Sep 21, 2009

حدث في تورنتو | إبراهيم الأبيض | عصر الأبعاد الثلاثة وصل

Year 3 | Issue 457

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوراق ناقد *** محمد رُضا | نــقــد فيــلم *** نديم جرجــورة | تحــقــيـق *** هوفيك حبشيان








ضد المسيح أقرب الى عنف المسالخ منه الى فن برغمن

مروان حامد يبرهن عن معدنه الجيد في إبراهيم الأبيض
نظام الأبعاد الثلاثة قادم ولا يمكن الوقوف في وجهه... او يمكن؟


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كاتب سيناريو تضخّم

انتهيت لتوّي من قراءة مقالة كتبها واحد بإسم جوش أولسون بعنوان
I Will Not Read Your F***ing Script
Chicagoreader.com على موقع
قادتني إلى المقالة ازرار الكومبيوتر وقرأت ما كتبه بجوش أولسون ومررت على أكثر من مئة رد فعل نصفها تقريباً مؤيد لما كتبه٠
قبل المضي، جوش أولسن كاتب سيناريوهات. خلفه ثلاث سيناريوهات. أوّلها سنة 2002 بعنوان
The Perfect Husband
فيلم مستوى ثالث شارك في كتابته أربعة كتّاب، بحيث تضيع الطاسة فلا يعرف أحد جريمة من هي أكبر من الآخر٠
فيلمه الثاني ورد في نهاية العام ذاته بعنوان
Infested موبوء
وهو أسوأ من الأول. فيلم رعب أصر الكاتب على إخراجه ما يعني أن رداءة الكتابة تزوّجت من رداءة الإخراج٠
ثم عاد في العام 2005 ووضع فيلماً بعنوان
<< History of Violence تاريخ العنف
الذي صفّق النقاد الأجانب كثيراً له. ألا يحمل إسم ديفيد كروننبيرغ مخرجاً؟ لكن رجائي هو أن تشاهد الفيلم مرّة ثانية بعد مرور العاصفة التي أحاطت به وتقول لي رأيك. المهم أن هوليوود حينها تبنّت الفيلم في ترشيحين للأوسكار الأول للممثل وليام هيرت كأفضل ممثل مساند، والثاني للكاتب فوجد مستر أولسن نفسه مرشّحاً كأفضل سيناريو مقتبس٠ لم ينلها، ولله الحمد، إذ ذهبت يومها الى لاري مكمرتي ودايانا أوسانا عن فيلم آنغ لي المتوسّط بدوره »بروكباك ماونتن«٠
لكن الترشيح كان كافياً ليتضخم رأس الكاتب وليتوقّف عن الحياة كإنسان ويتحوّل الى بي أم دبليو تحمل ريشاً ملوّناً٠
منذ ذلك الحين لم يُنتج له عمل ولم يبع هو أساساً أي فكرة أخرى٠
الذي استوقفني، لجانب ما أعرفه عنه مما ذكرته أعلاه، هو العنوان الذي اختاره لمقالته وهو عنوان موجّه لأي كاتب جديد يتقدّم منه بطلب قراءة سيناريو له. مستر أولسن يقول له أغرب عن وجهي أنت والسيناريو الذي كتبته. الا تعرف كم تأخذ من وقتي حين تعرض عليّ ذلك؟
أنا لست أفضل حالاً من جوش أولسن، بل ليس لدي بي أم دبليو أساساً. بعت سيناريوهين تم تنفيذهما كإنتاجين سعودييين، وفي التجربتين تعرّضت لمعاملة غير محقّة إذ تم تشويه العمل المكتوب بحذف من هنا وإضافة من هناك وتحويل مادّتين كتبتا برؤية فنية الى عملين أحدهما لا زال أفضل قليلاً من الآخر لكن البديل المكتوب لم يكن أفضل من الأساس٠
لكن هذا لا يمنعني من الإستمرار في الكتابة حين يكون لدي الوقت. وعادة ما استلم أفكاراً مكتوبة وسيناريوهات في بعض الأحيان من طامحين يطلبون فيها الرأي. إذا كان طالب الرأي فرداً عربياً سارعت بقراءة ما كتب وإبداء الرأي فيه. إذا كان طالب الرأي مؤسسة عربية او أجنبية أرسلت له لائحة الأسعار: سعر لمجرد القراءة وإبداء الرأي، سعر للقراءة وكتابة تقرير واف، سعر لإعادة الكتابة٠
لكني لم أشتم طالباً فرداً ولن أشتم طالباً فرداً لأنني أعلم كم تردد في التقدّم اليّ وأعلم أنه يدرك أنه يتدخّل في وقتي لكنه في ذات الوقت يحترم رأيي ويسعى لتكوين فكرة محترفة عن عمله٠

مستر أوسلن يقول لمن تقدّم له أنه أهم من أن يصرف وقتاً لمساعدته. وحين يضرب المثل في حادثة دفعته لكتابة المقال المذكور، نجد أنه يتحدّث عن "صديق" له كتب صفحتين كملخّص والمقالة من الكبر بحيث تساءلت حين انتهيت من الكتابة إذا لم تستغرق وقتاً أطول مما لو قرأ الصفحتين وكتب رسالة الكترونية لصديقه ذكر له فيها رأيه٠
هذا ليس السؤال الوحيد: سؤالي الآخر هو: ألم يسبق لأوسلون أن طلب نصيحة كاتب محترف حين بدأ العمل؟ طبعاً القراءة وإبداء الرأي أمران يستغرقا وقتاً، والمسألة في النهاية لها علاقة بحرية المرء. هذا المرء لا يريد أن يقرأ لسواه لكن أليس من الممكن تلخيص ذلك برسالة ودّية الى ذلك الصديق؟ هل الأمر بحاجة الى بي أم دبليو وريش الطاووس؟
معه حق في المبدأ من ناحية هو حر ومن ناحية أنه لا يشعر بأن عليه أن يكون ملزماً عليه بمساعدة الآخرين. لكنه يخسر على صعيد تسفيه قاصديه وحين يذكر فيقول أنه حين يأوي الى فراشه فإن لديه كومتين من السيناريوهات المنشغل فيها (من كتابته او أرسلت اليه من قبل وكيل أعماله) فكيف له أن يقرأ صفحتين؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنف برغمن موحى به، وعنف فون ترايير مباشر


هناك ذلك المشهد الوارد في تحفة الراحل إنغمار برغمن »برسونا« (1966) حين تتعقد العلاقة بين شخصيّتي الفيلم (إثنان فقط كما الحال في فيلم فون ترايير) بيبي أندرسن وليف أولمَن. الممرضة ألما (أندرسن) تكسر، من دون قصد كأساً. تلتقط نثراته وترميها لكن هناك نثرة تبقى. تمر المريضة اليزابث (أولمن) بالمكان وندرك، تبعاً لمشادّة بينهما لا مجال لذكرها الآن (المقالة النقدية الكاملة عن فيلم برغمن موجودة في العدد الخامس عشر من »فيلم ريدر«) أن ألما تريد لإليزابث الأذى كون الثانية لا تعلم بأمر الزجاجة المكسورة التي قد تدخل قدمها الحافية. تريد ألما إيذاء البزابث وهي تنتظر منها أن تدوس على الزجاجة. نحن نتوقّع ذلك. برغمَن يمارس طقساً من السادية حين يتركنا وتوقّعاتنا حيارى بين أن نراها تصرخ من ألم شديد (وربما لقطة لدم منفجر من باطن قدمها) او لا نرى

في »ضد المسيح« لا يوجد مثل هذه اللمسة الفنية التي تحقق المرجو من المشهد وقسوته من دون أن تعمد الى العنف البصري. ما فيه مشاهد تعذيب جسدي تمارسها المرأة على الرجل والمرأة على نفسها يلتقي وسلسلة أفلام »هوستَل« الأميركية التي خرج منها للآن إثنان واحد في العام 2005 والآخر بعد عامين وكلاهما من إخراج إيلي روث (الذي يٌشاهد في دور أحد يهود براد بت في »أولاد زنا بلا مجد«)

في نقدي لفيلم »ضد المسيح« في مجلة »فيلم ريدر« (الرابط أعلاه) تحدّثت عن آلية عمل معتمدة في فيلم لارس فون تراير هذا، مستوحاة من أفلام تعذيب جسدي هي فصيل من أفلام الرعب الحديثة. الفيلم ليس فيلم رعب تبعاً للتصنيف، لكنه يستخدم تلك التقنية ما يجعله، من زاوية أخرى، فيلم رعب من دون رعب٠
والحقيقة أن عدداً ملحوظاً من الفنانين السينمائيين استخدم العنف الجسدي وسيلة لتمرير رسالة: بونويل في »الكلب الأندلسي« كوبريك في »الساعة البرتقالية« بازوليني في »سالو«، وسواهم. فون ترايير ليس جديداً في هذا المنوال ولو أنه لا يملك المنظور ذاته للفنانين المذكورين (ولست متيقّناً من أنه يملك منظوراً آخر جديراً بوضعه في المصاف ذاته)٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
موقفان متناقضان لمخرجين عربيين في مهرجان تورنتو



في المؤتمر الصحافي الذي عقده المحتجّون على قيام مهرجان تورنتو بإقامة تظاهرة تحية لتل أبيب (التي أسمها حتى لا ننسى تل الربيع) وقف مخرجان عربيّان معروفان ليتحدّثا حول الموضوع. لم يكنا التمكلّمان الوحيدان بل كان هناك متحدّثون آخرون معظمهم تحدّث إيجابياً ضد مهرجان اكتشف متأخراً أنه بلا ذوق إنساني وقناعة سياسية تجعله، ولو من باب المحاباة، تأجيل هذا الإحتفال للعام المقبل مثلاً٠
المهم وقف ايليا سليمان، مخرج »الزمن الباقي« وتحدّث عن رأيه في الموضوع. حسب شاهد عيان اتصل بي كان كلامه »مؤسفا« فهو أوّلا عارض فكرة الشجب من أساسها وثانياً تحدّث ضد الدول العربية مشيراً على عدم وجود حرية تعبير وديمقراطية٠
طبعاً نحن متّفقون أن الحريّات في العالم العربي هي ما بين مستوى التضييق والإختناق، لكن ما دخل البطيخ بالباذنجان؟ سألت صديقي فقال لي: "هذا ما قلته لإيليا سليمان" ٠
المخرج الثاني هو يسري نصر الله
كيف كان؟
والله على كيفك٠
يقول لي الصديق. وقف وتحدّث ضد العملية الإسرائيلية في غزّة وشجبها وأيد الإحتجاج٠
انتهى الحديث وهذا هو التعليق٠
هناك سبب يمكن أن يكون لعبا دوراً وراء موقف ايليا سليمان: وهو أنه أراد أن يبدو معتدلاً وغير منحاز كونه عربياً، لكن هل هذا وقته؟ هل عدم وجود حرية تعبير كاملة في دولة عربية ما يمنح اسرائيل مبرراً لهمجية عدوانها وللعنصرية الصهيونية كلّها؟ طبعاً لا٠ عما إذاً يتحدّث؟
بالنسبة للمخرج نصر الله، فموقفه الجيّد يُحسب له. طبعاً هناك من يقول: ولمَ لم يسحب فيلمه المشارك وهو »أحكي لي يا شهرزاد؟" والجواب على ذلك هو ما هي الفائدة من سحب الفيلم؟ ليرى العالم الفيلم العربي كما يرى الفيلم الإسرائيلي. وكنت كتبت سابقاً إنه في كل مرّة ننسحب او لا نشارك نمنح المنصّة للطرف الآخر٠






Film Review | نقد سينمائي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم الأبيض العنف الدموي لا يُعيب فيلماً أريد له أن يكون مرآة صادقة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


ابراهيم الأبيض هو الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج الشاب، الذي أبدع في فيلمه القصير لي لي»، والذي أعلن عن موهبة جدّية وحرفية خطت« خطواتها الأولى بثبات خفر ومحبَّب في فيلمه الروائي الأول عمارة يعقوبيان
أثار مروان حامد، عند إنجازه «عمارة يعقوبيان» في العام 2006، سؤال الولادة الإخراجية الحقيقية لابن السيناريست والمنتج وحيد حامد، وللمتعاون مع «شركة غوود نيوز» التي وضعت ميزانيات هائلة لإنتاج أفلام لم تكن كلّها ذات مستوى فني راق، خصوصاً «حليم» لشريف عرفه (آخر أفلام الممثل الراحل أحمد زكي) و«ليلة البيبي دول» لعادل أديب، وهو الأسوأ بينها. بمعنى آخر، وُلد مروان حامد كمخرج أفلام روائية طويلة في ظلّ سلطتين لا يُستهان بهما: سلطة الأب المحتلّ مكانة كبيرة في المشهد السينمائي المصري، ككاتب قدّم أعمالاً سجالية عديدة ورائعة، قبل أن يجمع الكتابة إلى الإنتاج، ما أدّى به إلى مسايرة ما لذائقة جماهيرية أوسع، أفضت إلى هبوط واضح في أفلام عدّة له؛ وسلطة شركة أقرب إلى الامبراطورية الإعلامية التي احتلّ واجهتها الأخوة أديب، أبناء السيناريست الراحل عبد الحي أديب، الموزّعون في مجالات الإعلام المرئي والإخراج والـ «بيزنس» السياسي والتجاري، من خلال فنون الموسيقى والغناء والإنتاج السينمائي٠

يد إخراجية
لكنه برع في إظهار شيء ذاتي في كيفية تحويله رواية علاء الأسواني إلى شريط مصوَّر. لم يخرج كثيراً على الوقائع المنشورة في الرواية، بحجّة قالها كاتب السيناريو الخاص بالفيلم وحيد حامد نفسه، مفادها أن المقتَبِس لا يستطيع تجاوز نصّ الرواية. ومروان، المبدع في تحقيق «لي لي» شكلاً ومضموناً وإدارة ممثلين واستخدام الكاميرا والزوايا، أدرك أن الإطلالة الجماهيرية الأولى له مع ممثلين «كبار» (عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس ممثلي «الصفّ الأول» بحسب التعبير السينمائي المصري، وخالد الصاوي وخالد صالح وسمية الخشاب وهند صبري وأحمد راتب وأحمد بدير وغيرهم) لن تكون سهلة، لأن إدارة هذا العدد الهائل من النجوم المتنوّعين، في فيلم أول بُنِيَ على أساس المتتاليات القصصية المرتبطة بفصول متلاحقة وحكايات متداخلة وسرد متقاطع والسياسة والمجتمع والعلاقات الإنسانية والعاطفية والأصولية وغيرها من المواضيع الساخنة والتحوّلات الخطرة، تطلّبت حنكة وخبرة كبيرتين، إلى درجة أن البعض لم يتردّد عن القول إن هناك «يداً» خفية ساهمت في إنجاح العمل إخراجياً٠

غير أن هذه اليد، إن وُجدت في الفيلم الأول، بدت كأنها يد المخرج الشاب نفسه في الفيلم الثاني «إبراهيم الأبيض»، لأن الدراية التقنية والفنية والجمالية أثمرت فيلماً جديداً متين البنية السردية وواضح الرؤية السياسية والاجتماعية المغلّفة بنمط بصري شبه متكامل، على الرغم من المشكلة الأبدية» التي تعانيها صناعة السينما المصرية منذ «الأزل»: التسجيل الرديء للصوت، وإكثار الصراخ النسائي تحديداً، إلى درجة لا تُحتمل « أحياناً في فيلم سينمائي، وإن استُمدّ الصراخ من عمق البيئة الاجتماعية المصرية الصرفة، والسلوك اليومي لناسها. واليد المذكورة أخرجت فيلماً جميلاً، عن عالم بائس وعنيف وموغل في تمزّقاته وانهياراته وجنونه. وهي اليد المتعاونة، مجدّداً، مع الشركة الإنتاجية نفسها (غوود نيوز)، من دون أي تدخّل من صاحب السلطة الأولى، عنيتُ به والده وحيد حامد (قصّة وسيناريو «إبراهيم الأبيض» لعباس أبو الحسن)؛ علماً بأن نجوماً من نوع آخر احتلوا واجهة الفيلم، أبرزهم محمود عبد العزيز (وحده، من بين الممثلين الآخرين، ينتمي إلى الرعيل السابق وممثلي «الصفّ الأول»)، إلى جانب أحمد السقا (أكثر ممثلي جيله الشباب تطوّراً أدائياً، لأنه أتقن تقديم شخصيات ممزّقة بين جانب إنساني صرف وعالم موبوء بالفساد والعفن والجريمة) وهند صبري وعمرو واكد وسوسن بدر٠
في «إبراهيم الأبيض» (قصّته مستوحاة من يوميات شخص حقيقي يُدعى إبراهيم الأبيض، تردّد في القاهرة أن عائلته استاءت من الفيلم وأثارت جدلاً مع منتجيه حول مسائل متفرّقة)، بدا واضحاً أن تبديلاً جدّياً طرأ على علاقة مروان حامد بهاتين السلطتين، وبعدد الممثلين وآلية اشتغالاتهم الفنية والأدائية، وبالمناخ الدرامي النابع من قاع المدينة وبؤس مجتمعها الإنساني، وبالسياق التشويقي المتماسك، إلى حدّ بعيد، في سرده حكاية إبراهيم الأبيض (السقا) منذ طفولته البائسة إلى نهايته المحتومة، المعمّدة بالدم والدمع معاً. فالسلطة الأبوية انزاحت، إلى حدّ ما (إنها غير مرئية تماماً، على الأقلّ)؛ والسلطة الإنتاجية نفسها حاضرة، لأنها قادرة على منح المخرج الشاب ميزانية كبيرة (ذكرت معلومات صحافية مصرية أنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري، في حين بلغت ميزانية «عمارة يعقوبيان»، بحسب المعلومات نفسها، ثمانية عشر مليون جنيه مصري) تخوّله التحكّم بمشروعه هذا. أما الممثلون، فمحصور عددهم بقلّة أمسكت بمفاتيح الحبكة الدرامية على مستويين: المستوى الأول أساسي (عبد العزيز والسقا أولاً، وواكد وصبري ثانياً، كداعِمَين رئيسين للأوَّلَين)، والمستوى الثاني مُكمِّل (شخصيات عابرة شكّلت منطلقات المتاهة الدموية التي سقط إبراهيم الأبيض فيها، وشخصيات ضرورية رافقته في سيرته، وأكملت معه وله وعبره صورة بيئة المجرمين وعالمهم ومجتمعهم)٠

قاع المدينة
لا يُعيب العنف الدموي الكثير فيلماً أُريد له أن يكون مرآة صادقة لواقع إنساني مأزوم. فالأنماط الراهنة للحياة اليومية منشغلة بشتّى أنواع العنف، في اللفظ والسلوك والنقاشات والعلاقات والحبّ والعمل... إلخ، والمسار المتحكّم بعلاقات الفرد بذاته وبالآخرين خاضعٌ للغليان والارتباك والتوترات المنبثقة من وقوع المجتمع المعاصر وناسه في فوضى الأنظمة (السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإعلامية وغيرها) وقمعها. بهذا المعنى، يُمكن فهم انجراف مخرجين سينمائيين مصريين عديدين إلى التقاط العنف بجوانبه المختلفة، لتقديمه في أفلام ملتصقة بيوميات الناس وأزماتهم المتنوّعة، ومنبثقة من حيواتهم وهواجسهم وذواتهم المقيمة في الوجع والقهر، سواء كان العنف مباشراً في التصرّف والتربية والحياة اليومية («السفّاح» لسعد هنداوي المستمرّ عرضه اللبناني في صالة «غراند سينما كونكورد»)، أو غير مباشر، تمّ التعبير عنه بمواربة سينمائية تكشف حضوره في هذه الحياة اليومية من دون تصوير شكله الحسّي («احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، المزمع إطلاق عروضه اللبنانية قريباً)٠

وعلى الرغم من أن جديد مروان حامد أحال مصير إبراهيم الأبيض إلى طفولة معذّبة وفقيرة وبائسة ويتيمة الأبوين، تماماً كما فعل سعد هنداوي في «السفّاح»، المستلّة قصّته من واقعة حقيقية أيضاً، متمثّلة بالسفّاح حلمي أحمد المسيري، كما قال مطّلعون على خفايا المشروع، مع أن منتجيه (ميلودي للأفلام) تجنّبوا الإيحاء بأن الفيلم توثيق للسيرة الحياتية للشخصية الحقيقية؛ إلاّ أن المشاعر الإنسانية الصادقة إزاء الأم المتوفاة (حنان ترك) والحبيبة المسلوبة منه بالإكراه والغصب (هند صبري) والصديق الذي غرق معه في بحر الدم والجريمة والتيهان وتعاطي شتّى أنواع المخدرات الرخيصة، قبل خيانته له (عمرو واكد)، أشاعت مناخاً شفّافاً وسط القتل والصراعات الحادّة والعجز عن الخروج من الموت المقيم في الأزقة والنفوس. ومع أن الفيلم تحاشى التحليل النفسي والاجتماعي المباشر، لأنه ركّز بنيته الدرامية على سرد فصول من الحياة القصيرة لإبراهيم الأبيض، إلاّ أن التشريح النفسي/ الاجتماعي، المُضاف إلى نقد قاس ومبطّن للتحوّلات الخطرة التي تعانيها البيئة المجتمعية المصرية في ظلّ سطوة الاقتصاد الليبرالي والانفتاح غير المشروط وتنامي سلطة التجّار وهيمنتهم على الناس العاديين (هناك مشاهد قليلة ظهر فيها زعيم المحلّة الزرزور الكبير، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، واقفاً على تلّة عالية وسط القبور والمنازل الفقيرة في ما يُشبه العشوائيات، كإله يأمر وينهي فيُطاع فوراً)، شكّل (التشريح) جانباً موازياً لتلك الحكاية المعروفة، المستمرة في نبش أعماق الذات الفردية وصداماتها مع الجماعة، و«انحراف» هذه الذات عن الطريق القويمة بحسب المعتقدات الاجتماعية والدينية والتربوية التقليدية. فهذا عالم يكاد يخلو من سلطة الأمن (وإن ظهر رجال المن في مشاهد قليلة جداً)، ومن سلطة القانون (المحكمة في لقطات سريعة)، لأنه خاضع بالكامل لسلطة أخرى استمدّت جبروتها من الديني والدنيوي، وإن لم ينكشف الأول كثيراً
بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «إبراهيم الأبيض» أكّد امتلاك مروان حامد أداوت سينمائية جدّية ومحترفة، وإن شَابَت فيلمه الثاني هذا هنات قليلة في تصوير بعض اللقطات وتسجيل الصوت والتقاط مشاهد وغيرها من التفاصيل الصغيرة، التي يتغاضى النقد عنها لأن الفيلم برمّته متماسك ومشغول بذهنية مخرج موهوب وجميل وصاحب مخيّلة، على أمل ألاّ يسقط في فخّ الميزانيات الضخمة التي يُمكن أن تُجرِّد الصنيع الفني من لغته الإبداعية، إذا لم يُحصّن المخرج نفسه من تلك الهيمنة الاقتصادية الخانقة٠


نديم جرجورة ناقد صحيفة »السفير« اللبنانية



Feature | تحقيق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عصر الأبعاد الثلاثة الفنّ السابع في عصر الرقمية
والتلاعب والإستغناء عن اللحم الحيّ وثورة الـ بلو راي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوفيك حبشيان

Avatar

تقنية الأبعاد الثلاثة عرفنا موجاتها المتتالية مرةً في بداية الخمسينات ومرةً في أواخر السبعينات من القرن الفائت. ها هي تطلّ برأسها مجدداً. لكن الثالثة قد تكون ثابتة: سينما ثلاثية البُعد تعود هذه المرة بخطوات ثقيلة وواثقة، متداركة الأخطاء التي ساهمت ماضياً في زوالها الموقت. فبلوغ التقنيات الرقمية الحديثة مرتبة عالية من الكمال ستسهل إمرار هذه الظاهرة التي خاطبت بدءاً الأطفال لتنتقل تدريجاً الى الكبار. حالياً في الصالات المحلية، ليس أقل من ثلاثة أفلام ثلاثية البُعد، والمستقبل يبشر بأعداد أكبر منها، سترغم بالتأكيد مستثمري الصالات على تجهيز دور العرض بمعدات عالية الجودة. قد لا تصير "كل" السينما (خلافاً للتأكيد الآتي من مدير قسم التحريك في "دريموركس" جيفري كاتسنبرغ) ثلاثية البُعد، لكن لا شك في أن "خدعة" هوليوود الجديدة هي أولاً وأخيراً لمحاربة قرصنة الـ"دي في دي" المنتشرة في كل مكان، وأيضاً للوقوف ضدّ فكرة تحول المشاهدة المنزلية، الوسيلة الوحيدة للمشاهدة عند البعض، وهي الشيء الذي جرى التصدي له في سنوات خلت بأفلام الكوارث الكبرى والأكشن التي تتطلب مشاهدتها شاشة كبيرة ومشاركة البهجة وحماسة جماعية. لكن ينبغي الاّ ننسى أن التطور التكنولوجي بات اسرع من الهواء الذي نتنفسه، وهو ليس حكراً على السينما وحدها، اذ ان صنّاع التلفزيونات هم بدورهم مستعدون لمواكبة تقنية الابعاد الثلاثة وقطف ثمارها الآنية والمستقبلية
محاولات عدة لفرض الابعاد الثلاثة كانت دائماً تنتهي بالفشل واللامبالاة. على رغم أنها أغرت أمثال هيتشكوك وسيرك ووالش في سنوات بروزها الاولى، الا ان هذه التقنية عادت ووقعت في أيدي الصنّاع والحرفيين المتواضعين اثر المحاولة الثانية لاعادتها الى الضوء. اليوم، هناك أكثر من مؤشر الى ان الخروج من الهامش بات اكيداً بالنسبة الى مستقبل هذه التقنية القائمة على خدعة بصرية تمنح المتلقي احساساً بالعمق. وهناك ما يؤكد ذلك: العدد أولاً والنوعية ثانياً. اسماء هوليوودية كبيرة تراهن في انتاجاتها الجديدة على تقنية الابعاد الثلاثة، وهو رهان صعب وخطر ومكلف: ستيفن سبيلبرغ يستعين بها لـ"تان تان". تيم برتون يأخذنا معها برفقة "أليس في بلاد العجائب"، الخ. أما الموازنات فباتت مضاعفة. فلو سمعت قبل سنوات أن سينمائياً يوظف في فيلم بالابعاد مليون دولار، لكنت اعتقدت الخبر مزحة. لكن
بات اليوم أكثر من مجرد مزحة

وسط هذه الاعتبارات الاقتصادية والمصالح التسويقية، من السذاجة الاعتقاد أن السينما، تأليفاً وتمثيلاً واخراجاً، ستبقى على حالها في حال انتشار الابعاد الثلاثة الانتشار المخيف. لا يزال في ذاكرتنا السينمائية كيف جرى الانتقال من عهد الصامت الى الناطق. وكيف بدّل وصول الالوان نظرة السينمائيين الى العالم، فأعاد النظر في مفهومهم للجماليات وللبعد التشكيلي للكادرات. لا مقارنة تجوز بين الاختراعين (النطق والألوان) وبين الابعاد الثلاثة. مع ذلك بات معلوماً أن الانجازات التقنية التي رافقت مراحل نمو السينما وتطورها كان لها فضل كبير في تطوير اللغة السينمائية أيضاً. وفق هذا المنطق يصبح من الطبيعي أن تأتي الابعاد الثلاثة بأصولها وتفضيلاتها الاخراجية والتيماتيكية وهي في معظمها تابعة الى دائرة ضيقة من الانترتنمنت. ولا يزال يصعب علينا حتى الآن تخيل أفلام كثيرة تُصنع بهذا النظام٠

في انتظار أن يأتي دور السينمائيين في عملية تحويل مسألة محض تقنية الى فنّ (عودة الى تصادم لوميير ـــ ميلييس؟)، فالكرة في ملعب اباطرة الكومبيوتر، اذ هم الذين يتحكمون، الى الآن، بالاختراع والصياغة الهوليوودية لسينما الأبعاد الثلاثة في جيلها الثالث. كُتب للسينما أن تعود دائماً الى جذورها. ومع ثلاثية البُعد، كأنما يُقحَم هذا الفن، جامع الفنون، الى الصالون الهندي للـ"غران كافيه" الباريسي، حيث عُرض أول فيلم قبل 114 عاماً. نقول هذا لأن الابعاد الثلاثة تجعل من الفن الذي اعتنقه برغمان، كوبريك، وويلز، تسلية تشبه الى حدّ بعيد تسلية الاطفال في مدينة الملاهي. ثم، الا تعيدنا الابعاد الثلاثة، بمنحها الشاشة عمقاً واقعياً (سواء الى الخلف أم عبر ملامسة "وجه" المتلقي، ) لسينما الأخوين لوميير وحادثة هروب المشاهدين من الصالة بعد خشيتهم من أن يدوسهم القطار في فيلم »دخول القطار الى المحطة"؟ شاء من شاء وابى من ابى، فليس في أيدي المواكبين السلبيين لهذه الظاهرة الا أن يجدوا مكانهم تحت مظلتها عوض اعتراض سبيلها الى الشاشات، وهو تحصيل حاصل في كل حال. علماً أن ثمة تحفظات حتى لدى بعض الذين يشتغلون حالياً على الابعاد الثلاثة. فأحد )، 1984الخبراء في هذا المجال، الأميركي جو دانتي ("غريملينز" - يقول انه لا يحبذ فكرة أن تصوَّر كل الأفلام بهذا النظام.
لا شك أن ثلاثية البُعد، في حال طغيانها وسيطرتها على الاسواق والعقول، ستزيد من حدّة الشرخ بين السينما المهيمنة والسينما المهمشة. فهي أولاً وأخيراً فكرة ستوديوات تريد منها الاستثمار واعادة انعاش الـ"بزنس"، لا فكرة سينمائيين مؤلفين. واذا كانت هذه التقنية فاتحة آفاق عند بعض الذين نعتمد عليهم للاعلاء من شأنها جيمس كاميرون مثلاً، اذ يحسنون توظيفها في خدمة أفكارهم، فاستخدامها على نحو تسلسلي قد يولّد تسطيحاً لا عمقاً. هذه التحولات السينمائية الكبرى، تشكل أيضاً مناسبة لفتح ملف عن مكانة الصورة وكيفية التلاعب بها في زمن الرقمية والخدع البصرية والـ"بلو راي" (بديل الـ"دي في دي" الجديد) ذي النوعية الاقرب الى الكمال، وايضاً في عصر من المكننة، ميال الى الاستغناء عن الممثل الحيّ لمصلحة كائنات مصنوعة من كرتون وبيكسيل... راجين أن تبقى السينما، في نهاية جولاتها الاستكشافية في ممالك الحداثة، ملك العينين والقلب والعقل٠

هوفيك حبشيان: ناقد صحيفة »النهار« اللبنانية٠


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠



Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular