سنوات أرضية او ربّانية؟"٠
ابتسمت الأرض وقالت: "لا نتعامل هنا الا مع السنوات الأرضية. أسمع خير طريقة لكي تستثمر مكوثك هنا هو أن تنبت كشجرة. ما رأيك؟"٠
أدركت ما أفكّر به فأجابت: "نعم. روحك تنبت كشجرة من النوع الذي ترغبه. طبعاً لا تقل لي نوعاً غير قابل للنبات في تربتنا. لا زهوراً استوائية او نباتات صحراوية. أي شيء آخر. ماذا تقول؟
فكّرت مليّاً وتساءلت والأرض تقرأ أفكاري: لمَ وافقت على أن أكون هنا؟ لم لا أصعد الى السماء وأنتهي؟
قرأت الأرض أفكاري لكنها صمتت. فهمت أفكارها وجمعت شتات نفسي وقررت٠
سمعت الأرض تقول: أي شجرة؟
فكّرت سريعاً وقررت أنني أريد أن أكون شجرة جمّيز
قالت الأرض: لم لا تكون شجرة عنب او تين او برتقال... هذه لا تزال موجودة في تربتنا. الجمّيز انتهى
قلت للأرض: شجرة جمّيز وإذا لم يعجبك الحال أطلقيني٠
ضحكت الأرض : "... يعجبني... يعجبني ... لا تخف ... لن نتركك تغادر الأرض سريعاً وستتحقق رغبتك لكن عليك أن تختار منطقة أخرى غير هذه الأرض المبلّطة. لا يستطيع النبات النمو فيها. هل هناك مكان آخر في لبنان تحب أن تولد فيه كشجرة جمّيز؟
ابتسمت، او هكذا اعتقدت، واخترت مكاناً أعرفه. هضبة تشرف على البحر ليست بعيدة عن المنارة في بيروت. قالت الأرض: لكن رأس بيروت بعيدة. لا تضحك. تمشي لها من هذا المكان في ساعة، وبالسيارة عشر دقائق. لكن تحت الأرض.... هناك الكثير من الأرض٠ قد يأخذ ذلك منك جهداً كبيراً... سنة او يزيد قليلاً٠
فكّرت وأحسست أن دموعي تترقرق لكني تحاملت على نفسي وتخيّلت نفسي شجرة كبيرة مثمرة بنوع من الثمار الذي كان يعرفه البيروتيون ويقدّرونه. نصف بيروت كانت شجر جمّيز ... قالت لي جدّتي ذات مرّة. حين ماتت لم يكن بقي من تلك الشجرة الا نحو خمسة متباعدة. حين مت لم يكن بقي منها ولا شجرة٠ سألت الأرض شرطاً فأجابت ... طبعاً ستكون شجرة مثمرة٠
وبدأت روحي التحرّك تحت الأرض ليل نهار. ليل نهار. ليل نهار. ليل نهار٠٠٠٠
........................................................
أيعجبك هذا المكان؟
سألتني الأرض وأضافت: إنه ركن في حديقة لبيت قديم. وافقت. تركتني ومضت. شعرت بالوحدة وشعرت بالوحدة طويلاً. سنة قبل أن أنمو قليلاً . كانت حياتي الثانية لا تزال مهددة. إذا ما داس عليها قدم مت مرّة أخرى. بعد ثلاث سنوات وجدت نفسي وقد أصبحت في مساواة الجدار وبضعة أشهر أخرى رأيت ما وراء الجدار. أفق أزرق جميل هو البحر. في ربيع السنة الرابعة كنت أصبحت شجرة متوسّطة الحجم تستقبل المطر بلا خوف وتوفّر ظلّها للإنسان وللحشرة وللطير وتثمر حبّات الجمّيز. كنت سعيداً حين كنت أرى أصحاب البيت وهم يقطفونني. آبتسم وأود أن أقول لهم هناك المزيد... تعالوا غداً ... تلك الجميزات الخضراء ستنضج الليلة. رب العائلة وقف تحتي ذات صباح وقال: ما شاء الله. اللهم صلي على النبي٠ وشعرت كما لو أنه قلّدني نيشاناً. أنا أيضاً قلت ما شاء الله. اللهم صلي على النبي٠
........................................................
في الموسم الثاني زارتني الأرض صباحاً وسألتني كيف أنا٠
قلت أنني سعيد، لكني أريد أن أرى بيروت كلها شجر جمّيز.
سألتني: هل تشعر بالوحدة؟
أجبتها نعم وأكثر من الوحدة، أشعر بأني أريد أن انتقل في الزمن الى الوراء... أين ذهبت تلك البيوت القرميدية؟ أين ذهبت أشجار الصبير ونباتات الحميضة وأم قليباني؟ الا تستطيعين زرعي في عالم مضى؟
قالت الأرض بصوت حزين لأول مرّة: تريد من الزمن أن يعود الى الوراء، لكنه لن يعود. أنا لا أستطيع فعل شيء. الزمن ليس من قدراتي.
ساد الصمت بيننا حتى العصر حين قلت: "الا تستطيعين استقبال روح جديدة تنبت شجرة جمّيز ثانية؟. أجابت: أنت آخر من قَبل أن يولد مرّة أخرى. متى مت. ستموت وحيداً٠
تركتني الأرض مع أفكاري. شعرت بها تنسحب حزينة. هبّت علي نسمة حانية وسقطت مني ثمرة على الأرض وحط عليّ عصفوران يلهوان و... جاء الليل بعد ذلك٠
فكّرت طويلاً في تلك الليلة .... لقد اردت أن أموت ثم اخترت أن أولد من جديد لأموت من جديد... على الأقل حين أموت مجدداً سأموت واقفاً٠
في صباح اليوم التالي، رب الأسرة وولديه يخرجون الى الحديقة. أنظر إليهم وهم يقتربون مني، وعلى بعد يسير يبدأون الحفر. أراهم يزرعون شجراً وبذوراً في أماكن متفرّقة. لقد قرروا أن لا أبقى وحيداً٠


الجمّيز شجرة متوسّطة الطول تنبت ثمرة بذلك الإسم في حجم *
التين لكنه مختلف عنه طعماً. ذات يوم كانت بيروت مليئة بأشجاره٠



أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنييس فاردا

عمرها 81 سنة وأخرجت، بعد عشرات الأفلام، عملاً جديداً بعنوان »شواطيء أنييس فاردا« نعم، إنها أنييس فاردا (او أغنيس بالإنكليزية) التي تقول في مقابلة مع الغارديان قبل أيام: "ذاكرتي مثل حفنة رمال في يدي"٠
لم يتسن لي مشاهدة الفيلم بعد، لكن حسب وصف منشور تبدأه بنفسها وهي تسير الى الوراء على الشاطيء ... بذلك ترمز الى الفيلم بأسره الذي تستعرض فيه ذكرياتها وأفلامها٠
حين كنت رئيس مسابقة مهرجان دبي حاولت جلبها لكي تكون رئيسة لجنة تحكيم، لكن صحّتها، كما قيل لي، ستمنعها لجانب أنها كانت مشغولة بإنجاز هذا الفيلم٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجياد في البحر

قبل أيام كتب قاريء لم يوقّع رسالته مشيراً الى أن مشهد الجياد التي تقفز الى البحر، ذلك الوارد في فيلم أحمد ماهر »المسافر«، وهو المشهد الذي أعجبني أكثر من أي مشهد آخر لحداثته كما ذكرت في نقدي للفيلم، موجود مثيل له في فيلم الرعب »الحلقة« وذلك بعدما ذكرت أني أعتقد أن المشهد هو الأول من نوعه٠
وعدت القاريء الصديق بإلقاء نظرة على الفيلم وخلال وجودي في لندن اشتريت نسخة من الفيلم وشاهدتها. نعم بعد نحو 50 دقيقة من الفيلم الجيّد الذي أخرجه غور فربينسكي هناك مشهد لحصان أسود يرتعب من بطلة الفيلم (الجيدة دوما ناوومي واتس) الموعودة بأن تموت بعد أيام. يفلت الحصان من الإصطبل ويركض مهتاجاً مثيراً الذعر بين ركاب الباخرة التي تقله وها هو يلقي بنفسه الى البحر٠
التشابه الأول: الباخرة في كل من الفيلمين بالطبع. لكن جياد أحمد ماهر هي أكثر مسالمة من حصان غور فربينسكي وهي تعيش بعد إلقاء نفسها في البحر بينما يموت حصان فيلم »الحلقة«٠
لكن في كلي الفيلمين هناك تفصيلة غير قابلة للمنطق: الجياد في فيلم أحمد ماهر والحصان في فيلم فربينسكي موضوعة في الطابق السفلي من الباخرة. كيف صعدت الى السطح لكي تلقي بنفسها؟ في فيلم أحمد ماهر هي جزء من فانتازيا رمزية لذلك لديها بعض القبول. في فيلم فربينسكي التجاوز ليس في مصلحة الفيلم على الإطلاق٠
كنت على الخط مع صديقي محمد خان الذي سألني إذا ما كنت أتذكر مشهداً مشابهاً في فيلم
The Black Stallion
لكارول بالارد (1979) وهو فيلم لا أذكر منه سوى أنه يصوّر العرب قساة غلاظ بلا شفقة يكيلون بالضرب للفرس الأسود. محمد ليس متأكداً الآن من وجود ذلك المشهد، وأنا أيضاً لكني أميل الى أن وجوده٠
أيضاً عليّ أن أعرف ما إذا كان الفيلم الياباني »الحلقة« (وهو الفيلم- المصدر الذي تم عنه الإقتباس الأميركي) يحتوي على المشهد الذي ذكرته عن الحصان الذي يرمي نفسه في البحر او أن غور فربينسكي أضافه. هل شاهد أحدكم النسخة اليابانية ويستطيع أن يؤكد ذلك او ينفيه؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب السينما

عدد الكتب التي صدرت من سلسلة »كتاب السينما« الى اليوم سبعة. عدد المرّات التي كتبت فيها هذا الكتاب إحدى عشر مرّة. أي أن هناك أربع مرّات أنجزت الكتاب ولم أجد من ينشره. آخر هذه المرّات الآن. لكن هذا لا يمنع من التخطيط لكتاب جديد من السلسلة لأن الهزيمة هي أشر ما يمكن أن يحدث لأي منّا ولأني مسؤول الى حد عن عدم صدور الكتاب الأخير٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استفتاء المخرج الذي يقبض

الإستفتاء الذي أجريته حول رأي القرّاء في موضوع أن يقبض المخرج لقاء عرضه في المهرجانات العربية جاء متساوياً: نصف الذين استجابوا قالوا نعم ونصفهم قالوا لا. وهناك أصدقاء تحدّثت اليهم مليّا في الموضوع وبعضهم دافع عن المخرج القابض وبعضهم هاجمه
قد أكون، في عجالتي حول الموضوع وفي رغبتي عدم ذكر أسماء، بإستثناء محمد الدارجي، المخرج العراقي الذي عرض فيلمه لمهرجان ثان بعدما قبض من الأول أيضاً، لم أضع الأمور بيضاء/ سوداء وقد يكون ذلك سبباً في عدم إيضاحي ما قصدت وفي ورود عبارة قائمة على الإفتراض حين ذكرت أن بعض المبرمجين لا يروا الأفلام التي يختارونها. توضيح من أحدهم يؤكد أن شاهد كل الأفلام التي تم اختيارها لمهرجانه. ليس من حقّي الإفتراض لذلك أعتذر. لكن المسألة لا زالت قائمة وثابتة
مخرج يريد أن يتقاضى من كل مهرجان يعرض فيلمه -
مخرجون آخرون سيحذون حذوه (وبل بدأوا بالفعل)٠ -
هذا لا علاقة له بمسألة تشجيع المخرجين، او الوقوف الى صفّهم -
بعض المهرجانات سوف لن تستطيع عرض أفلام عربية جديدة او جيّدة -
النجم يقبض لأنه يسعّر نفسه على أساس نجوميّته. المخرج لا يقبض لأنه ليس سلعة (مبدأياً)٠ -
العديد من الأفلام المعروضة اليوم على مهرجان سينمائي معيّن مشروطة بأن يدفع المهرجان لها -

إذا كانت كل الأسباب آنفاً، وما يتبعها من تبعات، لا تكفي لمعارضة مثل هذا التوجّه، فما البال بالوضع التالي
لنقل أن مخرجاً نال خمسين ألف دولار لكي يشترك بفيلمه في مهرجان معيّن. بينما اشترك مخرج آخر بفيلم آخر من دون أن يعلم بما يدور او رافضاً مبدأه الخ... ما الذي يحدث
أ) إذا فاز الفيلم المدفوع له؟
ب) إذا لم يفز المدفوع له؟
في الحالة الأولي: يخرج الفيلم الذي تقاضى صاحبه مالاً لقاء الإشتراك وقد أضاف لما تقاضاه مالاً أكثر. هل هذا عدل؟
في الحالة الثانية: يكتفي المخرج بما تقاضاه كما لو أنه فاز -في نهاية الأمر- بجائزة مسبقة٠ هل هذا عدل؟
بالنسبة للحالة الأولى، المخرج الذي لم يقبض ... فاتته أيضاً الجائزة. في الحالة الثانية: فاز لكن لا يزال هناك قدر كبير من عدم المساواة٠
بالنتيجة: إما أن يدفع المهرجان لكل الأفلام سلفاً وسواسية (بما فيها الأفلام غير العربية) وإما أن لا يدفع لأحد منها٠


السيناريو وفلفسة الفيلم 2 | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسئلة في الإقتباس والتاريخ

حين كتابة سيناريو لفيلم ما فإن وضع ماهية السيناريو يحدد ماهية الجمهور الذي سيتوجّه اليه، والعكس صحيح. إذا فكّرت في الجمهور (وليس في عدده بل في فئته ونوعيّته) فإن ذلك سيحدد السيناريو الذي ستقوم بكتابته٠
الكتابة من دون تحديد لا تمنح السيناريو، تقنياً، أي خصائص. قد يبقى سيناريو جيّداً وقد يبقى سيناريو رديئاً. كذلك الكتابة بالتحديد. لكن ميزة التحديد هي راحة الكاتب النفسية وهو يتعامل مع الموضوع. إذا ما كان يعلم أن السيناريو الذي يكتبه عن حياة نجيب محفوظ (مثلاً) سيتم إنتاجه بكل ما يحتاجه من تأمين عناصر فنية وإنتاجية لائقة لأن الموضوع شاسع وإسم الشخصية معروف بحيث أن المتوقّع إقبال كبير على الفيلم، اشتغل على هذا النحو ووضع في سياق السيناريو أحداثاً لن يستطيع وضعها فيما لو لم يكن واثقاً من أن السيناريو سوف يتم إنتاجه٠
قبل وخلال دراستي السيناريو في هوليوود ضمن محاضرات جون دوربي كتبت سيناريو لفيلم عن حياة ومغامرات جبران خليل جبران العاطفية. عرضته على عدد قليل من المنتجين العرب والأميركيين وتعلّمت من التجربة ما ذكرته أعلاه. لقد كتبته من دون جمهور معيّن في البال، ومن دون أن أدرس العلاقة بين السيناريو والميزانية، فجاء أكثر كلفة مما يستطيع أي من هؤلاء المنتجين تحمّله خصوصاً وأن أحداثه تنطلق من بوسطن الثلاثينات وتعود الى لبنان في فلاشباك طويل، ثم تنتقل الى بوسطن، فإلى لبنان ثم فرنسا قبل أن تنتهي في نيويورك٠

هذا يفتح المجال أمام عدّة مسائل٠
أوّلاً الإلمام بالميزانية وبالجمهور يوفّر إعادة كتابة المادة٠
ثانياً: الإلمام بهما يتيح وضع السيناريو المحكم. جبران ما كان يجب أن يُكتب من قبل الإجابة عما إذا كان المشروع أميركي الهوية او أوروبي الهوية وإذا ما كان هناك سوقاً له٠
ثالثاً (وهذه النقطة تمهيداً للإنتقال الى نقطة أخرى): الكتابة عن شخصية معيّنة، هل يجب أن تكون شاملة او مقتطعة؟ بكلمات أخرى: هل من الأفضل أخذ مرحلة من حياة الشخصية المعنية او كل المراحل؟

الإجابة على هذا السؤال لدى البعض يعتمد فقط على ما ورد بخصوص تمتّع الكاتب بإدراك مسبق حول المسائل الإنتاجية والتمويلية (الميزانية بشكل عام) لكن في الحقيقة يعتمد عليك أيضاً. كتابة السيناريو هي تعبير عن رغبتك أنت. رغبة مادية او نوعية. رغبة إيصال رسالة إجتماعية مناطة بالموضوع او مجرد إشارات صغيرة تتحوّل الى كليشيهات٠
استعراض الحياة كاملة يعني أن الكاتب يرى فيها -جميعاً- ما يجب يستحق الوقوف عنده. استعراض مرحلة يعني أنه يجد في تلك المرحلة وحدها (او بنسبة سائدة) ما يستحق الوقوف عنده٠ في الحالة الأولى لابد أن حياة تلك الشخصية هي مثيرة بحد ذاتها من بداياتها، وأن طفولته، كما الحال مع شخصية جبران خليل جبران، لها تأثير كبير على كل ما عايشه من إشكالات نفسية وعاطفية. في الحالة الثانية، الإهتمام منصب على المرحلة المختارة وحدها (ربما مع فلاشباكات قصيرة) لكي تروي ما حدث مع تلك الشخصية في ذلك الحين. لنقل أن فيلماً يريد البحث عن الفترة التي قضاها نجيب محفوظ كاتباً للسيناريو دون سواها، ذلك إذاً سيطغى على أهمية البحث عما سبق او ما تلا الستينات من حياة تلك الشخصية٠

إنما ضروري جدّاً التالي: كاتب السيناريو عليه أن يضع العمل الذي يذهب لما هو أكثر من مجرد حكي القصّة ليس فقط حين يتناول شخصية حقيقية، بل حين يتناول حادثاً حقيقياً. يوم في حياة ما، وبل حين يكون الفيلم المنشود خيالياً او حتى وثائقياً٠
هذا لأن على أي فيلم أن يتجاوز عمل أن يكون قصّة فقط وفي حالة الفيلم المستند الى شخصيات حقيقية لا يكفي أن يستعين المرء بأسماء حقيقية او بأحداث واقعة لكي يؤكد التزامه بالحقيقة. على الكاتب أن يجد في تلك الشخصيات وفي تلك الأحداث آفاقاً جديرة بأن تتسلل الى الفيلم. خذ هذا المثال

جبران يسير عائداً من عرض مسرحي تم تقديمه في المدرسة التي كان يدرس فيها، وهو لا يزال شابّاً صغيراً. خلال مشيه في الشارع عائداً الى بيته يتوالى مرور سيّارات الإطفاء بأجراسها وأبواقها المدوّية. تمر به وتلف في شارع ينتهي الى حيث المعرض الذي وضع فيه جبران بعض لوحاته الأولى . النار تنبعث منه وتأتي على كل اللوحات الموجودة فيه٠
الآن: أنا لا أعلم إذا ما كان جبران كان على مقربة من المكان بالفعل في تلك الليلة المحددة. ولا أعلم متى وصلت سيارات الإطفاء وكم كان عددها وعتادها لكني أدري أن الحادثة (حريق التهم الاستديو) صحيحة. أعلم أن جبران خسر لوحاته ولوحات رسمها فنان له في ذلك الحريق. لدي جبران. الحريق. المدينة. هذا يكفي لإثبات الحالة ولتحريك آلية الفصل من المشاهد: جبران يسير وهو تحت تأثير ما شاهده. يمشي قاصدً منزله حيث أمه وشقيقته ونصف شقيقه. الوقت ليل. يسمع صفارات الأطفاء. لا يعيرها اهتماماً. تمر به. تدخل الشارع الى يمينه قبل وصوله اليه. لا يزال لا يعرف ما الذي يحدث. حين يصل الى الشارع يرى الحريق في آخر الشارع ويكتشف أن الاستديو مشتعل٠
تضمّن المشهد بذلك إنتقالاً من حال سابق (المدرسة وما جرى فيها) الى فاصل يمشي فيه بطل الفيلم بين حالتين، الى حالة مدهمة وطارئة لم تكن -مطلقاً كما هو الواقع- لتخطر على باله وإذا كتبت المشهد بعناية، والسيناريو كلّه بذات العناية، فإن الحالة مدهمة وطارئة ولا تخطر على بال المُشاهِد أيضاً٠ هي إذاً ليست رصفاً من الأحداث والا لغاب عنها الخيال والإبداع. هي في ذات الوقت، ليست مفتعلة والا لكذبت على المشاهد في محاولتها لتقديم حادثة لم تقع مهما كانت الموجبات للإختلاق. بل فيها توظيف الحقيقة لخلق حالة. الحالة مطروحة أمام المخرج لتوظيفها في مشهد يحمل هذا التدرّج من وضع سابق الى وضع مفاجيء. نجاحه مرهون به٠

يتبع ٠٠٠٠


فيلم | غلوريا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إمرأة بمسدس: شخصية جينا رولاندز في فيلم جون كازافيتيس »غلوريا«٠

محمد رُضا


تمهيد
......
فيلم جون كازافيتس »غلوريا« هو مثل فيلم عاطف الطيّب »سوّاق الأوتوبيس« من حيث إن كليهما غضب الفرد على ظواهر إجتماعية مع فارقين مهمّين: فيلم عاطف الطيّب أكثر توجهاً لنقد الوضع الإجتماعي في القاهرة حينها من فيلم كازافيتس الموجّه لنقد طينة حياة معيّنة. الثاني، بطل فيلم عاطف الطيّب يعمد الى العنف في النهاية بعد أن وجد كل أنواع الصد من حوله، بينما فيلم كازافيتيس هو بوليسي. المرأة فيه تحمل مسدّساً من بعد نصف ساعة من الفيلم٠
لكن المرارة واحدة وكلا المخرجين كان فنّاناً بديعاً بأسلوبين مختلفين تماماً الواحد عن الأخر٠

غلوريا هي الممثلة جينا رولاندز: إمرأة في مطلع منتصف العمر. غير متزوّجة. لا أولاد شرعيين او غير شرعيين لديها. تعيش وحيدة وكانت لها علاقات اجتماعية-عاطفية مع بعض أعيان المافيا في نيويورك، حيث تقع الأحداث٠
غلوريا تجد نفسها في ظرف خاص: جارها قبل مقتله طلب منها حماية إبنه (من زواج مختلط: أبيض على لاتيني). المافيا قتلت الجار حين علمت أنه يحتفظ بكتاب يريد تسليمه للسلطات يستطيع أن يتسبب بإدخال رؤساء من المافيا في السجن. المافيا تدافع عن نفسها ضد هذا الإحتمال فتعدم محاسبها السابق هذا وزوجته والصبي يؤول الى تلك المرأة التي تجد نفسها مع »إبن« لم تلده و... إبن مشاكس وعنيد ولا يستطيع أن يتوقّف عن الشكوى والجدال٠
العصابة الآن في إثر غلوريا المسلّحة بمسدس تدافع به عن نفسها وعن الولد. المافيا مستاءة. تأمر بإعدام الإثنين. في ذات الوقت علاقة عطف وأموّة بين المرأة والصبي٠

غلوريا- الفيلم، تم صنعه قبل سنوات قريبة (1999 تحديداً) بيدي المخرج سيدني لوميت: لا تشاهده. مضيعة للوقت كونه لا يحمل إبداعاً خاصّاً من أي نوع وبطلته (شارون ستون) لا تحمل ما تحمله جينا رولاندز من قدرات وموهبة أضافت اليها استيعاباً رائعاً للميزات النفسية الخاصّة بالشخصية التي لعبتها. النتيجة: واحد من أفضل أدوار جينا رولاندز في الوقت الذي لا يستطيع فيه لوميت في نسخته المنتسخة، تجاوز الفيلم الأصلي كما صنعه كازافيتيس. لذا الفيلم الثاني لا يملك ذات المواصفات الفنية التي جعلت الفيلم الأول كلاسيكياً من لحظة حلوله على الشاشة. وضع ازداد حضوراً مع مضي السنوات٠

خلفية
.......
كان مضى على جون كازافيتس ثلاث سنوات من دون فيلم يخرجه حين أقدم على تحقيق »غلوريا«. سابقاً ما كوّن لنفسه شأناً كبيراً كأحد روّاد السينما المستقلّة في الستينات والسبعينات مع أفلام مثل
Faces, Husbands, A Woman Under the Influence, Minnie and Moskowitz, The Killing of Chinese Bookie, Mickey and Nicky
ومعظمها من تمثيل طاقمه المفضّل: بن غازارا، بيتر فولك، سايمور كاسل وجينا رولاندز التي كانت زوجته٠
كازافيتيس كان ممثلاً سينمائياً ناجح الحضور أيضاً وما بين آخر فيلم أخرجه قبل »غلوريا« وهو »ليلة الإفتتاح« (مع جينا رولاندز وبن غازارا وجون كازافيتيز نفسه)، ظهر ممثلاً في فيلمين واحد بعنوان
The Fury
لبرايان دي بالما (أمام كيرك دوغلاس) والثاني »هدف نحاسي« او
Brass Target
لجون هوف مع صوفيا لورن وجورج كندي٠
بالنسبة لجينا رولاندز، كانت تشكّل ما بين أفلام لزوجها وأفلام لمخرجين آخرين حين وقع قرأت سيناريو زوجها الذي يُقال كتبه كفيلم تجاري لكنه تردد في الإقدام على تنفيذه. جينا أحبّت الدور لأنه يمنحها إطلالة على جانب لم يتسن لها من قبل التعامل معه هو شخصية المرأة الخشنة (أخت الرجال) ليس على طريقة ناديا جندي (والحمد لله) بل على طريقة الممثلة التي تعرف حين تقرأ السيناريو كل تلك الأبعاد النفسية والعاطفية التي عليها المرور بها لكي تؤدي دورها٠
حين فسّر المخرج عن خصوصية الشخصية التي لعبتها زوجته رولاندز قال: مثيرة، لكنها قوية لا تحتاج الى رجل"٠

تصوير
.......
بوشر بتصوير الفيلم في مطلع العام 1979 ومات والد المخرج في السادس والعشرين من نيسان / أبريل من ذات العام. في الفيلم مشاهد لمقابر وملامسة لمفهوم الموت وهذا يجعله يبدو كتأثير مباشر لخسارة المخرج لوالده خلال التصوير. لكن كل تلك المشاهد كانت مكتوبة سلفاً. عمق اللحظات هو المُضاف٠
كان المخرج سبق التصوير بالتدريبات لثلاثة أسابيع وصوّر فيلمه في حي معروف بخشونته وطبيعته غير
South Bronx الودودة هو
هناك تم تصوير المشاهد الخارجية والداخلية (تم استخدام فندقين أحدهما كان متوقّفاً عن العمل)٠ وحرض المخرج ومدير تصويره فرد شولر على تصوير واقعي وفي شوارع لا تعكس جمال المدينة حتى، وحسب ما قاله المخرج حينها لا يمنح ذلك الفيلم "نظرة تشبه أفلام وودي ألن"٠
جزء من »غلوريا« هو فيلم عصابات، او بالأحرى، جانباً منه هو فيلم عصابات، كما الحال مع »العرّاب« و»الدون مات« و»شوارع منحطّة« مثلاً، لكن المختلف هنا او أسلوب العمل والتصوير والميزانسين وما يحمله كل ذلك من محاولة دؤوبة وناجحة لنقل الواقع بشكل قابل للتصديق. ولم يكتف المخرج بالأماكن بل اختار العديد من الممثلين الذين لم يقفوا أمام الكاميرا من قبل ليظهروا سواء في أدوار سائقي تاكسي او في أدوار رجال عصابات. والذين ظهروا في أدوار رجال عصابات كانوا، في غالبيّتهم، رجال عصابات بالفعل٠

نقد
....
هناك فورميلا بوليسية لهذا الفيلم: بطل ضد المافيا وفي منتصف الصراع ولد٠
المختلف ينطلق مباشرة من هذه الفورميلا: البطل هو إمرأة. المرأة خبرت عالماً خشناً وعنيفاً منذ شبابها الذي يولّى. لا زالت تحتفظ بجمال لكنها ليست المرأة التي تصرف وقتاً طويلاً على جمالها ولا على مستقبلها. تعيش الآن بل رجل لأنها استبدلت الرجل بنفسها. إنها المرأة (جنسياً) والرجل (نفسياً)٠
ذات يوم تجد أن عليها أن تؤمّن الحياة لولد أودعه والده (الكاتب باك هنري) في عنايتها قبل لحظات من مداهمة المافيا لشقّته وقتله وباقي أفراد العائلة. الولد أسمه فِل في نحو الثانية عشر من عمره (يقوم به جون أدامس): قصير القامة. أسود الشعر. فوضوي المنهج. مُتعِب ومضج. لا يحب غلوريا ولا هي تحبّه. تقول في الفيلم: "طول حياتي تجنّبت أن يكون لدي ولد. أكره الأولاد"٠
ما يجمعهما هو إدراكها بأنها مسؤولة، وهذا الإدراك يأتيها على مراحل. لقد حاولت تركه لمصيره لأنه السبب في أنه يجعلها تراجع حياتها من بدايتها وهي لا تريد أن تراجع شيئاً. والجانب المثير في كل هذا هو أن الأحداث لا تقع في بلدة صغيرة ولا في الريف ولا في حي مانهاتن الأنيق على ضفاف نيويورك، بل في نيويورك الشوارع السفلى من مدينة لها وجوها عدّة. الشوارع التي كانت الى ذلك الحين من اختصاص أفلام بوليسية أفرو-أميركية تنتقل ما بين هارلم والشارع 110 والشارع 150 من ساوث برونكس. أفلام مثل »شافت« و»سوبرفلاي« و»رجل المتاعب« و»هامر« و»اسطورة نيغر تشارلي« الخ...
هنا لا يوجد أميركيون سود الا في مشهد رئيسي واحد: حين يصعد لجانب غلوريا في سيّارة تاكسي أحد أعضاء العصابة في محاولتي ترغيب- ترهيب، تجد منفذاً في الإدعاء بأنه يتعرّض جنسيا لها. تفتح الباب -حين تقف السيارة- وتخرج منها. يحاول رجل العصابة تجاهل السائق الأسود لكن السائق الأسود يخرج من السيارة فإذا به بطول لاعبي كرة السلّة ما يثير خوف رجل العصابة فيعتذر٠


لكن المشهد الذي أحبّه أكثر من سواه الى حد هو ذلك الذي تدخل فيه غلوريا والصبي مطعماً لتناول الغذاء. مطعم صغير مكتظ. على الطاولة الأخرى القريبة خمسة او ستّة من أعضاء العصابة (بينهم وجوهاً لم أرها من قبل ولا من بعد في أي فيلم ما يدل على أنها وجوه لأفراد عصابة حقيقيين). كانت غلوريا تعلم أنها مراقبة وأن هؤلاء الأشرار يترصّدونها. تطلب من الصبي البقاء الى جانبها وهي تخرج مسدّس سميث أند ووسون وترفعه في وجوه الرجال مرتجلة خطاباً يحمل الوعيد. أحد هؤلاء (شاب بأنف طويل) ينظر اليها يريد قتلها بعينيه وهي تنتبه له لذلك تطلب منه تنفيذ أوامرها ما يزيده غضباً٠
حين يقابلها رئيس العصابة في منزله لاحقاً هو الذي يشكو لها كيف تعامل رجاله. تطلق النار عليهم. تهزأ بهم "وهذا ليس جيداً" يقول لها. كانت توجّهت اليه لكي تطلب منه التوقّف عن محاولة الوصول الى الصبي. إنساه. تقول له. لن يستطيع أن يفعل شيئاً. حين تراه مصرّاً تخرج من المكان قبل أن تُقتل. يطلب من رجاله إطلاق النار عليها. أحدهم يفعل ذلك بعدما دخلت المصعد
لا شيء آمن هنا او يدعو للطمأنينة. لا الفندق الذي تتوارى فيه والصبي بعيداً عن الأعين، ولا الشوارع المنحطّة وما تحويه من مصادمات ولا هي تدعو للأمان. تقتل حين تجد الحاجة ضرورية. وتتعرّض للخطر طوال الوقت. لكن حرص المخرج كامن في اشباع تلك العلاقة الأموية غير الودودة او الحنونة الى أن يعود الموت يرفرف حين يرغب الصبي زيارة قبر أبيه. هناك عدّة اختيارات أمام غلوريا آنذاك. تستطيع أن تتركه وتمضي. لكنها تقرر أن تعود اليه٠

حاشية مهمّة هنا: »غلوريا« الفيلم لم يأتي من عدم. آنذاك في السبعينات وحتى بضع سنوات من الثمانينات، كانت المرأة في السينما تؤدي أدواراً بطولية فعلية. ليس بالضرورة بطولية عنيفة، لكن وجودها كان أساسياً وشخصيّتها هي محور الأفلام: إلين برنستين في »إليس لم تعد تعيش هنا«، جل كلايبورغ في »إمرأة غير متزوّجة«، مريل ستريب في كل أدوارها الأولى سيسي سبايسك في »كاري«، دايان كيتون في »أندي هول«، جنيفف بوجولد في »كوما« و-من بريطانيا- غليندا جاكسون في »نساء عاشقات« و»أحد، أحد لعين« لجانب فانيسا ردغراف وجولي كريستي في كل ما لعبتاه من أدوار. لكن جينا كانت أقواهن حضوراً ما يدفع المرء (إذا ما شاهد هذا الفيلم مرّة ثانية- او للمرّة الأولى اليوم) الى رغبته في التعرّف أكثر على هذه الممثلة التي كانت دائماً ما تلعب شخصية إمرأة غريبة عن بيئتها من حيث أنها ليست نمطاً مشابهاً لمعظم النساء الأخريات٠
الى كل ذلك، »غلوريا« فيلم مثير في بنائه: بوليسي عن مطاردات في شوارع المدينة. أريد له أن يكون حقيقياً لكنه في ذات الوقت لا زال معالجة بوليسية ترضي هوليوود... رغم ذلك، لم يحقق الفيلم آنذاك أي نجاح تجاري دلالة على أن أسلوب كازافيتيس الموغل في الإهتمام بالشخصيات والجوانب غير القصصية- المحض سردية، سيطر على العمل وجعله يبدو فاقعاً ومختلفاً بين أترابه من الأفلام البوليسية٠


مهرجانات | بيروت الدولي للأفلام الوثائقية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد غياب عامين: الترحيب لا يُخفي الاسئلة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


لا يستطيع أحدٌ من المعنيين بالهمّ السينمائي أن يُدرك سرّ اختفاء مدير لمهرجان سينمائي، أعيد إحياء دوراته السنوية بعد غياب عامين متتاليين. لا يُمكن أياً كان أن يحلّل معنى إقامة مهرجان سينمائي متخصّص بالفيلم الوثائقي، يكاد يكون المهرجان العربي الوحيد المتخصّص بهذا النوع السينمائي بحدّ ذاته، من دون أن يحضر مديره ومؤسّسه، ومن دون أن يُعلَن عن الأسباب الحقيقية التي حالت دون تنظيم أي دورة في العامين الفائتين، ودون حضور المدير العام وأحد مؤسِّسَيه الاثنين في الدورة الجديدة هذه. لكن، في المقابل، تُطرح أسئلة أخرى: هل ظهور المدير، المقيم حالياً في العاصمة القطرية، ضرورة، أم أن مهرجاناً كهذا قادرٌ على القيام بواجباته السينمائية، المنحصرة في تقديم مجموعة من الأفلام الوثائقية العربية والأجنبية، تضمّ عناوين مهمّة ومعالجات جدّية من دون أدنى شكّ، من دون وجود مدير يتحمّل مسؤولياته إزاء من يُفترض به أن يكون جمهور مهرجان وثائقي، وإزاء السينما والعاملين فيها والمهتمّين بها وبقضاياها أيضاً؟ هل يؤدّي وجود المدير المذكور إلى تغيير شيء ما في مكانة المهرجان؟ وهل لا يزال المهرجان محتفظاً بمكانته التي شيّدها في ثماني دورات متتالية، توقّفت بعيد الانتهاء من الحرب الإسرائيلية على لبنان ؟ هل يطرح غياب مدير المهرجان سؤالاً نقدياً، أم أنه يؤدّي إلى تساؤلات تطال بنية المهرجان وتاريخه؟، صيف العام 2006

تساؤلات
باختصار شديد، أعيد تنظيم «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» قبل يومين اثنين، في دورة تحمل الرقم التاسع في تاريخ المهرجان الذي حقّق نجاحاً لافتاً للانتباه، على مستوى العروض والخيارات، على الرغم من أن نقّاداً ومعنيين بالشأن السينمائي طرحوا ملاحظات عدّة حول آلية الاختيار ونوعية الأفلام المختارة، الخاضعتين لمزاج سياسي وثقافي وإيديولوجي خاصّ بمديره وأحد مؤسّسيه الاثنين محمد هاشم. ذلك أن فهم المهرجان «دور الفيلم الوثائقي» لا يزال كما هو منذ الدورة الأولى، كما جاء في تقديم الدورة التاسعة: «ليس هذا الفيلم تسجيلاً واقعياً يدّعي الحياد. فخلف كل صورة رسالة، وكل حبكة تتضمّن رأياً واضحاً. نحن هنا لنناقش ونُقنع ونقتنع بما تحمله لنا هذه الأفلام، على المستويات السياسية والاجتماعية والبيئية والفنية والاقتصادية. إن دور هذا النوع السينمائي طرح الواقع كما يراه صاحب الفيلم، بهدف التغيير نحو الأفضل، أو الحفاظ على ما تبقّى من جمال في عالمنا». تستدعي هذه الفقرة وحدها نقاشاً ولّى زمنه، لأن السينما لا تبغي تغييراً ولا يُفترض بها أن تسعى إليه، بل عليها أن تقدّم الجمال عبر الجماليات الكامنة في صناعة الأفلام. والسينما الوثائقية تسلّط الضوء على الواقع ليس بهدف التغيير أو الحفاظ على جمال ما، لأن مهمة كهذه تصلح لبيان سياسي أو ثقافي أو إيديولوجي، على الرغم من أن التوجّهات الوثائقية أكثر واقعية من توجّهات الأفلام الروائية، المنبثقة بدورها من الواقع. بمعنى آخر، ليست السينما حزباً أو جماعة تعمل من أجل الخير العام، بل إبداع يُحطّم كل شيء كي يعيد بناءه مجدّداً، وفقاً للجنون الإبداعي الجميل لصانعيها. وهذا كلّه جزء بسيط من الأجزاء الكبيرة التي تعنيها السينما.
باختصار أشدّ، تمّ تنظيم الدورة التاسعة هذه، التي تنتهي يوم الثلاثاء المقبل، والمدير المذكور لا يزال متوارياً عن الأنظار

لكن، هل اختفاء الرجل مسألة ثقافية مهمّة، أم أنها تندرج في إطار البحث عن معنى غياب المهرجان في عامين متتاليين من دون ذكر واضح للأسباب الرسمية والحقيقية، وعن مغزى إعادة تنظيمه من دون وضوح في الخطّة الموضوعة، إن وُضعت خطّة عمل متكاملة، لا ترتكز على مزاجية شخص واحد فقط (على الرغم من قناعة شخصية مفادها أن لمدير المهرجان حقّاً ما في تحديد النوع السينمائي والمضامين المختارة في عملية اختيار الأفلام، شرط عدم الوقوع في فخّ الاستهسال البصري بحجّة الاهتمام بالمضمون فقط)، ولا تتكئ على ما تيسّر من مال ووضع أمني «صحّي»، في بلد لا يُقدّم أدنى ضمانة لعيش سليم وهادئ. ذلك أن المشكلة الآنيّة لمهرجان أثبت جدارته في الخارطة اللبنانية للنشاطات السينمائية، على مستوى تأسيس علاقة جدّية بين نتاج وثائقي ومشاهدين مهتمّين، كامنةٌ في الارتباك الحاصل داخل أروقة «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية»، على مستوى التوقّف والعودة تحديداً، تماماً كما هي حالة «مهرجان بيروت السينمائي الدولي»، الذي تستعدّ مديرته كوليت نوفل لإقامة دورة جديدة خلال الأيام القليلة المقبلة، من دون أن تعيد النظر في مواقفها السلبية إزاء نقّاد قدّموا ملاحظاتهم النقدية حول مهرجانها بهدف تحسينه، ظنّاً منها أن النقد تجريحٌ، فشنّت ما يُشبه الحملة ضد من رغب، عبر كتاباته، في حماية المهرجان المذكور من الانحدار في بؤس التنظيم وعشوائية الاختيار وغموض الرؤية وهشاشة «الاحتفاء» المنقوص بالسينما والسينمائيين، اللبنانيين والعرب والأجانب

مكانة
لفترة طويلة، دافعتُ عن المهرجان الوثائقي انطلاقاً من قناعتي بأهمية تخصّصه، وقدرته على تنظيم دوراته السنوية في مواعيد ثابتة تحترم السينما والعاملين فيها، وتحترم الجمهور أيضاً، على الرغم من خلل خياراته السينمائية أحياناً عدّة، على مستوى الشكل والمعالجة والتوجّهات الإيديولوجية والسياسية، التي تحرّض على النقاش، على الرغم من كل شيء. لكن، أمام غموض خلفية توقّفه وأسباب عودته، أحاول التكيّف مع سياق مرتبك أصابه وأفقده بعض مصداقية، خصوصاً أن إشاعات عدّة «رُوِّجت» حول مسائل مالية عالقة بين إدارته وجهات أوروبية تموِّل نشاطات سينمائية. ولأن للمهرجان مكانة محترمة في ذاكرتي، لا أستطيع التغاضي عن الالتباسات كلّها المحيطة به في مرحلة عودته إلى المشهد السينمائي المحلي، خصوصاً في ظلّ غياب مديره، وإن ظهر حالياً المدير الفني علي حمّود ومسؤولة العلاقات العامّة عبير هاشم، علماً أن حمّود يمتلك ثقافة سينمائية واسعة تؤهّله لاختيار عناوين متفرّقة صالحة لمهرجان متخصّص ومحرّضة على نقاشات سوية؛ في حين أن هاشم متمكّنة من مسؤولياتها في هذا الإطار٠

لا تبغي الكتابة الإيجابية على الدور الذي لعبه المهرجان الوثائقي، في دوراته الثماني الفائتة، تمجيداً عشوائياً لمن جاهد في سبيل جعله محطّة للتواصل الفعلي مع النتاج الوثائقي، على الرغم من التساؤلات المعلّقة حول مسائل فنية ومالية وإيديولوجية مختلفة. ففي عالم كهذا، لا وجود لأبطال منزّهين عن العيب، ولا معنى لتبجيل مَن حوّل نشاطاً فنياً أو ثقافياً ما إلى مساحة لحوار معيّن، حتّى ولو كان الحوار المذكور غطاء لصفقات مالية مربحة أحياناً، كما يحدث عادة في الغالبية الساحقة من النشاطات الثقافية والفنية، المموَّلة من جهات ثقافية غربية متفرّقة؛ أو حتى ولو أصيب المهرجان بهنات عدّة، تنظيمياً وإدارياً وآلية اختيار الأفلام ونوعيتها. فالواقع الآنيّ يقول إن «مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية» استفاق من غيبوبة عامين متتاليين، من دون تناسي أولوية مناقشة حضوره الجديد، التي لا تستقيم إلاّ بعد انتهاء الدورة التاسعة هذه؛ والنقاش النقدي الخاصّ بالأفلام المختارة متروك لمشاهدة وافية ولمقالة ثانية



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular