Aug 21, 2009

Year 3. Issue 446| Spielberg Special: A.I. (Part 2) | Close Encounters of 3rd Kind.

COVER|STORY
افتتاحات فنيسيا


كما ذكرنا هنا قبل نحو شهرين، يفتتح جوزيبي تورناتوري »باريا - باب الريح« الدورة السادسة والستين من مهرجان فنيسيا السينمائي الدولي٠ لكنه ليس الإفتتاح الوحيد لأن المسابقة ليست القسم الرسمي الوحيد٠ الفيلم الذي سيفتتح "قسم آفاق" سيكون الفيلم الجديد »فرنشيسكا« لبوبي باونشسكو من رومانيا٠
وقسم السينما الإيطالية المعاصرة" سيفتتح بفيلم فاليريو مييللي "عشرة فصول شتاء«(الصورة) وهو الفيلم الأول لمخرجه٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العصر الفريد

كنت في حديث هاتفي مع أحد الزملاء النقّاد وتكلّمنا عن النقد السينمائي اليوم، فقلت له: "النقد السينمائي اليوم يحبو". قال: "بالمقارنة مع ما كان عليه في الثمانينات، عاد الى بطن أمّه"٠ صحيح، وبل اختفى من جينيات الأم تماماً بالمقارنة مع ما كان عليه في السبعينات. لست لأني بدأت النقد آنذاك ولا انتصر لجيلي لمجرّد أنني "قديم" في المهنة، بل لأنه إذا ما قارنّا النقد آنذاك، بالنقد اليوم، فإن شيئاً واحداً هو المفقود وفيه كل الفرق: الهدف. وهذا كان بدوره منسجماً مع أهداف الأمّة العربية. الكلام ليس كبيراً، لكن الفاصل بين اليوم وبين الأمس هو الكبير، ولا تحتاج لأن تكون قومياً او انعزالياً لتدرك أن الحياة السياسية في تلك الآونة، حول العالم بأسره، وليس فقط في عالمنا، كانت أفضل لذلك الثقافة كانت أفضل لذلك السينما كانت أفضل٠
أما وقد أفرغت ما في جعبتي أعلاه فسآخذ من جعبة أخرى: الجامع بين سامي السلاموني وسمير فريد وفتحي فرج وفاروق عبد العزيز وسعيد مراد وحسّان أبو غنيمة وسمير نصري وإدغار نجّار والطاهر الشريعة وسواهم هو جهدهم في سبيل تعريف السينما الجديدة الى الناس، او تعريف السينما من جديد الى الناس. كان في صلب هذه الغاية الإدراك بأن المهمّة ليست عبادة في وله الذات، بل لقاءاً يحفره الناقد بكل ما لديه من إيمان بأهمية السينما وأهمية دورها في الناس٠
كنا جميعاً نراهن بمستقبلنا وكل واحد تخلّى عن أحلام أخرى لأجل هذه الغاية، وكنّا سعداء ونشعر بأننا نبني بأي مقدار ممكن شيئاً راقياً ينمّي الذوق ويدافع عن حريّة التعبير في الوقت الذي يستخدم فيه النقد وسيلة الى ذلك وليس وسيلة لنفخ بوالين الهواء٠
كان آمالنا مختلفة. مهرجاتنا مختلفة. تطلّعاتنا مختلفة. كنا وسط جمهور لا يزال يقرأ الصحف والكتب والمجلات. جمهور كان يدرك أنه إذا ما أراد الحفاظ على وجوده في الحياة فعليه أن يقرأ وأن يقرأ في الثقافة بكل أنواعها وتياراتها والفن بكل أساليبه واتجاهاته والعلم بكل بحوره والحياة من فتحة رمش العين الى الكون الكبير. كلّه من صنع ربي والحياة وحب الحياة والأمل والتفاؤل والعيش الهنيء والسعيد والخالي من الخوف والفساد والضغينة هو من صنع ربي أيضاً٠
ما الذي حدث؟
اسأل انهيار القضايا الكبيرة التي حرّكتنا. اسأل ارتفاع النبرات الطائفية والمذهبية. إسأل غياب الوعي القومي وحلول التقوقع. أسأل الشعور بالهزيمة الذي زرعوه في النفس. أسأل هيمنة الجهل على العلم والظلام على النور. اسأل الفاشية الدينية وكل فاشية أخرى٠
اسأل الإنهيارات المتوالية حول العالم بإسم الإنفتاح والعولمة. ما كان يجب أن يكون دافعاً لتحرر الإبداع من مشاكله المادية من ناحية والرقابية من ناحية أخرى، تحوّل الى أفلاس متواصل. ليس صدفة أن أفضل مرحلة إبداع فنية في هوليوود كانت منتصف الستينات الى آخر السبعينات، وليس صدفة أن أفضل مرحلة إبداع في أوروبا الشرقية كانت في الفترة ذاتها وحول العالم أيضاً الأمر نفسه (كيفما نظرت تتالت في البال أسماء مخرجين أنجزوا أعمالا عملاقة)٠
السينما الأميركية هاجمت النظام والحرب والرأسمالية والسينما في أوروبا الشرقية انتقدت أيضاً النظام والشيوعية بدورها. الأولى انتعشت بسبب القضايا والأخرى منحت مخرجيها بطولة مطلقة الى الأبدية بسبب موقف شجاع لا يهاب النظام. يا له من وضع مثالي: في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي كانت هناك سينمات ذات قضايا. ويا له، بعد ذلك، من وضع مؤسف: ما أن تم تدويل العالم ليصبح مؤسسة مصرفية واحدة حتى توقف النقد وانخفض مستوى الإبداع وتنازل الجمهور عن مرحلة مميّزة لا يمكن أن تعود الا بعودة شروطها الإبداعية٠
يقول الكاتب المصري فرنسوا باسيلي في مقالة أخيرة له : "لا أبالغ عندما أقول أن فنّاناً مثل صلاح جاهين كان يشكل بمفرده حركة إبداعية فنية شاملة، من كلمات في أناشيده الوطنية كانت هي المعبر الأصدق عن مشاعر الشعب المصري، إلى اشعار بالعامية تضارع في فلسفتها وعمقها الفكري والجمالي أعظم الأشعار بالعربية، الى رسومه الكاريكاتورية اليومية في الأهرام التي كانت تعني كل منها عن مقالة سياسية او اجتماعية كاملة (.....) أما الحركة الثقافية والأدبية فقد كانت في أزهى عصورها، فالرواية على يد نجيب محفوظ فضاءات متجددة من »أولاد حارتنا« الى »اللص والكلاب« الى »ميرامار« والمسرح يتألّق بعدد كبير من أجمل مبدعيه من الحكيم ويوسف ادريس الى سعد الدين وهبة ونعمان عاشور وألفريد فرج وغيرهم"٠
أتلاحظون معي ما أريد قوله هنا؟ كيف يمكن أن نطعن ذلك الماضي الذي -بصرف النظر عن مشاعر سلبية تجاهه- كان أفضل من حاضرنا بكل مليمتر منه؟ الكاتب يذكر المسرح والشعر والقصّة لكن السينما في مصر كانت أيضاً بأفضل حالاتها ولا داعي للأمثلة والتأكيدات٠
هذا تأسسه بسياسة تفصل الدين عن الدولة من دون أن تلغيه، وباستبدال التعددية بين عناصر العرب برؤية تشملهم جميعاً سُميّت بـالقومية العربية. ما أنجز حينها لم يُنجز على صرح من الخوف ولا بالبطش كما يشيعون، بل بإنفتاح ورغبة في تأسيس عالم عربي مثقّف ومتّحد ومنجب للعبقريات والمبدعين والمثقّفين. عالم ينتمي الى ذلك اليوم والى الغد من بعده، وكان يمكن أن يستمر وينمو لولا أن الناس لم تمسك بزمام الأمور من بعد غياب رموزه، بل استجابت للطاعة وتركت الأمور تفلت من عقالها، وقررت أن الأمان يقتضي بأن نقبل بما يخططه الآخرون لها٠


أفلام ضد
Artificial Intelligence: A. I.
PART II
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مر "ذكاء اصطناعي" سنة 2001 على شاشـاتنا
كسحابة عابرة. كفيلم خيالي- علمي ترفيهي اعتاد
سبيلبرغ تقديمه.
لكن هذا الفيلم مختـلف. إنه مناهض لأفلام سبيلبـرغ
السابقة. بداية مواجهته لنفسه وبداية قلقه. الحلقة
الأولى نشرت في العدد 444 الحلقة الثانية هـذه
تبرز العوامل المختلفة التي تجعل منه فيلماً مضاداً
لمسلّمات تبنّاها المخرج منذ أولى أفلامه٠
...............................................................................................


الفقرة الأخيرة من الحلقة السابقة قالت: "وهنا يبدأ المخرج بالتعليق على العالم الذي نعيشه. ليس العالم الذي نتفرّج عليه في نشرات الأخبار او على الإنترنت فقط، بل العالم الذي تقدّمه هوليوود"٠
المعنى هنا يتعلّق بذلك الصنف من الأفلام الترفيهية التي كانت تغمر هوليوود ولا تزال في كل مرحلة من مراحلها. الصنف الذي يبيع الأحلاف الزائفة حول الحياة السعيدة، والصنف الآخر الذي يضخّم العنف ليقدّمه ترفيهاً صالحاً بصرف النظر عما يؤدي اليه من تأثير في سلوك البعض. الاستاد الكبير التي يقدّمه سبيلبرغ في »ذكاء إصطناعي« هو استاد عنف بآليّاته الميكانيكية الكالحة وأدواته البدائية. ليس من أجهزة تقنية حديثة تناسب المستقبل الذي تقع فيه الأحداث، بذلك يربطها بماضي العنف عبر العصور. في الوقت ذاته، كونه مخرجاً يمارس هنا عملاً يريد عبره طرح نفسه كمفكّر في شؤون الحياة يستخدم الصراعات داخل الحلبة كنظرة على كل أساليب ووسائل الترفيه [الجمهور الحاشد والمُهيّج في الفيلم، كما جمهور الحلبات الرياضية الحديثة وجمهور بعض افلام العنف)٠
الملاحظة هنا هي أنه إذا ما كان سبيلبرغ يقصد ذلك، وهو بالتأكيد يبعث المشهد في إتجاه نقد السائد، فإنه ينتقد نفسه كونه واحداً من السينمائيين الذين ساهموا في بعث مستوى الأفلام الترفيهية الى حجم غير مسبوق. صحيح أن أفلامه تبتعد عن العنف الذي تجده مثلاً في أفلام أخرى، لكن أفلامه تشاطرها بيع الجمهور أحلام القوّة وسيادة العنف٠


الأبعد من ذلك، او الإمتداد له، هو أن المخرج يصوّر جمهور تلك الحلبة، المسمّاة -بالمناسبة- ؛معرض اللحوم البشرية"، على نحو يجعلنا نحن -المشاهدين الآمنين بين أربعة جدران كبيرة تشبه تلك الحلبة في المفهوم بفارق أن الشاشة ترث المفهوم القابع على الحلبة ذاتها- خائفين لا من عنف ما يقع على الحلبة من تقطيع أجساد ومخاطر، بل من جمهور فقد الكوابح الإجتماعية والأخلاقية والشخصية (بصرف النظر عن تعريفها او تحديدها) وتحوّل الى حيوان جامع منتش بالدم والعنف٠ هؤلاء نحن، يقول الفيلم لمشاهديه لكن ليس نحن بكل التجسيد والتحديد لأن مشاهدي »ذكاء إصطناعي« ليسوا مشاهدي أفلام زاك سنايدر مثلاً٠ والأخطر هنا، هو أن هناك بعداً ثالثاً: نحن، إذا ما كنا شبيهين بأي من الشخصيات على صعيد مستواها الثقافي والسلوكي، فنحن شبيهين بشخصية الأندرويد جو (جود لو) المصنوع برهافة ومن أجل الحب والأضعف من أن يواجه عالماً متوحّشاً كالذي يشهده معنا٠

القاع والقمة
الى جانب ذلك، وإمعاناً في تقريب الصورة الى وضع مماثل بيننا: جمهور الحلبة داخل الفيلم من الطبقة الفقيرة ومن شخصيات لم تجد لنفسها مكاناً فاعلاً في المجتمع. تخالهم "سقط المتاع" في رحلة مضى فيها الإثرياء والمثقّفون في طريق وتركه وراءهم. الآن، في بعض الأفلام الأخرى، الصورة معكوسة. في أفلام لعبها جان-كلود فان دام في مطلع عهده مؤدياً شخصية ملاكم حلبات شوارعية [في أفلام مثل ليونهارت« إخراج شلدون ليتيش- 1990] فإن الجمهور المتحلّق حول الحلبة والمستمتع بسادية العنف هو جمهور من الأثرياء. وسينمائياً لكل طرف تبريره: في فيلم من نوعية »ليونهارت« (او
Kickboxer
إذا أردت) فإن البطل عادة من الطبقة الدنيوية والجمهور من الأثرياء. في فيلم سبيلبرغ الشخصية التي سنتآلف معها هي أندرويد مصنوعة برهافة (سواء شخصية الصبي او الشاب) وهي تُباع -كما ورد معنا في الجزء الأول- بأسعار غالية لطبقة الأغنياء التي تسكن في منازل في أطراف أخرى بعيدة (وإن لم تكن منازل جميلة كمنازل اليوم) اما الشخصيات التي ينتقدها الفيلم فهي العامّة تلك التي قد يجيء منها ملاكم فرد على نحو جان-كلود فان دام او روكي/ ستالون٠
إذ تتوفّر هذه الملاحظة، فإن المبرر السينمائي هو حاجة البطل لعدوّ يكون نقيضاً له (أميركي/ غير أميركي- غربي/ شرقي- أبيض/ أسود الخ...)، لكن المبرر الإجتماعي هنا هو الخطير في الموضوع وغير المبحر سياسياً بما فيه الكفاية: فالسبب الذي من أجله هناك أناس في القاع يعود الى أن الناس التي على القمّة داست عليهم حين اعتلت٠


ضد من ؟
سبيلبرغ لا يتعرض لهذه النقطة (ديفيد فينشر يتعرّض لها على نحو أكثر تحديداً في فيلمه "نادي الملاكمة«) تبقى غائبة عن منواله، لكن ما أسسّه لا يقل أهمية: إدانة مبدأ الترفيه العنيف ضمن أي وسيط ونقدها بما في ذلك ذلك الترفيه المتأتّي من أفلام هوليوود٠
بالتالي الفيلم ضد السائد من الأفلام الترفيهية إجمالاً، وليس الترفيهية العنيفة فقط. تلك الخطوة الفارقة متأتّية من بطل الفيلم ديفيد (الصبي الصغير كما أدّاه هايلي جوول أوزمنت). إنه البراءة والحب الذي لا ينتهي (ونراه في النهاية يرنو الى التحوّل الى إنسان حقيقي علماً بأن ذلك لن يحدث فيمكث في حلمه لألفي سنة لاحقة كما يقول الفيلم قبل أن تنقذه مخلوقات بعد أن دُمّرت الأرض وما عادت مأهولة على الإطلاق٠
إنه البراءة والحب والمثالية ... الا يذكّرنا هذا بشيء؟ نعم يذكّرنا بشخصيات سبيلبرغ المماثلة سنّاً في عدد من أعماله ["إي تي"، "لقاءات قريبة من النوع الثالث"، "لائحة شيندلر" - معبّر عنها بالفتاة ذات الرداء الأحمر، "إمبراطورية الشمس" الخ...]٠
في سينما سبيلبرغ، تنشأ هذه الشخصيات كأمل سبيلبرغ والبعض منا في عالم أفضل. إنه عالم مخيف الذي يحيط بسبيلبرغ وبنا وبأبطاله الصغار. لكنهم ينجحون في التحرّك وتحقيق الذات وإنجاز المغامرة على الرغم من ذلك المحيط. هنا في »ذكاء اصطناعي« يخفق ديفيد في تحقيق ذلك (حبه الفائض للغير محاط بالأسلاك الشائكة من كل صوب كما تلك الحلبة) وهو يسعى الى أن يخطو خطوات بينوكيو، الدمية التي تناهى اليه أنها نجحت في تحقيق الخطوة. بالنسبة إليه، يريد أن يصبح إنساناً لكي تحبّه أمه ولن يستطيع. إنه يريد أن يصدّق الخيال، ويخبر أمّه وهي تقوده الى أطراف الغابة حيث ستتركه برغبته تلك لكنها تصارحه بأن »القصص تبقى خيالاً«٠
إذا كان لابد أن نحن من هو ذلك "الضد" الذي يتوجّه اليه الفيلم، فهو -في نهاية المطاف- ضد سبيلبرغ نفسه وبإختياره. فهو بنى أفلامه على الرغبة في تصديق المثاليات المجسّدة في أبطاله الصغار، وهو هنا أعلن أن ذلك ليس حقيقياً٠ النهاية لن تكون سعيدة٠


ستيفن سبيلبرغ في لقاءات قريبة من النوع الثالث
حين هَبَط الغرباء...للتحيّة!٠

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ميسر المسكي- سوريا٠


منذ أن تحسس الإنسان وجوده على الأرض، أدركَ أنه يواجه معضلة في إدراك الكون الواسع حوله. و مع تطور الحضارات، بَدَت هذه المُعضلة عصيّة على الحلّ بالعلم و المنطق اللذين طورتهما الحضارة. لذلك وجَدَ الإنسان نفسه يبتدعَ مفاهيم غيبية تصالحهُ مع الغامض الكبير الذي لا يُدرك كـُنهه و لا بُعدُه , و ألبَسَ هذه المفاهيم الغيبية لبوس الإلوهية لتكريس إعترافه بهزيمة أدواته في إدراك الكون فيزيائياً و فلسفياً. لكن مع هذا، بقي السؤال يؤرّقه: ما هو الكون؟ و هل نحن وحدنا في هذا "الفراغ" اللامتناهي؟

السينما، كغيرها من الفنون التي عكست هذا القلق الوجودي للإنسان، تناولت فردانية وجود الإنسان أو عدمها. لكن طريقة التناول هذه خضعت لظروف الحال السياسية و الإيديولوجية في فترات مختلفة. ففي عزّ أيام الحرب الباردة أرادَ الغرب (عبر مؤسسات مؤثرة مثل هوليوود) تعزيز و تكريس الحسّ الجمعي بالقلق و الخوف من الخطر المحدق بحضارة ما دعوه بـ "العالم الحـُرّ". و هذا الخوف الغريزي من الغامض الذي يهدد وجود الإنسان، كان مرّة يأتي من غزو سوفييتي أحمر و مرّات من كائنات غريبة من العالم الخارجي تتربص بالأرض شرّاً. و عبرَ هذا الخوف أيضاً كانت تتمّ محاولة تكريس رفض "الآخر" و الخوف منه، بل و حتى شيطنته لتبرير قتله لاحقاً٠

عام 1977 جاءَ فيلم "لقاءات قريبة من النوع الثالث" سابحاً عكس التيار و فاتحاً نافذة صغيرة للإطلال على الآخر الغريب الذي قد لا يكون يريد أكثر من تحيتنا!
يبدأ الفيلم بعاصفة رملية تكاد تحجب رؤيتنا إلاّ عن هضبة مرتفعة بالكاد نستطيع تحديد أبعادها، و ضوئين صغيرين يقتربان من عمق الكادر، هما ضوئي جيب لاندروفر لا يلبث أن يتوقف في مقدمة الكادر و ندرك حينها (مع وجود ما نستطيع أن نقيس عليه) أن ما كنا نعتقده هضبة مرتفعة ليس أكثر من كثيب رملي صغير. سبيلبرغ يترك لنا أن ندرك أن إنطباعتنا الأولى، و ما ندركه بأحاسيسنا، و معرفتنا القائمة على القياس ليست بالضرورة هي الحقيقة. سبيلبرغ يعود مرتين إلى هذا التلميح في سياق الفيلم. فسكان البلدة الصغيرة في ولاية وايومينغ والذين سبق لهم أن رأوا الصحون الطائرة، يتجمعون ليلاً بإنتظار ظهورها مجدداً و حين يصيح أحدهم: ها هم قادمون
يرتفع التوتر و الترقب حين يراقب السكان (و نحن معهم) إقتراب ضوئين عبر سماء الليل المعتمة لنكتشف أنها أضواء طائرة هيلكوبتر عادية تقلّ علماء إلى موقع التجمع٠
و في الجزء الأخير من الفيلم و فيما الشخصية الأساسية روي (يلعبه ريتشارد درايفوس) يقود عبر طريق زراعية تحفّ بها جثث الأغنام و الأبقار، يتولد لدينا إحساس بالقلق و الخوف من شيء مشؤوم غامض. لكن بعد فترة قصيرة نعلم أن السلطات قد رشت غازاً منوماً فوق المنطقة لإبعاد المتطفلين ولضمان سرّية وقائع اللقاء الأول مع الغرباء الهابطين من السماء٠

ليس في "لقاءات قريبة..." قصة محددة الشكل، بل هي سلسلة وقائع غريبة تعمّ الأرض من صحراء منغوليا إلى سهوب وايومينغ. وقائع يدرسها فريق من العلماء يقودهم الفرنسي لاكومب (يلعبه المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو الذي سبق و أن أستعدنا بالتفصيل حفنة من أعماله في هذه المجلة قبل فترة)٠
اللقاءات الأولى لبعض الأفراد على الأرض مع المركبات الطائرة ينتج عنها إختفاء بعض الناس مما يثير الخوف و الريبة في نفوس البقية. كما أن البعض الآخر يجد نفسه ممسوساً بالرغبة إلى التواجد في مكان محدد من ولاية وايومينغ. هذا المكان هو الذي جهزّه العلماء للقاء الغرباء و الذي أحاطوه بسرية تامة فرضت عليهم ترحيل سكان المنطقة و رشها بالغاز المنوم لإبعاد من لم يستجب من السكان
مشهد الذروة في الفيلم هو هبوط المركبة الكبيرة و بدء التواصل معها بالموسيقى المبنية على لغة الصُمّ و البكـُمّ. قد نختلف بالحضارة و المفاهيم و حتى بتركيبة الصوت كونه إهتزاز الهوء على أحبال الحنجرة، لكننا لن نعدم وسيلة للتفاهم لو إنفتحنا على الآخر حتى لو كان كائناً غريباً من الفضاء. و ستصل رسالتنا إليه و رسالته إلينا. وحين تنفتح بوابات المركبة يهبط منها كل أولئك الذين سبق و أن أختفوا. لقد كانوا مدعوين إلى المركبة للتعارف على ركابها الآتين من مكان ما في هذا الفضاء الغير محدود حولنا و الذي ربما حدّقنا فيه مليون مرّة من قبل لكننا ما أدركنا يوماً ماهيته. ربما لهذا يبدو فيلم سبيلبرغ مفعم بلقطات واسعة للسماء خصوصاً في الليل.
من نزلوا من المركبة لا يلبث أن يتمّ إستبدالهم بفريق جديد من الآدميين إنتقاه العلماء . أحدهم روي الذي يودعه العالم لاكومب بقوله: "إني أحسدك". و قبل أن تحلق المركبة بعيداً يلوح لنا كائن منها بإشارات تحية هي موسيقى الصُمّ التي بها بدأ "الحديث" و بها يُختـَم
قد تعيقنا اللغة عن التواصل. قد لا نتشابه. قد لا ننتمي إلى الوجود ذاته. لكني سأجد دائماً ما أقوله لك و ستجد دائماً ما تهمس لي به حتى و لو بالإشارة... وهل أرقى من الموسيقى إشارة للتواصل؟
حين أتجاوز قلقي منك و تتجاوز خوفك مني، حين أتخلى عن مفاهيمي المُسبقة عنك و تتغلب أنت على تنميطك لي، حين لا أزعم أن أحاسيسي هي الحقيقة وحين تـُسقط إنطباعاتك المغلوطة و المتراكمة عني، حينها فقط تعود المسافة بيننا تحية رمزية باليد و رفّة عين و خفقة روح. وكأني بسبيلبرغ يقول ذلك في المشهد الطويل الأخير في فيلمه هذا الذي أعتقد أنه ( مع "إمبراطورية الشمس") أنضج ما صنعَ على التنوع الكبير فيما صنع٠
بعد أعوام عاد سبيلبرغ إلى الفيلم و أضافَ إليه تفاصيل في المشهد الأخير حيث نرى داخل المركبة المغمور بالضوء الباهر كما حذف بعض المشاهد في منتصف الفيلم٠


لمن يريد من القراء توثيق الذاكرة، فإن هذا الفيلم عُرضَ في إستعادة صيفية عام 1977 في سينما الكليمنصو في بيروت. كان عدد المشاهدين خمسة فقط في حفلة التاسعة ليلاً. أرادت إدارة الصالة أن تعيد لنا ثمن التذاكر وتـُلغي العرض. لكن إصرار الخمسة التعساء سمَحَ بإستكماله٠
اليوم الكليمنصو مسرح...مُقفل. ريتشارد درايفوس ضاعَ في ضباب هوليوود الكثيف. فرانسوا تروفو رَحَلَ عن عالمنا. وحده ستيفن سبيلبرغ باق يصنع أفلاماً. و قد عادَ لنا قبل أربعة أعوام تقريباً بـ "حروب العالم" عن كائنات من الفضاء الخارجي. لكنها هذه المرّة كائنات شريرة، عدوانية و مهووسة بالقتل و الدم٠
بهذا المعنى نسأل ما الذي بقي اليوم من إرث تلك "اللقاءات القريبة"؟



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠

Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular