Aug 26, 2009

Year 3. Issue 448 | Inglourious Basterds

COVER | STORY
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تارنتينو | حديث القراء
مجموعة من الرسائل حول نقد فيلم "أبناء زنا بلا مجد" (العدد 147 ويُعاد نشره أدناه في هذا العدد) أنشرها حسب ورودها

محمد اسماعيل كتب: كنت قرأت تعليقات أخرى عن هذا الفيلم قبل أن أقرأ تعليقك ووجدته مختلفاً تماماً. طبعاً كل واحد ورأيه وهو حر فيه، لكن أظن أن هناك بعض الإختلافات الجوهرية في المعلومات أيضاً. مثلاً أنت تقول أن الفيلم له أسلوب واحد بينما (تم ذكر) أكثر من أسلوب. أنت تقول اللغات في الفيلم مهمة جداً لكن (تم ذكر) لا يعيرها أهمية. يا ريت تعليق بسيط على الموضوع ده٠

جواب | سابقاً ما ذكرت في سلسلة "النقد وفلسفة الفيلم" أن الرأي ليس النقد بل هو جانب منه، ذلك لأنه مبني أوّلاً على القراءة التي تهضم المعرفة والثقافة السينمائية. لا أستطيع بالتالي أن أقول أن هذا رأيي واكتفي. عليّ أن أمحص وأدقّق في الصورة التي أشاهدها وابني ما يؤيد الإتجاه الذي استنتجه من الفيلم جيّداً كان او دون ذلك. ما ذكرته أنت في مجال تعليقك (وأنا آسف لاختصار الرسالة) ليس مسألة رأي بل مسألة حقيقة. أن أقول هذا السينمائي جيّد- هذا رأي، أن أقول هذا السينمائي بدأ الإخراج كان رائداً- هذا يتعلّق بالحقائق٠ اللغة في فيلم تارنتينو لا يمكن فصلها عن الفيلم وهذا واقع. هي موجودة ولها إسهام أوّل في بنائه. وما أقوله هنا وما قلته في المقالة النقدية ليس مناوأة لرأي آخر، وآمل أن لا يُفهم على هذا الأساس، بل لنقل "توفير معلومات مهمّة للقاريء لكي يطّلع عليها لأجل بناء معلومات تفيده حين يرى الفيلم وسيرى الفيلم لأنه توزيع أميركي سينطلق قريباً فوق الشاشات العربية بأسرها"٠ شكراً لك٠

عبد الله العيبان كتب: لدي حس بأن شخصاً محظوظاً التقط فيلم تارانتينو أخيراً٠ تقييمك ممتاز لكنك لم تذكر التقييم بالنجوم٠ كذلك هناك مسألة غير واردة: لماذا قام تارانتينو بالإحتجاج على عدم فوز الفيلم في مهرجان "كان"؟ وبيننا، أرى تارانتينو كنسخة (شديدة السكر) من ستيفن سودربيرغ٠

جواب | لم أذكر النجوم هذه المرّة (لكنها مذكورة في نسخة اليوم) لأني لم أرد أن يتوقّف عندها القراء ويكوّنون سريعاً فكرتهم عن نقدي للفيلم. بالنسبة لموقفه من "كان" لم أكن هناك هذا العام كما تعلم ولا أستطيع أن أفتي في الموضوع، لكنه في اعتقادي موقف سبقه اليه مخرجون كثيرون في أصغر وأكبر المهرجانات. لا أدري إذا كان الفيلم الفائز أفضل او أسوأ من هذا الفيلم لكن لجنة التحكيم لم تصدمني كلجنة ستصدر قرارات صائبة وقلت ذلك من البداية٠
بالنسبة للمقارنة بين تارنتينو وسودربيرغ فهي بعد مثير للإهتمام فمن الخارج كلاهما مستقل بأسلوبه وجرّب أنواعاً مختلفة من الأفلام (سودربيرغ أنجز بدوره فيلماً عن فترة الحرب هو "الألماني الطيّب") لكن تارنتينو بالطبع أكثر جرأة في أعماله من الآخر٠

عبد الرحمن عيتاني: مقالة أخرى رائعة يا أيها الناقد الغائص في الفيلم حتى عظامه. لم أشاهد الفيلم بعد لكني عندما أشاهده ستكون شروحاتك ومعلوماتك خير دليل لي٠

