Aug 14, 2009

Year 3. Issue: 444 | Spielberg's A.I. | Burn After Reading| Public Enemies| السينما العربية | ابراهيم الأبيض | بغداد-باريس

Inglorious Bastards



فيلم كونتين تارانتينو المعادي للنازية (او هكذا الشائع لحين مشاهدته) ينطلق للعروض الأميركية في الأسبوع المقبل وهو كان أحد أفلام مسابقة "كان" الأخير وخرج غير متوّج. الغريب أن قليلين جدّاً من النقاد الذين أمّوا المهرجان الفرنسي آنذاك كتبوا عنه!. الفيلم بوشر بعرضه في بعض أنحاء أوروبا قبل أسابيع قليلة، لكنه يُطرح بدءاً من التاسع عشر في أكثر من عاصمة رئيسية بينها باريس ولندن٠
في الصورة الممثلة دايان كروغر في لقطة من الفيلم٠


أوراق ناقد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ09/08/19-18ــــــــــ

المخرج الدجال؟

يلفت الصديق صلاح سرميني نظري الى موضوع بالغ الأهمية لم يتطرّق إليه أحد ممن قرأت لهم مقالات حول فيلم لارس فون ترايير "ضد المسيح" (وسأستخدم معنى محدداً بالعنوان الأصلي وليس المعنى الديني المحتمل وهو "المسيح المزيّف" او "المسيح الدجّال" الى أن أرى الفيلم). فصل مشاهد البداية الذي يدور حول الرجل وزوجته يمارسان الغرام بينما يتسلل الإبن من مخدعه متقدّماً من النافذة حيث سيقع ويموت بينما أمّه تمارس الحب هو ذاته (تقريباً) الذي في فيلم بيير باولو بازوليني "أوديبوس ركس« الذي أخرجه عن مسرحية سوفاكليس، (أحد ثلاثة كتّاب تراجيديين في يونان ما قبل المسيح وصلت أعمالهم إلينا) سنة 1967
هذا ليس اكتشافاً بقدر ما هو أمراً مهمّاً يُعين القراءة الحقيقية للفيلم، ذلك أن من قال عن نفسه "أنا أفضل مخرج في العالم"، من وجهة نظري للآن ومن قبل أن أرى الفيلم، كان يستعير من بازوليني مطلع فيلمه بالكامل. ولا يتوقّف الأمر على هذا الفصل من المشاهد بل يتعدّى ذلك لما يبدو استعارة أخرى اكتشفها الناقد سرميني في مشهد لاحق من فيلم آخر سأترك الكشف عنها اليه إذ منكب هو على كتابة مقالته السينمائية حول الفيلم٠

عاصفة سرميني

بعض القراء لا ريب يعلم أن الزميل سرميني وجد نفسه في عاصفة مؤخراً بسبب ما كتبه حول شخص انطلق يعلن عن رئاسته مهرجان القدس السينمائي من دون علم سواه فيما يبدو محاولة استئثارية لموقع ما على الخارطة السينمائية من قِبل ذلك الشخص. أفهم دوافع سرميني لأن ما يريده هو الإشارة الى مواقع خلل تتعرّض إليها الثقافة السينمائية العربية من خلال نشاطات لأشخاص لا علاقة لهم بالصلب السينمائي كما يجب أن يكون (إلمام، دراسة، خطوات علمية الخ...). البعض لا يرى أن هذا من واجبه، ويهاجمونه على رصده مثل هذه الممارسات. ومن يقرأ التعليقات التي وردت في المقالات الثلاث التي نشرها الزميل على موقع إيلاف يجد أنه استلم ردوداً تؤيده وأخرى تعارضه. تلك المؤيدة تمنحه الحق فيما يقوم به والأخرى تسعى الى تقزيم محاولاته ووصفه بأنه شرطي انترنت٠
لكن مع أن صلاح يستطيع، لو أراد، أن يحمل خفيفاً ويمضي في شأنه حتى لا يعترضه أحد (تقريباً) وأحياناً أتمنّى لو يفعل، الا أنه يفضل مواجهة ما يراه خطراً يهدد المهنة التي نمارسها جميعاً. لذلك فإن المشكلة ليست فيه بل في كيف يتم تحويل النقاش الى مسائل بعيدة عن جوهر الموضوع. متى نبدأ نقاشاً حضارياً يتعلّق بصلب الموضوع نفسه وليس بالشكليات؟ متى نقترب من الحقيقة ونعاينها لذاتها وليس لذات من كتب فيها؟ متى نرتفع عن الضغينة حين نؤيد او حين لا نؤيد ونمارس حقّ كل منّا المشروع في إبداء الرأي المحدد والواضح؟


عمر منجونة

الأخ عمر منجونة كتب قبل أيام على البريد الخاص يسأل عما حدث لعمر نعيم، المخرج اللبناني وإبن الفنانة نضال الأشقر، الذي قدّم قبل سنوات باكورة أفلامه ثم لم يقدّم شيئاً آخر. يقول الأخ عمر

منذ ثلاث أعوام تقريبا لفت نظرى إسم المخرج عمر نعيم مقرونا بفيلم
The Final Cut
بفكرته الجيّدة، ورغم وجود بعض العيوب في المعالجة الا أنني توقّعت بروز إسم هذا المخرج في السنوات القادمة، لكن حتى الآن لم أسمع أي جديد عنه. أتمنى لو كانت لديك بعض المعلومات٠
شيء آخر، أردت السؤال عن السينمائي الذي كنت ذكرته والذي سيقام في قطر إن كان حدث به شيء جديد٠

جواب | عمر نعيم كشف عن موهبة مثيرة للإهتمام سنة 200٤ بفيلمه الروائي الطويل الأول الذي ذكرته (مع روبين ويليامز في البطولة) لكنه اختفى فعلاً. وكنت توقّعت أنه ربما عاد الى التصوير السينمائي، وهي المهنة التي جاء منها، لكني بحثت ولم أجد له أي ذكر على أي فيلم. لكن ما وجدته أنه بعد هذا الفيلم الممكن تسميته بـ »النسخة الأخيرة«، أخرج فيلماً ممسرحاً عن الكوميديين العرب الذين لديهم عروض في نوادي كوميدية يلقون فيها نكاتاً تمزج الضحك من التقاليد التي يراها الأجانب غريبة بالضحك من الغربيين ومفاهيمهم المغلقة حول ما هو عربي والتنميط الذي يواجهه المسلمون والعرب. عنوان الفيلم كاملاً
Stand Up: Muslim- American Comics Come of Age
عمر لم يخرج الفيلم بمفرده بل شاركه فيه غلن بايكر٠

في ربيع هذا العام نزلت في الدوحة حاملاً بضع مشاريع كتبت عن بعضها ذات مرّة. أحدها فيلم وثائقي أقوم بإخراجه ونلت الموافقة المبدأية عليه، وثانيها مجلة سينمائية وثالثها مشروع أكبر من أن يُعلن عنه هنا. لكن نحن في العالم العربي محاطون بأمور لا علاقة بصاحب المشروع بها: هو لا يستطيع أن يتقدّم الآخرين صوب تحقيق مشروعه بل عليه أن يمشي بخطاهم وإيقاعهم، ولا يستطيع أن يغفل العطلة الصيفية التي يغادر بها القادرون البلاد الى جبال لبنان او شرم الشيخ او أنحاء لندن وباريس، فتتوقف الحياة الى حين عودتهم٠
لكن هذا كله محسوب وأفهمه وقريباً أعود إن شاء الله الى هناك حيث أواصل العمل بعدما وجدت الأفكار قبولاً إجمالياً. شكراً للسؤال٠


إلحاح

الحادثة التي كتبتها عن دخولي طرفاً في مفاوضات بين سلفستر ستالون ومهرجان القاهرة دفعت بالصديقين محمد حسنين مبارك من القاهرة عادل عبد الله من الإمارات لينضما الى عدد من القرّاء سبق له وأن دعاني الى الإكثار من الذكريات الخاصة والأحداث التي وقعت معي وها أنا أحاول٠ فما ذكرته في ذلك المقال عن ستالون (وبالمناسبة نعم: الخبر مؤكد. ستالون سوف يُمنح جائزة تقديرية عن مجمل أعماله في مهرجان فنيسيا) من أنه طلب من شوارتزنيغر أن يمثّلا فيلماً مشتركاً من قبل أن يترهّلا (الآن ترهّلا وانتهى الأمر) سمعت مثيلاً له من الممثلة السمراء بام غرير سنة 1997 حين أخرج كونتين تارانتينو فيلمه "جاكي براون" من بطولتها. قالت
المشروع بدأ منذ عامين حين اتصل بي وقال أنه يفكر بي لفيلم ولم يخبرني شيئاً عنه. بعد سنة اتصلت أنا به وقلت: ماذا تنتظر ... الى أن يكبر صدري أكثر؟ قال لي: أصبحت حاضراً ودخلنا التصوير بالفعل وكنت سعيدة بالعمل معه٠
بام غرير (ستين سنة الآن) كانت نجمة أفرو-أميركية فيما يعرف بالأفلام الإستهلاكية السوداء
Blackexploitation
في نهاية الستينات ومطلع السبعينات وطالما ضربت البيض والسود على حد سواء في أفلام عنف بوليسية أدت فيها البطولة. وهذه حفنة منها
Black Mama, White Mama, Coffy, Foxy Brown, etc...
كما ظهرت في بضعة أفلام أكثر كلفة من بينها
Above the Law, The Package, Escape from L.A., Mars Attacks
أجريت حديثاً طويلاً معها حينذاك، لكني لم أنشره للآن لأن أحداً لا يعرفها عندنا وأصعب ما يواجه المء في هذه الحالة هو أن لا يعرف القراء عمن يدور الحديث٠

أيضاً من الذين ألحّوا على العمل مع سينمائي معيّن: بيرت رينولدز الذي تواصل مع كلينت ايستوود واقترح عليه أكثر من مرّة الظهور في فيلم واحد ("قبل أن نكبر") كما قال رينولدز ذات مرّة. في النهاية اختارا فيلماً بعنوان
City Heat
بوليسي أخرجه لهما رتشارد بنجامين سنة 1984 وكان أسوأ ما قام كليهما بتمثيله بسبب مخرجه الذي كان ممثلاً رديئاً في الستينات فانقلب الى الإخراج في الثمانينات لكنه كان رديئاً في هذا الحقل أيضاً٠







هذا العدد
أفلام ضد| سلسلة جديدة عن الأفلام المناهضة للسائد | محمد رُضا
تحقيقات | هوڤيك حبشيان عن فيلم جان-لوك غودار الجديد "اشتراكية" و محمد رُضا عن أين موقع السينما العربية اليوم٠
نقد | نديم جرجورة عن "ابراهيم الأبيض" | جلال نعيم عن "احرق بعد القراءة" | صلاح سرميني عن "بغداد- باريس: سيرة شاعر| هوڤيك حبشيان عن "أعداء الشعب"٠

زوايا | المخرج يقول: "ايليا كازان" حين كتب روايته التي تحوّلت الى فيلم٠| سمير فريد يكتب عن فينسيا | توب تن جديد

آخر خمسة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

A Perfect Getaway | David Twohy (2009) ***
تشويق ناجح مع التواءات في السيناريو تخلق مفاجآت وجرأة من المخرج ديفيد ووهي في استخدام فلاشباك يختلف عن المتوقّع٠

The Glass Wall | Maxwell Shane (1953) ***
دراما حول مهاجر أوروبي يتسلل الى نيويورك والبوليس في أعقابه. أول فيلم قام الإيطالي فيتوريو غاسمان بتمثيله في الولايات المتحدة، ومن إخراج جيد لسينمائي غير مُقدّر٠

G.I. Joe: The Rise of Cobra | Stephen Sommers (2009) *
أكشن وفانتازيا تبدو كما لو كانت مجموعة من الإعلانات الخاصّة بترويج منتجات شركة ألعاب، وهو يبدو ذلك لأنه بالفعل ترويج لمنتجات شركة ألعاب

In The Border States | D. W. Griffith (1910) ***
قبل »مولد أمّة« أخرج غريفيث هذا الفيلم الأسبق عن الحرب الأهلية من دون إنحياز لطرف محدد. فتاة صغيرة تنقذ جندياً جنوبياً من الشماليين ويرد لها الجميل بإنقاذ والدها من الجنوبيين٠

The Pervert's Guide to Cinema | Sophie Fiennes (2004) ***
الناقد السلاڤي سلاڤوي جيجَك يتحدّث في 150 دقيقة عن الأفلام ويحللها من وجهة نظر فرويدية في هذا الفيلم التسجيلي الذي أخرجته شقيقة الممثل راف فاينس٠


أفلام ضد | محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلق ستيفن سبيلبرغ بدأ من هذا الفيلم
Artificial Intelligence: A I

................................................................................................
بدءاً من هذا العدد سلسلة جديدة حول بعض تلك الأفلام
المميّزة التي واجهت ما هو سائد من الأفكار والمعطيات
والقناعات السياسية والإجتماعية. الفيلم الأول هو شريط
ستيفن سبيلبرغ الخيالي-العلمي »ذكاء إصطناعى«علــى
حلقتين٠


القول السائد أنه من حين قرر ستيفن سبيلبرغ القيام بإخراج فيلم الهولوكوست الشهير "لائحة شيندلر" الذي خرج للعلن سنة 1993 خطّ المخرج درباً جديداً آخر غير ذاك الذي عرفته سينماه السابقة. من هنا، يمضي القول، بات هناك سبيلبرغ المخرج الترفيهي وسبيلبرغ المخرج الجاد٠
لكن بصرف النظر عن أن هذا القول يبسّط المسألة بعض الشيء، الا أن الفيلم الجاد الأول لسبيلبرغ سبق فيلم الهولوكوست بثمانية سنوات وكان عنوانه
The Color Purple | اللون الأرجواني
الثاني كان »إمبراطورية الشمس« سنة 1987 أي بعد عامين من »اللون الأرجواني«. بذلك فإن »لائحة شيندلر« هو الفيلم الثالث في هذا "الدرب"٠
الناقد الكندي تيم كرايدر يقسّم أفلام سبيلبرغ الى "أفلام أطفال" و"أفلام راشدين". وفي هذا التقسيم قدر غير يسير من التبسيط. خذ مثلاً فيلمه
Artificial Intelligence: AI | ذكاء إصطناعي
الذي أنجزه سنة 2001؟ من ناحية فيلم من بطولة طفل وفيه فانتازيا طفولية وشخصية تبحث عن عالم جديد وتشتاق لتبني مغامرة بينوكيو، ومن ناحية أخري هو فيلم للراشدين من حيث ما استخلصه من قصّة قصيرة ذات عنوان رائع هو
Supertoys Last All Summer Long ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ألعاب متفوّقة تدوم طوال الصيف
ومن أفكار عالجها الراحل ستانلي كوبريك على الورق كتابة ورسماً لنحو عشرين سنة قبل أن يقرر أنه لن يصنع هذا الفيلم٠
أفلام سبيلبرغ تنتمي جميعاً الى خط واحد ينحف قليلاً فيتبدّى على غرار مغامرات إنديانا جونز المختلفة وسلسلة »جوراسيك بارك« ويثخن قليلاً فيتبلور على غرار »ميونخ« و»إمبراطورية الشمس« و»أميستاد« . وهذا ليس للإنقاص من قيمتها بل لوضعها في إطار يبدو لي صحيحاً. سنجد في »ميونخ« مثلاً ذات الإهتمام بالروابط العائلية التي أبداها في سلسلة
Jaws
وفي »لقاءات قريبة من النوع الثالث«. والمسألة اليهودية التي تصبغ »لائحة شيندلر« لها أصداء مسبقة لها في »تابوت العهد« و(إذا ما قبلنا بواحد من رمزياته) فيلمه »مبارزة« الذي كان أوّل فيلم عرض سينمائياً له ولو خارج الولايات المتحدة علماً بأنه كان من إنتاج تلفزيوني٠


ما يمكن أن يكون أوّلاً بالفعل بالنسبة لـ "ذكاء إصطناعي" هو أنه أوّل فيلم أخذ سبيلبرغ فيه يطرح تساؤلات تعكس شكّه في المسلّمات التي تبنّتها أفلامه السابقة٠
الى هذا الفيلم عكست أفلامه آراءاً محدّدة تضعه على صف الراوي الذي لديه وجهة نظر فيما يتعلّق بالعائلة، بالطفولة، بالرؤية الفنية لمعالجة الحكاية وبالغاية (التجارية) لإنجاز الفيلم. سبيلبرغ كان يتطلّع الى العالم بعينين هضمتاه من زاوية خاصّة به وكان يعبّر عن قناعات فكرية وعاطفية. هو كان ضد السُلطة في عدد من أفلامه الأولى ["مبارزة"، "شوغرلاند أكسبرس" الخ...] وكان ضد الشخصية الرجولية المتخلّصة من طفولتها باكراً: شخصية الصيّاد كوينت (روبرت شو) في
Jaws
الشبيهة بشخصية الرجل الشوفيني المسلّح الذي يقضي على الدينوصور في "جيروسيك بارك" وضد شخصيّة المبارز بالسيف، ذلك الفارس العربي السعيد برجولته وجرأته الذي يطلق عليه إنديانا جونز رصاصة قاتلة عوض تحميل نفسه مشقّة مبارزته وذلك في فيلم "تابوت العهد المفقود"٠
إذ أقول ذلك، أعي بالطبع أن أبطاله رجالا غير مخنّثين مثلاً، بل هم أقوياء- لكنهم، في معظمهم- رجال اجتماعيون تركوا الحضارة تهذّبهم. إنهم ليسوا جون واين او كلينت ايستوود، بل جون غارفيلد وإليوت غولد. حتى إنديانا جونز فيه مساحات كاريكاتورية وطفولية تجعله أقرب الى الصفات التي كان سبيلبرغ يفضّلها ويعززها٠
فيلم "ذكاء إصطناعي" كان مختلفاً٠
أخيراً، بعد سبع سنوات من »لائحة شيندلر« سمح لنفسه بمراجعة العالم من زاوية قلقة استبدل فيها قناعاته السابقة بعلامات استفهام على الأقل، هذا من قبل أن يستبدلها بقناعات جديدة في »ميونخ« سامحاً لنفسه طرح موضوع الإرهاب كعمل مُدان من قِبل الطرفين معاً العربي والإسرائيلي- خطوة لم يسبقه إليها سوى قلّة من المخرجين من قبل بينهم جورج روي هيل في فيلمه المنسي (وعن أحداث إرهابية ولو خيالية) سنة 1984
Little Drummer Girl


قصّة برايان ألديس »ألعاب متفوّقة طوال الصيف« تحديداً عن صبي، أسمه ديفيد (هايلي جوول أوزمنت) يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع
Android يكتشف إنه ليس آدمياً بل مصنوع في المختبرات كـ
أي يبدو بشراً، لكنه بلا سوائل في الداخل، فقط أسلاك وأشرطة وبلاستيكيات وقدرة على التعامل مبرمجة بالكومبيوتر. حين يكتشف ذلك يفهم لماذا لم تكن والدته (او من أعتقد أنها والدته) تحبّه مهما فعل لإرضائها. فهي كانت توجّهت الى المصنع (والأحداث في المستقبل طبعاً) واختارته. الإمتحان العسير يبدأ حينما يخرج إبن العائلة من المستشفى الذي كان دخله قبل تبنّي الصبي ديفيد. الآن وقد أصبح هناك طفلان في البيت فإن العائلة لن تضيع وقتاً في فض خلافاتهما (غيرة ابنها الفعلي من ديفيد) بل تقرر أن تأخذ ديفيد الى الغابة القريبة وتتركه هناك. الأم (فرنسيس أو كونور) تفعل ذلك في مشهد عاصف يستعطفها ديفيد أن لا تتخلّى عنه لكنها تفعل٠

سبيلبرغ، في حياته الخاصّة، شديد التعلّق بمفهوم العائلة. لقد نشأ في ظل أم وأب وعانى من انفصالهما. في أفلام معيّنة يبدو بطله مشتاقاً الى أبيه (شخصية ليوناردو ديكابريو في "اقبض عليّ إن استطعت"- 2002) وفي أخرى يبدو بطله مشتاقاً الى أمّه ومتفانيا تجاهها (شخصية الصبي في »آي تي«- 1982) وفي أحيان ثالثة تجاههما معاً (كما شخصية الطفل كما لعبها كرستيان بايل صغيراً في فيلم "إمبراطورية الشمس«). لكن العائلة دائماً موجودة والأب هناك ليذود مدافعاً كما في "حرب العالمين« مع توم كروز (2005)٠
وليام هيرت في "ذكاء إصطناعي" هو عالِم صنع ديفيد على شاكلة إبنه الراحل وصنعه لكي يحب طول حياته وديفيد لن يعرف سوى ذلك. هذا جزء، من مشكلته طوال الفيلم. إنه البراءة التي لن تتغيّر. لن تستطيع أن تتغير. ديفيد تصاحبه دمية (على شكل دب صغير) يتبعه ويتحدّث إليه. صديقه الوحيد القادم من الزيف بدوره. لن تستطيع أن تتغيّر. بعد تركه في الغابة سيتعرّف على أندرويد آخر أسمه جو (جود لو) الذي صُنع لكي يمارس الحب مع النساء اللواتي لا يجدن عاطفة. ونتعرّف عن طريق جو الى إمرأتين كلاهما تعانيان فراغً وألماً٠
عند هذا الحد لدينا ما يلي: أندرويد صغير وآخر كبير. كلاهما مهدد بالفناء في عالم لا يزال تحت قبضة الإنسان. البشر في هذا العالم ليسوا ببراءة وحسنة الأندرويدز. العائلة التي تبنّت ديفيد تركته لخطر التصفية الميكانيكية (قد يُباع كخردة) والمرأتين مضطهدتين من الرجل في عالم بلا حب ما يجعلانهما في توق لطلبه من أندرويد. الى ذلك، هناك ميدان القتال الذي يؤمّه البشر لمشاهدة العنف والتلذذ بنتائجه وإعدام بعضهم بعضاً (مقدّم مثل المدرّجات الرومية في عصر ما بعد المسيح مباشرة)٠
وهنا يبدأ المخرج بالتعليق على العالم الذي نعيشه. ليس العالم الذي نتفرّج عليه في نشرات الأخبار او على الإنترنت فقط، بل العالم الذي تقدّمه هوليوود٠

يتبع٠


تحقيقات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السينما العربية اليوم: سينمات مختلفة بمشاكل مشتركة
محمد رُضا


أكثر من مطّلع يؤكد لك حالياً أن الحصاد السينمائي العربي من المغرب الى البحرين والكويت وعُمان ضحل هذا العام. الإستثناء الوحيد: السينما المصرية. فجأة نهضت من غفوة دامت طويلاً وإذا بعدد مفاجيء من الأفلام الجيّدة (وبعضها أفضل من بعض) بات متوفّراً للعروض المحلية او للإنطلاق صوب المهرجانات العربية منها وغير العربية٠

حصيلة العام الماضي
في مهرجان »فانيسيا« هذا العام فيلم أحمد ماهر »المسافر« الذي اختير لكي يُعرض في المسابقة الدولية. هو إسم جديد وهذه الحقيقة ستجعله محط رغبة العديد من النقاد الدوليين الذين يريدون التعرّف على موهبته ومن أي مستوى او شأن هي٠
هناك أيضاً فيلم كاملة أبو ذكرى الجديد »واحد صفر« وفيلم يسري نصر الله »احكي يا شهرزاد«٠
المهرجان نفسه يعرض فيلماً من تونس لرجا عماري بعنوان »أسرار مدفونة« وآخر للسينمائي الجزائري مرزاق علواش بإسم »حرّاقة«٠
لكن جديد السينما المصرية لا يتوقّف هنا: المخرج داوود عبد السيد أنجز »رسايل بحر« وأسامة فوزي أنتهى من تصوير »يوسف والأشباح« وكلا هذين الفيلمين سيتم عرضهما في مهرجان الشرق الأوسط في أبو ظبي في الشهر الحادي عشر من العام الحالي٠
وكانت السينما الفلسطينية مثّلها هذا العام في مهرجان كان المخرج ايليا سليمان عبر فيلمه الروائي الثالث »الزمن الباقي«٠

في العام الماضي، بلغت حصيلة الأفلام الروائية الطويلة المنتجة في دول مجلس التعاون الخليجي، المؤلّف من السعودية والكويت والبحرين وقطر والإمارات وعُمان واليمن والعراق إحدى عشر فيلماً. هذا العام هناك فيلمين يدخلان مرحلة ما بعد التصوير واحد من الإمارات والآخر من العراق. ربما هناك أفلاماً أخرى، لكن الواضح أن الوضع الإقتصادي الذي تمر به المنطقة أثر على الإنتاجات السينمائية فوق ما هي قابعة تحت تأثير عدم وجود أجهزة ومؤسسات تساعدها على الوقوف على قدميها. السينما الخليجية، من هذا المنظور، هي أحلام في طور التحقق. سينما جديدة لا زالت طريّة العود وبحاجة الى فتح أسواقها المحلّية على نحو يدعمها ويساعدها، بالتالي، على التقدّم وآخر ما تريده، لجانب تمنّع المسؤولين في البلدان المنتجة، عن دعمها هو أن تطيح الأزمة الإقتصادية بإقدام العدد القليل من رجال الأعمال والمنتجين لتوفير التمويل المطلوب لها. لكن هذا ما يبدو واقعاً الآن

الدول القابعة في شمال أفريقيا أيضاً لم تستطع حتى الآن فتح أسواقها على بعضها البعض ما يجعل الفيلم الجزائري محصوراً في بلده، والتونسي في موقعه، والمغرب في وطنه. لو أن القائمين على سياسات التعاون بين هذه الدول ذات الكثافة السكّانية المناسبة أسسوا من نحو عشرين سنة وما قبل حتمية العروض المتبادلة والإنتاجات المشتركة (على نحو يشكّل قاعدة وليس استثناء) لما بقيت الأفلام المنتجة في هذا البلد ممنوعة، تجارياً، من العرض في البلد الآخر٠

اليوم والأمس
ونحن نجد أن هذه الأزمة بالذات مستفحلة في باقي الدول العربية من دون استثناء: لا إيمان بأن الفيلم القادم من دولة عربية وراء الحدود سينجح داخلها، ولا حتى في نطاق الثقافة الشعبية الواحدة: فالفيلم اللبناني قلّما يعرض في سوريا والفيلم السوري لا يرى شاشات العرض اللبنانية وهما شعبان لديهما من القواسم المشتركة أكثر بكثير مما لديهما من الإختلافات.
لكن هذا لم يكن الحال السائد في الستينات والسبعينات، إذ كانت الأفلام العربية سمة مشتركة ليس فقط بين لبنان وسوريا بل بينهما وبين مصر أيضاً. صحيح أن معظم الإنتاج المشترك لم يكن سوى تلك الأعمال الغارقة في حب الترفيه من دون فنّه على الأقل، لكن هذا النقد يصب في منحى آخر ولا يلغي المبدأ المتمثّل لا في ضرورة التعاون من باب التآخي مثلاً، بل من كون هذا التعاون هو شرط أساسي لتعزيز السوق الداخلي أولاً ثم العربي فيما بعد٠

بمفردها، السينما اللبنانية لا تستطيع أن تنتج على نحو مستمر ومتواصل من دون أن تحظى بموافقة الجمهور اللبناني (على الأقل) عليها. وفي العامين الماضيين بلغ هذا الإقبال المحلّي عليها مستوى جيّداً فإذا بعدد من الأفلام اللبنانية الجديدة تنطلق للعروض في زمن متقارب منها مثلاً »بدي شوف« لجوانا حاجي توما وخليل جريج و»سمعان بالضيعة« لإيلي هبر
على الرغم من ذلك، فإن هذه السينما أطلقت في السنوات الخمس الأخيرة عدداً كبيراً من الأفلام بالنسبة لباقي الدول العربية، باستثناء مصر، وفعلت ذلك في نوع من التحدّي للحدود والمشاكل الإنتاجية التي تواجهها. هذه الإنتاجات استندت (جميعها تقريباً) الى تمويل شركات فرنسية ومعونات من الإتحاد الأوروبي الذي يدعم مثل هذه المبادرات (او عدداً معيّناً منها على الأقل). على هذا الأساس فإن بعض الأفلام اللبنانية الروائية الطويلة تحديداً عرفت نجاحات تجارية ملحوظة مثل »سكر بنات« لنادين لبكي و»تحت القصف« لفيليب عرقتنجي اللذان عُرضا في أوروبا والولايات المتحدة- طبعاً في حدود الصالات المتخصصة بالأفلام غير السائدة٠



لكن المشكلة هي أن هذا الإعتماد على المموّل الأجنبي لا يستمر دائماً ولا يستمر على نحو شامل أيضاً. سريعاً ما سيبدأ الفرز بين الفيلم/ المخرج الذي حقق أفضل نجاح وذلك الذي لم ير فيلمه أحد وبناءاً على هذا الفرز سيختفي البعض وسيبقى البعض الآخر مستمرّاً في الوقت الذي تحتاج فيه السينما اللبنانية الى خبرة وتعاون الجميع لكي تواصل انتعاشها٠

أسباب التراجع
وكما كانت السينما اللبنانية منتعشة أكثر في الستينات والسبعينات قبل أن تدهمها الحرب الأهلية البغيضة فإن السينمات المغاربية أيضاً كانت أكثر انتعاشاً وإنتاجاً ونجاحاً (تجارياً) مما هي عليه اليوم. روّاد مهرجان قرطاج التونسي كانوا شاهدوا حماس الجمهور التونسي لمشاهدة الأفلام العربية بأسرها والتونسية تحديداً. وهذا كان يمتد خارج نطاق العروض الجماهيرية. أفلام الناصر قطاري ورضا الباهي ونوري بوزيد ورشيد فرشيو وسواهم كانت تشهد عروضاً ناجحة ومستديمة. اليوم، يقول لنا المخرجون التونسيون أنفسهم، الناس ما عادت تقبل على أفلامهم كما كانت تفعل سابقاً
والحال نفسه، ببعض التفاوت، منتشر في معظم الدول العربية المنتجة لكن ما يكشفه هذا هو أن ظروفاً أفضل وعلى أكثر من وجه وجانب كانت متوفّرة في تلك الفترة ولم تعد متوفّرة اليوم. أكسجين من الثقافة وفضول المعرفة وحب السينما كان منتشراً بين الجيل الشاب آنذاك ولم يعد منتشراً بين الجيل الشاب اليوم الذي لديه مشاغل مختلفة تماماً عن تلك التي عرفها جمهور الأمس حين كانت السينما الإختيار الأول للترفيه وللثقافة على حد سواء٠

بعض المشاكل الحالية تكمن في انتشار الفضائيات وتبديلها مصادر الترفيه واولويات المعرفة. وبعضها ناتج، كما تقدّم، اختيار المسؤولين ترك السينما وشأنها لا يهم كيف تعيش إذا عاشت ولا كيف تموت اذا ماتت
على ذلك فإن الحلول ليست صعبة وتكمن أساساً في إنشاء أسواق أقليمية تستدعي إنتاجات إقليمية. فالعالم العربي عبارة عن أقاليم ومناطق، لذلك يستطيع المغاربة القيام بإنتاجات مشتركة فيما بينهم، إذا أرادوا، ويستطيع المموّلون اللبنانيون والأردنيون والسوريون العمل معاً، كما يستطيع سينمائيو منطقة الخليج الإتحاد فيما بينهم. من دون هذه الإتحادات لا يمكن للسينمات العربية أن توظّف النسبة السكانية الكبيرة لصالحها وهي نسبة تستوعب الإنتاجات ذات الميزانيات المحددة والمتوسّطة
أما السينما المصرية فهي كانت وستبقى أكثر سينمات العالم العربي شيوعاً. كل ما في الأمر أن عليها اليوم الإستفادة من فرص نجاحها الجماهيري والنقدي لبعض أفلامها لكي تستعيد ما خسرته من حجم إقبال عربي في الآونة الأخيرة٠


عن آخر فيلم لغودار الذي مات مناضلاً وولد فناناً
اشتراكية تنير عتمة التاريخ من أوديسّا الى فلسطين؟

هوفيك حبشيان


بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة٠
، رافق جان لوك غودار جيل "ثورة 68 فأغضبهم واسرهم بقدر ما يستطيع امرؤ فانٍ ان يفعل ذلك. سلط هذا السينمائي آلة تصويره كما يسلط الرجل سلاحه او قلمه: مقاتل في سبيل الحقيقة في عالم من العنف طالت فيه الحرب بين الصورة والمشهد. لقد غطى السكون الحوار على مر السنين، ولم يبقَ هو الا سيداً قديماً، متنبهاً لهذا العصر الذي يبتعد مع مرور الوقت، فما عاد يشغل باله الا الحرب والسلم. برعت أفلامه الأخيرة في ابراز مشكلة الحرب والسلم من دون ان يشوه أي حلّ. فعندما يموت مناضل، يولد فنان. لقد بلغ غودار ذروة فنه، اذ جعل المشاهد يرى ما ظن الانسان انه رآه. من جمال عبقريته يشع النور. بالنسبة الى غودار، العالم مظلم لكنه تحول نوراً في غرفة معتمة. قليلة هي الأفلام تملك هذه النعمة. لقد احتفل غودار بفنه، فكان جازماً انه الوحيد سينير عتمة التاريخ. نتيجة ذلك، يخرج المشاهد من "عند" غودار مفتوناً ومتصالحاً مع حضارة البشر. واذ بالعبث يبتعد للحظة.
بعد تأمل طويل، خلاّقاً ناسكاً في عالمه الانطوائي، يعود غودار قريباً مع "اشتراكية"، خارجاً من صمت دام خمس سنوات. لا ملخّص على النت عن هذا الشريط ولا معلومة عن تاريخ صدوره. من الأشياء القليلة التي نعلمها، مشاركة الفيلسوف آلان باديو في دور المحاضر. والحقّ أننا كنا ننتظر أن يشارك الفيلم في الدورة الفائتة من كانّ، لكن المخرج الذي صار على عتبة الثمانين لم ينهه في التاريخ الملائم. جلّ ما نعرفه عن الفيلم اليوم انه صوّر في بلدان أوروبية عدة، وربما فصل كبير منه في اليونان. أما الـ"تيزر" نوع من دعاية لاثارة حماسة المشاهد)، فهو غوداري "قح" في دقائقه ( الاربع، ويجعلنا نتوقع فيلماً عضوياً على طريقة "موسيقانا"٠
يفتتح الـ"تيزر" بامرأة تتمتم كلمات عن أوروبا، قبل أن تُكتب على الشاشة كلمة "أشياء". الى الآن الأجواء من باخ بامتياز. منذ اللقطة الثانية يلجأ غودار الى ابتكار تقني اصبح مع الزمن ماركته المسجلة وهو الـ"جامب كات" (القفزة المونتاجية)، لنرى صبياً يلمس عقداً من الذهب تلبسه فتاة حول عنقها، فتردّ عليه بلغة لا ادري ما هي، واذ بالفتى يرد عليها بالفرنسية: الصمت من ذهب. وعلى خلفية صوت فتاة تغني "دو ري مي"، نرى رجلاً كهلاً يأكل جالساً الى بار. ثم كلمة "أوغاد" على الشاشة تسبق منظراً ليلياً رائعاً وزمور باخرة. صوت أمواج فرجل يحمل كاميرا في يده ونذهب فجأة الى تمثال فرعوني قبل أن يأتي دور صورة مائلة الى البني والبرتقالي طُبعت عليها كلمة "مصر"، مما يمنح الانطباع بأن الفيلم سيكون في مزاج "موسيقانا" أو "في مديح الحب" اللذين تضمنا عدداً من الصور الأرشيفية. جملة من هنا واخرى من هناك ثم نصل الى عجوز يقول لفتاة "الاسلام هو غرب الشرق"، عابثاً على ما أعتقد برأي الشاعر روديارد كيبلينغ الذي قال ان "الغرب غرب والشرق شرق"، اي انهما عالمان لا يلتقيان أبداً. وهذه المقولة لا شك انها واحدة من مقولات كثيرة سترد على لسان الشخصيات في الفيلم، نظراً الى هوس غودار بهذا الشيء؛ فللعبارات الشهيرة، إن مشوهة او مقتبسة بحرفيتها، عبور اجباري في أفلام أحد أهم منظّري الصورة في العصر الحديث


يبدو أن لفلسطين المحتلة مرة أخرى حضورا لافتا في سينما المعلم. إذ نرى صوراً فوتوغرافية لجندي فلسطيني ينام وآخر اسرائيليي يدير عملية نقل أسرى فلسطينيين. "قبل أن أرى أوروبا سعيدة... قبل أن أرى كلمة روسيا وكلمة سعادة" هي المفاتيح الكلامية الغامضة التي تصدر من فتاة، ثم يحيلنا المونتاج الغوداري الحاد على أدراج أوديسا (روسيا) الأشهر من أن تعرّف، كونها خلّدتها كاميرا العظيم سيرغي أيزنشتاين في »البارجة بوتمكين (1925) وقد استعادها في القلب تشويقي ذكي مبدع، الأميركي برايان دو بالما. ترى ماذا يقول غودار عن هذه السلالم؟
موسيقى أخرى وأجواء أخرى ثم نقلة نوعية مع تداخل معزوفتين واختراق للروك لا يدوم الا ثواني قليلة، فعودة تدريجية الى الصفاء، والى ما يبدو انه مدرج روماني، ثم الى الباخرة ذات الجمال الملحمي، وعليها فتاة تركض. ثم يختلط الروائي والارشيفي، الحرب والسلم، الصورة النقية والرديئة، على وقع موسيقى الأرغن الربانية الملهمة. موزاييك من الصور تنهش شاشة الكومبيوتر، ثم يأتي رجل ليقول انه أمام خيارين، إما ان يعيش وإما أن يروي، فتبادر .فتاة تجلس الى جنبه الى القول: أنا سأروي 1789
ومعلوم أن هذا التاريخ هو تاريخ الثورة الفرنسية. وتتوالى المشاهد ويتصارع المشهد مع المشهد، بأقل قدر من التناغم، مع اطلالات هذه المرة لثور هائج في مدينة برشلونة. وسرعان ما يتحول المناخ مع سيارة نراها تمر أمام فتاة تنتظر شيئاً ما في محطة للوقود، ليفتح هذا المشهد فصلاً كاملاً عن الحيوانات! ثم نرى صبياً يقود ما يشبه الاوركسترا بعصا، ليحيلنا عقل غودار اللاذع على امرأة واقفة أمام جدار ينعكس عليه ظل مروحة. أما الصوت فيقول: "عشر دقائق، سأحلّ هذا". ويختتم مجموع المقاطع المحيرة بصوت اوبرالي هائل على خلفية بصرية لفتاة تحمل كاميرا وتصور مرتجلة تقنية الترافلينغ، وهي تقنية قال عنها رائد "الموجة الجديدة" إنها مسألة أخلاقية

هوفيك حبشيان: ناقد صحيفة "النهار" اللبنانية٠


نقد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أربعة أفلام مدرجة هذا الأسبوع لهذا العدد: إبراهيم الأبيض" لمروان حامد، "أحرق بعد القراءة" لجووَل وإيتان كووَن، "صلاح الحمداني" لإيمانويل لانغراج و"عدو الشعب" لمايكل مان


إبراهيم الأبيض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نديم جرجورة


إنه الفيلم الروائي الطويل الثاني للمخرج الشاب، الذي أبدع في فيلمه القصير لي لي ، والذي أعلن عن موهبة جدّية وحرفية خطت خطواتها الأولى بثبات خفر ومحبَّب في فيلمه الروائي الأول «عمارة يعقوبيان»٠

أثار مروان حامد، عند إنجازه «عمارة يعقوبيان» في العام 2006، سؤال الولادة الإخراجية الحقيقية لابن السيناريست والمنتج وحيد حامد، وللمتعاون مع «شركة غوود نيوز» التي وضعت ميزانيات هائلة لإنتاج أفلام لم تكن كلّها ذات مستوى فني راق، خصوصاً «حليم» لشريف عرفه (آخر أفلام الممثل الراحل أحمد زكي) و«ليلة البيبي دول» لعادل أديب، وهو الأسوأ بينها. بمعنى آخر، وُلد مروان حامد كمخرج أفلام روائية طويلة في ظلّ سلطتين لا يُستهان بهما: سلطة الأب المحتلّ مكانة كبيرة في المشهد السينمائي المصري، ككاتب قدّم أعمالاً سجالية عديدة ورائعة، قبل أن يجمع الكتابة إلى الإنتاج، ما أدّى به إلى مسايرة ما لذائقة جماهيرية أوسع، أفضت إلى هبوط واضح في أفلام عدّة له؛ وسلطة شركة أقرب إلى الامبراطورية الإعلامية التي احتلّ واجهتها الأخوة أديب، أبناء السيناريست الراحل عبد الحي أديب، الموزّعون في مجالات الإعلام المرئي والإخراج والـ «بيزنس» السياسي والتجاري، من خلال فنون الموسيقى والغناء والإنتاج السينمائي٠

يد إخراجية
لكنه برع في إظهار شيء ذاتي في كيفية تحويله رواية علاء الأسواني إلى شريط مصوَّر. لم يخرج كثيراً على الوقائع المنشورة في الرواية، بحجّة قالها كاتب السيناريو الخاص بالفيلم وحيد حامد نفسه، مفادها أن المقتَبِس لا يستطيع تجاوز نصّ الرواية. ومروان، المبدع في تحقيق «لي لي» شكلاً ومضموناً وإدارة ممثلين واستخدام الكاميرا والزوايا، أدرك أن الإطلالة الجماهيرية الأولى له مع ممثلين «كبار» (عادل إمام ونور الشريف ويسرا وإسعاد يونس ممثلي «الصفّ الأول» بحسب التعبير السينمائي المصري، وخالد الصاوي وخالد صالح وسمية الخشاب وهند صبري وأحمد راتب وأحمد بدير وغيرهم) لن تكون سهلة، لأن إدارة هذا العدد الهائل من النجوم المتنوّعين، في فيلم أول بُنِيَ على أساس المتتاليات القصصية المرتبطة بفصول متلاحقة وحكايات متداخلة وسرد متقاطع والسياسة والمجتمع والعلاقات الإنسانية والعاطفية والأصولية وغيرها من المواضيع الساخنة والتحوّلات الخطرة، تطلّبت (إدارة الممثلين) حنكة وخبرة كبيرتين، إلى درجة أن البعض لم يتردّد عن القول إن هناك «يداً» خفية ساهمت في إنجاح العمل إخراجياً٠

السُلطة الإنتاجية
غير أن هذه اليد، إن وُجدت في الفيلم الأول، بدت كأنها يد المخرج الشاب نفسه في الفيلم الثاني «إبراهيم الأبيض»، لأن الدراية التقنية والفنية والجمالية أثمرت فيلماً جديداً متين البنية السردية وواضح الرؤية السياسية والاجتماعية المغلّفة بنمط بصري شبه متكامل، على الرغم من المشكلة الأبدية» التي تعانيها صناعة السينما المصرية منذ «الأزل»: التسجيل الرديء للصوت، وإكثار الصراخ النسائي تحديداً، إلى درجة لا تُحتمل « أحياناً في فيلم سينمائي، وإن استُمدّ الصراخ من عمق البيئة الاجتماعية المصرية الصرفة، والسلوك اليومي لناسها. واليد المذكورة أخرجت فيلماً جميلاً، عن عالم بائس وعنيف وموغل في تمزّقاته وانهياراته وجنونه. وهي اليد المتعاونة، مجدّداً، مع الشركة الإنتاجية نفسها (غوود نيوز)، من دون أي تدخّل من صاحب السلطة الأولى، عنيتُ به والده وحيد حامد (قصّة وسيناريو «إبراهيم الأبيض» لعباس أبو الحسن)؛ علماً بأن نجوماً من نوع آخر احتلوا واجهة الفيلم، أبرزهم محمود عبد العزيز (وحده، من بين الممثلين الآخرين، ينتمي إلى الرعيل السابق وممثلي «الصفّ الأول»)، إلى جانب أحمد السقا (أكثر ممثلي جيله الشباب تطوّراً أدائياً، لأنه أتقن تقديم شخصيات ممزّقة بين جانب إنساني صرف وعالم موبوء بالفساد والعفن والجريمة) وهند صبري وعمرو واكد وسوسن بدر٠

في «إبراهيم الأبيض» (قصّته مستوحاة من يوميات شخص حقيقي يُدعى إبراهيم الأبيض، تردّد في القاهرة أن عائلته استاءت من الفيلم وأثارت جدلاً مع منتجيه حول مسائل متفرّقة)، بدا واضحاً أن تبديلاً جدّياً طرأ على علاقة مروان حامد بهاتين السلطتين، وبعدد الممثلين وآلية اشتغالاتهم الفنية والأدائية، وبالمناخ الدرامي النابع من قاع المدينة وبؤس مجتمعها الإنساني، وبالسياق التشويقي المتماسك، إلى حدّ بعيد، في سرده حكاية إبراهيم الأبيض (السقا) منذ طفولته البائسة إلى نهايته المحتومة، المعمّدة بالدم والدمع معاً. فالسلطة الأبوية انزاحت، إلى حدّ ما (إنها غير مرئية تماماً، على الأقلّ)؛ والسلطة الإنتاجية نفسها حاضرة، لأنها قادرة على منح المخرج الشاب ميزانية كبيرة (ذكرت معلومات صحافية مصرية أنها بلغت اثنين وعشرين مليون جنيه مصري، في حين بلغت ميزانية «عمارة يعقوبيان»، بحسب المعلومات نفسها، ثمانية عشر مليون جنيه مصري) تخوّله التحكّم بمشروعه هذا. أما الممثلون، فمحصور عددهم بقلّة أمسكت بمفاتيح الحبكة الدرامية على مستويين: المستوى الأول أساسي (عبد العزيز والسقا أولاً، وواكد وصبري ثانياً، كداعِمَين رئيسين للأوَّلَين)، والمستوى الثاني مُكمِّل (شخصيات عابرة شكّلت منطلقات المتاهة الدموية التي سقط إبراهيم الأبيض فيها، وشخصيات ضرورية رافقته في سيرته، وأكملت معه وله وعبره صورة بيئة المجرمين وعالمهم ومجتمعهم)٠

قاع المدينة
لا يُعيب العنف الدموي الكثير فيلماً أُريد له أن يكون مرآة صادقة لواقع إنساني مأزوم. فالأنماط الراهنة للحياة اليومية منشغلة بشتّى أنواع العنف، في اللفظ والسلوك والنقاشات والعلاقات والحبّ والعمل... إلخ، والمسار المتحكّم بعلاقات الفرد بذاته وبالآخرين خاضعٌ للغليان والارتباك والتوترات المنبثقة من وقوع المجتمع المعاصر وناسه في فوضى الأنظمة (السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والتربوية والإعلامية وغيرها) وقمعها. بهذا المعنى، يُمكن فهم انجراف مخرجين سينمائيين مصريين عديدين إلى التقاط العنف بجوانبه المختلفة، لتقديمه في أفلام ملتصقة بيوميات الناس وأزماتهم المتنوّعة، ومنبثقة من حيواتهم وهواجسهم وذواتهم المقيمة في الوجع والقهر، سواء كان العنف مباشراً في التصرّف والتربية والحياة اليومية («السفّاح» لسعد هنداوي المستمرّ عرضه اللبناني في صالة «غراند سينما كونكورد»)، أو غير مباشر، تمّ التعبير عنه بمواربة سينمائية تكشف حضوره في هذه الحياة اليومية من دون تصوير شكله الحسّي («احكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، المزمع إطلاق عروضه اللبنانية قريباً). وعلى الرغم من أن جديد مروان حامد أحال مصير إبراهيم الأبيض إلى طفولة معذّبة وفقيرة وبائسة ويتيمة الأبوين، تماماً كما فعل سعد هنداوي في «السفّاح»، المستلّة قصّته من واقعة حقيقية أيضاً، متمثّلة بالسفّاح حلمي أحمد المسيري، كما قال مطّلعون على خفايا المشروع، مع أن منتجيه (ميلودي للأفلام) تجنّبوا الإيحاء بأن الفيلم توثيق للسيرة الحياتية للشخصية الحقيقية؛ إلاّ أن المشاعر الإنسانية الصادقة إزاء الأم المتوفاة حنان ترك) والحبيبة المسلوبة منه بالإكراه والغصب (هند صبري) والصديق الذي غرق معه في بحر الدم والجريمة والتيهان وتعاطي شتّى أنواع ( المخدرات الرخيصة، قبل خيانته له (عمرو واكد)، أشاعت مناخاً شفّافاً وسط القتل والصراعات الحادّة والعجز عن الخروج من الموت المقيم في الأزقة والنفوس. ومع أن الفيلم تحاشى التحليل النفسي والاجتماعي المباشر، لأنه ركّز بنيته الدرامية على سرد فصول من الحياة القصيرة لإبراهيم الأبيض، إلاّ أن التشريح النفسي/ الاجتماعي، المُضاف إلى نقد قاس ومبطّن للتحوّلات الخطرة التي تعانيها البيئة المجتمعية المصرية في ظلّ سطوة الاقتصاد الليبرالي والانفتاح غير المشروط وتنامي سلطة التجّار وهيمنتهم على الناس العاديين (هناك مشاهد قليلة ظهر فيها زعيم المحلّة الزرزور الكبير، الذي أدّاه محمود عبد العزيز، واقفاً على تلّة عالية وسط القبور والمنازل الفقيرة في ما يُشبه العشوائيات، كإله يأمر وينهي فيُطاع فوراً)، شكّل (التشريح) جانباً موازياً لتلك الحكاية المعروفة، المستمرة في نبش أعماق الذات الفردية وصداماتها مع الجماعة، و«انحراف» هذه الذات عن الطريق القويمة بحسب المعتقدات الاجتماعية والدينية والتربوية التقليدية. فهذا عالم يكاد يخلو من سلطة الأمن (وإن ظهر رجال المن في مشاهد قليلة جداً)، ومن سلطة القانون (المحكمة في لقطات سريعة)، لأنه خاضع بالكامل لسلطة أخرى هي سلطة (الزرزور)، استمدّت جبروتها من الديني والدنيوي، وإن لم ينكشف الأول كثيراً


بعيداً عن هذا كلّه، يُمكن القول إن «إبراهيم الأبيض» أكّد امتلاك مروان حامد أداوت سينمائية جدّية ومحترفة، وإن شَابَت فيلمه الثاني هذا هنات قليلة في تصوير بعض اللقطات وتسجيل الصوت والتقاط مشاهد وغيرها من التفاصيل الصغيرة، التي يتغاضى النقد عنها لأن الفيلم برمّته متماسك ومشغول بذهنية مخرج موهوب وجميل وصاحب مخيّلة، على أمل ألاّ يسقط في فخّ الميزانيات الضخمة التي يُمكن أن تُجرِّد الصنيع الفني من لغته الإبداعية، إذا لم يُحصّن المخرج نفسه من تلك الهيمنة الاقتصادية الخانقة

نديم جرجورة: ناقد صحيفة "السفير" اللبنانية


أحرق بعد القراءة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلال نعيم


بعد أكثر من عام عى مشاهدتي لفيلم أحرق بعد القراءة !٠
Burn after Reading
وجدت نفسي، لأول مرة ازاء مفردة أو مفهوم يبدو من الصعب ربطه بالسينما الأمريكية وخاصة عاصمتها المهولة هوليوود

هل هو كافكا أم غونتر غراس من أعلن بأن الفن لعب في أغلبه! وهذا بالضبط ما فعله جويل وناثان كوين في أحرق يعد القراءة!٠
يقول جويل كوبن: "كنا نريد أن نرى هؤلاء النجوم: جورج كلوني، براد بيت، جون مالكوفيتش والآخرين بأدوار مختلفة تماما فاهتدينا لخلق هذه الشخصيات وهذه التركيبة التي شكلت هذا الفيلم" !٠
هل هو نوع من الترف؟ أم الزهد؟ أن ينتقي اثنين من أكثر المؤلفين والمخرجين في هوليوود سلطة وحظوة، خاصة بعد فوزهما باربعة اوسكارات كان آخرها عن فيلم
No Country for Old Man
لكي يجسدا ما يجري في مخيلتهما، وما يكلف ملايين الدولارات، لتحقيق رغبة ما أو ربما مجرد نزوة سينمائية بفعل الترف أو بفضل الزهد! الترف في أن تفتح لك أبواب أكبر مصنع للسينما في العالم: هوليوود.. فتختار أن تصنع فيلما من نوع أحرق بعد القراءة الذي يندر أن تجد له مثيلا.
فلو أمتلكت الأرض الواسعة والمواد الكافية والمال الكافي لتشييد قصر كبير وأستعضت عن ذلك ببناء كوخ صغير وجميل يناسب مزاجك وبنفس مواد القصر أو بعضا منها.. اليس في ذلك نوع من الزهد؟ فبامكان ألاخوين كوين خلق فيلم مثل" سبايدر مان" او "بات مان" او "ايرون مان" أو أي من الافلام التي تنتهي بمان أو تبدأ به والتي تخصص لها ميزانيات خرافية.. ولكنهما فضلا الكوخ الصغير لأنه سيحقق شيئا عنّ في مخيلتهما!٠
ولم يكن في مخيلتهما شيئا عظيما، ولكنه مميز الى حد لا يصدق: فيلم كوميدي عن الـ
CIA
فيلم لا يتوسل الضحك: لا أحد يطلق النكات، لا أحد يصنعها أو يصطنعها! فيلم مليء بالوجوه الجادة، الصارمة والمنفلته الاعصاب في أغلب الأحيان.. يبدأ بموظفين كبار في ال
CIA
يبلغون جون مالكوفتش (المدير في قسم التحليلات هناك) بأنه مطرود من العمل بسبب ادمانه على الكحول.. ومنها تنفجر الأحداث التي وصفها الناقد ابراهيم العريس باللئيمة، وهو ادق وصف للفيلم كله، حيث تقرر زوجته التي ترتبط بعلاقة مع آخر (جورج كلوني) الطلاق منه، فتأخذ معلومات مهمة عنه من كومبيوتره الشخصي وتضعها على قرص مدمج وتسلمه لمحاميها لكلي يبدأ باجراءات الطلاق، وبمفارقة تافهة تضيع سكرتيرة المحامي القرص في مركز اللياقة البدنية الذي تتدرب فيه، يعثر عليه هناك براد بيت الشاب النزق الذي يعلك طوال الوقت وال
IPOD
لا يفارق اذنيه، فيجد فيه فرصة للاغتناء السريع، فيشترك مع زميلته الخمسينية التي تفتقر لأدنى حدود الجمال فرانسس ماكونمارد والتي تخطط لاجراء اربع عمليات تجميل تتجاوز فيها قبحها، فيبدآن في محاولة ابتزاز جون مالكوفيتش الذي يستشيط غيضا دون ان يحصلا منه على شيء، فيتفاوضان مع السفارة الروسية لبيعها، باعتبارها معلومات سرية، ولكن الحرب الباردة كانت قد انتهت، والروس ليسوا مهتمين بذلك، رغم انهم يفحصون المعلومات ويدققونها قبل ان يعلنوا رفضهم، وهنا يحقق المخرجان مجموعة من أجمل المشاهد سخرية من خلال عرض مبنى السفارة الروسية وممراتها والاجواء التي تكتنفها حيث مازالت تفوح منها رائحة الـ
KGB
ويبدو مجرد سؤال موظف السفارة لهما عن القرص المضغوط إن كان ويندوز أم ماكينتوش نكتة كبيرة تستدر ما هو أعمق من الضحك..!٠
وبعد فشلهما في ذلك يذهب براد بيت الى العنوان الموجود في القرص ويتضح بأنه عنوان عشيق زوجة مالكوفيتش، الموظف الكبير في الخزانة الامريكية جورج كلوني الذي يخون زوجته بمواعدة النساء اللواتي يتعرف عليهن من خلال الانترنت والمغرم بتصنيع الآلات الجنسية.. وبينما يختبيء براد بيت في بيته، في محاولة للحصول على أسرار أخرى، يعود كلوني الى بيته ويرديه قتيلا بعد أن يجده في مختبئا في خزانة ملابسه، من دون ان تسنح له فرصة معرفة من هو وماذا يفعل هناك ومن أرسله، فيتصاعد رهاب الغموض والاحساس بأنه مراقب من جهة ما خاصة وان سيارة تتبعه اينما يذهب. ثم لأنه تعرف على رفيقة براد بيت فرانسس ماكونمارد في احدى مغامراته، فان الأخيرة تطلب منه مساعدتها في البحث عن براد بيت المفقود منذ أكثر من يومين، وما أن تعطيه خيوط تدل عليه وهما يجلسان في حديقة عامة حتى يتصاعد رعبه فيصرخ فيها: من أنت؟ وماذا تريدين؟ ومن أرسلك؟ ونرى بعينيه بان الجميع يراقبه – وكأنه يترجم مشاعر المواطن الامريكي الذي خضع للمراقبة بعد أحداث ايلول من مختلف الأجهزة- فينفلت هاربا.. ثم يتصل بزوجته التي ذهبت برحلة للترويج لكتابها الجديد الموجه للاطفال، والتي لا ترد على مكالماته لأنها منشغلة بخيانته مع شخص آخر.. ويرتفع منسوب جنون (كلوني) عندما يصدم متعمدا سيارة الرجل الغامض الذي يراقبه وما أن يهدده حتى يعترف بانه يراقبه لصالح زوجته التي تريد الطلاق منه.. فيترك صديقته (زوجة ماكوفيتش) ويحطم الأجهزة الجنسية التي يصنعها بنفسه!
والمضحك في كل ذلك ان وكالة المخابرات الأميركية تراقب كل شيء، وتدون ذلك في تقارير تقدم للمسؤولين فيها، وتكون التوصية دائما: راقبوا كل شيء حتى تتضح الامور!
وبسبب غياب (براد بيت) أو مقتله تلجأ رفيقته فرانسس ماكونمارد الى مدير مركز التدريب البدني الذي تعمل فيه: القس السابق آلن الدا الذي أوحى بغرامه بها لأكثر من مرة لكن من دون جدوى، فيتطوع للذهاب الى بيت مالكوفيتش ليحصل لها على معلومات أستخباراتية أكثر لتبيعها الى الصينيين، وبينما هو في بيت مالكوفيتش يكتشفه الاخير ويعلن له بانه قد قضى حياته في مصارعة اناس تافهين مثله يصيبه في كتفه اول الامر، ثم يلحقه الى الشارع بساطور كبير ويهشم رأسه!
هكذا تصل الأحداث الى ذروتها، التي يكسرها المخرجان/المؤلفان بمشهد الخاتمة الذي جاء قمة في الاداء والحوار المختزل والذي يضع السي آي ايه


نواة الفيلم، حيث يقدم المدير الكبير فيها تقريره الى رئيسه الذي يبدأ بسؤاله عن موظف الخزينة (جورج كلوني) فيجيبه بانه مقبوذ عليه في المطار لأنه حاول السفر الى فنزويلا! فيرد عليه بان السفر غير ممنوع الى فنزويلا.. فليطلقوا سراحه اذن! أما عن جون مالكوفيتش فيذكر بان رجلهم المكلف بمراقبته أطلق على رأسه الرصاص بينما كان يضرب آلن الدا بالساطور في الشارع، وقد مات الأخير بينما نقل مالكوفيتش الى المستشفى وهو في غيبوبة قد لا يخرج منها.. ماذا تبقى اذن؟ نعم المرأة (فرانسس ماكونمارد) تطلب بأن تدفع لها مصاريف عمليات التجميل الأربع! يأمره بأن تدفع لها الأجور ليبقى كل شيء طي الكتمان..
ثم :٠
- يا الهي.. مالذي تعلمناه من هذه التجربة؟
- لا أعرف سيدي..
- وأنا لا أعرف أيضا!
ثم وكأنه يواسي نفسه:٠
- أعتقد تعلمنا بأن لانفعل ذلك مرة أخرى.. أذا عرفت بما فعلناه أصلا!٠
- نعم سيدي.. يبدو من الصعب قول ذلك!
- يا الهي.. اللعنة!
يغلق الملف فتنسحب الكاميرا الى الاعلى ونرى العالم وكانه كله مراقب من الفضاء بأحدث التقنيات!
هكذا يتم حرق الملفات حال قراءتها كما تشير أقدم الطرق المخابراتية أو وسائل المحافظة على السرية.. ولكن ليس بالامكان طبعا حرق هذا الفيلم/ الكوخ الصغير الذي شيده الأخوين كوين بمواد تكفي لقصر لأن أحرق بعد المشاهدة الذي صنع بزهد (ألأخوين كوين) الخاص، زهد هوليوودي لا يكلف غير ملايين من الدولارات! ٠

جلال نعيم: سيناريست وناقد عراقي مقيم في لوس أنجيليس٠


بغداد- باريس: سيرة شاعر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صلاح سرميني


السينما العربية مُتقوقعةٌ على ذاتها بموضوعاتها، وجغرافيّتها. هذا كلامٌ خطيرٌ، ومُثيرٌ للجدل٠
منذ بداياتها، وحتى اليوم، لم نشاهد فيلماً روائياً، أو تسجيلياً، قصيراً، أو طويلاً (ماعدا القليل جداً منها) يتخطى حدود الهموم الشخصية ـ المُغرقة في ذاتيّتها أحياناً ـ أو العامّة، وجغرافية بلد الإنتاج، وكي أُطمئن المُعترضين، أؤكد بأنه أمرٌ تشترك فيه سينمات وطنية كثيرة لا يهمّها ماذا يحدث خارج حدودها، على العكس تماماً من أخرى (وطنيةٌ أيضاً) ثقيلة التاريخ، والإنتاج، مثل فرنسا التي تعتبر الكون كلّه تيماتٍ مُمكنة لمُنتجاتها السينمائية، والتلفزيونية، ولهذا، سوف نجد بأنّ الأفلام الأجنبية التي تطرقت لقضايانا المصيرية أكثر عدداً مما صوّرته السينمات العربية مُجتمعةً، وما التقطته كاميرات العالم عن العراق يتحلّى بالتعددية السياسية، والفكرية، ويفوق كماً، ونوعاً ما أنتجه السينمائيّون العراقيون أنفسهم٠

٠"بغداد ـ باريس، سيرة شاعر" فيلم تسجيليّ فرنسيٌّ (54.40 دقيقة) من إنتاج 2008 وإخراج الفرنسية إيمانويل لاغرانج ، واحدٌ من تلك الأفلام الكثيرة التي اهتمّت بالآخر، بدون الاتفاق، أو التعارضَ معه، ولكن، فقط، بهدف إثارة الجدل حوله، ومحاولة إيجاد أرضية تفاهم مشتركة٠
اللقطة الافتتاحية للفيلم قريبةُ بما يكفي، أصابعٌ تسحب محفظةً، ومن ثمّ صندوقاً حديدياً، بدايةً، فكرتُ بأنّ الشخصية الرئيسية للفيلم، الشاعر العراقي صلاح الحمداني، سوف يفتحهما، ينبشهما، ويستعيد ذكرياته من خلالهما٠

لم يكن الأمر كذلك، ما شجعني على الاستمرار بالمُشاهدة باطمئنان، إذّ حالما أخرجت تلك الأصابع كتباً كثيرة كتبها الحمداني خلال فترة منفاه الثلاثينيّة٠

بدأ الفيلم بصمتٍ، لازمةٌ شعريةٌ بامتياز، ماعدا بعض مُؤثراتٍ مُتوارية في شريط الصوت، وصدى موسيقى مخنوقة يتعالى تدريجياً، ويختلط مع صرير عجلاتٍ حديدية، وتتداخل صور الكتب التي تُراكمها الأصابع واحداً بعد الآخر مع أطيافٍ سريعة لاختراق قطارٍ للصورة، حالما تنتقل المخرجة من اللقطات الكبيرة إلى واحدةٍ عامة، أسلاكٌ كهربائية، وقضبانٌ مُتشعبة، قطارٌ يزحف نحو وكره، ثعبانٌ حديديّ رصاصيّ اللون، رمز الحركة، الزمن المُنقضي/أو القادم، كما السفر، الغياب، والعودة٠

Gare du Nord
محطة الشمال في باريس، وخارجها، تتباهى الشوارع بأشجارٍ مُصطفة على الجانبيّن مُزينة بمصابيح كهربائية مُلونة.
في تلك اللحظة بالذات، يُشير التعليق (بصوت المُخرجة) إلى الفترة الزمنية للتصوير، السبت 30 من شهر ديسمبر2006، اليوم السابق للاحتفالات برأس السنة الميلادية، والتي تزامنت وقتذاك مع حلول عيد الأضحى٠
خطةٌ دراميةٌ مدروسةٌ لإظهار التناقض الفظيع بين طقوسٍ اجتماعية/جماعية، وحالةً من الوحدة الإبداعية، التيمة الغالبة على الفيلم٠
كان ذاك التاريخ، حداً فاصلاً بين عامٍ، وآخر، هناك من يرغب بأن يمضي بأسرع وقتٍ، وآخرون يتشبثون بأعمارهم الماضية، يتأرجح الزمن ما بين عاميّن، كما الكاميرا التي تلتقط شذراتٍ من مكانيّن، وزمنيّن مختلفين، يتصارعان بحبٍّ، وجفاءٍ في العالم الداخلي، والخارجي لـالحمداني: الوطن، وبلد الإقامة/المنفى، ماضياً، وحاضراً(يبدو لي بأن الفيلم تفادى المُستقبل)٠
تراكم الكتب في لقطةٍ واحدة كبيرة، حتى وإن انسابت إلى الفيلم بدون قصدٍ، هي وسيلةٌ جماليةُ إستعارية تُشير ضمنياً إلى انقضاء السنوات الماضية، مفردةٌ سينمائيةٌ استخدمها السابقون زمن السينما الصامتة بطريقةٍ مختلفة، ومازلنا نشاهدها من وقتٍ إلى آخر في هذا الفيلم، أو ذاك : المزج بين لقطاتٍ مُتعاقبة، وأصابع تُراكم الكتب واحداً بعد الآخر.
أعرف بأن صلاح الحمداني باريسيٌ منذ أن وطأت قدماه أرض الغربة، وأكثر من ذلك، يسكن بعيداً عن "محطة الشمال"، وهذا يعني، بأنّ المخرجة تعمّدت تتابعاً درامياً مدروساً منذ لحظات كتابة السيناريو، أو خلال التصوير، وتخيّرت بأن تُراكم مفرداتها بطريقةٍ سردية شعرية، وتبدأ رحلتها اليومية مع صلاح الحمداني في فترةٍ فاصلة ما بين عاميّن.
ولكن، حالما نعرف بأننا فعلاً أمام تاريخٍ حاسمٍ، ومفصليّ، هو اليوم الذي أُعدم فيه الرئيس العراقي السابق "صدام حسين" شنقاً، ويبدو بأن المخرجة اختارت كلّ عناصر فيلمها بعناية، حتى ذاك التعليق بصوتها الذي تتحدث فيه عن حدث الساعة، وكأنّ المتفرج يعرف صلاح الحمداني مُسبقاً، وهي بدايةٌ غير تقليدية للكشف عن عوالمه٠
اختارت المخرجة التواري خلف الكاميرا التي وصلت إلى المحطة، ومن ثم تجوّلت في باريس، ومع لقطاتها البانورامية للمحلات المُصطفة على جانبيّ الشوارع، بدأت تُمهدّ للشخصية المُحورية، ومازالت اللقطات تتمازج مع أصابعه يكتب أشعاراً، مُوحيةً بأنها تريد أن تتعرّف/أو نتعرّف على صلاح الحمداني الشاعر أولاً، والمنفيّ المُعارض للنظام العراقي السابق ثانياً.
هي تحكي عنه بطريقةٍ حميمة، وكأنه قريبٌ جداً منها، تنطق اسمه الأول "صلاح"، وتتوقف عنده بعض الثواني قبل أن تُكمل حكايته
ـ يعيش في باريس منذ 32 عاماً (حتى تاريخ التصوير في عام 2006) لاجئٌ سياسيّ، ....
ومازالت لقطاتها كبيرةٌ تتمازج فيها أصابع الشاعر تكتب بالعربية، والفرنسية، تختلط بصورٍ ضبابية لشارعٍ بغداديّ تصطفّ على جانبيه نخلاتٌ عاليات٠

لقد تخيّرت درامياً أسلوب الرحلة، الانتقال من مكانٍ إلى آخر من أجل اللقاء معه، وهو الذي سوف ينقلنا لاحقاً إلى بغداد، فتختلط الرحلة الرمزية للمُخرجة مع تلك الحقيقية التي عاشها الحمداني في عام 2004، وصوّر لقطاتٍ منها سوف تتوازى مع الرحلة الباريسية في فتراتٍ مُتقطعة من المدة الزمنية للفيلم، وتتمازج معها أحياناً.
تتجوّل كاميرا المخرجة في شوارع باريس المُنتظرة للعام الجديد، يُرافقها نُواح موسيقى، والسيناريو يُؤجل ظهور الحمداني، ويُمهدّ له بلقطاتٍ قريبة جداً لوجهه، وبالكاد نرى عينيّه الساكنتيّن، كان علينا الانتظار قليلاً كي نسمع أخيراً صوته مصحوباً بدندنةٍ خفيفة على العود، صياغةٌ سينمائيةٌ تقترب من الحكاية، وتبتعد عنها في مراتٍ أخرى لصالح الجانب الريبورتاجي في الفيلم٠
المخرجة في رحلة بحثٍ رمزية (نعرف بأنّ تحضيراتٍ دقيقة سبقت التصوير) عن صلاح الحمداني الذي يُقاوم حيازة هاتفٍ محمول (بالإمكان تحويل فكرة البحث إلى فيلم قائماً بذاته)، ويقدمه المونتاج قطعةً، قطعة في لقطاتٍ قريبة جداً٠
في البداية، فكرتُ بأنّ الصدفة وحدها (والسينما تكتشف لغتها، وتُجددها من خلال الصدف الجمالية)، وربما الرغبة هي التي جعلت المخرجة تختار بأن نتعرف على صلاح الحمداني في أحد صالونات الحلاقة يقصّ شعره، ولكن، بالإصغاء إلى أشعاره التي نسمعها صوتياً، فهمت بأنها كانت ركيزةً جوهريةً للأسلوب الجماليّ الذي تخيّرته، والذي قادها إلى نظم نصف قصيدة (النصف الآخر ريبورتاجيٌ تماماً) تكشفت من خلال الطريقة المونتاجية في تقديمها له : أصابعه، فمه، خصلات شعره المقصوصة،...٠
اكثر من ثلاثة دقائق من الفيلم انتظاراً للتعرّف على الشخصية الرئيسية، عيناه المُكتئبتان حزينتان حدّ البكاء٠
هاهي الكاميرا أخيراً تتابع الحمداني في جولةٍ إسترجاعية يحكي عن الماضي، وهي بالأحرى تتابعه من الخلف، ومن الجانب، ويبدو بأنها تُحاذر إظهار الحزن الغارق ألماً في عينيّه.
وسوف يكون المترو الباريسي لازمةً بصريةً/صوتية يحتفي بها السرد الفيلميّ من وقتٍ إلى آخر، وظلال المارة مثل أشباحٍ فوق جسرٍ، يختفون، ويظهرون في حركةٍ سريعة، لقطةٌ شعريةٌ فاصلة ما بين عالميّن، وأسلوبيّن في الكتابة السينمائية
ـ الأماكن الخارجية تتوافق مع الأسلوب السينمائيّ الشعريّ٠
ـ الأماكن الداخلية في منزل صلاح الحمداني، ومكتبة المستشفى حيث يعمل، والحوارات المُباشرة مع الكاميرا/المخرجة تتوافق مع الأسلوب الريبورتاجيّ ٠
ومع ذلك، من المُفيد الإصغاء إلى ما يقوله المنفيّ الذي أصبح شاعراً
ـ ...كان الهمّ الأكبر، بالنسبة لي، كيف أترك بغداد، وعندما وصلت إلى باريس، أصبح شاغلي الأساسيّ كيف أعود إليها٠
في عام 2004 عاد الشاعر إلى بغداد في زيارةٍ قصيرة، صوّر مقتطفاتٍ منها بكاميرا فيديو رقمية، استخدمت المخرجة بعضها بحذقٍ، وقدمتها في موعدها المونتاجيّ المُناسب تماماً.
تُطعمّ فيلمها بتلك اللقطات المُوجعة المأخوذة في حارةٍ بغدادية شعبية قديمة (تشبه كثيراً الحارات الدمشقية)، وفيها نرى صلاح الحمداني مُحاطاً بأناسٍ يتحركون، ويؤشرون للكاميرا بأصابعهم، وهو في حالة ابتهاجٍ، وفرح، يبتسم، ويضحك.
اللقطات جيدة تقنياً، تقدمها المخرجة بما تحويه من أصواتٍ طافحة بمُؤثرات الحارة، والأحاديث المُختلطة، والصراخ، على العكس تماماً من اللقطات التي صوّرتها المخرجة في شوارع باريس، وهي غالباً مُنتقاة، ومُصفاةٌ من مؤثراتها الصوتية بما يُناسب النفسَ الشعريّ للفيلم
يتجسّد في الفيلم إذاً عالميّن على مستوى الزمان، والمكان
ـ باريس، المنفى، الوحدة، السكون، اللقطات القريبة جداً، الصورة المُتشظيّة للشخصية الرئيسية، الحدّ الأدنى من الأصوات المُحاذية لحدود الصمت، والموسيقى المُتوارية في الصورة٠
ـ بغداد، الوطن، الحارة الشعبية، الجماعة، العائلة، اللقطات العامة، الضجيج، صدى ترديد القرآن من مذياع، الحوارات المُتشعبة، الابتسامات، الضحكات، القبلات، الأحضان، لحظات الالتباس بعد 30 عاماً من الغياب، وبراءة الأطفال الفضولييّن بطلباتهم المعهودة في لحظات تصويرٍ مُماثلة : صوّرنا عمّو ... صوّر، صوّر...٠
ومن المُفيد أيضاً الإشارة إلى أفراد العائلة، وهم يتوجهون بابتساماتهم، وضحكاتهم، وتعليقاتهم، إلى الكاميرا، وكأنها الحمداني نفسه٠
ـ شلونكم، آني أحبكُم، آني "مائدة" عمتكم، أتمنى أشوفكم، مشتاقتلكم هواية، "صلّوحي" هلا، آني أموت عليكم...
صلاح الحمداني في لقطاته التي صوّرها في بغداد، يختلف تماماً عن "صلاح الحمداني الذي نشاهده في باريس، حيث تخيّرت المخرجة زوايا مُحددة تُظهره إما خيالاً في مرآةٍ كبيرة في مقهى، أطيافاً شبحية في منزله، أو قطعةً، قطعة، وكأنها تجمع أجزاءه المُبعثرة في منفاه.
وكم كنت أتمنى بأن يحافظ الفيلم على سينمائيّته، ونفًسَه الشعريّ، ويُقلص ما أُمكن من أسلوبه الريبورتاجيّ، وخاصةً تلك التي يتحدث فيها صلاح الحمداني بشكلٍ مباشر إلى المخرجة/الكاميرا(وصلت المدة الزمنية لتلك اللقاءات إلى حوالي 29 من أصل 55 دقيقة)٠
بدونها، أتخيّل الفيلم قصيدةً سينمائيةً تتسامى مع أشعار الحمداني التي يُلقيها بصوته المسرحيّ الخشن (مثلّ صلاح الحمداني في السينما، والمسرح) المصحوب بأنين نغمات آلة موسيقية شجيّة٠
تكشف الكاميرا أرجاء منزله في لقطاتٍ متوسطة متتالية، وتتفادى استخدام الحركات البانورامية، شغوفةٌ بالمكان، والسكون، واللوحات، والصور المُعلقة على الحوائط، وهي عندما تدرك بأنها منتشية بصوته، وهو يلقي أشعاره، تقدمه في أطيافٍ شبحية، يروح، ويجئ من غرفةٍ إلى أخرى، ولكنها لا تستمر، وتقطع ذروة الانتشاء حين تعود إليه في لقطةٍ متوسطة هي جزءٌ من مشهدٍ تمّ تقطيعه، وتوزيعه على طول المدة الزمنية للفيلم٠
ولحسن الحظ، لا تتمهل كثيراً عنده، وتعود مرةً أخرى إلى الجانب الشعريّ في الصورة، والصوت، ودائماً في لقطاتٍ كبيرة تجمع شتات الجسد، والروح، وربما تكون تلك اللقطات التي تتداخل فيها أشعار الحمداني بالفرنسية، والعربية من أجمل لحظات الفيلم، وهي تُمهد الطريق نحو مكانٍ آخر ٠
وعلى الرغم من الجمال، البهاء، والصفاء الذي تتباهى به مقبرة
Père-Lachaise
، إلاّ أنها، بالمُقابل، لا تخفي جانباً سوداوياً، مُوحشاً، ومُقبضا، وتُضفي على الفيلم إحساساً طاغياً بالموت، لم ينفع معه المنفى هروباً، ولا الشعر مُنقذاً من نهايةٍ مُؤجلة، ولكنها حتميّةصلاح الحمداني في لقطةٍ متوسطة أمام قبر المخرج المسرحيّ "فيكتور غارسيا" يتحدث عن ذكرياته معه، وتمثيله لدور "أنكيدو" في "ملحمة جلجامش" التي عُرضت على مسرح شايو" عام 1979٠
هنا، وعلى الرغم من الأهمية المعلوماتيّة القصوى، تشدّ المخرجة أسلوبها إلى الجانب الريبورتاجي، وهي لم تنتبه/أو انتبهت إلى ظهور الميكرفون في طرف بدلته، وأكثر من ذلك، عندما تؤكد حضورها الصحفي خلف الكاميرا، وتُوجه له أسئلةً عابرةً كنت أتمنى تفاديها مونتاجياً، واستبدالها باختياراتٍ سينمائية تتوافق مع عظمة المكان جمالاً، وقدسية، في تلك اللقطة بالذات، تقترب الكاميرا من وجه الحمداني أكثر بدون تغييّر زاويتها، فنشعر بحركتها، وتُعيدنا قسراً إلى الحالة الريبورتاجية
ولكنها، حالما تعود إلى أسلوبها الشعريّ، وخصوبة الحياة مطراً في لقطاتٍ قريبة جداً, ودندنة خجولة لآلةٍ موسيقية، ومتابعة بانورامية جانبية/ومن الخلف للشخصية الرئيسية، بينما يُعيدنا شريط الصوت إلى الماضي من خلال خبر إذاعي، وبالتحديد شهر أبريل من عام 2003 يُذكرنا بحادثة اعتداءٍ جسديّ تعرّض لها صلاح الحمداني من طرف مجموعةٍ متظاهرين احتجاجاً على غزو العراق
وكي لا يختلط الأمر على القارئ، والمُتفرج، يشرح الحمداني موقفه:
ـ إنني ضدّ الاعتداء على العراق من طرف القوات الأمريكية، والانكليزية، ولكنني، بالمُقابل، ضدّ "صدام حسين"....
وفي ختام تلك اللقطات التوثيقيّة المُستعارة من برنامجٍ تلفزيونيّ، تُعيدنا المخرجة إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية، وكان بإمكانها تفادي ذلك التأرجح بالاستغناء مونتاجياً عن الأسئلة التي طرحتها مباشرةً على صلاح الحمداني:
ـ حسناً، كان ذلك في عام 2003، ما هو شعورك، وأنت تشاهد هذه الصور من جديد ؟
ستّ دقائق تقريباً، وهي أطول فترةٍ زمنية تراخت فيها الكاميرا أمامه، وتركته يتحدث عن تلك الحادثة.
منذ مشهد المقبرة، أصبحت المخرجة مُغرمة بطرح أسئلة أكثر مباشرة، وضوحاً، وتقريرية.
وبعودتها إلى الحمداني في شوارع باريس، تمنح الإيحاء باختلاط الأزمنة، والأمكنة، وكأنه يرى شوارع بغداد من منفاه من خلال مونتاج متوازي هي من أكثر اللقطات توافقاً مع الحالة المُنشطرة التي يعيشها الحمداني
في تلك اللحظات، تنحو الموسيقى في اتجاهٍ آخر أكثر اقتراباً من التراث الموسيقيّ العراقي الشعبي، حيث ضربات طبلة في إيقاعٍ متكررٍ رتيب


وحدها السينما، وعن طريق المونتاج، التحام اللقطات، تعارضها، تصادمها، أو توافقها،.. تمتلك القدرة الإبداعية على الإيحاء بتباعد، وتقارب الأمكنة، والأزمنة من بعضها حتى التمازج، وأعتقد بأن كلّ منفيّ، أو مهاجر يعيش هذا الانصهار الذهنيّ الدائم بين الوطن، والمنفى، أو بلد الهجرة٠
اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد، أو على الأقلّ، تلك التي اختارتها المخرجة لتطعيم فيلمها، هي لقطاتٌ حانيةٌ، حنينيةٌ، صادقةٌ، ومُوجعةٌ.
وبين قوسين، أشير بأنّ معظم التحقيقات التلفزيونية التي رافقت بعض العراقيين العائدين إلى الوطن بعد الغزو (التحرير)، امتلكت جانباً فضولياً منحرفاً (البصبصة): بكاءٌ، نحيبٌ، عويلٌ، وضياع،..٠
وطفحت بعض الأفلام التسجيلية بالتكلف، والزيف: تقبيل الأرض، يعقبها مباشرةً نظرةً سياحيةً مُتعالية، وكأنّ المخرج العائد يردد في داخله: "الحمد لله لأنني أعيش في بلدٍ أجنبيّ، كم أنا محظوظ،....
ونبشت أفلامٌ أخرى الماضي المُتمثل بالنظام السابق(ديكتاتورية، إعدامات، مذابح، سجون، معتقلات، أنفال، قطع آذان،...)، واجترّت كلّ مفردات التحقير، والذمّ المُتداولة، واصطنعت بطولاتٍ وهمية إلى درجةٍ فاقعة، وصلت أحياناً إلى حدّ الكذب العلنيّ (في أحد التحقيقات التلفزيونية الفرنسية، عثر أحدهم على ملفه الأمنيّ وسط مكانٍ مدمرّ كان ـ على حدّ قوله ـ مقراً للمُخابرات، أو الأمن، سجناً، أو معتقلاً) ٠
يا الله...٠
وأظهرت بعضها الجنود الأمريكان المُخلّصين مصحوبين بعراقيين، يتجولون بعشقٍ، ورعونة في شوارع بغداد، أو يجولون في سياراتهم المُصفحة، ودباباتهم، ويبتسمون للكاميرا، أو على أكثر تقديرٍ، يطلبون رخصة التصوير، فيحتدّ المخرج مُعترضاً ـ أليسَ بطلاً ـ ويستلّ سيفه من غمده، أقصد جواز سفره الأجنبيّ، ويرطن بإنكليزيةٍ تشوبها لكنةٌ عراقيةٌ واضحة لم تمحيها باريس، لندن، برلين، مدريد، أو كوبنهاغن،..٠
I am a European citizen, you do not have the right to prevent me from filming in my own country
أنا مواطنٌ أوروبيّ، ليس لك الحقّ بمنعي من التصوير في بلدي٠
وعلى طريقة المخرج الفلسطيني إيليا سليمان، أتخيّل إجابة الجندي الأمريكي : طزّ فيك٠
والحقيقة التي لا تقبل المُجاملة، لم أجد في لقطات صلاح الحمداني ، وفيلم إيمانويل لاغرانج أيّ نزعةٍ من تلك "البطولات الملحمية"، حيث أظهرت الجانب الإنسانيّ منه، وحالات الافتخار، والانكسار، إنه منفيٌّ مناهضٌ للنظام السابق، قاوم الديكتاتورية شعراً، ويتحلى بالصلابة مثل: أنكيدو، غارسيا، كامو، وسيزيف،....٠
ولولا علاقتي القديمة بـصلاح الحمداني منذ منتصف الثمانينيّات، ومعرفتي بسلوكه المُختلف تماماً عن بعض رافعي راية معارضة النظام السابق، والذين تاجروا بها حتى العظم، والخيانة، لما صدقته أبداً
كان اختيار المخرجة لبعض اللقطات التي صوّرها الحمداني في بغداد دقيقاً، لم تجنح إلى إظهار الحالة الميلودرامية في رحلته، ماعدا لقطةً واحدةً مُؤلمة تلك التي جمعت الحمداني مع أحد أصدقاء الطفولة، ويبدو بأنه لم يتعرّف عليه بعد، فيجرّه الحمداني، ويحتضنه، عندها يتفطنّ الصديق، ويضرب بكفه على صدغه، وتنفرط دموع الاثنين بكاءً رجولياً، خجولاً، وبدوري، لم أستطع التحكم بمشاعري (وأنا المُدمن أفلاماً هندية)٠
تكشف اللقطات الأخرى المُتبقية جانباً إنسانياً فريداً، تُوحي للمتفرج بأن صلاح الحمداني لم يغبّ عن عائلته يوماً واحداً، وخاصةً تلك التي جمعته بأمّه المُثقلة بملابسها السوداء، ونظارتيّها الكبيرتيّن، صامتةٌ، هادئةٌ، صلبة، جبارة،.. ورُبما كانت رغبة الحمداني، و/أو المخرجة الابتعاد ما أُمكن عن البكاء، والعويل المُتوقع في لقاءاتٍ مُماثلة بعد غيابٍ طويل٠
بدوري، وفي حالة اللقاء مع شخصيةٍ ما في فيلمٍ تسجيلي، أميل إلى الصوت من خارج الصورة، وهو ما حدث في المشهد الذي يدور في فناء المستشفى حيث يعمل الحمداني أميناً لمكتبته، وحسنا فعلت المخرجة بـ"تحريره" من الأماكن الداخلية، ولكنها للأسف، حالما تركته يتحدث إلى الكاميرا مباشرةً كي تعود من جديدٍ إلى أسلوب التحقيقات التلفزيونية
وفجأةً، تبيّن لها جماليات المكان، فعادت لتصويره يهيم في فناء المستشفى، طيفاً في حركةٍ بطيئة، يصحبه صدى فحيح بعيد، وهو الأمر الذي نسيت أن تفعله في المقبرة٠
ومن المُؤسف أيضاً بأنها أدخلته إلى المكتبة، وعادت إلى دور الصحفية تُوجه له الأسئلة من جديد، كي تُرافقه فيما بعد إلى شارع
Faubourg Saint Denis
في الدائرة العاشرة، وبالتحديد إلى ممرّ
Brady
في تلك اللحظة، توقعتُ مباشرةً، وأنا المُهاجر مثله، والعاشق للأحياء الهندية، بأنه سوف يتحدث عن رائحة التوابل، ولكن، ....بأسلوبٍ ريبورتاجي (ماذا أفعل بك يا إيمانويل ؟)٠
ومن ثم تعود إلى المزج مابين لقطاتٍ صُورت في بغداد، وأخرى في باريس تتوافق بشكلٍ ما مع ذاك الشارع، وممراته، الأمّ حاضرةٌ فيها صورةً، صمتاً، وشعراً، حباً، احتراماً، وتبجيلاً، والأبّ غائب
مركبٌ سياحيّ يتهادى في نهر السين، يلتقي بقارب صيادٍ عراقيّ يرمي شبكته، ينهل من خيرات دجلة، المترو الباريسي يتسابق مع السيارات المُنهكة في شوارع بغداد
بالوصول إلى أعالي هضبة
Montmartre
حيث كنيسة "القلب المقدس"، بدأتُ أشعر بنوعٍ من التحفظ إزاء اختيارات أماكن التصوير، حيث، وبشكلٍ عام، لا أجد ضرورةً قصوى بأن يمسح الفيلم جغرافياً كلّ الأماكن التي تحبها، أو ترتادها الشخصية الرئيسية، إلاّ إذا كانت تتضمّن قدراً كبيراً من الأهمية في علاقتها بتيمة الفيلم، كحال المقبرة، المستشفى، أو مقهى الحيّ،...حتى وإن التقطت الكاميرا هناك بعض اللقطات الجميلة، والتي جعلها المونتاج تتناغم بشعرية: طيورٌ، ملاهي الأطفال الدائرية، مياه إحدى القنوات، لقطةٌ كبيرةٌ لعينيّ الحمداني،....٠
وكم تمنيتُ حقاً بأن ينتهي الفيلم عند تلك اللقطة المُتوسطة، وفيها يتنزه الحمداني (بطلبٍ من المخرجة طبعاً) في مركبٍ يعبر إحدى القنوات المائية، يتقدم نحو نفقٍ حتى تتحول الصورة تدريجياً إلى شاشةٍ سوداء، ولكن، بعد تلك اللقطة الدالة، السوداوية ـ رُبما ـ، الشعرية بامتياز، تعود المخرجة مرةً أخرى إلى الحوار المُباشر مع الحمداني، ومن ثم إلى شوارع باريس، وتنطلق تلك التيمة الموسيقية التي يغلب عليها ضربات الطبلة تغازل ترنيمات العود٠
ولكن، أخيراً، تحقق جزئياً ما كنت أتخيله، فقد أنهت المخرجة فيلمها (بغداد ـ باريس، سيرة شاعر) بمرور سيارة عابرة يُحدث إظلاماً مُفاجئاً للصورة.
هل انتهت سيرة شاعر ؟
لا، أبداً، إنها بدأت للتوّ، منذ اللحظة التي سوف يبحث القارئ عن الفيلم لمشاهدته....

صلاح سرميني: ناقد سينمائي يعمل ويعيش في باريس٠



Puplic Enemeis | أعداء الشعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوڤيك حبشيان



رجل العصابات الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية الأكثر شهرةً في الولايات المتحدة ابان الأزمة الاقتصادية الأبرز في تاريخ تلك البلاد، ما إن يدخل الى السجن، في افتتاحية فيلم مايكل مان الأحدث عهداً، حتى يخرج منه مصحوباً بالأسلحة وأزلام الظلّ والذخيرة، ضامناً الاستمرار و"النضال". بين الدخول والخروج هذين، حفنة لقطات قصيرة متعبة وبضع دقائق فاصلة وحاسمة، كان يمكن مخرجها مان، وهو سيد من أسياد التجريب في هوليوود، أن يستعرض خلالها "الطاقة" الاخراجية التي صنعته خلاقاً قادراً على تشكيل مناخات اقوى، من اجساد تتهاوى الى تشابك وتبادل رصاص على طريقة الباليه. لكن مان يفضل، على هذه الاسلوبية، ادارة العملية بيد فاعلة ومقتصدة: بضع طلقات نارية وعراكات بالأيدي، ثم يصبح جون ديلينجر (جوني ديب) حراً طليقاً مجدداً، وينطلق الفيلم الحادي عشر لسينمائي لا يقارَن مع ايٍّ من الذين تركوا بصمات في سينما الجريمة. السبب في ذلك انه صاحب اصالة، من الجنريك الى الجنريك. في خياراته التقطيعية ونقلاته المستمرة بين الداخل المتوتر والخارج الهادئ، تذكّرنا هذه الافتتاحية بملفيل في افضل انجازاته: جدار عال يشطر السماء اثنتين، رماديات واخضرارات باهتة تلون الصورة، أجساد فيها حضور وعزم تكسر الكادر منذ اللحظة الاولى. والآتي لا شك أعظم

ما أن يصبح دلنجر (1903-1934) في ذمة الجريمة المنظّمة من جديد، حتى حتى تنبعث فيه الحياة، سرقة ونهباً والتهاماً لأموال المصارف التي يختارها من بين أقلها لطفاً مع الزبائن. هنا أيضاً، لا نحتاج الى أكثر من مشهد - دليل لنتدارك سهولة الأمر بالنسبة الى أفراد عصابة سرعان ما يتحولون الى أعداء الشعب. ولئن ليس من حكاية عند مان تكتمل من دون ان يكون لها وجهان أو طرفان، الخارج على القانون ومَن يعمل على تطبيقه، فإن الشريط يأخذنا من مطاردة الى أخرى، تنتهي فصولها المختلفة أمام صالة سينما. كنا نعلم أن عمل مان يتشكل من هذا المكوث التأملي على الخط الرفيع الفاصل بين الخير والشرّ، وهنا حلقة مستجدة من صراع القط والفأر اللذين يتطلع الواحد في عين الثاني، قبل أن تأخذهما جولة جديدة من المطاردة. فالاضداد عند مان لا يكره بعضهم بعضاً بل يتبادلون احاسيس الودّ الباطنية وغير المعلنة٠
ديلينجر هذا، أقله في جانبه المعروض هنا، لا يختلف عن سائر المخربين في سيرة افلام العصابات الهوليوودية. بيد أننا نراه مرغماً، لسبب من الأسباب، على التذكير دائماً بأنه "ليس كسائر الرجال"، وخصوصاً عندما يكون في صحبة فتاة متواضعة الأصل (ماريون كوتيار) ينقضّ عليها بطريقة فحلوية منذ نصف الساعة الاول من الفيلم، موجداً حلاً سريعاً لأزمتيه البيولوجية والعاطفية (قبل ذلك كان يعاشر العاهرات) كأنما يضرب عصفورين بحجر واحد. ( واذا كان على قدر عال من الذكورية في اختيار اسلحة الاغراء، فذلك يتأتى أيضاً من تورط مان في هذه الذكورية المفرطة التي تُحسب نقطة سوداء على سينماه منذ بدايتها، وهي منعته دائماً، لكن بدرجات متفاوتة (هنا الهنة الوحيدة)، من ان يجيد بلورة الشخصيات النسائية والذهاب بها الى ابعد من جعلها مجرد اكسسوار


خلافاً لرجال عصابات آخرين من اصحاب العقول النيرة، لا يملك ديلينجر مخططاً. وهو، كما يقول لصديقته في لحظة دفاع عن خياراته المخبولة، "كثير الانشغال بالحاضر كي يفكر في المستقبل". هذا الكلام وهذه الباطنية التي عند الشخصية، كان لا بدّ أن يُترجما بشكل من الاشكال. ولئن كانت سينما مان هي ايضاً سينما تعتمد على المساحة المعطاة الى الممثل وادائه، فإن خيار جوني ديب يبدو هنا خياراً صحيحاً لأنه يترجم هذه الحيرة التي لا يرتاح اليها لا المشاهد ولا المخرج، لأننا سنظل، طوال ساعتي الفيلم، نجهل ماذا يدور في عقل هذا المشاغب، ولا نعرف حتى النهاية ما اذا كان على قدر من الذكاء أم السذاجة! أما أسوأ ما يملكه فهو عندما يحاول مغازلة صديقته واقناعها بأنه "مخلصها" المنتظر وبأنها لن تعود مجدداً الى مزاولة مهنة متواضعة في احد الفنادق. فهل يحاول بذلك اطالة حبل الكذب أم هو لا يدرك اصلاً ان ما يقوله كذب؟ لا النصّ ولا عينا جوني ديب، الذابلتان في تلك اللحظة، يفصحان الكثير عن هذا السرّ، سرّ شخصيةٍ صوفُها أحمر منذ البداية، لكن مان يحمل ديلينجر واثمه على الراحات، لسبب واضح وصريح هو ميله الفطري الى الخارجين على القانون والعدالة، ولزادهم التراجيدي الرومنطيقي الأخاذ (جيسي جيمس نموذجاً) المتبلور على الشاشة، لقطة خلف لقطة
يصوّر مان مشاهد الحبّ كمشاهد صراع، ومشاهد الصراع كمشاهد حب. واذا هتف قلب مخرجنا الكبير الى هذا البطل بالذات الذي اهتزت العروش من أجله في الثلاثينات الأميركية، فذلك لأنه ينتمي الى طينة أخرى من الابطال الذين كان لديهم يد طولى في صناعة التاريخ الأميركي المعاصر، وليسوا مجرد وصوليين منهمكين في سرقة ما يوفر لهم عيشاً هانئاً. أمثال ديلينجر يدركون تماماً ان كل خطوة لهم هي خطوة في اتجاه الأخرى لكن هذه المعرفة لا تغير شيئاً في سلوكهم.
تفصيل آخر ذو شأن قد يكون حثّ مان على الانكباب على الشخصية: كان ديلينجر هو الذي ساهم في تطوير الشرطة الأميركية. ومن أجله أبتكر ما بات يعرف اليوم بالشرطة الفيديرالية (أف بي أي). ويقال إن ديلينجر هو أول من لجأ الى خطف رهائن خلال عملية سطو على مصرف. وكان بذلك كله "مدرسة" لمشاغبي العقود التالية

يدور النصّ حول زوايا الشخصية، مسلطاً الضوء على سحرها وذكائها، ممتنعاً عن قول الكثير في شأنها (اعجابه بجيسي جيمس مثلاً)، مما يتيح لمان الفرصة كي يظهر صراعات كبيرة داخل صراعات أصغر لكنها تبدو كبيرة، اذ يتبدى فجأةً مدى تضعضع النظام البوليسي وارتباطه بالسياسة والمصالح العليا، وهشاشة رجال الشرطة وعدم كفايتهم. ويحرص النصّ دائماً على كسر هيبتهم وتحويلهم زمرة من الفاشلين. وأن يصرّ مخرجٌ على تبيان أن لا فرق كبيراً بين الطرفين، وأن الخير والشر صنيعة ظروف، فهذا ليس بخطاب جديد (العودة الى "رجل عصابات أميركي" لريدلي سكوت)، لكن مان يفعل ذلك على طريقته الخاصة جداً، بعيداً من الشعبوية وقيم المحافظين، فتتدخل الصورة الفيديوية، بفظاظتها أحياناً، لمزيد من الابهام والتغبيش والمساواة بين الأطراف المتخاصمين. الصورة الفيديوية البالغة أحياناً حدّ الرداءة (نكاد نرى البيكسيل) هي ضباب مخيم على هذا الفيلم

يضع مان عالمين أحدهما في مواجهة الآخر: الكلاسيكية الهوليوودية الملابس، الديكور، الأفكار، الموسيقى، نصف التصوير) في ( مقابل الحداثة الرقمية المتمثلة في الاستعانة بالفيديو. هذا الفيديو الذي عرف مان كيف يدفعه الى ذروته التشكيلية منذ استخدمه في "علي" (2001)، يمنح الحقبة المستخعادة إطاراً جمالياً فريداً يكسر روتين الأفلمة الأكاديمية لحقبات مضت. وهذا ما يجعل من المخرج شاعر الديجيتال الأهم. التضاد أو الكونتراست يتجلى ايضاً في المنظومة الفكرية التي يمتلكها ديلينجر وفي تلك التي عند مطارديه الذين يبحثون عنه "حيّاً أو ميتاً"، كما يتناهى الى مسامعه. من هذا الصراع خرجت أميركا ما بعد الثلاثينات أمة قوية واثقة بذاتها. واذا بدا ديلينجر قوياً وواثقاً بنفسه أيضاً، فذلك لأن خصمه كان ساعتذاك لا يزال ضعيف البنية وصاحب شكوك مزمنة واضحة في المشهد حيث يتحدى ديلينجر الشرطي ملفين برفيس كريستيان بايل، الممثل المناسب في الدور المناسب). وهذه الثغرة ( يراهن عليها رجل العصابات لكسب معركته الملحمية الطويلة التي تقودنا عبر الغابات والطرق الخاوية والملتوية في قرى نائية، فيما تتراقص كاميرا مان على وجوه شخوصه ساعياً الى البقاء أقرب ما يمكن من مسامات جلودهم.
لم يعد سراً ان الأبطال في السينما غالباً ما يستمدون نفوذهم من أعدائهم. هذه ثابتة من ثوابت الفن السابع. اذاً، هريان السلطة هو قوة ديلينجر، وهو يدركه جيداً، وهذا ما يشجعه على الدخول الى مقر الشرطة ذات مرة، وتحديداً الى الوحدة المخصصة للقبض عليه، ويتسكع في أروقتها، في واحد من أروع مشاهد الفيلم

تفصيل آخر ذو أهمية قصوى: من بين الأشياء التي يحبها ديلينجر هناك السينما. يرتاد الصالات المعتمة دورياً. في الدقائق الهيتشكوكية التي يُختتم الفيلم على اثرها، سيذهب ديلينجر لمشاهدة "مانهاتن ميلودراما"، من بطولة وليم باول وكلارك غايبل، الذي منه "سرق" شاربيه المقصوصين بعناية شديدة. هذا الحوار بين الفيلم على الشاشة والفيلم الذي أمامنا نحن المشاهدين، ذو دلالات عميقة. وسرعان ما يتحول الحوار الى لعبة مرايا متبادلة بين غايبل وديلينجر. نسمع غايبل في "مانهاتن ميلودراما" ينصح شريكه بـ"مت سريعاً"، قبل أن يهندس تفاصيل موته، وهو موت سرعان ما يأتي ليخطف ديلينجر أيضاً. انه تحالف سامٍ بين السينما والحياة! مع هذا المشهد، الذي يجسدّ قمة الروعة في سينما مان، يتأمل الفيلم مسألة تحويل المجرمين والسفلة رموزاً خالدة. لكن حيال هذا الشيء لا يشعر مان بأي عيب أو أسف. مثل سلسلة كبيرة من المجرمين خلّدتهم الشاشة، يدين ديلينجر الى السينما بالكثير، في حياته كما في موته، لذا يتيح مان له مشاهدة نفسه، للمرة الثانية قبل أن يهوي، علماً ان المرة الاولى كانت حينما ذهب الى مقر الشرطة وتأمل صوره على لوحة مملوءة بمذكرات التوقيف. بين المرتين، الاولى والثانية، ثمة فرق كبير، اذ ينتقل بصر ديلينجر من النظر في شخصه الى النظر في تجسيده. مع هذا المشهد، لا نستطيع الا ان نرى مساواة بين النجم السينمائي وعدو الشعب الاول، والاثنان يمتلكان شعبية، لا تقاس بأفعالهما انما بما يمنحان الناس من أحلام للهرب في زمن اقتصادي صعب. ويبقى أعداء الشعب" وفيّاً لهذا التراث الذي كرسه "الفيلم الاسود"، في " ترجحه الدائم بين زمن غابر وحاضر يتسرب من بين أنامل أيقونات الشاشة. مرة أخرى يبرع مان في خلط الحاضر والماضي، مستحضراً عناصر من خارج الشاشة ومن داخلها. ودائماً ثمة شيء يذكّر بشيء آخر. هناك شبح جيمس كاغني واشباح أخرى كثيرة تلازم هذا الفيلم الذي سرعان ما يتحول في ادارة مان الى انشودة ليل، قاتمة، عبثية...٠
تتشكل سينما مان في الدرجة الاولى من لقيات بديعة. من عملية بسيطة لنقل السجين ديلينجر، تراه يؤلف قصيدة يقتبس فيها جماليات من الانطباعية الألمانية. كذلك الأمر بالنسبة الى مصابيح السيارات التي تنير ليل سينماه. وأخيراً، بسلاح أوتوماتيكي اصبح اليوم في المتاحف، يفتح النار على سينما الحركة البليدة التي لا تبعث على التفكير. بالنسبة الى مان، ثمة حقيقة واحدة لا غير: اذا اردنا فهم الواقع (الأميركي) الآني فعلينا أن نفهم أولاً الماضي


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
All Rights Reserved- Mohammed Rouda ©2007- 2009٠


Featured Post

خمسون سنة على "معركة الجزائر" • محمد رُضــا

 خمسون سنة على "معركة الجزائر» طروحاته ما زالت حاضرة ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محمد رُضــا  - لندن ...

Popular