COVER | STORY
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الزميل الناقد السعودي خالد ربيع السيّد يراجع
في هذا العدد، أفلام محسن مخملباف وسواه
راصداً بدقّة وشمولية، موقفها من المجتمع الإيراني
والمرأة بين مسائل أخرى
في هذا العدد، أفلام محسن مخملباف وسواه
راصداً بدقّة وشمولية، موقفها من المجتمع الإيراني
والمرأة بين مسائل أخرى

أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تارنتينو | حديث القراء
مجموعة من الرسائل حول نقد فيلم "أبناء زنا بلا مجد" (العدد 147 ويُعاد نشره أدناه في هذا العدد) أنشرها حسب ورودهاـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تارنتينو | حديث القراء
محمد اسماعيل كتب: كنت قرأت تعليقات أخرى عن هذا الفيلم قبل أن أقرأ تعليقك ووجدته مختلفاً تماماً. طبعاً كل واحد ورأيه وهو حر فيه، لكن أظن أن هناك بعض الإختلافات الجوهرية في المعلومات أيضاً. مثلاً أنت تقول أن الفيلم له أسلوب واحد بينما (تم ذكر) أكثر من أسلوب. أنت تقول اللغات في الفيلم مهمة جداً لكن (تم ذكر) لا يعيرها أهمية. يا ريت تعليق بسيط على الموضوع ده٠
جواب | سابقاً ما ذكرت في سلسلة "النقد وفلسفة الفيلم" أن الرأي ليس النقد بل هو جانب منه، ذلك لأنه مبني أوّلاً على القراءة التي تهضم المعرفة والثقافة السينمائية. لا أستطيع بالتالي أن أقول أن هذا رأيي واكتفي. عليّ أن أمحص وأدقّق في الصورة التي أشاهدها وابني ما يؤيد الإتجاه الذي استنتجه من الفيلم جيّداً كان او دون ذلك. ما ذكرته أنت في مجال تعليقك (وأنا آسف لاختصار الرسالة) ليس مسألة رأي بل مسألة حقيقة. أن أقول هذا السينمائي جيّد- هذا رأي، أن أقول هذا السينمائي بدأ الإخراج كان رائداً- هذا يتعلّق بالحقائق٠ اللغة في فيلم تارنتينو لا يمكن فصلها عن الفيلم وهذا واقع. هي موجودة ولها إسهام أوّل في بنائه. وما أقوله هنا وما قلته في المقالة النقدية ليس مناوأة لرأي آخر، وآمل أن لا يُفهم على هذا الأساس، بل لنقل "توفير معلومات مهمّة للقاريء لكي يطّلع عليها لأجل بناء معلومات تفيده حين يرى الفيلم وسيرى الفيلم لأنه توزيع أميركي سينطلق قريباً فوق الشاشات العربية بأسرها"٠ شكراً لك٠
عبد الله العيبان كتب: لدي حس بأن شخصاً محظوظاً التقط فيلم تارانتينو أخيراً٠ تقييمك ممتاز لكنك لم تذكر التقييم بالنجوم٠ كذلك هناك مسألة غير واردة: لماذا قام تارانتينو بالإحتجاج على عدم فوز الفيلم في مهرجان "كان"؟ وبيننا، أرى تارانتينو كنسخة (شديدة السكر) من ستيفن سودربيرغ٠
جواب | لم أذكر النجوم هذه المرّة (لكنها مذكورة في نسخة اليوم) لأني لم أرد أن يتوقّف عندها القراء ويكوّنون سريعاً فكرتهم عن نقدي للفيلم. بالنسبة لموقفه من "كان" لم أكن هناك هذا العام كما تعلم ولا أستطيع أن أفتي في الموضوع، لكنه في اعتقادي موقف سبقه اليه مخرجون كثيرون في أصغر وأكبر المهرجانات. لا أدري إذا كان الفيلم الفائز أفضل او أسوأ من هذا الفيلم لكن لجنة التحكيم لم تصدمني كلجنة ستصدر قرارات صائبة وقلت ذلك من البداية٠
بالنسبة للمقارنة بين تارنتينو وسودربيرغ فهي بعد مثير للإهتمام فمن الخارج كلاهما مستقل بأسلوبه وجرّب أنواعاً مختلفة من الأفلام (سودربيرغ أنجز بدوره فيلماً عن فترة الحرب هو "الألماني الطيّب") لكن تارنتينو بالطبع أكثر جرأة في أعماله من الآخر٠
عبد الرحمن عيتاني: مقالة أخرى رائعة يا أيها الناقد الغائص في الفيلم حتى عظامه. لم أشاهد الفيلم بعد لكني عندما أشاهده ستكون شروحاتك ومعلوماتك خير دليل لي٠
جواب | ... وستكتب لتخبرنا بوجهة نظرك. هل تعد؟
الأخت سناء كتبت | لقت نظري إنك ذكرت إسم سينمائي مصري خلال حديثك عن فيلم كونتين تارانتينو لكن ما شرحتش كتير. . مين هوا واذا كان لسه بيشتغل في هوليود وهل هوا قصة نجاح مصرية او عربية تانية في أمريكا والا لأ. شكرا لمقالاتك الشيّقة وربّنا معاك
جواب | المعلومات عن فؤاد سعيد ليست متوفّرة على الإنترنت. معرفتي به بدأت في بيروت حين شاهدت فيلما بوليسيا عنوانه
Hickey & Boggs
بوليسي أخرجه أحد ممثليه (روبرت كالب) وقام بكتابته مخرج مستقبلي (وولتر هِل) وانتجه فؤاد سعيد. ثم أذكر إني قرأت في صحيفة أميركية عن أن فؤاد سعيد ابتكر سيارة- ستديو تسهّل العمل خلال التصوير وتحتوي على كل ما يحتاجه الفيلم في نواحي التصوير والمونتاج والصوت. ثم بدأ نجم فؤاد سعيد يعلو حين أنتج فيلماً بوليسياً آخر استقبل بضجيج (مع وضد) هو
Across 110th Street
أخرجه باري شير، الذي كان كسب هوى النقاد بفيلم سابق عنوانه
Wild in the Street
حول ما يمكن أن يحدث لأميركا إذا ما وصل الى الرئاسة شاب دون الثلاثين (الفيلم مؤيد للفكرة)٠ آخر فيلم بين فؤاد سعيد منتجاً وباري شير مخرجاً هو
The Deadly Trackers
سنة 1975 الذي هو آخر فيلم سينمائي للمخرج الذي توفّي عن 56 سنة في العام 1979
لا معلومات أخرى عن فؤاد سعيد الا أنه كتب سيناريوهات وصوّر أفلاماً (وربما بدأ مصوّراً قبل أن يقوم بالإخراج)٠
اعتبريه يا سناء جندي عربي مجهول مثله في ذلك العديد من السينمائيين العرب الذين عملوا في السينما العالمية ولم يحققوا الشهرة٠
mastorna ٠"مقالة رائعة كالعادة أستاذ محمد رغم أني لم أشاهده بعد" كتب
وأضاف: " لكن بما أنك أشرت الى وجود تصريفة ما بعد حداثية (محتملة) فاسمح لي أن أسألك عن مفهومك لما بعد الحداثة في السينما. شكراً لك على كل ما تقوم به
جواب | ليس هو مفهومي الخاص لكنه المفهوم الذي يتبّناه معظم نقاد السينما: إلغاء هذا المفهوم من الإعتبار حين الكتابة عن الفيلم الا إذا ما كان الفيلم مبني على هذا المفهوم- هذا شرط أساسي. المثل الذي أوردته حول المشهد الذي ربما كان هفوة تتابع في الكتابة انتقلت الى التصوير (مشهد يقول أن الحفلة في اليوم التالي، والذي بعده يقول بعد ثلاثة أيام) وإذا لم يكن فهو بعد زمني ينتمي الى حل ما بعد حدثي اختاره المخرج. في الحالة الأولى ربما تم تغيير ورود المشهد او بقيت إحدى العبارتين (غداً / بعد ثلاثة أيام) موجودة سهواً) حين كتب تارنتينو السيناريو وهو كتب نحو خمس نسخ قبل نسخة التصوير. في الحالة الثانية، هذا مثال ما بعد حداثي لأن مفهومها هو ولوج زمني مصاحب وغير تابع للمنطق. بهذا فإن »ماتريكس« قائم بكليّته على مفهوم ما بعد الحداثة لكن ليس مفهومها مجرد اللجوء الى "الفلاشباك" او الى "الفلاشفوروود" والا لكانت كل الأفلام ما بعد الحداثية على كثرة استخدام مشاهد الرجوع الى الأمس او القفز الى الأمام. كذلك ليس من صفات ما بعد الحداثة وجود فيلم داخل فيلم. د..و. غريفيث عمد الى فيلم داخل فيلم سنة 1909 في فيلم كوميدي
Those Awful Hats | عنوانه : هذه القبّعات البغيضة
حسب البروفسور سوزان هايوارد في كتابها
Cinema Studies: The Key Concept
فإن رواية ما قد تُتعبر حدثية بالنسبة لأحد النقاد وغير حدثية بالنسبة لناقد آخر"، لكن ليس بناء على ما إذا كانت تحتوي او لا تحتوي فلاشباك بل لأنه-في الأساس- لا يوجد إتفاق، لا بين نقاد الروايات الأدبية ولا بين نقاد السينما- على ما هو حدثي وما هو ما بعد حدثي لأنهما في أحيان كثيرة مختلطان. أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني تحديداً هو بعض وجوه هذا الإختلاط٠
أضيف أن القاص الأيرلندي سامويل بَكيت اعتبر حدثياً (بحق) منذ الأربعينات والخمسينات، لكن هناك من يعتبره اليوم ما بعد حدثي٠
أخيراً، المسألة ليست نوعاً سينمائياً قائماً بذاته، ولا علاقة لها بالأسلوب. بل هي تصرّف حيال مسألة الزمن عليها أن تتألّف من عناصر ذات غايات بحثية وإبداعية وقدر كبير من تفسير فلسفي لماهية الزمن. وربما كانت لي عودة أكثر تفصيلاً إذا أحببت وآخرين المزيد٠

سينما المرأة الإيرانية وحلم الحرية
نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نقدية| خالد ربيع السيد
نظرة على أفلام محسن مخملباف ومخرجات مدرسته
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نقدية| خالد ربيع السيد
يلجأ السينمائي الإيراني إلى الرمز والإيحاء والإشارة الخاطفة .. ، هذا ما يمكن إلتقاطه بسهولة من خلال تتبع الأفلام الإيرانية ذات الصبغة الإحترافية العالمية، فهو يوظف "الرمز البصري"، للدلالة على معان قد تكون عميقة أو بسيطة، لكنها ثرية في كل حال، مثلاً يستخدم البالون الأبيض المنطلق في السماء للتعبير عن الرغبة في الحرية كما في فيلم (البالون الأبيض) لجعفر بناهي، وقد يستخدم "الرمز الدرامي" كالذي وظفه عباس كياروستمي في فيلمه (طعم الكرز) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان 1997م، حيث يتناول الفيلم لحظات تأزم في حياة مثقف إيراني يريد الانتحار وتكمن مشكلته في أنه يظل يبحث طوال الفيلم عن شخص يدفنه، ثم يلتقي بعامل حديقة بسيط، ويعرض عليه أمر دفنه بعد إنتحاره، فيحاوره ببساطة وتلقائية موغلة في الفلسفة والحكمة ويستطيع بمنطقه المقنع أن يثنيه عن رغبته في الإنتحار .. مع هذا الجنايني يجتهد في الشرح للبطل المثقف بأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش لأن أحدهم صعد الى شجرة كرز ليربط حبلاً يخنق به رقبته وأثناء تعلقه بالجذع أخذ حبة كرز وأكلها، فوجد فيها حلاوة الحياة وتراجع عن عزمه .. بكل تأكيد الفيلم يمثّل إدانة وصفعة للمجتمع والنظام الإيراني الذي يدفع الفرد إلى الجنون لدرجة الرغبة في الانتحار، ولكن في ذات اللحظة يمجد الحياة وينتصر للإنسانية
هناك أيضاً "الرمز الديني" العابر أو المكثّف، نجده حاضراً في كثير من مشاهد فيلم (ألوان الجنة) للمخرج مجيد مجيدي، وكذلك في بعض المشاهد في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" للمخرج بهمن غوبادي
غير أن "الرمز الذكوري" يشخص واضحاً في فيلم (باران) لمجيد مجيدي، وفي فيلم (أسامة) للمخرج صديق باراماك، الذي بدأه بمقوله نيلسون مانديلا: ” لا أستطيع النسيان لكن أستطيع الغفران ” إذ يقودنا الفيلم الى عدم نسيان أفعال حزب طالبان وإدانة حكمهم وفكرهم ،وهو يتحدث فيه عن امرأة خسرت عملها بعد ان اغلق نظام طالبان المستشفى الذي تعمل به ، وبسبب القانون الذي يحرم ظهور المرأة من دون محرم , اظطرت هذه المرأة للبقاء في المنزل بسبب وفاة زوجها واخوها , ومع ازدياد الفقر والجوع لجئت هذه المرأة لتنكير إبنتها على شكل ولد حتى تستطيع الظهور معه وكأنه محرم ، وأطلقت على هذا الولد إسم "أسامة"، وتبدأ رحلة الخوف والقلق من الانكشاف، لكن يتمّ ضبطها وينكشف أمرها، ولصيانتها يحكم الشيخ الطالبانيّ بتزويجها قسراً لرجلٍ مُسنٍّ يُضيفها إلى "حريمه" المحبوسات في داره!. الفيلم تجريم للذكورة الطالبانية بكل أبعادها الإجتماعية الضاربة في التخلف والتعسف. الفيلم حاز على ثلاثة جوائز في مهرجان كان 2003م، وعلى جائزة الغولدن غلوب كأفضل فيلم أجنبي ، وحاز الجائزة الاولى لمهرجان الافلام والاساليب الجديدة بمونتريال 2003، والفيلم رغم أفغانيته نستطيع إدراجه في قبيلة السينما الإيرانية لتأثر المخرج صديق باراماك بأساليب السينما الإيرانية، لا سيما وأن جل الطاقم افني للفيلم من الإيرانيين .. ٠
هناك كذلك "الرمز الموسيقي" الموحي بالتنفيس والتوق الى الخلاص من الضيق والتأزم كما في موسيقى حسين عليزاده في فيلم "السلاحف تستطيع الطيران" الآنف الذكر .
لكن في مقروئية عابرة، نجد أن بعض هذه الرموز لا يمكن فهمها بسهولة من قبل المتفرج البعيد عن الثقافة الإيرانية، ففي فيلم (العشاء الأخير) الذي حصل على إحدى الجوائز في مهرجان القاهرة السينمائي 2002 ، يتعمد المخرج إنتقاء أسماء لها رمزية خاصة. فهو يقدم الزوج "محسن" بما يحمل هذا الإسم من دلالة دينية تكنوقراطية في إيران اليوم! ، ويقدمه كشخصية سلبية رئيسية في دور موظف كبير بوزارة العدل، شخصية محافظة دينياً ومتزمتة سياسيًا؛ بما يتناسب بهذه الوزارة التي تعد معقلا للسياسيين المحافظين، بينما كانت كل الشخصيات الإيجابية الأخرى في الفيلم، سواء الأم أو الشاب زميل ابنتها وزوجها فيما بعد، أو أبوه أو أخته تحمل أسماء فارسية أصيلة تنتصر لقيم الإنسان الإيراني بموروثاته العرقية والثقافية والأنثوجيوغرافية العامة .
هذه الرمزية لها جذورها في التراث الفارسي، سواء في قصص الحيوانات (وكلنا يتذكر عبد الله بن المقفع مترجم "كليلة ودمنة") أو في "شاه نامة الفردوسي"، ، ولا يغيب أن الرمزية في الثقافة الفارسية تستمد دعماً رئيساً من فكرة "التقية" عند الشيعة، والتي تمثل المأثور الشعبي الإيراني الديني، الذي ظل يستدعيها في روايات "التعزية" أو قصص مصارع شهداء آل البيت،والتي كان يؤديها الرجال فقط، تمشياً مع مبدأ التقية، للدرجة التي تؤدى فيها الأدوار النسائية بشخوص الرجال.
وبتسليط الضوء على تصريحات المخرج الإيراني محسن مخملباف صاحب ""كان يا ما كان سينما" ،"سلام ياسينما" ،"الصمت" ،"جنس وفلسفة" ، "قندهار" و طعم الكرز" ـ في حواره مع جيزيل خوري في قناة العربية (شهر يونيه 2009) عن عودته للتفاعل المباشر مع شؤون السياسة بعد ابتعاده عنها مدة ثلاثين سنة، وربطه لهذه العودة بدماء الشهيدة "ندا" التي قتلت على يد الشرطة الإيرانية ..نلمس التلميح في خطابه، وهو تلميح يشابه ذلك الذي يقدمه في أفلامه، إلى أنه كان هاجراً للشأن السياسي و مبتعداً عن همه، لكن من يتابع أعمال هذا المخرج المثقف يدرك تماماً بأن الرجل كان غارقاً طوال سني حياته في عمق السياسة بشقيها الإجتماعي والأيديولوجي، وأنه لم ينفصل عن نبض شعبه لحظة واحدة، وربما عرفت عائلة مخملباف بأنها الاكثر تميزاً بسببه، فقد أسس مدرسة في بيته يدرس فيها الفلسفة والسينما ليمنح العالم ثلاث مخرجات، إبنته سميرا مخملباف ، ومرضية الزوجة الثانية له، وهانا أو هناء إبنته الصغرى التي أخرجت فيلما بعنوان "فرقة الجنون" سنة 2002٠
أفلام آل مخملباف (مرضية وسميرا وهانا- او هناء) الأولى. جائت متماهية مع صورة إيران المحافظة التي كرّسها الوالي الفقيه والإمام السياسي، تلك الصورة الرصينة المبتعده عن مظاهر التحرر والحداثة، والنائية عن الأفكار التثويرية والتحريضية، فهي ملتزمة بعدم ظهور الممثلات وهن (متبرجات)، بإعتبار السفور وزينة المرأة مسألة مرفوضة جوهرياً في الثقافة الإيران الإمامية، لكنها رغم ذلك كانت أفلامهم مشحونة بلغة إيحائية معارضة تهمس في خفوت شديد وتأثير بالغ وتندد في صمت صارخ، ورغم ذلك يمكن الوقوف على أفلام مخملباف اللاحقة التي صنعها بعد إستقراره في أوروبا، وطرحه لموضوعات مناهضة للصورة النمطية المعروفة عن السينما الإيرانية المحافظة، لذلك إذا تأملنا جميع الأفلام التي كتبها أو أخرجها مخملباف لوجدنا أنها تحمل بذور الرفض والمناهضة في داخلها حتى وإن ظهرت محافظة شكلياً
هذا التحول في مستوى حرية الإشتغال السينمائي عند مخملباف، يكشف أنه كان مسكوناً بالسياسة في جميع أفلامه حتى لو لم يعلنها صراحة، بل أنه كان ضد مظاهر المحافظة التي رضخ لها حيناً بسبب ضغوط الرقابة الحكومية الدينية، فعندما تهيأت له الفرصة في قول ما يريد، قال، وأنتج فناً رفيع المستوى مثل أفلامه: (الجنس والفلسفة) وَ(صرخة النمل)، الأمر الذي يؤكد أن التزامه السابق كان شكلياً فقط، خصوصاً فيما يتعلق بمسألة مشاركة المرأة في سينماه التي ينبغي أن يظهرها في لباس محتشم وحوارات لا تتطرق للمشاعر العاطفية أو التلميح الجنسي أو الحب، وكذلك الإبتعاد كلياً عن لغة الجسد من رقص أو تصوير مفاتن وجمايات الجسد الأنثوي، ناهيك عن لمس يد المرأة أو ملامسة المرأة لأي جزء من جسد الرجل ، أو حتى مجرد النظر بغنج أو دلال .. وما إلى ذلك من قائمة طويلة من الشروط الرقابية الصارمة٠
في فيلم "جنس وفلسفة" وهو ممول فرنسياً، وأخرجه مخملباف في طاجكستان، يتجاوز فيه "التابو" المحرم في السينما الإيرانية السائدة منذ الثورة الإسلامية عام 1979. وليس معنى هذا أن الفيلم يصور العلاقات الجنسية أو يظهر المشاهد عارية، بل المقصود أنه يتناول فيه موضوعا يعد من المحرمات في السينما الإيرانية الحديثة وهو موضوع العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة٠
فهو يقدم منظوره الشخصي من جهة تأملاته الفلسفية التي ترتبط برجل تجاوز ما يسمى "منتصف العمر" وصار لزاما عليه أن يبدأ في طرح التساؤلات حول الجنس وعلاقته بالحب، وهل هناك حقا حب يدوم إلى الأبد أم أنه وهم، وبما يرتبط الوقوع في الحب، وغير ذلك من التساؤلات. غير ذلك فالفيلم يستند إلى بناء موسيقي يستخدم فيه الرقص التعبيري أي التعبير بالجسد الأنثوي في تكوينات موحية خلابة، وهو ما تسبب في منع عرض الفيلم رقابياً وشعبياً منذ أن أنجز عام 2003..
يفتتح الفيلم بطلنا هذا يقود سيارة في شارع فسيح مصفوف بالأشجار الكثيفة، وقد أشعل 40 شمعة وضعها أمامه في مقدمة السيارة، فهو يحتفل ببلوغه الأربعين. ونحن لا نرى البطل في البداية بل نرى الشموع والطريق من خلال زجاج السيارة الأمامي، ونسمع صوته عبر الهاتف المحمول وهو يتصل بالنساء الأربع اللاتي ارتبط بهن عاطفيا في حياته يطلب من كل واحدة - دون معرفة الأخريات- التوجه للقائه في مدرسة الرقص التعبيري التي يفترض أنه يشرف عليها. ويقدم مخملباف أربعة فصول مع كل واحدة من النساء الأربع، داخل مدرسة الرقص ولكن دون أن يكرر نفسه أبدا، من خلال مشاهد الرقص التي تشترك فيها - إلى جانب البطل والمرأة- مجموعة من الفتيات.
ويختلط الماضي بالحاضر من خلال العودة إلى لحظة الوقوع في الحب التي يصر بطلنا طوال الفيلم على أنه نتيجة "أمر تافه الشأن"٠
وحسب ما يوضح مع الحبيبة الثالثة "لولا أنني أصبت بإسهال وذهبت إلى المستشفى الذي كنت تعملين به لما كان الحب"! أما الحبيبة الرابعة فتفاجئه عندما تدعو ثلاثة رجال للاحتفال بعيد ميلاده وتعترف أمام الجميع بأنها كانت تتخذ الأربعة عشاقا في وقت واحد حيث كانت تبحث عن الحب في كل منهم، وهي نفس فلسفة بطلنا في البحث عن السعادة.
يطرح مخملباف رؤيته من خلال طرح التساؤلات حول مغزى الحب: كيف ينتقل من مستوى إلى آخر، من الحب الرومانسي المطلق إلى الغيرة والرغبة في السيطرة إلى إعلاء الجنس على قيمة الحب إلى محاولة إعادة خلق الحب٠
ويذهب أكثر من ذلك عندما يجعل بطله المتشكك في مفهوم السعادة عن طريق الحب يستخدم ساعة يمكن التحكم فيها لقياس لحظات السعادة في لحظات الحب٠
وفي مشهد من الفيلم تحسب له الحبيبة الأولى لحظات سعادته حسب منطقه فتقول إنها لا تزيد عن 40 ساعة، أي بمعدل ساعة واحدة كل سنة من عمره!
هناك بالتأكيد رغبة في اعتبار الحب بمفهوم مخملباف متعارضا - على نحو ما - مع الجنس- حسب مفهومه الشخصي النابع من ثقافته، وانعكاس هذا على الفيلم باستبعاد كل احتمال لمشاهدة لقطات حميمية بين الرجل والمرأة، إلا أنه ترك المجال متاحا في مشاهد أخرى عديدة للتفسير والتأويل من خلال إشارات عديدة كامنة٠
ويستخدم مخملباف تناول العشاق للخمر كمعادل للمتعة، والرقص التعبيري كمعادل للجنس، والموسيقى والشعر كمعادل للوجود من خلال الآخر.
وفي المشهد النهائي من الفيلم نرى البطل وقد أصبح أكثر إحساسا بالوحدة عما كان، وهو يعود فيلتقي مجددا بالمغني الأعمى وزوجته وينتهي الفيلم بالغناء٠
قد يكون فيلم "جنس وفلسفة" من أكثر أفلام مخملباف تحررا وجرأة في السرد والشكل الفني. هنا لا يتميز الفيلم بما يميز عادة أفلام مخملباف أي المزج بين الطابع التسجيلي والطابع القصصي بل هناك تداعيات حرة تدور حول الفكرة التي تتركز حول الذات٠
وللذكر، فإن من أهم المخرجات الايرانيات اللواتي تأثرن بمحسن مخملباف، و يزاولن عملهن بمثابرة ورؤية واضحة تصب في خانة إثراء الوعي بقضايا الإنسان والمرأة في إيران : المخرجة راخشان بني إعتماد 50 عاما ، قدمت فيلم "نرجس" ، في تناول شفيف عن علاقة الرجل بالمرأة، وكذلك المخرجة تامينية ميلائي المولودة في تبريز 1960 ، وهي درست العمارة ثم اتجهت للسينما، تعرضت للسجن، لجرأتها في طرح إشكاليات إجتماعية وثقافية وسياسية، تدخل خاتمي لاطلاق سراحها، وأهم افلامها "النصف الخفي" 2001، وفيلم "ماذا أيضا جديد" 1993 وفيلم "أطفال الطلاق" إضافة إلى فيلم "سجن النساء" الذي يعد من أفلامها الضافية٠
في فيلمه (قندهار) يطرح مخملباف معاناة المرأة في بيئة ذكورية متسلطة، وفي فيلم إبنته هانا (بوذا انفجر خجلا) إنتحاء الى العلاقة الملتبسة بين الرجل والمرأة، وفي فيلم (اليوم الذي أصبحتُ فيه امرأة) وهو من كتابته، وإخراج زوجته مرضية، نعي أليم للحالة التي وصلت إليها المرأة الإيرانية، فمن خلال ثلاثة قصص منفصلة متصلة تبث مرضية صورة سينمائية واعية، عن قصة إنسانية شديدة العذوبة وكالعادة شديدة البساطة، لتضع المشاهد عند الشعور بذلك اليوم الذي أصبحت فيه تلك الطفلة(حواء) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه تلك الشابة(آهون) امرأة، واليوم الذي أصبحت فيه العجوز(حورا) امرأة ٠
إنه يوم واحد وثلاث أجيال، ثلاثة أعمار مختلفة، ثلاثة من النسوة يجابهن فيه يوم مفصلي في حياتهن، يخضنه باسلوبهن وفيه تشعر كل واحدة أن هذا اليوم هو اليوم الذي أصبحت فيه امرأة، بكل ما تحمله هذه الصفة من تبعات كينونة لم تختارها، وبكل الألم المنسرب لحظة إكتشاف كل واحدة أنها أصبحت امرأة في بيئة تحملها أوزاراً لم ترتكبها بعد باعتبارها منبع الفساد والرذيلة٠
القصة الأولى : طفلة في التاسعة من العمر، فجأة تتحول حياتها من لهو ومرح الطفولة إلى أعباء المرأة وتحمل المسئوليات . . فاليوم عيد ميلادها التاسع وتفرض عليها أمها وجدتها أن تغطي شعرها وتستر جسدها بعباءة طويلة ، وأن تنتهي من اللهو واللعب من (حسن ابن الجيران) – وأن تلتزم بيتها ، وهي لا تفهم ما الذي حدث ما بين الأمس واليوم ، ثم تتذكر أمها أن الطفلة كانت قد ولدت في الثانية عشر ظهراً ، بينما الساعة الآن الحادية عشرة، إذاً فأمامها ساعة تستطيع أن تلهو فيها قبل أن تصبح امرأة ويفرض عليها كل هذا٠
القصة الثانية : شابة في ريعان الصبا تشترك مع أقرانها في سباق للدراجات ويلاحقها زوجها محاولا منعها من هذا السباق وإعادتها للبيت، ولكنها تصر على الاستمرار ، فيهددها بالطلاق فلا تأبه .. يجمع رجال القرية ، ثم شيوخها كبراءها لينذرونها ويهددونها ولكنها تصر على الانطلاق والاستمرار.الفيلم عبارة عن حركة واحدة: فتيات ينطلقن على دراجات ..ثيمة واحدة وإفصاح ثري ٠
القصة الثالثة : عجوز ترث ميراثاً كبيراً في آخر أيامها، فتذهب الى سوق كبير لشراء كل ما كانت تتمنى وتحلم به طوال سنوات عمرها، منذ طفولتها، وحتى صباها وشبابها، وتقوم بفرش كل هذا المتاع على الشاطئ وتحت الشمس ، مستعرضة في لوحة فانتازية كل إقتنته، لكنها تراجع أحلامها وكل ما اشترت لتجد أن هناك ما نسيته، فتتذكر بعضه والبعض الآخر تنساه بالمرة.
كل هذا يشير للدور السياسي الذي لعبته سينما آل مخملباف (وغيرهم) في بث الوعي في عقول الشباب الإيراني وإشعال رغبة الثورة ضد وصاية رجال الدين والأولياء في حكومة "الثورة الإسلامية" المجحفة
و إذا أضفنا إلى ذلك أفلاماً مثل "الدائرة" وَ"حالة تسلل" لجعفر بناهي و فيلم "لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية" للمخرج بهمن غوبادي، لوجدنا أن حالة الرفض للوضع السياسي القائم تكاد تكون عامة بين سينمائيي إيران.، و لن نبالغ إذا قلنا بأن السينما الإيرانية احتضنت بذور الثورة، بل نكون محقين إذا تنبهنا لذلك، لا سيما وأنها ساهمت في إنمائها في السنوات العشر الماضية ولم تغيب عن ميدان السياسة أبداً، وكان صوتها عالياً في بعض الأعمال، مرتهناً دائماً للفني والجمالي.
وبذكر الأصوات العالية وأشدها صخباً نجد فيلم "السحلية" الذي نجح تجارياً سنة2004 حتى أصبح الفيلم الأكثر رواجاً في السينما الإيرانية. وهو يقدم بشكل ساخر قصة لص محترف في تسلق الجدران والأسوار، ويدخل السجن بسبب سرقاته، ولكن تتهيأ له فرصة الهرب من السجن بعد تخفيه وإرتدائه لعمامة الأولياء، كان وجدها في مستشفى السجن أثناء إدعاءه المرض، وما أن يرتدى العمامة حتى يتمكن من الهرب بسهولة، ويصبح واعظاً مهيباً، له أتباع ومريدون يقدسون كلمته اتلتي يقولها، في رسالة واضحة مفادها الاعتراض على المكانة الاجتماعية التي يحظى بها الإمام والوالي لمجرد ارتدائه العمامة٠
يقول محسن مخملباف لجيزيل خوري "كنت تلميذاً لخامنئي وشاركت في المظاهرات ضد نظام الشاه والآن أعود لنفس النقطة وأقف مع الشعب ضد الديكتاتورية والتسلط" واضعاً تصوراً لإيران التي يحلم بها والتي لا تبتعد كثيراً عن صورتها في عهد الشاه بهلوي الذي ثار ضده في نهاية السبعينيات٠
ويعقب ، كانت إيران حينذاك أشبه بأوروبا تكفل حرية الفرد وحرية الفنان والإنسان بشكل عام، رجلاً كان أم امرأة، وكانت المطربة غوغوش رمزاً لهذه الحرية، وهي أشهر فنانات عهد الشاه، فقد غنّت ورقصت ومثلت في السينما بكل حرية حتى أصبحت نجمة عالمية، ثم تحولت إلى رمز صارخ لتلك الحقبة، إنها حلم جميل يداعب مخيلة مخملباف وبقية الإيرانيين الحداثيين، فكلما تأملوا واقعهم المؤسف الذي صنعته أوهام رجال الثورة الإمامية في بناء يوتوبيا مستحيلة .
وربما لا ندرك نحن غير الإيرانيين هذه الإسقاطات والرموز لكونها خارجة عن نطاق معرفتنا وثقافتنا أو لكوننا ـ أحيانا ـ لا نريد أن نرى السينما الإيرانية إلا في إطار رومانسي أيديولوجي لا يرى فيها إلا نموذج لما يظنه سينما إسلامية تنجح وتصل للعالمية . . هذه العبارة قالها بكثير المنطق الإستشرافي الواعي ٠
ويواصل حديثه، أذكر أنني قابلت مخرجا إيرانيا اسمه فروج كريم في مهرجان مانهايم السينمائي بألمانيا سنة 1991م وكان يعرض فيلمه الأول "الفصل الأخير" وتناقشنا حول السينما الإيرانية وأبديت إعجابي بفيلم "الغريب والضباب" لبهرام بيضائي بوصفه فيلما يتنبأ بالثورة وبقدوم الإمام الخميني، وهنا ضحك قائلا إن هذا الفيلم بهائي ومليء بالرموز البهائية، و"الغريب" رمز للبهاء وليس للخميني وكل الإيرانيين قد فهموا هذا بسهولة.! ٠
مثال آخر على هذا، فيلم "ذات الحجاب الأزرق" للمخرجة راخشان بني اعتماد، الفيلم ينتهج أسلوب الواقعية الطبيعية ويقدم علاقة رجل أعمال غني، بفتاة عاملة متمردة، بعد موت زوجته وعلاقة بناته به بعد زواجه من الفتاة، وكان الرمز الأساسي في الفيلم هو "الحجاب الأزرق" أو بالأحرى اللون الأزرق الذي هو في الثقافة الإيرانية لون العثمانيين السنة وهم الأعداء التقليديين للشيعة بلونهم الأسود المعروف! والتمرد عند الفتاة يتحول إلى تمرد عام ورفض سياسي من خلال هذه الجزئية الصغيرة. هذه الجزئيات والرموز والتحايلات لا تمر على الرقيب الإيراني أو المسئولين، لذلك أحيانا ترفض الأفلام وأحيانا أخرى يتم تهميشها وتوضع في دور عرض صغيرة وهكذا. ولكن حاليا هناك انفتاح كبير خاصة بعد انتخاب الرئيس خاتمي والذي أيده كل السينمائيين، وتعرف هذه السينما باسم سينما الثاني من خرداد (مايو) أي سينما ما بعد انتخاب "خاتمي"٠
ثم لا ننسى المخرجة سوزان تسليمي (54 عاما)، وهي من القبيلة المخملبافية (إن جاز التعبير) حيث لا يفوت عملها الممتع ”كل الجحيم مراوغ “، فسوزان خرجت من معطف الانثروبولوجيا وانتقلت للسينما لتقدم "الطلاق على الطريقة الايرانية" وفيلم "انك تتحدث الانجليزية جيدا" وهو يتحدث عن الشباب الايراني المغترب في لندن. واخيراً المخرجة المتفردة مريم شهريار التي درست في اميركا وكان فيلمها الاول”بنات الشمس “ عام 1999 والذي تناول فيه اشكالية الهوية، الفيلم يحكي قصة فتاة ايرانية تعيل اسرتها ولكي تعمل في وسط ذكوري تحلق رأسها لتبدو رجلا تغازلها احدى العاملات وتطلب منها الزواج، تعاني كثيراً من تسلط صاحب المصنع وسلوكه الذكوري، وكيف يتفنن في اساءة معاملتها، الفيلم منع داخل ايران لكنه فاز بجائزة احسن فيلم في مهرجان مونتريال الدولي، متفوقا على 65 فيلما ويرسل الى نحو اربعين مهرجانا سينمائيا تقول شهريار: سئلت عن كثرة الرموز في الفيلم وهذا صحيح لان ما يهمني فقدان الشخصية الرئيسة في الفيلم لانوثتها من خلال حلق الشعر-رمز الانوثة ٠
إن سينما المرأة في ايران تتميز بوعي المخرجات الحاد لكينونة ذواتهن في إطار ماهو نسائي محلي خاص وإنساني عام بعيدا عن تسلط وقهر ونظرة الاخر المختلف٠

فيلم كوينتن تارانتينو كاملاً
Inglourious Basterds ****حسنات كثيرة وعثرات قليلة في فيلم مختلف عن النازية وأعدائها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد| محمد رُضا
لو أن الكولونيل هانز لاندا (كريستوف وولتز) أطلق على شوشانا (ميلاني لورن) تلك الرصاصة بينما هي تركض هاربة بكل ما أوتيت من قوة وأصابها... لما كان هناك فيلم. ذلك لأن شوشانا بعد ثلاث سنوات استطاعت لا الهرب من الريف الفرنسي الى باريس فقط، بل هي غيّرت هويّتها وأسمها العائلي من درايفوس الى ميميو وأنشأت لنفسها داراً سينمائياً سيكون المكان الذي سيجتمع فيه معظم الشخصيات التي ستمر معنا في فيلم كونتن تارانتينو الجديد »أبناء زنا بلا مجد« [الترجمة الصحيحة للعنوان علماً بأن المخرج فضّل اللكنة على صحيح اللغة إذ أن هناك خطأ في كلي الكلمتين الإنكليزيّتين]٠
لكن لو أطلق لاندا تلك الرصاصة عليها وهي تهرب، او أمر رجاله بملاحقتها وقتلها، كما قتلوا عائلتها، لما كان هناك فيلم٠
شوشانا، كما لا يُخفى، يهودية وعائلتها قتلت بسبب ذلك. كانت مختبئة تحت سطح الأرض في بيت مزارع فرنسي في ذلك اليوم الذي وصل فيه الكولونيل لاندا في زيارة بدت ودّية. يعرّف نفسه للمزارع لاباديت (دنيس مينوشيه) ويقول له: "أعرف الكثير عنك. هل تعرف الكثير عني؟"٠
جواب المزارع يُرضي الكولونيل لأنه يؤكد صيته كـ "صياد يهود"٠
الفيلم مؤلف من خمسة فصول وهذا أوّلها تحت عنوان "حدث ذات مرّة في فرنسا المحتلة نازياً"، وهو عنوان يصلح للفيلم كله كونه يدور حول أحداث وقعت- خياليا بالطبع- في فرنسا العام 1944 أي بعد ثلاث سنوا من فصل البداية٠
طبعاً العنوان أيضاً أقرب الى تحية للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني [أفضل مخرج أفلام وسترن سباغيتي، لكنه ليس رائدها إذ أخرج أول أفلامه فيها سنة 1964 بعد ثلاث سنوات من إنطلاقها، خلالها كان ليوني لا يزال يكتب ويخرج أفلام تاريخ ملحمية]. فيلم ليوني ذو العنوان القريب "حدث ذات مرّة في الغرب" سنة 1968، يخطر على البال بسبب من تصميم المشهد الذي يصل فيه الكولونيل النازي وثّلة جنوده من بعيد. لكن هذه البداية لا تشبه بداية فيلم ليوني المذكور حيث ينتظر ثلاثة أشقياء وصول تشارلز برونسون في محطة قطار ولا هي تريد أن تشبهها. يطلب الكولونيل من المزارع دخول البيت ثم يطلب طلبين مهمّين: كوب حليب وخروج النساء من البيت٠
الطلب الأول مهم لأن تارانتينو سيستخدمه في مشهد لاحق (وهذا كل أهميّته وسأمر عليه بعد قليل)، والثاني هو تمهيد ما سيقع. والطريق التي يطلب فيها الكولونيل خروج النساء من المنزل هادئة ورصينة. يقول للمزارع بلطف شديد: "كما ترى تركت رجالي خارج البيت. هل أستطيع أن أطلب منك خروج النساء من البيت؟". طلب لا يمكن ردّه والمزارع لاباديت يأمر أهل بيته بالخروج٠
الحوار اللاحق معظمه للكولونيل. إنه يمهد لما يريد بحذق وبطلف وكياسة. يجمع معلومات يعرفها وكل ما سحب معلومة عرفها حفر للمزارع قليلاً من الحفرة التي سيوقعه فيها حين يسأله الإعتراف بأن العائلة اليهودية درايفوس إنما تعيش تحت ألواح الأرض الخشبية. وكانت الكاميرا نزلت إليها في
Tilt Down
ثم قطعت الكاميرا الى الفتاة التي وضعت يدها على فمها في خوف خشية أن يصدر منها ما يكشف وجودها. في الواقع، لا يمكن للكاميرا أن تخترق الأرض هكذا، لكن تارانتينو يستخدم التفعيلة مرّتين بعد ذلك. مرّة منتقلاً من غرفة الى غرفة كما لو كانتا بلا جدران فاصلة، والثانية حين تسبح الكاميرا فوقية من الغرفة الى خارجها نازعاً مفهوم السطح٠
يطلب الكولونيل من المزارع (هناك لقطة على وجه المزارع تجمع بين الغضب والخجل والخوف) أن يُشير له لمكان وجود العائلة المختبئة. ينصاع المزارع. يأمر الكولونيل رجاله. يدخلون ويزرعون ألواح الأرض الخشبية بالرصاص. يقتلون الجميع ما عدا شوشانا. لولاها لما كان هناك فيلم٠
التحية ايطالية والعذر يهودي
التحية لسيرجيو ليوني ليست هي العلاقة الوحيدة بين هذا الفيلم وبين السينما الإيطالية. أصلاً، فيلم تارانتينو مأخوذ عن فيلم ايطالي بنفس العنوان (بالتهجئة الصحيحة) أخرجه سنة 1978 إنزو ج. كاستيلاري من بطولة ممثلي الفترة، بو سڤنسن، الأفرو-أميركي فرد وليامسون والبريطاني إيان بانن٠ ويختلف في الموضوع تماماً (تجد إسم المخرج كاستيلاري في أسماء ما بعد انتهاء العرض مقروناً بالشكر). من هذه الموقعة ننتقل الى مكان ما حيث نتعرّف على الوتاننت ألدو راين (يقوم به براد بت لكن إسم الممثل الفعلي ألدو راي هو الذي يتبادر- قصداً- الى أذهان العارفين كونه ممثل ظهر في عدد كبير من الأفلام الحربية).
هذا جمع تحت إشرافه ثمانية جنود من اليهود شارحاً لهم مهمّتهم: إنه وهم يكوّنون وِحدة من الجنود الذين سيتم إسقاطهم وراء الخطوط لكي يوقعوا بالجنود الألمان. يقول لهم" "أنتم مدينون لي. كل واحد منكم. أريد مئة فروة رأس من كل واحد منكم"٠ هؤلاء، مندفعين بمعرفتهم بعمليات الصيد والقتل التي يقوم بها النازيون لليهود ومحقونين بكرههم لهم، يعلنون استعدادهم. بعد قليل، نراهم يمارسون اجتذاذ الفروات. إذا ما كان أحد منّا (او من المشاهدين الأجانب) لديه شعور طيّب حيال مأساة اليهود خلال الحرب، فإن هذا المشهد كفيل بترحيل هذا الشعور وإحلال قدر من التقزز والرفض٠
لكن اليهودية هي محور الصراع في الفيلم والى الحد الغالب: العذر الذي من أجله هناك أحداثاً تُروى. النازيون، ممثلون بالكولونيل لادا، يريدون صيد وقتل اليهود. واليهود يريدون صيد وقتل من يقتل اليهود. لكن المخرج يقسّم شخصياته الى ثلاث فئات
النازيون
اليهود
والمنتمين الى المخابرات البريطانية وهؤلاء يريدون استغلال عرض سينمائي سيحضره هتلر وغوبلز و-عمليا- كل القادة الكبار في الصالة التي تملكها شوشانا.
لا نرى كثيرا من القتل اليهودي للنازيين ولا كثيراً من القتل النازي لليهود (ليس هناك مشاهد معسكرات وإطلاق نار عشوائي. في الحقيقة، نسمع فقط عن جرائم النازية لكننا لن نراها) ذلك لأن غاية المخرج هي تقديم عمل خارج المألوف في هذا المجال، وهو يفعل
ينجز تارانتينو فيلماً فانتازياً بارعاً ومثيراً طوال الوقت من دون كثير لحظات تململ. تارانتينو يستبدل، قدر الإمكان، الموقف التشويقي الناتج عن الحركة الكبيرة، بالموقف التشويقي الناتج عن الإيماءات والحوار نفسه. هذا الحوار الذي، في معظم الأحيان، ليس تطويلاً ولا هدراً للوقت بل يحتاج لمن يعرف الإنكليزية جيّداً (او لترجمة عربية جيّدة) وأيضاً لمن يعرف كفاية في الغاية من الفيلم عبر الغاية من اختيار الوسيلة والإيقاع ويثق بعمل المخرج قبل الحكم عليه٠
في عمله هذا، يغير المخرج من المعتاد في سينما الفترة النازية. التعبير عن من هو في الخانة الخيّرة ومن هو في تلك الشريرة ليس ما يشغله. الطرح السياسي للفترة وبل الحكم على الفرقاء ليس ما يرغب به، بل هو يُضيغ السيناريو على نحو يتيح له صنع فيلمه الخاص عن النازية والمقاومة والمؤامرات المتبادلة كما صنع فيلمه البوليسي الخاص في »كلاب المخزن« وصنع فيلمه الساموراي الخاص في »أقتل بِل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براو
بل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براون« مثلا
كذلك فإن اخر ما يتوخّاه المخرج من فيلمه هو نمطية الشخصيات. لجانب أن الألماني لاندا شخصية مثقّفة وذكية فإن هناك شخصية ضابط ألماني فخور بألمانيّته ولا يهاب الموت. في المقابل، كون راين اميركي لم يجعل تارانتينو ينحاز اليه. على العكس يبدو راين فارغاً وبلا قدرة على مجاراة الألماني لاندا الا بالخديعة٠
حوار وترجمة
استخدام تارانتينو للحوار بارع في معظم الأحيان. في أحيان هو أفضل من أخرى، لكنه لا يسقط في الثرثرة. في اللقاء الأول بين شوشانا والكولونيل لاندرا ندرك لماذا كأس الحليب الذي طلبه الكولونيل من المزارع في المشهدا لأول مهم. ها هو يطلبه من النادل لشوشانا، ومن دون أن يسألها إذا كانت تريد كأس حليب او لا. يقفز الى بال المشاهد الكأس الأول الذي طلبه الكولونيل الذي كان يعرف أن اليهود مختبئين تحت الأرض. لذلك فمن الطبيعي -للمتابع اليقظ- أن يتوقّع أن يكون الكولونيل لاندا على معرفة بهوية شوشانا الحقيقية ما قد ينتج عنه (لو أن هذا التوقع صحيحاً) خطراً عليها٠في مطارح أخرى، الحوار، بأي لغة كانت بالغ الأهمية. قبل تقديم مثال آخر لابد من شرح السبب الذي من أجله يستخدم المخرج أكثر من لغة في الفيلم. أربعة أسباب محددة تميط اللثام عن »لغزيتها« في الفيلم
أولا
الفيلم خيالي في كل شيء ما عدا هذه التفصيلة المهمة ما يرمز الى أهميتها كذلك في بال المخرج ورغبته في إنجاز فيلم بلغاته الأصلية كما فعل سابقاً في »أقتل بِل« حين استخدم، وقت الحاجة اليابانية٠
ثانياً
لأن الألماني (هتلر او سواه) لن يكون مقنعاً إذا ما تحدّث الإنكليزية او الأردو، ونحن -نقاداً وجمهوراً على حد سواء- كثيراً ما أعبنا على الأفلام التي تتحدّث الإنكليزية على طول الخط (من دون مبرر) سواء أكانت الشخصيات بورمية، أسبانية، فرنسية، ألمانية، سويدية او كونغولية٠
ثالثاً
شخصية الكولونيل لاندا تفرض ذلك أكثر من مرّة. كيف كان يمكن أن نقدّرها، على النحو الذي كُتبت عليه لو أنه تحدّث الإنكليزية فقط. المشهد الأول له، بالفرنسية ثم الإنكليزية، في المشاهد الأخرى يتحدث الألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية وكلها بطلاقة وعلى نحو منتم الى شخصيته. من دون ذلك كانت شخصيته ستخسر أبعادها الكاملة٠
رابعاً
هناك ذلك المشهد الذي يكتشف فيه لاندا زيف ادعاء براد بت وإثنين من يهوديه أنهم ايطاليون. ما لم يكن هؤلاء يتوقّعونه هو أن لاندا يستطيع الحديث بالإيطالية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها لغاته الأخرى. كيف كان يمكن أن يختبر صدقيّتهم ويكشفهم لو أنه لم يكن يعرف الإيطالية ويستخدمها في ذلك المشهد على النحو الذي استخدمها فيه؟
ناقد سينمائي
بعد تعريفنا بالجهتين تلك التي يقودها ألدو راين والأخرى التي يترأسها »صياد اليهود« لاندا، يعمل الفيلم على بلورة محوره الأهم: دار السينما التي تملكها شوشانا التي تقرر أن تكون مقر الحفلة المزمعة لعرض فيلم »فخر الأمة«. وهي الحفلة التي سيحضرها قمم المعسكر النازي بمن فيهم هتلر. تريد شوشانا أن تستغل الفرصة وتحرق الصالة مستخدمة في ذلك حقيقة أن أفلام الأمس كانت تستخدم خامة من السيليلويد سريع الإشتعال (ثلاث مرات أسرع من الورق- كما تتبرّع شوشانا بالقول). يساعدها في ذلك الموظّف الأسود مارسل (جاكي إيدو) وكلاهما على علاقة ربما جنسية (ولو أننا لا نرى ذلك ولا يتم الحديث فيها ولو أن هناك قبلة بينهما- المفارقة هنا هي أنها يهودية وهو أسود وكلاهما بالطبع قابع تحت سطوة العنصرية). الخطّة موضوعة (ولا أريد تناولها بالتفصيل حتى لا أفسدا لفيلم وقلب حبكته قرب النهاية)٠لكن هناك، وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفلة لقاءاً بين ونستون تشرشل (يؤديه المخضرم رود تايلور الذي من بين أفلامه الكثيرة
Zabriskie Point, The Train Robbers, Darker Than Amber, The Birds, The Time Machine
والفيلم الذي كتبه وأنتجه المصري المنسي في هوليوود فؤاد سعيد الذي ابتكر ستديو نقّالاً في الستينات والسبعينات استخدمته هوليوود في انتاجات سينمائية وتلفزيونية) وبين ناقد سينمائي سابق انضم الى الجندية سمّاه الفيلم أرتشي هيكوكس (قام به مايكل فاسبيندر) يختبر فيه الأول -تحت مراقبة ممثل للوزارة ويؤديه تحت ماكياج كثيف مايك مايرز). خلال المقابلة يطلب تشرشل من الناقد تقمص شخصية ضابط ألماني ووضع خطّة مع معاونين لاقتحام صالة السينما وقتل من فيها. الإجتماع في حانة وطول المشهد نحو عشرين دقيقة (كالبداية) وفيها يترجم المخرج المقصود بالتشويق اللفظي والترقّب لما سيحدث٠
تصميم اللقطات وتوليفها (مدير التصوير روبرت رتشردسون والمولّفة سالي منكي) يساعد كذلك على الترقب لكن ما يحدث في نهاية المشهد يبقى مفاجئا ذا وقع مُدهم وما ينتج عنه (معركة ضارية ولو سريعة) ضروري للمشاهد اللاحقة. من بينها مشهد يجمع بين الألمانية المتعاونة بردجت فون هامسمارك، كما تؤديها دايان كروغر، وبين الأميركي راين (بت) ليس من بين أفضل المشاهد وبناءاً على هذا المشهد يتم إقرار خطة تسلل راين ويهوده كمدعوين ايطاليين. بهذا، هناك ثلاث جهات تريد قتل هتلر ستجتمع في صالة السينما: المخابرات البريطانية، الأميركيون واليهودية شوشانا. كل جهة ستعمل منفصلة عن الأخرى لأنها لا تعلم بوجودها٠
دخول راين وإثنين من يهوده الى الصالة يتم. لكن الكولونيل لاندا يكتشف الحقيقة٠
يطلب لاندا من بردجت الدخول الى مكتب ملحق بصالة السينما وهناك يطلب منها وضع قدمها على ركبته. تابع حركاته. وسيلته في الطلب. تحتج. يشير لها إشارة بأصبعه لا يمكن رفض إلحاحها. حين تفعل يطلب منها أن تُخرج حذاءاً كانت فقدته في المعركة التي وقعت في الحانة. مثل الأمير وساندريللا يجرب الحذاء ليتأكد. وحال تأكده أنه لها، ينقض عليها كما الذئب على الضحية. لا رحمة٠
من هنا يزداد رفع مستوى التوقّعات ومعها مستوى الفيلم. هتلر (مارتن فوتكي) وغوبلز (سلفستر غروث) جنباً الى جنب يتابعان الفيلم المعروض بالأبيض والأسود (الفيلم الذي في الفيلم أخرجه الممثل إيلي روث الذي يؤدي دور واحد من يهود راين). وبعد قليل خطتان تلتقيان للتخلّص من الزمرة وإخراج الفيلم الرئيسي مما بقي من تاريخ وواقع، فهتلر لم يمت في صالة باريسية ولا غوبلز ولم يٌعرف بأنهما حضراً حفلة عرض في صالة باريسية. كذلك ليس في تاريخ السينما النازية فيلما بعنوان
The Nation's Pride
الموت سينمائياً
السينما هي نسيج هذا الفيلمالمراجع لا تتوقّف الا مع نهاية آخر لقطة وآخر عبارة حوار
هناك ما ذكرتها سابقاً من تحية لليوني ومن استعارة الفيلم من فيلم إيطالي آخر واستعارة إسم الشخصية التي يؤديها براد بت من الممثل الأميركي ألدو راي. ذكرت أيضاً اختيار تارانتينو لضابط بريطاني ذي خلفية كناقد سينمائي (شكرا تارانتينو) والى أن شوشانا امتلكت صالة سينما. هذه بعض المرجعيات الأخرى
صلب الأحداث في النهاية تقع في صالة السينما التي بذلك تلعب دوراً أساسياً في هذا الفيلم -
غوبلز كان يحب السينما لكنه كان أيضاً يوظّفها لخدمة الرايخ وتحت إشرافه خرجت عشرات -
الأفلام النازية من العام 1933 الى ماقبل نهاية الحرب العالمية الثانية. وصحيح، على الأقل نسبة لبعض الروايات، كان سعيداً بتشبيهه بالمنتج الهوليوودي (غير اليهودي) ديفيد سلزنيك (كما يُشير الفيلم في حوار)٠
في مشهد في نصف الساعة الأولى من الفيلم نجد إسم المخرجة الألمانية ليني رايفنشتول على -
واجهة الصالة الخارجية، لكن لا علاقة لها بالفيلم المعروض فيما بعد. مجرد ذكرها نوع من الإشارة، إذا لم يكن نوعاً من التحية٠
الحديث عن الأفلام يحتل نصف مشاهد كثيرة تقع بين الضابط الشاب زولر (دانيال برول) -
وشوشانا٠
يتم تقديم شخصية الممثل الألماني إميل جنينغز في مشهد صغير -
في نهاية الفيلم (النهاية التي هي شطحة غير موفّقة) يقول راين بعدما حفر على جبين عدوّه -
لاندا الصليب المعكوف: "أعتقد أن هذا الحفر هو تحفتي". عبارة موجّهة من تارانتينو الى جمهوره يقصد بها فيلمه
تحفة؟ من الصعب القبول بذلك رغم حسنات الفيلم الكثيرة. لكنه بالتأكيد فيلم ممتاز يهيمن عليه الحب الشغوف للمخرج بالسينما وسعيه لمعالجة فنية شاملة. لكن بعض اختياراته خاطئة وأهمها جعل براد بت يتحدّث بلكنة تنتمي الى ولاية تنيسي الجنوبية. صحيح أن الممثل وُلد في أوكلاهوما (غير بعيدة) لكن تلك اللهجة سريعاً ما تصبح حائلاً ضد تركيز الممثل على ما ينفع من أداء (مشكلة تواجه الكثير من الممثلين الأميركيين والبريطانيين) تصبح غاية بحد ذاتها عوض أن ينصرف الممثل الى تكثيف ما يؤديه في مضمار الحركة والعمق الشخصي٠
في المقابل، كريستوف وولتز في دور لاندا امتلك الفيلم من كل زواياه التمثيلية. الباقون لا يرتقون الى مستواه. توقّعه مرشّحاً للأوسكار كأفضل ممثل مساند٠
أخيراً، هناك مفارقة لا يمكن معرفة ما إذا كانت خطأ او لا الا إذا تحدّث فيها المخرج (إذا ما نقلها اليه أحد) وهي مفارقة تحدّث عنها بعض النقاد الغربيين في "كان": حين يتم تعيين موعد العرض الخاص لفيلم "فخر الأمّة" مع شوشانا، فإن التاريخ يُحدد اليوم التالي. لكن حين ننتقل الى الخطّة البريطانية فيما بعد، فإن الحديث يذكر أن الحفلة ستقام بعد ثلاثة أيام. إما أن هناك خطأ كتابياً انتقل الى الشاشة في غفلة، او -في إحتمال بعيد الى حد- تصريفة ما بعد حدثية. وإذا كانت كذلك، فإنها الوحيدة إذ أن امتلاء هذا الفيلم (او أي فيلم آخر) بالفلاشباك او بالفلاشفوروورد، ليس دلالة على أن الفيلم يدور في رحى الحداثة او ما بعدها٠
الفيلم، في نهاية الأمر، ليس متعدد الأساليب ولا يستطيع أن يكون. هو أسلوب واحد لكنه مقسّم الى خمسة فصول مرتطبة جيّداً عبر قصّة تعرض جانباً مختلفاً في كل مرّة وليس أسلوباً مختلفاً٠
تصيم مشاهده وحركة الكاميرا وتصميم المشاهد (تم تصوير معظم الفيلم في ستديو بابلبيرغ الألماني) منتم الى السينما الألمانية أكثر منه الى السينما الأميركية. إذا ما حدث أن شاهدت يا عزيزي القاريء أفلاماً ألمانية لفترة ما قبل موجتها الجديدة في مطلع السبعينات (تلك التي افرزت هرتزوغ وفاسبيندر وفندرز وشلوندروف وقلّة أخرى) ستدرك ذلك أيضاً. وبل أن حركات كاميرا وورنر فرنر فاسبيندر ليست بعيدة عن تلك التي في المشاهد الداخلية لهذا الفيلم٠
CAST & CREDITS
DIRECTOR: Quintin Tarantino
CAST: Brad Pitt, Melanie Laurent, Christoph Waltz, Eli Roth, Michael Fassbender, Diane Kruger, Daniel Bruhl, Rod Taylor, Denis Menochet.
SCREENPLAY: Quintin Tarantino
CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson (Widescreen. 35 mm, Color).
EDITOR: Sally Menke (153 min).
MUSIC: Mary Ramos.
PRODUCER: Lawrence Bender. PROD. COMPANY: A Band Apart (US), Zehnte Babelsberg (Germany) 2009.
CAST: Brad Pitt, Melanie Laurent, Christoph Waltz, Eli Roth, Michael Fassbender, Diane Kruger, Daniel Bruhl, Rod Taylor, Denis Menochet.
SCREENPLAY: Quintin Tarantino
CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson (Widescreen. 35 mm, Color).
EDITOR: Sally Menke (153 min).
MUSIC: Mary Ramos.
PRODUCER: Lawrence Bender. PROD. COMPANY: A Band Apart (US), Zehnte Babelsberg (Germany) 2009.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠










1 comments:
أشكرك على الرد السريع :)
نعم بالفعل أتمنى أن تتطرق للمزيد حول الموضوع واسمحلي أن أسألك عن فيلم تشلرلي كوفمان الأخير
Synecdoche, New York
هل تعتبره على ضوء ما ذكرت عملا ما بعد حداثي خاصة مع المعالجة المثيرة المثيرة التي اختارها المخرج/الكاتب لمفهوم الزمن
بالمناسبة مبروك عليك وعلينا ذهابك لفنيسيا .. لا تعلم كم افتقدت تغطيتك لمهرجان كان :) ، وعلى سيرة كان هل شاهدت تيترو لكوبولا؟
أتمنى سماع رأيك عن الفيلم
بالتوفيق دائماً
Post a Comment