جواب | ... وستكتب لتخبرنا بوجهة نظرك. هل تعد؟

الأخت سناء كتبت | لقت نظري إنك ذكرت إسم سينمائي مصري خلال حديثك عن فيلم كونتين تارانتينو لكن ما شرحتش كتير. . مين هوا واذا كان لسه بيشتغل في هوليود وهل هوا قصة نجاح مصرية او عربية تانية في أمريكا والا لأ. شكرا لمقالاتك الشيّقة وربّنا معاك

جواب | المعلومات عن فؤاد سعيد ليست متوفّرة على الإنترنت. معرفتي به بدأت في بيروت حين شاهدت فيلما بوليسيا عنوانه
Hickey & Boggs
بوليسي أخرجه أحد ممثليه (روبرت كالب) وقام بكتابته مخرج مستقبلي (وولتر هِل) وانتجه فؤاد سعيد. ثم أذكر إني قرأت في صحيفة أميركية عن أن فؤاد سعيد ابتكر سيارة- ستديو تسهّل العمل خلال التصوير وتحتوي على كل ما يحتاجه الفيلم في نواحي التصوير والمونتاج والصوت. ثم بدأ نجم فؤاد سعيد يعلو حين أنتج فيلماً بوليسياً آخر استقبل بضجيج (مع وضد) هو
Across 110th Street
أخرجه باري شير، الذي كان كسب هوى النقاد بفيلم سابق عنوانه
Wild in the Street
حول ما يمكن أن يحدث لأميركا إذا ما وصل الى الرئاسة شاب دون الثلاثين (الفيلم مؤيد للفكرة)٠ آخر فيلم بين فؤاد سعيد منتجاً وباري شير مخرجاً هو
The Deadly Trackers
سنة 1975 الذي هو آخر فيلم سينمائي للمخرج الذي توفّي عن 56 سنة في العام 1979
لا معلومات أخرى عن فؤاد سعيد الا أنه كتب سيناريوهات وصوّر أفلاماً (وربما بدأ مصوّراً قبل أن يقوم بالإخراج)٠
اعتبريه يا سناء جندي عربي مجهول مثله في ذلك العديد من السينمائيين العرب الذين عملوا في السينما العالمية ولم يحققوا الشهرة٠

mastorna ٠"مقالة رائعة كالعادة أستاذ محمد رغم أني لم أشاهده بعد" كتب
وأضاف: " لكن بما أنك أشرت الى وجود تصريفة ما بعد حداثية (محتملة) فاسمح لي أن أسألك عن مفهومك لما بعد الحداثة في السينما. شكراً لك على كل ما تقوم به

جواب | ليس هو مفهومي الخاص لكنه المفهوم الذي يتبّناه معظم نقاد السينما: إلغاء هذا المفهوم من الإعتبار حين الكتابة عن الفيلم الا إذا ما كان الفيلم مبني على هذا المفهوم- هذا شرط أساسي. المثل الذي أوردته حول المشهد الذي ربما كان هفوة تتابع في الكتابة انتقلت الى التصوير (مشهد يقول أن الحفلة في اليوم التالي، والذي بعده يقول بعد ثلاثة أيام) وإذا لم يكن فهو بعد زمني ينتمي الى حل ما بعد حدثي اختاره المخرج. في الحالة الأولى ربما تم تغيير ورود المشهد او بقيت إحدى العبارتين (غداً / بعد ثلاثة أيام) موجودة سهواً) حين كتب تارنتينو السيناريو وهو كتب نحو خمس نسخ قبل نسخة التصوير. في الحالة الثانية، هذا مثال ما بعد حداثي لأن مفهومها هو ولوج زمني مصاحب وغير تابع للمنطق. بهذا فإن »ماتريكس« قائم بكليّته على مفهوم ما بعد الحداثة لكن ليس مفهومها مجرد اللجوء الى "الفلاشباك" او الى "الفلاشفوروود" والا لكانت كل الأفلام ما بعد الحداثية على كثرة استخدام مشاهد الرجوع الى الأمس او القفز الى الأمام. كذلك ليس من صفات ما بعد الحداثة وجود فيلم داخل فيلم. د..و. غريفيث عمد الى فيلم داخل فيلم سنة 1909 في فيلم كوميدي
Those Awful Hats | عنوانه : هذه القبّعات البغيضة
حسب البروفسور سوزان هايوارد في كتابها
Cinema Studies: The Key Concept
فإن رواية ما قد تُتعبر حدثية بالنسبة لأحد النقاد وغير حدثية بالنسبة لناقد آخر"، لكن ليس بناء على ما إذا كانت تحتوي او لا تحتوي فلاشباك بل لأنه-في الأساس- لا يوجد إتفاق، لا بين نقاد الروايات الأدبية ولا بين نقاد السينما- على ما هو حدثي وما هو ما بعد حدثي لأنهما في أحيان كثيرة مختلطان. أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني تحديداً هو بعض وجوه هذا الإختلاط٠
أضيف أن القاص الأيرلندي سامويل بَكيت اعتبر حدثياً (بحق) منذ الأربعينات والخمسينات، لكن هناك من يعتبره اليوم ما بعد حدثي٠
أخيراً، المسألة ليست نوعاً سينمائياً قائماً بذاته، ولا علاقة لها بالأسلوب. بل هي تصرّف حيال مسألة الزمن عليها أن تتألّف من عناصر ذات غايات بحثية وإبداعية وقدر كبير من تفسير فلسفي لماهية الزمن. وربما كانت لي عودة أكثر تفصيلاً إذا أحببت وآخرين المزيد٠




فيلم كوينتن تارانتينو كاملاً
Inglourious Basterds ****
حسنات كثيرة وعثرات قليلة في‮ ‬فيلم مختلف عن النازية وأعدائها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقد| محمد رُضا



لو أن الكولونيل هانز لاندا (كريستوف وولتز) أطلق على شوشانا (ميلاني لورن) تلك الرصاصة بينما هي تركض هاربة بكل ما أوتيت من قوة وأصابها... لما كان هناك فيلم. ذلك لأن شوشانا بعد ثلاث سنوات استطاعت لا الهرب من الريف الفرنسي الى باريس فقط، بل هي غيّرت هويّتها وأسمها العائلي من درايفوس الى ميميو وأنشأت لنفسها داراً سينمائياً سيكون المكان الذي سيجتمع فيه معظم الشخصيات التي ستمر معنا في فيلم كونتن تارانتينو الجديد »أبناء زنا بلا مجد« [الترجمة الصحيحة للعنوان علماً بأن المخرج فضّل اللكنة على صحيح اللغة إذ أن هناك خطأ في كلي الكلمتين الإنكليزيّتين]٠
لكن لو أطلق لاندا تلك الرصاصة عليها وهي تهرب، او أمر رجاله بملاحقتها وقتلها، كما قتلوا عائلتها، لما كان هناك فيلم٠
شوشانا، كما لا يُخفى، يهودية وعائلتها قتلت بسبب ذلك. كانت مختبئة تحت سطح الأرض في بيت مزارع فرنسي في ذلك اليوم الذي وصل فيه الكولونيل لاندا في زيارة بدت ودّية. يعرّف نفسه للمزارع لاباديت (دنيس مينوشيه) ويقول له: "أعرف الكثير عنك. هل تعرف الكثير عني؟"٠

جواب المزارع يُرضي الكولونيل لأنه يؤكد صيته كـ "صياد يهود"٠
الفيلم مؤلف من خمسة فصول وهذا أوّلها تحت عنوان "حدث ذات مرّة في فرنسا المحتلة نازياً"، وهو عنوان يصلح للفيلم كله كونه يدور حول أحداث وقعت- خياليا بالطبع- في فرنسا العام 1944 أي بعد ثلاث سنوا من فصل البداية٠

طبعاً العنوان أيضاً أقرب الى تحية للمخرج الإيطالي سيرجيو ليوني [أفضل مخرج أفلام وسترن سباغيتي، لكنه ليس رائدها إذ أخرج أول أفلامه فيها سنة 1964 بعد ثلاث سنوات من إنطلاقها، خلالها كان ليوني لا يزال يكتب ويخرج أفلام تاريخ ملحمية]. فيلم ليوني ذو العنوان القريب "حدث ذات مرّة في الغرب" سنة 1968، يخطر على البال بسبب من تصميم المشهد الذي يصل فيه الكولونيل النازي وثّلة جنوده من بعيد. لكن هذه البداية لا تشبه بداية فيلم ليوني المذكور حيث ينتظر ثلاثة أشقياء وصول تشارلز برونسون في محطة قطار ولا هي تريد أن تشبهها. يطلب الكولونيل من المزارع دخول البيت ثم يطلب طلبين مهمّين: كوب حليب وخروج النساء من البيت٠
الطلب الأول مهم لأن تارانتينو سيستخدمه في مشهد لاحق (وهذا كل أهميّته وسأمر عليه بعد قليل)، والثاني هو تمهيد ما سيقع. والطريق التي يطلب فيها الكولونيل خروج النساء من المنزل هادئة ورصينة. يقول للمزارع بلطف شديد: "كما ترى تركت رجالي خارج البيت. هل أستطيع أن أطلب منك خروج النساء من البيت؟". طلب لا يمكن ردّه والمزارع لاباديت يأمر أهل بيته بالخروج٠

الحوار اللاحق معظمه للكولونيل. إنه يمهد لما يريد بحذق وبطلف وكياسة. يجمع معلومات يعرفها وكل ما سحب معلومة عرفها حفر للمزارع قليلاً من الحفرة التي سيوقعه فيها حين يسأله الإعتراف بأن العائلة اليهودية درايفوس إنما تعيش تحت ألواح الأرض الخشبية. وكانت الكاميرا نزلت إليها في
Tilt Down
ثم قطعت الكاميرا الى الفتاة التي وضعت يدها على فمها في خوف خشية أن يصدر منها ما يكشف وجودها. في الواقع، لا يمكن للكاميرا أن تخترق الأرض هكذا، لكن تارانتينو يستخدم التفعيلة مرّتين بعد ذلك. مرّة منتقلاً من غرفة الى غرفة كما لو كانتا بلا جدران فاصلة، والثانية حين تسبح الكاميرا فوقية من الغرفة الى خارجها نازعاً مفهوم السطح٠

يطلب الكولونيل من المزارع (هناك لقطة على وجه المزارع تجمع بين الغضب والخجل والخوف) أن يُشير له لمكان وجود العائلة المختبئة. ينصاع المزارع. يأمر الكولونيل رجاله. يدخلون ويزرعون ألواح الأرض الخشبية بالرصاص. يقتلون الجميع ما عدا شوشانا. لولاها لما كان هناك فيلم٠

الصياد والمزارع
التحية ايطالية والعذر‮ ‬يهودي

التحية لسيرجيو ليوني ليست هي العلاقة الوحيدة بين هذا الفيلم وبين السينما الإيطالية. أصلاً، فيلم تارانتينو مأخوذ عن فيلم ايطالي بنفس العنوان (بالتهجئة الصحيحة) أخرجه سنة 1978 إنزو ج. كاستيلاري من بطولة ممثلي الفترة، بو سڤنسن، الأفرو-أميركي فرد وليامسون والبريطاني إيان بانن٠ ويختلف في الموضوع تماماً (تجد إسم المخرج كاستيلاري في أسماء ما بعد انتهاء العرض مقروناً بالشكر). من هذه الموقعة ننتقل الى مكان ما حيث نتعرّف على الوتاننت ألدو راين (يقوم به براد بت لكن إسم الممثل الفعلي ألدو راي هو الذي يتبادر- قصداً- الى أذهان العارفين كونه ممثل ظهر في عدد كبير من الأفلام الحربية).
هذا جمع تحت إشرافه ثمانية جنود من اليهود شارحاً لهم مهمّتهم: إنه وهم يكوّنون وِحدة من الجنود الذين سيتم إسقاطهم وراء الخطوط لكي يوقعوا بالجنود الألمان. يقول لهم" "أنتم مدينون لي. كل واحد منكم. أريد مئة فروة رأس من كل واحد منكم"٠ هؤلاء، مندفعين بمعرفتهم بعمليات الصيد والقتل التي يقوم بها النازيون لليهود ومحقونين بكرههم لهم، يعلنون استعدادهم. بعد قليل، نراهم يمارسون اجتذاذ الفروات. إذا ما كان أحد منّا (او من المشاهدين الأجانب) لديه شعور طيّب حيال مأساة اليهود خلال الحرب، فإن هذا المشهد كفيل بترحيل هذا الشعور وإحلال قدر من التقزز والرفض٠

لكن اليهودية هي محور الصراع في الفيلم والى الحد الغالب: العذر الذي من أجله هناك أحداثاً تُروى. النازيون، ممثلون بالكولونيل لادا، يريدون صيد وقتل اليهود. واليهود يريدون صيد وقتل من يقتل اليهود. لكن المخرج يقسّم شخصياته الى ثلاث فئات
النازيون
اليهود
والمنتمين الى المخابرات البريطانية وهؤلاء يريدون استغلال عرض سينمائي سيحضره هتلر وغوبلز و-عمليا- كل القادة الكبار في الصالة التي تملكها شوشانا.
لا نرى كثيرا من القتل اليهودي للنازيين ولا كثيراً من القتل النازي لليهود (ليس هناك مشاهد معسكرات وإطلاق نار عشوائي. في الحقيقة، نسمع فقط عن جرائم النازية لكننا لن نراها) ذلك لأن غاية المخرج هي تقديم عمل خارج المألوف في هذا المجال، وهو يفعل
ينجز تارانتينو فيلماً فانتازياً بارعاً ومثيراً طوال الوقت من دون كثير لحظات تململ. تارانتينو يستبدل، قدر الإمكان، الموقف التشويقي الناتج عن الحركة الكبيرة، بالموقف التشويقي الناتج عن الإيماءات والحوار نفسه. هذا الحوار الذي، في معظم الأحيان، ليس تطويلاً ولا هدراً للوقت بل يحتاج لمن يعرف الإنكليزية جيّداً (او لترجمة عربية جيّدة) وأيضاً لمن يعرف كفاية في الغاية من الفيلم عبر الغاية من اختيار الوسيلة والإيقاع ويثق بعمل المخرج قبل الحكم عليه٠

في عمله هذا، يغير المخرج من المعتاد في سينما الفترة النازية. التعبير عن من هو في الخانة الخيّرة ومن هو في تلك الشريرة ليس ما يشغله. الطرح السياسي للفترة وبل الحكم على الفرقاء ليس ما يرغب به، بل هو يُضيغ السيناريو على نحو يتيح له صنع فيلمه الخاص عن النازية والمقاومة والمؤامرات المتبادلة كما صنع فيلمه البوليسي الخاص في »كلاب المخزن« وصنع فيلمه الساموراي الخاص في »أقتل بِل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براو
بل وفيلمه البلاكإكسبلويتاشن الخاص في »جاكي براون« مثلا


ميلاني لورَن

كذلك فإن اخر ما يتوخّاه المخرج من فيلمه هو نمطية الشخصيات. لجانب أن الألماني لاندا شخصية مثقّفة وذكية فإن هناك شخصية ضابط ألماني فخور بألمانيّته ولا يهاب الموت. في المقابل، كون راين اميركي لم يجعل تارانتينو ينحاز اليه. على العكس يبدو راين فارغاً وبلا قدرة على مجاراة الألماني لاندا الا بالخديعة٠

حوار وترجمة
استخدام تارانتينو للحوار بارع في معظم الأحيان. في أحيان هو أفضل من أخرى، لكنه لا يسقط في الثرثرة. في اللقاء الأول بين شوشانا والكولونيل لاندرا ندرك لماذا كأس الحليب الذي طلبه الكولونيل من المزارع في المشهدا لأول مهم. ها هو يطلبه من النادل لشوشانا، ومن دون أن يسألها إذا كانت تريد كأس حليب او لا. يقفز الى بال المشاهد الكأس الأول الذي طلبه الكولونيل الذي كان يعرف أن اليهود مختبئين تحت الأرض. لذلك فمن الطبيعي -للمتابع اليقظ- أن يتوقّع أن يكون الكولونيل لاندا على معرفة بهوية شوشانا الحقيقية ما قد ينتج عنه (لو أن هذا التوقع صحيحاً) خطراً عليها٠

في مطارح أخرى، الحوار، بأي لغة كانت بالغ الأهمية. قبل تقديم مثال آخر لابد من شرح السبب الذي من أجله يستخدم المخرج أكثر من لغة في الفيلم. أربعة أسباب محددة تميط اللثام عن »لغزيتها« في الفيلم
أولا
الفيلم خيالي في كل شيء ما عدا هذه التفصيلة المهمة ما يرمز الى أهميتها كذلك في بال المخرج ورغبته في إنجاز فيلم بلغاته الأصلية كما فعل سابقاً في »أقتل بِل« حين استخدم، وقت الحاجة اليابانية٠
ثانياً
لأن الألماني (هتلر او سواه) لن يكون مقنعاً إذا ما تحدّث الإنكليزية او الأردو، ونحن -نقاداً وجمهوراً على حد سواء- كثيراً ما أعبنا على الأفلام التي تتحدّث الإنكليزية على طول الخط (من دون مبرر) سواء أكانت الشخصيات بورمية، أسبانية، فرنسية، ألمانية، سويدية او كونغولية٠
ثالثاً
شخصية الكولونيل لاندا تفرض ذلك أكثر من مرّة. كيف كان يمكن أن نقدّرها، على النحو الذي كُتبت عليه لو أنه تحدّث الإنكليزية فقط. المشهد الأول له، بالفرنسية ثم الإنكليزية، في المشاهد الأخرى يتحدث الألمانية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية وكلها بطلاقة وعلى نحو منتم الى شخصيته. من دون ذلك كانت شخصيته ستخسر أبعادها الكاملة٠
رابعاً
هناك ذلك المشهد الذي يكتشف فيه لاندا زيف ادعاء براد بت وإثنين من يهوديه أنهم ايطاليون. ما لم يكن هؤلاء يتوقّعونه هو أن لاندا يستطيع الحديث بالإيطالية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها لغاته الأخرى. كيف كان يمكن أن يختبر صدقيّتهم ويكشفهم لو أنه لم يكن يعرف الإيطالية ويستخدمها في ذلك المشهد على النحو الذي استخدمها فيه؟

ناقد سينمائي‮ ‬
بعد تعريفنا بالجهتين تلك التي يقودها ألدو راين والأخرى التي يترأسها »صياد اليهود« لاندا، يعمل الفيلم على بلورة محوره الأهم: دار السينما التي تملكها شوشانا التي تقرر أن تكون مقر الحفلة المزمعة لعرض فيلم »فخر الأمة«. وهي الحفلة التي سيحضرها قمم المعسكر النازي بمن فيهم هتلر. تريد شوشانا أن تستغل الفرصة وتحرق الصالة مستخدمة في ذلك حقيقة أن أفلام الأمس كانت تستخدم خامة من السيليلويد سريع الإشتعال (ثلاث مرات أسرع من الورق- كما تتبرّع شوشانا بالقول). يساعدها في ذلك الموظّف الأسود مارسل (جاكي إيدو) وكلاهما على علاقة ربما جنسية (ولو أننا لا نرى ذلك ولا يتم الحديث فيها ولو أن هناك قبلة بينهما- المفارقة هنا هي أنها يهودية وهو أسود وكلاهما بالطبع قابع تحت سطوة العنصرية). الخطّة موضوعة (ولا أريد تناولها بالتفصيل حتى لا أفسدا لفيلم وقلب حبكته قرب النهاية)٠

كونتن تارانتينو

لكن هناك، وقبل ثلاثة أيام من موعد الحفلة لقاءاً بين ونستون تشرشل (يؤديه المخضرم رود تايلور الذي من بين أفلامه الكثيرة
Zabriskie Point, The Train Robbers, Darker Than Amber, The Birds, The Time Machine
والفيلم الذي كتبه وأنتجه المصري المنسي في هوليوود فؤاد سعيد الذي ابتكر ستديو نقّالاً في الستينات والسبعينات استخدمته هوليوود في انتاجات سينمائية وتلفزيونية) وبين ناقد سينمائي سابق انضم الى الجندية سمّاه الفيلم أرتشي هيكوكس (قام به مايكل فاسبيندر) يختبر فيه الأول -تحت مراقبة ممثل للوزارة ويؤديه تحت ماكياج كثيف مايك مايرز). خلال المقابلة يطلب تشرشل من الناقد تقمص شخصية ضابط ألماني ووضع خطّة مع معاونين لاقتحام صالة السينما وقتل من فيها. الإجتماع في حانة وطول المشهد نحو عشرين دقيقة (كالبداية) وفيها يترجم المخرج المقصود بالتشويق اللفظي والترقّب لما سيحدث٠
تصميم اللقطات وتوليفها (مدير التصوير روبرت رتشردسون والمولّفة سالي منكي) يساعد كذلك على الترقب لكن ما يحدث في نهاية المشهد يبقى مفاجئا ذا وقع مُدهم وما ينتج عنه (معركة ضارية ولو سريعة) ضروري للمشاهد اللاحقة. من بينها مشهد يجمع بين الألمانية المتعاونة بردجت فون هامسمارك، كما تؤديها دايان كروغر، وبين الأميركي راين (بت) ليس من بين أفضل المشاهد وبناءاً على هذا المشهد يتم إقرار خطة تسلل راين ويهوده كمدعوين ايطاليين. بهذا، هناك ثلاث جهات تريد قتل هتلر ستجتمع في صالة السينما: المخابرات البريطانية، الأميركيون واليهودية شوشانا. كل جهة ستعمل منفصلة عن الأخرى لأنها لا تعلم بوجودها٠
دخول راين وإثنين من يهوده الى الصالة يتم. لكن الكولونيل لاندا يكتشف الحقيقة٠

يطلب لاندا من بردجت الدخول الى مكتب ملحق بصالة السينما وهناك يطلب منها وضع قدمها على ركبته. تابع حركاته. وسيلته في الطلب. تحتج. يشير لها إشارة بأصبعه لا يمكن رفض إلحاحها. حين تفعل يطلب منها أن تُخرج حذاءاً كانت فقدته في المعركة التي وقعت في الحانة. مثل الأمير وساندريللا يجرب الحذاء ليتأكد. وحال تأكده أنه لها، ينقض عليها كما الذئب على الضحية. لا رحمة٠
من هنا يزداد رفع مستوى التوقّعات ومعها مستوى الفيلم. هتلر (مارتن فوتكي) وغوبلز (سلفستر غروث) جنباً الى جنب يتابعان الفيلم المعروض بالأبيض والأسود (الفيلم الذي في الفيلم أخرجه الممثل إيلي روث الذي يؤدي دور واحد من يهود راين). وبعد قليل خطتان تلتقيان للتخلّص من الزمرة وإخراج الفيلم الرئيسي مما بقي من تاريخ وواقع، فهتلر لم يمت في صالة باريسية ولا غوبلز ولم يٌعرف بأنهما حضراً حفلة عرض في صالة باريسية. كذلك ليس في تاريخ السينما النازية فيلما بعنوان
The Nation's Pride


براد بت


الموت سينمائياً
السينما هي نسيج هذا الفيلم
المراجع لا تتوقّف الا مع نهاية آخر لقطة وآخر عبارة حوار
هناك ما ذكرتها سابقاً من تحية لليوني ومن استعارة الفيلم من فيلم إيطالي آخر واستعارة إسم الشخصية التي يؤديها براد بت من الممثل الأميركي ألدو راي. ذكرت أيضاً اختيار تارانتينو لضابط بريطاني ذي خلفية كناقد سينمائي (شكرا تارانتينو) والى أن شوشانا امتلكت صالة سينما. هذه بعض المرجعيات الأخرى

صلب الأحداث في النهاية تقع في صالة السينما التي بذلك تلعب دوراً أساسياً في هذا الفيلم -
غوبلز كان يحب السينما لكنه كان أيضاً يوظّفها لخدمة الرايخ وتحت إشرافه خرجت عشرات -
الأفلام النازية من العام 1933 الى ماقبل نهاية الحرب العالمية الثانية. وصحيح، على الأقل نسبة لبعض الروايات، كان سعيداً بتشبيهه بالمنتج الهوليوودي (غير اليهودي) ديفيد سلزنيك (كما يُشير الفيلم في حوار)٠
في مشهد في نصف الساعة الأولى من الفيلم نجد إسم المخرجة الألمانية ليني رايفنشتول على -
واجهة الصالة الخارجية، لكن لا علاقة لها بالفيلم المعروض فيما بعد. مجرد ذكرها نوع من الإشارة، إذا لم يكن نوعاً من التحية٠
الحديث عن الأفلام يحتل نصف مشاهد كثيرة تقع بين الضابط الشاب زولر (دانيال برول) -
وشوشانا٠
يتم تقديم شخصية الممثل الألماني إميل جنينغز في مشهد صغير -
في نهاية الفيلم (النهاية التي هي شطحة غير موفّقة) يقول راين بعدما حفر على جبين عدوّه -
لاندا الصليب المعكوف: "أعتقد أن هذا الحفر هو تحفتي". عبارة موجّهة من تارانتينو الى جمهوره يقصد بها فيلمه

تحفة؟ من الصعب القبول بذلك رغم حسنات الفيلم الكثيرة. لكنه بالتأكيد فيلم ممتاز يهيمن عليه الحب الشغوف للمخرج بالسينما وسعيه لمعالجة فنية شاملة. لكن بعض اختياراته خاطئة وأهمها جعل براد بت يتحدّث بلكنة تنتمي الى ولاية تنيسي الجنوبية. صحيح أن الممثل وُلد في أوكلاهوما (غير بعيدة) لكن تلك اللهجة سريعاً ما تصبح حائلاً ضد تركيز الممثل على ما ينفع من أداء (مشكلة تواجه الكثير من الممثلين الأميركيين والبريطانيين) تصبح غاية بحد ذاتها عوض أن ينصرف الممثل الى تكثيف ما يؤديه في مضمار الحركة والعمق الشخصي٠
في المقابل، كريستوف وولتز في دور لاندا امتلك الفيلم من كل زواياه التمثيلية. الباقون لا يرتقون الى مستواه. توقّعه مرشّحاً للأوسكار كأفضل ممثل مساند٠

أخيراً، هناك مفارقة لا يمكن معرفة ما إذا كانت خطأ او لا الا إذا تحدّث فيها المخرج (إذا ما نقلها اليه أحد) وهي مفارقة تحدّث عنها بعض النقاد الغربيين في "كان": حين يتم تعيين موعد العرض الخاص لفيلم "فخر الأمّة" مع شوشانا، فإن التاريخ يُحدد اليوم التالي. لكن حين ننتقل الى الخطّة البريطانية فيما بعد، فإن الحديث يذكر أن الحفلة ستقام بعد ثلاثة أيام. إما أن هناك خطأ كتابياً انتقل الى الشاشة في غفلة، او -في إحتمال بعيد الى حد- تصريفة ما بعد حدثية. وإذا كانت كذلك، فإنها الوحيدة إذ أن امتلاء هذا الفيلم (او أي فيلم آخر) بالفلاشباك او بالفلاشفوروورد، ليس دلالة على أن الفيلم يدور في رحى الحداثة او ما بعدها٠

الفيلم، في نهاية الأمر، ليس متعدد الأساليب ولا يستطيع أن يكون. هو أسلوب واحد لكنه مقسّم الى خمسة فصول مرتطبة جيّداً عبر قصّة تعرض جانباً مختلفاً في كل مرّة وليس أسلوباً مختلفاً٠
تصيم مشاهده وحركة الكاميرا وتصميم المشاهد (تم تصوير معظم الفيلم في ستديو بابلبيرغ الألماني) منتم الى السينما الألمانية أكثر منه الى السينما الأميركية. إذا ما حدث أن شاهدت يا عزيزي القاريء أفلاماً ألمانية لفترة ما قبل موجتها الجديدة في مطلع السبعينات (تلك التي افرزت هرتزوغ وفاسبيندر وفندرز وشلوندروف وقلّة أخرى) ستدرك ذلك أيضاً. وبل أن حركات كاميرا وورنر فرنر فاسبيندر ليست بعيدة عن تلك التي في المشاهد الداخلية لهذا الفيلم٠



CAST & CREDITS
DIRECTOR: Quintin Tarantino
CAST: Brad Pitt, Melanie Laurent, Christoph Waltz, Eli Roth, Michael Fassbender, Diane Kruger, Daniel Bruhl, Rod Taylor, Denis Menochet.
SCREENPLAY: Quintin Tarantino
CINEMATOGRAPHY: Robert Richardson (Widescreen. 35 mm, Color).
EDITOR: Sally Menke (153 min).
MUSIC: Mary Ramos.
PRODUCER: Lawrence Bender. PROD. COMPANY: A Band Apart (US), Zehnte Babelsberg (Germany) 2009.




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular