Sep 24, 2009

أوراق ناقد * محمد رضا | استعادة لفيلم "يوم جديد في صنعاء القديمة" * خالد ربيع السيّد |عن السيناريو وفلسفة الفيلم

Year 3 | Issue 458


خالد ربيع السيد يكتب عن فيلم
بدر بن حرسي »يوم جديد في
صنعاء القديمة«٠




أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثورة

لو حكيت لكم ما يخطر ببالي -فعلاً- لما وجدت واحداً منكم يؤيدني
كما هو الحال الآن، أجد نفسي أبذل جهداً مضاعفاً لكي أصل الى إطلاق أفكاري لأن كل ما تكتبه او تقوله جيد او سيء من وجهة نظر المستفيد او المتضرر. إذا استفاد فأنا أكتب رأيا سديداً وإذا تضرر فإنني على خطأ، فما البال لو كتبت شيئاً يُعاكس مفاهيم كثيرة ورؤى عريقة حتى ولو كانت هذه الكتابة تعبّر عما يجول في بالي؟

هذا الموقع يُتيح لك يا محمد أن تكتب ما تريد. أكتب٠
يقول لي صوت الداخل، لكن تجدني أبتسم وأكتفي بأن أكتب عن الكتابة عوض الدخول في عملية الكتابة ذاتها. فيلم داخل فيلم- إذا أردت٠
لكن لأجرب٠
ماذا تقولون لو قلت لكم أنني ضد كل شيء حدث في هذا العالم من مطلع الثمانينات الى اليوم؟ كل شيء في كل شيء من دون استثناء بما في ذلك إنتشار أسطوانات الأفلام والتطوّرات التقنية والمؤثرات الخاصّة وتحويل العالم الى قرية صغيرة ومحو الحدود والتبادل البشري عبره. بما في ذلك الكومبيوتر الذي نستخدمه الآن للتواصل وصالات السينما التي أصبحت علب كبريت. ماذا لو قلت لكم إني افتقد لنظام النجوم البالي والى المغامرات في أرض الفيلم الصامت والأعمال الملحمية التي يتم فيها استئجار بشر حقيقيين وليس خيالات مجسّمة مصنوعة كومبيوتر غرافيكس٠
ماذا تقولون لو أني قلت أنني افتقد الأبيض والأسود في السينما والرهجة الثقافية التي كانت تحيط بالفيلم الفني والحياة المزروعة بمن رحل كتّاباً وموسيقيين وسياسيين وممثلين ومخرجين؟
ماذا تقولون لو أني قلت أنني افتقد المجلات الورقية والسيارات القديمة والنجوم التي كانت تظهر في سماء الليل (أين هي اليوم؟) والبطيخ الأحمر القاني والفاكهة التي تشتم رائحتها من على بعد والورود التي تعبق رائحتها بالحديقة والهاتف ذي البكرة (بالنكاية) وخصوصية الحديث على الهاتف عوض ما نراه اليوم من شيوع الخاص في كل مرّة يستخدم فيها أحدنا الهاتف النقال٠
على الأقل أعلم إنه إذا قلت لكم أنني افتقد حياة كانت رخيصة التكلفة وافقتموني. لم لا توافقونني على أن الحياة كلها اختلفت صوب الأسوأ منذ ذلك الحين؟
أنظروا حولكم. لو كنت ثرياً لأعلنت عن جائزة لمن يخبرني، بصدق، عن آخر مرّة بهره مشهد في الحياة وقع أمامه ودل على أنها لا زالت في خير. او عن اليوم الذي مرّ بأسره في سلام وصفاء. او عن خمسة أحداث توالت في يومين متعاقبين تعكس طيبة وإنسانية وعلاقات إنسانية متحضّرة٠
أنظروا حولكم. أينما كنتم. كيف يمكن أن تجدوا السعادة في الشوارع وفي المكاتب وفي رحلات السفر على حد سواء؟ في المطارات التي باتت مثل عيون الغربان؟ في المكاتب التي تمشي فيها النميمة فوق بلاطها؟ في العلاقات الإجتماعية التي تتهاوى تحت نماذج الفساد المستشري وفقدان الإيمان بأي شيء خصوصاً بالقيم العليا والتواصل الممهور بالمصلحة الفردية والأنانية؟ بالممارسات الفاشية والإرهابية من الجار للجار ومن الرجل للمرأة ومن المرأة للمرأة الأخرى ومن الأستاذ لتلاميذه ومن الطبيب لمريضه؟ كيف يمكن ان تجدوها في العفونة المنتشرة بين الناس. في اللامبالاة. في العنف. كيف ننام والجار جائع والقريب مريض؟ كيف نسعد بالحياة والأبواب مغلقة الا إذا كان معك مفتاح من ذهب؟ كيف نشعر بأننا منتمين الى ذات الطينة إذا كان المال هو كل هدفنا؟ إذا كنا نعلم أننا مجرد أرقام لكل صاحب مصلحة من السنكري الى مدير البنك الدولي؟

نضحك أحياناً هرباً من الواقع. او نهرب من الشعور. هزّة أرضية ينتج عنها موت ألفي شخص؟ لا تعليق. عاصفة سونامي ينتج عنها عشرة آلاف ضحية؟ لا تعليق. الصبي الذي يعمل ليعيل والدته في المحل الواقع تحت عمارتك الذي داسته السيارة حين طلب منه صاحب الدكان الإستعجال لتسليم او استلام. لا تعليق. تجارة البشر عبر الحدود؟ لا تعليق. الحروب الداخلية والحروب بين الفئات والمذاهب والديانات والطبقات والمباديء؟ لا تعليق. هذا الأتوبيس انقلب. وتلك العمارة انهارت. والصحيفة التي توقّفت والبريء الذي دخل السجن او الموظّف الذي سُرّح ومئات غيره بسبب الوضع الإقتصادي؟ الحصار والتجويع والناس التي صارت خرافاً تصلح للنحر فقط؟ لا تعليق. طيّب يا أخي جشع المؤسسات وتحويلها العالم الى زبالة بشرية بعد امتصاصها كل ما في جيوبهم من مال؟ لا تعليق٠

لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠
لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠
لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق. لا تعليق٠


نحن نعيش أسوأ فترة حياة في التاريخ. والذين يرونها أفضل فترة بسبب كل تلك الإنجازات الصناعية والتقنية إنما يتجنّبون التعليق ولو أن التعليق أضعف صور الإكتراث والإكتراث أضعف صور الثورة٠
التغيير لا يأتي في طبق، ولا ينزل من السماء في سلّة مربوطة. التغيير يأتي من الداخل. من الإيمان بأن الإنسان إنما جيء به لهذه الحياة ليؤدي رسالة. رسالة حب وخير وألفة ودفء وبذل ورسالة إيمان بأن علينا أن ندافع عن الحياة الجميلة وكلها جميلة. كوكبنا هذا جنّة الله في هذه الدنيا ولو كنا مارسلنا رسالاتنا لما وصل حالها وحال من عليها الى ما هما عليه الآن. الوقت الذي تتوقّف فيه عن تأدية رسالة هو الوقت الذي مت فيه.... ولو أنك لا زلت قادراً على قراءة هذه الكلمات والمشي الى المطبخ لتحضير شيء تأكله او التفكير في الأفعال الرتيبة الأخرى التي تقوم بها عادة تحت سطح أن هذا أفضل مما يمكن أن يكون٠

هل من تعليق؟


السيناريو وفلسفة الفيلم | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السلسلة التالية من المقالات الخاصّة بكتابة
وتحليل السيناريو ليست دروساً او إرشادات
ولو أن خلاصات معيّنة فيها لابد أن تقترب
من هذا الوضع. إنها ملاحظات متراكمة من
دراستي السيناريو أول ما وصلت هوليوود
في محاضرات لجون دوربي، ومن خلال أهم
مدرسة لتعليم كل شيء: الأفلام ذاتها٠
...............................................................................
قبل سنوات سألني منتج عربي معروف رأيي في الفيلم الذي تم عرضه عالمياً وما أن فتحت فمي ودحرجت كلمة سيناريو في أول السطر حتى قاطعني وقال: "هذا السيناريو من أهم كاتب سيناريو في السينما العربية"٠
أهم وأفضل وأحسن وأسوأ هي تقييمات أبتدعناها لنصنّف بعض من في بزنس السينما في المصاف الذي نرغبه: أحسن ناقد، أحسن سيناريست، أحسن مخرج، أحسن ممثل الخ... علماً بأن التكامل نادراً ما عرفه ناقد او سيناريست او مخرج او ممثل او جزّار او سائق تاكسي٠
لكن هذا لا ينفي »حسنات« هذا الشخص او ذاك وهي قد تكون، بل عليها أن تكون، غالبة والا لما استطاع اي من هؤلاء لعب الدور الجيّد في مهنته والإسهام عملياً في دفع عجلة المهنة التي ينتمي اليها الى الأمام
أما وقد ارتحت من مهمّة إيضاح هذه النقطة، فإن كاتب السيناريو الجيّد قد يكتب سيناريو غير جيّد. لا يحدث هذا كثيراً لكن قد يقع. كاتب السيناريو الجيّد قد -من ناحية أخرى- لا يكون جيّداً على الإطلاق، لكن ما يكتبه يناسب ما يتم إنتاجه. لا أحد يسأله أن يُجيد أكثر٠
وهو قد يكون جيّداً في الحرفة التقنية: يعرف كل ما يمكن معرفته عن أدوات الكتابة وعن الإيقاع وتقسيم السيناريو الى فصول ومتى يتم إدخال عنصر جديد او حجبه الخ...٠
وهو قد يكون جيّداً في الإتيان بأفكار غير مستهلكة وفي صنع الحبكات او في جانب بناء المشهد كل على حدة مستوعباً فيه الشخصية والمكان والحوار. او في جانب الشخصيات أكثر من سواها. لكن يُفهم هنا أن كاتب السيناريو الأفضل هو الجيد في كل هذه المساحات الشاسعة من عناصر العمل وفوقها ما يتطلّبه السيناريو من التزامات حيال كل العناصر الأخرى التي ستطرأ لاحقاً على العمل وبنسب متفاوتة لأنه حين يسلّم السيناريو المتّفق عليه والمبرم عقده الى المخرج لكي ينطلق في عمله يواجه، من بعيد، كل العاملين الذين لابد أن يقرأوا السيناريو كل من زاويته، لذلك كل في زاويته عليه أن يكون مدركاً المطلوب ومُؤمّن الجانب٠
لكن قبل الوصول الى هذه النقطة هناك مشوار طويل يبدأ قبل ذلك بأشهر (وأحياناً بسنوات). كتابة السيناريو لا تبدأ من قرار متشابه الخصائص ومتّفق عليه. ما هو متّفق عليه هو بعض المباديء الأساسية: شرح المشهد الى اليمين. الحوار في النصف. المشهد مسبوق بتحديد المكان والوقت من اليوم. الحوار مسبوق بمن يتكلّم حينها الخ...٠
ما هو خاص بالكاتب هو رؤيته التي قد تتشابه وتلتقي مع رؤى أخرى لكن حتى حين تفعل تبقى في صلب العمل خصائص أخرى هي الإختيارات التي يعمد اليها والقصّة التي يكتبها (إذا ما كانت أصلية) او طريقته في تناولها (إذا ما كانت منشورة سابقاً)٠

النقطة الحاسمة الأولى أن يعرف الكاتب لمن يكتب٠
في الدروس الأول التي تعلّمته: حدد جمهورك. في ذات الدرس: أعرف شيئاً عن الميزانية التي سيتكلّفها العمل لأن ذلك يعفيك من أولاً: اعطاء السيناريو للمنتج الخطأ، وثانيا: عودة السيناريو إليك مع طلب تغيير مشاهد لا تناسب وإمكانيات المنتج٠

لكن قبل ذلك، وسأعود قريباً الى النقطة الحاسمة الأولى، هناك نقطة حاسمة تعلّمتها من السينما. لماذا تكتب؟
الجواب هو واحد من هذه الأسباب
أكتب السيناريو لأن هناك مبدعاً في داخلي يريد التعبير عن نفسه -
أكتب لأني أحب السينما -
أكتب لأني أريد أن أنقل بعض الحكايات التي تقع في الحياة وشرائح اجتماعية مهمّة -
أكتب لأن كتابة السيناريو وسيلة عيش٠ -
أكتب لأني لاحقاً أريد أن أصبح مخرجا -

كل هذه الردود صالحة ولو أن أيا منها لا يصنع، بحد ذاته، كاتباً جيّداً. ما يجب أن يسبقها هو أن يتحلّى الكاتب برؤية في الحياة ينبع منها رؤية في كل عمل يقوم به. رؤيته تلك تحدد أين وكيف يفرز ابداعاته وكيف يبلور حبّه للسينما وكيف ينقل الحكايات ويتعامل مع المجتمع وكيف يحقق من الكتابة وسيلة عيش (بمعنى أن يحقق نجاحاً) وكيف يخطو من الكتابة الى الإخراج فيما لو أراد٠
طبعاً كل منا لديه رؤية، لكن معظمنا لديه رأي وليس رؤية (والرؤية تحتوي على الرأي وليس العكس بالضرورة) ولن أدخل في التفسير بين الحالتين (الرأي والرؤية) الا إذا طلب مني أحد ذلك لأني أعتقد أن الفارق مفهوم٠
في ذلك، يلتقي كاتب السيناريو مع كاتب الرواية. ودعونا نعتبر أن النماذج التي نتحدّث عنها هي نماذج جيّدة (لأن هناك كتاب رواية لا يملكون سوى الفذلكة وبعض العوامل الإبهارية التي ينساق اليها الإعلام المطبخي السريع)٠
لكني هنا لا أقول أن كل سيناريست ناجح لديه رؤية. بل أقول أن السيناريست الأنجح هو الذي يجب أن تكون لديه رؤية، لذلك من الأفضل أن يتمتّع بها مسبقاً، لأنه لن يستطيع امتلاكها لاحقاً. إنها ما تسبق النجاح ولا ما تأتي كنتيجة له٠
والنجاح هو غير الجودة ولو أن العديد من كتاب السيناريو حول العالم لديهم الملكيّتين٠
الرؤية هي التي تتضمّن علاقة متينة، ورغم ذلك شفّافة، بين المبدع وبين الحياة ثم أشكال وتفاصيل وجوانب تلك الحياة. رؤية. إذا كتبت سيناريو معاد للحرب من دونها جاء العمل، على الأغلب، من دون روح، وإذا كتبته وأنت لديك تلك الرؤية عرفت كيف تتعمّق وكيف تكوّن وجهة نظر لهذا السيناريو. لا يعني ذلك أن تقنية الكتابة ستتغير: الكاتب ذو الرؤية والكاتب الذي لا رؤية لديه قد ينتجان -تقنياً- السيناريو الجيد ذاته في هذه الناحية، لكن أحدهما هو أكثر اتكالاً على المتوقع والكليشيهات والصدفية والجاهز من الأفكار المطروحة، والثاني أعمق وأكثر قدرة على الإقناع وإثارة الجدل حتى ولو كان الإثنان ضد الحرب٠

انطلاقاً على الكاتب أن يعرف لمن يكتب وفي ذلك تحديداً غير مباشر لسؤال حول: ما يكتبه، وآخر مباشراً حول كيف سينجح في صياغة وكتابة سيناريو جيّد قد يجد طريقه للإنتاج٠
لتحديد هذا فإن عليه أن يعيش رؤيته ويغذّيها. لنقل أن رؤيته هي وجودية. هو إذاً ليس وحيداً في هذا الموقف من الحياة وعليه أن يغذّي رؤيته بسبر غور المبدعين الآخرين الذين يشاركهم هذه النظرة الى الحياة والى فلسفة الوجودية التي تعود الى القرن التاسع عشر (نييتشه وكيرغارد مثلاً) وكيف تختلف وجودية دستويفسكي عن سواه الخ٠٠٠٠
كذلك الحال إذا ما كانت قائمة على أي فكر او فلسفة أخرى. ستجد مثلاً أن من يريد استخدام الكتابة للسينما لنشر الإسلام (او لنشر أي دين آخر) لن يستطع سوى أن يكون صاحب رأي إذا لم يكن لديه إلمام بروحانية الدين ومعانيه التي هي أكثر من مجرّد الصلاة والصوم وشكل العبادة. وهو حين لا يتحلّى بالنظرة الإنسانية الشاملة (التي هي في صلب الدين الإسلامي وعلى عكس ما تقوم عليه الأفكار المتطرّفة) فإنه سيكتب من دون وجهة نظر ولمن لا يعرف. كلاهما جسر لا يوصل الى شيء٠

هذه هي العلاقة الأساسية بين الرؤية وبين عامل تحديد الجمهور. إنها أرضية مناسبة وليست ظاهرة على الإطلاق من شأنها منح السيناريو ثقلاً وعمقاً وغاية٠ الآن وقد اكتسبت تلك الرؤية كيف تحدد جمهورك؟

يتبع ٠٠٠٠


استعادة | يوم جديد في صنعاء القديمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خالد ربيع السيد (جدّة)٠

فيلم للحنين والدهشة


أن يؤلف المخرج السينمائي قصة محبوكة وموحية الى خلفيات ثقافية ثرية، ينسج من خلالها خيوط إفتتانه بمكان ما، وبشرط أن تحقق قصته جمالية أدبية ووقعاً درامياً مؤثراً، وأيضاً لتمكنه من الإشتغال على المكوّن الجمالي للبيئة التي أغوته بلغة سينمائية متقنة .. هي مهمة تستدعي إستحضار حذاقة المخرج الفنية ليحقق ما حلم به في إنجاز فيلم ممتع وجدير بالمشاهدة..ذلك بالضبط ،كما يبدو، ما حدث مع المخرج البريطاني من أصل يمني بدر بن حرسي 40 سنة ،عندما شرع في فيلمه (يوم جديد في صنعاء القديمة) المروي باللغة الإنجليزية والناطق باللغة العربية بلهجة يمنية، والحائز على جائزة أفضل فيلم عربي بمهرجان القاهرة السينمائي 2005 ،المشارك بمهرجان دبي في العام ذاته 2005.

ستة وثمانون دقيقة إستخلصها المونتير البريطاني أندرو لويد بحساسية فائقة من بين ما يقارب الثلاثين ساعة تم تصويرها بإدارة المصورة الفرنسية من أصل لبناني موريال أبوالروز ليعبر بها بن حرسي عن عشقه للمكان والإنسان عبر سيناريو أعده بمساعدة عباس عبدلي، ورسم مشاهده بولي هوتكنز، ولينتجه أحمد عبدلي في فيلم سينمائي 35 ملم يصنف كأول فيلم يمني يتوغل في الحياة اليمنية بمعزل زمني عن تأثيرات الواقع الجيوبولتيكي أو الصراع السيسيوبولتيكي، فهو بمثابة بحث في الهوية الحضارية والإنسانية التي إكتشف بن حرسي بعض من ملامحها، وغاص في مساريبها عند زيارته الأولى لليمن في العام 1996، وظل يتفحص سيمائها الحادة وببلوغرافيتها الشاخصة، مجسداً إياها في إستحضار ثنائية: المرأة والحب، بإعتبارهما باعثاً رمزياً للحياة، ومتخذاً من التعريف بهما ،بصفتهما الممتزجة بمفردات الواقع السحري اليمني، موضوعاً رئيساً لفيلمه المتغني بما تخبأه العباءات السود ومسافع الوجوه الحنطية، ولوعة العيون الضاجة بالحُسن .. وما يجابهها من ضباب يلف المدينة ويتمسح بعمرانها وبجبالها السمراء المحيطة بها، المتوارية خلف السحر والأسطورة


إستخلص بن حرسي، وهو السينمائي المتخرج في معاهد لندن السينمائية، والمتخصص في الإخراج المسرحي عبر أطروحة الماجستير في كلية جولد سميث العريقة، جماليات الحياة في مدينة مكتسية بحلل التراث العريق، المتجلي في الملبس والعادات والتقاليد والمعمار والمعتقد والخرافة والطبيعة، وأيضاً في بساطة الإنسان اليمني ومرحه وإقباله المتفائل على الحياة. كل ذلك في تماس الأعراف الحميمة التي تظهر برشاقة في سياق الفيلم، ويتعامل معها المجتمع كمسلمات واقعية لا مناص لتبديلها، وهي في ذات اللحظة تشكل مصدراً لرضا الناس ومعنىً غائراً في أرواحهم يكرس إنسجامهم في جغرافيا تعج بالفن والجمال: الزخارف على واجهات البنايات. الرسومات المستمدة من إرث إسلامي، تلوينات السجاجيد وفُرُش الأرائك، الأزياء والأواني، منارات المساجد وقبابها، الطرقات المرصوفة بالحجارة. نقوش الحناء بأيدي الصبايا، الإيقاعات ، المواويل والغناء الشعبي، الضياء الباهرة الأكثر إشعاعاً بفعل وهج الشمس الشديدة السطوع،(كما يقول الراوي في الفيلم). ظلال الجبال المنعكسة على الحانات. وما تحفل به الصورة الشاعرية الطاغية، توشحه الموسيقى المصاحبة منذ ثوان الفيلم الأولى. صوت الكونترباص والفلوت يجسد عالم مغلف بعبق تاريخي منبعث من البيوت الضافية برونقها ومزاجها الشرقي الخالص

قصة الصراع النفسي الذي عاشه بطل الفيلم طارق (الممثل نبيل صابر) بسبب حبه لفتاة أسمها إيناس (الممثلة اللبنانية المتقنة للهجة اليمنية دانيا حمود) مُنقشة الحناء، التي رآها قبل شروق الشمس ترقص في الشارع بثوب أبيض مزين بخيوط الفضى والقصب، كان أهداه الى خطيبته بلقيس الساذجة (الممثلة رضا خضر) لكونها مفروضة عليه من قبل العائلة للزواج منها.. ألقت بلقيس بالثوب من النافذة لعدم إستحسانه، فلتقطته إيناس وارتدته في ذلك الصباح وتخرج به كاشفة الرأس .رآها طارق وهام بها بعد أن عرف أنها ليست بلقيس. . ثم تناقلت نسوة الحي، عبر بائعة البيض الخفيفة الضل أمل (الممثلة سحر الصباحي)، خبر بلقيس التي خرجت سافرة بفستان أبيض ووقوع طارق في حبها، وتخبرهم إيناس فيما بعد أنها هي التي خرجت ورقصت بفستان بلقيس
يحتفي الفيلم بالنقش والزخارف المستمد من حضارة سبأ ومعابدها الشهيرة: معبد أوام ،محرم بلقيس، ومعبد صرواح وعبدان وشبوة، الزخارف القمرية النصف دائرية المشغولة من الجص والتي تعتلي نوافذ البيوت، ويظهرها الفيلم كخلفيات حاضرة البهاء، تأكيداً لأهمية النقش والزخرف في المكون الثقافي اليمني. ترمي القمريات المعشقة بالزجاج الملون بظلالها وإضاءاتها القزحية لتكسي ردهات الدهاليز والأسياب شيئاً من البهجة ..يمعن المخرج وكاتب القصة في إعلاء ذلك فينزل تتر الفيلم مبيناً نقوش تتشكل في إلتفافات دائرية وملتوية وخطوط متشعبة محدثة لغة جمالية تحاكي هاجس الفن عند الإنسان اليمني. . يؤكدها في شخصية بطلة الفيلم إيناس (مُنقشة) ، لإبرازها كمهنة مرتبطة بالذائقة الجمالية الشعبية.. في إحدى المشاهد يطلب راوي الفيلم فردريكو من صديقه يحيى وصديقته بائعة البيض أمل أن يحضروا له منقشة ترسم على ظهره

تأزم طارق، وطحنه الصراع بين سطوة العائلة لإرغامه على الزواج من بلقيس، بصفتها إبنة أحد الوجهاء(تجسد المرأة التقليدية)، ومن رغبته في الزواج من المُنقشة، المنحدرة من الطبقة العاملة ( تجسد المرأة العصرية) .. ومن خلال أقاصيص مبثوثة في الفيلم بإنسيابية يتابع المشاهد بمرح كبير تنقلات الراوي فيردريكو (الممثل الإيطالي بولو رومانو)، وهو يؤدي دور مصور أتى الى صنعاء ليسجل صوراً فتوغرافية لصنعاء القديمة وللمرأة اليمنية، فيروي أحداث قصة طارق وإيناس وبلقيس التي عايشها عن كثب.. لكن المصور يعجز عن تصوير ملامح المرأة اليمنية بينما نجح ـ الفيلم ـ في تصوير ملامحها الروحانية الخبيئة. لتؤكد له بائعة البيض أمل: أنت مجنون يافدريكو، تصور (حريم اليمن) أمر مستحيل خذلك على جنان٠


تغازل الكاميرا أجساد ووجوه الممثلين وهي تعبّر عن مختلف مشاعرهم وإنفعالاتهم البادية بتلقائية مدروسة لممثلين جلبهم بن حرسي من التلفزيون، مقدراً مهاراتهم في الأداء والإيماء الطبيعي وتلوينات الأصوات المنسجمة مع إيقاعات متناغمة مع الحالة الكوميدية الرومنتيكية التي يتخلق الفيلم في عالمها ، وأيضاً رصدها بزوايا تصويرية تستحضر بهاء المكان وطاقته الحدسية، سواء في مواقع التصوير الداخلية ـ الحجرات والردهات والمجالس ـ وهي قليلة ، أو الخارجية ـ الأزقة والشوارع والساحات الخارجية، وهي تأخذ الزمن الأطول في الفيلم، لتتكامل سواء في الداخل أو الخارج لغة الضوء والظل وتعطي في كل مشهد جاذبية بصرية خاصة .

تتحول حادثة إختفاء الثوب من بين أغراض بلقيس الى قضية سرقة يحقق فيها ضابط الشرطة (الممثل الكوميدي التلفزيوني يحيى إبراهيم)، ويكتشف أن إيناس هي التي إرتدته وخرجت به، فيقبض عليها. لكن إيناس تهرب من الشرطة، ويصعب عليها البقاء في المدينة، بعد أن عرف الناس بقصة حبها لطارق وواقعة رقصها في الشارع وإتهامها كسارقة..

تشدو الخادمة بصوت أنثوي يمني عذب ذو دلالة خاصة

يابو البنية حرام الظلم ..هي بنتك
البنت تشتي زواج من يخاف الضيم
أنظر لها مثلما تنظر الى نفسك
مهيش حجر ..هي بشر مثلك ومن جنسك .

في دلالة أخرى، موازية ، يهدد المدرس الهندي رافي تلميذته ،أخت بلقيس الصغرى، بالضرب، فتحل لعنتها عليه : إن كنت تضربني با تجن طول عمرك، وتصرخ الطفلة صرخة مدوية تطن في أذنه بقية حياته. . يتفق طارق مع إيناس على الهرب في ليلة زواجه من بلقيس.. وقبل خروجه من البيت يقف محتاراً، يصلي، ويتردد بين الذهاب الى مراسم الزواج أو الذهاب الى لقاء حبيبته والهرب معها.. و يقرر رافي من جهته الفرار بعيداً عن لعنة ظلم المرأة التي لاحقته،.. في تلك الليلة إرتعدت صنعاء، غاب القمر وغارت النجوم، ووقفت إيناس عند الجسر القديم تنتظر طارق، كان إنتظاراً طويلاً. ولم يأتي طارق، لكن إيناس أخذت تنتظر أياماً كثيرة، وفي كل يوم جديد يشرق على صنعاء القديمة كانت تنتظر وكان يتجدد أمل اللقاء٠

ينتهي الفيلم تاركاً للمشاهد قدراً من خدر الدهشة، بمثل ما بدأ بصوت الراوي المصور فردريكو المؤثر والمنساب كالشعر في لقطات سينمائية شعرية حالمة .. ومثلما بدأ الفيلم، بالأسود والأبيض في فجر صنعاء حيث الضباب يتبختر في أزقتها الحنون ويناغي الضياء الخجولة المتسربة من شبابيك بيوتها النضيرة ..ينتهي كذلك٠

خالد ربيع السيد | ناقد سينمائي من السعودية


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular